الشرع جوازه إذا اقترنت به النية الصالحة وأما أنه يدل على صلاح ما لم يثبت جوازه بدليل خاص لمجرد اقترانه بالنية الصالحة فلا دليل فيه البتة وهذا بين لا يخفى.
وقد عكس ابن حزم فاستدل بالحديث على ما ذهبنا إليه فقال بعد أن ذكر أن من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلا غسلان غسل ينوي به الجنابة وغسل آخر ينوي به الجمعة ... الخ. قال ٢ / ٤٣:
"برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقول رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" فصح يقينا أنه مأمور بكل غسل من هذه الأغسال فإذ قد صح ذلك فمن الباطل أن يجزئ عمل عن عملين أو أكثر وصح يقينا أنه إن نوى أحد ما عليه من ذلك فإنما له بشهادة رسول الله ﷺ الصادقة الذي نواه فقط وليس له ما لم ينوه فإن نوى بعمله ذلك غسلين فصاعدا فقد خالف ما أمر به لأنه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكرنا فلم يفعل ذلك والغسل لا ينقسم فبطل عمله كله لقول رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
ثم ذكر أنه ذهب إلى ما اختاره من عدم الإجزاء جماعة من السلف منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وميمون بن مهران قال:
"وهو قول داود وأصحابنا".
وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجعها ويحسن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري ﵁ فقد روى الحاكم ١ / ٢٨٢ من طريق يحمص بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال:
стр. 142
دخل علي أبى وأنا أغتسل يوم الجمعة فقال: غسل من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة
قال: أعد غسلا آخر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى". وقال الحاكم:
"حديث صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي! فلو كان أبو قتادة يرى إجزاء الغسل الواحد عن الغسلين لما أمره بإعادة غسل واحد للجمعة بل لقال له: انو في غسلك من الجنابة الغسل للجمعة أيضا.
لكن في صحة الإسناد المذكور نظر لأن يحيى بن أبي كثير مدلس وقد عنعنه ثم إن في الطريق إليه هارون بن مسلم العجلي وليس من رجال الشيخين بل ولا روى له أحد من الستة شيئا وقد قال فيه الحاكم عقب هذا الحديث:
"ثقة روى عنه أحمد بن حنبل وعبد الله بن عمر القواريري".
وروى عنه جماعة آخرون وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له هو وابن خزيمة في "صحيحيهما" كما في "التهذيب" وقال:
قال أبو حاتم: "فيه لين".
وقال في "التقريب ":
"صدوق".
فالظاهر أنه حسن الحديث على الأقل
وقد رواه من طريقه الطبراني في "الأوسط" كما في "المجمع" ٢ / ١٧٤ وقال:
"وفيه هارون بن مسلم قال أبو حاتم: فيه لين. ووثقه الحاكم وابن حبان وبقية رجاله ثقات".
стр. 143
ثم خرجته في "الصحيحة" ٢٣٢١.
قوله: "٢ - إذا اغتسل من الجنابة ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل. وعن ابن عمر أنه قال لرجل قال له: إني أتوضأ بعد الغسل؟ فقال له: لقد تعمقت".
قلت: في هذا الاستدلال نظر أما الأثر عن ابن عمر فموقوف ولا حجة فيه إن صح ثم الظاهر أن المراد منه ما يراد من الحديث وهو أن السنة الوضوء قبل الغسل لا بعده بدليل حديثها الآخر قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ... الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما.
ولا شك أن من توضأ قبل الغسل ثم بعده فهو تعمق ومن اقتصر على الوضوء بعده فهو مخالف للسنة فليس إذن في حديث عائشة أنه ﷺ كان لا يتوضأ في الغسل مطلقا ولو كان كذلك لصح الاستدلال به وإذ لا فلا.
فالأولى الاستدلال بحديث جابر بن عبد الله: أن أهل الطائف قالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض باردة فما يجزئنا من غسل الجنابة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا". رواه مسلم وغيره. وبه استدل البيهقي للمسألة فقال في "سننه" ١ / ١٧٧:
"باب: الدليل على دخول الوضوء في الغسل ... " وهذا ظاهر من الحديث فإذا ضم إليه حديث عائشة الذي أورده المؤلف - وهو صحيح كما بينته في "صحيح سنن أبي داود" برقم ٢٤٤ - ينتج منهما أنه ﷺ كان يصلي بالغسل الذي لم يتوضأ فيه ولا بعده. والله أعلم.
стр. 144
قوله: "وقال أبو بكر بن العربي: لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث ... ".
قلت: بلى قد اختلف العلماء في ذلك وابن العربي إنما قال ما علم, ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ فقد قال الحافظ في "الفتح" ٢ ١ / ٢٨٧:
"ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل وهو مردود فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث". قال الشوكاني عقبه:
"وهو قول أكثر العلماء وإلى القول الأول - أعني: عدم وجوب الوضوء مع الغسل ودخول الطهارة الصغرى تحت الكبرى - ذهب زيد بن علي ولا شك في مشروعية الوضوء مقدما على الغسل كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة وأما الوجوب فلم يدل عليه دليل والفعل بمجرده لا ينتهض للوجوب نعم يمكن تأييد القول الثاني بالأدلة القاضية بوجوب الوضوء".
قلت: وعدم الوجوب هو مذهب ابن حزم خلافا لما قد يظن راجع المحلى ٢ / ٢٨.
قوله: "٤ - لا بأس بدخول الحمام إن سلم الداخل من النظر إلى العورات وسلم من نظر الناس إلى عورته".
قلت: هذا الكلام بإطلاقه يشمل كل من يدخل الحمام ولو كان من النساء ولا سيما أن المؤلف لم يستثنهن من الحكم المذكور فعليه أقول:
لا يجوز إشراك النساء في هذا الحكم بل الحمام - والمقصود به ما كان خارج الدار طبعا - حرام عليهن مطلقا لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته
стр. 145
الحمام". رواه الترمذي وحسنه وله شواهد كثيرة تراجع في "الترغيب".
وعن أبي المليح قال:
دخل نسوة من أهل الشام على عائشة ﵂ فقالت: من أنتن؟ قلن: من أهل الشام قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم قالت: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى".
رواه أصحاب "السنن" الأربعة إلا النسائي وإسناده صحيح على شرط الشيخين وراجع "صحيح الترغيب" ١ / ١٤١ / ١٥٧ - ١٦٥ - طبعة مكتبة المعارف الرياض وهي طبعة جديدة منقحة ومزيدة.
وأما استثناء المريضة والنفساء كما جاء في حديث ابن عمرو عند أبي داود وغيره فلا يصح سنده كما هو مبين في "غاية المرام" ١٩٢ وغيره.
стр. 146
ومن التيمم
قوله مستدلا على إباحة التيمم لجرح أو مرض: "لحديث جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه ... فقال ﷺ : "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده". رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن السكن".
قلت: هذا الحديث ضعفه البيهقي والعسقلاني وغيرهما لكن له شاهد من حديث ابن عباس يرتقي به إلى درجة الحسن لكن ليس فيه قوله: "ويعصر ... الخ" فهي زيادة ضعيفة منكرة لتفرد هذا الطريق الضعيف بها
وراجع "التلخيص
стр. 147
الحبير" ٢ / ٢٩٢ و٢٩٥ و "بلوغ المرام".
ومن هذا يتبين أن احتجاج المؤلف بالحديث هنا متجه بخلاف احتجاجه به في "المسح على الجبيرة" ويأتي زيادة بيان هناك.
قوله:" وإذا كان قادرا على استعمال الماء لكنه خشي خروج الوقت باستعماله في الوضوء أو الغسل فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه".
قلت: والذي يتبين لي خلافه ذلك لأنه من الثابت في الشريعة أن التيمم إنما يشرع عند عدم وجود الماء بنص القرآن الكريم وتوسعت في ذلك السنة المطهرة فأجازته لمرض أو برد شديد كما ذكره المؤلف فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟ فإن قيل: هو خشية خروج الوقت. قلت: هذا وحده لا يصلح دليلا لأن هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إما أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسله أو بسبب لا يملكه مثل النوم والنسيان ففي هذه الحالة الثانية فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أمر بدليل قوله ﷺ في: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها". أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتا خاصا به فهو إذا صلى كما أمر يستعمل الماء لغسله أو وضوئه فليس يخشى عليه خروج الوقت فثبت أنه لا يجوز له أن يتيمم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" ص ١٢ وذكر في "المسائل الماردينية" ص ٦٥ أنه مذهب الجمهور.
وأما في الحالة الأول فمن المسلم أنه في الأصل مأمور باستعمال الماء وأنه لا يتيمم فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء فإن أدرك الصلاة فبها وإن فاتته فلا يلومن إلا نفسه لأنه هو الذي سعى إلى هذه النتيجة.
هذا هو الذي اطمأنت إليه نفسي وانشرح له صدري وإن كان شيخ الإسلام وغيره قالوا: إنه يتيمم ويصلي والله أعلم.
ثم رأيت الشوكاني كأنه مال إلى هذا الذي ذكرته فراجع "السيل الجرار" ١ / ١٢٦ – ١٢٧.
стр. 148
ومن المسح على الجبيرة ونحوها
قوله: "يشرع المسح على الجبيرة ونحوها مما يربط به العضو المريض لأحاديث وردت في ذلك وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن لها طرقا يشد بعضها بعضا تجعلها صالحة للاستدلال بها على المشروعية من هذه الأحاديث حديث جابر أن رجلا أصابه حجر فشجه في رأسه ... ".
قلت: تبع المؤلف في تقوية الحديث الصنعاني والشوكاني وغيرهما وهو ذهول منهم جميعا عن القاعدة التي أوردتها في "المقدمة: القاعدة ١٠" والتي خلاصتها أن الحديث لا يقوى بكثرة الطرق إذا كان الضعف فيها شديدا وهذه الأحاديث من هذا القبيل وهي أربعة ولا بأس من أن نبين عللها بشيء من الاختصار:
الأول: حديث جابر المذكور في الكتاب وموضع الشاهد منه قوله: "ويعصب أو يعصر على جرحه ... " وقد بينا فيما تقدم أن هذه الجملة منكرة فأغنى عن الإعادة.
الثاني: عن علي قال: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر. قال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام ":
"رواه ابن ماجه بسند واه جدا". وقال شارحه الصنعاني:
стр. 149
"والحديث أنكره يحيى بن معين وأحمد وغيرهما قالوا: وذلك أنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي وهو كذاب ورواه الدارقطني والبيهقي من طريقين أوهى منه قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث: وقال الشافعي: لو عرفت إسناده بالصحة لقلت به وهذا مما أستخير الله فيه".
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه:
"هذا حديث باطل لا أصل له".
الثالث: عن أبي أمامة رواه الطبراني في "المعجم الكبير" ٨ / ١٥٤ / ٧٥٩٧ بإسناده وقد ساقه في "نصب الراية" ١ / ١٨٦ وفيه اسحاق بن داود الصواف شيخ الطبراني ولم أجد له ترجمة وحفص بن عمر - وهو العدني - قال النسائي: "ليس ثقة".
الرابع: عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر.
أخرجه الدارقطني وقال:
"أبو عمارة يعني محمد بن أحمد بن المهدي أحد رواته ضعيف جدا ولا يصح هذا الحديث مرفوعا".
وقد رواه البيهقي ١ / ٢٢٨ عن ابن عمر موقوفا عليه بسند صحيح ثم قال:
"هو عن ابن عمر صحيح".
وقال البيهقي بعد أن ساق الحديث الثاني من طريق الأول وأشار إلى طرقه الأخرى وضعفها كلها:
"ولا يثبت في هذا الباب شيء وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم - يعني حديث جابر - وليس بالقوي وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين
стр. 150
فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة".
قلت: فأنت ترى البيهقي قد اعتمد في الباب على أقوال الفقهاء وأثر ابن عمر المشار إليه آنفا فلو كان الحديث قويا بهذه الطرق لاحتج البيهقي بذلك لأنه من القائلين بتقوية الحديث بكثرة الطرق ولكنه لم يفعل مع احتياجه للحديث وذلك لشدة ضعف طرقه كما بينا.
ولذلك ذهب ابن حزم إلى أنه لا يشرع المسح على الجبيرة قال ٢ / ٧٤ - ٧٥:
"برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقول رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء وكان التعويض منه شرعا والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة ولم يأت قرآن ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله فسقط القول بذلك".
ثم ذكر عن الشعبي ما يوافق قوله ومثله عن داود وأصحابه وهو الحق إن شاء الله.
وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدم بأنه فعل منه ﵁ وليس إيجابا للمسح عليها وقد صح عنه أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل ولا يشرع ذلك فضلا عن أن يكون فرضا!
стр. 151
ومن الحيض
قوله في صدد سرد دماء الحيض:" د الكدرة: وهي التوسط بين لون البياض والسواد كالماء الوسخ لحديث علقمة بن أي علقمة عن أمه مرجانة مولاة عائشة ﵂ قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. رواه مالك ومحمد بن الحسن وعلقه البخاري".
قلت: مرجانة هذه لم يوثقها غير ابن حبان لكن قد تابعتها عمرة عن عائشة بمعناه أخرجه البيهقي ١ / ٣٣٦ وإسناده حسن١.
والحديث وإن كان موقوفا فله حكم المرفوع لوجوه أقواها أنه يشهد له مفهوم حديث أم عطية المذكور في الكتاب عقب هذا بلفظ: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا" فإنه يدل بطريق المفهوم أنهن كن يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضا وهو مذهب الجمهور كما قال الشوكاني.
وكنت قديما أرى أن الحيض هو الدم الأسود فقط لظاهر حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ المذكور في الكتاب ثم بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات أن الحق ما ذكره السيد سابق: أنه الحمرة والصفرة والكدرة أيضا قبل الطهر لهذا الحديث وشاهده وبدا لي أيضا أنه لا يعارضهما حديث فاطمة لأنه وارد في دم المستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة فهي تميز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسواد فإذا رأته تركت الصلاة وإذا رأت غيره صلت ولا يحتمل الحديث غير هذا. والله أعلم.
стр. 152
ومن الاستحاضة
قوله: "وعن عكرمة بن حمنة أنها كانت مستحاضة ... رواه أبو داود والبيهقي".
قلت: كذا في الأصل: "عكرمة بن حمنة"١ وهو خطأ مطبعي عجيب! ولعل الأصل: "عكرمة عن حمنة" وهي بنت جحش لأنه كذلك في "سنن أبي داود" فإن كان هذا هو الأصل فما النكتة من ذكر عكرمة في سنده والابتداء من عنده ولا سيما أنه خلاف الاختصار الذي جرى عليه المؤلف في الكتاب؟!
ثم إن "حمنة" كذا هو في الأصل أيضا بكسر الميم وكذلك تقدم في بحث الاستحاضة وهو خطأ والصواب: "حمنة" بسكون الميم كما في "المغني" للشيخ الفتني و "القاموس" وغيرهما.
стр. 153
ومن الصلاة
قوله تحت عنوان "منزلتها في الإسلام ": "نقل عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يحاسب ... " رواه الطبراني".
قلت: نقله المؤلف من "الترغيب" وهو فيه هكذا من مسند عبد الله بن قرط وخالفه الهيثمي في "المجمع" فجعله من مسند أنس بن مالك وتبعه عليه السيوطي في "الجامع" وهو الصواب فقد رواه بهذا اللفظ الضياء المقدسي في مسند أنس من "الأحاديث المختارة" من طريق الطبراني وغيره وقد خرجته في "الصحيحة" ١٣٥٨ ثم رأيته كذلك في "المعجم الأوسط" للطبراني ٣ / ١٠٠ - ١٠١ - مصورة الجامعة الإسلامية رقم ٢٠٤٦ بترقيمي.
стр. 154
قوله تحت ذكر الأحاديث المصرحة بوجوب قتل تارك الصلاة: "١ - عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منها فهو كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان" رواه أبو يعلى بإسناد حسن".
قلت: أنا في شك كبير من ثبوت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ والمصنف إنما حسنه تبعا للمنذري وقد كنت قلت في تعليقي عليه ما نصه:
"وكذا قال الهيثمي في "المجمع" ١ / ٤٨ قلت: وفيه عندي نظر لأنه من رواية عمرو بن مالك النكري ولم يذكروا توثيقه إلا عن ابن حبان ومع ذلك فقد وصفه ابن حبان بقوله:
"يخطئ ويغرب" وقال أيضا:
"يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه".
وكل هذا يفيد أنه لا يحتج بما انفرد به ومنه تعلم قول الذهبي فيما نقله المناوي عن كتابه "الكبائر":
"هذا حديث صحيح" أنه غير صحيح. ولعله إن صح إنما هو موقوف من قول ابن عباس ولا سيما وقد تردد في رفعه بعض التردد أحد رواته وهو حماد بن زيد حيث قال: "ولا أعلمه إلا قد رفعه" وجزم برفعه أخوه سعيد بن زيد ليس بحجة كما قال السعدي وقال النسائي وغيره:
"ليس بالقوي". والله أعلم.
وأزيد هنا فأقول: إن توثيق ابن حبان وحده للراوي مما لا يوثق به كما بيناه في "المقدمة" وهذا إذا اقتصر على توثيقه فكيف إذا وصفه بأنه "يخطئ "؟!
стр. 155
ولذلك فإنه يغلب على الظن إن كان للحديث أصل عن ابن عباس أنه موقوف عليه أخطأ النكري هذا فرفعه إلى النبي ﷺ . والله أعلم١.
стр. 156
ومن صلاة الصبي
قوله: "فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ... " رواه أحمد وأبو داود والحكم وقال: صحيح على شرط مسلم".
قلت: فيه إيهام أن الحاكم صححه من هذا الطريق على شرط مسلم وليس كذلك وعمرو بن شعيب ... ليس من أسانيد مسلم والواقع أن للحديث إسنادين هذا أحدهما والآخر من طريق عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه. وهذا هو الذي قال فيه الحاكم: صحيح على شرط مسلم فلو أن المؤلف بين هذا لأفاد فائدتين:
الأولى: دفع الوهم المذكور.
والثانية: تقوية الحديث بمجيئه من الطريق الأخرى ولا سيما والطريق الأولى يضعفها بعض العلماء وإن كان التحقيق أنها طريق حسنة محتج بها عند أكابر العلماء كأحمد والبخاري وغيرهما.
على أن الإسناد الثاني ليس على شرط مسلم لأن عبد الملك بن الربيع إنما روى له مسلم متابعة كما بينته في "صحيح سنن أبي داود" رقم ٥٨.
стр. 157
ومن تأكيد تعجيلها في يوم الغيم
قوله: "عن بريدة الأسلمي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله". رواه أحمد وابن ماجه".
قلت: إنما يصح من هذا الحديث مرفوعا قوله: "من فاتته ... الخ" كذلك أخرجه البخاري وغيره.
وأما باقي الحديث فإنما هو من قول بريدة موقوفا عليه أخطأ أحد رواة الحديث فرفعه إلى النبي ﷺ والمحفوظ الأول كما قال الحافظ في "التهذيب" وقد أوضحت ذلك في "التعليق الرغيب" ١ / ١٦٩ ثم في "إرواء الغليل" رقم ٢٥٥ وهو مطبوع.
стр. 158
ومن وقت العشاء
قوله: "وأما وقت الجواز والاضطرار يعني لصلاة العشاء فهو ممتد إلى الفجر لحديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى" رواه مسلم.
والحديث يدل على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر فإن العلماء أجمعوا على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس".
قلت: تبع المصنف الشوكاني وغيره في هذا الاستدلال بهذا الحديث ولا دليل فيه على ما ذهبوا إليه إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة ولا سيق من أجل
стр. 159
ذلك وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدا عن وقتها مطلقا سواء كان يعقبها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب أو لا مثل الصبح مع الظهر ويدل على ذلك أن الحديث ورد في صلاة الفجر حين فاتته ﷺ مع أصحابه وهم نائمون في سفر لهم واستعظم الصحابة ﵃ وقوع ذلك منهم فقال ﷺ لهم: "أما لكم في أسوة؟ " ثم ذكر الحديث. كذلك هو في "صحيح مسلم" وغيره فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إليه من امتداد وقمت كل صلاة إلى دخول الأخرى لكان نصا صريحا على امتداد وقت الصبح إلى وقت الظهر وهم لا يقولون بذلك ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك وهذا الاستثناء على ما بينا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح فكيف يصح استثناؤها؟ فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد بل لإنكار تعمد إخراج الصلاة عن وقتها مطلقا ولذلك قال ابن حزم في "المحلى" ٣ / ١٧٨ مجيبا على استدلالهم المذكور:
"هذا لا يدل على ما قالوه أصلا وهم مجمعون معنا أن وقت صلاة الصبح لا يمتد إلى وقت صلاة الظهر فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط سواء أتصل آخر وقتها بأول الثانية أم لم يتصل وليس فيه أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وإن لم يدخل وقت أخرى ولا أنه يكون مفرطا بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة والضرورة توجب أن من تعدى بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدى حدود الله وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ".
وإذ قد ثبت أن الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إلى الفجر فإنه
стр. 160
يتحتم الرجوع إلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مثل قوله ﷺ : "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ... ". رواه مسلم وغيره وقد مضى بتمامه في الكتاب ويؤيده ما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: " ... وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل وإن أخرت فإلى شطر الليل ولا تكن من الغافلين". أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم وسنده صحيح.
فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنما يمتد إلى نصف الليل فقط وهو الحق ولذلك اختاره الشوكاني في "الدرر البهية" فقال: " ... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل"١ وتبعه صديق حسن خان في "شرحه" ١ / ٦٩ - ٧٠ وقد روي القول به عن مالك كما في "بداية المجتهد" وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري وغيره. انظر المجموع ٣ / ٤٠.
فائدة: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق وهو مذهب كافة العلماء كما في المصدر المذكور.
стр. 161
ومن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
قوله تعليقا على حديث عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا ... " قال:
"النهي عن الدفن في هذه الأوقات معنا تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات فأما إذا وقع الدفن بلا تعمد في هذه الأوقات فلا يكره".
قلت: هذا نص كلام النووي في "شرح صحيح مسلم" فلو عزاه إليه كان أولى ثم إن الحديث مطلق وتخصيصه بالمتعمد لا دليل عليه كما بينته في "أحكام الجنائز" البحث ٨٣ فالواجب تأخير دفن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة إلا إذا خيف تغير الميت. وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف في كتاب الجنائز.
ومن رأيهم في الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها
قوله: "واستثنوا يعني الحنفية عصر اليوم وصلاة الجنازة".
قلت: استثناء عصر اليوم صحيح وأما استثناء صلاة الجنازة فغير مسلم إذ لا دليل عليه بل إطلاق حديث عقبة المتقدم وما في معناه يشملها ويؤيده أن ابن عمر كان ينهى عن الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس كما في "الموطأ" وغيره والأولى أن يستثني الصلاة المنسية أو التي نام عنها فيصليها إذا ذكرها في وقت الكراهة لحديث الشيخين المذكور في الباب المتقدم من الكتاب.
ثم إن ما ذكره المؤلف من استثناء بعض الأئمة التطوع يوم المجمعة وقت الاستواء صحيح أيضا وفيه أحاديث كثيرة تراجع في "زاد المعاد" و "أعلام أهل العصر بحكم ركعتي الفجر" للعظيم آبادي وغيرهما.
стр. 162
ومن الأذان قوله:
"وهو واجب أو مندوب"
قلت: لعل المؤلف حفظه الله تعالى لم تتح له الفرصة ليحقق القول ويبين الحق من القولين وإلا فإن القول بأن الأذان مندوب لا نشك مطلقا في بطلانه كيف وهو من أكبر الشعائر الإسلامية التي كان عليه الصلاة. والسلام إذا لم يسمعه في أرض قوم أتاهم ليغزوهم وأغار عليهم فإن سمعه فيهم كف عنهم كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما وقد ثبت الأمر به في غير ما حديث صحيح والوجوب يثبت بأقل من هذا فالحق أن الأذان فرض على الكفاية وهو الذي صححه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" ١ / ٦٧ - ٦٨ و٤ / ٢٠ بل وعلى المنفرد كما يأتي.
وسنذكر دليلا آخر على الوجوب في بحث "صلاة الجماعة" وقد ذكره الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ١٩٦ - ١٩٧ مع أحاديث أخرى وختم ذلك بقوله:
"والحاصل أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة ثم هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعة بل لكل مصل عليه أن يؤذن ويقيم لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائق الرجال والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكان لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال".
стр. 163
قوله في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في ابتداء شرع الأذان ص ٢٠١ - ٢٠٢: "رواه أحمد"!
قلت: هذا يوهم أنه لم يروه أحد من أهل السنن والصحاح وهو تقصير فاحش فقد أخرجه أبو داود والدارمي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"١ وإسناده حسن صحيح كما بينته في "صحيح أبي داود" ٥١٢ وانظر "المشكاة" ٦٥٠.
فائدة: قوله في هذا الحديث بعد أن ساق الأذان:
"ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة ... " الخ.
قلت: في هذا دليل واضح على أن السنة في الإقامة في موضع غير موضع الأذان فقول ابن قدامة في "المغني" ١ / ٤٢٧:
"ويستحب أن يقيم في موضع أذانه قال أحمد: أحب إلي أن يقيم في مكانه ولم يبلغني فيه شيء إلا حديث بلال: لا تسبقني بآمين" يعني: لو كان يقيم في موضع صلاته لما خاف أن يسبقه بالتأمين لأن النبي ﷺ إنما كان يكبر بعد فراغه من الإقامة ولأن الإقامة شرعت للإعلام فشرعت في موضعه ليكون أبلغ في الإعلام. وقد دل على هذا حديث عبد الله بن عمر قال: كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة".
فأقول: أما حديث ابن عمر فلا دلالة فيه لما ذكره مطلقا لأنه من الممكن سماعه للإقامة لقربه من المسجد وذلك لا يستلزم أن تكون الإقامة في موضع
стр. 164
الأذان كما هو ظاهر. وإسناده حسن كما هو مبين في "صحيح أبي داود" ٥٢٧ بخلاف حديث بلال فإنه منقطع بين أبي عثمان وبلال ولذلك أوردته في "ضعيف أبي داود" برقم ١٦٧ على أنه لو صح فلا دلالة فيه أيضا على الدعوى.
وما نقله عن الإمام أحمد ففيه نظر لأنه لا يعني بقوله: "مكانه" الأذان وإنما المقيم يعني أنه يقيم حيث هو ولا يمشي قال عبد الله بن أحمد في "مسائله" ٦١ / ٢٢٠:
"قلت لأبي: الرجل يمشي في الإقامة؟ قال: أحب إلي أن يقيم مكانه ... " الخ.
وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد فروى ابن أبي شيبة ١ / ٢٢٤ عن عبد الله بن شقيق قال: من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد وكان عبد الله يفعله. وسنده صحيح.
وروى عبد الرزاق ١ / ٥٠٦ أن عمر بن عبد العزيز بعث إلى المسجد رجالا: إذا أقيمت الصلاة فقوموا إليها وسنده صحيح أيضا وهو ظاهر في أن الإقامة كانت في المسجد.
قوله: "ويشرع للمؤذن التثويب وهو أن يقول في أذان الصبح بعد الحيعلتين: الصلاة خير من النوم قال أبو محذورة: يا رسول الله علمني سنة الأذان فعلمه وقال: "فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم ... " رواه أحمد وأبو داود".
قلت: إنما يشرع التثويب في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبا لحديث ابن عمر ﵁ قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين"
رواه البيهقي ١ / ٤٢٣ وكذا
стр. 165
الطحاوي في "شرح المعاني" ١ / ٨٢ وإسناده حسن كما قال الحافظ. وحديث أبي مخذورة مطلق وهو يشمل الأذانين لكن الأذان الثاني غير مراد لأنه جاء مقيدا في رواية أخرى بلفظ: "وإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم". أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٥١٠ - ٥١٦ فاتفق حديثه مع حديث ابن عمر ولهذا قال الصنعاني في "سبل السلام" ١ / ١٦٧ - ١٦٨ عقب لفظ النسائي:
"وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن خزيمة قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر لأنه لإيقاظ النائم وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت ودعاء إلى الصلاة. اهـ من "تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي". ومثل ذلك في "سنن البيهقي الكبرى" عن أبي محذورة: أنه كان يثوب في الأذان الأول من الصبح بأمره ﷺ .
قلت: وعلى هذا ليس "الصلاة خير من النوم" من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضا عن الأذان الأول".
قلت: وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لجريان العمل من أكثر المؤذنين في البلاد الإسلامية على خلاف السنة فيها أولا ولقلة من صرح بها من المؤلفين ثانيا فان جمهورهم - ومن ورائهم السيد سابق - يقتصرون على إجمال القول فيها ولا يبينون أنه في الأذان الأول من الفجر كما جاء ذلك صراحة في الأحاديث الصحيحة خلافا للبيان المتقدم من ابن رسلان والصنعافي جزاهما الله خيرا.
стр. 166
ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة وتزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكلية ويصرون على التثويب في الثاني فما أحراهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
فائدة: قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدمين الصريحين في التثوب في الأذان الأول:
"وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى".
قوله في أذان الفجر: "يشرع تقديمه على أول الوقت إذا أمكن التمييز بين الأذان الأول والثاني حتى لا يقع الاشتباه".
قلت: ذلك ممكن بيسر إذا التزمت السنة التي ميزت الأذان الأول بزيادة جملة: "الصلاة خير من النوم مرتين " كما تقدم.
على أن هناك سنة أخرى تزيد الأمر يسرا وهي أن يكون مؤذن الأذان الأول غير مؤذن الأذان الثاني كما في حديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف أخرجه الشيخان وله شواهد كثيرة خرجتها في "الإرواء" ٢١٩ وهى سنة متروكة أيضا فهنيئا لمن وفقه الله ﵎ لإحيائها.
قوله: "وروى الطحاوي والنسائي أنه لم يكن بين أذانه يعني ابن عمر وأذان ابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا".
قلت: لقد أبعد النجعة وأخل بفن التخريج فإن هذه الرواية قد جاءت في "الصحيحين" في حديث ابن عمر المشار إليه آنفا من حديث نافع عنه. انظر "الإرواء" ١ / ٢٣٦.
стр. 167
قوله: فعن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" رواه أبو داود والنسائي والترمذي ... وزاد: قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة".
قلت: الحديث صحيح كما قال الترمذي وأما الزيادة فضعيفة منكرة في سندها يحيى بن اليمان وزيد العمي وهما ضيفان وقد وقفت للحديث على أربعة طرق ذكرتها في "الثمر المستطاب" ثم في "إرواء الغليل" ٢٤٤ وليس في شيء منها هذه الزيادة إلا في هذه الطريق الضعيفة فلا يشرع العمل بها ولا يغتر أحد بكلام الشوكاني في هذا المقام فإنه لم يعط الموضوع حقه من التتبع والبحث.
قوله: وعن أم سلمة قالت: علمني رسول الله ﷺ عند أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك ... ".
قلت: سكت عنه المصنف فأوهم ثبوته وليس كذلك فإنه حديث ضعيف وسكت عن تخريجه وليس بجيد وقد أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها وقال الترمذي:
"حديث غريب وأبو كثير لا نعرفه" ولذلك قال النووي:
"رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده مجهول".
فمثل هذا الحديث لا يجوز نشره بين الأمة إلا مع بيان حاله من الضعف.
قوله: "يستحب لمن يسمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم إلا عند قوله: "قد قامت الصلاة" فإنه يستحب أن يقول: أقامها الله وأدامها فعن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالا أخذ في الإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة قال النبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها".
قلت: بل المستحب أن يقول كما يقول المقيم: "قد قامت الصلاة" لعموم
стр. 168
قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ... ". وتخصيصه بمثل هذا الحديث لا يجوز لأنه حديث واه وقد ضعفه النووي والعسقلاني وغيرهم ولا يغتر بقول صاحب "التاج الجامع للأصول ": "سنده صالح" لأنه اغتر بسكوت أبي داود عليه وقد بينا قيمة سكوت أبي داود على الحديث في "المقدمة" فراجعها وقد بينت ما في سنده من العلل في "ضعيف أبي داود" ٨٣ ثم في "الإرواء" ٢٤١.
وبهذه المناسبة أقول: إن كتاب "التاج" هذا ملئ جدا بالأخطاء العلمية وقد كنت نقدت الجز الأول منه منذ أكثر من عشر سنين من تأليف هذا الكتاب ومسودته موجودة عندي ولو تسنى لنا نشره لفعلنا نصحا للأمة.
قوله فيما يستحب للمؤذن: "٤ - أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا ... ".
قلت: أما تحويل الصدر فلا أصل له في السنة البتة ولا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق ولعله سبق قلم من المؤلف وإن كان استمر عليه في كل طبعات الكتاب ويؤيد هذا الاحتمال قوله عقبه: "قال النووي في هذه الكيفية: هي أصح الكيفيات. قال أبو جحيفة ... ".
فإن النووي قال في "المجموع" ٣ / ١٠٤ بعد حديث الشيخين عن أبي جحيفة الذي ذكره المؤلف وفيه: "فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينا وشمالا".
وفي رواية أبي داود: "فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر" وإسناده صحيح.
стр. 169
ثم قال ٣ / ١٠٦ - ١٠٧: "والسنة أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يستدير كما ذكره المصنف".
ثم قال: "قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه ولا يحول صدره عن القبلة ولا يزيل قدمه عن مكانها وهذا معنى قول المصنف: "ولا يستدير" وهذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور".
هذا من الناحية الفقهية وأما من الناحية الحديثية فإن قوله في رواية أبي داود:
"وإسناده صحيح" غير صحيح لأن فيه قيس بن الربيع وهو ضعيف وتد تفرد بقوله: "ولم يستدر" كما بينته في "صحيح أبي داود" ٥٣٣ وقد ثبتت الاستدارة من رواية جمع لكن المراد بها الالتفات يمينا ويسارا كما شرحته هناك فأغنى عن الإعادة.
ومما يحسن التنبيه عليه أيضا أنه ليس في رواية البخاري قوله: "يمينا وشمالا" وإنما هو عند مسلم فقط كما كنت ذكرت ذلك في تخريج الحديث في "إرواء الغليل" ٢٣٣ فعزو المؤلف تبعا للنووي للشيخين فيه تساهل واضح وانظر إن شئت "فتح الباري" ٢ / ١١٤ – ١١٥.
قوله: " ... وروى ابن المنذر عن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة".
قلت: ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان الإمام في المسجد وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: إن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي ﷺ مقامه
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود"
стр. 170
وأما إذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يروه قد خرج لقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت". متفق عليه واللفظ لمسلم وهو مخرج في "صحيح أبى داود" ٥٥٠ - ٥٥٢ انظر الشوكاني ٣ / ١٦٢.
واعلم أنه لا علاقة لهذه المسألة بتكبيرة الإمام للإحرام فإن عليه بعد قيام الناس أن يأمرهم بسد الفرج وتسوية الصفوف كما كان يفعل النبي ﷺ ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عنه وسيأتي في الكتاب بعضها حتى إذا رأى الإمام أن الصفوف استوت كبر فما جاء في "الآثار" للإمام محمد ص ١٣: "عن إبراهيم قال: إذا قال المؤذن: حي على الفلاح فإنه ينبغي للقوم أن يقوموا فيصفوا فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام. قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة".
قلت: وعلى هذا كثير من مقلدة الحنفية وبخاصة في البلاد الأعجمية فإن في ذلك إضاعة للسنة المحمدية كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا وقريب منه اقتصار بعض الأئمة على قولهم: "استووا استووا" فقط!! وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
قوله: " ... وعن معاذ الجهني عن النبي ﷺ أنه قال: "الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادى يدعو إلى الفلاح ولا يجيبه". رواه أحمد والطبراني"
قلت: سكت عن الحديث فأوهم صحته وليس بصحيح ولا حسن فإنه من طريق ابن لهيعة عن زبان بن فائد وكلاهما ضعيف وإعلال الهيثمي له بالثاني منهما فقط قصور.
стр. 171
قوله: "قال ابن عمر: ليس على النساء أذان ولا إقامة رواه البيهقي بإسناد صحيح".
قلت: هذا خطأ فاحش قلد فيه المؤلف الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٢٧ وهذا قلد الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ١ / ٢١١ وذلك لأنه من رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وعبد الله بن عمر هو العمري المكبر وهو ضعيف كما كنت بينت في "الضعيفة" ٢ / ٢٧٠ وخرجته من طريق "مصنف عبد الرزاق" أيضا من هذا الوجه فكأنهم توهموا أن عبد الله هو عبيد الله بن عمر فإنه ثقة وليس به. ثم هو بظاهره مخالف لما رواه ابن أبى شيبة في "المصنف" ١ / ٢٢٣ بسند جيد عن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر هل على النساء أذان؟ فغضب وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟! واحتج به الإمام أحمد كما ذكرت هناك وراجع كلام الشوكاني المتقدم قريبا.
قوله: "وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقف وسطهن رواه البيهقي".
قلت: في "السنن الكبرى" ١ / ٤٠٨ و٣ / ١٣١ من طريق الحاكم وهو في "المستدرك" ١ / ٢٠٣ - ٢٠٤ وفيه ليث وهو ابن أبي سليم ومن طريقه عبد الرزاق ٣ / ١٢٦ وابن أبي شيبة ١ / ٢٢٣ دون إمامة النساء. لكن هذه الزيادة تابعه عليها ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة أخرجه ابن أبي شيبة ٢ / ٨٩
فأحدهما يقوي الآخر ولها طريق أخرى من حديث رائطة الحنفية أن عائشة أمت نسوة في المكتوبة فأمتهن بينهن وسطا.
أخرجه عبد الرزاق ٣ / ١٤١ والدارقطني ١ / ٤٠٤ والبيهقي ٣ / ١٣١
وقال النووي في "المجموع" ٤ / ١٩٩:
стр. 172
" إسناده صحيح"!
كذا قال وأقره الزيلعي في "نصب الراية" ٢ / ٣١ وأما الحافظ فسكت عن إسناده في "التلخيص" ٢ / ٤٢ وهو أقرب فإن رائطة هذه لم أجد لها ترجمة وفي طبقتها ما في "التهذيب":
"رائطة بنت مسلم روت عن أبيها وعنها ابنها عبد الله بن الحارث بن أبزى المكي".
وقال الحافظ في "التقريب":
"لا تعرف".
فمن المحتمل أن تكون هي هذه أو غيرها فأنى لإسنادها الصحة؟!
ولها شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت:
"أمتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا".
رواه عبد الرزاق أيضا وابن أبي شيبة ٢ / ٨٨ والبيهقي ورجاله ثقات غير حجيرة هذه فلم أعرفها ومع ذلك صححه النووي أيضا وسكت الحافظ عنه أيضا. لكن يقويه ما عند ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن أم الحسن أنها رأت أم سلمة زوج النبي ﷺ تؤم النساء تقوم معهن في صفهن.
قلت: وهذا إسناد صحيح رواته ثقات معروفون من رجال الشيخين غير أم الحسن هذه وهو البصري واسمها خيرة مولاة أم سلمة وقد روى عنها جمع من الثقات ورمز لها في "التهذيب" بأنها ممن روى لها مسلم وذكرها ابن حبان في "الثقات" ٤ / ٢١٦.
وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها ولا سيما وهي مؤيدة بعموم قوله
стр. 173
صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال" كما تقدم فيما نقلناه لك من كلام الشوكاني في "السيل الجرار" فتذكره فإنه مهم.
قوله: " ... روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن بهم وأقام فصلى بهم جماعة".
قلت: قد علقه البخاري ووصله البيهقي بسند صحيح عنه وقد يستدل به بعضهم على جواز تعدد صلاة الجماعة في المسجد الواحد ولا حجة فيه لأمرين:
الأول: أنه موقوف.
الثاني: أنه قد خالفه من الصحابة من هو أفقه منه وهو عبد الله بن مسعود ﵁ فروى عبد الرزاق في "المصنف" ٢ / ٤٠٩ / ٣٨٨٣ وعنه الطبراني في "المعجم الكبير" ٩٣٨٠ بسند حسن عن إبراهيم أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد فاستقبلهم الناس وقد صلوا فرجع بهما إلى البيت ... ثم صلى بهما.
فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقا لما جمع ابن مسعود في البيت مع أن الفريضة في المسجد أفضل كما هو معلوم.
ثم وجدت ما يدل على أن هذا الأثر في حكم المرفوع فانه يشهد له ما روى الطبراني في "الأوسط" ٤٧٣٩ - بترقيمي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم. وقال:
"لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد".
قلت: وهو حسن وقال الهيثمي ٢ / ٤٥:
стр. 174
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط" ورجاله ثقات".
ولعل الجماعة التي أقامها أنس ﵁ كانت في مسجد ليس له إمام راتب ولا مؤذن راتب فإن إعادتها في مثل هذا المسجد لا تكره لما يأتي وبذلك يتفق الأثران ولا يختلفان.
وأحسن ما وقفت عليه من كلام الأئمة في هذه المسألة هو كلام الإمام الشافعي ﵁ ولا بأس من نقله مع شيء من الاختصار ولو طال به التعليق نظرا لأهميته وغفلة أكثر الناس عنه قال ﵁ في "الأم" ١ / ١٣٦:
"وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي إن لم يأته وصلى في مسجده منفردا فحسن وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام الجماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون بهذا اختلاف وتفرق الكلمة وفيهما المكروه وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام راتب ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إماما غيره قال:
وإنما منعني أن أقول: صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على جماعة
стр. 175
بحال تفضيل النبي ﷺ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاؤوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين".
وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولا عن الحسن البصري قال:
"كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى".
رواه ابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٣.
وقال أبو حنيفة:
"لا يجوز إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب".
ونحوه في "المدونة" عن الإمام مالك.
وبالجملة فالجمهور على كراهة إعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق وهو الحق ولا يعارض هذا الحديث المشهور: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" وسيأتي في الكتاب ص ٢٧٧ فإن غاية ما فيه حض الرسول ﷺ أحد الذين كانوا صلوا معه ﷺ في الجماعة الأولى أن يصلي وراءه تطوعا فهي صلاة متنفل وراء مفترض وبحثنا إنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض فاتتهم الجماعة الأولى ولا يجوز قياس هذه على تلك لأنه قياس مع الفارق من وجوه:
الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه ﷺ لا إذنا ولا تقريرا مع وجود المقتضى في عهده ﷺ كما أفادته رواية الحسن البصري.
стр. 176
الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة وتقليل الجماعة مكروه وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرها. رسول الله ﷺ فثبت الفرق فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه ﷺ .
وبعد ... فإن هذا البحث يتطلب شرحا أوسع لا يتسع له هذا التعليق وفي النية أن أجمع في ذلك رسالة فعسى أن أوفق لتحريرها إن شاء الله تعالى.
قوله: "الجهر بالصلاة والسلام على الرسول ﷺ ... محدث مكروه".
قلت: مفهومه أن الإسرار بها سنة فأين الدليل على ذلك؟ فإن قيل: هو قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي ... " وقد مضى في الكتاب في فقرة الذكر عند الأذان فالجواب: ان الخطاب فيه للسامعين المأمورين بإجابة المؤذن ولا يدخل فيه المؤذن نفسه وإلا لزم القول بأنه يجيب أيضا نفسه بنفسه وهذا لا قائل به والقول به بدعة في الدين.
فإن قيل: فهل يمنع المؤذن من الصلاة عليه ﷺ سرا؟
قلت: لا يمنع مطلقا وإنما يمنع من أن يلتزمها عقب الأذان خشية الزيادة فيه وأن يلحق به ما ليس منه ويسوى بين من نص عليه ﷺ وهو السامع - ومن لم ينص عليه - وهو المؤذن - وكل ذلك لا يجوز القول به. فليتأمل.
стр. 177
ومن شروط الصلاة
قوله في بحث ستر العورة بعد أن ساق أدلة الفريقين: "وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين وإن كان الأحوط أن يستر المصلي ما بين سرته إلى ركبته ما أمكن ... ".
قلت: فيه أمور لا بد من تحرير القول فيها:
الأول: أن الأخذ بالأحوط ليس بالأمر الواجب وإنما هو من باب الورع وليس كل مكلف يرغب أن يكرن ورعا كما لا يخفى.
الثاني: أن المؤلف قيد ذلك بالصلاة فمفهومه أن ذلك ليس من الأحوط خارج الصلاة وفيه ما سيأتي بيانه.
الثالث: أن الاختيار الذي أشار إليه ينبغي أن يكون قائما على قواعد علم أصول الفقه لكي لا يكون الاختيار كيفيا تابعا للعادات والأهواء.
ومن الواضح لدى كل ناظر في الأدلة التي ساقها المؤلف أن أدلة القائلين بأن الفخذ ليس بعورة فعلية من جهة ومبيحة من جهة أخرى وأدلة القائلين بأنه عورة قولية من جهة وحاظرة من جهة أخرى
ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيدا عن الهوى والغرض قاعدتان:
الأولى: الحاظر مقدم على المبيح.
والأخرى: القول مقدم على الفعل لاحتمال الخصرصية وغيرها مع أن الفعل في بعض الأدلة المشار إليها لا يظهر فيها أنه كان مقصودا متعمدا كحديث أنس وأثر أبي بكر. أضعف إلى ذلك أنها وقائع أعيان لا عموم لها بخلاف الأدلة القولية فهي شريعة عامة وعليها جرى عمل المسلمين سلفا وخلفا بحيث لا
стр. 178
نعلم أن أحدا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفا عن فخذيه كما يفعل بعض الكفار اليوم ومن يقلدهم من المسلمين الذين يلبسون البنطلون الذي يسمونه بـ الشورت وهو التبان في اللغة.
ولهذا فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحا للأدلة القولية فلا جرم أن ذهب إليه أكثر العلماء وجزم به الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٥٢ - ٥٣ و "السيل الجرار" ١ / ١٦٠ – ١٦١.
نعم يمكن القول بأن عورة الفخذين أخف من عورة السوأتين وهو الذي مال إليه ابن القيم في "تهذيب السنن" كما كنت نقلته عنه في "الإرواء" ١ / ٣٠١.وحينئذ فمس الفخذ الذي وقع في حديث أبي ذر والظاهر أنه من فوق الثوب ليس كمس السوأتين خلافا لما قعقع حوله ابن حزم ونقله المؤلف عنه وأقره! بقي شيء وهو أن المؤلف قرن الركبة والسرة مع الفخذ ثم لم يذكر الدليل عليهما والواقع أنه لا يصح في ذلك شيء كما بينه الشوكاني ٢ / ٥٥ بل ينفى ذلك قوله ﷺ : "ما بين السرة والركبة عورة" وهو حديث حسن كما بينته في "الإرواء" ٢٤٧ و٢٧١ إلى أحاديث أخرى بمعناه فراجع الشوكاني إن شئت.
ثم قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ : "أي ولا يظهرن مواضع الزينة إلا الوجه والكفين كما جاه ذلك صحيحا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة".
قلت: انظر "حجاب المرأة المسلمة" ص ٢٣ - ٢٥ وأزيد هنا فأقول: روى ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤ / ٢٨٣ عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة: "قال: الكف ورقعة الوجه". وسنده صحيح. وروى نحوه عن ابن عمر
стр. 179
بسند صحيح أيضا. فهذان الأثران الصحيحان مما يتقوي حديث عائشة مرفوعا: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه". وقد شرحت ذلك في المصدر المذكور آنفا بما لا مزيد عليه وقد تجاهل ذلك كله بعض أهل الأهواء فنسبونا إلى ما الله يعلم أني برئ منه هداهم الله.
ثم قال في حديث أم سلمة: أتصلي المرأة في درع وخمار ... الخ: "رواه أبو داود وصح الأئمة وقفه وله حكم المرفوع".
قلت: لا يصح إسناده لا مرفوعا ولا موقوفا لأن مداره على أم محمد بن زيد وهي مجهولة لا تعرف وبيانه في "الإرواء" ٢٧٤ و "ضيعف أبي داود" ٩٧ - ٩٨ وخفيت هذه الحقيقة على الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٥٨ فرجح الرفع وغفل عن الجهالة وأما في "السيل" ١ / ١٦١ فقال:
"لا تقوم به حجة".
فأصاب لكنه اضطرب كلامه في توجيهه ولا مجال الآن لبيانه.
ثم قال: "وعن عائشة أنها سئلت في كم تصلي المرأة من الثياب ... الخ".
قلت: كذا ذكره دون تخريج وبيان لحاله وقد أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٣ / ١٢٨ و "ابن أبي شيبة" ٢ / ٢٢٤ من طريق مكحول عمن سأل عائشة في كم ... الخ.
قلت: ورجاله ثقات لكنه فيه الرجل الذي لم يسم بين مكحول وعائشة.
لكن روى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت:
رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار
стр. 180
وإسناده صحيح.
والدرع: القميص.
وروى مالك في "الموطأ" ١ / ١٦٠ وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي ٢ / ٢٣٣ عن عبيد الله الخولاني - وكان يتيما في حجر ميمونة - أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار.
وإسناده صحيح أيضا.
وفي الباب آثار أخرى مما يدل على أن صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرا معروفا لديهم وهو أقل ما يجب عليهن لستر عورتهن في الصلاة ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار".
وإسناده صحيح.
وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال:
"إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة".
رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضا.
فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها. والله أعلم.
قوله تحت عنوان: ما يجب من الثياب وما يستحب منها: "وعن بريدة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في ... سراويل وليس عليه رداء. رواه أبو داود والبيهقي".
قلت: وإسناده حسن كما حققته في "صحيح أبي داود" ٦٤٦.