ومن التشهد الأول
قوله في استحباب التخفيف فيه: "قال ابن القيم: لم ينقل أنه ﷺ صلى عليه وعلى آله في التشهد الأول ... ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير".
قلت: لا دليل تقوم به الحجة يصلح لتقييد العمومات والمطلقات المشار إليها بالتشهد الأول فهي على عمومها وأقوى ما استدل به المخالفون حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب وهو غير صحيح الإسناد لانقطاعه كما ذكره المؤلف وقد استوفى ابن القيم ﵀ أدلة الفريقين وبين ما لها وما عليها في "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" فراجعه يظهر لك صواب ما رجحناه.
ثم وقفت على ما ينفي مطلق قول ابن القيم: "لم ينقل أنه ﷺ صلى عليه وعلى آله في التشهد الأول" وهو قول عائشة ﵂ في صفة صلاته ﷺ في الليل:
"كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيدعو ربه ويصلي على نبيه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيقعد ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو ثم يسلم تسليما يسمعنا
الحديث.
أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" ٢ / ٣٢٤ وهو في "صحيح مسلم" ٢ / ١٧٠ لكنه لم يسق لفظه.
ففيه دلالة صريحة على أنه ﷺ صلى على ذاته ﷺ في التشهد الأول كما صلى في التشهد الآخر وهذه فائدة عزيزة فاستفدها وعض عليها بالنواجذ ولا يقال: إن هذا في صلاة الليل لأننا نقول: الأصل أن ما شرع في صلاة شرع في غيرها دون تفريق بين فريضة أو نافلة فمن ادعى الفرق فعليه الدليل.
стр. 247
ومن الدعاء بعد التشهد الأخير وقبل السلام
قوله: ٦ وعن شداد بن أوس قال: كان النبي ﷺ يقول في صلاته: "اللهم اني أسألك الثبات في الأمر" ... رواه النسائي".
قلت: ظاهر إسناده الصحة ولكن فيه علة قادحة فقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء عن شداد.
فهذا رجاله كلهم ثقات إلا أنه قد رواه يزيد بن هارون والثوري عن الجريري فأدخلا بين أبي العلاء وشداد رجلا من بني حنظلة وهو مجهول وهو علة الحديث فتبين. ثم إن الحديث مطلق ليس مقيدا بالتشهد
فتأمل.
قوله:" ٩ وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ علمه أن يقول هذا الدعاء: "اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا" ... رواه أبو داود".
قلت: عزوه لأبي داود خطأ فليس هو في "سننه" ولا ذكره النابلسي في أحاديث ابن مسعود من "ذخائره" والسيوطي لما أورده في "الجامع الصغير" عزاه للطبراني والحاكم فقط ولو كان في "السنن" لعزاه إليه ولما أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" لأنه لا يورد فيه ما رواه أحد الستة من الحديث. ثم إن الهيثمي قال ١٠ / ١٧٩:
"رواه الطبراني في "الكبير" والأوسط" وإسناد "الكبير" جيد".
وقد راجعت له كتاب "الدعاء" من المستدرك وكذا ترجمة ابن مسعود من "المناقب" منه فلم أجده فليراجع.
стр. 248
ثم وجدته في "التشهد" من "سنن أبي داود" وفي "كتاب الصلاة" من "المستدرك" ١ / ٢٦٥ عن ابن مسعود بلفظ:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات كما يعلمنا التشهد: "اللهم ألف بين قلوبنا ... الخ"
وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي!
قلت: وفيه نظر لأن في إسناده شريك بن عبد الله القاضي وهو ضعيف لسوء حفظه. وقال الحافظ فيه:
"صدوق يخطئ كثيرا"
ومن طريقه أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ١٠ / ٢٣٦ / ١٠٤٢٦ فتجويد الهيثمي لإسناده ليس بجيد وهو مخرج في "ضعيف أبي داود" ١٧٢.
قوله:" ١١ وعن عمير بن سعد قال: كان ابن مسعود يعلمنا التشهد ... رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور".
قلت: كذا وقع فيه "سعد" في كل الطبعات وهو خطأ والصواب: "سعيد" كما في كتب الرجال و "المصنف" لابن أبي شيبة ١ / ٢٩٦ - ٢٩٧ وهو عمير ابن سعيد النخعي الصهباني وأما عمير بن سعد وهو الأنصاري فهو صحابي وليس به.
ثم إن عمير بن سعيد ثقة من رجال الشيخين وكذلك من دونه فالإسناد صحيح.
ثم إنه يبدو أن السياق لسعيد بن منصور فإنه ليس عند ابن أبي شيبة قوله: "قال: لم يدع نبي ... " الخ
فلينظر ما حال إسناده. وزاد ابن أبي شيبة.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ , رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ .
стр. 249
ومن الأذكار والأدعية بعد السلام
قوله تحت رقم ٦: "وعن علي أن النبي ﷺ قال: "من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى" رواه الطبراني بإسناد حسن".
كذا قال تقليدا منه للمنذري والهيثمي وتبعهم المعلق على "الزاد" ١ / ٣٠٤ وقال الحافظ في "نتائج الأفكار":
"حديث غريب وفي سنده ضعف".
قلت: وقد بينت ذلك في "الضيفة" ٥١٣٥.
قوله:" ١٠ وصح أيضا أن يسبح خمسا وعشرين ويحمد مثلها ويكبر مثلها ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مثلها".
قلت: أخذ هذه الصفة من "زاد المعاد" ولم يعزها لأحد وهو يشير بذلك إلى حديث زيد بن ثابت قال: أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ويحمدوا ثلاثا وثلاثين ويكبروا أربعا وثلاثين فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا ... ؟ الحديث. قال: نعم
قال: فاجعلوها خمسا وعشرين واجعلوا فيها التهليل فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له قال: "اجعلوها كذلك".
أخرجه النسائي ١ / ١٩٨ عنه وعن ابن عمر نحوه بسندين صحيحين
стр. 250
وصحح الأول الترمذي ٣٤١٠ وابن خزيمة ٧٥٢ والحاكم ١ / ٢٥٣ والذهبي.
فقوله: التهليل لا يتبادر منه إلا قوله: لا إله إلا الله فإنه المراد من اللغة كما في "لسان العرب" والزيادة عليه تحتاج إلى نص هنا وهو مفقود وهذا مما لم يتنبه له المعلق على "الزاد" فساق الحديث وخرجه وكفى.
فالظاهر أن المقصود من الحديث أن يقول: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" خمسا وعشرين لا يضره بأيهن بدأ. والله أعلم.
قوله:" ١٣ وعن عبد الرحمن بن غنم أن النبي ﷺ قال: "من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ... " رواه أحمد وروى الترمذي نحوه دون ذكر: بيده الخير".
قلت: وقال الترمذي: "حسن غريب صحيح". وفي تصحيحه نظر لأنه من رواية شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم - بالفتح على الصحيح كما تقدم عن الحافظ ص ٥٩ - وقد اضطرب شهر في إسناده ومتنه على ابن غنم:
أما الإسناد فمرة يقول: عن ابن غنم مرفوعا. وابن غنم مختلف في صحبته فهو مرسل وهو رواية أحمد ٤ / ٢٢٧.
ومرة يقول: عنه عن أبي ذر مرفوعا وهو رواية الترمذي وكذا النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم ١٢.
وتارة يقول: عنه عن معاذ. وهو رواية للنسائي ١٢٦.
وأخرى يقول: عنه عن فاطمة ﵂ وهو رواية لأحمد ٦ /
стр. 251
٢٩٨.
فهذا اضطراب شديد من شهر يدل على ضعفه كما تقدم ولذلك قال النسائي عقبه:
"وشهر بن حوشب ضيعف سئل ابن عون عن حديث شهر؟ فقال: إن شهرا نزكوه أي طعنوا عليه وعابوه وكان شعبة سيئ الرأي فيه وتركه يحيى القطان".
وأما المتن فتارة يذكر صلاة الفجر دون المغرب كما في حديث أبي ذر.
وتارة يجمع بينهما كما في حديث ابن غنم المرسل وحديث فاطمة وأخرى يذكر العصر مكان المغرب وذلك في حديث معاذ وتارة يذكر "يحيى ويميت" وتارة لا يذكرها وتارة يزيد قبلها: "بيده الخير" وتارة لا يذكرها وتارة يذكر: "قبل أن ينصرف ويثني رجليه" وتارة لا يذكرها. وتارة يضطرب في بيان ثواب ذلك بما لا ضرورة لبيانه الآن.
وبالجملة فهذا الاضطراب في إسناده ومتنه لو صدر من ثقة لم تطمئن النفس لحديثه فكيف وهو من شهر الذي بالضعف اشتهر؟!
ومع هذا كله فقد وجدت لحديث ابن غنم هذا شواهد تقويه وتطمئن النفس للعمل به مع كل الزيادات التي سبق بيانها جاءت في أحاديث متفرقة أوردتها في "صحيح الترغيب والترهيب" ١ / ٢٦٢ / ٤٦٩ - ٤٧٢ / طبعة مكتبة المعارف - الرياض وخرجت بعضها في "الصحيحة" ٢٥٦٣ والله تعالى ولي التوفيق.
ثم قال:" ١٥ وروى أبو حاتم أن النبي ﷺ كان يقول عند انصرافه من صلاته: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري" ... الخ".
أقول: فيه أمور:
الأول: أنه عزاه لأبي حاتم وهذه الكنية إذا أطلقت فالمراد بها الإمام أبو
стр. 252
حاتم الرازي واسمه محمد بن إدريس ووالد عبد الرحمن صاحب "الجرح والتعديل" وليس هو مخرج هذا الحديث وإنما هو أبو حاتم ابن حبان البستي فكان على المؤلف أن يصفه بشيء يرفع اللبس ولا سيما وهو قد نقل هذا التخريج من "زاد المعاد" لابن القيم وهو قد فعل ذلك فإنه قال:
"وقد ذكر أبو حاتم في "صحيحه" ... ".
فقوله: "في صحيحه" اختصره المؤلف فوقع اللبس!
الثاني: أنه قد رواه من هو أعلى طبقة وأشهر من ابن حبان ألا وهو النسائي في "السنن" ١ / ١٩٧ - ١٩٨ وفي "اليوم والليلة" ١٣٧ وابن خزيمة في "صحيحه" ٧٤٥ من طريق ابن وهب: أخبرني حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب أن صهيبا حدثه به مرفوعا:
الثالث: أن ابن حبان رواه ٥٤١ - موارد من طريق ابن أبي السري قال: قرئ على حفص بن ميسرة وأنا أسمع: حدثني موسى بن عقبة ... به.
قلت: وابن أبي السري - واسمه محمد بن المتوكل - ضعيف لكثرة أوهامه بخلاف ابن وهب وهو عبد الله الإمام الحافظ الثقة فكان ذكر الحديث من رواية هؤلاء الذين رووه من طريقه أولى من عزوه لابن حبان كما لا يخفى وهذا من شؤم التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول! ولذلك أعل المعلق على "زاد المعاد" ١ / ٣٠٢ هذا الحديث بابن السري المذكور وخفيت عليه الطريق السالمة منه عند أولئك الأئمة ولو أنه أمعن النظر لوجد العلة من تابعي الحديث وهو أبو مروان والد عطاء قال النسائي:
"ليس بالمعروف". وأعتمده الذهبي في "الميزان" و "الضعفاء" لكن
стр. 253
انقلب عليه الأمر فقال:
"روى عطاء بن أبي مروان عن موسى بن عقبة عنه وهو والد عطاء"!
فأدخل بين الابن والأب موسى وهو الراوي عن الابن عن أبيه كما رأيت.
وأما في "الكاشف" فقال فيه:
"ثقة". وكأنه تبع في ذلك العجلي فإنه أورده في "ثقاته" ٥١٠ - ٢٠٣٨ وكذلك ابن حبان ٥ / ٥٨٥ ولم تطمئن النفس لتوثيقهما لما هو معروف من تساهلهما فنحن مع قول النسائي الذي اعتمده الذهبي في كتابه حتى نجد ما ينقلنا منه.
وقد وجدت للحديث شاهدا من حديث أبي برزة الأسلمي قال:
كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح - قال: ولا أعلمه إلا قال في سفر - رفع صوته حتى يسمع أصحابه: "اللهم أصلح ... " الحديث.
أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" ١٢٤ و٥٠٩ من طريق إسحاق ابن يحيى بن طلحة: حدثني ابن أبي برزة وفي الموضع الآخر: ابن بريدة الأسلمي عن أبيه به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا إسحاق هذا تركه جمع وأشار أبو حاتم إلى أنه لا يعتبر بحديثه. يعني لشدة ضعفه فلا يصلح للاستشهاد به.
نعم الحديث كدعاء مطلق قد جاء من حديث أبي هريرة إلى قوله: "معاشي" عند مسلم وقوله: "إني أعوذ برضاك ... إلى: وأعوذ بك منك". هو من أدعية السجود. وقد مضى في الكتاب والباقي من أدعية الاعتدال من الركوع كما تقدم ودبر الصلاة أيضا.
стр. 254
قوله: ١٧ وروى أبو داود والحاكم أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة: "اللهم عافني في بدني ... ".
قلت: لا أدري من أين جاء المؤلف بهذا التخريج فإني لم أجده بهذا القيد: "دبر كل صلاة" عند المذكورين ولا بهذا التمام عند الحاكم وإليك البيان:
أولا: أخرج أبو داود في "الأدب" ٥٠٩٠ من طريق جعفر بن ميمون قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأبيه: يا أبة! إني أسمعك تدعو كل غداة:
"اللهم عافني في بدني اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت" تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يدعو بهن فأنا أحب أن أستن بسنته وتقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت" تعيدها ثلاثا حين تصبح وثلاثا حين تمسي فتدعو بهن فأحب أن أستن بسنته.
ومن هذا الوجه أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم ٢٢ ٥٧٢ وعنه ابن السني رقم ٦٧ وأحمد ٥ / ٤٢ وقال النسائي:
"جعفر بن ميمون ليس بالقوي".
قلت: وهو مختلف فيه وقال الحافظ:
"صدوق يخطئ".
قلت: فالإسناد حسن أو قريب من الحسن.
ثانيا: أخرجه الحاكم ١ / ٣٥ مختصرا جدا من طريق أخرى: عن حماد ابن سلمة عن عثمان الشحام عن مسلم بن أبى بكر عن أبي بكرة قال: سمعت
стр. 255
رسول الله ﷺ يقول:
"اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر".
وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وقد أخرجه النسائي ١ / ١٩٨ و٢ / ٣١٥ وعنه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" ١٠٩ والحاكم أيضا ١ / ٢٥٢ - ٢٥٣ وأحمد ٥ / ٤٤ و٣٦ بأتم منه عن مسلم بن أبي بكرة قال:
"كان أبي يقول في دبر الصلاة فذكره فكنت أقولهن فقال أبي: أي بني عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك
قال: إن رسول الله ﷺ كان يقولهن دبر الصلاة".
قلت: فتبين بهذا التخريج والتحقيق أنه ليس عند الحاكم من الحديث إلا الاستعاذة هن الكفر والفقر وعذاب القبر. وأن هذه الثلاث هي التي كان ﷺ يقولها دبر الصلاة بخلاف الدعاء بالمعافاة الذي عند أبي داود وغيره فليس مقيدا بالصلاة. والله أعلم.
قوله:" ١٩ وروى أحمد وابن [أبي] شيبة وابن ماجه بسند فيه مجهول عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: "اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وعملا متقبلا".
قلت: لكن أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" بإسناد جيد ليس فيه المجهول كما بينته في "الروض النضير" ١١٩٩.
تنبيه: سقطت أداة الكنية أبي من طبعات الكتاب وهو في "مصنف ابن أبي شيبة" ١٠ / ٢٣٤ من طريق المجهول.
стр. 256
ومن التطوع
قوله في مشروعيته: "وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما ... ". رواه أحمد والترمذي وصححه السيوطي".
قلت: إنما صححه السيوطي في "الجامع الصغير" بالرمز وقد ذكرت في المقدمة أنه لا يعتمد عليه في رموزه وبينت السبب في ذلك فراجعه.
وهذا الحديث من الشواهد على ما ذكرت فإن إسناده ضعيف لأنه من رواية بكر بن خنيس وفيه ضعف عن ليث بن أبي سليم وقد ضعفه مخرجه الترمذي فقال:
"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وبكر بن خنيس تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره".
ثم بسطت القول على الحديث في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ١٩٥٧.
وقوله: وقال مالك في "الموطأ": بلغني أن النبي ﷺ قال: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
قلت: لم يحسن المصنف صنعا حيث عزاه لمالك بلاغا دون سند وذلك يوهم أن الحديث ضعيف لا سند له مع أنه حديث صحيح جاء مسندا عن ثوبان رضى الله عنه أخرجه أحمد من ثلاثة طرق عنه فلو أنه نسبه إليه لكان أصاب
стр. 257
ثم خرجت هذه الطرق مع شواهد للحديث في "إرواء الغليل" ٤١٢.
قوله في استحباب صلاته في البيت: ٢ وعند أحمد عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الرجل في بيته تطوعا نور فمن شاء نور بيته".
قلت: إسناد الحديث ضيف فيه مجهول وقد بينت ذلك في "التعليق الرغيب" ١ / ١٥٩ ثم في "تخريج الأحاديث المختارة" ٢٤٨ – ٢٤٩.
وقوله:" ٣ وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا" رواه أحمد وأبو داود".
قلت: لقد أبعد المصنف النجعة فالحديث في "الصحيحين" أيضا عن ابن عمر! وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٠٢٧.
стр. 258
ومن أقسام التطوع
قوله: "وروى البيهقي بإسناده أن أبا ذر ﵁ صلى عددا كثيرا فلما سلم قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: ... إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه بها درجة وحط عنه بها خطيئة". رواه الدارمي في "مسنده" بسند صحيح إلا رجلا اختلفوا في عدالته".
قلت: ليت المصنف حفظه الله تعالى سكت عن إسناد الدارمي بعد أن عزاه للبيهقي فإن إسناده صحيح ليس فيه الرجل المختلف فيه وكذلك أخرجه أحمد.
ثم خرجته مع شواهد له في "الإرواء" ٤٥٧.
стр. 259
ومن سنة الفجر
قوله في فضلها:" ٢ وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل". رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي".
قلت: فيه مؤاخذتان:
الأولى: سكت عن الحديث وهو ضيف الإسناد كما صرح بذلك عبد الحق الإشبيلي وتبعه ابن القطان وأشار إليه البيهقي حيث ذكره في السنن الكبرى" تعليقا بدون إسناد فقال ٢ / ٤٧١:
"وروى عن أبي هريرة ... ".
فذكر الحديث ولو صح لكان بظاهره دليلا لمن يقول بوجوب سنة الفجر.
الثانية: أطلق عزوه للبيهقي فأوهم أنه موصول عنده وليس كذلك بل هو عنده دون إسناد كما عرفت آنفا فينبغي أن يقال في مثله: "والبيهقي تعليقا" ثم إن حقه أن يؤخر عن الطحاوي لأن هذا أعلى طبقة منه.
ثم تكلمت على الحديث وبينت علته في "الإرواء" ٤٣٨ و "الضعيفة" ١٥٣٣.
قوله في تخفيفها: " ٢ وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الركعتين قبل الغداة فيخففهما حتى إني لأشك أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا؟ رواه أحمد وغيره".
قلت: من هذا "الغير "؟! الشيخان في "صحيحيهما" فلو أن المصنف عزاه
стр. 260
لهما ثم أشار لرواية غيرهما لأصاب. والحديث مخرج في "صحيح أبي داود" ١١٤١.
ثم قال:" ٣ وعنها قالت: كان قيام رسول الله ﷺ في الركعتين قبل صلاة الفجر قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب. رواه أحمد والنسائي والبيهقي ومالك والطحاوي".
قلت: عليه مؤاخذات:
الأولى: ليس هو بهذا اللفظ عند النسائي والبيهقي ومالك بل باللفظ الذي قبله!
الثانية: أنه بهذا اللفظ ضعيف لانقطاعه وبه أعله مخرجه الطحاوي لأنه من رواية محمد بن سيرين عن عائشة ولم يسمع منها كما قال أبو حاتم.
الثالثة: تأخيره لمالك عن النسائي والبيهقي خطأ أوضح من الذي سبق لجلالة مالك وشهرته وعلو طبقته ومثل هذا الإخلال من المؤلف كثير بحيث يصعب التتبع.
قوله في ما يقرأ فيها:" ١ عن عاثشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وكان يسر بهما. رواه أحمد والطحاوي".
قلت: إسناده ضعيف لأنه منقطع كالذي قبله وهو في "مسلم" من حديث أبي هريرة دون قوله: "وكان يسر بهما" وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١١٤٢.
стр. 261
ثم قال:" ٢ وعنها أن النبي ﷺ كان يقول: "نعم السورتان هما كان يقرأ بهما في الركعتين ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " رواه أحمد وابن ماجه".
قلت: كذا وقع في كل الطبعات: "كان يقرأ ... " وهو خطأ والصواب حذف فعل كان فإن ما بعده من تمام قوله ﷺ : "نعم السورتان هما يقرأ بهما ... " هكذا الحديث عند ابن ماجه ١ / ٣٥١ - التازية وأحمد ٦ / ٢٣٩ وابن خزيمة أيضا في "صحيحه" ١١١٤ وابن حبان ٦١٠ – موارد.
تنبيه: وقع في "ابن خزيمة" زيادة قبل الحديث بلفظ:
"كان يصلي أربعا قبل الظهر وركعتين قبل العصر لا يدعهما قالت: وكان يقول:" فذكر الحديث
وهي عند أحمد أيضا لكنه قال: "قبل الفجر" وهو الصواب وما في ابن خزيمة خطأ مطبعي والله أعلم.
قوله في الدعاء بعد الفراغ منها: "قال النووي في "الأذكار": روينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح ... عن أبيه أنه صلى ركعتي الفجر وأن رسول الله ﷺ صلى قريبا منه ركعتين خفيفتين ثم سمعه يقول وهو جالس: "اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار" ثلاث مرات. وروينا فيه عن أنس عن النبي ﷺ قال: "من قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغداة: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله تعالى ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر".
قلت: الحديثان ضعيفان جدا لا يجوز العمل بهما حتى عند القائلين بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لشدة ضعفهما فيستنكر على النووي وبالتالي على المؤلف إيرادهما لهما ساكتين عليهما الموهم لجواز العمل بهما
стр. 262
وإلا فما فائدة ذكرهما؟!
أما الحديث الأول فإنه عند ابن السني رقم ١٠١ من طريق يحيى بن أبي زكريا النسائي - قال ابن حبان: "لا تجوز الرواية عنه" - عن عباد بن سعيد - قال الذهبي: "لا شيء" - عن مبشر بن أبي المليح - اتهمه الحافظ ابن حجر بحديث منكر - فهو إسناد ظلمات بعضها فوق بعض!
وأما الحديث الثاني فهو عنده رقم ٨١ من طريق اسحاق بن خالد بن يزيد البالسي - قال ابن عدي: "روى غير حديث منكر يدل على ضعفه" - عن عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي - اتهمه الإمام أحمد - عن خصيف - وهو ضيف لسوء حفظه واختلاطه في آخره.
стр. 263
ومن سنة الظهر
قوله في فضل الأربع قبل الظهر تحت رقم ٢: "وإذا صلى أربعا قبلها أو بعدها فالأفضل أن يسلم بعد كل ركعتين وإن كان يجوز أن يصليهما متصلة بتسليم واحد لقول رسول الله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". رواه أبو داود بسند صحيح".
قلت: من شروط الحديث الصحيح أن لا يشذ راويه عن رواية الثقات الآخرين للحديث وهذا الشرط في هذا الحديث مفقود لأن الحديث في "الصحيحين" وغيرهما من طرق عن ابن عمر دون ذكر "النهار" وهذه الزيادة تفرد بها علي بن عبد الله الأزدي عن ابن عمر دون سائر من رواه عن ابن عمر وقد قال الحافظ في" الفتح "ما مختصره:
" إن أكثر أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر
стр. 264
لم يذكروها عنه وحكم النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها وروى ابن وهب بإسناد قوي عن ابن عمر قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. موقوف. فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعا أربعا".وهذا في "المصنف" ٢ / ٢٧٤ بسند صحيح.
قلت: فإن لم تثبت هذه الزيادة فمفهوم الحديث الصحيح: "صلاة الليل مثنى مثنى ... " يدل على أن صلاة النهار ليست كذلك فتصلى أربعا متصلة كما قال الحنفية قال الحافظ ٢ / ٢٨٣:
"وتعقب بأنه مفهوم لقب وليس بحجة على الراجح".
قلت: ويؤيده صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة صلاة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود ١ / ٢٠٣ بإسناد صحيح على شرطهما وهو في "الصحيحين" دون التسليم. وقال الحافظ في "الفتح" ٣ / ٤١:
"أخرجه ابن خزيمة وفيه رد على من تمسك به في صلاتها موصولة سواء صلى ثمان ركعات أو أقل".
قلت: فهذا الحديث يستأنس به على أن الأفضل التسليم بعد كل ركعتين في الصلاة النهارية. والله أعلم.
ثم وجدت للحديث طرقا أخرى وبعض الشواهد أحدها صحيح خرجتها في "الروض النضير" ٥٢٢ فصح الحديث والحمد لله ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" ١١٧٢.
стр. 265
قوله في قضاء سنتي الظهر: "وروى ابن ماجه عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر".
قلت: سكت عليه فأوهم صحته وليس بصحيح. لأنه من رواية قيس بن الربيع قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به!
قلت: وقد تفرد بقوله في الحديث: "بعد الركعتين" فهي زيادة منكرة لأن الحديث رواه الترمذي دونهما من طريق أخرى بسند صحيح عنها وهو الذي في الكتاب قبيل هذا. ثم أكدت نكارة الحديث في "الضعيفة" ٤٢٠٨ ونبهت فيه على غفلة المعلق على "الزاد" الذي حسن حديث ابن ماجه بحديث الترمذي بدل أن يضعفه به!!
стр. 266
ومن السنن غير المؤكدة
قوله تحت رقم ١ -: وأما الاقتصار على ركعتين فقط يعني قبل العصر فدليله عموم قوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة".
قلت: خفي على المؤلف ما أخرجه أبو داود في "باب الصلاة قبل العصر" ومن طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" ١ / ١٨٧ من نسخة الظاهرية الخطية عن علي ﵁: "أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين". وقد قال النووي في "المجموع" ٤ / ٨: "إسناده صحيح".
وأقول: هو كذلك لولا أنه شاذ بهذا اللفظ والمحفوظ بلفظ: "أربع ركعات". وبيانه في "ضعيف أبي داود" ٢٣٥ و "الروض النضير" ٦٩١.
стр. 267
قوله تحت رقم ٢ -: "وفي رواية لابن حبان أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين".
قلت: هذه الرواية منقطعة الإسناد منكرة المتن والمحفوظ الرواية الأولى التي في الكتاب من حديث البخاري بلفظ: "صلوا قبل المغرب ... " ولذلك جزم ابن القيم في "زاد المعاد" وابن حجر في "فتح الباري" بأنه لم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصلي الركعتين قبل المغرب وغفل عن هذا كله المعلق على "الزاد" فقال في حديث ابن حبان وقد ذكره في التعليق ١ / ٣١٢:
"وإسناده صحيح".
وقد كنت قلت مثله في "الصحيحة" ٢٣٣ ولعلي كنت السبب في وقوعه في هذا الخطإ لأنه كثير الاستفادة من كتبي وتحقيقاتي وتخريجاتي الكثيرة وقد ينقل بعضها بالحرف الواحد دون أن يشير إلى ذلك أدنى إشارة أو أن يذكرني بخير ولو لمرة واحدة كأنه لم يعلم قوله ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" بل هو كثير التعرض لنقدي لأدنى مناسبة تعرض له وأنا أرجو أن يكون الباعث له على ذلك حب الخير للمسلمين والنصح لهم وليس الغيرة والحسد نسأل الله السلامة.
لكني كنت أشرت هناك إلى شذوذ هذه الرواية ومع ذلك فقد بدا لي أن فيها انقطاعا فرأيت أن أبين ذلك بيانا شافيا أودعته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ٥٦٦٢.
стр. 268
ومن الوتر
قوله تحت عنوان القنوت في الوتر: "يشرع القنوت في الوتر في جميع السنة. لما رواه أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت ... تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي محمد".
قلت: عليه مؤاخذتان:
الأولى: عزوه بهذا التمام لهؤلاء المذكورين خطأ إذ إن قوله في آخره: "وصلى الله على النبي محمد" ... تفرد به النسائي وحده دونهم!
الثانية: أن هذه الزيادة في آخره ضعيفة لا تثبت كما قال الحافظ ابن حجر والقسطلاني والزرقاني وفي سندها جهالة وانقطاع. فراجع بيان ذلك إن شئت في "التلخيص" و "شرح المواهب". لكننا لا نرى مانعا منها لجريان عمل السلف بها كما ذكرت في "تلخيص صفة الصلاة".
قوله: "القنوت في صلاة الصبح غير مشروع إلا في النوازل ففيها يقنت وفي سائر الصلوات ... ومذهب الشافعية أن القنوت في صلاة الصبح ... سنة".
قلت: ثم ساق لهم حديثين أحدهما صحيح لكنه حمله على قنوت النوازل وهو الحق والآخر صريح في استمراره ﵇ في القنوت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولكنه ضعفه وقد أصاب في هذا كله ولكنه كأنه تراجع عن ذلك حيث ختم هذا البحث بقوله:
"ومهما يكن من شيء فإن هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك "! " وإن كان خير الهدي هدي محمد ﷺ ".
стр. 269
قلت: إن لم يكن هذا تراجعا - وهذا ما نرجوه - فهو اضطراب شديد جدا إذ يقرر في أول البحث عدم مشروعية القنوت في الفجر دائما ويؤكده أخيرا بأن هديه ﷺ ترك هذا القنوت فكيف يقول مع هذا وهو حق بلا ريب: "يستوي فيه الفعل والترك" فليت شعري كيف يستوي الفعل وهو غير مشروع مع الترك وهو المشروع؟!
وسيأتي للمؤلف نحوها في "الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف والإسرار بها" فانظر ص ٢٦٣.
وهذا مما يجعلني أقطع بأن المؤلف لا يعيد النظر فيما يكتب وهو من أسباب وقوع الأخطاء الكثيرة في كتابه هذا وإلا فأقل الناس علما وفهما يتبين له هذا التناقض الواضح.
стр. 270
ومن قيام الليل
قوله فيما جاء في فضله من السنة: ٢ وقال سلمان الفارسي: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطردة للداء عن الجسد".
قلت: يؤخذ عليه أمران:
عدم تخريجه إياه وسكوته عن بيان ضعفه وهو من رواية الطبراني عن عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجوف عن الأعمش عن أبي العلاء النوري عن سلمان.
وعبد الرحمن هذا قال أبو حاتم:
стр. 271
"لا يحتج به". وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه مستقيمة وفي بعضها إنكار".
ثم ساق له هذا الحديث مشيرا إلى أن فيه نكارة قال الذهبي:
"وأبو العلاء لا أعرفه".
والحديث أخرجه الترمذي من طريق أخرى من حديث بلال وقال:
"ولا يصح من قبل إسناده".
قلت: وعلته أنه من رواية محمد بن سعيد وهو المصلوب وهو كذاب قال أحمد بن صالح:
"وضع أربعة آلاف حديث".
نعم الحديث دون الجملة الأخيرة منه: "ومطردة للداء عن الجسد" حسن أو صحيح فقد أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما من حديث أبي أمامة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه البغوي والحافظ العراقي فلو أن المؤلف آثره لكان أصاب وهو مخرج في "الإرواء" ٤٥٢ و "المشكاة" ١٢٢٧.
قال: ٣ وقال سهل بن سعد: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت ... واعلم أن شرف المرء من قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس".
قلت: القول في هذا كالذي قبله وقد رواه الطبراني وفي سنده زافر بن سليمان وهو صدوق كثير الأوهام كما في "التقريب" وقد قال العقيلي في هذا الحديث:
стр. 272
"ليس له أصل مسند".
لكن روي من حديث جابر أيضا وعلي بن أبي طالب فهو بهما حسن كما بينته في "الصحيحة" ٨٣١.
قوله في آدابه تحت رقم ٢: ثم يدعو يعني عند الاستيقاظ بما جاء عن رسول الله ﷺ فيقول: "لا إله إلا أنت سبحانك ... وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".
قلت: فيه ما في الحديثين قبله وكأن المؤلف اغتر بقول النووي في "الأذكار ":
"رويناه في "سنن أبي داود" بإسناد لم يضعفه عن عائشة".
قلت: وقد بينا في المقدمة أنه لا يجوز أن يغتر بسكوت أبي داود على الحديث فراجعها وهذا الحديث من الشواهد على ذلك فإن فيه عبد الله بن الوليد وهو لين الحديث كما قال الحافظ في "التقريب" وعمدته في ذلك الدارقطني. فإنه قال: "لا يعتبر بحديثه" وضعفه وأما ابن حبان فوثقه فتوسط الحافظ بينهما فلينه فالعجب منه كيف حسنه في "النتائج" ق ٢٤ / ١!
وقوله: "ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ... ".
قلت: هذا من أدعية الاستفتاح في صلاة الليل وقد صرحت بذلك رواية أبي عوانة في "صحيحه" وأبي داود لهذا الدعاء وهو من حديث ابن عباس. وقد جاء مطلقا في "الصحيحين" فأخذ به المصنف ههنا وأخذ برواية أبي داود المقيدة في "التوجه" ١ / ٢٧٠ وهو الصواب لأن المقيد يقضي على المطلق كما تقرر
стр. 273
في علم الأصول فالأخذ به ههنا غير صواب فلعله ظن أنه حديث آخر!
قوله في عدد ركعاته:" ١ فعن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي من الليل ما قل أو كثر. ونجعل آخر ذلك وترا. رواه الطبراني والبزار".
قلت: نقله المؤلف عن "مجمع الزوائد" ٢ / ٢٥٢ وإن لم يشر إلى ذلك ولا أدري لم لم ينقل تمام كلامه عليه المبين لحاله وهو قوله: "وإسناده ضعيف "؟ أو نقله من "الترغيب" ١ / ٢١٧ وقد صدره بقوله: "روي" مشعرا بضعفه كما نص عليه في المقدمة وفي إسناد البزار والطبراني متهم بالوضع وضعفه البزار نفسه عقب الحديث.
لكني وجدت له متابعا وطريقا أخرى لا يتقوى الحديث بها لوهائها وقد بينت ذلك في "الضعيفة" ٥٢٨٤.
قوله:" ٢ وروي عن أنس ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة ... وأكثر من ذلك كله الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل". رواه أبو الشيخ ابن حيان في "كتاب الثواب" وسكت عليه المنذري في الترغيب والترهيب ".
قلت: كلا بل ضعفه بتصديره إياه بقوله: "روي" كما قد نص عليه في المقدمة ونقلت كلامه في ذلك في "المقدمة" فراجعه.
وفي الحديث نفسه ما يدل على ضعفه فإن فيه أن الصلاة في مسجده ﷺ بعشرة آلاف والثابت في الأحاديث الصحيحة أنها بألف صلاة. ولذلك فالحديث منكر.
стр. 274
قوله:" ٣ وعن إياس بن معاوية المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل". رواه الطبراني ورواته ثقات إلا محمد بن إسحاق".
قلت: نقله المؤلف من "الترغيب" وفي كلامه إشارة إلى إعلال الحديث لأن ابن إسحاق مدلس فالظاهر أنه قد عنعنه فإن كان صرح بالتحديث فليس بعلة.
لكن في الحديث علة أخرى وهي الإرسال فإن إياس بن معاوية ليس صحابيا بل هو من صغار التابعين توفي سنة ١٢٢ س فالحديث ضعيف بهذا اللفظ وهو بظاهره يفيد وجوب ما قل من صلاة الليل!
ويغني عنه في الحض عليها حديث ابن عباس الذي يتلوه في الكتاب فقد قواه المنذري والهيثمي.
ثم تأكدت مما استظهرته حين رأيت الحديث في "معجم الطبراني الكبير" ١ / ٢٧١ / ٧٨٧ من طريق محمد بن إسحاق معنعنا. والله ولي التوفيق.
وقد طبع هذا المجلد بهمة وتحقيق الأخ الشيخ حمدي السلفي جزاه الله خيرا.
وأما حديثه الآخر رقم ٥ فقد ضعفاه.
وقد رواه أحمد أيضا في "الزهد" ص ١٦ بسند ضعيف كما بينته في "الضعيفة" ٣٩١٢ وخرجت تحته حديث ابن عباس القوي من رواية أبي يعلى
стр. 275
قوله تحت رقم ٥ -: "والأفضل المواظبة على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهو مخير بين أن يصلها وبين أن يقطعها قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ... رواه البخاري ومسلم. ورويا أيضا عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة".
قلت: وتمام حديث القاسم عنها عندهما: "ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة". فيؤخذ على المؤلف أمور:
الأول: أنه خير بين الوصل والفصل وهو يفيد أن لا تفاضل بين الأمرين مع أنه فضل فيما سبق الفصل على الوصل في الصلاة النهارية بدليل: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فهذا يلزمه نفس التفضيل فتأمل. مع أن ذكر النهار في الحديث شاذ لولا الطرق والشواهد التي سبق بيانها.
الثاني: أنه لم يذكر الدليل على الثلاث عشرة ركعة وهو من حديث عائشة أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. رواه البخاري ٣ / ٣٥ بشرح الفتح من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عنها.
وكذلك أخرجه أحمد ٦ / ١٧٨ وفي رواية له ٦ / ٢٣٠:
"ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منها إلا في آخرها".
وإسنادها على شرط الشيخين.
стр. 276
لكني أرى أن قوله: "ثلاث عشرة" خطأ من هشام لأنه قد خالفه الزهري عند مالك ١ / ١٤١ ومن طريقه مسلم ٢ / ١٦٥ وأبو عوانة ٢ / ٣٢٦ فقال: عن عروة ... "إحدى عشرة".
وكذلك أخرجه البخاري ٣ / ٦ ومسلم وأبو عوانة من طرق أخرى عن الزهري به. وقد تابعه عمران بن ما لك ويأتي لفظه ومحمد بن جعفر بن الزبير عن عروة به. بل هو رواية عن هشام نفسه فقال محمد بن إسحاق: حدثني هشام ابن عروة بن الزبير ومحمد بن جعفر بن الزبير كلاهما حدثني عن عروة بن الزبير عن عاثشة زوج النبي ﷺ قالت:
كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة بركعتين بعد الفجر قبل الصبح إحدى عشرة ركعة من الليل ست مثنى مثنى ويوتر بخمس لا يقعد فيهن. أخرجه أحمد ٦ / ٢٧٦ وسنده جيد.
فهذه الرواية تدل على أن هشاما كان يضطرب في رواية الحديث فتارة يجعل ركعتي سنة الفجر زيادة على "الثلاث عشرة" وتارة يجعلهما منها وهذا هو الصواب لأمرين:
الأول: أنه موافق لرواية الثقات الآخرين عن عروة.
الثاني: أنه موافق للطرق الأخرى عن عائشة مثل رواية القاسم عنها فإنها صريحة بأنها ثلاث عشرة بركعتي الفجر وقد تقدمت ومثلها رواية أبي سلمة عنها بلفظ:
"كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
أخرجه مسلم ٢ / ١٦٧.ونحوه رواية عمران عن عروة بلفظ:
"كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر".
стр. 277
أخرجه مسلم ٢ / ١٦٦ وأحمد ٦ / ٢٢٢.
نعم قد يعارض هذا ما روى عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث وست وثلاث وثمان وثلاث وعشر وثلاث ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة ولا أنقص من سبع".
أخرجه أحمد ٦ / ١٤٩ وأبو داود ١ / ٢١٤ وسنده صحيح كما قال العراقي في "تخريج الإحياء".
وجمع بين هذه الرواية والروايات المتقدمة عنها بأنها أخبرت فيها عن حالته ﷺ المعتادة الغالبة وفي هذه الرواية أخبرت عن زيادة وقعت في بعض الأوقات أو ضمت فيها ما كان يفتتح به صلاته من ركعتين خفيفتين قبل الإحدى عشرة.
قلت: ويؤيد هذا حديث زيد بن خالد الجهني قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة فتوسدت عتبته أو فسطاطه فصلى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة.
أخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما" وابن نصر في "قيام الليل" ص ٤٨ وما بين القوسين ساقط من أبي عوانة والسياق له.
قلت: ويحتمل أن تكون الضميمة ركعتي سنة العشاء البعدية أحيانا فإني لا أذكر حديثا صريحا ذكر فيه صلاته ﵇ للعشاء ثم سنتها ثم الوتر بإحدى عشرة ركعة بله ثلاث عشرة ركعة بل وقفت على ما يؤيد هذا الاحتمال وهو ما روى شرحبيل بن سعد أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من الحديبية حتى إذا كنا بالسقيا قام رسول الله ﷺ وجابر إلى جنبه فصلى العتمة ثم صلى ثلاث عشرة سجدة. رواه ابن نصر ورجاله ثقات إلا أن شرحبيل بن سعد كان اختلط بآخره. والله أعلم.
стр. 278
ومن قيام رمضان
قوله في عدد ركعاته: "وصح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة".
قلت: أما عن عثمان فلا أعلم أحدا روى ذلك عنه ولو بسند ضعيف وأما عمر وعلي فقد روي ذلك عنهما بأسانيد كلها معلولة كما فصلت القول في ذلك تفصيلا لا أعلم أني سبقت إليه في كتابي "صلاة التراويح" وبينت فيه أن الروايات الواردة في ذلك هي من النوع الذي لا يقوي بعضه بعضا وأنه لو صح شيء منها فإنما كان ذلك لعلة وقد زالت لأنه لم يبق في الأئمة من يطيل في القراءة تلك التي كان عليها السلف حتى يعدلوا عنها إلى تقصير القراءة وتكثير الركعات بدل التطويل وأنه لا إجماع على العشرين وأن الذي صح عن عمر ﵁ بأصح إسناد مطابق لسنته ﷺ التي روتها عائشة في حديثها المذكور في الكتاب فقد روى مالك في "الموطأ" عن السائب بن يزيد ﵁ قال:
"أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر".
وأثبت فيه أن التزامه ﷺ بإحدى عشرة ركعة طيلة حياته المباركة دليل قاطع على أن الصلاة في الليل ليس نفلا مطلقا كما يدعي الكثيرون وأنه لا فرق بين صلاة الليل من حيث إثبات كونها صلاة مقيدة وبين السنن الرواتب وصلاة الكسوف
стр. 279
ونحوها فإن هذه إنما ثبت كونها صلاة مقيدة بملازمته ﷺ لها وليس بنهيه عن الزيادة عليها وأن التمسك بالأحاديث المطلقة أو العامة في الحض على الإكثار من الصلاة لا يجوز الزيادة على العدد الذي لم يجر عليه عمله ﷺ كما حققته في "صلاة التراويح" في بحث هام دعمته ببعض النقول عن بعض الأئمة الفحول مؤداها أنه لا يجوز التمسك بالمطلقات التي جاءت مقيدة بعمله ﷺ وقلت هناك:
"وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي ﷺ ... كما وكيفا محتجا بتلك المطلقات كمن يصلي مثلا سنة الظهر خمسا١ وسنة الفجر أربعا وكمن يصلى بركوعين وسجدات وفساد هذا لا يخفى على عاقل"
ونقلت قبل هذا الكلام عن الفقيه الهيتمى أنه لا يجوز الزيادة والنقص في الوتر وسنة الظهر فراجع هذا وما لخصته لك في الكتاب المذكور فإنه مهم جدا.
وبهذه المناسبة أقول:
لقد ألف الشيخ إسماعيل الأنصاري رسالة في الرد على الكتاب المشار إليه لم يكن فيها مع الأسف عند حسن الظن به إنصافا وعلما فإنه مع تكلفه في الرد واحتجاجه بما يعلم هو أنه غير ثابت ومكابرته في رد الأدلة الكثيرة التي احتججت بها في عدم الزيادة على الإحدى عشرة ركعة ولم يتعرض لها بجواب مطلقا تسليكا منه لواقع الناس في صلاة التراويح وإرضاء منه للجمهور وغيرهم! فإنه زاد على ذلك أنه افترى علي ما لم أقل تماما كما يفعل أهل الأهواء والبدع
стр. 280
مع أهل السنة! فلا بأس من ذكرها تنبيها وتحذيرا:
أولا: ذكر ص ٥ أنني أنكرت الزيادة المذكورة تقليدا للمباركفوري وهذه الفرية يغني حكايتها عن تكلف الرد عليها وإبطالها لأن القراء جميعا من الموافقين والمخالفين والمحبين والمبغضين يعلمون جميعا أنني لا أقلد أحدا في منهجي العلمي بل هو السبب في ثوران بعض الناس علي وفيهم بعض أهل العلم مع الأسف حسدا وبغيا.
ثانيا: نسب إلي ص ١٥ أنني ضعفت يزيد بن خصيفة راوي عدد العشرين عن عمر وبناء عليه سود عدة صفحات من رسالته ليثبت لي - زعم - بأقوال الأئمة أنه ثقة وهو يعلم أنني غير مخالف لهم في ذلك فقد قلت في كتابي المذكور في صدد بيان وجوه ضعف العدد الذي رواه عن ابن عمر:
"الأول: أن ابن خصيفة وإن كان ثقة فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه: منكر الحديث ... ".
ثم أكدت كونه ثقة عندي في تمام كلامي المشار إليه فلا داعي لنقله فمن شاء رجع إليه ليتأكد من افتراء الشيخ علي.
ثالثا: نسب إلي أيضا ص ٢٢ أنني احتججت برواية عيسى بن جارية عن جابر مثل حديث عائشة في عدد ركعات التراويح والواقع في كتابي يكذبه فإني قلت فيه بالحرف الواحد:
"وسنده حسن بما قبله"!
ولقد حاولت في نفسي أن أبرئ الشيخ من هذه الفرية بأنه لا يفهم قيد "بما قبله" ولكني استعظمت أن اجزم بذلك خشية أن أقع أنا فيما وقع هو فيه!
стр. 281
فاعتبروا يا أولي الأبصار!
رابعا: نسبني أيضا ص ٤١ إلى تجهيل السلف الصالح.
وهذا في الواقع أعظم فرياته علي لأن سابقاتها تتعلق بعلمي ومن الممكن أن أخطئ في بعض جوانبه ويكون هو مصيبا فيما نسب إلي وإن كنت أثبت كذبه فيه وأما هذه الفرية فتتعلق بعقيدتي وديني وفهمي إياه على منهج السلف الصالح فأنا - والحمد لله - معروف بين الناس جميعا أنني سلفي أدعو إلى اتباع السلف الصالح لسانا وقلما ومن ذلك قولي في هذا الكتاب: "صلاة التراويح ":
"لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة عن أحد الخلفاء الراشدين أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها لعلمنا بفضلهم وفقههم وبعدهم عن الابتداع في الدين ... ".
فإذا لم تثبت الزيادة بها عنهم عندي فتمسكت فقط بما ثبت عن نبيي ﷺ أفيكون جزائي أن أتهم بتجهيل السلف؟! تالله إنها لإحدى الكبر: والله تعالى هو المستعان.
فائدة: قال الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" ٢ / ١٩٤ بعد أن ذكر الأحاديث الصحيحة في عدد ركعاته ﷺ في الليل من تسع إلى ثلاث عشرة ركعة:
"وهذا الاختلاف من جنس المباح فجائز للمرء أن يصلي أي عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي ﷺ أنه صلاهن وعلى الصفة التي رويت عن النبي ﷺ أنه صلاها لا حظر على أحد في شيء منها".
فقوله: "مما روي عن النبي ﷺ ... " واضح أنه لا يجيز الزيادة التي لم ترو
стр. 282
عن النبي ﷺ ومما يؤيد ذلك من صنيعه أنه في أبواب قيام رمضان قال في أحدها ٣ / ٣٤١:
"باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان والدليل على أنه لم يكن يزيد في رمضان على عدد الركعات التي كان يصليها في غير رمضان".
ثم ساق حديث عائشة بلفظين أحدهما:
"كانت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
стр. 283
ومن صلاة الضحى
قوله بعد أن ذكر في فضلها حديث: "قال الله : ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره ": "رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن نعيم الغطفاني بسند جيد ولفظ الترمذي عن رسول الله ﷺ ... ".
قلت: هذا يوهم أن جميع المذكورين رووه عن نعيم وليس كذلك وإنما رواه عنه منهم أحمد وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم كما في "الإرواء" ٤٦٢ وصححه ابن حبان ٦٣٤.
وأما الترمذي فأخرجه باللفظ الذي ذكره المؤلف من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وإسناده حسن صحيح وهو مخرج في "الإرواء" ٤٦٥.
وأما النسائي فلم يخرج الحديث في "سننه الصغرى" المطبوعة فإذا كان العزو إليه صحيحا فلعله رواه في "سننه الكبرى" أو في "عمل اليوم والليلة" ثم تبين أنه ليس فيه بعد أن طبع فلم يبق إلا أنه في الكبرى وقد عزاه إليه المزي في "تحفة الأشراف" ٩ / ٣٤.
стр. 284
فتبين أن المؤلف اختصر تخريج الحديث اختصارا مخلا فأوهم أن له طريقا واحدا بينما له أكثر ويكثر من هذا النوع من الاختصار المخل مؤلف كتاب "التاج الجامع للأصول" والأمثلة عندي على ذلك كثيرة جدا وهذا الحديث منها حتى لأكاد أقول: إن المؤلف نقل تخريجه منه.
قوله:" ٤ وعن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة ... فقال رسول الله ﷺ : " ... من توضأ ثم غدا إلى المسجد بسمته المضي فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة". رواه أحمد والطبراني وروى أبو يعلى نحوه".
قلت: في هذا التخريج من الاختصار المخل نحو ما ذكرته آنفا فإن أبا يعلى إنما رواه من حديث أبي هريرة ﵁ وهو أخرجه عن شيخه ابن أبي شيبة وهذا رواه في "المصنف" وسنده صحيح على شرط مسلم فكان من الواجب أن يضاف عقب قوله: نحوه: "من حديث أبي هريرة". وهو مخرج في "التعليق الرغيب" ١ / ٢٣٥ وانظر "صحيح الترغيب" رقم ٦٦٣ و٦٦٤.
قوله:" ٦ وعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة ... ". رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن خزيمة وصححاه".
قلت: فيه شيئان:
الأول: أن الحديث ليس في "سنن النسائي الصغرى" وهي المقصودة عند إطلاق العزو للنسائي فكان الواجب تقييد العزو إليه ب "السنن الكبرى" فإنه أخرجه فيه كما في "تعجيل المنفعة" للحافظ أبن حجر وليس له وجود في النسخة المطبوعة في المغرب من "عمل اليوم والليلة" له.
стр. 285
الثاني: أن إسناده لا يصح وإن صححه من ذكرهما المؤلف لأن فيه الضحاك بن عبد الله القرشي وهو في عداد المجهولين كما يبدو لمن راجع ترجمته في "التعجيل" فلينظرها من شاء لكن الحديث صحيح لشواهده دون الركعات فانظر "الصحيحة" ١٧٢٤.
قوله في حكمها: "فعن أبي سعيد الخدري قال: كان ﷺ يصلى الضحى حتى نقول: لا يدعها ويدعها حتى نقول: لا يصليها. رواه الترمذي وحسنه".
قلت: لكن في سنده عطية العوفي وهو ضعيف لكثرة خطئه وتدليسه وهو مخرج في "الإرواء" ٤٦٠.
قوله في عدد ركعاتها: "وعن أم هانئ أن النبي ﷺ صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين".رواه أبو داود بإسناد صحيح".
قلت: كذا قال النووي في "المجموع" ٣ / ٣٩ وزاد: "على شرط البخاري" وتبعه على هذا الحافظ ابن حجر في "التلخيص" وهو من أوهامهما فإن في إسناده عياض بن عبد الله وهو الفهري المدني نزيل مصر قال الحافظ نفسه في "التقريب ":
"فيه لين". ورمز له أنه من رجال مسلم دون البخاري وكذلك رمز له الذهبي في "الكاشف" وأشار إلى ضعفه بقوله: "وثق. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي".
وكذا قال في كتابه "الضعفاء".