← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تنبيه: حديث عائشة المشار إليه آنفا من رواية الشيخين من الأحاديث الصحيحة التي تجرأ بل تهور الشيخ الغماري في رسالته: "الصبح السافر في أحكام المسافر" فضعفها مع اتفاق المسلمين على صحته وقد رددت عليه ذلك مفصلا في المجلد المشار إليه من "الصحيحة" آنفا. قوله في مسافة القصر: "والتردد بين الأميال والفراسخ يدفعه ما ذكره أبو سعيد قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة. رواه سعيد ابن منصور وذكره الحافظ في "التلخيص" وأقره بسكوته عليه". وأقول: لقد اغتر المؤلف بسكوت الحافظ عليه! وسبقه إلى ذلك الصنعاني في "سبل السلام" والشوكاني في "السيل الجرار" ١ / ٣٥٧ وأما في "نيل الأوطار" فقد شك في صحته فقال عقبه ٣ / ١٧٦: "أورده الحافظ في "التلخيص" ولم يتكلم عليه فإن صح كان الفرسخ هو المتيقن ولا يقصر فيما دونه إذا كان يسمى سفرا لغة أو شرعا". وأقول: أنى له الصحة وفيه أبو هارون العبدي قال الحافظ في "التقريب": "متروك ومنهم من كذبه". وقد خرجت الحديث في "الإرواء" ٣ / ١٥ من رواية جمع من المصنفين عنه فليرجع إليه من شاء. وفي ذلك ما يؤكد أنه لا يجوز الاغترار بسكوت الحافظ عن الحديث وأن ذلك لا يعنى ثبوته عنده حتى ولو كان ذلك في الفتح على أنه أنظف مصنفاته من الأحاديث الضعيفة ولعله من أجل ذلك لم يورد هذا الحديث فيه ... والله أعلم.

стр. 352

ومن السفر يوم الجمعة ذكر أثرا: "عن عمر: إن الجمعة لا تحبس عن سفر. وآخر عن أبي عبيدة أنه سافر يوم الجمعة. وحديث عن الزهري أن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة". قلت: وقد أخرجها كلها ابن أبي شيبة ٢ / ١٠٥ - ١٠٦ وعبد الرزاق ٣ / ٢٥٠ - ٢٥١ وأثر عمر له طريقان عنه أحدهما صحيح وهو مخرج في "الضعيفة" تحت الحديث ٢١٩.وأثر أبي عبيدة منقطع. وحديث الزهري مرسل ومعناه صحيح ما لم يسمع النداء فإذا سمعه وجب عليه الحضور والله أعلم.

стр. 353

ومن الجمع بين الصلاتين قوله تحت عنوان: الجمع في المطر: "وروى البخاري أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة". قلت: عزوه للبخاري خطأ لا رب فيه بل أشك أن يكون له أصل في شيء من كتب السنة المتداولة اليوم فإني لا أذكر أني رأيت حديثا بهذا المعنى وقد راجعت الآن مظانه فلم أجده ولو كان له أصل لكان العلماء المحدثون أوردوه في "باب جمع المقيم بمصر" ولما لجؤوا إلى الاحتجاج بغيره مما ليس في صراحته كحديث ابن عباس الآتي في الكتاب في الجمع للحاجة. ويستحيل عادة أن يخفى عليهم مثل هذا الحديث لو كان له أصل فلا أدرى كيف تسرب هذا الخطأ إلى المؤلف؟ وغالب الظن أنه نقله من بعض كتب الفقه التي لا علم

стр. 354

عندها بالحديث وروايته وعندي في ذلك أمثلة كثيرة أقربها إلى ما نحن فيه قول الرافعي في شرح الوجيز: "وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر للمطر" فرد عليه الحافظ في تخريجه ٤ / ٤٧١ بقوله: "ليس له أصل وإنما ذكره البيهقي عن ابن عمر موقوفا عليه وذكره بعض الفقهاء عن يحيى بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عنه مرفوعا". فهذا يؤيد أن الحديث لا أصل له مطلقا مرفوعا إلى النبي ﷺ فكيف يكون له أصل في البخاري ويخفى على شارحه العسقلاني وغيره؟! هذا لا يكون أبدا. نسأله تعالى العصمة من الخطأ. ثم بدا لي احتمال آخر وهو أن الحديث في "البخاري" دون قوله: "ليلة مطيرة" لكن في آخره: "فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة قال: عسى". والقائل الثاني هو أبو الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس. وهذا كما ترى إنما قاله له أبو الشعثاء احتمالا فلعل المصنف نقل الحديث من حفظه دون أن يرجع فيه إلى كتاب فوقع في الخطإ وأدخل هذا القول في صلب الحديث فهو مدرج على اصطلاح - المحدثين ويحتمل أنه ترجح عنده صواب هذا الاحتمال فكان ذلك مسوغا عنده لهذا الإدراج وهذا وإن كان لا يسوغ عند أهل العلم فإنه يبطل ترجيحه أن مسلما روى الحديث عن ابن عباس بلفظ: "من غير خوف ولا مطر". قال الحافظ: "فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر".

стр. 355

قوله تحت عنوان: السفر في السفينة و ... و ... : "وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدرى وأبا هريرة في سفينة فصلوا قياما في جماعة أمهم بعضهم وهم يقدرن على الجد الشاطئ. رواه سعيد بن منصور". قلت: ورواه أيضا عبد الرزاق ٥ / ٥٨٢ وابن أبي شيبة ٢ / ٢٦٦ والبيهقي ٣ / ١٥٥ إسناده صحيح.

стр. 356

ومن أدعية السفر قوله:" ٣ عن ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سفر قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من الضبنة١ ... " رواه أحمد والطبراني والبزار بسند رجاله رجال الصحيح" قلت: رووه جميعا من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس. وقال البزار: "لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس". قلت: وسماك - وهو ابن حرب - صدوق من رجال مسلم ولكن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بأخرة كما في "التقريب". فهو إسناد ضعيف. وهو عند أحمد ١ / ٢٥٦ و٣٠٠ والبزار ٤ / ٣٣ والطبراني ١١ / ٢٨٠ / ١١٧٣٥ وكذا ابن أبي شيبة ١٠ / ٣٥٨ و٣٦٠ لكن أكثره صحيح بما قبله.

стр. 357

قوله:" ٥ وعن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: "يا أرض! ربى وربك الله ... " رواه أحمد وأبو داود" قلت: في إسناده من لا يعرف وبيانه في "الضعيفة" ٤٨٣٧ وفي التعليق على "الكلم الطيب" رقم ١٨٠ وزعم المعلق على "شرح السنة" ٥ / ١٤٧ أن له شاهدا من حديث عائشة وهم محض لأنه متن آخر وهو الآتي بعد حديث مع بيان ضعفه والمعصوم من عصمه الله. قوله:" ٧ وعن عطاء بن أبي مروان عن أبيه ... أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ... " رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححاه". قلت: الحديث صحيح لكن من غير هذه الطريق فإن أبا مروان هذا ليس بالمعروف كما قال النسائي نفسه وكما كنت ذكرته في التعليق على "الكلم الطيب" ١٧٨ ثم وجدت النسائي قد أخرجه أيضا في "عمل اليوم والليلة" ٥٤٣ من غير هذه الطريق بسند صحيح ولذلك أودعته في "الصحيحة" رقم ٢٧٥٩ وذكرت خلاصة ذلك في تحقيقي الثاني لـ "الكلم الطيب" والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. قوله: "٩ وعن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: "اللهم إني أسالك من خير هذه وخير ما جمعت فيها ... ". رواه ابن السني" قلت: وإسناده ضعيف فيه عيسى بن ميمون وهو مولى القاسم بن محمد قال الحافظ: "ضعيف". ولكنه قواه في "تخريج الأذكار" بحديث ابن عمر الذي هو قبل هذا في الكتاب ساقه من طريقين: أحدهما طريق "الأوسط" الذي جود إسناده المؤلف وهو قول الهيثمي في "المجمع" ١٠ / ١٣٤ وانظر "ابن علان" ٥ / ١٥٨ - ١٥٩ و "الصحيحة" ٢٧٥٩.

стр. 358

ومن الجمعة قوله تحت رقم ٣ -: "أكثروا من الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة". قلت: ذكر الحديث ولم يخرجه ولا بين مرتبته. وقد أخرجه ابن عدى والبيهقي من حديث أنس وروى من حديث ابن عمر وعن صفوان بن سليم مرسلا وهو بمجموع ذلك حسن كما بينته في "الصحيحة ١٤٠٧ وهو صحيح دون ذكر "ليلة الجمعة" لحديث أوس الذي قبله وهو مخرج في المصدر المذكور برقم ١٥٢٧. قوله تحت رقم ٤ -: "وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين". رواه ابن مردويه بسند لا بأس به". قلت: هكذا قال المنذرى في "الترغيب" ١ / ٢٦١ وهو مردود بقول الحافظ ابن كثير في "التفسير" ١ / ٧٠: "إسناده غريب". قلت: وذلك لأن فيه خالد بن سعيد بن أبي مريم وهو مجهول العدالة قال في "التهذيب" بعد أن نقل عن ابن حبان أنه ذكره في "الثقات":

стр. 359

"وقال ابن المديني: لا نعرفه وساق له العقيلي خبرا استنكره وجهله ابن قطان". ولذلك قال الحافظ: "مقبول". يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث. وفي نقدي أن هذا الحديث منكر أيضا لمخالفته لحديث أبي سعيد الذي قبلة وإسناده صحيح كما بينت في "الصحيحة" ٢٦٥١. قوله تحت رقم ٦ - بعد أن ذكر حديث ابن مسعود مرفوعا: "إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات ... ": "رواه ابن ماجه والمنذري". كذا وقع في هذه الطبعة وغيرها وهو تخريج غريب ويغلب على الظن أن فيه سقطا ولعل الصواب: " ... وحسنه المنذري" فقد قال في "الترغيب" ١ / ٢٢٥: "رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم وإسنادهما حسن". وهو في نقدي غير حسن لأن مداره على عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وفيه ضعف من قبل حفظه وفي "التقريب": "صدوق يخطئ وكان مرجئا أفرط ابن حبان فقال: متروك". قلت: وقد اضطرب عبد المجيد في تعيين شيخه في هذا الحديث فقال مرة: "عن معمر" ومعمر ثقة ومرة قال: "عن مروان بن سالم" ومروان هذا متروك متهم بالوضع. ومعلوم أن الاضطراب علة في الحديث - ولو من ثقة - تمنع الحكم عليه بالحسن فكيف إذا كان ضعيفا؟ فتحسينه والحالة هذه أبعد ما يكون

стр. 360

عن الصواب ولم يتنبه لهذه العلة القادحة المعلق على "الزاد" ١ / ٤٠٩ فقلد من حسنه وقد خرجت الحديث وبسطت الكلام عليه في "الضعيفة" ٢٨١٠ وأوجزته في "ظلال الجنة في تخريج السنة" لابن أبي عاصم ٦٢٠. قوله تحت عنوان: مشروعية التنفل قبلها: "١ فعن ابن عمر ﵁ أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. رواه أبو داود". قلت: وإسناده صحيح لكن عنده بعد قوله ركعتين: "في بيته" يعني أن النبي ﷺ كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته ولا يصليهما في المسجد وهذا هو المرفوع من الحديث كما يدل عليه روايات أخرى للحديث تأتي في الكتاب. وأما صلاة ابن عمر قبل الجمعة فموقوف عليه كما بينه أبو شامة في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" وابن القيم في "زاد المعاد" وغيرهما وسيأتي في الكتاب كلام ابن تيمية في أنه ليس للجمعة سنة قبلية فانظره وراجع له رسالتي "الأجوبة النافعة".

стр. 361

ومن من تجب عليه ومن لا تجب عليه قوله:" ٥, ٦ المدين المعسر الذي يخاف الحبس والمختفي من الحكم الظالم فعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر". قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض". رواه أبو داود بإسناد صحيح". قلت: فيه خطآن: الأول: أن إسناد أبي داود غير صحيح لأن فيه أبا جناب وهو ضعيف ومدلس وقد عنعنه كما قال الحافظ في "التلخيص" وضعفه المنذرى أيضا في "مختصر السنن". الثاني: أن اللفظ المذكور ليس هو لأبي داود بل هو ملفق من روايتين إحداهما رواية أبي داود ولفظها: "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى". وبهذا اللفظ والسد أخرجه الدارقطني أيضا والحاكم في رواية. والرواية الأخرى لفظها: "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر". أخرجه ابن ماجه وغيره والحاكم وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وما أعتقد أن المؤلف يستجيز هذا التلفيق بين روايتين ولاسيما وإحداهما

стр. 362

صحيحة والأخرى ضعيفة وإنما هو التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول. تنبيه: هذا الحديث اقتصر المؤلف على إيراده ههنا في "الجمعة" وكان يلزمه أن يورده أيضا في "الجماعة" لأن لفظ "النداء" يشملهما معا وعليه نقول: والحديث كما يدل على وجوب الجمعة وأنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر فكذلك هو يدل على وجوب حضور صلاة الجماعة وأنه لا يجوز تركها إلا لعذر فهو حجة على المؤلف حيث ذكر هناك أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة ووجه ذلك أن الحديث صريح أنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر وليس هذا شأن السنة فإنه يجوز تركها بدون عذر البتة اكتفاء بالقيام بالفرائض فقط كما يدل على ذلك إقرار النبي ﷺ للأعرابي على قوله: "والله لا أزيد عليهن ولا أنقص" وقوله: "أفلح الرجل إن صدق" أو: "دخل الجنة إن صدق" فثبت من ذلك أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز تركها إلا لعذر وهو الحق كما سبق بيانه هناك. وأما تأويل بعض العلماء لقوله في الحديث: "فلا صلاة له" أي: كاملة فإن أرادوا بذلك نفي الوجوب كما هو الظاهر فهو باطل من وجهين: الأول: قوله عقبه: "إلا من عذر" فإن هذا لا يقال في غير الواجب كما سبق بيانه. الثاني: أن هذا التأويل غير معروف في الشرع كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولا بأس من أن أنقل كلامه مختصرا لأهميته قال ﵀ في "القواعد النورانية" ص ٢٦: "وأما ما يقوله الناس: إن هذا نفي للكمال. كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" قلت: هذا ليس له إسناد ثابت. فيقال له: نعم هو لنفي

стр. 363

الكمال لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟ فأما الأول فحق وأما الثاني فباطل لا يوجد مثل ذلك في كلام الله ولا في كلام رسول الله قط وليس بحق فإن الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه؟! وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات من أندر الأمور. وعلى هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ونظائر ذلك كثيرة. ومن ذلك قوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له" و "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" و "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له". ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي إلى الصلاة في جماعة من الواجبات. لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على فعله من الصلاة أم يقال: إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يصلها؟ هذا فيه نزاع بين العلماء". اهـ. قلت: واختار شيخ الإسلام في غير هذا الكتاب البطلان واخترنا عدمه لحديث التفضيل على ما بينا في صلاة الجماعة. وحمله هو على المعذور وهو غير متبادر عندي. والله أعلم.

стр. 364

قوله تحت رقم ٧: "وعن أبي مليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم. رواه أبو داود وابن ماجه". قلت: السياق لأبي داود ولكنه زاد بعد قوله شهد النبي ﷺ : "زمن الحديبية" وهي عند ابن ماجه أيضا فهي تدل على أن القصة كانت في السفر وقد صرح بذلك البيهقي في رواية له ومن المعلوم أن لا جمعة في السفر وحينئذ فالحديث لا يدل على أن المطر عذر لترك الجمعة بل للجماعة. قوله في آخر بحث وقت الجمعة مرجحا مذهب الجمهور أنه بعد الزوال نقلا عن الحافظ: "فروى ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس. وإسناده قوي". قلت: صدق سويد ﵀ وأخطأ الحافظ ومن قلده كالمؤلف ومن قبله الشوكاني ٣ / ٢٢١ في استدلالهم بهذا الأثر على ما ذكرنا مع أنه ليس فيه ذكر لصلاة الجمعة لا تصريحا ولا تلويحا وهذا بناء على السياق الذي ذكره الحافظ ونقلوه عنه وهو في "الفتح" ٢ / ٣٨٧ كما نقلوا وهو من أخطائه العجيبة التي لا أستطيع تصور صدورها من مثله فإن هذا الأثر لا تعلق له هنا البتة وإنما بصلاة الظهر كذلك وقع. التصريح به عند ابن أبي شيبة أخرجه بسنده الصحيح عن ميمون بن مهران: أن سويد بن غفلة كان يصلي الظهر حين تزول الشمس فأرسل إليه الحجاج: لا تسبقنا بصلاتنا. فقال سويد: قد صليتها مع أبي بكر وعمر هكذا والموت أقرب إلي من أن أدعها. أورده ١ / ٣٢٢ - ٣٢٣ تحت باب: من كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس ولا يبرد بها". إذا عرفت هذا فلا يصلح للمعارضة المدعاة لكن الحافظ ذكر عقبه آثارا

стр. 365

أخرى بمعناه عن عمر وغيره من الصحابة لكن الحقيقة أنه لا تعارض بينها وبين أثر ابن سيدان كما لا تعارض بين الأحاديث الموافقة لها وبين الأحاديث الموافقة له فالصحابة ﵃ تلقوا الأمرين عن رسول الله ﷺ فكانوا - كما كان ﵇ يفعلون تارة هذا وتارة هذا كما ذكرته في رسالتي "الأجوبة النافعة" وقد خرجت فيها الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في الأمرين وهي مطبوعة فليراجعها من شاء. بقي شيء وهو جزم المؤلف بأن أثر ابن سيدان ضعيف وأيده بقول ابن حجر فيه: "تابعي كبير غير معروف العدالة". وقد رددت عليه في الرسالة المذكورة آنفا بما خلاصته أنه روى عنه أربعة من الثقات وذكره ابن حبان في "الثقات" ٥ / ٣١ وأزيد هنا: والعجلي أيضا في "الثقات" ٢٥٨ / ٨٢٠ وقلت ثمة: "إنه حسن الحديث على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره". بل هي طريقة الحافظ أيضا كما تقدم بيانه ص ٢٠٤ – ٢٠٧.والله أعلم. قوله في العدد الذي تنعقد به الجمعة: "تصح باثنين فأكثر لقوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة". قلت: لا يصح الاستدلال به لعدم ثبوته عنه ﷺ كما بينته في "الإرواء" ٤٨٩ و "المشكاة" ١٠٨١ فالاعتماد على ما ذكره المؤلف بعد عن الشوكاني. وراجع له "السيل الجرار" ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨ فإنه بحث هام قد لا تجده في غيره.

стр. 366

قوله في أثر عمر: أن جمعوا حيثما كنتم: "وهذا يشمل المدن والقرى". قلت: كذا قال الحافظ في "الفتح" ٤ / ٣٨٠ وتبعه الشوكاني ٣ / ١٩٨ أيضا وهو أعم من ذلك فيشمل أهل المياه أيضا فقد روى ابن أبي شيبة أيضا ٢ / ١٠٢ عقب أثر عمر قال: حدثنا ابن إدريس عن مالك قال: "كان أصحاب محمد في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون". ويشهد له أثر ابن عمر المذكور في الكتاب آخر هذا البحث وقال فيه: "رواه عبد الرزاق بسند صحيح". قلت: كذا قال الحافظ وذكره الشوكاني دون أن ينسبه إليه كغالب تخاريجه واستشهد به المؤلف وفيه ما لا يخفى. وهو في "مصنف عبد الرزاق" ٣ / ١٧٠ / ٥١٨٥ عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ... فذكره. كذا وقع فيه: "عبد الله" مكبرا وهو ضعيف فلعل الأصل "عبيد الله مصغرا وهو ثقة بدليل تصحيح الحافظ لإسناده. والله أعلم. قوله في آخر بحث حكم الخطبة نقلا عن الشوكاني: "فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن الخطبة مندوبة فقط". قلت: بل الصواب وجوبها وما أجاب به الشوكاني مردود وقد نحا نحوه صديق خان في "الروضة الندية" وفي "الموعظة الحسنة" فرددت عليه في رسالتي "الأجوبة النافعة" بما لا يدع إشكالا على القول بوجوبها فراجعه فإنه مهم جدا. ثم ذكر حديث جابر مرفوعا: كان إذا صعد المنبر سلم وضعفه بابن لهيعة ثم ذكره من مرسل الشعبي وعطاء. فأقول: هذان المرسلان أخرجهما ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وهما يقويان

стр. 367

حديث جابر ولا سيما وقد جرى عمل الخلفاء عليه كما حققته في "الصحيحة" ٢٠٧٦ بما لا تراه في مكان آخر إن شاء الله تعالى. قوله في حديث: كان إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم: "رواه ابن ماجه وهو وإن كان فيه مقال إلا أن الترمذي قال: العمل على هذا ... ". وأقول: الحديث صحيح لأن له شواهد مرفوعة وموقوفة خرجتها في "الصحيحة" أيضا ٢٠٨٠ وأحدها في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري قال: "جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله". وهذه من السنن المتروكة فعلى المحبين لها إحياؤها حياهم الله تعالى وبياهم وجعل الجنة مأوانا ومأواهم بفضله وكرمه. قوله في حديث أبي هريرة: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم": "رواه أبو داود وأحمد بمعناه". قلت: الحديث ضعيف أسنده عن أبي هريرة أحد من لا يوثق بحفظه وخالفه جمع من الثقات فأرسلوه بل أعضلوه وقد أعله بذلك أبو داود نفسه فقال عقبه ٤٨٤٠: "رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلا". فكان على المؤلف أن يذكر هذا عقب الحديث أداء للأمانة العلمية ولكن هذا من شؤم التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول ولكن إذا كان لم يرجع إلى الأصل فما باله لم ينقل ما ذكره الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٢٤ أن النسائي والدارقطني أعلاه أيضا بالإرسال وهو إنما نقل الحديث وتخريجه منه أو

стр. 368

من متنه؟! وقد خرجت الحديث وتكلمت عليه بتفصيل في أول "إرواء الغليل" رقم ٢ وذكرت له فيه علة أخرى وهي اضطراب ذاك الضعيف في متنه على وجوه بينتها فراجع إن شئت تمام التحقيق. قوله: "وفي رواية: "الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: تشهد بدل شهادة". قلت: رواية أبي داود ٤٨٤١ مثل رواية الترمذي وهي أصح وقال: "حديث حسن صحيح غريب" وسنده صحيح وهو في "مسند أحمد" ٢ / ٣٠٢ و٣٤٣. هذا وكنت أود أن لا يخلي المؤلف كتابه من خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه ولا سيما وفيها نص التشهد المشار إليه في هذا الحديث وغيره كحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك ... ". رواه مسلم ٣ / ١١. ونص الخطبة كما جاء في عدة أحاديث كنت جمعتها في رسالة خاصة فيها يأتي الإشارة إليها إن شاء الله: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

стр. 369

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً , يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما بعد. وكان أحيانا لا يذكر هذه الآيات الثلاث. وينبغي أن يقول أحيانا بعد قوله: "أما بعد": "فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". رواه مسلم وغيره وهو مخرج في "الإرواء" ٦٠٨. قوله: "وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تشهد قال: "الحمد لله نستعينه ونستغفره ... من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله تعالى شيئا". وعن ابن شهاب أنه سئل عن تشهد النبي ﷺ يوم الجمعة فذكر نحوه وقال: "ومن يعصهما فقد غوى". رواهما أبو داود". قلت: إسنادهما ضعيف. أما الأول ففيه أبو عياض وهو مجهول وقد أعله المنذري وابن القيم والشوكاني بغيره. والحق ما ذكرته.

стр. 370

وأما الآخر فعلته أنه من مرسل ابن شهاب والمرسل ليس بحجة عند الجمهور. ثم إن في الحديثين جملة قد صح عنه ﷺ النهي عنها وهي قوله فيهما: "ومن يعصهما ... ". فروى مسلم وغيره عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي ﷺ فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى". فقال ﷺ : "بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله". وحديث ابن مسعود قد جاء من طرق ثلاثة أخرى عنه وليس في شيء منها هذه الجملة فدل ذلك على نكارتها فيه ولي في بيان ذلك رسالة لطيفة بعنوان: "خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه" أوردت فيها النص الصحيح الكامل لهذه الخطبة المباركة وخرجت أحاديثها مع فوائد أخرى تناسبها وقد طبعت مرارا والحمد لله. قوله في استحباب رفع الصوت بالخطبة وتقصيرها والاهتمام بها: "وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كانت صلاة رسول ﷺ قصدا وخطبته قصدا. رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود". قلت: استثناء أبي داود خطأ قلد فيه صاحب "المنتقى" ولم ينبه عليه الشوكاني ٣ / ٢٢٨ فقد أخرجه في "سننه" برقم ١١٠١ وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٠٠٩. قوله تحت عنوان: قطع الإمام الخطبة للأمر يحدث: "وعن أبي بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران. رواه الخمسة". قلت: فيه:

стр. 371

أولا: قوله: "أبي بريدة". خطأ متكرر هنا وفي الطبعة الجديدة والصواب: "بريدة" بحذف أداة الكنية وهو بريدة بن الحصيب ﵁. ثانيا: المقصود بـ الخمسة الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة ومنهم الترمذي وقد قال عقب الحديث: "حسن غريب إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد". والحسين هذا قال الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٣٣: "هو أبو علي قاضي مرو احتج به مسلم في" صحيحه"وقال المنذري: ثقة". قلت: فكان على المؤلف أن ينقل عنه ما يدل على صحة الحديث ولا يقتصر على التخريج لأن التخريج بالنسبة لدرجة الحديث كالوسيلة مع الغاية فما الفائدة من الإتيان بالوسيلة دون الغاية وهذه مصيبة عامة لم ينج منها أكثر المؤلفين قديما وحديثا والله المستعان. والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٠١٦. قوله تحت عنوان: حرمة الكلام أثناء الخطبة في حديث ابن عباس مرفوعا: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا. والذي يقول له: أنصت لا جمعة له". قال: "رواه أحمد وابن أبي شيبة والطبراني قال الحافظ في "بلوغ المرام": إسناده لا بأس به". وأقول: كيف لا وفيه عندهم جميعا مجالد بن سعيد والحافظ نفسه يضعفه في "التقريب" بقوله:

стр. 372

"ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره". وبه أعله الهيثمي ٢ / ١٨٤ ولذلك أشار المنذري في "الترغيب" ١ / ٢٥٧ إلى ضعف الحديث بتصديره إياه بقوله: "روي" كما نص عليه في المقدمة ولذلك خرجته في "الضعيفة" ١٧٦٠ برواية من ذكرهم الحافظ وغيرهم. وقد صح معنى الحديث عن ابن عمر موقوفا عند ابن أبي شيبة ٢ / ١٢٥. ولعل الحافظ قوى حديثه هذا للشاهد الذي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفا ولكني لا أرى أن الموقوف يصلح شاهدا لتقوية المرفوع هنا. والله أعلم. ثم ذكر حديث أبي الدرداء وفيه قول أبي له حين سأله والنبي ﷺ يخطب: ما لك من جمعتك إلا ما لغوت. وقوله ﷺ : "صدق أبى" ... الحديث قال: "رواه أحمد والطبراني". قلت: رجاله موثقون كما قال الهيثمي لكن أعله المنذري والعسقلاني بالانقطاع كما بينته في "التعليق الرغيب" ١ / ٢٥٨ لكن الحديث صحيح فإنه رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي نفسه وفيه أن أبا ذر هو الذي كلم أبيا. وكذلك رواه الطحاوي ١ / ٢١٥ والطيالسي عن أبي هريرة وإسناده حسن كما في "الإرواء" ٢ / ٨٠ وابن خزيمة في "صحيحه" ١٨٠٧ عن أبي ذر نفسه. وقوله: "وقال الشافعي: لو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت سنة ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك ورأيت أن يرد عليه لأن السلام سنة ورده فرض". قلت: ذكره الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٣٢ نقلا عن مختصر البويطي وهو في "الأم" للشافعي ١ / ١٧٥ وفي "مختصر المزني" ١/

стр. 373

١٣٨. والتفريق بين التشميت ورد السلام غير ظاهر عندي إذ حكمهما في الأصل واحد إما السنة كما في كلام الشافعي أو الوجوب كما هو الراجح عند كثير من العلماء فينبغي التسوية بينهما في المنع أو الجواز وفي ذلك عند الشافعية ثلاثة وجوه ذكرها النووي في "المجموع" ٤ / ٥٢٤ وقال: "الصحيح المنصوص تحريم تشميت العاطس كرد السلام". قلت: وهذا هو الأقرب لما ذكرته في "الضعيفة" تحت الحديث ٥٦٦٥. ثم قوله: "فعن ثعلبة بن أبي مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد ... رواه الشافعي في مسنده". قلت: وهو في "الأم" ١ / ١٧٥: وحدثني ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب قال: حدثني ثعلبة به وزاد في أوله: "أن قعود الإمام يقطع السبحة وأن كلامه يقطع الكلام". وأخرجه مالك في "الموطأ" ١ / ١٢٦ ومن طريقه الشافعي عن ابن شهاب به نحوه إلا أنه جعل الزيادة في آخره من كلام الزهري وهو أصح لأن مالكا أوثق من ابن أبي فديك واسمه محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك. وقال النووي في "المجموع" ٤ / ٢٢٠: "وحديث ثعلبة صحيح رواه الشافعي في "الأم" بإسنادين صحيحين"! كذا قال وهو يعني طريق ابن أبي فديك ومالك عن ابن شهاب وهذا

стр. 374

اصطلاح خاص بالنووي انتقده عليه العسقلاني وغيره لما فيه من الإيهام لمن لا معرفة له أن له طريقا أخرى عند الشافعي عن ثعلبة وهو خلاف الواقع فإنه عن ابن شهاب وحده. نعم قد وجدت له متابعا قويا أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٢ / ١٢٤ من طريق يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: "أدركت عمر وعثمان فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة فإذا تكلم تركنا الكلام". وهذا إسناد صحيح ويزيد هذا هو ابن الهاد الليثي المدني. فائدة: في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذن لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان وسكوت عمر عليه وكثيرا ما سئلت عن الدليل الصارف للأمر بإجابة المؤذن عن الوجوب؟ فأجبت بهذا. والله أعلم. قوله تحت عنوان: إدراك ركعة من الجمعة أو دونها: "قال ابن مسعود: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا. رواه الطبراني بسند حسن". قلت: نقله من "مجمع الهيثمي" ٢ / ١٩٢ وحقه أن يصححه لأن الطبراني أخرجه في "الكبير" من طرق عن أبى إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ٩ / ٣٥٨ - ٣٥٩ / ٩٥٤٥ - ٩٥٤٩ وأخرجه غيره فراجع" الإرواء" ٦٢١ و "الأجوبة النافعة". وأما أثر ابن عمر المذكور بعد هذا من رواية البيهقي فهو قوي كما بينته ثمة.

стр. 375

قوله تحت عنوان: الصلاة في الزحام: "روى أحمد والبيهقي عن سيار قال: سمعت عمر وهو يخطب يقول ... " الحديث. وفيه قول عمر: "فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه". قلت: هو في "المسند" ١ / ٣٢ و "سنن البيهقي" ٣ / ١٨٢ - ١٨٣ من طريق سليمان بن داود أبي داود بسنده عن سيار. وأبو داود هذا هو الطيالسي صاحب "المسند" المعروف به وقد أخرجه فيه برقم ٧٠. ثم إن سيارا هذا - وهو ابن معرور - قال ابن المديني: مجهول. وبه أعله الهيثمي ٢ / ١٠ وقال: "وقيل: فيه مغرور بالمعجمة والمهملة". قلت: لكن هذه الفقرة من قول عمر قد أخرجها عبد الرزاق ٥٤٦٥ و٥٤٦٩ من طريقين آخرين عنه الأول فهما صحيح والآخر منقطع لكن وصله البيهقي وإسناده صحيح. قوله في سنة الجمعة البعدية: "قال ابن القيم: قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين". قلت: هذا التفصيل لا أعرف له أصلا في السنة إلا ما سيذكره من حديث ابن عمر ويأتي قريبا بيان ما فيه وقوله في الحديث الصحيح المتقدم: "من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا". رواه. مسلم وغيره وهو في "الإرواء" ٦٢٥ لا دليل فيه على أن الأربع في المسجد والحديث الصحيح المعروف: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فإذا صلى بعد الجمعة ركعتين أو أربعا

стр. 376

في المسجد جاز أو في البيت فهو أفضل لهذا الحديث الصحيح. قوله في تمام كلام ابن القيم المتقدم: "وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه [إذا] صلى في المسجد [صلى] أربعا وإذا صلى في بيته صلى ركعتين". قلت: الجملة الأولى من هذا الأثر اختصرها ابن القيم ﵀ اختصارا مخلا بالمعنى وانطلى أمره على المؤلف ولا غرابة في ذلك فإن من عادته عدم الرجوع إلى الأصول وإنما الغريب أن يخفى ذلك على من علق على "زاد المعاد" وزعم أنه "حقق نصوصه وخرج أحاديثه ... "! فإنه قال في تخريج هذا الحديث ١ / ٤٤٠: "رواه أبو داود ١١٣٠ في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة". فإن لفظه في المكان الذي أشار إليه: "عن عطاء عن ابن عمر قال: كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك". وهكذا رواه البيهقي ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١ وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ١٠٣٥. فأنت ترى أن رواية أبي داود تختلف عما عزاه إليه ابن القيم من وجهين: الأول: أن فيها أنه كان يصلي ست ركعات وهو يقول: أربعا! الثاني: فيها أن ذلك كان في مكة وهو يعني المسجد الحرام وابن القيم قال: "المسجد" أي المسجد النبوي بدليل ما بعده "وإذا صلى في بيته" يعني

стр. 377

في المدينة لأن ابن عمر مدني كما هو معلوم. فإذا عرفت هذا فراويه أبي داود هذه لا تدل على التفصيل الذي ادعاه ابن تيمية وزعم ابن القيم أن الحديث يدل عليه وذلك لأمور: الأول: أن الدعوى أنه يصلى ستا. الثاني: أنه خاص بالمسجد الحرام والدعوى عامة. الثالث: أنه موقوف فليس بحجة ومن المحتمل أنه فعل ذلك لأمر يتعلق به أو لغير ذلك من الأسباب التي ذكرها الشوكاني في "نيل الأوطار" ٣ / ٢٣٩.

стр. 378

ومن اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد قوله: "فعن زيد بن أرقم قال: صلى النبي ﷺ العيد ثم رخص في الجمعة فقال: "من شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة والحاكم". قلت: فيه خطآن: الأول: من الخمسة الترمذي ولم يروه ولذلك استثناه الحافظ في "بلوغ المرام" فقال: "رواه الخمسة إلا الترمذي". ولم يعزه إليه في "التلخيص" ٢ / ٨٨ وقد خرجته في "صحيح أبي داود" ٩٨٢. والآخر: قوله: "وصححه ابن خزيمة". وهو فيه مقلد للأمير الصنعاني في "سبل السلام" وسبب هذا الوهم منه هو

стр. 379

أنه رأى الحديث في "صحيح ابن خزيمة" ١٤٦٤ فتوهم أن كل أحاديثه صحيحة وليس الأمر كذلك عنده فكثيرا ما يخرج الحديث تحت بابه ويصرح فيه بعلته ويشكك في صحته وهذا ما فعله في هذا الحديث فإنه قال أثناء ترجمته عنه في الباب ٣ / ٣٥٩: "إن صح الخبر فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح". لكن الحديث صحيح بشواهده الآتية في الكتاب وقد صححه ابن المديني والحاكم والذهبي وهي مخرجة في "صحيح أبي داود" أيضا ٩٨٣ – ٩٨٤.

стр. 380

ومن باب صلاة العيدين قوله: "وهي سنة مؤكدة واظب النبي ﷺ عليها وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها". قلت: فالأمر المذكور يدل على الوجوب وإذا وجب الخروج وجبت الصلاة من باب أولى كما لا يخفى فالحق وجوبها لا سنيتها فحسب ومن الأدلة على ذلك أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد كما سبق في كتاب المؤلف قريبا وما ليس بواجب لا يسقط واجبا كما قال صديق خان في "الروضة الندية" وراجع تمام هذا البحث فيه وفي "السيل الجرار" ١ / ٣١٥. قوله تحت رقم ١ -: "فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد. رواه الشافعي والبغوي". قلت: فيه أمور: الأول: أن الشافعي رواه في "الأم" من طريق إبراهيم عن جعفر به

стр. 381

وإبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى المدني وهو متروك متهم بالكذب. وجعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فيكون جده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فيكون الإسناد معلولا بعلتين: الإرسال والضعف الشديد. والآخر: أن البغوي لم يروه بإسناده إنما علقه تعليقا فقال في "شرح السنة" ٤ / ٣٥٢: "روي أن النبي ﷺ كان ... ". فقد أشار إلى تضعيفه بتصديره إياه بقوله: "روي" فكان على المؤلف أن يبين ذلك كله نصحا للقراء. وقد رواه الحجاج بن أرطاة المدلس عن محمد بن علي لم يجاوزه. ومرة قال: عن جابر بن عبد الله به نحوه فأسنده وقد خرجت هذا مفصلا في "الضعيفة" ٢٤٥٥. لكن للحديث شاهدا من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ: "كان يلبس يوم العيد بردة حمراء". وهو مخرج في "الصحيحة" ١٢٧٩ فلو أن المؤلف آثره لكان خيرا له. وروى الحاكم ٤ / ٢٣٠ من طريق الليث بن سعد عن إسحاق بن بزرج عن زيد بن الحسن بن علي عن أبيه ﵄ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد ... ". الحديث وقال: "لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت للحديث بالصحة".

стр. 382

قلت: وضعفه الأزدي وأما ابن حبان فذكره في "ثقات التابعين" ١ / ٢٤ وقال: "يروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب. روى عنه الليث بن سعد". يشير إلى هذا الحديث فقد رواه البخاري في "التاريخ" ١ / ١ / ١٢٢٢ هكذا ليس فيه ذكر لزيد ولا قوله: عن أبيه. ولعله الصواب. قوله تحت رقم ٤ -: "وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يخرج نساءه وبناته في العيدين. رواه ابن ماجه والبيهقي". قلت: في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وقد عنعنه وقد اضطرب في إسناده فمرة قال: عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن عبابس ومرة قال: عن عطاء عن جابر. أخرجه أحمد ٣ / ٣٦٣. ومع أن البوصيري أصاب في "زوائده" في قوله: "هذا إسناد ضعيف لتدليس حجاج" فإنه جعل رواية أحمد عنه شاهدا له فكأنه لم يستحضر إسناده وإلا فكيف يسوغ ذلك والشاهد له هو عين المشهود؟! قوله تحت رقم ٥ -: "فعند أبي داود والحكم ... عن بكر بن مبشر قال: كنت أغدو مع أصحاب رسول الله ﷺ إلى المصلى يوم الفطر ... فنسلك بطن بطحان ... ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا. قال ابن السكن: إسناده صالح". قلت: كلا ليس بصالح لأنه من طريق إسحاق بن سالم عن بكر وهما مجهولان ولذلك تعقب الذهبي في "الميزان" قول ابن السكن هذا بقوله:

стр. 383

"قلت: لا يعرف إسحاق وبكر بغير هذا الحديث". وقال الحافظ في ترجمة إسحاق المذكور: "مجهول الحال". والمجهول لا يحتج بحديثه بحال. قوله في وقت صلاة العيد: "أخرجه أحمد بن حسن البناء من حديث جندب قال: كان النبي ﷺ يصلي بنا الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح. قال الشوكاني: هذا الحديث أحسن ما ورد في تعيين وقت صلاة العيد". وأقول: نعم لولا أنه لا يصح وقد نقله الشوكاني عن "التلخيص الحبير" للحافظ ثم قال ٣ / ٢٤٨: "ولم يتكلم عليه". قلت: لكنه قد ساق من إسناده ما يتمكن به العارف بهذا الفن أن يحكم عليه بما يستحقه من صحة أو ضعف وقد كنت نقلته عنه في "الإرواء" ٣ / ١٠١ وعقبت عليه بقولي: "لكن المعلى بن هلال الذي في إسناده اتفق النقاد على تكذيبه كما قال الحافظ في تقريبه". ثم إن الشوكاني قد انقلب عليه اسم البناء مخرج الحديث فقال كما ترى: "أحمد بن حسن" وقلده المؤلف والصواب: "الحسن بن أحمد" كما في "التلخيص" ٢ / ٨٣ وكتب الرجال وهو فقيه حنبلي له ترجمة حسنة في "شذرات الذهب" توفي سنة ٤٧١.

стр. 384

وفي الباب حديث صحيح عن عبد الله بن بسر أنه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: "إنا كنا مع النبي ﷺ قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح". أخرجه أبو داود وغيره وعلقه البخاري بصيغة الجزم وصححه الحاكم والنووي والذهبي وهو مخرج في "الإرواء" ٣ / ١٠١. و "صحيح أبي داود" ١٠٤٠. قوله تحت رقم ٧ -: "وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ ... كان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة. رواه البزار". قلت: سكوت المؤلف يوهم صحته وليس بصحيح ولا حسن فقد قال الهيثمي: "رواه البزار وجادة وفي إسناده من لم أعرفه". قلت: وفيه عبد الله بن شبيب شيخ البزار وهو واه كما قال الذهبي فكان على الهيثمي أن يعله به ولا سيما أن البزار قد قال عقبه: "لا نعلمه إلا بهذا الإسناد". كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" ١ / ٣١٥. وقد أشار المؤلف إلى ضعف الحديث فراجع كلامه عن خطبة العيد. قوله في التكبير في صلاة العيدين: "يسن ... رفع اليدين مع كل تكبيرة". قلت: الصواب أن يقال: لا يسن ذلك لأنه لم يثبت ذلك عنه ﷺ وكونه روي عن عمر وابنه لا يجعله سنة ألا ترى أن المؤلف قال بمثل قولنا في تكبيرات

стр. 385

الجنائز١ واحتج بمثل حجتنا مع أنه قد صح عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه فيها؟ فإن كان هذا يجعل التكبيرات سنة فليقل بسنيتها وإلا فليقل بعدم المشروعية في الموضعين وهو الحق ولا سيما أن رواية عمر وابنه ههنا لا تصح. أما عن عمر فرواه البيهقي بسند ضعيف. وأما عن ابنه فلم أقف عليها الآن وقد قال مالك: "لم أسمع فيه شيئا". انظر "الإرواء" ٦٤٠. وقوله: "ولم يحفظ عنه ﷺ ذكر معين بين التكبيرات ولكن روى الطبراني والبيهقي بسند قوي عن ابن مسعود من قوله وفعله أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ". قلت: قوى إسناده تبعا للحافظ في "التلخيص" وفيه عندي نظر لأن في سند الطبراني انقطاعا كما قال الهيثمي في "المجمع" وأما إسناد البيهقي فأعله ابن التركماني في "الجوهر النقي" بأن: "فيه من يحتاج إلى كشف حاله". قلت: ولعل الرجل المشار إليه هو محمد بن أيوب ولم أعرفه وفي الرواة جماعة بهذا الاسم وقد أشار ابن القيم في الزاد" إلى ضعف هذا الأثر عن ابن مسعود وهو الأرجح ويقويه قول ابن التركماني أيضا: "قد ذكر البيهقي قول ابن مسعود في الباب الذي قبل هذا من عدة طرق وذكره ابن أبي شيبة من طرق أكثر من ذلك وكذا ذكره غيرهما ولا ذكر في شيء منها للذكر بين التكبيرات ولم يرو ذلك في حديث مسند ولا عن أحد من السلف

стр. 386

فيما علمنا إلا في هذه الطريق الضعيفة وفي حديث جابر المذكور بعد هذا وفي سنده من يحتاج إلى كشف حاله وفيه أيضا علي بن عاصم قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب ... قال: ولو كان ذلك مشروعا لنقل إلينا ولما أغفله السلف ﵃". ثم وقفت لأثر ابن مسعود هذا على طريق أخرى لما قمت بتحقيق كتاب: "فضل الصلاة على النبي ﷺ " للإمام إسماعيل القاضي وذكرت هناك أن إسناده حسن وصححه الحافظ السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" ص ١٥١ - هندية فانظر "فضل الصلاة" ٣٧ / ٣٨ - طبع المكتب الإسلامي وانظر "الإرواء" ٦٤٢. قوله في خطبة العيد: "وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب". رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه". قلت: إسناده ضعيف أعله أبو داود والدارقطني وابن معين بالإرسال. وأقول: فيه ابن جريج وهو مدلس وقد عنعنه. ثم ترجح عندي الوصل على الإرسال وأن عنعنة ابن جريج هنا لا تضر كما بينته في "الإرواء" ٦٢٩ فراجعه وعليه أوردته في "صحيح أبي داود" ١٠٤٨ وصححه الحاكم والذهبي وابن خزيمة أيضا ١٤٦٢ فالحديث صحيح.

стр. 387

وقوله في خطبة العيد أيضا: "وإنما روى ابن ماجه في "سننه" عن سعيد مؤذن النبي ﷺ أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ... ". قلت: ومع أنه لا يدل على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير فإن إسناده ضعيف فيه رجل ضعيف وآخر مجهول فلا يجوز الاحتجاج به على سنية التكبير في أثناء الخطبة. قوله تحت عنوان: اللعب واللهو والغناء والأكل في الأعياد: قال الحافظ في "الفتح": وروى ابن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال يومئذ: "لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة: إني بعثت بحنيفية سمحة". قلت: الذي في "الفتح ": "السراج" بدون: "ابن" وهو الصواب وهو الحافظ الإمام الثقة أبو العباس محمد بن إسحاق النيسابوري صاحب "المسند" والتاريخ له ترجمة واسعة في "تذكرة الحفاظ" ٢ / ١٦٨ – ٢٧٢. ثم إن اقتصار الحافظ على عزوه للسراج يوهم أنه لا يوجد عند من هو أشهر منه وليس كذلك فقد أخرجه الإمام أحمد ٦ / ١٦٦ و٢٣٣ من طريق عبد الرحمن يعني ابن أبي الزناد قال: قال لي عروة ... قلت: وعبد الرحمن هذا فيه ضعف من قبل حفظه. وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد". قلت: والظاهر لي أن هذا الحديث حدث به في حالة التغير فإنه تفرد به

стр. 388

دون غيره ممن رواه عن عروة وهم جماعة من الثقات وتابع عروة على رواية أصل القصة أربعة من الثقات فلم يذكر أحد منهم هذا الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد فدل على ضعفه. ثم استدركت فقلت: وجدت له طريقا أخرى من رواية يعقوب بن زيد التيمي عن عائشة أخرجه الحميدي في "مسنده" ١ / ١٢٣ ورجاله ثقات فهو صحيح إن سلم من الانقطاع بين التيمي وعائشة وإلا فهو شاهد قوي. ولجملة: "الحنيفية السمحة" شواهد منها عن أبي أمامة وقد خرجته مع ما في معناه في "الصحيحة" ٢٩٢٤. وقد أوردت طرق الحديث الخمسة وذكرت ألفاظه وما في طرقه من الزيادات في "كتاب المساجد" من "الثمر المستطاب" ثم في "آداب الزفاف" ١٦٣ – ١٦٩. قوله تحت عنوان: فضل العمل الصالح ... : "وعند أحمد والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ... من هذه الأيام العشر فكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". قلت: عزوه للطبراني من حديث ابن عمر خطأ فإنما رواه من حديث ابن عباس كما في "الترغيب" و "المجمع" وقان الأول: "إسناده جيد". وقال الآخر: "ورجاله رجال الصحيح".

стр. 389

وفيما قالاه نظر فإنه عند الطبراني في "المعجم الكبير" من طريق خالد - وهو ابن الحارث البصري أو ابن عبد الله الواسطي - عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس. ويزيد هذا هو الهاشمي مولاهم وإنما روى له مسلم مقرونا ولم يحتج به ثم إن فيه ضعفا قال الحافظ: "ضعيف كبر فتغير صار يتلقن". ومما يدل على ضعفه في هذا الحديث أنه اضطرب في روايته فمرة رواه هكذا: "عن مجاهد عن ابن عباس" ومرة قال: "عن مجاهد عن ابن عمر". أخرجه أحمد رقم ١١٥٤. وقد تابعه على هذا الوجه موسى بن أبي عائشة. رواه أبو عوانة يعني في "صحيحه" كما في "الفتح" وهذه متابعة قوية تدل على ان للحديث أصلا عن ابن عمر فهو شاهد قوي لحديث ابن عباس الذي في الكتاب قبل هذا لكن لينظر هل توجد في رواية ابن أبي عائشة هذه الزيادة التي في آخره: "فأكثروا فيهن"؟ فإن وجدت فهي صحيحة وإلا في ضعيفة لتفرد يزيد بن أبي زياد بها والظاهر من كلام الحافظ في "الفتح" الأول فإنه بعد أن ذكر هذه الرواية من طريق أبي عوانة قال بعد صفحتين في آخر شرحه للحديث: "وقد وقع في رواية ابن عمر من الزيادة في آخره: فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد". فإن المتبادر منه أنه يعني تلك الرواية التي كان عزاها قبل لأبي عوانة ثم ذكر الحافظ أن هذه الزيادة رويت في بعض طرق حديث ابن عباس. ولكنه ضعفها. والله أعلم.

стр. 390

وقوله: "وروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي". قلت: إسناده ضعيف. والمؤلف نقله عن "الترغيب" للمنذري ٢ / ١٢٥ وهو وإن كان قد ضعفه بتصديره إياه بقوله: "روي" كما هو اصطلاحه الذي نبه عليه في المقدمة ولكنه - جزاه الله خيرا - لم يكتف بذلك بل أتبعه ببيان علته فقال بعد تخريجه المذكور: "وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه". قلت: ولذلك كنت أود لو أن المؤلف نقل تمام كلام المنذري هذا أداء للأمانة العلمية وبيانا صريحا لضعف الحديث لأن المؤلف لم يلتزم الاصطلاح المشار إليه من جهة كما تقدم بيانه في المقدمة ولأن عامة قرائه لا علم عندهم على الغالب بالمصطلحات العلمية. ثم إن الحديث قد تكلمت عليه مفصلا في "الضعيفة" ٥١٤٢. وفي استحباب التهنئة بالعيد قوله: "عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. قال الحافظ: إسناده حسن". قلت: المراد بـ "الحافظ" عند الإطلاق ابن حجر العسقلاني ولم أقف على هذا التحسين في شيء من كتبه وإنما وجدته للحافظ السيوطي في رسالته: "وصول الأماني في أصول التهاني" ص ١٠٩ من الجزء الأول من "الحاو
следующие страницы →