← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ذلك تشريعا للناس كيف وهو أمر لا يمكن الاطلاع عليه عادة كما لا يخفى؟! فالصواب القول بالتحريم مطلقا في الصحراء والبنيان وهذا الذي انتهى إليه الشوكاني في "نيل الأوطار" و "السيل الجرار" ١ / ٦٩ قال فيه: "وحقيقة النهي التحريم ولا يصرف ذلك ما روي أنه ﷺ فعل ذلك فقد عرفناك أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة إلا أن يدل دليل على أنه أراد الاقتداء به في ذلك وإلا كان فعله خاصا به. وهذه المسألة مقررة في الأصول محررة أبلغ تحرير وذلك هو الحق كما لا يخفى على منصف. ولو قدرنا أن مثل هذا الفعل قد قام ما يدل على التأسي به فيه لكان خاصا بالعمران فإنه رآه وهو في بيت حفصة كذلك بين لبنتين". قلت: ويعني أنه لم يقم الدليل المشار إليه فبقي الحكم على عمومه والفعل خاص به ﷺ . وأما قول ابن عمر في حديث مروان الأصفر الذي ذكره المؤلف عقب الحديث السابق: "إنما نهى عن هذا في الفضاء ... " فليس صريحا في الرفع بل يمكن أن يكون ذلك فهما منه لفعله ﷺ في بيت حفصة فلا ينهض دليلا للتخصيص بالصحراء كما بينه الشوكاني فليراجعه من شاء ١ / ٧٣. وإن مما يؤيد العموم الأحاديث التي وردت في النهي عن البصق تجاه القبلة في المسجد وخارجه ومن ذلك قوله ﷺ : "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه". وهو مخرج في "الصحيحة" ٢٢٢ و٢٢٣ وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها وفي المسجد أو غيره كما نقلته عنه هناك وبه قال الصنعاني. فإذا كان البصق تجاه القبلة في البنيان منهيا عنه محرما أفلا يكون البول والغائط تجاهها محرما من باب أولى؟! فاعتبروا يا أولي الأبصار!

стр. 72

قوله تحت رقم ٧ -: ... لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر قالوا لقتادة: ما يكر من البول في الجحر؟ قال: "إنها مساكن الجن". رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن السكن. قلت: الحديث ضعيف وتصحيح من صححه تساهل أو خطأ منهم فإن له علة تمنع الحكم عليه بالصحة وهي عنعنة قتادة فإنه مدلس فقد أورده في "المدلسين" الحافظ برهان الدين الحلبي في "التبيين لأسماء المدلسين" وقال: "إنه مشهور بالتدليس" وكذلك قال الحافظ ابن حجر في "طبقات" المدلسين" وزاد: "وصفه به النسائي وغيره". وأورده الحافظ في "المرتبة الثالثة" وهى التي خصها كما قال في "المقدمة ": بـ "من أكثر من التدليس فلم يحتج به الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم". هذا يقال فيما لوثبت سماع قتادة من ابن سرجس في الجملة وقد أثبته علي ابن المديني ونفاه غيره فقال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص ١١١: "فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة....وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس". فالحديث عنده منقطع ومع ذلك فقد أورده في "المستدرك" وصححه فكأنه ذهل عن علة الحديث ولهذا ضعف ابن التركماني الحديث فقال في "الجوهر النقي": "قلت: روى ابن أبي حاتم عن حرب بن إسماعيل عن ابن حنبل قال: ما

стр. 73

أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا عن أنس قيل له: فابن سرجس؟ فكأنه لم يره سماعا"١. قوله تحت رقم ٩ -: ... لحديث عبد الله بن معقل كذا والصواب مغفل٢ أن النبي ﷺ لا قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فان عامة الوسواس منه". رواه الخمسة. قلت: القول في هذا الحديث كالقول في الذي قبله فإن مدار هذا عند جميع مخرجيه على الحسن البصري عن عبد الله بن مغفل والحسن البصري على جلالة قدره فإنه من المشهورين بالتدليس كما قال برهان الدين الحلبي وقال الحافظ في "التقريب ": "كان يرسل كثيرا ويدلس" وقال الذهبي: "كان كثير التدليس فإذا قال في حديث: "عن فلان" ضعف احتجاجه ولا سيما بمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة وغيره". وقد أشار الترمذي إلى ضعف الحديث فقال بعد أن خرجه: "حديث غريب" ولذلك أوردته في "ضعيف أبي داود" رقم ٧. لكن في الباب حديث آخر بلفظ: نهى رسول الله أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله.

стр. 74

أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح صححه جمع كالعسقلاني وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢١ فلو أن المؤلف احتج به لأصاب! ثم ذكر في آداب قضاء الحاجة: "أن لا يبول في الماء الراكد أو الجاري". قلت: أما الماء الراكد فنعم لأن الحديث الوارد فيه صحيح أخرجه مسلم وغيره كما في الكتاب من حديث جابر. وله شاهد أقوى منه من حديث أبي هريرة رواه الشيخان وهو مخرج في "صحيح أبي داود" رقم ٦١ و٦٢. أما الماء الجاري فلا لأن الحديث أورده عقب حديث جابر قائلا: وعنه أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الجاري قال في "مجمع الزوائد ": رواه الطبراني ورجاله ثقات". كذا قال وفيه من لا يعرف وآخر متهم وعنعنة أبي الزبير وقد رواه الليث عنه بلفظ: "الدائم" رواه مسلم وغيره كما تقدم ورواية الليث عنه صحيحة لأنه لا يروي عنه إلا ما صرح له بالسماع كما هو معروف فهذا هو المحفوظ في حديث جابر. وأما لفظ: "الجاري" فهو منكر وقد بوب أبو عوانة لحديث الليث بقوله: "بيان حظر البول في الماء الراكد والدليل على إباحة البول في الماء الجاري". فسقط بهذا البيان إلحاق المؤلف الماء الجاري بالماء الراكد وحديثه الذي استدل به قد بسطت الكلام على نكارته في "الضعيفة" برقم ٥٢٢٧. تنبيه: ثم إن فيما عزاه المؤلف ل "مجمع الزوائد" أنه رواه الطبراني

стр. 75

اختصارا مخلا لأن من المصطلح عند العلماء أن إطلاق العزو للطبراني يعني أنه رواه في "المعجم الكبير" فإذا أرادوا غيره قيدوا العزو وهذا ما فعله الهيثمي في "المجمع" ١ / ٢٠٤ فإنه قال: "رواه الطبراني في "الأوسط" ... " وكذلك قال المنذري في الترغيب. قوله تحت رقم ١٠ -: قالت عائشة: من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا جالسا رواه الخمسة إلا أبا داود وقال الترمذي: وهو أحسن شيء في هذا الباب وأصح. قلت: إسناده عن عائشة ضعيف فيه شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - وهو ضيف لا يحتج بما تفرد به كهذا الحديث قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء". وقول الترمذي: "هو أحسن شيء ... " لا يفيد حسنه فضلا عن صحته وإنما يعطي حسنا أو صحة نسبيا كما هو معروف عند من لهم عناية بهذا العلم الشريف. ثم وجدت لشريك متابعا قويا فصح بذلك الحديث لكنه ناف وحديث حذيفة الذي بعد هذا في الكتاب مثبت ومن المعلوم أن المثبت مقدم على النافي لأن معه زيادة علم فيجوز الأمران والواجب الاحتراز من رشاش البول فبأيهما حصل وجب وانظر إن شئت الإرواء" ١ / ٩٥ و "الصحيحة". وأما حديث: "من الخطأ أن يبول الرجل قائما" فلا يصح مرفوعا. والصواب موقوف وبيانه في "الإرواء" ٥٩.

стр. 76

وقول الشوكاني في "السيل" ١ / ٦٧: "إن البول من قيام إذا لم يكن محرما فهو مكروه كراهة شديدة" مما لا يلتفت إليه. قوله تحت رقم ١٠ -: روي عن حذيفة أن النبي ﷺ انتهى إلى سباطة قوم فبال قائما ... رواه الجماعة. قلت: الحديث صحيح بلا شك فتصديره بقوله: "روي" يشعر بأنه ضيف كما اتفق عليه المحدثون فكان الواجب أن يقال: "ورد" أو نحو ذلك مما يشعر بثبوت الحديث. انظر القاعدة ١٣. قوله تحت رقم ١١ -: "أن يزيل ما على السبيلين من النجاسات وجوبا بالحجر ... أو بالماء فقط أوبهما معا". قلت: الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء لم يصح عنه ﷺ فأخشى أن يكون القول بالجمع من الغلو في الدين لأن هديه ﷺ الاكتفاء بأحدهما "وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها ... ". وأما حديث جمع أهل قباء بين الماء والحجارة ونزول قوله تعالى فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فضعيف الإسناد لا يحتج به ضعفه النووي والحافظ وغيرهما وأصل الحديث عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة دون ذكر الحجارة ولذلك أورده أبو داود في "باب الاستنجاء بالماء" وله شواهد كثيرة ليس في شيء منها ذكر الحجارة وقد بينت ذلك في "صحيح سنن أبي داود" رقم ٣٤.

стр. 77

قوله تحت رقم ١٤ -: ... لحديث الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم قال: كان النبي " ﷺ "إذا بال توضأ وينتضح" قلت: هذا الحديث لا يصح متنه لأن فيه اضطرابا كثيرا على نحو عشرة وجوه لخصها الحافظ في "التهذيب" وفي ثبوت صحبة الحكم بن سفيان خلاف. لكن الحديث له شواهد أوردت بعضها في "صحيح أبي داود" رقم ١٥٩ منها حديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ مرة ونضح فرجه. أخرجه الدارمي والبيهقي وسنده صحيح على شرط الشيخين فلو أن المؤلف آثر هذا الحديث لصحة إسناده على ذلك أو على الأقل أشار إليه لكان أحسن. قوله تحت رقم ١٥ -: وروي من طرق ضعيفة أنه ﷺ كان يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" وقوله: "الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه". فأقول: قوله: "من طرق ضعيفة" ليس دقيقا في التعبير عن حال هذين الحديثين فإن الأول من حديث أبي ذر ومن حديث أنس وهما مخرجان في "الإرواء" برقم ٥٣ بإسنادين ضعيفين. والآخر من حديث ابن عمر وهو مخرج في "الضعيفة" برقم ٤١٨٧. وقد فصلت القول في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" برقم ٥٦٥٨ وبينت أن حديث أبي ذر في إسناده جهالة واضطراب واختلاف في المتن. ثم إن قوله: "من طرق ضعيفة" قد يشعر أن لكل من الحديثين أكثر من طريق واحد بحيث يتوارد على ذهن القارئ ما يقال من أن الحديث الضيف يتقوى بكثرة الطرق فيتوهم أن هذا الذي يعنيه المؤلف بقوله المذكور: "من طرق ضعيفة" ولعله لا يقصد ذلك لما سبق بيانه.

стр. 78

ومن سنن الفطرة قوله في التعليق: "أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شيء". أقول: ليس هذا على إطلاقه فقد صح قوله ﷺ لبعض الختانات في المدينة: "اخفضي ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى للزوج". رواه أبو داود والبزار والطبراني وغيرهم وله طرق وشواهد عن جمع من الصحابة خرجتها في "الصحيحة" ٢ / ٣٥٣ - ٣٥٨ ببسط قد لا تراه في مكان آخر وبينت فيه أن ختن النساء كان معروفا عند السلف خلافا لبعض من لا علم بالآثار عنده. وإن مما يؤكد ذلك كله الحديث المشهور: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" وهو مخرج في "الإرواء" رقم ٨٠. قال الإمام أحمد ﵀: "وفي هذا دليل على أن النساء كن يختن". انظر "تحفة المودود في أحكام المولود" لابن القيم ص ٦٤ – هندية. ثم قال في الختان: "ولم يرد تحديد وقت ولا ما يفيد وجوبه". قلت: أما التحديد فورد فيه حديثان: الأول: عن جابر أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام رواه الطبراني في "المعجم الصغير" ص ١٨٥ بسند رجاله ثقات لكن فيه محمد بن أبي السري العسقلاني وفيه كلام من قبل حفظه والوليد بن

стр. 79

مسلم يدلس تدليس التسوية١ وقد عنعنه. والحديث عزاه الحافظ في "الفتح" ١٠ / ٢٨٢ لأبي الشيخ والبيهقي وسكت عليه الحافظ فلعله عندهما من طريق أخرى. الثاني: عن ابن عباس قال: سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى ويختن ... الحديث. رواه الطبراني في "الأوسط" ١ / ٣٣٤ / ٥٦٢ وقال الهيثمي في "المجمع" ٤ / ٥٩: "رجاله ثقات" وأما الحافظ فقال في "الفتح" ٩ / ٤٨٣: "أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده ضعف" قلت: وهو الصواب لأن في سنده رواد بن الجراح وفيه ضعف كما في الكاشف للذهبي لكن أحد الحديثين يقوي الآخر إذ مخرجهما مختلف وليس فيهما متهم وقد أخذ به الشافعية فاستحبوا الختان يوم السابع من الولادة كما في "المجموع" ١ / ٣٠٧ وغيره

стр. 80

وأما الحد الأعلى للختان فهو قبل البلوغ قال ابن القيم: "لا يجوز للولي أن يترك ختن الصبي حتى يجاوز البلوغ". انظر "تحفة المودود في أحكام المولود" له ص ٦٠ – ٦١. وأما حكم الختان فالراجح عندنا وجوبه وهو مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد واختاره ابن القيم وساق في التدليل على ذلك خمسة عشر وجها وهي وإن كانت مفرداتها لا تنهض على ذلك فلا شك أن مجموعها ينهض به ولا يتسع المجال لسوقها جميعا ههنا فأكتفي منها بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ والختان من ملته كما في حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب وهذا الوجه أحسن الحجج كما قال البيهقى ونقله الحافظ ١٠ / ٢٨١. الثاني: أن الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني حتى إن المسلمين لا يكادون يعدون الأقلف منهم. ومن شاء الاطلاع على بقية الوجوه المشار إليها فليراجع كتاب "التحفة" ص ٥٣ – ٦٠. ثم ذكر تحت رقم ٧ - حديث عطاء بن يسار قال: أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ... رواه مالك. قلت: عطاء هذا تابعي معروف فالحديث مرسل ضعيف وقد جاء موصولا من حديث جابر بلفظ آخر أتم منه وليس فيه ذكر اللحية. رواه أبو داود وغيره. وهو مخرج في "الصحيحة" ٤٩٣.

стр. 81

ثم قال: وعن أبي قتادة: أنه كان له جمة ضخمة فسأل النبي ﷺ ؟ فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم رواه النسائي ورواه مالك في" الموطأ" بلفظ: قلت: إن لي جمة فأرجلها؟ قال: "نعم وأكرمها". فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله ﷺ : "وأكرمها". فأقول: هذا الحديث لا يصح عن أبي قتادة لانقطاع إسناده واضطراب متنه. أما الانقطاع فهو أن النسائي رواه في "سننه" ٢ / ٢٩٢ من طريق عمر بن علي بن مقدم قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة ... وهذا إسناد ظاهره الصحة فإن رجاله ثقات رجال الشيخين لكن له علة خفية وهي أن ابن مقدم هذا مع كونه ثقة فقد كان يدلس تدليسا غريبا بينه ابن سعد بقوله: "كان ثقة وكان يدلس تدليسا شديدا يقول: "سمعت" و "حدثنا" ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش ... " ولذلك قال الحافظ في "مقدمة الفتح" ص ٤٣١: "وعابوه بكثرة التدليس ولم أر له في "الصحيح" إلا ما توبع عليه". ولم يوثقه في "التقريب" فإنه اقتصر على قوله فيه: "وكان يدلس شديدا". فمثله لا يحتج به ولو صرح بالتحديث إلا إذا توبع فكيف إذا خولف؟ فقد قال مالك في روايته ٣ / ٦٢٤:

стр. 82

" عن يحيى بن سعيد أن أبا قتادة الأنصاري قال ... " فذكره. فأسقط بين يحيى وأبي قتادة محمد بن المنكدر فصار منقطعا لأن يحيى ابن سعيد - وهو ابن قيس الأنصاري المدني - لم يدرك أبا قتادة ولهذا قال السيوطي في "تنوير الحوالك ": "هو منقطع وقد أخرجه البزار من طريق عمر بن علي المقدمي عن يحيى ابن سعيد عن محمد بن المنكدر عن جابر". قلت: وهذه خلاف رواية النسائي فإنها عن أبي قتادة وهذه عن جابر فهذا اختلاف آخر في إسناده. وقد وجدت له طريقا أخرى عن كل من أبي قتادة وجابر. أما الطريق عن أبي قتادة فقال الطبراني في "الأوسط" رقم ٤٠٩٠: حدثنا علي بن سعيد الرازي قال: نا سليمان بن عمر بن خالد الرقي قال: ثنا يحيى ابن سعيد الأموي عن ابن جريج عن عطاء عن أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: "من اتخذ شعرا فليحسن إليه أو ليحلقه" وكان أبو قتادة يرجل شعره غبا. وقال الطبراني: "لم يروه عن ابن جريج إلا يحيى بن سعيد الأموي". قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين وكذا من فوقه وإنما النظر فيمن دونهم وقد قال الهيثمي في "المجمع" ٥ / ١٦٤: " رواه الطبراني في "الأوسط" عن شيخه علي بن سعيد الرازي قال الدارقطني: ليس بالقوي وبقية رجاله رجال الصحيح". كذا قال! وسليمان بن عمر وأبوه ليسا من رجال "الصحيح" بل ولا من رجال

стр. 83

" السنن الأربعة" والأول له ترجمة في "الجرح والتعديل" ٢ / ١ / ١٣١ بكتابة أبي حاتم عنه وفي "ثقات ابن حبان" ٨ / ٢٨٠ وقال: "حدثنا عنه شيخنا الخضر بن أحمد بن قيدهوز بـ "حران" - وغيره مات سنة تسع وأربعين ومائتين". وأما أبو عمر بن خالد الرقي فلم أر له ترجمة إلا عند ابن حبان ترجمة موجزة جدا لا طائل تحتها فقد قال ٨ / ٤٤٤: " يروي عن موسى بن أعين. روى عنه ابنه سليمان بن عمر بن خالد". قلت: فهو في عداد المجهولين. والله أعلم. بقي الكلام على الطريق الأخرى عن جابر وهي في الحقيقة تعود إلى الطريق الأولى التي رواها النسائي فقال الطبراني في "الأوسط" أيضا ١ / ٣٨٧ / ٦٧٥ - المطبوعة: حدثنا أحمد قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كان لأبي قتادة جمة فسأل النبي ﷺ فيها؟ فقال: "أكرمها وادهنها". وقال الطبراني: "لم يروه عن يحيى إلا إسماعيل". قلت: إسماعيل ثقة ولكنه في روايته عن الحجازيين ضعيف وهذه منها. ولكنه قد تابعه ابن مقدم كما تقدم إلا أنه مدلس فمن الممكن أن يكون تلقاه عن إسماعيل ثم دلسه فلا قيمة حينئذ لهذه المتابعة ولعله لذلك جزم الطبراني بأنه لم يروه عن يحيى إلا إسماعيل. والله أعلم.

стр. 84

وأما اضطراب المتن فذلك ظاهر من الروايات المتقدمة ويمكن تلخيصها بالوجوه الآتية: الأول: رواية النسائي المرفوعة: وأن يترجل كل يوم. الثاني: رواية مالك: فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين. الثالث: رواية عطاء: وكان أبو قتادة يرجل شعره غبا. الرابع: رواية إسماعيل المرفوعة: أكرمها وادهنها. فهذا - كما ترى - اضطراب شديد لا يمكن التوفيق بين هذه الوجوه إلا بترجيح وجه منها ولا سبيل إلى ذلك لضعف أسانيدها كما رأيت فلا بد من تلمس المرجح من خارجها. وقد وجدنا حديثين: الأول: نهى عن الترجل إلا غبا. والآخر: كان ينهانا عن الإرفاه: الترجل كل يوم. وهما مخرجان في "الصحيحة" ٥٠١ و٥٠٢. ومن الواضح أن الأول يبطل الوجه الأول ويرجح عليه الوجه الثالث. وأن الحديث الآخر يؤكد بطلان الوجه الأول وأرجحية الوجه الثالث. والخلاصة أن الروايتين اللتين ذكرهما المؤلف عن أبي قتادة وجابر منكرتان سندا ومتنا فلا يعتمد عليهما ولا يجوز الأخذ بما فيهما مما يخالف الحديثين الصحيحين المذكورين آنفا. أما الأمر بإكرام الشعر فهو ثابت في عدة أحاديث وقد خرجت بعضها في المصدر السابق "الصحيحة" ٥٠٠ و٥٠١ هو مقيد بالحديثين المشار إليهما كما هو ظاهر. وبالله التوفيق.

стр. 85

قوله في تغيير الشيب بالحناء: "قلت: وقد ورد ما يفيد كراهية الخضاب". قلت: لم أجد للمؤلف في هذه الدعوى سلفا ولا علمت لها أصلا ولعله يعني ورود ذلك عن الصحابة والذي نقله الشوكاني عنهم في "النيل" ١ / ١٠٣ إنما هو الاختلاف في الأفضل وليس الكراهة وعلى افتراض أنه روي ذلك عن أحد منهم فلا حجة فيه لأمرين: الأول: أن الصحابة لم يتفقوا على ذلك بل منهم من خضب كالشيخين ﵄ وهو في "صحيح مسلم" وغيره ومنهم من ترك والترك لا يدل على كراهة الخضاب بل على جواز تركه. الثاني: أنه مخالف للثابت عنه ﷺ في قولا وفعلا. أما القول فقد ذكر المصنف فيه حديثين. وأما الفعل ففي "صحيح البخاري" وغيره من حديث أم سلمة ﵂ أنها أخرجت من شعر النبي ﷺ مخضوبا. وفي معناه أحاديث أخرى بوب لها الترمذي في "الشمائل المحمدية ": "باب ما جاء في خضاب رسول الله ﷺ " فراجعها إن شئت في كتابي "مختصر الشمائل" ٤١ / ٣٧ – ٤١. وإن كان يعني ورود ذلك عن النبي ﷺ كما هو المتبادر فنقول: إن كان يريد مطلق الورود - أعني سواء كان صحيحا أو ضعيفا فمسلم. وإن كان يريد الصحيح كما هو المتبادر من عبارته فمردود لأن غاية ما روي في ذلك حديثان: أحدهما ضعيف والآخر لا أصل له. أما الأول فحديث عبد الرحمن بن حرملة أن ابن مسود كان يقول: "كان نبي الله ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة يعني الخلوق وتغيير الشيب

стр. 86

..الحديث" رواه أبو داود ٢ / ١٩٧ وأحمد رقم ٣٦٠٥ ٣٧٧٤ ٤١٧٩ وعبد الرحمن هذا قال ابن المديني فيه: "لا نعرفه من أصحاب ابن مسعود". وقال البخاري: "لا يصح حديثه". يعني هذا فقد ساقه الذهبي عقب عبارة البخاري هذه ثم قال الذهبي: "وهذا منكر". ثم سها الذهبي عن هذا فوافق في "التلخيص" الحاكم على تصحيحه للحديث في "المستدرك"! وأما توثيق ابن حبان لعبد الرحمن هذا فلا يعتد به لما ذكرته في "المقدمة" ولذلك لم يلتفت إلى توثيقه لهذا الرجل الذهبي في "الميزان" والحافظ في "التقريب" حيث أفاد أنه لين الحديث وعليه فلا يغتر بتصحيح الشيخ أحمد محمد شاكر لهذا الحديث لأنه بناه على توثيق ابن حبان للمذكور وكثيرا ما يفعل ذلك ويصحح أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها وقد كنت ناقشته في هذه المسألة في المدينة المنورة وهو في "الفندق" سنة ٦٩ هـ بعد موسم الحج ولكني لم أصل معه إلى نتيجة مع الأسف والله يرحمنا وإياه. والحديث الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ: "من شاب شيبة فهي نور إلا أن ينتفها أو يخضبها". هكذا أورده بعضهم وهو في "سنن أبي داود" والترمذي وحسنه وابن ماجه من هذا الوجه لكن دون قوله: "إلا أن ينتفها أو يخضبها" وكذلك هو في "المسند" ٦٦٧٢ ٦٦٧٥ ٦٩٣٧ ٦٩٦٢ ٦٩٨٩.

стр. 87

وفي رواية له: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب وقال: "هو نور". فهذا يدل على أن ذكر الخضاب في الحديث لا أصل له وتد قال الحافظ في "الفتح" بعد أن ساق الحديث باللفظ الأول: "أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور". قلت: ويستدرك عليه برواية أحمد التي فيها ذكر النتف. وثمة حديث ثالث ممكن أن يؤخذ حكم الخضاب من لفظه المطلق وهو: عن أم سليم مرفوعا: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا ما لم يغيرها". رواه الحاكم في "الكنى" كما في "الجامع الصغير" ورمز لحسنه كما قال المناوي في شرحه ولكن النفس لا تطمئن لتحسين السيوطي له لما عرف من تساهله فراجع "المقدمة: القاعدة الثامنة". ثم وقفت على سند الحديث وتبين لي أنني كنت على صواب في عدم الاعتماد على تحسينه وقد كشفت عن علته في "الصحيحة" تحت الحديث ١٢٤٤ وحكمت بوضعه فأوردته في "ضعيف الجامع الصغير" ٥٦٥١ وهو كتاب حافل بالأحاديث الضعيفة والموضوعة لا مثيل له. والله الموفق. وخلاصة القول أنه لا يجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المتضمنة لجواز الخضاب واستحبابه بهذه الأحاديث الضعيفة ولو صح شيء منها لوجب التوفيق بينها بوجه من وجوه الجمع بين الأحاديث وما أكثرها والوجه هنا أن يقال: إن التغيير المذكور في الحديث الأول والثالث هو النتف وهو منهي عنه صراحة في رواية أحمد للحديث الثاني. أو هو الخضب بالسواد فإنه منهي عنه. وبهذا شرح

стр. 88

الحديثان انظر الخطابي في "المعالم" والمناوي في "الفيض" وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" ٦ / ١٠٣: "والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه فإن الذي نهى عنه الرسول ﷺ من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نتفه. والثاني: خضابه بالسواد كما تقدم. والذي أذن فيه هو صبغه وتغييره بغير السواد كالحناء والصفرة وهو الذي عمله الصحابة ﵃". قال: "وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم وهو الصواب بلا ريب لما تقدم وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. ورخص فيه آخرون ومنهم أصحاب أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن والحسين وفي ثبوته عنهم نظر ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ وسنته أحق بالاتباع ولو خالفها من خالفها". قلت: وللأحاديث المتقدمة في الحض على الخضاب كثر اشتغال السلف بهذه السنة فترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: "وكان يخضب" و "كان لا يخضب" ولا تزال هذه السنة معمولا بها في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما التي لم تتأثر كثيرا بالمدنية الغربية وعاداتها السيئة. والحق أنها سنة ثابتة مستمرة وقد جرى عمل السلف عليها - كما تقدم - وتواردت الأحاديث في الحض على العمل بها فلا يجوز للمسلمين أن يحدثوا عرفا مخالفا لها ولاسيما مع بقاء علة الخضاب المنصوص عليها في حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". وهو مخرج في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ١٠٤. ولذلك فإنا نقطع بأن ما ذهب إليه المؤلف من رجوع أمر الخضاب إلى

стр. 89

العرف والعادة خطأ واضح لا يجوز الاغترار به. والله الموفق. وأعتقد أن المؤلف - عفا الله عني وعنه - قد فتح بمذهبه هذا بابا واسعا من الشر لا يمكن غلقه إلا بإعطاء أوامر النبي ﷺ وسنته التعبدية من التقدير والاعتبار ما تستحق فإنه إذا كان هو يرى ترك الخضاب مع ثبوته عنه ﷺ فعلا وأمرا لمجرد مخالفة ذلك لعادة المسلمين اليوم فما الذي يمنع غير المؤلف - ممن ليس عنده من العلم بالسنة وقدرها ما عند المؤلف - أن يتجاوز هذه المسألة إلى غيرها ومنها إلى أخرى ويجيز تركها كلها على الرغم من أمره ﷺ بها وحضه عليها كل ذلك لمخالفتها لعادة المسلمين وأذواقهم؟! وأي مسلمين؟ مسلمو القرن العشرين؟! لقد كنا ولا نزال نشكو من إعراض أكثر المسلمين عن العمل بالحديث تعصبا منهم لأئمتهم ونشكو من مخالفة بعض الصوفية للأوامر الشرعية لأنها - بزعمهم - لا تتفق مع أذواقهم وإذا بنا اليوم - ونحن ندعي الغيرة على الإسلام والعمل بالسنة - أمام تعصب جديد وصوفية حديثة نقدم أذواقنا وعاداتنا ونتعصب لها على هديه ﷺ وأمره دون أن يكون لنافي ذلك قدوة فيمن سلف من إمام يوثق بعلمه وذوقه! قرأت منذ بضعة أيام كتاب "الإسلام المصفى"١ لأحد الكتاب الغيورين

стр. 90

على الإسلام - كما يبدو ذلك من كتابه - والحريصين على بقائه نقيا سليما كما كان في عهده ﷺ فإذا به يقول - بعد أن ساق أحاديث صحيحة في الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين - ما نصه: "والأمر بإعفائها لم يكن إلا من قبل الندب وشأنها شأن كل المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام ولا يفرضها على أتباعه بل يتركها لأذواقهم وما تتطلبه بيئاتهم وعصورهم"! فانظر لهذا الغيور على أحكام الإسلام كيف مهد لنسف الأمر بإعفاء اللحية بأن حمل الأمر بها على الندب أولا ثم زعم أن الإسلام ترك هذا الأمر المندوب لأذواق المسلمين وبيئاتهم فإذا استذوقوه فعلوه لا لأنه أمر به ﷺ بل لأنه موافق

стр. 91

لذوقهم وعصرهم وإن لم يستذوقوه تركوه غير مبالين بمخالفتهم لأمره ﷺ ولو فرض أنه للندب! وإني لأخشى أن يكون رأي المؤلف قريبا من هذا وإلا فما باله لم يتعرض لبيان حكم الإعفاء مع كثرة النصوص التي تتعلق به كما يأتي بيانه بينما نراه قد جزم ببيان حكم الختان مع أنه لا نص فيه كما أشار إليه فيما تقدم مع الرد عليه اللهم إلا تعليقه على قوله ﷺ : "وفروا اللحى ... ": "حمل الفقهاء هذا الأمر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية ... " فإنه ليس صريحا في التعبير عن رأيه الشخصي وبخاصة أنه يعلم أن مخالفة الإعفاء أكثر وأظهر من مخالفة الختان فإن كثيرا من خاصة العلماء والشيوخ قد ابتلوا بالوقوع فيها بل وبالتزين والتجمل بها بل إن بعضهم قد يتجرأ على الإفتاء بجواز حلقها ولاسيما في مصر التي يعيش فيها السيد سابق والأستاذ السمان فهذا وحده كان كافيا في أن يحمله على بيان حكم هذه المخالفة ولذلك فإني أهتبل هذه الفرصة لأبين حكم الشرع فيها وأستحسن أن يكون ذلك بالرد على تلك الفقرة التي نقلتها عن كتاب "الإسلام المصفى" لشديد صلتها بالموضوع فأقول: أولا: ذكر أن الأمر بإعفاء اللحية للندب وقد سمعنا هذا كثيرا من غيره وإبطالا لهذه الدعوى أقول: هذا خلاف ما تقرر في "علم الأصول": أن الأصل في أوامره ﷺ الوجوب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وغيره من الأدلة التي لا مجال لذكرها الآن والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة وحضرة الكاتب لم يأت بأي دليل يسوغ

стр. 92

له خروجه عن هذا الأصل في هذه المسألة اللهم إلا ادعاؤه أن الإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ... ومع أنها دعوى عارية عن الدليل فإنها منقوضة أيضا بأحاديث كثيرة وهو في قولنا: ثانيا: زعم أن كل المظاهر الشكلية لا يهتم بها الإسلام وأن اللحية منها. أقول: هذا الزعم باطل قطعا لا يشك فيه ذلك أي منصف متجرد عن اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية وكلها صحيحة: ١ - عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. ٢ - عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي ﷺ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة". ٣ - عن ابن مسعود مرفوعا: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله". ٤ - عن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما". أخرج هذه الأحاديث الشيخان في "صحيحيهما ": إلا الأخير منها فتفرد به مسلم وهي مخرجة في "آداب الزفاف" و "حجاب المرأة المسلمة". وفي الباب أحاديث كثيرة جدا وهى مادة كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية فليراجعه من شاء. فهذه نصوص صريحة تبين أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الشكلية اهتماما

стр. 93

بالغا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها فكيف يسوغ مع هذا أن يقال: إن كل المظاهر لا يهتم بها الإسلام ... ؟! إن كان حضرة الكاتب لم يطلع عليها فهو في منتهى الغرابة إذ يجرؤ على الكتابة في هذه المسألة التي لها ما وراءها من الفروع الكثيرة لون أن يراجع ولو مصدرا واحدا من مصادر الإسلام الأساسية! وإن كان اطلع عليها فإني أخشى أن يكون جوابه عنها أنها لا توافق الذوق! أو يقول: لا يقرها المنطق! كما قال ذلك في مسألة نزول عيسى ﵇ ص ٧٥ وحينئذ أعترف بأنه لا جواب إلا الشكوى إلى الله تعالى ... مما سبق من النصوص يمكن للمسلم الذي لم تفسد فطرته أن يأخذ منها أدلة كثيرة قاطعة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها: أولا: أمر الشارع بإعفائها والأصل في الأمر الوجوب فثبت المدعى. ثانيا: حرم تشبه الرجال بالنساء وحلق الرجل لحيته فيه تشبه بالنساء فيما هو من أظهر مظاهر أنوثتهن فثبت حرمة حلقها ولزم وجوب إعفائها. ثالثا: لعن النامصة - وهي التي تنتف شعر حاجبيها أو غير بقصد التجميل - وعلل ذلك بأنه تغيير لخلق الله تعالى والذي يحلق لحيته إنما يفعل ذلك للحسن - زعم - وهو في ذلك يغير خلقة الله تعالى فهو في حكم النامصة تماما ولا فرق إلا في اللفظ ولا أعتقد أنه يوجد اليوم على وجه الأرض ظاهري يجمد على ظاهر اللفظ ولا يمعن النظر في المعنى المقصود منه ولاسيما إذا كان مقرونا بعلة يقتضي عدم الجمود عليه كقوله ﵇ ههنا: " ... للحسن المغيرات خلق الله". وثمة دليل رابع وهو أنه ﷺ جعل إعفاء اللحية من الفطرة كما جعل منها

стр. 94

قص الأظفار وحلق العانة وغير ذلك مما رواه مسلم في "صحيحه" ففيه رد صريح على الكاتب ومن ذهب مذهبه أن اللحية من أمور العادات التي يختلف الحكم فيها باختلاف الأزمان والعصور ذلك لأن الفطرة من الأمور التي لا تقبل شرعا التبدل مهما تبدلت الأعراف والعادات: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. فإن خولفنا في هذا أيضا فإني لا أستبعد أن يأتي يوم يوجد فيه من الشيوخ والكتاب المتأثرين بالجو الفاسد الذي يعيشون فيه وقد سرت فيه عادة إعفاء شعر العانة مكان حلقه وإعفاء اللحية وإطالة الأظافر كالوحوش لا أستبعد أن يأتي يوم يقول فيه بعض أولئك بجواز هذه الأمور المخالفة للفطرة بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم يقولون هذا ولو كان من وراء ذلك ضياع الشخصية الإسلامية التي هي من مظاهر قوة الأمة فاللهم هداك. قوله: "وكان بعضهم - يعني الصحابة - يخضب بالصفرة وبعضهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران وخضب جماعة منهم بالسواد". قلت: أما الصبغ بغير السواد فهو ثابت عنهم وهو الموافق لفعله ﷺ وقوله. وأما قوله: "وخضب جماعة منهم بالسواد". قلت: إن ثبت هذا عنهم فلا حجة في ذلك لأنه خلاف السنة الثابتة عنه ﷺ فعلا وقولا وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . ..الآية٢. ومن الثابت عن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر الصبغ

стр. 95

بالحناء والكتم كما تقدم فالأخذ به هو الواجب لموافقته للسنة دون فعل من خالفهما من الصحابة الذين أشار إليهم المؤلف ولا سيما وفي ثبوت ذلك عن بعضهم نظر كما تقدم عن ابن القيم رحمه الله تعالى ولذلك قال النووي في "المجموع" ١ / ٢٩٤: "اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد وظاهر عبارات أصحابنا أنه مكروه كراهة تنزيه والصحيح بل الصواب أنه حرام وممن صرح بتحريمه صاحب "الحاوي" قال النووي: ودليل تحريمه حديث جابر ... ". ثم ذكر حديثه الآتي في الكتاب بلفظ: "وجنبوه السواد". ولكن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - تأوله تأويلا أبطل به دلالته ويأتي الرد عليه قريبا بإذنه . قوله: "ذكر الحافظ في "الفتح" عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه حديدا فلما نفض الوجه والأسنان تركناه". فأقول: هذا إن ثبت إسناده إلى الزهري فلا حجة فيه لأنه مقطوع موقوف عليه ولو أنه رفعه لم يحتج به أيضا لأنه يكون مرسلا فالعجب من المؤلف كيف يتعلق بمثله ليرد دلالة حديث جابر الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى مع الرد عليه. ولقد أفصح الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه "الحلال والحرام" عن الغرض من ذكره لهذا الأثر في كتابه فإنه استشهد به على أن الأمر في قوله ﷺ : "وجنبوه السواد" خاص بالشيخ الكبير الذي عم الشيب رأسه ولحيته وقد رددت عليه في "غاية المرام" ص ٨٣ - ٨٤ فليراجعه من شاء.

стр. 96

قوله: وأما حديث جابر فقال: جئ بأبي قحافة والد أبى بكر يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ وكأن رأسه ثغامة فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيره بشيء وجنبوه السواد". رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي فإنه واقعة عين ووقائع الأعيان لا عموم لها. قلت: لا أرى أن الحديث من "وقائع الأعيان التي لا عموم لها" بل هو من باب "الأمر للواحد أمر لجميع الأمة أم لا؟ " " والحق الأول كما سبق بيانه في "المقدمة: القاعدة ١٥". ولذلك لما حكى الشوكاني في "النيل" ١ / ١٠٥ تفصي بعضهم من الحديث بأنه ليس في حق كل أحد تعقبه بقوله: "بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكما على الجماعة وفيه خلاف معروف في الأصول" واختار في مكان آخر ما رجحناه وقد نقلت كلامه في ذلك هناك ولذلك جرى العلماء على الاحتجاج بهذا الحديث على أنه ليس خاصا بأبي قحافة وتقدم كلام النووي في ذلك قريبا. ونحوه كلام الحافظ في "الفتح" ٦ / ٤٩٩ و١٠ / ٣٥٤.فليراجعه من شاء. ويؤيد ما سبق أحاديث: ١ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة". أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والطبراني في "الكبير" بسند صحيح وقال الحافظ في "الفتح": "وصححه ابن حبان وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي فحكمه الرفع ولهذا اختار النووي أن

стр. 97

الصبغ بالسواد يكره كراهة تحريم". والحديث أورده الهيثمي في "المجمع" ٥ / ١٦١ بلفظ: "يسودون أشعارهم لا ينظر الله إليهم" والباقي مثله ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد". وله شاهد من حديث ابن عمر مرفوعا رواه أبو الحسن الإخميمي في "حديثه" ٢ / ١١ / ١. ٢ - عن أبي الدرداء مرفوعا: "من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة". قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه الوضين بن عطاء وثقه أحمد وابن معين وابن حبان وضعفه من هو دونهم في المنزلة وبقية رجاله ثقات". وقال الحافظ ١٠ / ٢٩٢ بعد أن عزاه للطبراني وابن أبى عاصم: "وسنده لين". ٣ - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا يوما عند النبي ﷺ فدخلت عليهم اليهود فرآهم بيض اللحى فقال: "ما لكم لا تغيرون؟ " فقيل: إنهم يكرهون فقال في ﷺ : "ولكنكم غيروا وإياي والسواد" قال الهيثمى: "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن".

стр. 98

٤ - عن عبد الله بن عمر رفعه: "الصفرة خضاب المؤمن والحمرة خضاب المسلم والسواد خضاب الكافر" قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه". قلت: فهذه الأحاديث من وقف عليها لا يتردد في القطع بحرمة الخضاب بالسواد على كل أحد وهو قول جماعة من أهل العلم كما تقدم عن ابن القيم وقال: "إنه هو الصواب بلا ريب". وأما حديث: "إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوكم". رواه ابن ماجه ٢ / ٣٨٢ فإنه ضعيف السند فيه راويان ضعيفان وبيان ذلك في "الأحاديث الضعيفة" ٢٩٧٢.

стр. 99

ومن الوضوء قوله في فضل الوضوء: وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة". رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط". قلت: هذا حديث منكر كما قال ابن عدي وابن حبان وقد أساء المؤلف بإيراده إياه مرتين: الأولى: أنه خرجه موهما القراء ثبوته بسكوته عليه. والأخرى: أن هذا التخريج ليس منه - كسائر تخريج كتابه - وإنما نقله عن "ترغيب المنذري" ١ / ٩٥ و "مجمع الهيثمي" ١ / ٢٢٥ وقد بينا أنه

стр. 100

معلول بأنه من رواية بشار بن الحكم وهو متفق على أنه منكر الحديث لا يحتج به إذا تفرد كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" ٢٩٩٩ وبينت هناك أن الشطر الثاني من الحديث صحيح بشواهده ومنها حديث الصنابحي الذي في الكتاب قبيل هذا فلو أن المؤلف أعرض عن ذكره لأصاب وإلا وجب أن يبين علته وأن لا يكتمها. ثم قال في الفرض السادس من فرائض الوضوء: في الحديث الصحيح: "ابدأوا بما بدأ الله به". قلت: الحديث بهذا اللفظ شاذ غير صحيح والمحفوظ إنما بلفظ: "أبدأ" بصيغة الخبر وليس بصيغة الأمر هكذا رواه مسلم وغيره كما حققته في "إرواء الغليل" ٤ / ٣١٦ - ٣١٩ / ١١٢٠ فراجعه. قوله في الفرض السادس: " ... فلم ينقل عنه ﷺ أنه توضأ إلا مرتبا". قلت: تبع المؤلف في هذا ابن القيم ﵀ حيث صرح به في "زاد المعاد" وقد تعقبته في "التعليقات الجياد" بما أخرجه أحمد ومن طريقه أبو داود عن المقدام بن معدي كرب قال: أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وغسل رجليه ثلاثا. وسنده صحيح. وقال الشوكاني: "إسناده صالح". وقد أخرجه الضياء في "المختارة" وهو يدل على عدم وجوب الترتيب وأزيد هنا فأقول: إن النووي والحافظ ابن حجر حسنا إسناده.

стр. 101

ومن سنن الوضوء قوله: "١ - التسمية في أوله ورد في التسمية للوضوء أحاديث ضعيفة لكن مجموعها يزيدها قوة تدل على أن لها أصلا". قلت: أقوى ما ورد فيها حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "لا صلاة لمن لا وضؤ له ولا وضؤ لمن لم يذكر اسم الله عليه". له ثلاثة طرق وشواهد كثيرة أشرت إليها في "صحيح سنن أبي داود" رقم ٩٠ فإذا كان المؤلف قد اعترف بأن الحديث قوي فيلزمه أن يقول بما يدل عليه ظاهره ألا وهو وجوب التسمية ولا دليل يقتضي الخروج عن ظاهره إلى القول بأن الأمر فيه للاستحباب فقط فثبت الوجوب وهو مذهب الظاهرية وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره صديق خان والشوكاني وهو الحق إن شاء الله تعالى وراجع له "السيل الجرار" ١ / ٧٦ – ٧٧. قوله تحت رقم ٢ -: ... لحديث عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. قلت: استدلاله بالحديث وسكوته عليه يوهم أنه حديث ثابت وليس كذلك لأن مدار سنده على عاصم بن عبد الله وهو ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب" وقد أشار البخاري في "صحيحه" إلى تضعيف الحديث حيث قال: "ويذكر عن عامر بن ربيعة ... ". وتناقض فيه كلام الحافظ في "التلخيص" ففي موضع حسنه وفي آخر ضعفه وهذا هو المناسب لجزمه في الكتاب الأول بضعف راوي الحديث وهو الحق إن شاء الله تعالى لذلك كنا نتمنى أن يستدل على ما ذهب إليه من استحباب السواك للصائم أول النهار وآخره بالبراءة الأصلية وإذا أورد الحديث أن يبين ضعفه.

стр. 102

وقوله: ... لحديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به ثم أغسله وأدفعه إليه. رواه أبو داود البيهقي" قلت: سكت عليه المؤلف تبعا لأبي داود ثم المنذري في "مختصره" وفي إسناده كثير بن عبيد رضيع عائشة ولم يوثقه أحد غير ابن حبان وروى عنه جماعة وفي "التقريب ": " مقبول " ... فالحديث محتمل للتحسين وقد حسنه النووي وقواه الحافظ فاحتج به كما بينته في "صحيح أبي داود" ٤١. والله أعلم. وقوله: ... لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: "نعم" قلت: كيف يصنع؟ قال: "يدخل أصبعه في فيه". رواه الطبراني. قلت: سكت عليه فأوهم بثبوته وليس بثابت فقد قال الهيثمي في "المجمع" ٢ / ١٠٠: "رواه الطبراني في" الأوسط" وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف". وساق له الذهبي في ترجمته من "الميزان" أحاديث مما أنكر عليه هذا أحدها وقال الحافظ في "التلخيص" ١ / ٣٨٣: "قلت: عيسى ضعفه ابن حبان وذكر له ابن عدي هذا الحديث من مناكيره". قلت: وإذا عرفت ذلك تبين لك أن قول المؤلف: "ويسن ... " منكر أيضا

стр. 103

كما لا يخفى. قوله: "ولم يصح مسح الرأس أكثر من مرة". قلت: بلى قد صح من حديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ مسح رأسه ثلاثا أخرجه أبو داود بسندين حسنين وله إسناد ثالث حسن أيضا وقد تكلمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في "صحيح أبي داود" رقم ٩٥ ٩٨ وقد قال الحافظ في "الفتح": "وقد روى أبو داود من وجهين صحح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس والزيادة من الثقة مقبولة". وذكر في "التلخيص" أن ابن الجوزي مال في "كشف المشكل" إلى تصحيح التكرير. قلت: وهو الحق لأن رواية المرة الواحدة وإن كثرت لا تعارض رواية التثليث إذ الكلام في أنه سنة ومن شأنها أن تفعل أحيانا وتترك أحيانا وهو اختيار الصنعاني في "سبل السلام" فراجعه إن شئت. قوله تحت رقم ١٠ -: أن النبي ﷺ أتي بثلث مد فتوضأ.... رواه ابن خزيمة. قلت: الحديث في "بلوغ المرام" وغيره برواية ابن خزيمة بلفظ: "ثلثي" على التثنية وكذلك هو في "مستدرك الحاكم" و "سنن البيهقي" فالظاهر أن ما في الكتاب خطأ مطبعي فيصحح وقد قال الصنعاني: "فثلثا المد هو أقل ما ورد أنه توضأ به ﷺ وأما حديث أنه توضأ بثلث مد فلا أصل له ثم طبع - والحمد لله - "صحيح ابن خزيمة" فرأيت الحديث فيه ١ / ٦ ٢ / ١١٨ بلفظ التثنية وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٨٤ وبالله التوفيق.

стр. 104

قوله تحت رقم ١٣ -: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". رواه أحمد والشيخان. قلت: قوله في الحديث: "فمن استطاع ... " مدرج فيه من أحد رواته ليس من كلام النبي ﷺ كما ذكره غير واحد من الحفاظ كما قال المنذري في "الترغيب" ١ / ٩٢ والحديث عندهم من رواية نعيم بن المجمر عن أبي هريرة وقد بين أحمد في رواية له ٢ / ٣٣٤ - ٥٢٣ أنه مدرج فقال في آخر الحديث: "فقال نعيم: لا أدري قوله: "من استطاع أن يطيل غرته فليفعل" من قول رسول الله ﷺ أو من قول أبي هريرة؟ " وقال الحافظ في "الفتح ": "لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه". وكان ابن تيمية يقول: هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلامه ﷺ فإن الغرة لا تكون في اليد لا تكون إلا في الوجه وإطالته غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة كذا في "إعلام الموقعين" ٦ / ٣١٦. ذكر تحت "سنن الوضوء ": "المضمضة ثلاثا والاستنشاق والاستنثار ثلاثا". فأقول: إن كان يعني التثليث فيهما فهو مسلم وإن كان يعني أصل المذكورات - كما هو الظاهر - فهو مرفوض لأنه خلاف الأوامر التي جاءت في الأحاديث التي ذكرها فإنها تدل على وجوبها ولذلك قال الشوكاني في "السيل

стр. 105

الجرار" ١ / ٨١: "أقول: القول بالوجوب هو الحق لأن الله سبحانه قد أمر في كتابه العزيز بغسل الوجه ومحل المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه. وقد ثبت مداومة النبي ﷺ على ذلك في كل وضوء ورواه جميع من روى وضوءه ﷺ وبين صفته فأفاد ذلك أن غسل الوجه المأمور به في القرآن هو مع المضمضة والاستنشاق. وأيضا قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة ... ". ثم ذكر حديث لقيط بن صبرة. ثم ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية تحت رقم ٦ - وهو الصواب وينبغي أن يقال ذلك في تخليل الأصابع أيضا لثبوت الأمر به عنه ﷺ . وأقول تعقيبا على كلام الحافظ: قد رويت تلك الجملة من غير هذه الرواية المتقدمة فأخرجه الإمام أحمد ٢ / ٢٦٢ من طريق ليث عن كعب عن أبي هريرة مرفوعا به. إلا أن ليثا وهو ابن أبي سليم ضعيف لا يحتج به إذا تفرد فكيف إذا خالف؟! قوله تحت رقم ١٣ -: "عن أبي زرعة أن أبا هريرة دعا بوضوء فتوضأ وغسل ذراعيه حتى جارز المرفقين فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى العقبين كذا وهو خطأ مطبعي والصواب: الساقين رواه أحمد والشيخان". قلت: فيه ملاحظتان: الأولى: أن اللفظ لأحمد ٢ / ٢٣٢ فكان ينبغي بيان ذلك وإسناده صحيح على شرط الشيخين. الثانية: أن مسلما لم يخرجه من رواية أبي زرعة فلا يجوز عزوها إليه

стр. 106

وإنما رواه من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا ومن طريق نعيم بن المجمر عنه أتم من الروايتين ولفظه: ... ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وقال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع ... الحديث". وهكذا أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" ١ / ٢٤٣ ولكنه لم يصرح برفع الجملة الأخيرة إلى النبي ﷺ والله أعلم. قوله في الدعاء تحت رقم ١٥ -: لم يثبت من أدعية الوضوء شيء عن رسول الله ﷺ غير حديث أبي موسى الأشعري قال: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فسمعته يدعو يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في رزقي". فقلت: يا رسول الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال: "وهل تركن من شيء؟ ". رواه النسائي وابن السني بإسناد صحيح. قلت: لنا على هذا مؤاخذات: الأولى: أن الحديث ليس من أذكار الوضوء وإنما هو من أذكار الصلاة بدليل رواية الإمام أحمد في "المسند" وابنه عبد الله في "زوائده" من طريق عبد الله بن محمد بن أبى شيبة: ثنا معتمر بن سليمان عن عباد بن عباد عن أبي مجلز عن أبى موسى به مختصرا بلفظ: "فتوضأ وصلى وقال: اللهم ... " وقد قال الحافظ في "أماليه على الأذكار ":

стр. 107

"رواه الطبراني في "الكبير" من رواية مسدد وعارم والمقدمي كلهم عن معتمر ووقع في روايتهم: "فتوضأ ثم صلى ثم قال: ... " وهذا يدفع ترجمة ابن السني حيث قال: "باب ما يقوله بين ظهراني وضوئه" لتصريحه بأنه قاله بعد الصلاة ويدفع احتمال كونه بين الوضوء والصلاة. الثانية: أنه أطلق عزوه للنسائي فأوهم أن الحديث في "سننه" لأنه هو الذي يفهم عند المشتغلين بالسنة عند الإطلاق ولم يروه في "السنن" بل في "عمل اليوم والليلة" كما صرح بذلك النووي في "الأذكار" ص ٣٨ فكان على المؤلف أن يقيده بذلك ولا سيما إنه نقل جل ما في هذا الفصل عن النووي وإن لم يصرح بذلك! ثم رأيته في "عمل اليوم والليلة" للنسائي ١٧٢ / ٨٠ وترجم له بما ترجم له ابن السني في "كتابه" ٧. ومثل هذا الإيهام قد تكرر من المؤلف كثيرا ولم أنبه عليه إلا نادرا لمناسبة ما لأنه لا فائدة كبرى في ذلك. الثالثة: جريه مع النووي على تصحيح إسناده وليس كذلك بل هو ضعيف لانقطاعه ما بين أبي مجلز وأبي موسى كما يأتي بيانه ولم يتنبه لذلك النووي ومن تبعه وقوفا منهم مع ظاهر إسناده فإنهم ثقات جميعا. قال الحافظ ابن حجر في "الأمالي": "وأما حكم الشيخ يعني الإمام النووي على الإسناد بالصحة ففيه نظر لأن أبا مجلز لم يلق سمرة بن جندب ولا عمران بن حصين فيما قال ابن المديني وقد تأخرا بعد أبي موسى ففي سماعه من أبي موسى نظر وقد عهد منه الإرسال

стр. 108

عمن يلقاه"١. وقد وجدت للحديث علة أخرى وهي الوقف فقد أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" ١ / ٢٩٧ من طريق أبي بردة قال: كان أبو موسى إذا فرغ من صلاته قال: "اللهم اغفر لي ذنبي ويسر لي أمري وبارك لي في رزقي".وسنده صحيح وهذا يرجح أن الحديث أصله موقوف وأنه لا يصح رفعه وأنه من أذكار الصلاة لو صح. وقد غفل عن هذا التحقيق المعلق على "زاد المعاد" فإنه صرح بأن سنده صحيح تبعا للنووي ثم تعقب مؤلف "الزاد" الذي ذكر الحديث في أدعية الصلاة فقال: "ولم نر من ذكره في أدعية الصلاة كما ذكر المصنف"!! نعم الدعاء الذي في الحديث له شاهد ذكرته في "غاية المرام" ص ٨٥ فالدعاء به مطلقا غير مقيد بالصلاة أو الوضوء حسن ولذلك أوردته في "صحيح الجامع" ١٢٧٦ وغفل عن هذا بعض إخواننا فأورده فيما يقال في الوضوء أو الصلاة - والشك مني - فرسالته لا تطولها الآن يدي. قوله تحت رقم ١٦ -: "وأما دعاء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فهي في رواية الترمذي وقد قال في الحديث: وفي إسناده اضطراب ولا يصح فيه شيء كبير". قلت: هذا الكلام يوهم أن الدعاء المذكور جاء في حديث تفرد بإخراجه الترمذي وأعله بالاضطراب والواقع أن الحديث أصله عند مسلم وغيره من حديث عمر وقد ذكره المؤلف قبيل هذا الكلام وكذلك رواه الترمذي وزاد فيه

стр. 109

بعد التهليل هذا الدعاء ثم أعله بالاضطراب كما نقله المصنف عنه وهولا يريد به الزيادة وحدها بل الحديث جملة وحينئذ يكون المصنف قد نقل نقلين متناقضين: تصحيح مسلم للحديث وتضيف الترمذي له ثم هو لم يرجح أحدهما على الآخر. والحق أن الحديث صحيح والاضطراب المشار إليه ليس من الاضطراب الذي يعل به الحديث ولا يتسع المجال لبيان ذلك فمن شاء التحقق مما نقول فليراجع تعليق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر على الترمذي ١ / ٧٧ - ٨٣ فقد جمع فيه طرق الحديث وبين أنه لا اضطراب فيها. فإن قيل: قد عرفنا أن الحديث صحيح فما حاله إسناد هذه الزيادة عند الترمذي؟. قلت: إسنادها صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير شيخ الترمذي جعفر بن محمد بن عمران التغلبي وهو صدوق كما قال أبو حاتم. ثم إن لها شواهد من حديث ثوبان عند ابن السني رقم ٣٠ وابن عمر وأنس كما ذكره البيهقي في "سننه" ١ / ٧٨ ولذلك جزم ابن القيم في "زاد المعاد" ١ / ٦٩ بثبوت الحديث مع هذه الزيادة عن النبي ﷺ . قوله في حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: "من توضأ فقال: سبحانك اللهم ... " الخ: "رواه الطبراني في "الأوسط" ورواته رواة الصحيح واللفظ له ورواه النسائي وقال في آخره: "ختم عليه بخاتم ... ". قلت: فيه مؤاخذات: الأولى: أطلق عزوه للنسائي فأوهم أنه في "سننه" وليس كذلك وإنما أخرجه في "عمل اليوم والليلة" كما قيده النووي والحافظ المزي في "التحفة" ٣

стр. 110

/ ٤٤٧ والعسقلاني وهو فيه برقم ٨١ و٨٢ وأما عزو ابن القيم إياه في "الزاد" ل "سنن النسائي" فوهم محض لم يتنبه له المعلق عليه ثم قصر تقصيرا فاحشا في تخريجه فلم يعزه لغير ابن السني بسند ضعيف! الثانية: أن النسائي قال في المرفوع: "هذا خطأ والصواب موقوف". فكان ينبغي نقله عنه أداء للأمانة ثم الجواب عن هذا الإعلال كما فعل الحافظ بأنه في حكم المرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي وبخاصة أنه جاء مرفوعا من طرق أخرى كما هو مبين في "الصحيحة" ٢٣٣٣. الثالثة: أن التخريج المذكور من رواية الطبراني ... نقله من كتاب "الترغيب" للمنذري ١ / ١٠٥ وقد قال في آخره: "وصوب وقفه على أبي سعيد". وكذلك قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١ / ٢٣٩. وقد عرفت الجواب آنفا. وقد وقع لبعض العلماء حول هذا الحديث أخطاء عجيبة لا أطيل الكلام بذكرها هنا ومحل ذلك في المصدر السابق. والله تعالى هو الموفق. قوله: "وما بقي من تعاهد موقي العينين وغضون الوجه ومن تحريك الخاتم ومن مسح العنق لم نتعرض لذكره لأن الأحاديث فيها لم تبلغ درجة الصحيح وإن كان يعمل بها تتميما للنظافة". قلت: العنق ليس محلا للنظافة في الوضوء شرعا بخلاف المحال الأخرى التي ذكرت قبله ولذلك فإني لا أرى جواز مسحه في الوضوء إلا بدليل خاص يصلح الاحتجاج به وهو مفقود كما أشار إليه المصنف وخلاف هذا تشريع بالرأي لا يجوز. على أن تحريك الخاتم لا بد منه إذا كان ضيقا. والله ولي التوفيق.
следующие страницы →