← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة وتقليل الجماعة مكروه وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرها. رسول الله ﷺ فثبت الفرق فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه ﷺ . وبعد ... فإن هذا البحث يتطلب شرحا أوسع لا يتسع له هذا التعليق وفي النية أن أجمع في ذلك رسالة فعسى أن أوفق لتحريرها إن شاء الله تعالى. قوله: "الجهر بالصلاة والسلام على الرسول ﷺ ... محدث مكروه". قلت: مفهومه أن الإسرار بها سنة فأين الدليل على ذلك؟ فإن قيل: هو قوله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي ... " وقد مضى في الكتاب في فقرة الذكر عند الأذان فالجواب: ان الخطاب فيه للسامعين المأمورين بإجابة المؤذن ولا يدخل فيه المؤذن نفسه وإلا لزم القول بأنه يجيب أيضا نفسه بنفسه وهذا لا قائل به والقول به بدعة في الدين. فإن قيل: فهل يمنع المؤذن من الصلاة عليه ﷺ سرا؟ قلت: لا يمنع مطلقا وإنما يمنع من أن يلتزمها عقب الأذان خشية الزيادة فيه وأن يلحق به ما ليس منه ويسوى بين من نص عليه ﷺ وهو السامع - ومن لم ينص عليه - وهو المؤذن - وكل ذلك لا يجوز القول به. فليتأمل.

стр. 177

ومن شروط الصلاة قوله في بحث ستر العورة بعد أن ساق أدلة الفريقين: "وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين وإن كان الأحوط أن يستر المصلي ما بين سرته إلى ركبته ما أمكن ... ". قلت: فيه أمور لا بد من تحرير القول فيها: الأول: أن الأخذ بالأحوط ليس بالأمر الواجب وإنما هو من باب الورع وليس كل مكلف يرغب أن يكرن ورعا كما لا يخفى. الثاني: أن المؤلف قيد ذلك بالصلاة فمفهومه أن ذلك ليس من الأحوط خارج الصلاة وفيه ما سيأتي بيانه. الثالث: أن الاختيار الذي أشار إليه ينبغي أن يكون قائما على قواعد علم أصول الفقه لكي لا يكون الاختيار كيفيا تابعا للعادات والأهواء. ومن الواضح لدى كل ناظر في الأدلة التي ساقها المؤلف أن أدلة القائلين بأن الفخذ ليس بعورة فعلية من جهة ومبيحة من جهة أخرى وأدلة القائلين بأنه عورة قولية من جهة وحاظرة من جهة أخرى ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيدا عن الهوى والغرض قاعدتان: الأولى: الحاظر مقدم على المبيح. والأخرى: القول مقدم على الفعل لاحتمال الخصرصية وغيرها مع أن الفعل في بعض الأدلة المشار إليها لا يظهر فيها أنه كان مقصودا متعمدا كحديث أنس وأثر أبي بكر. أضعف إلى ذلك أنها وقائع أعيان لا عموم لها بخلاف الأدلة القولية فهي شريعة عامة وعليها جرى عمل المسلمين سلفا وخلفا بحيث لا

стр. 178

نعلم أن أحدا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفا عن فخذيه كما يفعل بعض الكفار اليوم ومن يقلدهم من المسلمين الذين يلبسون البنطلون الذي يسمونه بـ الشورت وهو التبان في اللغة. ولهذا فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحا للأدلة القولية فلا جرم أن ذهب إليه أكثر العلماء وجزم به الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٥٢ - ٥٣ و "السيل الجرار" ١ / ١٦٠ – ١٦١. نعم يمكن القول بأن عورة الفخذين أخف من عورة السوأتين وهو الذي مال إليه ابن القيم في "تهذيب السنن" كما كنت نقلته عنه في "الإرواء" ١ / ٣٠١.وحينئذ فمس الفخذ الذي وقع في حديث أبي ذر والظاهر أنه من فوق الثوب ليس كمس السوأتين خلافا لما قعقع حوله ابن حزم ونقله المؤلف عنه وأقره! بقي شيء وهو أن المؤلف قرن الركبة والسرة مع الفخذ ثم لم يذكر الدليل عليهما والواقع أنه لا يصح في ذلك شيء كما بينه الشوكاني ٢ / ٥٥ بل ينفى ذلك قوله ﷺ : "ما بين السرة والركبة عورة" وهو حديث حسن كما بينته في "الإرواء" ٢٤٧ و٢٧١ إلى أحاديث أخرى بمعناه فراجع الشوكاني إن شئت. ثم قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ : "أي ولا يظهرن مواضع الزينة إلا الوجه والكفين كما جاه ذلك صحيحا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة". قلت: انظر "حجاب المرأة المسلمة" ص ٢٣ - ٢٥ وأزيد هنا فأقول: روى ابن أبي شيبة في "المصنف" ٤ / ٢٨٣ عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة: "قال: الكف ورقعة الوجه". وسنده صحيح. وروى نحوه عن ابن عمر

стр. 179

بسند صحيح أيضا. فهذان الأثران الصحيحان مما يتقوي حديث عائشة مرفوعا: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه". وقد شرحت ذلك في المصدر المذكور آنفا بما لا مزيد عليه وقد تجاهل ذلك كله بعض أهل الأهواء فنسبونا إلى ما الله يعلم أني برئ منه هداهم الله. ثم قال في حديث أم سلمة: أتصلي المرأة في درع وخمار ... الخ: "رواه أبو داود وصح الأئمة وقفه وله حكم المرفوع". قلت: لا يصح إسناده لا مرفوعا ولا موقوفا لأن مداره على أم محمد بن زيد وهي مجهولة لا تعرف وبيانه في "الإرواء" ٢٧٤ و "ضيعف أبي داود" ٩٧ - ٩٨ وخفيت هذه الحقيقة على الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٥٨ فرجح الرفع وغفل عن الجهالة وأما في "السيل" ١ / ١٦١ فقال: "لا تقوم به حجة". فأصاب لكنه اضطرب كلامه في توجيهه ولا مجال الآن لبيانه. ثم قال: "وعن عائشة أنها سئلت في كم تصلي المرأة من الثياب ... الخ". قلت: كذا ذكره دون تخريج وبيان لحاله وقد أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٣ / ١٢٨ و "ابن أبي شيبة" ٢ / ٢٢٤ من طريق مكحول عمن سأل عائشة في كم ... الخ. قلت: ورجاله ثقات لكنه فيه الرجل الذي لم يسم بين مكحول وعائشة. لكن روى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار

стр. 180

وإسناده صحيح. والدرع: القميص. وروى مالك في "الموطأ" ١ / ١٦٠ وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي ٢ / ٢٣٣ عن عبيد الله الخولاني - وكان يتيما في حجر ميمونة - أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار. وإسناده صحيح أيضا. وفي الباب آثار أخرى مما يدل على أن صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرا معروفا لديهم وهو أقل ما يجب عليهن لستر عورتهن في الصلاة ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار". وإسناده صحيح. وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال: "إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة". رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضا. فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها. والله أعلم. قوله تحت عنوان: ما يجب من الثياب وما يستحب منها: "وعن بريدة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في ... سراويل وليس عليه رداء. رواه أبو داود والبيهقي". قلت: وإسناده حسن كما حققته في "صحيح أبي داود" ٦٤٦.

стр. 181

وفي الحديث دلالة على أنه يجب على المصلي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه وذلك إن وجد كما يدل عليه حديث ابن عمر وغيره وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة ويؤكد ذلك قوله ﷺ : "لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه وفي رواية: عاتقيه" وفي أخرى: منكبيه منه شيء". رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم وهو مخرج في "الإرواء" ٢٧٥ و "صحيح أبي داود" ٦٣٧. قال الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٥٩: "وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه وعن أحمد: لا يصح صلاة من قدر على ذلك فتركه وعنه أيضا: تصح ويأثم." وأغرب ابن حزم كعادته في التمسك بظاهريته فقال ٤ / ٧١: "وفرض على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه فإن لم يفعل بطلت صلاته فإن كان ضيقا اتزر به وأجزأه كان معه ثوب غيره أو لم يكن". قلت: فوقف مع ظاهر الحديث ولم يوجب الرداء إذا استطاعه خلافا لحديث بريدة هذا وحديث ابن عمر أيضا فكأنه لم يقف عليهما. ومن غرائبه أنه ذكر في المسالة بعض الآثار التي يدعم بها رأيه وليس فيها شيء من ذلك بل أحدها على خلافه وهو ما ذكر عن محمد بن الحنفية: "لا صلاة لمن لم يخمر على عاتقيه في الصلاة". فهذا لو صح حجة عليه لأنه أطلق ولم يقيده بالثوب الواحد لكن في

стр. 182

سنده أشعث وهو ابن سوار الكندي وهو ضعيف كما في "التقريب" ولم يخرجه ابن حزم وقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ١ / ٣٤٩. قوله: "كشف الرأس في الصلاة روى ابن عساكر عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه". قلت: الحديث لا يصح الاستدلال به على الكشف لوجهين: الأول: أنه حديث ضيف. ويكفي للدلالة على ذلك تفرد ابن عساكر به وقد كشفت عن علته في "الضعيفة" ٢٥٣٨. الثاني: أنه لو صح فلا يدل على الكشف مطلقا فإن ظاهره أنه كان يفعل ذلك عند عدم تيسر ما يستتر به لأن اتخاذ السترة أهم للأحاديث الواردة فيها. والذي أراه في هذه المسألة أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة ذلك أنه من المسلم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلامية للحديث المتقدم في الكتاب: " ... فإن الله أحق أن يتزين له" وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات بل هذه عادة أجنبية تسربت إلى كثير من البلاد الإسلامية حينما دخلها الكفار وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة فقلدهم المسلمون فيها فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلامية فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوغا لمخالفة العرف الإسلامي السابق ولا اتخاذه حجة لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس. وأما استدلال بعض إخواننا من أنصار السنة في مصر على جوازه قياسا على حسر المحرم في الحج فمن أبطل قياس قرأته عن هؤلاء الإخوان كيف والحسر في الحج شعيرة إسلامية ومن مناسكه التي لا تشاركه فيها عبادة أخرى ولو كان

стр. 183

القياس المذكور صحيحا للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة لأنه واجب في الحج وهذا إلزام لا انفكاك لهم عنه إلا بالرجوع عن القياس المذكور ولعلهم يفعلون. وكذلك استدلاله بحديث علي مرفوعا: "ائتوا المساجد حسرا ومعصبين فإن العمائم تيجان المسلمين". استدلال واه لأن الحديث ضعيف جدا أعتقد أنه موضوع لأنه من رواية ميسرة بن عبد ربه وهو وضاع باعترافه وقال العراقي: "متروك". وقال المناوي في "شرح الجامع الصغير ": "ومن ثم رمز المؤلف لضعفه لكن يشهد له ما رواه ابن عساكر بلفظ: ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك من سيما المسلمين". قلت: لم يسق المناوي إسناده لينظر فيه وهل يصلح شاهدا لهذا الحديث الموضوع أم لا؟ وجملة القول أنه حديث ضعيف جدا على أقل الأحوال فالاستدلال به غير جائز والسكوت عنه إثم. ثم تبين لي أن الحديث بلفظيه عند ابن عدي من طريق ذاك الوضاع ومن طريقه عند ابن عساكر باللفظ الآخر أورده السيوطي في "الجامع الصغير" باللفظ الأول من رواية ابن عدي وفي "الجامع الكبير" باللفظ الآخر من رواية ابن عدي وابن عساكر فتوهم المناوي بأنه حديث آخر بإسناد آخر فجعله شاهدا للأول! ومن الظاهر أنه لم يقف على إسناد ابن عساكر وإلا لم يقع منه هذا الخلط والخبط الذي قلدته فيه لجنة تحقيق "الجامع الكبير" بمجمع البحوث الإسلامية ١ / ٣١ / ٣٢ و٣٣ في مصر! ولو فرضنا أن اللفظ الثاني سالم من مثل هذا الوضاع فهو لا

стр. 184

يصلح شاهدا للأول لأن الشاهد لا ينفع في الموضوع بل ولا في الضعيف جدا وقد ذكر المناوي نفسه نحو هذا في غير هذا الحديث فجل من لا ينسى. والحديث قد خرجته في "الضعيفة" ١٢٩٦. وأما استحباب الحسر بنية الخشوع فابتداع حكم في الدين لا دليل عليه إلا الرأي ولو كان حقا لفعله رسول الله ﷺ ولو فعله لنقل عنه وإذ لم ينقل عنه دل ذلك أنه بدعة فاحذرها. ومما سلف تعلم أن نفي المؤلف ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة ليس صوابا على إطلاقه إلا إن كان يريد دليلا خاصا فهو مسلم ولكنه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيناه آنفا وهو التزين للصلاة بالزي الإسلامي المعروف من قبل هذا العصر والدليل العام حجة عند الجميع عند عدم المعارض. فتأمل.

стр. 185

ومن كيفية الصلاة قوله تحت رقم ١ -: "عن عبد الله بن غنم أن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: "قلت: فذكر حديثا طويلا فيه شيء من صفة صلاته ﷺ وأنه كان يصف الولدان خلف الرجال والنساء خلف الولدان وفيه ذكر مجالس المتحابين في الله وغبط الأنبياء لهم ... ". رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقال: صحيح الإسناد". قلت: هذا التخريج نقله المؤلف بالحرف من "الترغيب" ٤ / ٤٨ ولا نرى تحسينه صوابا لأن مدار الإسناد على شهر بن حوشب وهو ضعيف لسوء حفظه واضطرابه في رواياته كما يظهر ذلك لمن تتبعها أو اطلع على أقوال الأئمة فيه وقد لخصها الحافظ في "التقريب" بقوله:

стр. 186

"صدوق كثير الإرسال والأوهام" لذلك أوردت قطعة الصف منه وهي عند أبي داود في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٠٥ وسيأتي حديث آخر من رواية شهر يدل على ضعفه واضطرابه فانظر تعليقنا على "الأذكار والأدعية بعد السلام" فيما يأتي ص ٢٢٨ – ٢٢٩. ثم إن قوله: "عبد الله بن غنم" فيه خطأ١ والصواب: "عبد الرحمن بن غنم" كما في "المسند" وكذلك ذكره المؤلف في مكان آخر ولكنه قيد: "غنم" بالضم أيضا لإنما هو بالفتح كما في "التقريب".

стр. 187

ومن فرائض الصلاة قوله في تخريج حديث: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن وفي رواية: بفاتحة الكتاب فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام": "رواه أحمد والشيخان". قلت: فيه مؤاخذتان: الأولى: أطلق العزو للشيخين فأوهم أنه عند البخاري في "الصحيح" وهو خطأ فإنه مما تفرد به مسلم دون البخاري ولعل سبب الوهم أن البخاري أخرجه في "جزء القراءة" وفي "أفعال العباد" فعزاه إليه هو أو من نقله عنه عزوا مطلقا غير مقيد ب "الجزء" و "الأفعال" فحصل الخطأ لأن العزو إليهما لا يعنى الصحة بخلاف العزول "صحيح البخاري" وهو المراد عند إطلاق العزو للبخاري في اصطلاح العلماء.

стр. 188

والأخرى: أن لفظ: "فهي خداج هي خداج" هو رواية لأحمد ٢ / ٢٨٥ وفي رواية أخرى له: "فهي خداج ثم هي خداج ثم هي خداج". وهى المطابقة لرواية مسلم ٢ / ١٠ بلفظ: "فهي خداج يقولها ثلاثا" وأخرجه أبو داود وبقية أصحاب "السنن" وغيرهم وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٧٧٩. قوله: "وأقوى دليل لهذا المذهب يعني الجهر بالبسملة حديث نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن ... الحديث. وفي آخره قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان قال الحافظ في "الفتح": وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة". قلت: ينبغي أن يعلم أن عبارة الحافظ هذه لا تفيد عند المحدثين أن الحديث صحيح وإنما تعطي له صحة نسبية قال النووي ﵀: "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون: "هذا أصح ما جاء في الباب" وإن كان ضعيفا ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفا" قلت: ولعل الحافظ ﵀ لم يصحح الحديث لأن بعض المحدثين قد أعل ذكر البسملة فيه بالشذوذ ومخالفة جميع الثقات الذين رووا الحديث عن أبي هريرة ولم يذكروها فيه كما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وقد أطال في بيان ذلك الزيلعي في "نصب الراية" فراجعه ١ / ٣٣٥ – ٣٣٧. وأقول الآن: إنه عند ابن خزيمة وغيره من طريق ابن أبي هلال واسمه سعيد وكان اختلط وبه أعللت الحديث في التعليق على "صحيح ابن خزيمة" رقم ٤٩٩ - طبع المكتب الإسلامي.

стр. 189

ثم إن الحديث لو صح فليس فيه التصريح بالجهر بها ولا برفعها إلى النبي ﷺ وقول أبي هريرة في آخره: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " لا يلزم منه رفع كل ما فعله أبو هريرة فيه كما فصل ذلك شيخ الإسلام في "الفتاوى" ١ / ٨١ فراجعه. والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح بل صح عنه ﷺ الإسرار بها من حديث أنس وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي "صفة صلاة النبي ﷺ " أكثرها صحيحة الأسانيد وفي بعض ألفاظها التصريح بأنه ﷺ لم يكن يجهر بها وسندها صحيح على شرط مسلم وهو مذهب جمهور الفقهاء وأكثر أصحاب الحديث وهو الحق الذي لا ريب فيه ومن شاء التوسع في هذا البحث فليراجع "فتاوى شيخ الإسلام" ففيها مقنع لكل عاقل منصف. قوله تحت عنوان: من لم يحسن فرض القراءة: "حديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ علم رجلا الصلاة فقال: "إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع". رواه أبو داود والترمذي وحسنه". قلت: هذا طرف من حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة ﵁ وروايته لمن ذكرهم المؤلف وتحسين الترمذي إياه دون ما يستحق إسناده فإنه صحيح لا غبار عليه كما كنت نبهت على ذلك في "صحيح أبي داود" ٨٠٧. ثم هو شاهد قوي لحديث ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني فقال: قل: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله".

стр. 190

رواه أبو داود وغيره وصححه جمع وإسناده حسن كما هو مبين في "إرواء الغليل" ٣٠٣. وقد احتج الإمام أحمد بحديث رفاعة في هذه المسألة كما رواه عنه ابنه عبد الله في "مسائله" ٨١ / ٢٨٧. قوله عند ذكره أعضاء السجود: "وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف". قلت: وهذا هو الحق لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لا يمس أنفه الأرض ما يمس الجبين". وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي وقد ورد من طرق عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا كما بينته في تخريج "صفة الصلاة". قوله في القعود الأخير وقراءة التشهد فيه: "وأنه قال للمسيء في صلاته: فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك". قلت: لم أجد هذا اللفظ في شيء من طرق حديث المسئ صلاته وقد كنت جمعتها في أول "التخريج" وإنما جاء في بعض طرقه بلفظ: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد" أخرجه أبو داود ١ / ١٣٧ بسند حسن وفيه دليل على وجوب التشهد في الجلوس الأول ولازمه وجوب الجلوس له لأن ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وهذا بخلاف رواية الكتاب فإنها قيدت تمام الصلاة بالقعود قدر التشهد في الجلوس الأخير ومفهومه عدم وجوب قراءة التشهد لكن هذا المفهوم - إن صح الحديث - غير مراد لحديث ابن عباس الذي بعده:

стр. 191

قوله: "قال ابن قدامة: وقد روي عن ابن عباس أنه فقال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ... ". قلت: فيه مؤاخذتان: الأولى: أن الحديث من مسند ابن مسعود لا ابن عباس كذلك أخرجه النسائي والدارقطني والبيهقي وإسناده صحيح على شرط الشيخين وصححه الدارقطني وكذا الحافظ في "الفتح". الثانية: تصدير الحديث بقوله: "روي" المشعر بإن الحديث ضيف وقد علمت أنه صحيح وهو مخرج في "الإرواء" ٣١٩. قوله في السلام: "وعن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". قال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": رواه أبو داود بإسناد صحيح". قلت: هو كما قال الحافظ ﵀ لكن ليس في النسخ التي وقفت عليها من "سنن أبي داود" زيادة: "وبركاته" في التسليمة الثانية وإنما هي في التسليمة الأولى فقط وكذلك أخرجه الطيالسي من حديث ابن مسعود موقوفا بسند رجاله ثقات والطبراني في "الكبير" ١٠١٩١ مرفوعا ولذلك رجحت في "صفة صلاة النبي ﷺ " أن لا تزاد هذه الزيادة في التسليمة الثانية حتى تثبت بطريق تقوم به الحجة. وقد خرجت الحديث في "الإرواء" ٢ / ٣٠ - ٣٢ و "صحيح أبي داود" ٩١٥

стр. 192

ومن سنن الصلاة قوله: "يستحب أن يرفع يديه في أربع حالات: الأولى: عند تكبيرة الإحرام ... الثانية والثالثة: عند الركوع والرفع منه ... الرابعة: عند القيام إلى الركعة الثالثة". قلت: قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضا أما الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة قد خرجتها في "التعليقات الجياد" منها عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" كما في "الفتح" للحافظ ثم قال: "وهو أصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود". وأما الرفع من التكبيرات الأخرى ففيه عدة أحاديث أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند كل تكبيرة. ولا تعارض بين هذه الأحاديث وبين حديث ابن عمر المتقدم في الكتاب بلفظ " ... ولا يرفعهما بين السجدتين" لأنه ناف وهذه مثبة والمثبت مقدم على النافي كما تقرر في علم الأصول. وقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس ﵁ بل منهم ابن عمر نفسه فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه أنه كان يرفع يديه إذا سجد وبين الركعتين. وإسناده قوي. وروى البخاري في جزء "رفع اليدين" ص ٧ من طريق سالم بن عبد الله أن أباه كان إذا رفع رأسه من السجود

стр. 193

وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في الصحيح. وعمل بهذه السنة الإمام أحمد بن حنبل كما رواه الأثرم وروي عن الإمام الشافعي القول به وهو مذهب ابن حزم فراجع "المحلى". قوله: "وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث بلفظ: كبر ثم رفع يديه رواه مسلم وهذا يفيد تقديم التكبيرة على رفع اليدين. ولكن الحافظ قال: لم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع". قلت: بلى هو قول في مذهب الحنفية وبعد صحة الحديث فلا عذر لأحد في التوقف عن العمل به ولا سيما وللحديث شاهد من رواية أنس عند الدارقطني ص ١١٣ فالحق العمل بهذه الهيئات الثلاثة تارة بهذه وتارة بهذه وتارة بهذه لأنه أتم في إتباعه ﵇. قوله في أدعية الاستفتاح:" ٢ وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: "وجهت وجهي ... وأنا من المسلمين ... الخ رواه أحمد ومسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم". قلت: ولفظ الترمذي في "الدعوات" ٣٤١٩: " ... الصلاة المكتوبة ... ". وقال: "حديث حسن صحيح". وكذلك رواه أبو عوانة في "صحيحه" ٢ / ١١٢ و٢٠٥ والدارقطني ١ / ٢٩٧ وسنده صحيح ورواته كلهم ثقات كما قال أبو الطيب العظيم آبادي في تعليقه عليه وهو على شرط مسلم. واما قول الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام" بعد أن ساق رواية مسلم

стр. 194

المطلقة وهي المذكورة عند المؤلف: "وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل". وتبعه على ذلك الشوكاني فقال في "نيل الأوطار" ٢ / ١٦١: "وأما مسلم فقيده بصلاة الليل وزاد لفظ: من جوف الليل". قلت: وهذا وهم كله فليس عند مسلم ٢ / ١٨٥ - ١٨٦ القيد المذكور ولا الزيادة المذكورة وإنما هي في حديث ابن عباس الذي ساقه قبل هذا الحديث بحديث بلفظ: "كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: اللهم لك الحمد ... " وهو النوع السابع في الكتاب فكان الشوكاني انتقل بصره إليه حين الكتابة فوقع في الخطأ. وأما الحافظ فلعل سبب وهمه أن مسلما ﵀ أورد الحديث في زمرة أحاديث قيام الليل! ويبدو أن مثل هذا الوهم قديم فقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر كلامه على هذا الحديث من "الكلم الطيب" ص ٥٨ - بتحقيقي فإنه قال: "ويقال: إن هذا كان في قيام الليل". وقد علقت عليه ثمة بإيجاز منبها على رواية الترمذي هذه وغيره وعلى وهم الحافظ والصنعاني والشوكاني. ولقد أغرق هذا في الخطأ في كتابه الآخر "السيل الجرار" ١ / ٢٢٤ فقال في حديث مسلم: "إنه مقيد في "صحيح مسلم" بصلاة الليل وإن أطلقه غيره فحمل

стр. 195

المطلق على المقيد متعين! " فكأنه كتب هذا من ذاكرته ولم يراجع "النيل" فإنه قال فيه: "وأخرجه أيضا ابن حبان وزاد: "وإذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضا بالمكتوبة وكذا غيرهما وأما مسلم فقيده بصلاة الليل ... ". الخ ما سبق نقله عنه آنفا. والخلاصة أن الحديث مقيد بالصلاة المكتوبة عند غير مسلم ممن سبق ذكره فتكون روايته مقيدة بالمكتوبة لا بصلاة الليل كما قال الشوكاني. وإذا كان ذلك مشروعا في الفريضة ففي النافلة من باب أولى كما لا يخفى على أولي النهى. ثم إن في رواية لأبي عوانة وابن خزيمة في "صحيحه" رقم ٤٦٢ وهي رواية أبي داود وغيره بلفظ: "وأنا أول المسلمين". وعليه أكثر روايات الحديث كما نبهت على ذلك في تعليقي على "صفة الصلاة" ص ٨٤ ويزداد قوة بوروده في حديث آخر مخرج هناك. وإنما نبهت على هذا لأني رأيت كلام أحمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث في "الروضة" بأن هذا اللفظ لم يرد فاقتضى التنبيه. وبناء عليه فلا حرج على المصلي أن يقول في توجهه: "وأنا أول المسلمين" لا إخبارا عن نفسه وإنما اقتداء به ﵊ الذي اقتدى بأبيه إبراهيم الخليل ﵊ مع إمكان أن يكون المعنى بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به كما بينته هناك فراجعه أو "زاد المعاد".

стр. 196

قوله في الاستعاذة: وقال ابن المنذر: جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". قلت: لم أقف على هذا في شيء من كتب السنة المعروفة إلا ما في "مراسيل أبي داود" عن الحسن أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ فذكره. وهذا مع ضعفه لأنه من مراسيل الحسن البصري فليس فيه أن هذه الصيغة كانت في الصلاة فالأفضل أن يستعيذ بما في حديث جبير بن مطعم وأن يزيد أحيانا: "السميع العليم" كما ورد في بعض الأحاديث مثل حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود والترمذي وغيرهما بسند حسن وهما مخرجان في "الإرواء" ٣٤٢ ولم يذكر البيهقي في الباب غيرهما. قوله في مشروعية الاستعاذة في الركعة الأولى دون سائر الركعات: "الأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط". قلت: السنة المشار إليها ليست صريحة فيما ذكره المؤلف لان قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب: "ولم يسكت" ليس صريحا في أنه أراد مطلق السكوت بل الظاهر أنه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده وهي التي فيها دعاء الاستفتاح المتقدم في الكتاب ص ٢٦٦ وهي سكتة طويلة فهي المنفية في حديثه هذا وأما سكتة التعوذ والبسملة فلطيفة لا يحس بها المؤتم لاشتغاله بحركة النهوض للركعة وكان الإمام مسلما ﵀ أشار إلى ما ذكرنا من أن السكتة المنفية في هذا الحديث هي المثبتة في حديث أبي هريرة المتقدم فإنه ساق الحديث المشار إليه ثم عقبه بهذا وكلاهما عن أبي هريرة والسند إليه واحد فأحدهما متمم للآخر حتى لكأنهما حديث واحد وحينئذ يظهر أن الحديث

стр. 197

ليس على إطلاقه وعليه نرجح مشروعية الاستعاذة في كل ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وهو الأصح في مذهب الشافعية ورجحه ابن حزم في "المحلى". والله أعلم. قوله في التأمين: "يسن لكل مصل ... أن يقول: آمين بعد قراءة الفاتحة يجهر بها في الصلاة الجهرية ويسر بها في السرية فعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. وقال الناس: آمين ... ". قلت: تقدم الحديث في البسملة وكما قلنا هناك أنه ليس فيه التصريح بالجهر بالبسملة فكذلك نقول ههنا أنه ليس فيه الجهر بالتأمين فهو دليل على مطلق التأمين لا على الجهر بها. قوله: "أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة". قلت: ليس في تأمين المؤتمين جهرا سوى هذا الأثر ولا حجة فيه لأنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ وقد جاءت أحاديث كثيرة في جهر النبي ﷺ وليس في شيء منها جهر الصحابة بها وراءه ﷺ ومن المعلوم أن التأمين دعاء والأصل فيه الإسرار لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل الا بدليل صحيح وقد خرجنا عنه في تأمين الإمام جهرا لثبوته عنه ﷺ ووقفنا عنده بخصوص المقتدين ولعله لذلك رجع الشافعي عن قوله القديم فقال في "الأم" ١ / ٦٥: "فإذا فرغ الإمام من قراءة القرآن قال: آمين ورفع بها صوته ليقتدي بها من خلفه فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم ولا أحب أن يجهروا بها فإن فعلوا

стр. 198

فلا شيء عليهم". ثم خرجت أثر ابن الزبير المذكور وبينت صحته عنه تحت الحديث ٩٥٢ في "الضعيفة" وأتبعته بأثر آخر صحيح أيضا عن أبي هريرة أنه كان يجهر ب آمين وراء الإمام ويمد بها صوته فملت ثمة إلى اتباعهما في ذلك ثم رأيت الإمام أحمد قال به فيما رواه ابنه عبد الله عنه في "مسائله" ٧٢ / ٢٥٩. ثم إن قوله: "يسن لكل مصل ... " ينافي ظاهر قوله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا ... " وما في معناه مما يأتي عند المؤلف فإنه يدل على وجوب التأمين على المأموم واستظهره الشوكاني في "النيل" ٢ / ١٨٧ لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط. قال: "وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم بوجوبه على المأموم عملا بظاهر الأمر وأوجبته الظاهرية على كل مصل". قلت: ابن حزم من أئمتهم كما هو مشهور ولم يوجبه مطلقا بالقيد المذكور قال في "المحلى" ٢ / ٢٦٢: "وأما قول آمين فإنه كما ذكره يقوله الإمام والمنفرد ندبا وسنة ويقولها المأموم فرضا ولا بد". قلت: فيجب الاهتمام به وعدم التساهل بتركه ومن تمام ذلك موافقة الإمام فيه وعدم مسابقته وهذا أمر قد أخل به جماهير المصلين في كل البلاد التي أتيح لي زيارتها ويجهرون فيها بالتأمين. فإنهم يسبقون الإمام يبتدئون به قبل ابتداء الإمام ويعود السبب في هذه المخالفة المكشوفة إلى غلبة الجهل عليهم وعدم قيام أئمة المساجد وغيرهم من المدرسين والوعاظ بتعليمهم وتنبيههم حتى أصبح قوله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا ... " نسيا منسيا عندهم إلا من عصم الله وقليل

стр. 199

ما هم. والله المستعان. وقوله في "التأمين" أيضا: "وقال عطاء: أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد إذا قال الإمام: ولا الضالين. سمعت لهم رجة آمين". قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف أخرجه البيهقي ٢ / ٥٩ من طريق خالد ابن أبي أنوف عنه وخالد في عداد المجهولين لأنه لم يوثقه غير ابن حبان وقد علمت قيمة توثيقه ويأتي قريبا تجهيل ابن القطان لرجل وثقه ابن حبان. ولكنه قد صح عن ابن الزبير مختصرا كما ذكرت آنفا. ومن هدي رسول الله ﷺ في القراءة بعد الفاتحة قوله في كيفية القراءة بعد الفاتحة: "وعن ابن عباس أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كل ركعة رواه الدارقطني بإسناد قوي". قلت: أنى له القوة وفيه عند الدارقطني في "سننه" ١ / ٣٣٨ سهل بن عامر البجلي وهو ضعيف جدا قال البخاري في "التاريخ الصغير" ص ٢٢٦: "منكر الحديث لا يكتب حديثه". وقال ابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٠٢ عن أبيه: "ضعيف الحديث روى أحاديث بواطيل أدركته بالكوفة وكان يفتعل الحديث". وأورده الذهبي في "الضعفاء" وقال: "رماه أبو حاتم بالكذب". وخفي حاله على ابن حبان فذكره في "الثقات" ٨ / ٢٩٠!

стр. 200

وقوله فيها: "حبك إياها أدخلك الجنة". قلت: هذا آخر قول البخاري الذي علقه في "صحيحه" وكان ينبغي على المؤلف أن يبينه وقد خرجت هذه المعلقات في "مختصر صحيح البخاري" ١ / ١٩٢ قوله: "وصلاها يعني الفجر بـ الروم ". قلت: نقله عن "زاد المعاد" كما صرح في مقدمة الفصل وقد قلت في التعليق عليه ما نصه: "قلت: لم يثبت هذا أخرجه النسائي ١ / ١٥١ وأحمد ٥ / ٣٦٣ و٣٦٤ من طريق عبد الملك بن عمير عن شبيب أبى روح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم فالتبس عليه فلما صلى قال: "ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور؟ فإنما يلبس علينا القرآن أولئك". وشبيب هذا هو ابن نعيم ويقال: ابن أبي روح وكنيته أبو روح الحمصي ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال ابن القطان: لا تعرف عدالته. وفيه علة أخرى فأنظر "المشكاة" ٢٩٥ ومن ذلك نعلم أن من حسن سنده قديما وحديثا فما أحسن مع مخالفة متنه لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ .والله أعلم. قوله في القراءة بعد المغرب: "ذكر أبو داود في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة". قلت: هو من رواية محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق

стр. 201

مدلس وقد عنعنه فالسند ضعيف. وهو في "ضعيف أبي داود" ١٤٤ وقد غفل عن عنعنته المعلق على "زاد المعاد" فحسن إسناده. قوله في قراءة سورة بعينها: "وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه". قلت: هذا بالنسبة لأوساط السور مسلم أما الأواخر فلا ولذلك قلت في "التعليقات الجياد": "يستدرك عليه بما ذكره المؤلف نفسه أعني ابن القيم في "رسالة الصلاة" ص ٢٠٧ حيث قال: "ولم ينقل أحد عنه أنه قرأ آية من سورة أو بآخرها إلا في سنة الفجر فإنه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية". قلت: أخرجه مسلم ٢ / ١٦١ وغيره من حديث ابن عباس". قلت: وقد ذكر هذا الحديث المؤلف في الجزء الثاني من القطع الصغير تحت عنوان سنة الفجر ما يقرأ فيها فكان عليه أن يستدرك به على ما ذكره عن ابن القيم ولو أن يشير إليه على الأقل.

стр. 202

ومن لإطالة الركعة الاولى في "الصبح " ... ومن إطالة الركعة الأولى في "الصبح" قوله: "كان ﷺ يطيل الركعة الأولى على الثانية ومن كل صلاة وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم". قلت: هذا لم يرو بخصوص ركعة الفجر ولا في كل صلاة وإنما في صلاة الظهر فقط رواه أبو داود وأحمد عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﷺ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. ثم هو ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسم وراجع "نيل الأوطار" ٣ / ١١٧ ثم خرجته في "الإرواء" ٥١٣ وفي "ضعيف أبي داود" ١٤٣. قوله: "وهذا لأن قرآن الفجر مشهود يشهده الله تعالى وملائكته". قلت: أما شهود الملائكة فصحيح ثابت عنه ﷺ وأما شهود الله تعالى فلم يرد إلا في حديث أبي الدرداء مرفوعا أخرجه ابن نصر في "قيام الليل" ص ٣٦ وابن جرير في "التفسير" وفي سنده زيادة عن محمد بن كعب القرظي وزيادة منكر الحديث كما قال البخاري وغيره. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ٣ / ٥٤ أنه تفرد بهذا الحديث وساقه الذهبي في ترجمة زيادة ثم عقبه بقوله: "فهذه ألفاظ منكرة لم يأت بها غير زيادة". قوله: " ... النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا". يعني بـ "النزول الإلهي" قوله ﷺ : "ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟ ". وهو حديث صحيح متواتر جاء عن جمع من

стр. 203

الصحابة خرجت قسما طيبا منها في "الإرواء" ٤٥٠ و "صحيح أبي داود" ١١١٨ زاد بعضهم: "حتى ينفجر وفي رواية: يطلع الفجر".وقد كنت قلت في "التعليقات الجياد على زاد المعاد ": "لكن معظم الرواة اتفقوا على أنه يدوم إلى طلوع الفجر كما قال الحافظ في "الفتح" ٣ / ٢٤ وأما دوامه إلى صلاة الفجر فلم أجد رواية صريحة تؤيد ذلك نعم في رواية للنسائي من حديث أبي هريرة بلفظ: "حتى ترجل الشمس" فهي تتضمن ما ذكره المصنف أي ابن القيم لكنها رواية شاذة كما قال الحافظ". وأقول الآن: لعل الخطأ فيها من محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فإنه عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم ٤٨٦ وابن خزيمة في "التوحيد" ص ٨٦ - ٨٧ من طريقه: حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن نافع ابن جبير عن أبي هريرة فإن ابن أبي فديك وإن كان ثقة محتجا به في "الصحيحين" فقد قال فيه ابن سعد: "كان كثير الحديث وليس بحجة" ومن المحتمل أن يكون الخطأ من شيخه القاسم بن عباس فإنه مع كونه ثقة من رجال مسلم أيضا فقد لينه محمد ابن البرقي الحافظ وقال ابن المديني: "مجهول" كما في "الميزان". ولعل هذا هو الأقرب فقد خالفه عمرو بن دينار - وهو الثقة الثبت - إسنادا ومتنا فقال عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا بلفظ: "حتى يطلع الفجر" أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ص ٨٨ وأحمد ٤ / ٨١ وغيرهما وهو مخرج في كتابي "ظلال الجنة في تخريج السنة" ٥٠٧.

стр. 204

ثم وجدت روايتين أخريين: الأولى: بلفظ: "حتى تطلع الشمس". أخرجه ابن خزيمة أيضا من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص رفعه. قلت: وهذا مع كونه مرسلا فهو ضعيف من أجل إبراهيم هذا وهو ابن مسلم. قال الحافظ في "التقريب ": "لين الحديث رفع موقوفات". والأخرى بلفظ: "حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الفجر". أخرجه الدارمي ٣٤٦ - ٣٤٧ وابن خزيمة وأحمد ٢ / ٥٠٤ من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به. قلت: وهذا مع كونه قد شك فيه الراوي فهو مما لا قيمة له فكيف ومحمد ابن عمرو فيه كلام من قبل حفظه فكيف وقد خالفه الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بلفظ: "حتى الفجر". بغير شك. رواه مسلم وغيره. وبالجملة فلا يصح في الحديث إلا هذا اللفظ الأخير وعليه كل الروايات الصحيحة فيه. والله أعلم.

стр. 205

ومن ما يستحب أثناء القراءة قوله: "قال النووي: يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله وإذا مر ... ". قلت: هذا إنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة المذكور في الكتاب بعد قليل فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي فإنه لو كان ذلك مشروعا في الفرائض أيضا لفعله ﷺ ولو فعله لنقل بل لكان نقله أولى من نفل ذلك في النوافل كما لا يخفى. واعلم أنه لا يناقض هذا الذي ذكرته هنا الأصل الذي بنيت عليه فيما يأتي شرعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول كما ظن بعض إخواننا المجتهدين في خدمة الحديث الشريف - جزاه الله خيرا - في جملة ما كتب إلي بتاريخ ٢ / ٨ / ١٣٩٧ وذلك لقيام دليل الفرق هنا وهو ما أشرت إليه بقولي: "فإنه لو كان ذلك مشروعا في الفرائض أيضا لفعله النبي ﷺ ... " الخ وذلك لأن الهمم والدواعي تتوفر على نقل مثله فلما لم ينقل دل على أنه لم يفعله ﷺ . فوقفنا مع الدليل المانع هنا من الأخذ بالأصل المشار إليه فظهر أنه لا تناقض والحمد لله وإنما هو التمسك بالدليل الملزم بالتفريق بين المسألتين. والله أعلم. قوله: "ويستحب لكل من قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: بلى أشهد. وإذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قال: آمنت بالله. وإذا قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى".

стр. 206

قلت: لم يبين ما إذا كان ذلك واردا أم لا وما إذا كان ثابتا أم لا؟ ولذلك أقول: أما جملة التسبيح منه فصحيح ثابت من حديث ابن عباس وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٨٢٦. وأما ما قبله فهو من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى ... " الخ. أخرجه أبو داود وغيره وفيه رجل لم يسم وبيانه في "ضعيف أبي داود" ١٥٦ و "المشكاة" ٨٦٠. لكن صح منه قوله: "بلى" في آية القيامة رواه موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك فبلى فسألوه عن ذلك؟ فقال: سمعته من رسول الله ﷺ . أخرجه أبو داود بسند صحيح عن الرجل وهو صحابي وجهالته لا تضركما هو معروف عند العلماء ولذلك خرجته في "صحيح أبي داود" رقم ٨٢٧. قوله في تعداد سنن الصلاة:" ٧ تكبيرات الصلاة". قلت: عد هذه التكبيرات من السنن ينافي أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بها كما جاء في رواية لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٨٠٣ - ٨٠٥ فهي إذن واجبة ومؤيدة بعموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي".

стр. 207

وقد قرر الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" ٢ / ٢٢٢ - ٢٢٤ ثم في "السيل الجرار" أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسئ صلاته الوجوب وقد نص الشوكاني نفسه في "النيل" أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات ثم نسي ذلك في "السيل" فذكرها ١ / ٢٢٧ - ٢٢٨ في جملة السنن فسبحان ربي لا يضل ولا ينسى وقد ذهب إلى الوجوب الإمام أحمد ﵀ كما حكاه النووي في "المجموع" ٣ / ٣٩٧ عنه واحتج له بالعموم السابق وخفي عليه حديث المسيء فإنه قال محتجا عليه لمذهبه: "ودليلنا على أحمد حديث المسئ صلاته فإن النبي ﷺ لم يأمره بتكبيرات الانتقال وأمره بتكبيرة الإحرام"! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره.

стр. 208

ومن القراءة خلف الإمام قوله: " ... السكوت لا يلزمها الإمام ... ". قلت: هذا التعبير قد يوهم مشروعية سكوت الإمام عقب الفاتحة بقدر ما يقرأها من وراءه لان عدم اللزوم لا يستلزم عدم المشروعية مطلقا كما لا يخفى ودفعا لذلك الإيهام أقول: إن السكتة المذكورة بدعة في الدين إذ لم ترد مطلقا عن سيد المرسلين إنما ورد عنه سكتتان إحداهما بعد تكبيرة الإحرام من أجل دعاء الاستفتاح وقد مضى حديثها في الكتاب عن أبي هريرة. والسكته الثانية رويت عن سمرة بن جندب واختلف الرواة في تعيينها فقال بعضهم: هي عقب الفاتحة. وقال الأكثرون: هي عقب الفراغ من القراءة كلها وهو الصواب كما بينته في "التعليقات الجياد" وغيره وراجع "رسالة الصلاة" لابن القيم.

стр. 209

على أن هذا الحديث معلل عندي بالانقطاع لأنه من رواية الحسن عن سمرة وهو وإن كان سمع منه في الجملة فهو مدلس وقد عنعنه ولم يصرح بسماعه لهذا الحديث منه فثبت ضعفه. ثم إنه ليس فيه التصريح بأن السكتة كانت طويلة بذلك القدر فلا متمسك فيه البتة للشافعية فتأمل. وأما ما ذكره الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٢٢٥ أن النبي ﷺ كان بعد فراغه من قراءة الفاتحة يسكت سكتة طويلة ثم يقرأ السورة. فليس في شيء من روايات الحديث زيادة طويلة. وكأنه اختلط عليه نص الحديث بتفسير الخطابي إياه بقوله: "إنما كان يسكت ... ليقرأ من خلفه" نقله عنه الشوكاني في النيل" ٢ / ٢٠٠ ومن المحتمل أنه تفسير منه لرواية لأحمد: "وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ سكت أيضا هنية". وقد عرفت أن محل السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها على ضعف الإسناد ثم فصلت القول في ذلك في "إرواء الغليل" ٢ / ٢٨٤ – ٢٨٨.

стр. 210

ومن هيئات الركوع قوله فيها: "الواجب في الركوع مجرد الانحناء بحيث تصل اليدان إلى الركبتين ولكن السنة فيه ... ". قلت: هذا لا يكفي بل لا بد من الاطمئنان الذي جاء الأمر به في حديث المسئ صلاته وغيره ومن العجيب أن المؤلف ذكر هذا فيما تقدم ص ٢٥ من كتابه وذكر بعض الأحاديث المشار إليها فكأنه نسي ذلك كله عندما نقل هذا وهو في "المهذب وشرحه" ٣١ / ٤٠٦.والله المستعان.

стр. 211

وبهذه المناسبة أقول: يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي: ١ - وضع اليدين على الركبتين. ٢ - تفريج أصابع الكفين. ٣ - مد الظهر. ٤ - التمكين للركوع والمكث فيه حتى يأخذ كل عضو مأخذه. وهذا كله ثابت في روايات عديدة لحديث المسئ صلاته وهو مخرج في "صفة الصلاة" ص ١٣٣ - ١٣٤ - طبع المكتب الإسلامي. وقوله: "فعن عقبة بن عمرو أنه ركع فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وفرج أصابعه من وراء ركبتيه وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي رواه أحمد وأبو داود والنسائي". قلت: مدار هذا الحديث على عطاء بن السائب وكان قد اختلط ولم أجد أحدا من الرواة رواه عنه قبل الاختلاط وفي الباب ما يغني عنه مثل حديث أبي حميد الذي أورده المؤلف بعد هذا فإن فيه عند أبي داود والترمذي وصححه بلفظ: "فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ... " وثبت التفريج بين الأصابع من فعله وأمره ﷺ كما ذكرنا في "صفة صلاة النبي ﷺ ".

стр. 212

ومن الذكر فيه قوله: "فعن عقبة بن عامر قال: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال لنا النبي ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم". رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد جيد". كذا قال ونحوه قول النووي في "المجموع" ٣ / ٤١٣: "رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن"! وسكت عنه الحافظ في "التلخيص" ١ / ٢٤٢ وفي إسنادهم جميعا عم موسى بن أيوب واسمه إياس بن عامر الغافقي وليس بالمعروف كما حققته في "ضعيف أبي داود" ١٥٢ - ١٥٣ ثم في "إرواء الغليل" ٣٣٤ ولو صح الحديث لدل على وجوب التسبيح وهذا خلاف ما قاله المؤلف من الاستحباب وللحديث تتمة سيذكرها المؤلف في السجود! ثم قال: "يستحب للمصلي إماما أو مأموما أو منفردا أن يقول عند الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائما ... فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد". رواه أحمد والشيخان". قلت: وهر مخرج في "الإرواء" ٣٣١ بزيادة كثيرة في المصادر. وتأكيدا لما ذكره من شمول الاستحباب للمأموم أقول: من الواضح أن في هذا الحديث ذكرين اثنين: أحدهما: قوله: "سمع الله لمن حمده" في اعتداله من الركوع. والآخر: قوله: "ربنا ولك الحمد" إذا استوى قائما.

стр. 213

فإذا لم يقل المقتدي ذكر الاعتدال فسيقول مكانه ذكر الاستواء وهذا أمر مشاهد من جماهير المصلين فإنهم ما يكادون يسمعون منه: "سمع الله لمن حمده" إلا وسبقوه بقولهم: ربنا ولك الحمد وفي هذا مخالفة صريحة للحديث فإن حاول أحدهم تجنبها وقع في مخالفة أخرى وهي إخلاء الاعتدال من الذكر المشروع فيه بغير حجة. قال النووي ﵀ ٣ / ٤٢٠: "ولأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها فإن لم يقل بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خاليا عن الذكر". بل إنني أقول: إن التسميع في الاعتدال واجب على كل مصل لثبوت ذلك في حديث المسئ صلاته فقد قال ﷺ فيه: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ... ثم يكبر ... ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يقول: سمع الله لمن حمده ثم يستوي قائما حتى يقيم صلبه ... " الحديث. أخرجه أبو داود والنسائي والسياق له وغيرهما بسند صحيح. وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٨٠٤. فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول بأن التسميع لا يجب على كل مصل؟!

стр. 214

ومن أذكار الرفع من الركوع والاعتدال قوله:"وعن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي ﷺ أنه كان يقول: وفي لفظ: يدعو إذا رفع رأسه من الركوع: "اللهم لك الحمد ملء السماء ... اللهم طهرني بالثلج والبرد ... " رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه". قلت: فيه ملاحظتان: الأولى: أنه ليس عند أبي داود وابن ماجه قوله: "اللهم طهرني ... " وإنما هي زيادة في بعض طرقه عند الآخرين. الثانية: أن هذه الزيادة ليس في شيء من طرقها التصريح بأنه ﷺ كان يقولها بعد الرفع من الركوع بل هي مطلقة ولفظها عند مسلم وأحمد: "كان يقول: اللهم لك الحمد ... اللهم طهرني ... ". وهكذا أخرج هذه الزيادة الترمذي ٤ / ٢٧٢ وصححه. فتقييدها بما بعد الركوع يحتاج إلى دليل وقد جاءت الجملة الأولى من هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بطرق صحيحة وليس في شيء منها هذه الزيادة ولذلك نرجح أنها ليست من أذكار ما بعد الركوع بخلاف ما قبلها بل هي دعاء مطلق ولذلك لم أوردها في أذكار الركوع من كتابي "صفة صلاة النبي ﷺ " خشية أن أزيد فيها ما ليس منها وإن كان ابن القيم قد فعل ذلك ولم يتنبه لذلك المعلقان على "زاده" ١ / ٢٢١ كالمؤلف فتأمل.

стр. 215

ومن كيفية الهوي إلى السجود والرفع منه قوله وقد ذكر حديث وائل الآتي قريبا: "قال ابن القيم: هذا هو الصحيح ... ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك". كذا قال وهذا النفي من أوهامه ﵀ فقد ذكر هو نفسه بعد نحو صفحتين حديث ابن عمر الآتي وقال: "رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: على شرط مسلم". وسكت عنه وهذا معناه أنه سلم بصحته فالعجب منه كيف ينفي وروده؟ وقد غفل عن هذا أو تغافل عنه المعلق على كتابه فقال متعقبا عليه نفيه بقوله: "بل ثبت ذلك فيما رواه الحاكم ... ". ولقد كان الأولى به أن يرد نفيه المذكور بما أثبته هو نفسه بعد فإنه أقوى للحجة وأبعد عن التشوف وهوى النفس وبخاصة أنه أعاد تخريج الحديث هناك أيضا! وأما تصحيح ابن القيم لحديث شريك فلا وجه له من الناحية الحديثية كما يأتي بيانه ولا من الناحية الفقهية لمعارضته لحديث ابن عمر الصحيح من فعله ولحديث أبي هريرة المرفوع من أمره كما يأتي بيانه. قوله: "وهو يعني وضع اليدين قبل الركبتين عند الهوى قول أصحاب الحديث". قلت: وهو الصواب لأنه الذي ثبت عنه ﷺ فعلا وأمرا: أما الفعل فمن حديث ابن عمر ﵁ قال: كان ﷺ إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. أخرجه جماعة منهم الحاكم.
следующие страницы →