← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لأن أبا بكرة لم يصل في الصف وحده فلم يأمره بالإعادة والرجل المذكور في الحديثين صلى وراء الصف وحده فأمره بالإعادة فلا معارضة وبهذا جمع الإمام أحمد ﵀ فقال أبو داود في "مسائله" ص ٣٥: "سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف ثم مشى حتى دخل الصف وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة". قوله تحت رقم ٥ -: "وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوينا في الصفوف ... فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". رواه الخمسة وصححه الترمذي" قلت: فيه عند أبي داود زيادة كان يحسن بالمؤلف نقلها لأنها تبين سنة طالما غفل أكثر المصلين عنها وهي قول النعمان عقب الحديث: "فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه". وإسناده صحيح وعلقه البخاري في "صحيحه" وأسند نحوه عن أنس. وقوله: "روى البزار بسند حسن عن ابن عمر قال: ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها". قلت: فيه ثلاثة أخطاء: الأول: الحديث مرفوع وهو أوقفه! الثاني: عزاه للبزار ولم يخرجه غير الطبراني! الثالث: - حسن إسناده وهو ضعيف!

стр. 317

ومنشأ الخطأين الأخيرين أنه لم يتأمل تمام كلام الهيثمي في تخريج الحديث فإنه أورده هكذا: "عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم ألينكم مناكب في الصلاة وما من خطوة ... " ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط كما ههنا والبزار خلا قوله: "وما من خطوة ... " إلى آخره. وإسناد البزار حسن وفي إسناد الطبراني ليث بن حماد ضعفه الدارقطني". وذكر المنذري نحوه في "الترغيب" وعزا رواية البزار لابن حبان في "صحيحه". فهذا الكلام منهما صريح في أن الشطر الثاني من الحديث وهو الذي أورده المؤلف لم يخرجه البزار وأن سنده ضعيف. فتأمل. نعم قد وجدت للحديث شاهدين يرتقي بهما إلى مرتبة الحسن كما بينته في "الصحيحة" ٢٥٣٣ ولذلك أوردته في صحيح الترغيب والترهيب ٥٠١ و٥٠٤. ثم ذكر حديث جابر بن سمرة هكذا: "ألا تصفون كما تصف الملائكة ... ". كذا وقع في طبعات الكتاب بضم التاء في الفعلين على البناء للمجهول ولا أعلم له وجها فالرواية في "صحيح مسلم" و "المنتقى" وغيرهما بفتحها بيد أن الشوكاني قيده على الوجهين فقال في "النيل" ٤ / ١٦٤: "بفتح التاء المثناة من فوق وضم الصاد وبضم أوله مبني للمفعول والمراد الصف في الصلاة".

стр. 318

قوله تحت رقم ٦ -: وروى أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف". قلت: الحديث بهذا اللفظ غير محفوظ عن عائشة كما قال البيهقي والصواب عنها بلفظ: "على الذين يصلون الصفوف" وقد فصلت القول في بيان علة الحديث في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٠٤ وقد غفل عن علته كل من حسنه من المتقدمين والمتأخرين كالمعلق على "شرح السنة" للبغوي ٣ / ٣٧٤ مع أنه نقل معنى قول البيهقي المذكور فكان عليه أن يدفعه بالحجة لا أن يجمع بين النقيضين! وقوله: "وعند أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني ... ". قلت: لا وجه البتة لتصحيح إسناده لأنه - كما في "المسند" - من طريق فرج: ثنا لقمان عن أبي أمامة وفرج ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب" ولا سيما أنه يرويه عن لقمان فقد سئل الدارقطني عن رواية فرج بن فضالة عن لقمان ابن عامر عن أبي أمامة؟ فقال: "هذا كله غريب" ولذلك لم يصححه المنذري ولا الهيثمى فقال الأول: "رواه أحمد بإسناد لا بأس به والطبراني وغيره". كذا قال. وقال الآخر. "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجال أحمد موثقون". ففيه إشارة إلى أن توثيق بعض رجاله توثيق لين وليس هو إلا فرج بن فضالة. ويغني عنه حديث البراء بن عازب في "صحيحي ابن خزيمة وابن حبان". انظر "صحيح الترغيب" ٤٩٠.

стр. 319

ومن المساجد قوله في فضل بنائها: ٢ وروى أحمد وابن حبان والبزار بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة" قلت: كلا ليس سنده صحيحا فإن فيه عند أحمد والبزار جابرا الجعفي وهو ضعيف كما في "المجمع" وابن حبان إنما رواه رقم ٣٠١ - موارد من حديث أبي ذر مرفوعا بهذا اللفظ دون قوله: "لبيضها" وكذلك أخرجه البزار أيضا والطحاوي في "مشكل الآثار" والطبراني في "المعجم الصغير" بسند صحيح. فالظاهر أنه اشتبه على المؤلف أحد الحديثين بالآخر. وقد جاء الحديث عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وقد خرجتها في "الثمر المستطاب" وليس في شيء منها هذه الزيادة فهي منكرة. قوله تحت عنوان: الدعاء عند التوجه إليها: د وروى أحمد وابن خزيمة وابن ماجه وحسنه الحافظ عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ... ". قلت: بل إسناده ضعيف فإنه من رواية عطية العوفي وهو ضعيف وقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "التقريب": "صدوق يخطئ كثيرا كان شيعيا مدلسا". قلت: وهو قد عنعن هذا الحديث عن أبي سعيد ولم يصرح بسماعه منه فهي علة ثانية فأنى لحديثه الحسن؟!

стр. 320

ثم وقفت له على علة ثالثة وهي الوقف فقد ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" أنه رواه بعضهم عن عطية عن أبي سعيد موقوفا. وقال أبو حاتم: "إنه أشبه". يعني بالصواب ولذلك ضعف المنذري هذا الحديث في "الترغيب" ١ / ١٣٠. وقول المؤلف: "وحسنه الحافظ" أظنه يعني أبا الحسن المقدسي. انظر "الترغيب" ٢ / ٢٦٥. قوله في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه: "اللهم صل على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي". قلت: لنا على هذا ملاحظتان: الأولى: ينبغي أن يضاف إلى الصلاة على النبي في ﷺ هنا السلام عليه ﷺ لثبوت الأمر به في حديث أبي هريرة الذي منه نقل المؤلف الدعاء بالعصمة عند الخروج وكذلك ثبت الأمر المذكور من حديث أبي حميد وأبي أسيد في "صحيح أبي عوانة". الثانية: أن الدعاء بالمغفرة في الموضعين لم يرد في حديث صحيح وإنما روي من حديث فاطمة ﵂ وهو مع أنه منقطع كما بينه مخرجه الترمذي فإن الدعاء المذكور فيه تفرد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية وهو ثقة جليل ولكنه لم يذكر فيه هذا الدعاء فدل ذلك كله على أنه لا يصح فيه وأنه منكر. ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة ولا إيراده فيها ولاسيما مع القطع بأنه من السنة فتأمل وراجع لهذا "تخريج الكلم الطيب" ٦٣ - ٦٦ و "المشكاة" ٧٠٣ و٧٣١ و٧٤٩ و "صحيح أبي داود" ٤٨٤.

стр. 321

قوله في فضل السعي إليها ... : ١ روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له الجنة نزلا كلما غدا أو راح" قلت: هذا لفظ أحمد في "المسند" ٢ / ٥٠٩ ويبدو لي أنه قد وقع فيه اختصار يسير من بعض رواة "المسند" أخل بالمعنى المقصود منه فإن لفظه عند مسلم: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح". وهكذا أخرجه أحمد أيضا بالحرف الواحد في "كتاب الزهد" ص ٣ وهو أول حديث منه وسنده سنده في "المسند" ورواية البخاري نحوه. ولا يخفى أن إعداد الجنة نزلا هو غير إعداد نزل فيها كلما غدا أو راح فإن اللفظين يفيدان ضمان الجنة لمن غدا أو راح لكن اللفظ الثاني يزيد على الأول أن له منازل فيها على عدد غدوه ورواحه. فتأمل. ولهذا ينبغي لمن يشتغل بكتب السنة أن يجعل عمدته على "الصحيحين" لاتفاق الأمة عليهما واعتنائها بروايتهما أكثر من غيرهما من كتب السنة الأخرى. وقوله: ب وروى أحمد و ... و ... والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ... ". قلت: ليس بصحيح ولا حسن الإسناد لأنه من طريق دراج أبي السمح عن أي الهيثم عن أبي سعيد ودراج هذا قال الحافظ في "التقريب": "صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". ولذلك تعقب الذهبي الحاكم بقوله:

стр. 322

"قلت: دراج كثير المناكير". قلت: ومن مناكيره حديث: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون"! أخرجه أحمد عقب هذا الحديث عنه بإسناده المذكور. وقوله: د وروى الطبراني والبزار بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "المسجد بيت كل تقي وتكفل الله ... ". قلت: لم أقف على سنده لأنظر فيه ولم أجد من صرح بصحته والمنذري نقل عن مخرجه البزار أنة قال: "إسناده حسن" فمن أين له الصحة؟ ولعل المؤلف استلزم صحته من قول الهيثمي في "المجمع": "قلت: ورجال البزار كلهم رجال الصحيح" وليس ذلك بلازم لأسباب كثيرة ذكرتها في المقدمة فراجعها. ثم تبين لي بعد الوقوف على سنده في "زوائد البزار" ٤٣٤ أن إسناده صحيح لكن ليس عنده قوله: "المسجد بيت كل تقي" وإنما هو عند الطبراني وغيره وهو مخرج في "الصحيحة" ٧١٦ وأوردته في "صحيح الترغيب" ٣٢٦. وفي أفضل المساجد ذكر رواية البيهقي عن جابر مرفوعا: "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة وصلاة في مسجدي ألف صلاة وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة". حسنه السيوطي. قلت: فيه مؤاخذات: الأولى: اعتماده على تحسين السيوطي للحديث وهو إنما حسنه بالرمز له

стр. 323

كما صرح بذلك المناوي في "الفيض" ورموزه مما لا يعتمد عليها كما نبهنا على ذلك مرارا لأسباب ذكرتها في المقدمة فراجعها إن شئت وإن مما يؤكد ذلك أن هذا الحديث بالذات قد ضعفه السيوطي نفسه صراحة في "الجامع الكبير" وكشف فيه عن علته فقال - جزاه الله خيرا -: "وفيه إبراهيم بن أبي حية واه". يعني أنه شديد الضعف كما بينته في "الإرواء" ٤ / ٣٤٣ نقلا عن أئمة الجرح والتعديل. والثانية: أنه سكت عنه فأوهم ثبوته وهو ضعيف جدا كما ذكرت عن السيوطي آنفا. والثالثة: أن في معناه حديثا آخر من رواية أبي الدرداء إسناده أحسن حالا من هذا حتى إن الهيثمي قال فيه: "حديث حسن"! فكان الأجدر بالمؤلف أن ينقل هذا دون ذاك وإن كان تحسينه لم يسلم به المنذري في "ترغيبه" والحافظ الناجي في تعقيبه عليه ق ١٣٥ / ١ وذلك لأن فيه ضعيفا وآخر يهم كما بينته في "الإرواء" ١١٣٠ فيبقى الحديث ضعيفا لا يتقوى برواية البيهقي لشدة ضعفها كما علمت. وأما قول المناوى في "التيسير" عقب رواية البيهقي عن جابر: "وكذا الطبراني عنه بإسناد حسن". فهو من أوهامه بسبب عجلته في تلخيص كلام الهيثمي فإن هذا إنما عزاه للطبراني من حديث أبي الدرداء وقال فيه: "حديث حسن" وقد ردوه عليه كما تقدم واغتر به الشيخ الغماري فأورده في "كنزه" ٣٢٩ / ٢٠٦١!

стр. 324

ويزداد ضعفا أنه مخالف لظاهر قوله ﷺ جوابا لمن سأله عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو مسجده ﷺ ؟: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى ... ". أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا وهو مخرج في "التعليق الرغيب" ٢ / ١٣٨. وأما حديث: إن الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة فهو حديث منكر كما قال الذهبي وهو مخرج في "تحذير الساجد" ص ١٩٨ و "ضعيف أبي داود" ٦٨. ومن: زخرفة المساجد قوله تحت رقم ١: "ولفظ ابن خزيمة: يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا". قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف وإن كان معناه مطابقا للواقع اليوم وعلته أبو عامر الخراز وهو ضعيف لكثرة أوهامه والصحيح اللفظ الذي قبله وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٤٧٥. ومن: تنظيفها وتطييبها قوله تحت رقم ٢: "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة". قلت: إسناده ضعيف وله علتان وقد ضعفه البخاري والترمذي والقرطبي وغيرهم وبيان ذلك في "ضعيف أبي داود" ٧١ وانظر "المشكاة" ٧٢٠.

стр. 325

قوله تحت عنوان: صيانتها: وعند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: "إذا تنخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه". قلت: اقتصر الحافظ على تحسينه وهو الصواب لأن في إسناده محمد ابن إسحاق وهو متكلم فيه والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما فعل هنا ولعل المؤلف أخذ تصحيحه من قول الهيثمي فيه: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون". وليس ذلك بلازم كما سبقت الإشارة إليه آنفا. قوله في التعليق: "يتحتم على من أكلها يعني الثوم ونحوه البعد عن المسجد ومجتمعات الناس حتى تذهب رائحتها ويلحق بها الروائح الكريهة كالدخان والتجشؤ والبخر". قلت: هذا الإلحاق فيه نظر لأن البخر ونحوه علة سماوية لا إرادة ولا كسب للمرء فيها ولا هو يملك إزالتها فكيف يلحق بالروائح الكريهة التي هي بإرادته وكسبه وبإمكانه الامتناع من تعاطي أسبابها أو القضاء عليها؟ والشارع الحكيم إنما منع آكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة: عقوبة له على عدم مبالاته بإيذاء المؤمنين والملائكة المقربين فلا يجوز أن يحرم من هذه الفضيلة الأبخر ونحوه لما ذكرناه من الفارق. ومن: إباحة الأكل والشرب والنوم قوله: "وقال عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم. رواه ابن ماجه بسند حسن". قلت: بل إسناده صحيح وكان المؤلف تبع في تحسينه صاحب "الزوائد" حيث قال:

стр. 326

" إسناده حسن ورجاله ثقات ويعقوب مختلف فيه". قلت: ولو أن يعقوب تفرد به لكان حسنا كما قال ولكن ابن ماجه رواه عنه مقرونا مع حرملة بن يحيى وحرملة ثقة وبه يصير الإسناد صحيحا. ذكر حديث معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا. رواه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول". قلت: نقله عن "النيل" للشوكاني ٣ / ١٦٣ وتمام كلامه: "كما قال أبو حاتم" وهو يعني هارون بن مسلم. فأقول: إنما قال أبو حاتم ما قال لأنه لم يعرف له راويا غير عمر بن سنان الصغدي ولذلك لم يذكر له غيره ولكن الواقع أنه روى عنه أيضا ثلاثة من الثقات وكلهم رووا هذا الحديث عنه. فقال أبو داود الطيالسي في "مسنده" ١٠٧٣: حدثنا هارون أبو مسلم قال: حدثنا قتادة عن معاوية بن قرة به. ومن طريق الطيالسي أخرجه الدولابي في "الكنى" ٢ / ١١٣ والبيهقي ٣ / ١٠٤. وكذلك رواه ابن ماجه لكنه قرن معه الثقة الثاني فقال في "سننه" ١٠٠٢: حدثنا زيد بن أخزم أبو طالب: ثنا أبو داود وأبو قتيبة قالا: ثنا هارون بن مسلم به. وأبو قتيبة اسمه سلم بن قتيبة وقد رواه عنه ابن خزيمة أيضا ولكنه قرن به الثقة الثالث فقال في "صحيحه" ١٥٦٧: نا يحيى بن حكيم: ثنا أبو قتيبة

стр. 327

ويحيى بن حماد عن هارون أبي مسلم به. ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان ٤٠٠ - موارد الظمآن والحاكم ١ / ٢١٨ من طريق أخرى عن سلم بن قتيبة وحده وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. فثبت بهذا التخريج والتحقيق أن هارون بن مسلم هذا معروف ليس بمجهول وأن إسناده صحيح أو حسن على الأقل وهو صحيح قطعا بما قبله من حديث أنس والله أعلم.

стр. 328

ومن المواضع المنهي عن الصلاة فيها قوله تحت رقم ١ - الصلاة في المقبرة: "وعندهما عن جندب بن عبد الله البجلي ... الخ". قلت: عزوه إليهما - ويعني الشيخين - خطأ فإن الحديث مما تفرد به مسلم دون البخاري كما في "تحفة الأشراف" وغيره ك "النيل" ٢ / ١١٤ وهو مخرج في "الإرواء" ١ / ٣١٨. وقوله: وعنه ﷺ أنه قال: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". قلت: هذا الحديث على شهرته ضعيف الإسناد فإنه من رواية أبي صالح باذام عن ابن عباس وباذام ضعفه الجمهور بل اتهمه بعضهم بالكذب كما ذكرته في "أحكام الجنائز" وفصلته في "التعليقات الجياد" ويراجع له "تهذيب السنن" و "التلخيص".

стр. 329

نعم الحديث صحيح لغيره بلفظ: " ... زوارات ... " لأن له شواهد غير "السرج" فلم أجد له شاهدا فيبقى على ضعفه. وقوله: "وعند الحنابلة كذلك إذا كانت تحتوى على ثلاثة قبور فأكثر أما ما فيها قبر أو قبران فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إن استقبل القبر وإلا فلا كراهة". قلت: هذا قول بعض الحنابلة ولم يرتضه شيخ الإسلام ابن تيمية بل رده وذكر عن عامة أصحاب أحمد أنه لا فرق بين المقبرة فيها قبر أو أكثر قال في "الاختيارات العلمية": "ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها والنهى عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة لأنه لا يتناوله اسم المقبرة وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب. والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفناءه المضاف إليه وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد". قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام في "الفتاوى" وغيرها اتفاق العلماء على كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور وحكى بطلانها فيها في مذهب أحمد وذلك مستفاد من أحاديث النهى عن اتخاذ القبور مساجد وبنائها عليها وهى مسألة هامة قد أغفلها عامة الفقهاء ولذلك أحببت أن أنبه عليها وأن لا أخلى هذه

стр. 330

التعليقات منها وقد فصلت القول فيها في "التعليقات الجياد" و "أحكام الجنائز" و "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد". قوله: "٣ - الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الإبل والحمام وفوق الكعبة فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن ... ". قلت: فذكر المواضع المذكورة ثم نقل عن الترمذي تضعيفه الحديث وأقره على ذلك وهو الصواب كما هو مبين في "الإرواء" ٢٨٧ فعادت الدعوى بدون دليل صحيح فكان على المؤلف أن يورد أحاديث أخرى صحيحة تشهد للحديث ولو في بعض مفرداته: فمنها قوله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام". أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم وإسناده عند بعضهم صحيح على شرط الشيخين وهو مخرج في المصدر السابق. ومنها قوله ﷺ : "إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة وفي معناه أحاديث أخرى خرجتها في "الثمر المستطاب". ولا أعلم حديثا صحيحا في النهي عن الصلاة في المواطن الأخرى ولا يجوز القول ببطلانها فيها إلا بنص عنه ﷺ فليعلم.

стр. 331

ومن السترة أمام المصلي قوله في حكمها: "يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه سترة ... ". أقول: القول بالاستحباب ينافي الأمر بالسترة في عدة أحاديث ذكر المؤلف أحدها وفي بعضها النهي عن الصلاة إلى غير سترة وبهذا ترجم له ابن خزيمة في "صحيحه" فروى هو ومسلم عن ابن عمر مرفوعا: "لا تصل إلا إلى سترة ... ". وإن مما يؤكد وجوبها أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود كما صح ذلك في الحديث ولمنع المار من المرور بين يديه وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسترة وقد ذهب إلى القول بوجوبها الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢ و "السيل الجرار" ١ / ١٧٦ وهو الظاهر من كلام ابن حزم في "المحلى" ٤ / ٨ – ١٥. قوله تحت رقم ١ -: "وعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا فإن لم يكن من عصا فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه". رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه كما صححه أحمد وابن المديني وقال البيهقي: لا بأس بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله". قلت: الحديث ضعيف الإسناد لا يصح وإن صححه من ذكرهم المؤلف فقد ضعفه غيرهم وهم أكثر عددا وأقوى حجة ولا سيما وأحمد قد اختلفت الرواية عنه فيه فقد نقل الحافظ في "التهذيب" عنه أنه قال: "الخط ضعيف". وذكر في "التلخيص" تصحيح أحمد له نقلا عن "الاستذكار" لابن عبد البر ثم عقب على ذلك بقوله: "وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم".

стр. 332

وفي "التهذيب" أيضا: "وقال الدارقطني: لا يصح ولا يثبت. وقال الشافعي في سنن حرملة: ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيتبع". قلت: وقال مالك في "المدونة": "الخط باطل". وضعفه من المتأخرين ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم وهو الحق لأن له علتين تمنعان من الحكم بحسنه فضلا عن صحته وهما الاضطراب والجهالة ونفي الاضطراب كما ذهب إليه الحافظ في "بلوغ المرام" لا يلزم منه انتفاء الجهالة كما لا يخفى فكأنه ذهل عنها حين حسن الحديث وإلا فقد اعترف هو في "التقريب" بجهالة راوييه أبي عمرو بن محمد بن حريث وجده حريث والمعصوم من عصمه الله. وقد فصلت القول في علتي الحديث وذكرت أقوال العلماء الذين ضعفوه في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١٠٧ وقد مضى تمثيل ابن الصلاح به للحديث الشاذ في المقدمة فراجع القاعدة الأولى. وفي قول البيهقي الذي نقله المؤلف إشارة لطيفة إلى تضعيف الحديث حيث قيد قوله: "لا بأس به" بـ "في هذا الحكم". فكأنه يذهب إلى أن الحديث في فضائل الأعمال فلا بأس بالحديث فيها وكأن هذا هو مستند النووي في قوله في "المجموع": "المختار استحباب الخط لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام وهذا من نحو فضائل الأعمال".

стр. 333

قلت: ويرد عليه وعلى البيهقي قول الشافعي المنقول عن "التهذيب" فإنه صريح بأنه ﵁ لا يرى مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث وهذا يدل على أحد أمرين: إما أنه يرى أن الحديث ليس في فضائل الأعمال بل في الأحكام وهذا هو الظاهر من كلامه. وإما أنه لا يرى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وهذا هو الحق الذي لا شك فيه وقد بينت ذلك في "المقدمة". قوله في تحريم المرور بين يدي المصلي وسترته: "وعن زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه كان لأن يقوم أربعين خريفا خير له من أن يمر بين يديه". رواه البزار بسند صحيح". قلت: كلا ليس بصحيح لأن شروط الصحة لم تكتمل فيه فإن منها السلامة من الشذوذ ولم يسلم بل أخطأ أحد رواته وهو ابن عيينة في موضعين منه: الأول: جعل الحديث من مسند زيد بن خالد والصواب أنه من مسند أبي جهيم كما في رواية الجماعة المذكورة في الكتاب قبل هذا وفيها التصريح بأن زيد بن خالد أرسل إلى أبي جهيم يسأله عن هذا الحديث فزيد سائل فيه وليس براو له. الثاني: قوله: "أربعين خريفا" فهذه الزيادة: "خريفا" خطأ من ابن عيية فإنه رواه عن أبي النضر عن بسر بن سعيد وخالفه مالك وسفيان الثوري فقالا: قال أبو النضر: "لا أدري أقال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة؟ " وهو رواية الجماعة وهو رواية أحمد عن ابن عيينة أيضا فهي تقوي خطأ رواية البزار عنه.

стр. 334

قال الحافظ في "الفتح": "فيبعد أن يكون الجزم يعني قوله: خريفا والشك وقعا معا في راو واحد في حال واحدة". ولعل مستند المؤلف في التصحيح قول المنذري والهيثمي في الحديث: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". ولا متكأ له في هذا البتة كما نبهناك مرارا وفصلنا ذلك في المقدمة. ثم قال: "قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة فأما إذا لم يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه واحتج أبو حاتم هو ابن حبان على ذلك بما رواه في "صحيحه" عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي حين فرغ من طوافه في حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد ... ". قلت: الحديث المذكور ضعيف لأنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب وقد اختلف عليه في إسناده فقال ابن عيينة: عنه عن بعض أهله أنه سمع جده المطلب. وقال ابن جريج: أخبرني كثير بن كثير عن أبيه عن جده. قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي حدثني بعض أهلي عن جدي المطلب. أخرجه أبو داود والبيهقي وقال: "وقد قيل عن ابن جريج عن كثير عن أبيه قال: حدثني أعيان بني المطلب عن المطلب. ورواية ابن عيينة أحفظ". قلت: ومرجع هذه الرواية على بعض أهل كثير ولم يسم فهو مجهول

стр. 335

وسماه ابن جريج: "كثير بن المطلب وهو أيضا مجهول وتوثيق ابن حبان له لا يخرجه عن الجهالة وقد أشار الحافظ في "التقريب" إلى أنه لين الحديث. ثم إن الحديث لو صح لم يكن نصا فيما استدل له ابن حبان لأنه يحتمل أن يكون جواز المرور بين يدي المصلي الذي ليس أمامه سترة خاصا بالمسجد الحرام وقد استدل بعض العلماء به على ذلك. والله أعلم. قوله في حكمها: "ويرى الحنفية والمالكية أن اتخاذ السترة إنما يستحب للمصلي عند خوف مرور أحد..لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ . صلى في فضاء وليس بين يديه شيء. رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وقال: وله شاهد أصح من هذا عن الفضل بن عباس". فأقول: فيه مؤاخذات. الأولى: أن التعليل المذكور مجرد رأي لا دليل عليه وفيه إهدار للنصوص الموجبة لاتخاذ السترة - وقد سبق ذكر بعضها - بمجرد الرأي وهذا لا يجوز وبخاصة أنه يمكن أن يكون المار من الجنس الذي لا يراه الإنسي وهو الشيطان وقد جاء ذلك صريحا من قوله وفعله ﵊ فقد صح عنه أنه قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته". وهو مخرج في "الصحيحة" ١٣٧٣ وتأويل "الشيطان" بالإنسي المار مجاز لا مسوغ له إلا ضعف الإيمان بالغيب! وقد صح أن الشيطان أراد أن يفسد على النبي ﷺ صلاته فمكنه الله منه وخنقه حتى وجد برد لعابه بين إصبعيه وقال:

стр. 336

"والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به أهل المدينة". والقصة في مسلم ٢ / ٧٣ وعبد الرزاق ٢ / ٢٤ / ٢٣٣٨ وأحمد ١ / ٤١٣ و٣ / ٨٢ و٥ / ١٠٤ و١٠٥ والطبراني في "الكبير" ٢ / ٢٢٤ و٢٢٧ و٢٥١ عن غير واحد من الصحابة بألفاظ متقاربة. انظر "صفة الصلاة" ٧٤. الثانية: أن حديث ابن عباس الذي استدل به لا يصح من قبل إسناده فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس وقد عنعنه. وهو مخرج عندي في "الأحاديث الضعيفة" ٥٨١٤ مع أحاديث أخرى بمعناه. الثالثة: أنه عزاه لأبي داود وهو خطأ فليس هو عنده وإنما رواه نحوه من حديث الفضل بن عباس الذي يأتي الكلام عليه بعده. الرابعة: قوله: وقال البيهقي: وله شاهد بإسناد أصح من هذا عن الفضل بن عباس. قلت: هذا من تساهل البيهقي ﵀ لأنه من رواية عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل بن عباس. وقد قال الحافظ في "التهذيب": "أعله ابن حزم بالانقطاع قال ٤ / ١٣: إن عباسا لم يدرك عمه الفضل. وهو كما قال. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله". وغفل عن هذه العلة الانقطاع الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٨ وتبعه المعلق على "شرح السنة" ٢ / ٤٦١!

стр. 337

قوله:" ٧ لا يقطع الصلاة شيء ... لحديث أبي داود عن أبي الوداك قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلى فدفعه ثم عاد فدفعه ثم عاد فدفعه ثلاث مرات. فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء ولكن قال الرسول ﷺ : "ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان". قلت: الحديث ضعيف لا يحتج به لأنه من رواية مجالد بن سعيد عن أبي الوداك ومجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره كما قال الحافظ في "التقريب" وقد اضطرب في رواية هذا الحديث فمرة أوقف قوله فيه: "إن الصلاة لا يقطعها شيء" ولم يرفعه إلى النبي ﷺ كما في رواية الكتاب ومرة رفعها إليه ﷺ كما في رواية أخرى لأبي داود ولذلك ضعف الحديث ابن حزم والنووي. ويؤيد ضعف هذه الجملة منه مرفوعة وموقوفة أن قصة أبي سعيد مع الشاب في "الصحيحين" من طريق أخرى عن أبي سعيد دون هذه الجملة فثبت أنها منكرة في هذا الحديث. نعم رويت هذه الجملة من طرق أخرى عن بعض الصحابة ولكنها كلها ضعيفة خلافا لبعض المحدثين المعاصرين وقد بينت ذلك في "ضعيف سنن أبي داود" رقم ١١٦ و١١٧ وفي "الضعيفة" ٥٦٦١. وقد صح عنه ﷺ ما يخالف هذه الأحاديث الضعيفة وهو قوله ﷺ : "يقطع صلاة الرجل - إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل - الحمار والكلب الأسود والمرأة". أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ذر وهو في كتابي "صحيح سنن أبي داود" رقم ٦٩٩. ولو أن تلك الأحاديث صحت لأمكن التوفيق بينها وبين هذا.

стр. 338

الحديث الصحيح بصورة لا يبقى معها وجه للتعارض أو دعوى النسخ وذلك بأن يقيد عموم تلك الأحاديث بمفهوم هذا فنقول: "لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة وإلا قطعها المذكورات فيه" بل إن هذا الجمع قد جاء منصوصا عليه في رواية عن أبي ذر مرفوعا بلفظ: "لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه كآخر الرحل وقال: يقطع الصلاة المرأة ... ". أخرجه الطحاوي بسند صحيح. وبهذا اتفقت الأحاديث ووجب القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة. وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قال في خاتمة بحث له في هذه المسألة: "والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقطع الصلاة شيء". أو بما روي في ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسالة أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم هذه الحجة". انظر كتابه "القواعد النورانية" ٩ - ١٢ و "زاد المعاد" ١ / ١١١.

стр. 339

وما يباح في الصلاة ... ومن ما يباح في الصلاة قوله تحت رقم ٢ -: "وعن أبي الدرداء ﵁ مرفوعا: يا أيها الناس إياكم والالتفات فإنه لا صلاة للملتفت فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبن في الفرائض". رواه أحمد" قلت: فيه مؤاخذتان: الأولى: أن الحديث في "المسند" ٦ / ٤٤٢ - ٤٤٣ موقوف غير مرفوع وسبب هذا الخطأ أن أحمد ساق بسنده عن أبي الدرداء حديثا مرفوعا تقدم الكلام عليه ص ٢٦٢ وجاء عقبه: "قال أبو الدرداء: يا أيها الناس إياكم والالتفات ... " فلم ينتبه المؤلف لقوله: "قال أبو الدرداء" وظن مقولة هذا من تمام حديثه المرفوع فتأمل. والأخرى: أن إسناد الحديث ضعيف فيه رجل مجهول اتفاقا وقد ذكرت أقوال العلماء فيه عند الكلام على الحديث المشار إليه. نعم قد أورد الحديث المنذري والهيثمي برواية الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعا ولكنهما ضعفاه! قوله أيضا: "وعن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة". رواه الترمذي وصححه". قلت: فيه مؤاخذتان: الأولى: أن الترمذي لم يصححه وليس تصحيحه في أية نسخة من "سنن" الترمذي كما قال محققه الفاضل أحمد محمد شاكر بل في بعض نسخه قال:

стр. 340

"هذا حديث حسن" وفي بعضها: "هذا حديث غريب" وفي أخرى: "هذا حديث حسن غريب". والمصنف إنما نقل تصحيحه عن "المنتقى" وهو وهم منه فيما يظهر ثم رأيت المنذري ذكر في "الترغيب" أن التصحيح في بعض نسخ الترمذي. الثانية: أن الحديث ليس بصحيح ولا حسن لأنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك ... وهذا الإسناد ضعيف فيه علتان: ١ - ضعف علي بن زيد. ٢ - الانقطاع بين ابن المسيب وأنس. وقد أشار إلى ذلك المنذري في "ترغيبه". وقد أعل الحديث ابن القيم في "الزاد" بالعلتين فلا يغتر بقول من قال من المعاصرين: "الإسناد صحيح"! قوله: "وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه". رواه أحمد وأبو داود وقال: صحيح الإسناد". قلت: فيه ملاحظتان: الأولى: أن أبا داود لم يصححه وليس ذلك من عادته والتصحيح المذكور إنما هو للحاكم فقد أخرج الحديث في "المستدرك" وقال: "صحيح الإسناد" فالظاهر أنه سقط من الطابع أو غيره: "والحاكم" من التخريج وسيأتي سقط آخر يشبه هذا قريبا. الثانية: أن إسناد الحديث غير صحيح لأن فيه أبا الأحوص وفيه جهالة

стр. 341

كما قال النووي في "المجموع" وأعل الحديث به. قوله: "ويؤيد هذا ما جاء عنها أنه كان ﷺ يصلي فإذا استفتح إنسان الباب فتح الباب ما كان في القبلة أو عن يمينه أو عن يساره ولا يستدبر القبلة. رواه الدارقطني". قلت: هو بهذا اللفظ ضعيف جدا لأنه عند الدارقطني ص ١٩٤ من طريق محمد بن حميد - وهو الرازي - وهو متهم بالكذب مع أنه حافظ وقد صح بلفظ آخر عند النسائي وغيره وفيه المشي الذي استدل له به وهو الذي ذكره المؤلف قبل هذا وهو مخرج في "الصحيحة" ٢٧١٦ فلو أنه اقتصر عليه لكان أولى. قوله: " ٦ إلقاء السلام على المصلي ومخاطبته وأنه يجوز له أن يرد بالإشارة على من سلم عليه أو خاطبه فعن جابر بن عبد الله قال: أرسلني رسول الله ﷺ ... فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال بيده هكذا ... رواه أحمد ومسلم". قلت: وفي رواية لمسلم ٢ / ٧١: "فسلمت عليه فأشار إلي" فهي أصرح في الدلالة على المطلوب فإيرادها كان هو الأولى. قوله تحت رقم ٧ -: "فعن سهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ قال: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله ... " رواه أحمد وأبو داود والنسائي". قلت: الحديث في "الصحيحين" أيضا في حديث طويل عن سهل وقد مضى في الكتاب بتمامه في بحث "صلاة الجماعة" جواز انتقال الإمام والمأموم فكأن المؤلف ذهل عنه.

стр. 342

قوله:" ١٠ فعن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد يتقى بفضوله حر الأرض وبردها. رواه أحمد بسند صحيح". قلت: كلا ليس بصحيح ولا حسن فإن مدار طرقه على حسين بن عبد الله ابن عبيد الله بن عباس وهو ضعيف كما في "التقريب" راجع "المسند" ٢٣٢٠ و٢٣٨٥ و٢٧٦٠ و٢٩٤٠ و٣٣٢٧. والظاهر أن المؤلف استلزم صحة إسناده - كعادته - من قول الهيثمي في تخريجه ٢ / ٤٨: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في "الكبير" و "الأوسط" ورجال أحمد رجال الصحيح". وليس ذلك بلازم كما نبهت عليه مرارا وبينته في المقدمة هذا لو صح قول الهيثمي إن: "رجال أحمد رجال الصحيح". وهو غير صحيح لما ذكرته آنفا أن مداره على حسين وليس هو من رجال "الصحيح" البخاري أو مسلم. قوله تحت رقم ١١ -: "وكان ﷺ يصلي فمر بين يديه غلام فقال بيده هكذا فرجع ومرت بين يديه جارية فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى رسول الله ﷺ قال: "هن أغلب". ذكره الإمام أحمد وهو في السنن". قلت: هكذا خرجه ابن القيم في "الزاد". وعنه نقله المؤلف ولنا عليهما مؤاخذتان: الأولى: أن عزوه لـ "السنن" يوهم أنها السنن الأربعة والواقع أنه لم يروه منهم غير ابن ماجه! الثانية: أن إسنادهما ضعيف فيه من لا يعرف ولذلك ضعفه ابن القطان والبوصيري.

стр. 343

ثم قال: "وكان يتنحنح في صلاته قال علي بن أبي طالب: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة آتيه فيها فإذا أتيته ... يصلي تنحنح ... ذكره النسائي وأحمد". قلت: هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة وله ثلاث علل: ضعف راويه واضطراب إسناده ومتنه ففي رواية: "سبح" بدل "تنحنح" ولذلك ضعفه البيهقي وغيره وقال النووي في "المجموع": "وضعفه ظاهر بين". وقد أوضحت كلامه هذا فيما انتقدته على كتاب "التاج" وراجع "التلخيص" ٤ / ١١٦ وتعليقي على "صحيح ابن خزيمة" ٢ / ٥٤. وقوله: وروى البزار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "قال الله : إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ... ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة". قلت: سكت عليه المؤلف فأوهم صحته وليس كذلك بل هو ضعيف جدا فقد ذكر المنذري والهيثمي أن في سنده عبد الله بن واقد الحراني قال الحافظ في "التقريب": "إنه متروك وكان أحمد يثني عليه وقال: لعله كبر واختلط وكان يدلس". قلت: وقد روي موقوفا في "تاريخ البخاري" بإسناد فيه جهالة كما بينته في "التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب" ١ / ١٨٦ فيحتمل أن يكون من الإسرائيليات رفعه بعض الضعفاء. والله أعلم.

стр. 344

ومن مكروهات الصلاة قوله تحت رقم ١ -: "وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى". أخرجه أحمد وأصحاب السنن". قلت: وفيه عندهم أبو الأحوص وهو مجهول. نعم: أخرجه الطياسى في "مسنده" عن أبي ذر مختصرا قال: سألت رسول الله ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصى؟ فقال: "واحدة". وسنده صحيح. وهو في "المسند" رقم ٤٧٠ ولم يورده مرتبه الشيخ عبد الرحمن الساعاتي في بابه من "منحة المعبود" فكأنه ذهل عنه أو استغنى عنه بالرواية الأولى حيث أوردها ١ / ١٠٨ فإن كان فعل هذا فهو عيب كبير في هذا الكتاب لأنه من باب ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ! وقوله: "وعن أم سلمة أن النبي ﷺ قال لغلام له يقال له: يسار وكان قد نفخ في الصلاة: "ترب وجهك الله". رواه أحمد بإسناد جيد". قلت: كلا ليس بجيد فإن فيه عند أحمد وغيره أبا صالح مولى آل طلحة ولا يعرف كما قال الذهبي وأشار الحافظ إلى أنه لين الحديث. ثم إن الصواب في ضبط الحديث: "ترب وجهك لله" كما في "المسند". ولعل ما في الكتاب خطأ مطبعي وقد صححه المؤلف في الطبعة الجديدة ١ / ٢٦٨.

стр. 345

قوله تحت رقم ٩ -: وعن ثوبان أن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا تحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف". قلت: ليس بحسن لأن إسناده ضعيف مضطرب وقد سبق بيان ذلك لكن الجملة الأخيرة منه لها شواهد أشرت إليها في "ضعيف أبي داود" ١١ و١٢ وبعضها في "سنن ابن ماجه" ٦١٦ – ٦١٨.

стр. 346

ومن صلاة المريض قوله: "وعن جابر قال: عاد النبي ﷺ مريضا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: "صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك". رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه". قلت: لكن قد تعقب أبا حاتم الحافظ في "التلخيص" بأن ثلاثة من الثقات رووه مرفوعا يشير إلى أن الصواب رفعه وهو كما قال. لكن للحديث علة أخرى وهي تدليس أبي الزبير عن جابر كما ذكرته في "تخريج صفة صلاة النبي ﷺ " إلا أن له طرقا أخرى وشاهدا بسند صحيح عن ابن عمر. فلا شك في صحة رفع الحديث إلى النبي ﷺ كما بينته هناك ثم خرجته في "الصحيحة" ٣٢٣.

стр. 347

ومن صلاة الخوف قوله تحت رقم ٢ -: "فعن ابن مسعود قال: ثم سلم وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا" قلت: لم يخرجه المؤلف وهو من رواية أبي داود وأحمد. ثم هو ضعيف الإسناد لأنه من طريق خصيف وهو ضعيف عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ولم يسمع منه وهو مخرج في "الإرواء" ٣ / ٤٩ و "ضعيف أبي داود" ٢٢٩ – ٢٣٠. قوله تحت رقم ٣ - بعد أن ذكر حديث جابر: "وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف ... ". قلت: هذه الرواية ليست من حديث جابر عند من عزاها إليهم بل من رواية أبي بكرة وكذلك ذكره المجد في "المنتقى" وأبو داود لم يسند حديث جابر مطلقا لا بهذا اللفظ ولا بغيره واللفظ الأول لأحمد وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١١٣٥. قوله بعد أن ذكر حديث عبد الله بن أنيس في صلاة الطالب وقال: "رواه أحمد وأبو داود وحسن الحافظ إسناده". قلت: وفي تحسينه نظر لأنه من رواية ابن عبد الله بن أنيس ولم يسم ولعبد الله هذا أبناء عدة منهم الثقة وغيره وقد ذكر المنذري أنه عبد الله بن عبد الله بن أنس فإذا صح هذا فهو في عداد المجهولين كما بينته في "ضعيف أبي داود" ٢٣٢ ولا وجدت له شاهدا لتقويته له وانظر "إرواء الغليل ٥٨٩ والله أعلم.

стр. 348

ومن صلاة السفر قوله في قصر الصلاة الرباعية: "فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ... فقال: عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه الجماعة". قلت: الحديث لم يروه البخاري مطلقا وقد صرح بذلك في "المنتقى" فقال: "رواه الجماعة إلا البخاري" فلعل استثناء سقط من الطابع أو غيره. وقوله: "وعن عائشة قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين الا المغرب فإنها وتر النهار وصلاة الفجر لطول قراءتها وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى". رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وابن خزيمة ورجاله ثقات". قلت: إنما يصدق هذا التوثيق - وقد نقله من "مجمع الزوائد" ٢ / ١٥٤ وعزاه لأحمد - على إسناد أحمد ٦ / ٢٤١ و٢٦٥ وأحد إسنادي البيهقي ٣ / ١٤٥ ولكنه منقطع بين عامر الشعبي وعائشة. نعم رواية ابن خزيمة ٣٥٥ وابن حبان ٥٤٤ موصولة فإنها عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. لكن في إسنادها محبوب بن الحسن وهو غير محبوب في الرواية وهذا لقبه واسمه محمد قال الحافظ في "التقريب": "صدوق فيه لين". ولا ينفعه أنه تابعه بكار بن عبد الله بن محمد بن سيرين عند البيهقي ١ / ٣٦٣ لأنه ضعيف جدا كما يدل على ذلك ترجمته في "الميزان" و "اللسان"

стр. 349

ومنها قول أبي زرعة فيه: "ذاهب الحديث روى أحاديث مناكير". وفيه علة أخرى وهي الراوي عنه محمد بن سنان وهو القزاز البصري وهو ضعيف أيضا كما في "التقريب" ولذلك فإن الحافظ لم يصب حين أورد الحديث في "الفتح" ١ / ٤٦٤ ساكتا عليه من رواية ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وقلده في ذلك الشوكاني ١ / ٢٥٠ كما هي غالب عادته! ولا سيما وابن خزيمة قد ضعفه بالانقطاع الذي سبق بيانه فقال عقب الحديث: "هذا حديث غريب لم يسنده أحد أعلمه غير محبوب بن الحسن رواه أصحاب داود فقالوا: عن الشعبي عن عائشة خلا محبوب بن الحسن". لكني وجدت لمحبوب متابعا قويا وشاهدا حسنه الحافظ فبادرت إلى إخراج الحديث في "الصحيحة" ٢٨١٤ وقد رواه الشيخان من طريق عروة عن عائشة مختصرا بلفظ: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر". وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٠٨٢. قوله بعد أن ذكر الخلاف في حكم قصر الصلاة في السفر: "وقالت المالكية: القصر سنة مؤكدة آكد من الجماعة فإذا لم يجد المسافر مسافرا يقتدي به صلى منفردا على القصر ويكره اقتداؤه بالمقيم". قلت: هذه الكراهة مع كونها عارية عن الدليل فهي خلاف السنة التي رواها حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ قال موسى بن سلمة: "كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ ".

стр. 350

أخرجه أحمد بسند صحيح ورواه مسلم وأبو عوانة وغيرهما مختصرا وهو مخرج في "الإرواء" ٥٧١. ثم إن المؤلف لم يبين الراجح من تلك الأقوال في الحكم كما هو شأنه في كثير من المسائل والذي أقطع به أن الصواب قول من قال بوجوب القصر لأدلة كثيرة لا معارض لها ذكرها الشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٣٠٦ - ٣٠٧ منها حديث عائشة الذي ذكرته قريبا: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين" الحديث. أخرجه الشيخان. قال الشوكاني: "فمن زاد فيها فهو كمن زاد على أربع في صلاة الحضر ولا يصح التعلق بما روي عنها أنها كانت تتم فإن ذلك لا تقوم به الحجة بل الحجة في روايتها لا في رأيها". وقال الحافظ في "التلخيص" ٢ / ٤٤: "وذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان كما في "الصحيح" فلو كان عندها عن النبي ﷺ رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت وقد ثبت في "الصحيحين" خلاف ذلك". قلت: يشير إلى ضعف حديث الدارقطني عنها بلفظ: "قصر رسول الله ﷺ في السفر وأتم". فإنه مع ضعف إسناده مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة في قصره ﷺ للصلاة في السفر وقد ذكرت بعضها في "الإرواء" ٣ / ٣ - ٩ وبينت علة الحديث المذكور فليرجع إليه من شاء.

стр. 351

تنبيه: حديث عائشة المشار إليه آنفا من رواية الشيخين من الأحاديث الصحيحة التي تجرأ بل تهور الشيخ الغماري في رسالته: "الصبح السافر في أحكام المسافر" فضعفها مع اتفاق المسلمين على صحته وقد رددت عليه ذلك مفصلا في المجلد المشار إليه من "الصحيحة" آنفا. قوله في مسافة القصر: "والتردد بين الأميال والفراسخ يدفعه ما ذكره أبو سعيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة. رواه سعيد ابن منصور وذكره الحافظ في "التلخيص" وأقره بسكوته عليه". وأقول: لقد اغتر المؤلف بسكوت الحافظ عليه! وسبقه إلى ذلك الصنعاني في "سبل السلام" والشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٣٥٧ وأما في "نيل الأوطار" فقد شك في صحته فقال عقبه ٣ / ١٧٦: "أورده الحافظ في "التلخيص" ولم يتكلم عليه فإن صح كان الفرسخ هو المتيقن ولا يقصر فيما دونه إذا كان يسمى سفرا لغة أو شرعا". وأقول: أنى له الصحة وفيه أبو هارون العبدي قال الحافظ في "التقريب": "متروك ومنهم من كذبه". وقد خرجت الحديث في "الإرواء" ٣ / ١٥ من رواية جمع من المصنفين عنه فليرجع إليه من شاء. وفي ذلك ما يؤكد أنه لا يجوز الاغترار بسكوت الحافظ عن الحديث وأن ذلك لا يعنى ثبوته عنده حتى ولو كان ذلك في الفتح على أنه أنظف مصنفاته من الأحاديث الضعيفة ولعله من أجل ذلك لم يورد هذا الحديث فيه ... والله أعلم.

стр. 352

ومن السفر يوم الجمعة ذكر أثرا: "عن عمر: إن الجمعة لا تحبس عن سفر. وآخر عن أبي عبيدة أنه سافر يوم الجمعة. وحديث عن الزهري أن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة". قلت: وقد أخرجها كلها ابن أبي شيبة ٢ / ١٠٥ - ١٠٦ وعبد الرزاق ٣ / ٢٥٠ - ٢٥١ وأثر عمر له طريقان عنه أحدهما صحيح وهو مخرج في "الضعيفة" تحت الحديث ٢١٩.وأثر أبي عبيدة منقطع. وحديث الزهري مرسل ومعناه صحيح ما لم يسمع النداء فإذا سمعه وجب عليه الحضور والله أعلم.

стр. 353

ومن الجمع بين الصلاتين قوله تحت عنوان: الجمع في المطر: "وروى البخاري أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة". قلت: عزوه للبخاري خطأ لا رب فيه بل أشك أن يكون له أصل في شيء من كتب السنة المتداولة اليوم فإني لا أذكر أني رأيت حديثا بهذا المعنى وقد راجعت الآن مظانه فلم أجده ولو كان له أصل لكان العلماء المحدثون أوردوه في "باب جمع المقيم بمصر" ولما لجؤوا إلى الاحتجاج بغيره مما ليس في صراحته كحديث ابن عباس الآتي في الكتاب في الجمع للحاجة. ويستحيل عادة أن يخفى عليهم مثل هذا الحديث لو كان له أصل فلا أدرى كيف تسرب هذا الخطأ إلى المؤلف؟ وغالب الظن أنه نقله من بعض كتب الفقه التي لا علم

стр. 354

عندها بالحديث وروايته وعندي في ذلك أمثلة كثيرة أقربها إلى ما نحن فيه قول الرافعي في شرح الوجيز: "وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر للمطر" فرد عليه الحافظ في تخريجه ٤ / ٤٧١ بقوله: "ليس له أصل وإنما ذكره البيهقي عن ابن عمر موقوفا عليه وذكره بعض الفقهاء عن يحيى بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عنه مرفوعا". فهذا يؤيد أن الحديث لا أصل له مطلقا مرفوعا إلى النبي ﷺ فكيف يكون له أصل في البخاري ويخفى على شارحه العسقلاني وغيره؟! هذا لا يكون أبدا. نسأله تعالى العصمة من الخطأ. ثم بدا لي احتمال آخر وهو أن الحديث في "البخاري" دون قوله: "ليلة مطيرة" لكن في آخره: "فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة قال: عسى". والقائل الثاني هو أبو الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس. وهذا كما ترى إنما قاله له أبو الشعثاء احتمالا فلعل المصنف نقل الحديث من حفظه دون أن يرجع فيه إلى كتاب فوقع في الخطإ وأدخل هذا القول في صلب الحديث فهو مدرج على اصطلاح - المحدثين ويحتمل أنه ترجح عنده صواب هذا الاحتمال فكان ذلك مسوغا عنده لهذا الإدراج وهذا وإن كان لا يسوغ عند أهل العلم فإنه يبطل ترجيحه أن مسلما روى الحديث عن ابن عباس بلفظ: "من غير خوف ولا مطر". قال الحافظ: "فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر".

стр. 355

قوله تحت عنوان: السفر في السفينة و ... و ... : "وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدرى وأبا هريرة في سفينة فصلوا قياما في جماعة أمهم بعضهم وهم يقدرن على الجد الشاطئ. رواه سعيد بن منصور". قلت: ورواه أيضا عبد الرزاق ٥ / ٥٨٢ وابن أبي شيبة ٢ / ٢٦٦ والبيهقي ٣ / ١٥٥ إسناده صحيح.
следующие страницы →