Полный текст (464 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فاعتبروا يا أولي الأبصار!
رابعا: نسبني أيضا ص ٤١ إلى تجهيل السلف الصالح.
وهذا في الواقع أعظم فرياته علي لأن سابقاتها تتعلق بعلمي ومن الممكن أن أخطئ في بعض جوانبه ويكون هو مصيبا فيما نسب إلي وإن كنت أثبت كذبه فيه وأما هذه الفرية فتتعلق بعقيدتي وديني وفهمي إياه على منهج السلف الصالح فأنا - والحمد لله - معروف بين الناس جميعا أنني سلفي أدعو إلى اتباع السلف الصالح لسانا وقلما ومن ذلك قولي في هذا الكتاب: "صلاة التراويح ":
"لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة عن أحد الخلفاء الراشدين أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها لعلمنا بفضلهم وفقههم وبعدهم عن الابتداع في الدين ... ".
فإذا لم تثبت الزيادة بها عنهم عندي فتمسكت فقط بما ثبت عن نبيي ﷺ أفيكون جزائي أن أتهم بتجهيل السلف؟! تالله إنها لإحدى الكبر: والله تعالى هو المستعان.
فائدة: قال الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" ٢ / ١٩٤ بعد أن ذكر الأحاديث الصحيحة في عدد ركعاته ﷺ في الليل من تسع إلى ثلاث عشرة ركعة:
"وهذا الاختلاف من جنس المباح فجائز للمرء أن يصلي أي عدد أحب من الصلاة مما روي عن النبي ﷺ أنه صلاهن وعلى الصفة التي رويت عن النبي ﷺ أنه صلاها لا حظر على أحد في شيء منها".
فقوله: "مما روي عن النبي ﷺ ... " واضح أنه لا يجيز الزيادة التي لم ترو
стр. 282
عن النبي ﷺ ومما يؤيد ذلك من صنيعه أنه في أبواب قيام رمضان قال في أحدها ٣ / ٣٤١:
"باب ذكر عدد صلاة النبي ﷺ بالليل في رمضان والدليل على أنه لم يكن يزيد في رمضان على عدد الركعات التي كان يصليها في غير رمضان".
ثم ساق حديث عائشة بلفظين أحدهما:
"كانت صلاته ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر".
стр. 283
ومن صلاة الضحى
قوله بعد أن ذكر في فضلها حديث: "قال الله : ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره ": "رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن نعيم الغطفاني بسند جيد ولفظ الترمذي عن رسول الله ﷺ ... ".
قلت: هذا يوهم أن جميع المذكورين رووه عن نعيم وليس كذلك وإنما رواه عنه منهم أحمد وأبو داود وإسناده صحيح على شرط مسلم كما في "الإرواء" ٤٦٢ وصححه ابن حبان ٦٣٤.
وأما الترمذي فأخرجه باللفظ الذي ذكره المؤلف من حديث أبي الدرداء وأبي ذر وإسناده حسن صحيح وهو مخرج في "الإرواء" ٤٦٥.
وأما النسائي فلم يخرج الحديث في "سننه الصغرى" المطبوعة فإذا كان العزو إليه صحيحا فلعله رواه في "سننه الكبرى" أو في "عمل اليوم والليلة" ثم تبين أنه ليس فيه بعد أن طبع فلم يبق إلا أنه في الكبرى وقد عزاه إليه المزي في "تحفة الأشراف" ٩ / ٣٤.
стр. 284
فتبين أن المؤلف اختصر تخريج الحديث اختصارا مخلا فأوهم أن له طريقا واحدا بينما له أكثر ويكثر من هذا النوع من الاختصار المخل مؤلف كتاب "التاج الجامع للأصول" والأمثلة عندي على ذلك كثيرة جدا وهذا الحديث منها حتى لأكاد أقول: إن المؤلف نقل تخريجه منه.
قوله:" ٤ وعن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة ... فقال رسول الله ﷺ : " ... من توضأ ثم غدا إلى المسجد بسمته المضي فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة". رواه أحمد والطبراني وروى أبو يعلى نحوه".
قلت: في هذا التخريج من الاختصار المخل نحو ما ذكرته آنفا فإن أبا يعلى إنما رواه من حديث أبي هريرة ﵁ وهو أخرجه عن شيخه ابن أبي شيبة وهذا رواه في "المصنف" وسنده صحيح على شرط مسلم فكان من الواجب أن يضاف عقب قوله: نحوه: "من حديث أبي هريرة". وهو مخرج في "التعليق الرغيب" ١ / ٢٣٥ وانظر "صحيح الترغيب" رقم ٦٦٣ و٦٦٤.
قوله:" ٦ وعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة ... ". رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن خزيمة وصححاه".
قلت: فيه شيئان:
الأول: أن الحديث ليس في "سنن النسائي الصغرى" وهي المقصودة عند إطلاق العزو للنسائي فكان الواجب تقييد العزو إليه ب "السنن الكبرى" فإنه أخرجه فيه كما في "تعجيل المنفعة" للحافظ أبن حجر وليس له وجود في النسخة المطبوعة في المغرب من "عمل اليوم والليلة" له.
стр. 285
الثاني: أن إسناده لا يصح وإن صححه من ذكرهما المؤلف لأن فيه الضحاك بن عبد الله القرشي وهو في عداد المجهولين كما يبدو لمن راجع ترجمته في "التعجيل" فلينظرها من شاء لكن الحديث صحيح لشواهده دون الركعات فانظر "الصحيحة" ١٧٢٤.
قوله في حكمها: "فعن أبي سعيد الخدري قال: كان ﷺ يصلى الضحى حتى نقول: لا يدعها ويدعها حتى نقول: لا يصليها. رواه الترمذي وحسنه".
قلت: لكن في سنده عطية العوفي وهو ضعيف لكثرة خطئه وتدليسه وهو مخرج في "الإرواء" ٤٦٠.
قوله في عدد ركعاتها: "وعن أم هانئ أن النبي ﷺ صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين".رواه أبو داود بإسناد صحيح".
قلت: كذا قال النووي في "المجموع" ٣ / ٣٩ وزاد: "على شرط البخاري" وتبعه على هذا الحافظ ابن حجر في "التلخيص" وهو من أوهامهما فإن في إسناده عياض بن عبد الله وهو الفهري المدني نزيل مصر قال الحافظ نفسه في "التقريب ":
"فيه لين". ورمز له أنه من رجال مسلم دون البخاري وكذلك رمز له الذهبي في "الكاشف" وأشار إلى ضعفه بقوله: "وثق. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي".
وكذا قال في كتابه "الضعفاء".
стр. 286
ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة أيضا ١٢٣٤ وإليه عزاه الحافظ في "الفتح" ٣ / ٥٣ وسكت عنه ولكنه دعمه بقوله:
"وفي الطبراني من حديث ابن أبي أوفى أنه صلى الضحى ركعتين فسألته امرأته؟ فقال: إن النبي ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين. وهو محمول على أنه رأى من صلاة النبي ﷺ ركعتين ورأت أم هانئ بقية الثمان وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة. والله أعلم".
قلت: لكن في إسناد الطبراني الشعثاء قال الهيثمي ٢ / ٢٣٨:
"ولم أجد من وثقها ولا جرحها".
قلت: هي مجهولة. وقد أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في "الميزان ":
"تفرد عنها سلمة بن رجاء".
وصرح بذلك الحافظ نفسه فقال في "التقريب ":
"لا تعرف".
فدعمه بحديثها لحديث أم هانئ واه.
ومن طريقها أخرجه البزار أيضا ١ / ٣٥٧ / ٧٤٨ - كشف الأستار.
стр. 287
ومن صلاة الصبح
...
ومن صلاة التسبيح
قال بعد أن ساق حديثها: "قال الحافظ: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة ... إلى قوله: وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي ﵏".
قلت: المصطلح عليه عند العلماء أنه إذا أطلق "الحافظ" فإنما المراد به أحمد بن حجر العسقلاني ﵀ وعليه جرى المؤلف في غير ما موضع وليس هو المراد به ههنا بل الحافظ المنذري فإن الكلام المذكور هو كلامه في "الترغيب" ١ / ٢٣٨ فكان على المؤلف أن يقيده به دفعا للإيهام وسيأتي له مخالفة أخرى من هذا النوع في أول "الزكاة" ص ٣٥٧.
стр. 288
ومن صلاة الحاجة
قوله: روى أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتممهما أعطاه الله ما سأل معجلا أو مؤخرا".
قلت: أنى له الصحة وفي سنده رجل مجهول؟! فإنه في "المسند" ٦ / ٤٤٢ - ٤٤٣ من طريق ميمون أبي محمد المرائى المميمي قال ابن معين:
"لا أعرفه".
قال ابن عدي:
"فعلى هذا يكون مجهولا".
ولذلك قال الذهبي:
"لا يعرف".
وراجع إن شئت "الميزان" و "اللسان" و "مجمع الزوائد" ٢ / ٢٧٨.
стр. 289
ومن صلاة الكسوف
قوله: "اتفق العلماء على أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة في حق الرجال" والنساء".
قلت: فيه أمران:
الأول: دعوى الاتفاق منقوضة فقد قال أبو عوانة في "صحيحه" ٢ / ٣٩٨:
"بيان وجوب صلاة الكسوف".
ثم ساق بعض الأحاديث الصحيحة في الأمر بها كقوله ﷺ : "فإذا رأيتموها فصلوا".
وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة في "صحيحه" فإنه قال فيه ٢ / ٣٠٨:
"باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ... ".
وذكر أيضا بعض الأحاديث في الأمر بها ومن المعلوم من أسلوب ابن خزيمة في "صحيحه" أنه حين يكون الأمر عنده لغير الوجوب يبين ذلك في أبواب كتابه فالمسألة فيها خلاف ولذلك قال الحافظ في "الفتح" ٢/ ٥٢٧:
"فالجمهور على أنها سنة مؤكدة وصرح أبو عوانة في "صحيحه" بوجوبها ولم أره لغيره إلا ما حكي عن ما أنه أجراها مجرى الجمعة ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة".
قلت: وهو الأرجح دليلا لما يأتي:
стр. 290
والآخر: أن القول السنية فقط فيه إهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة دون أي صارف لها عن دلالتها الأصلية ألا وهو الوجوب. ومال إلى هذا الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٣٢٣ وأقره صديق خان في "الروضة الندية" وهو الحق إن شاء الله تعالى. والعجب من ابن حزم أنه لم يتعرض في كتابه "المحلى" لبيان حكم هذه الصلاة العظيمة وإنما تكلم فقط عن كيفية صلاتها بتفصيل بالغ ولعله جاء فيه بما لم يسبق إليه فشغله ذلك عن بيان مذهب في حكمها.
قوله: "وذهب أبو حنيفة إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة لحديث النعمان بن بشير قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في الكسوف نحو صلاتكم يركع ويسجد ركعتين ركعتين ويسأل الله حتى تجلت الشمس. وفي حديث قبيصة الهلالي أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة". رواه أحمد والنسائي".
قلت: هذا المذهب غير صحيح لأن الحديث ليس بصحيح فإنه مضطرب كما يأتي ومخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في الباب وقد ذكر المؤلف منها اثنين فلا يلتفت إلى ما يعارضهما.
وقد حققت القول في ذلك في كتاب "كيف صلى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف" ألفته منذ سنين وقد جمعت فيه جميع أحاديث الكسوف التي وقفت عليها وتتبعت طرقها وألفاظها وبينت ما يصح منها وما لا يصح ثم ختمته بأن ذكرت خلاصة ما صح منها ممزوجا بعضها ببعض على نسق كتابي "صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم" يسر الله لي تبييضه وطباعته.
وقد حققت في جملة ما حققت فيه أن حديث النعمان وقبيصة هما حديث
стр. 291
واحد - خلافا لما يبدو من سياق المصنف لهما - اضطرب في روايته أبو قلابة فكان تارة يقول: عن النعمان بن بشير وتارة: عن قبيصة الهلالي وتارة: عن النعمان ابن بشير أو غيره وتارة: عن قبيصة الهلالي أو غيره.
وقد اضطرب في متنه أيضا من ذلك قوله: "ركعتين ركعتين" زاد في رواية: "وشمال عنها". وفي أخرى: "ويسلم" بدل: "ويسأل عنها". انظر "إرواء الغليل" ٣ / ١٣١.
ومن المقرر في علم مصطلح الحديث أن الاضطراب دليل على ضعف الحديث وعدم ضبط راويه له فكيف يصلح إذن أن يعارض به الأحاديث الصحيحة؟!
قوله: "ويجوز الجهر بالقراءة والإسرار بها".
قلت: المتقرر أن صلاة الكسوف إنما صلاها رسول الله ﷺ مرة واحدة وقد صح أنه جهر بها كما في البخاري ولم يثبت ما يعارضه ولو ثبت لكان مرجوحا فكيف إذن يسوي المؤلف بين ما صح عنه ﷺ من الجهر وما لم يصح عنه من الإسرار؟ وقد سبق له مثل هذا القول في القنوت في النوازل فتذكره.
стр. 292
ومن صلاة الاستسقاء
قوله تحت رقم ١: "يجهر في الأولى بالفاتحة وسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بالغاشية بعد الفاتحة".
قلت: أما الجهر فيها فصحيح ثابت عنه ﷺ في حديث عبد الله بن زيد المذكور في الكتاب وهو مخرج في "الإرواء" ٣ / ١٣٣.
وأما تعيين السورتين المذكورتين فلا يصح عنه ﷺ لأن في سنده محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري وهو ضعيف جدا. انظر "تلخيص المستدرك" للذهبي و "نصب الراية" للزيلعي و "إرواء الغليل" ٣ / ١٣٤ و "الضعيفة" ٥٦٣١.
فالصواب أن يقرأ ما تيسر لا يلتزم سورة معينة.
ثم قوله: "فإذا انتهى من الخطبة حول المصلون جميعا أرديتهم ... رافعي أيديهم مبالغين في ذلك".
قلت: في هذا الكلام مسألتان لم يذكر المؤلف دليلهما:
الأولى: تحويل المصلين أرديتهم.
الثانية: رفعهم الأيدي.
والدليل على الأولى حديث عبد الله بن زيد قال: قد رأيت رسول الله ﷺ حين استسقى لنا أطال الدعاء وأكثر المسالة قال: ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرا لبطن وتحول الناس معه أخرجه أحمد بسند قوي لكن ذكر تحول الناس معه شاذ كما حققته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ٥٦٢٩.
والدليل على الثانية حديث أنس الآتي في الكتاب برقم ٢ فقد قال في
стр. 293
رواية:
فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم يدعون.
أخرجه البخاري تعليقا ووصله البيهقي وغيره وليس فيه أنهم بالغوا في رفع الأيدي وإنما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وحده كما في حديث عائشة في الكتاب وحديث أنس في "الصحيحين" فأرى مشروعية المبالغة في الرفع للإمام دون المؤتمين.
قوله تحت رقم ١: " ... عن عمر بن عبد الله بن زيد المازني أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما ... الحديث. أخرجه الجماعة".
قلت: في هذا التخريج مسامحة فإن الجهر بالقراءة في الحديث لم يخرجه مسلم وقد صرح بذلك الزيلعي في "نصب الراية" ٢ / ٢٣٩ وكذلك لم يخرجه ابن ماجه. انظر "الإرواء" ٦٦٤.
قوله تحت رقم ٣: "لما رواه ابن ماجه وأبو عوانة أن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل فصعد النبي ﷺ المنبر فحمد الله ثم قال: "اللهم اسقنا غيثا مريئا طبقا غدقا عاجلا غير رائث" ثم نزل ... رواه ابن ماجه وأبو عوانة ورجاله ثقات وسكت عليه الحافظ في التلخيص".
قلت: رجاله ثقات كما قال ولكن لا يلزم منه صحة الإسناد لما ذكرناه في "المقدمة" فإن فيه علة تقدح في صحته وهي أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس وحبيب هذا كثير التدليس كما قال الحافظ في "التقريب" والمدلس لا يحتج بحديثه إذا عنعنه كما بيناه في المقدمة أيضا فمن صحح هذا
стр. 294
الحديث فقد ذهل عن علته واغتر بظاهر إسناده فتنبه.
قوله تحت الأدعية الواردة في الاستسقاء:" ١ قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ أنه كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا ... اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا".
قلت: الذي في كتاب "الأم" ١ / ٢٢٢: "وروى سالم ... بحذف: عن " والمؤلف أثبته تبعا لابن القيم في "الزاد" والإسناد منقطع كما ترى ولم أجد من وصله لينظر فيه.
قوله تحت رقم ٣: "ويقول: إذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر: "اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا لا علينا". فكل ذلك صحيح ثابت عن النبي ﷺ .
قلت: أما الدعاء الأول فغير صحيح لأن الشافعي رواه عن إبراهيم بن محمد بسنده عن المطلب بن حنطب مرسلا. أخرجه البيهقي ٣ / ٣٥٦ وقال:
"هذا مرسل".
وبهذا أعله في "المنتقى" وتبعه شارحه الشوكاني ٤ / ٩ وهو إعلال قاصر جدا لأن إبراهيم بن محمد - وهو ابن أبي يحيى الأسلمي المدني - متروك متهم بالكذب ولعله لذلك لم يذكره أحد ممن جمع في الأذكار والأوراد كالنووي والجزري وابن القيم وغيرهم.
وأما ما بعده فهو في "الصحيحين" من حديث أنس المذكور في الكتاب وهو مخرج في "الإرواء" ٢ / ١٤٤ - ١٤٥ قلت فيه:
стр. 295
" ... من طرق كثيرة عن أنس" وما ذاك إلا لأن شريكا الذي ذكره المؤلف من طريقه فيه ضعف من قبل حفظه أشار إلى ذلك الحافظ في "التقريب" بقوله:
"صدوق يخطئ".
وهو شريك بن عبد الله بن أبي نمير المدني وهو غير شريك بن عبد الله النخعي الكوفي وهو مثله في الضعف أو أشد. ولذلك فإني آخذ على المؤلف أنه سماه في تخريجه للحديث لأنه يوهم من لا علم عنده بطرق الحديث أن فيه ضعفا من أجل شريك هذا فتأمل.
стр. 296
ومن سجود التلاوة
قوله: "عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا. رواه أبو داود والبيهقي والحكم وقال: صحيح على شرط الشيخين".
قلت: فيه ملاحظتان:
الأولى: أن الحديث ضعيف لأن في سنده عند أبي داود - وعنه رواه البيهقي - عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف كما قال الحافظ في "التلخيص" ولذلك قال في "بلوغ المرام":
"سنده فيه لين". وقال النووي في "المجموع":
"إسناده ضعيف".
وقد روى جمع من الصحابة سجوده ﷺ للتلاوة في كثير من الآيات في مناسبات مختلفة فلم يذكر أحد منهم تكبيره ﵇ للسجود ولذلك نميل إلى عدم مشروعية هذا التكبير. وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀.
стр. 297
الثانية: أن الحاكم ليس في روايته: "كبر" وهو موضع الشاهد من الحديث وهو إنما رواه من طريق عبيد الله بن عمر العمري وهو المصغر وهو ثقة بخلاف أخيه عبد الله المكبر فهو ضعيف كما تقدم. والحديث في "الصحيحين" أيضا وغيرهما من طريق عبيد الله المصغر لا المكبر فهو من أدلة ضعفه وانظر "الإرواء" ٤٧١ و٤٧٢.
وقوله: "وقال عبد الله بن مسعود: إذا قرأت سجدة فكبر واسجد وإذا رفعت رأسك فكبر".
كذا ذكره دون أن يعزوه لأحد وما وجدت من عزاه لابن مسعود وإنما علقه البيهقي ٢ / ٣٢٥ لغيره فقال: ويذكر عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري أنه قال: فذكره.
والربيع هذا قال الحافظ:
"صدوق سيئ الحفظ".
وقد وجدت له أصلا عن ابن مسعود من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢ / ٢ من طريق عطاء بن السائب قال:
كنا نقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي ونحن نمشي فإذا مر بالسجدة كبر وأومأ وسلم وزعم أن ابن مسعود كان يصنع ذلك.
لكن عطاء بن السائب كان اختلط.
وروي عن أبي الأشهب والحسن أنهما قالا:
"إذا قرأ الرجل السجدة فليكبر إذا رفع رأسه وإذا سجد".
ورجاله ثقات لكن فيه هشيم عن مغيرة وهما مدلسان.
стр. 298
وأخرج عن أبي قلابة وابن سيرين أنهما قالا:
"إذا قرأ الرجل السجدة في غير الصلاة قال: الله أكبر".
قلت: وإسناده صحيح ورواه عبد الرزاق في "المصنف" ٣ / ٣٤٩ / ٥٩٣٠ بإسناد آخر صحيح عنهما نحوه.
ثم روى التكبير عند سجود التلاوة هو والبيهقي عن مسلم بن يسار.
وإسناده صحيح.
قوله: "مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا فعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قرأ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان. رواه أبو داود و ... و ... و ... وحسنه المنذري والنووي".
قلت: كلا ليس بحسن لأن فيه مجهولين فقد قال الحافظ في "التلخيص" بعد أن نقل تحسين المنذري والنووي للحديث:
"وضعفه عبد الحق وابن قطان وفيه عبد الله بن منين وهو مجهول والراوي عنه الحارث بن سعيد العتقي وهو لا يعرف أيضا. وقال ابن ماكولا: ليس له غير هذا الحديث".
ولذلك اختار الطحاوي أن ليس في الحج سجدة ثانية قرب آخرها وهو مذهب ابن حزم في "المحلى" قال:
"لأنه لم يصح فيها سنة عن رسول الله ﷺ ولا أجمع عليها وصح عن عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها".
ثم ذهب ابن حزم إلى مشروعية السجود في السجدات الأخرى المذكورة في
стр. 299
الكتاب وذكر أن العشر الأولى متفق على مشروعية السجود فيها عند العلماء.
وكذلك حكى الاتفاق عليها الطحاوي في "شرح المعاني" ١ / ٢١١ إلا أنه جعل سجدة فصلت بدل سجدة ص. ثم أخرجا كلاهما بأسانيد صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه سجد في ص والنجم والانشقاق واقرأ. وهذه الثلاث الأخيرة من المفصل التي أشير إليها في حديث عمرو هذا.
وبالجملة فالحديث مع ضعف إسناده قد شهد له اتفاق الأمة على العمل بغالبه ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيته إلا سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنة والاتفاق إلا أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها قد يستأنس بذلك على مشروعيتها ولا سيما ولا يعرف لهم مخالف. والله أعلم.
قوله فيما يشترط له: "وأما ما رواه البيهقي عنه يعني ابن عمر بإسناد قال في "الفتح ": إنه صحيح
أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر فيجمع ... ".
قلت: في سنده عند البيهقي ٢ / ٣٢٥ أبو سهل بشر بن أحمد: ثنا داود ابن الحسين البيهقي ولم أجد لداود ترجمة فيما وقفت عليه من كتب التراجم فلعله في بعض الكتب التي لم تصل إلينا.
نعم قد جاء ذكره في إسنادين ساقهما الجرجاني في "تاريخ جرجان" ص ٣٥٥ و٥٠٣ - طبع بيروت
ثم طبع "سير أعلام النبلاء" للذهبي فوجدته قد أورده فيه ١٣ / ٥٧٩ وقال فيه:
"المحدث الإمام الثقة مسند نيسابور ... توفي سنة ٢٧٣".
وهذا الأثر لم يصححه الذهبي في "المهذب" مختصر سنن البيهقي وإنما سكت عليه فالله أعلم.
стр. 300
قوله في السجود في الصلاة: "وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة".
قلت: هذا الحديث غير صحيح وإن صححه الحاكم ووافقه الذهبي وتبعه الحافظ في "الفتح" والقسطلاني والزرقاني والسبب في هذا أنهم نظروا إلى ظاهر إسناده فصححوه فقد رواه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي مجلز - عن ابن عمر.
فهذا إسناد صحيح في الظاهر لكنه منقطع بين ذلك غير يحيى بن سعيد فقال يزيد بن هارون: أنبأ سليمان التيمي عن أبي مجلز - قال: ولم أسمعه من أبي مجلز - عن ابن عمر.
أخرجه البيهقي وأحمد وأبو داود والطحاوي.
وقد بين معتمر بن سليمان أن الواسطة بين سليمان التيمي وأبي مجلز رجل مجهول فقال معتمر: عن أبيه عن رجل يقال له: أمية عن ابن عمر.
أخرجه البيهقي وأبو داود.
وأمية هذا مجهول اتفاقا فعاد الحديث إلى أنه عن مجهول ولا حجة في رواية المجهول عند المحدثين.
وقد تنبه الحافظ لهذه العلة في كتابه "التلخيص" فقال بعد أن ذكر الحديث من طريق أمية:
"لكنه عند الحاكم بإسقاطه ودلت رواية الطحاوي على أنه يعني سليمان التيمي مدلس".
قلت: ولهذا لم يأخذ الإمام أحمد بالحديث فقال أبو داود في "مسائله"
стр. 301
ص ٣٨:
"سمعت أحمد وسئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ فقال: لا فذكر له حديث ابن عمر فقال: لم يشمعه سليمان عن أبي مجلز وقال: بعضهم لا يقول فيه عن ابن عمر".
وهذه علة ثانية قد أشار إليها الإمام أحمد ﵀ وهي الإرسال.
وجملة القول أن الحديث غير صحيح فلا يجوز الاستدلال به على جواز السجود في السرية. فالحق ما ذهب إليه أبو حنيفة من الكراهة وهو ظاهر كلام الإمام أحمد المذكور آنفا.
стр. 302
ومن سجود السهو
قوله في صدد بيان المواطن التي يشرع فيها السجود:" ٣ عند نسيان التشهد الأول أو نسيان سنة من سنن الصلاة لما رواه الجماعة عن ابن بحينة أن النبي في ﷺ صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم".
قلت: لم يذكر الدليل على مشروعية السجود لنسيان سنة من سنن الصلاة وإلحاق هذه السنن بالتشهد الأول في هذا الحكم لا يسوغ لأمرين:
الأول: أن التشهد مختلف في وجوبه كما سبق بيانه في محله من التشهد فلا يجوز أن يلحق به ما هو متفق على سنيته دون وجوبه.
الثاني: أن الصواب فيه أنه واجب لأنه أمر به المسئ صلاته فقال ﷺ له:
"فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد". أخرجه أبو داود بسند حسن.
стр. 303
فثبت أنه لا يجوز الإلحاق المذكور فلا بد إذن من دليل آخر لمشروعية السجود في السنن وقد استدل له صديق خان في "الروضة" بحديث: "لكل سهو سجدتان" وهو حديث حسن عندي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما.
ثم ذهب إلى أنه لا فرق في المشروعية بين المسنون والمندوب فراجعه ١ / ١٢٩ - ١٣٠ وسبقه إلى ذلك الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٢٧٤ – ٢٧٥.لكنه صرح بالتفريق بين السجود لترك واجب فيجب وترك سنة فيسن فراجعه فإنه مهم.
قوله بعد أن ذكر حديثين في بناء الشاك على اليقين: "وفي هذين الحديثين دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا شك المصلي في عدد الركعات بنى على الأقل المتيقن له ثم يسجد للسهو".
قلت: لكن قد جاء عنه ﷺ ما يدل على أن الحديثين المشار إليهما ليسا على إطلاقهما بل هما مقيدان بمن لم يغلب على رأيه شيء فهذا هو الذي يبني على الأقل وأما من ظهر له الصواب ولو كان الأكثر فإنه يأخذ به ويبني عليه وذلك قوله ﷺ :
"إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب في رواية: فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب. وفي أخرى: فلينظر الذي يرى أنه الصواب. وفي أخرى: فليتحر أقرب ذلك من الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين".
أخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم" والرواية الثانية والثالثة لهم إلا البخاري والرابعة للنسائي وهو عندهم من حديث ابن مسعود ﵁.
وقد سلم النووي ﵀ بأن الحديث ظاهر الدلالة على الأخذ بغالب الظن وعدم الاقتصار على الأقل كما هو مذهب أبي حنيفة. ولكن النووي رحمه
стр. 304
الله تأول الحديث وأخرجه عن ظاهره حتى يتفق مع مذهبه فحمل قوله فيه:
"فليتحر" على الأخذ باليقين الذي هو الأقل ولا يخفى على المنصف بعد هذا التأويل بل بطلانه إذا أمعن النظر في الروايات التي ذكرتها للحديث مثل قوله: "فلينظر الذي يرى أنه الصواب" فإنه كالصريح في الأخذ بما يغلب على رأيه ويؤيده قوله في حديث أبي سعيد: "فلم يدر كم صلى" فإن مفهومه أن من تحرى الصواب بعد الشك حتى درى كم صلى - أنه ليس له أن يبني على الأقل بل حكم هذه المسألة مسكوت عنه في هذا الحديث وقد تولى بيانه حديث ابن مسعود حيث أمر ﷺ فيه بالأخذ بما يظن أنه أقرب إلى الصواب سواء كان الأقل أو الأكثر ثم يسجد بعد التسليم سجدتين.
وأما في حالة الحيرة وعدم الدراية فإنه يبني على الأقل ويسجد قبل التسليم وفي هذا إشارة إلى اختلاف ما في الحديثين من الفقه فتأمل.
وبعد فإن هذه المسألة تحتاج إلى كثير من البسط والشرح والتحقيق والمجال لا يتسع لذلك ولعل ما ذكرته ههنا يكفي في بيان ما أردته من إثبات وجوب الأخذ بالظن الغالب إذا وجد وهو خلاصة رسالة كنت ألفتها في هذه المسألة رددت فيها على النووي بتفصيل وبينت فيها معنى الشك المذكور في حديث أبي سعيد ومعنى التحري الوارد في حديث ابن مسعود وقد أوردت فيها من الفوائد ما لا يكاد يوجد في كتاب منها أن راوي حديث البناء على الأقل أبو سعيد رضى الله عنه كان يفتى بالأخذ بالتحري ويرويه عن النبي ﷺ وجعلت ذلك من الأدلة الكثيرة على صواب ما ذهب إليه الحنفية ولكنه لم يفتني أن أنبه على أن ما ذهبوا إليه من إبطال صلاة من عرض له الشك لأول مرة باطل وأن الصواب دخوله في عموم الحكم وغيرها من الفوائد التي وفقني الله تعالى إليها وله الحمد والمنة.
стр. 305
ومن صلاة الجماعة
قوله: "صلاة الجماعة سنة مؤكدة".
قلت: لقد تساهل المؤلف في هذا الحكم فإن معنى كونها سنة مؤكدة عند الفقهاء أنه يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها فكيف يصح هذا في حق المتخلفين عن صلاة الجماعة وقد هم ﷺ بحرق بيوتهم عليهم كما في الحديث الرابع في الكتاب. وقد قال ابن القيم:
"ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة فترك الصلاة في الجماعة هو من الكبائر".
بل كيف يصح هذا مع قوله في ﷺ للأعمى: "أجب" مع أنه فوق كونه أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد كما في الحديث الثالث بل وفي طريقه الأشجار والأحجار كما في بعض الروايات الصحيحة في الحديث فهل هناك حكم اجتمع فيه مثل هذه القرائن المؤكدة للوجوب ومع ذلك يقال: هو ليس بواجب؟!
وكذلك قوله في الحديث السادس: " ... إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ... " فهو من الأدلة على وجوبها إذ إن من ترك سنة بل السنن كلها مع المحافظة على الواجبات لا يقال فيه: "استحوذ عليه الشيطان" كما يشير إلى ذلك حديث الأعرابي: "دخل الجنة إن صدق" وهذا بين لا يخفى.
ويغلب على ظني أن المؤلف حين كتب هذه المسألة كان متأثرا بما قرأه في "نيل الأوطار" للشوكاني في هذا البحث فإنه عفا الله عني وعنه قد أجاب عن الأحاديث المقيدة للوجوب بأجوبة تصرفها إلى الندب في زعمه ولكن من يمعن النظر في تلك الأجوبة يعلم ضعفها وتكلفها ولا سيما والشوكاني لم يتعرض للإجابة عن كل أدلة الوجوب التي منها الحديث السادس ومنها حديث: "من
стр. 306
سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر" وقد أورده المؤلف في الجمعة وعلقت عليه هناك بما فيه كفاية
بل سلم في "أبواب الأذان" أنه دليل على وجوب الأذان والإقامة قال: "لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنبه".
قلت: رواية أبي داود تدل على أن المراد بقوله: "لا تقام فيهم الصلاة" أي: صلاة الجماعة والشوكاني فهم من الحديث ما ذكرناه عنه لرواية أحمد له بلفظ: "ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة ... " وأنا لا أفهم منه إلا الجماعة ولو سلمنا أن المراد الإعلام عنها ب "الله أكبر الله أكبر ... الخ" فنقول للشوكاني:
إذا سلمت بأن الحديث دليل على وجوب الأذان والإقامة فهو دليل على وجوب الجماعة من باب أولى لأن الأذان والإقامة بالنسبة للجماعة كالوسيلة مع الغاية فإذا وجبت الوسيلة فمن باب أولى أن تجب الغاية فتأمل.
ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ... ﴾ الآية. وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في حال الخوف وذلك دليل على وجوبها حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر كاستدبار القبلة والعمل الكثير فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتخلف الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. وهذه الأمور مما تبطل الصلاة بها لو فعلت لغير عذر فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد
стр. 307
التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب! مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة.
ذكر هذا الدليل في أدلة أخرى من الكتاب والسنة شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" ٢ / ٣٦٣ - ٣٦٩ فمن شاء الزيادة من الإيضاح فليرجع إليها وإلى "المسائل الماردينية" ص ٩٠ – ٩٢.
واعلم أنه لا ينافي القول بالوجوب ما تفيده بعض الأحاديث من صحة صلاة المنفرد مثل الحديث الأول والثاني في الكتاب إذ أفادا أن صلاة المنفرد صحيحة حيث جعلا له درجة واحدة لأن هذا لا ينافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفا على أجر ما ليس بواجب. كما هو واضح.
ثم قال السيد سابق في تعليقه على قوله السابق: "هذا في الفرض وأما الجماعة في النفل فهي مباحة سواء قل الجمع أو كثر ... ".
قلت: لكن عامة تنفله ﷺ إنما كان يصليها منفردا ولذلك أرى أنه لا بد من تقييد الإباحة المذكورة ببعض الأحيان وإلا فاعتياد الاجتماع في النفل بدعة مخالفة لهديه ﷺ الغالب كما حققه شيخ الإسلام في "الفتاوى" ٢ / ٢ – ٣.
قوله تحت عنوان: انعقاد الجماعة بواحد مع الإمام بعد أن ساق حديث من يتصدق على هذا فيصلي معه: "وقد استدل الترمذي بهذا الحديث على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه".
قلت: الحديث أخص من الدعوى وقد سبق بيان ذلك فيما قدمناه من التعليق في "الأذان" ص "١٥٧ " وذكرت هناك نص كلام الشافعي في كراهة الجماعة الثانية فراجعه.
стр. 308
قوله تحت عنوان: الأحق بالإمامة:" ٢ وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... ".
قلت: الصواب: "أبي مسعود" واسمه عقبة بن عمرو الأنصاري البدري فالحديث من مسنده عند جميع من خرجه.
وقوله أيضا: "فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الأخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم". رواه أبو داود".
قلت: إسناده ضعيف مضطرب فقيل فيه: "عن أبي هريرة" وقيل: "عن ثوبان". وقد ذكره المؤلف من حديثه فيما سيأتي متوهما أنه حديث آخر وسنشير إلى هذا هناك.
ثم إن في السند رجلا في عداد المجهولين وقد بينت ذلك كله في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٢ ١٣. وقد حكم ابن خزيمة على الشطر الثاني من الحديث بالوضع وأقره ابن تيمية وابن القيم وذلك لأن عامة أحاديث النبي ﷺ في الصلاة - وهو الإمام - بصيغة الإفراد وقد سبق بعضها في الكتاب ١ / ٣٢١ فكيف يصح أن يكون ذلك خيانة لمن أمهم؟!
وأما الشطر الأول منه فقد جاء معناه في أحاديث أخرى صحح بعضها ابن خزيمة نفسه في "صحيحه" ٣ / ١١ وأوردها المنذري في "الترغيب" ١ / ١٧٥ - ١٧١ ويأتي بعضها في الكتاب.
وقد وجدت تصريحه بتضعيف الشطر الثاني منه في الباب ١٢٨ ٣ / ٦٣ وذكر تحته حديث السكتة المتقدم عند المؤلف ١ / ٢٦٦ ثم أشار إلى حديث علي المتقدم هناك بعده ثم قال ابن خزيمة:
стр. 309
"وهذا باب طويل قد خرجته في كتاب الكبير".
قلت: فالظاهر أن الوضع الذي عزاه ابن القيم إليه إنما ذكره في كتابه هذا "الكبير" وهو أصل "صحيح ابن خزيمة" كما يشتسعر بذلك قوله هذا وغيره في غير موضع من "صحيحه".
وقد فات هذا الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على "زاد المعاد" ١ / ٢٦٤ فقال:
"لم نجد كلام ابن خزيمة هذا في "صحيحه" عقب الحديث الذي ذكره المصنف فلعله في مكان آخر فإن ثبت عنه فإنه مما جانبه فيه الصواب فإن سند الحديث لا ينزل عن رتبة الحسن كما يعلم من كتب الجرح والتعديل"!
قلت: الإحالة في التعرف على رتبة الحديث على الكتب المشار إليها أمر عجيب غريب لا يصدر إلا ممن لا معرفة له بهذا العلم الشريف فإنه من المتفق عليه بين العارفين به أنه لا بد مع ذلك من الرجوع إلى قواعد "مصطلح الحديث" التي تمكن الباحث من كشف العلل التي لا تعرف عادة من كتب الرجال ومنها الاضطراب الذي هو من أقسام الحديث الضعيف وقد يكون راويه ثقة فكيف إذا كان غير مشهور بالحفظ والعدالة كما هو الحال في راوي هذا الحديث؟!
ثم رأيت الرجل كأنه كتب ما تقدم وهو غافل أيضا عما كتبه في تعليقه على "شرح السنة" ٣ / ١٣٠ فإنه قال في قول الترمذي في حديث ثوبان: "حديث حسن":
"وهو كما قال إن شاء الله تعالى فإن له شواهد تقويه دون قوله: "ولا يؤم قوما فيخص نفسه بالدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم".
فهذا هو الصواب أن هذه الزيادة لا تصح بل هي منكرة لمخالفتها
стр. 310
لأدعية النبي ﷺ التي كان يدعو بها في الصلاة وهو إمامهم وتقدم بعضها
وانظر بقيتها في "مجموع فتاوى ابن تيمية" ٢٣ / ١١٦ – ١١٩.
قوله فيمن لا تصح إمامتهم: "لا تصح إمامة معذور لصحيح ولا لمعذور مبتلى بغير عذر عند جمهور العلماء
وقالت المالكية: تصح إمامته للصحيح مع الكراهة".
قلت: لا وجه للكراهة بله عدم الصحة إذا توفرت فيه شروط الأحق بالإمامة ولا نرى فرقا بينه وبين الأعمى الذي لا يمكنه الاحتراز من البول احتراز البصير والقاعد العاجز عن القيام وهو ركن لأن كلا منهما قد فعل ما يستطيع و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
وللإمام الشوكاني بحث هام في صحة الصلاة وراء المسلم الفاسق والصبي غير البالغ وناقص الصلاة والطهارة وغيرهم فراجعه في كتابه "السيل الجرار" ١ / ٢٤٧ - ٢٥٥ فإنه نفيس جدا.
قوله تحت عنوان: استحباب انحراف الإمام ... : "وعند أحمد والبخاري عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مكانه يسيرا قبل أن يقوم
قالت: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال".
قلت: كذا وقع فيه: "قالت" أي أم سلمة وكذلك وقع في "منتقى الأخبار" ٢ / ٢٦٥ - بشرح الشوكاني ومنه نقله المؤلف وهو خطأ والصواب: "قال".كذا هو عند البخاري في هذه الرواية ٢ / ٣٥٠ / ٨٧٠ وهي من طريق إبراهيم ابن سعد عن الزهري عن هند بنت الحارث عن أم سلمة.
ومن هذا الوجه رواه أحمد ٦ / ٢٩٦ دون قوله: "قال ... " الخ. وكذا
стр. 311
رواه النسائي ١ / ١٩٦ ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" ٤ / ٢٦١ وهو رواية للبخاري ٨٦٦ وأبي يعلى ٤ / ١٦٤٤.
ورواه بتمامه الطيالسي في "مسنده" ١٦٠٤ ومن طريقه ابن خزيمة في "صحيحه" ١٧١٩ وصرح بالقائل فقال: "قال الزهري ... ". وكذا رواه أبو يعلى في "مسنده" ٤ / ١٦٦٩ والبغوي في "شرح السنة" ٣ / ٧٠٨ وهو رواية للبخاري ٨٣٧ و٨٤٩ وأدرجه معمر عن الزهري عند عبد الرزاق في "المصنف" ٢ / ٢٤٥ وعنه أحمد ٦ / ٣١٠ وكذا أبو داود في "سننه" ٩٥٥ - صحيحه والبيهقي ٢ / ١٨٣ وهو من أوهام عبد الرزاق أو شيخه معمر.
وبالجملة فهذه الزيادة ليست من قول أم سلمة ﵂ وإنما هي من قول الزهري ظنا منه ﵀.
ثم إن قوله في رواية الكتاب: "وهو يمكث" مما انقلب على صاحب "المنتقى" وانطلى أمره على الشوكاني وقلده المؤلف والصواب: "ويمكث هو" كما في رواية البخاري الأولى وليس في رواية أحمد المختصرة قوله: "هو".
قوله تحت عنوان: علو الإمام أو المأموم: - "فعن أبي مسعود الأنصاري قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه يعني أسفل. رواه الدارقطني وسكت عنه الحافظ في التلخيص".
قلت: وإسناده حسن وورد بسند صحيح عند أبي داود وغيره وهو الذي في كتاب المؤلف عقب هذا وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٦١٠ وانظر "المشكاة" ١١١٢.
قوله بعد أن ذكر بعض الآثار في الصلاة على ظهر المسجد وخارجه مقتديا بالإمام: "الأصل الجواز حتى يقوم دليل المنع".
نقله عن الشوكاني.
стр. 312
وأقول: يقابل هذه الآثار آثار أخرى عن عمر والشعبي وإبراهيم عند ابن أبي شيبة ٢ / ٢٢٣ وعبد الرزاق ٣ / ٨١ - ٨٢: أنه ليس له ذلك إذا كان بينه وبين الإمام طريق ونحوه. ولعل ما في الآثار الأولى محمول على العذر كامتلاء المسجد كما قال هشام بن عروة:
"جئت أنا وأبي مرة فوجدنا المسجد قد امتلأ فصلينا بصلاة الإمام في دار عند المسجد بينهما طريق".
رواه عبد الرزاق ٣ / ٨٢ بسند صحيح عنه
وليس بخاف على الفقيه أن إطلاق القول بالجواز ينافي الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسد الفرج فلا بد من التزامها والعمل بها إلا لعذر ولهذا قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" ٢٣ / ٤١٠:
"ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة فإن هذا لا حرمة له. قال: فإن امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم.
وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء.
وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في الأظهر وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول فالأول".
стр. 313
قوله تحت عنوان: اقتداء المأموم بالإمام ... : "وقد تقدم حديث صلاة النبي ﷺ والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته".
قلت: يشير إلى حديث عائشة المتقدم عنده في أول "قيام رمضان" لكن ليس فيه ذكر "الحجرة" وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٢٤٣ وإنما ذلك في رواية للبخاري.
وإن مما ينبغي التنبيه عليه أنه ليس المقصود من لفظ "الحجرة" ما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة وهو بيته ﷺ وإنما الحصير الذي كان ﷺ يحتجره بالليل في المسجد كما أفاده الحافظ استنادا إلى بعض الروايات في هذا الحديث فانظر كتابي "مختصر صحيح البخاري" رقم ٣٩٨ والتعليق عليه.
وتحت عنوان: من أم قوما يكرهونه ذكر حديث: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون ورجل أتى الصلاة دبارا ورجل اعتبد محرره" رواه أبو داود وابن ماجه.
قلت: هذا إسناده ضعيف فيه مجهول وآخر ضيف كما تراه مبينا في "المشكاة" ١١٢٣ و "ضعيف أبي داود" ٩٢ لكن الفقرة الأولى منه صحيحة لها شواهد عدة خرجتها في "صحيح أبي داود" ٦٠٧ منها حديث ابن عباس الذي هو في الكتاب قبله.
стр. 314
ومن الإمام والمأموم
...
ومن موقف الإمام والمأموم
قوله تحت رقم ٢: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل". رواه أبو داود".
قلت: وإسناده ضعيف فيه مجهولان وضعفه عبد الحق الإشبيلي وللشطر الثاني شاهد من حديث ابن عمر انظره إن شئت في "الترغيب" ١ / ١٧٣ ثم خرجته في "صحيح أبي داود" ٦٧٢ والأول في "ضعيف أبي داود" ١٠٦.
ثم قال: "وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون ... رواه أحمد وأبو داود".
قلت: عزوه لأبي داود خطأ إذ لم يروه في "سننه" والمؤلف إنما نقل أحاديث هذا الفصل من "المنتقى" وقد قال في تخريجه:
"رواه أحمد وابن ماجه".
وهذا هو الصواب وإسناد الحديث صحيح.
قوله:" ٣ موقف الصبيان والنساء من الرجال كان رسول الله ﷺ يجمل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان. رواه أحمد وأبو داود".
قلت: وإسنادهما ضعيف فيه شهر وهو ضعيف كما سبق غير مرة. وفي صف النساء لوحدهم وراء الرجال أحاديث صحيحة وأما جعل الصبيان وراءهم فلم أجد فيه سوى هذا الحديث ولا تقوم به حجة فلا أرى بأسا من وقوف الصبيان مع الرجال إذا كان في الصف متسع وصلاة اليتيم مع أنس وراءه ﷺ حجة في ذلك.
стр. 315
قال تحت رقم ٤ - في التعليق تفسيرا لقوله ﷺ : "زادك الله حرصا ولا تعد": "قيل: لا تعد في تأخير المجيء إلى الصلاة وقيل: لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع وقيل: لا تعد إلى الإتيان إلى الصلاة مسرعا".
قلت: أقرب هذه الأقوال إلى الصواب القول الأخير لقوله ﷺ :
"إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ولا تأتوها وأنتم تسعون فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". متفق عليه.
وأما القول الذي قبله فلا يصح ما يؤيده بل هو مخالف لحديث عطاء بن أبي يسار أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك.
أخرجه ابن خزيمة ١٥٧١ والطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا على ما بينته في "الصحيحة" ٢٢٩ وجرى عليه عمل السلف كأبي بكر وزيد بن ثابت وابن مسعود وقد خرجت آثارهم في ذلك هناك. وأما الحديث المخالف له فهو ضعيف وله علة خفية بينتها في "الضعيفة" ٩٧٧ ولهذا لم يأخذ به الإمام أحمد بل أخذ بحديث ابن الزبير كما يأتي قريبا.
قوله تحت رقم ٤ -: "قال ابن الهمام: وحمل أئمتنا حديث وابصة على الندب وحديث علي بن شيبان على نفي الكمال ليوافقا حديث أبي بكرة إذ ظاهره عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها".
قلت: لا تعارض بين الحديثين من جهة وحديث أبي بكرة من جهة أخرى
стр. 316
لأن أبا بكرة لم يصل في الصف وحده فلم يأمره بالإعادة والرجل المذكور في الحديثين صلى وراء الصف وحده فأمره بالإعادة فلا معارضة وبهذا جمع الإمام أحمد ﵀ فقال أبو داود في "مسائله" ص ٣٥: "سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة".
قوله تحت رقم ٥ -: "وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوينا في الصفوف ... فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". رواه الخمسة وصححه الترمذي"
قلت: فيه عند أبي داود زيادة كان يحسن بالمؤلف نقلها لأنها تبين سنة طالما غفل أكثر المصلين عنها وهي قول النعمان عقب الحديث:
"فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه".
وإسناده صحيح وعلقه البخاري في "صحيحه" وأسند نحوه عن أنس.
وقوله: "روى البزار بسند حسن عن ابن عمر قال: ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها".
قلت: فيه ثلاثة أخطاء:
الأول: الحديث مرفوع وهو أوقفه!
الثاني: عزاه للبزار ولم يخرجه غير الطبراني!
الثالث: - حسن إسناده وهو ضعيف!
стр. 317
ومنشأ الخطأين الأخيرين أنه لم يتأمل تمام كلام الهيثمي في تخريج الحديث فإنه أورده هكذا:
"عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم ألينكم مناكب في الصلاة وما من خطوة ... " ثم قال:
"رواه الطبراني في الأوسط كما ههنا والبزار خلا قوله: "وما من خطوة ... " إلى آخره. وإسناد البزار حسن وفي إسناد الطبراني ليث بن حماد ضعفه الدارقطني".
وذكر المنذري نحوه في "الترغيب" وعزا رواية البزار لابن حبان في "صحيحه".
فهذا الكلام منهما صريح في أن الشطر الثاني من الحديث وهو الذي أورده المؤلف لم يخرجه البزار وأن سنده ضعيف. فتأمل.
نعم قد وجدت للحديث شاهدين يرتقي بهما إلى مرتبة الحسن كما بينته في "الصحيحة" ٢٥٣٣ ولذلك أوردته في صحيح الترغيب والترهيب ٥٠١ و٥٠٤.
ثم ذكر حديث جابر بن سمرة هكذا: "ألا تصفون كما تصف الملائكة ... ".
كذا وقع في طبعات الكتاب بضم التاء في الفعلين على البناء للمجهول ولا أعلم له وجها فالرواية في "صحيح مسلم" و "المنتقى" وغيرهما بفتحها بيد أن الشوكاني قيده على الوجهين فقال في "النيل" ٤ / ١٦٤:
"بفتح التاء المثناة من فوق وضم الصاد وبضم أوله مبني للمفعول والمراد الصف في الصلاة".
стр. 318
قوله تحت رقم ٦ -: وروى أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف".
قلت: الحديث بهذا اللفظ غير محفوظ عن عائشة كما قال البيهقي والصواب عنها بلفظ: "على الذين يصلون الصفوف" وقد فصلت القول في بيان علة الحديث في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٠٤ وقد غفل عن علته كل من حسنه من المتقدمين والمتأخرين كالمعلق على "شرح السنة" للبغوي ٣ / ٣٧٤ مع أنه نقل معنى قول البيهقي المذكور فكان عليه أن يدفعه بالحجة لا أن يجمع بين النقيضين!
وقوله: "وعند أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني ... ".
قلت: لا وجه البتة لتصحيح إسناده لأنه - كما في "المسند" - من طريق فرج: ثنا لقمان عن أبي أمامة
وفرج ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب" ولا سيما أنه يرويه عن لقمان فقد سئل الدارقطني عن رواية فرج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عن أبي أمامة؟ فقال: "هذا كله غريب" ولذلك لم يصححه المنذري ولا الهيثمى فقال الأول:
"رواه أحمد بإسناد لا بأس به والطبراني وغيره". كذا قال. وقال الآخر.
"رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجال أحمد موثقون".
ففيه إشارة إلى أن توثيق بعض رجاله توثيق لين وليس هو إلا فرج بن فضالة. ويغني عنه حديث البراء بن عازب في "صحيحي ابن خزيمة وابن حبان". انظر "صحيح الترغيب" ٤٩٠.
стр. 319
ومن المساجد
قوله في فضل بنائها: ٢ وروى أحمد وابن حبان والبزار بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة"
قلت: كلا ليس سنده صحيحا فإن فيه عند أحمد والبزار جابرا الجعفي وهو ضعيف كما في "المجمع" وابن حبان إنما رواه رقم ٣٠١ - موارد من حديث أبي ذر مرفوعا بهذا اللفظ دون قوله: "لبيضها" وكذلك أخرجه البزار أيضا والطحاوي في "مشكل الآثار" والطبراني في "المعجم الصغير" بسند صحيح. فالظاهر أنه اشتبه على المؤلف أحد الحديثين بالآخر. وقد جاء الحديث عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وقد خرجتها في "الثمر المستطاب" وليس في شيء منها هذه الزيادة فهي منكرة.
قوله تحت عنوان: الدعاء عند التوجه إليها: د وروى أحمد وابن خزيمة وابن ماجه وحسنه الحافظ عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ... ".
قلت: بل إسناده ضعيف فإنه من رواية عطية العوفي وهو ضعيف وقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "التقريب":
"صدوق يخطئ كثيرا كان شيعيا مدلسا".
قلت: وهو قد عنعن هذا الحديث عن أبي سعيد ولم يصرح بسماعه منه فهي علة ثانية فأنى لحديثه الحسن؟!
стр. 320
ثم وقفت له على علة ثالثة وهي الوقف فقد ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" أنه رواه بعضهم عن عطية عن أبي سعيد موقوفا. وقال أبو حاتم:
"إنه أشبه". يعني بالصواب ولذلك ضعف المنذري هذا الحديث في "الترغيب" ١ / ١٣٠. وقول المؤلف: "وحسنه الحافظ" أظنه يعني أبا الحسن المقدسي. انظر "الترغيب" ٢ / ٢٦٥.
قوله في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه: "اللهم صل على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي".
قلت: لنا على هذا ملاحظتان:
الأولى: ينبغي أن يضاف إلى الصلاة على النبي في ﷺ هنا السلام عليه ﷺ لثبوت الأمر به في حديث أبي هريرة الذي منه نقل المؤلف الدعاء بالعصمة عند الخروج وكذلك ثبت الأمر المذكور من حديث أبي حميد وأبي أسيد في "صحيح أبي عوانة".
الثانية: أن الدعاء بالمغفرة في الموضعين لم يرد في حديث صحيح وإنما روي من حديث فاطمة ﵂ وهو مع أنه منقطع كما بينه مخرجه الترمذي فإن الدعاء المذكور فيه تفرد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية وهو ثقة جليل ولكنه لم يذكر فيه هذا الدعاء فدل ذلك كله على أنه لا يصح فيه وأنه منكر.
ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة ولا إيراده فيها ولاسيما مع القطع بأنه من السنة فتأمل وراجع لهذا "تخريج الكلم الطيب" ٦٣ - ٦٦ و "المشكاة" ٧٠٣ و٧٣١ و٧٤٩ و "صحيح أبي داود" ٤٨٤.
следующие страницы →