← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فيما علمنا إلا في هذه الطريق الضعيفة وفي حديث جابر المذكور بعد هذا وفي سنده من يحتاج إلى كشف حاله وفيه أيضا علي بن عاصم قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب ... قال: ولو كان ذلك مشروعا لنقل إلينا ولما أغفله السلف ﵃". ثم وقفت لأثر ابن مسعود هذا على طريق أخرى لما قمت بتحقيق كتاب: "فضل الصلاة على النبي ﷺ " للإمام إسماعيل القاضي وذكرت هناك أن إسناده حسن وصححه الحافظ السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" ص ١٥١ - هندية فانظر "فضل الصلاة" ٣٧ / ٣٨ - طبع المكتب الإسلامي وانظر "الإرواء" ٦٤٢. قوله في خطبة العيد: "وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب". رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه". قلت: إسناده ضعيف أعله أبو داود والدارقطني وابن معين بالإرسال. وأقول: فيه ابن جريج وهو مدلس وقد عنعنه. ثم ترجح عندي الوصل على الإرسال وأن عنعنة ابن جريج هنا لا تضر كما بينته في "الإرواء" ٦٢٩ فراجعه وعليه أوردته في "صحيح أبي داود" ١٠٤٨ وصححه الحاكم والذهبي وابن خزيمة أيضا ١٤٦٢ فالحديث صحيح.

стр. 387

وقوله في خطبة العيد أيضا: "وإنما روى ابن ماجه في "سننه" عن سعيد مؤذن النبي ﷺ أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ... ". قلت: ومع أنه لا يدل على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير فإن إسناده ضعيف فيه رجل ضعيف وآخر مجهول فلا يجوز الاحتجاج به على سنية التكبير في أثناء الخطبة. قوله تحت عنوان: اللعب واللهو والغناء والأكل في الأعياد: قال الحافظ في "الفتح": وروى ابن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال يومئذ: "لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة: إني بعثت بحنيفية سمحة". قلت: الذي في "الفتح ": "السراج" بدون: "ابن" وهو الصواب وهو الحافظ الإمام الثقة أبو العباس محمد بن إسحاق النيسابوري صاحب "المسند" والتاريخ له ترجمة واسعة في "تذكرة الحفاظ" ٢ / ١٦٨ – ٢٧٢. ثم إن اقتصار الحافظ على عزوه للسراج يوهم أنه لا يوجد عند من هو أشهر منه وليس كذلك فقد أخرجه الإمام أحمد ٦ / ١٦٦ و٢٣٣ من طريق عبد الرحمن يعني ابن أبي الزناد قال: قال لي عروة ... قلت: وعبد الرحمن هذا فيه ضعف من قبل حفظه. وقال الحافظ في "التقريب ": "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد". قلت: والظاهر لي أن هذا الحديث حدث به في حالة التغير فإنه تفرد به

стр. 388

دون غيره ممن رواه عن عروة وهم جماعة من الثقات وتابع عروة على رواية أصل القصة أربعة من الثقات فلم يذكر أحد منهم هذا الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد فدل على ضعفه. ثم استدركت فقلت: وجدت له طريقا أخرى من رواية يعقوب بن زيد التيمي عن عائشة أخرجه الحميدي في "مسنده" ١ / ١٢٣ ورجاله ثقات فهو صحيح إن سلم من الانقطاع بين التيمي وعائشة وإلا فهو شاهد قوي. ولجملة: "الحنيفية السمحة" شواهد منها عن أبي أمامة وقد خرجته مع ما في معناه في "الصحيحة" ٢٩٢٤. وقد أوردت طرق الحديث الخمسة وذكرت ألفاظه وما في طرقه من الزيادات في "كتاب المساجد" من "الثمر المستطاب" ثم في "آداب الزفاف" ١٦٣ – ١٦٩. قوله تحت عنوان: فضل العمل الصالح ... : "وعند أحمد والطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ... من هذه الأيام العشر فكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". قلت: عزوه للطبراني من حديث ابن عمر خطأ فإنما رواه من حديث ابن عباس كما في "الترغيب" و "المجمع" وقان الأول: "إسناده جيد". وقال الآخر: "ورجاله رجال الصحيح".

стр. 389

وفيما قالاه نظر فإنه عند الطبراني في "المعجم الكبير" من طريق خالد - وهو ابن الحارث البصري أو ابن عبد الله الواسطي - عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس. ويزيد هذا هو الهاشمي مولاهم وإنما روى له مسلم مقرونا ولم يحتج به ثم إن فيه ضعفا قال الحافظ: "ضعيف كبر فتغير صار يتلقن". ومما يدل على ضعفه في هذا الحديث أنه اضطرب في روايته فمرة رواه هكذا: "عن مجاهد عن ابن عباس" ومرة قال: "عن مجاهد عن ابن عمر". أخرجه أحمد رقم ١١٥٤. وقد تابعه على هذا الوجه موسى بن أبي عائشة. رواه أبو عوانة يعني في "صحيحه" كما في "الفتح" وهذه متابعة قوية تدل على ان للحديث أصلا عن ابن عمر فهو شاهد قوي لحديث ابن عباس الذي في الكتاب قبل هذا لكن لينظر هل توجد في رواية ابن أبي عائشة هذه الزيادة التي في آخره: "فأكثروا فيهن"؟ فإن وجدت فهي صحيحة وإلا في ضعيفة لتفرد يزيد بن أبي زياد بها والظاهر من كلام الحافظ في "الفتح" الأول فإنه بعد أن ذكر هذه الرواية من طريق أبي عوانة قال بعد صفحتين في آخر شرحه للحديث: "وقد وقع في رواية ابن عمر من الزيادة في آخره: فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد". فإن المتبادر منه أنه يعني تلك الرواية التي كان عزاها قبل لأبي عوانة ثم ذكر الحافظ أن هذه الزيادة رويت في بعض طرق حديث ابن عباس. ولكنه ضعفها. والله أعلم.

стр. 390

وقوله: "وروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر". رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي". قلت: إسناده ضعيف. والمؤلف نقله عن "الترغيب" للمنذري ٢ / ١٢٥ وهو وإن كان قد ضعفه بتصديره إياه بقوله: "روي" كما هو اصطلاحه الذي نبه عليه في المقدمة ولكنه - جزاه الله خيرا - لم يكتف بذلك بل أتبعه ببيان علته فقال بعد تخريجه المذكور: "وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس بن قهم وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه". قلت: ولذلك كنت أود لو أن المؤلف نقل تمام كلام المنذري هذا أداء للأمانة العلمية وبيانا صريحا لضعف الحديث لأن المؤلف لم يلتزم الاصطلاح المشار إليه من جهة كما تقدم بيانه في المقدمة ولأن عامة قرائه لا علم عندهم على الغالب بالمصطلحات العلمية. ثم إن الحديث قد تكلمت عليه مفصلا في "الضعيفة" ٥١٤٢. وفي استحباب التهنئة بالعيد قوله: "عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. قال الحافظ: إسناده حسن". قلت: المراد بـ "الحافظ" عند الإطلاق ابن حجر العسقلاني ولم أقف على هذا التحسين في شيء من كتبه وإنما وجدته للحافظ السيوطي في رسالته: "وصول الأماني في أصول التهاني" ص ١٠٩ من الجزء الأول من "الحاو

стр. 391

للفتاوي" وقد عزاه لزاهر بن طاهر في "كتاب تحفة عيد الفطر" وأبي أحمد الفرضي. ورواه المحاملي في "كتاب صلاة العيدين" ٢ / ١٢٩ / ٢ بإسناد رجاله كلهم ثقات رجال "التهذيب" غير شيخه المهنى بن يحيى وهو ثقة نبيل كما قال الدارقطني وهو مترجم في "تاريخ بغداد" ١٣ / ٢٦٦ - ٢٦٨ فالإسناد صحيح لكن خالفه حاجب بن الوليد في إسناده فلم يرفعه إلى أصحاب النبي ﷺ فقال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: "سمعت عبد الله بن بسرو عبد الرحمن بن عائذ وجبير بن نفير وخالد بن معدان يقال لهم في أيام الأعياد: تقبل الله منا ومنكم. ويقولون ذلك لغيرهم". أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في كتابه "الترغيب والترهيب" ق ٤١ / ٢ - ٤٢ / ١. فإن صح السند بهذا إلى الحاجب فإن في الطريق إليه من يحتاج إلى الكشف عن حاله فلعل مبشر بن إسماعيل حدث بهذا وهذا وبخاصة أن عبد الله بن بسر هذا - وهو المازني - صحابي صغير ولأبيه صحبة فيبعد أن يقول هو والتابعون المذكورون معه شيئا دون أن يتلقوه عن الصحابة فتكون الروايتان صحيحتين فالصحابة فعلوا ذلك فاتبعهم عليه التابعون المذكورون. والله أعلم. ويؤيد الرواية الأولى ما ذكره ابن التركماني في "الجوهر النقي" ٣ / ٣٢٠ من رواية محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا

стр. 392

يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. قال أحمد بن حنبل: إسناده جيد. ولم يذكر من رواه وقد عزاه السيوطي لزاهر أيضا بسند حسن عن محمد بن زياد الألهاني قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد لأصحابه: تقبل الله منا ومنكم. ثم كتب بعض إخواننا الطلاب تعليقا على نفيي المتقدم فقال: بل قال الحافظ في "الفتح" ٢ / ٤٤٦: "وروينا في المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير ... ". ثم ذكره. قوله في تكبيرات العبد: "ووقته في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق". قلت: صح هذا عن علي وابن عباس وقد خرجتهما في "الإرواء" ٣ / ١٢٥ ورواه الحاكم عن ابن مسعود. قوله في صيغة التكبير: "وجاء عن عمر وابن مسعود: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله اكبر ولله الحمد". قلت: كذا رواه ابن أبي شيبة بتشفيع التكبير في رواية وفي أخرى له بتثليث التكبير والمعروف الأول. انظر "الإرواء" ٣ / ١٢٥ – ١٢٦.

стр. 393

ومن الزكاة قوله تحت عنوان: ١ تعريفها: "روى الطبراني في "الأوسط" و "الصغير" عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ... " قال الطبراني: تفرد به ثابت بن محمد الزاهد: قال الحافظ: وثابت ثقة صدوق روى عنه البخاري وغيره وبقية رواته لا بأس بهم". قلت: فيه مؤاخذات: أولا: أطلق كلمة الحافظ فأوهم أنه الحافظ ابن حجر لأنه هو المقصود عند الإطلاق وليس به بل هو المنذري فإن قوله المذكور هو كلامه بالحرف في "الترغيب" ١ / ٢٦٨ وقد مضى له مثل هذا الخطأ في صلاة التسبيح ص ٢٦٠. ثانيا: أن ما نقله من كلام المنذري يوهم أن المنذري يذهب إلى تقوية الحديث مرفوعا وليس كذلك بل تمام كلامه يوهنه فإنه قال عقب ذلك: "وروي موقوفا على علي ﵁ وهو أشبه". قلت: وهذا هو الصواب لأنه روي من وجوه موقوفا عليه كما قال الطبراني في "المعجم الصغير" ص ٩١ وقد رواه كذلك أبو عبيد رقم ١٩٠٩ وسيأتي لفظه في الكتاب في آخر بحث الزكاة نقله المؤلف عن "المحلى" لابن حزم. ثالثا: من رواته كما في "الطبراني الصغير" حارث بن سريج قال ابن معين: "ليس بشيء" ووثقه في رواية. وقال النسائي: "ليس بثقة".

стр. 394

وقال موسى بن هارون: "متهم في الحديث". وقال ابن عدي: "ضعيف يسرق الحديث". فهذا الكلام من مثل هؤلاء الأئمة يسقط حديثه ويجعله واهيا ولا سيما أنه قد روي عن غيره موقوفا! رابعا: أن ثابت بن محمد الزاهد - وإن روى له البخاري - فقد ذكره هو نفسه في الضعفاء وضعفه غيره من قبل حفظه ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطئ". قوله تحت عنوان: ٢ الترغيب في أدائها: وروى أحمد بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال: ... كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ : "تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل". قلت: لم أر من صرح بتصحيحه والمصنف صححه بناء على قول المنذري: "ورجاله رجال الصحيح". وكذا قال الهيثمي ولا يلزم منه أن يكون صحيحا لاحتمال فقد شرط من شروط الصحة الأخرى كما ذكرناه في المقدمة والواقع هنا كذلك لأن شرط الاتصال فيه مفقود فالحديث في "المسند" ٣ / ١٣٦ من طريق سعيد بن أبي هلال عن أنس وسعيد هذا لم يسمع من أنس كما في "التهذيب" فهو منقطع

стр. 395

والمنقطع من أقسام الحديث الضعيف. قوله في التعليق: "لو باع النصاب في أثناء الحول أو أبدله بغير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولا آخر". قلت: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا وقع ذلك اتفاقا لا لقصد الخلاص من الزكاة كما يروى عن بعض الحنفية أنه كان إذا قارب انتهاء حول النصاب وهب المال لزوجته حتى إذا انتهى الحول استرده منها لأن العود بالهدية جائز عندهم على تفصيل فيه فمن احتال هذه الحيلة - التي يسميها بعضهم حيلة شرعية - فإني أرى أن يؤخذ منه الزكاة وشطر ماله على حديث بهز بن حكيم المذكور في الكتاب فإن المحتال أولى بهذا الجزاء من الممتنع دون حيلة فتأمل. وراجع ما سيأتي في الكتاب تحت عنوان: " الفرار من الزكاة". قوله تحت عنوان: ١٠ أداؤها وقت الوجوب: روى الشافعي والبخاري في" التاريخ" عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته". قلت: إسناده ضعيف فقد قال الشافعي ١ / ٢٤٢ من بدائع المنن: "أخبرنا محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عنها". ومحمد بن عثمان قال في "الميزان": "شيخ للحميدي قال أبو حاتم: منكر الحديث". ثم عد من مناكيره هذا الخبر. وقد ضعف الحديث المنذري في "الترغيب" والهيثمي في "المجمع"

стр. 396

والمناوي في "شرح الجامع الصغير" وغيرهم وإن شئت المزيد من التحقيق فراجع "تخريج أحاديث المشكلة" ٦٣ ثم "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ٥٠٦٩. قوله تحت عنوان: ١٢ الدعاء للمزكي: "وعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ كان إذا أتي بصدقة قال: "اللهم صل عليهم" وإن أبي أتاه بصدقة فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". رواه أحمد وغيره". قلت: لقد أبعد المؤلف النجعة فالحديث في "الصحيحين" كما في "المنتقى" وغيره ولا يجوز عزو الحديث إذا كان في "الصحيحين" أو في أحدهما إلى غيرهما إلا تبعا أو لزيادة فيه لما فيه من إيهام أنه ليس مقطوعا بصحته وهو مخرج في "إرواء الغليل" ٨٥٣ و "صحيح أبي داود" ١٤١٥. قوله تحت عنوان ضم النقدين: "من ملك من الذهب أقل من نصاب ومن الفضة كذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر ليكمل منهما نصابا لأنهما جنسان لا يضم أحدهما إلى الثاني كالحال في البقر والغنم ... ". قلت: والاحتجاج لهذا بالحديث خير من القياس قال ابن حزم - بعد أن رد على القائلين بالضم وأبطل رأيهم بالنظر ٦ / ٨٣: "وحجتنا في أنه لا يحل الجمع بينهما في الزكاة هو قول رسول الله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فكان من جمع بين الذهب والفضة قد أوجب الزكاة في أقل من خمس أواق وهذا خلاف مجرد لأمر رسول الله ﷺ ﷺ وشرع لم يأذن الله تعالى به وهم يصححون الخبر في إسقاط الزكاة في أقل من عشرين دينارا ثم يوجبونها في أقل وهذا عظيم جدا! "

стр. 397

قوله تحت عنوان: زكاة الحلي: "فذهب إلى وجوب الزكاة فيه يعني: الحلي أبو حنيفة وابن حزم إذا بلغ نصابا استدلالا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتت النبي ﷺ امرأتان في أيديهما أساور من ذهب ... ". قلت: ابن حزم لم يستدل على ما ذهب إليه بهذا الحديث لأنه ضعيف عنده كما صرح بذلك في "المحلى" ٦ / ٧٨ - ٧٩ وإنما احتج بالعمومات وقد قال ص ٨٠: "لو لم يكن إلا هذه الآثار لما قلنا بوجوب الزكاة في الحلي لكن لما صح عن رسول الله ﷺ : "في الرقة ربع العشر" ١ "وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم" وكان الحلي ورقا وجب فيه حق الزكاة لعموم هذين الأثرين الصحيحين وأما الذهب فقد صح عن رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهب لا يؤدي ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها" فوجبت الزكاة في كل ذهب بهذا النص ... ". قلت: نقلت هذا لبيان الحقيقة ولكي لا ينسب لأحد ما لم يقله وإلا فإني لا أوافق ابن حزم على تضعيف عمرو بن شعيب بل هو حسن الحديث إذا صح الإسناد إليه وهذا منه. والعمومات التي ساقها ابن حزم تشهد له. قوله تحت عنوان: زكاة الحلي: "وعن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ﷺ وعلينا أسورة من ذهب فقال لنا: "أتعطيان زكاته؟ " قالت: فقلنا: لا. قال: "أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار؟ أديا زكاته".

стр. 398

قال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده حسن". قلت: كلا ليس بحسن فإن إسناده في "المسند" ٦ / ٤٦١ هكذا: ثنا علي بن عاصم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عنها. وهذا سند ضعيف من أجل شهر وقد سبق القول فيه وعلي بن عاصم قال في "التقريب": "صدوق يخطىء ويصر". قلت: وقد أخطأ في هذا الحديث على ضعفه فزاد فيه ذكر الزكاة فقد أخرج الحديث أحمد أيضا ٦ / ٤٥٣ و٤٥٤ و٤٥٥ و٤٥٩ و٤٦٠ من طرق عن شهر به دون هذه الزيادة فالحديث وارد في تحريم أساور الذهب على النساء لا في إيجاب زكاة الحلي. فتأمل. والتحريم له شواهد كثيرة وقد جمعتها في فصل خاص ذهبت فيه تبعا لبعض السلف إلى استثناء الذهب المحلق من عموم حل الذهب للنساء وقد أودعته في رسالتي "آداب الزفاف في السنة المطهرة" وقد أجبت فيه عن شبهات المخالفين والمقلدين فراجعه فإنه هام جدا ص ١٣٢ – ١٦٨.

стр. 399

ومن زكاة التجارة قوله في التعليق تفسيرا لقوله ﷺ : "وفي البز صدقته": "البز: متاع البيت". قلت: في "القاموس": "البز: الثياب أو متاع البيت من الثياب ونحوها" فتفسيره بالثياب هو المناسب للمقام وإلا فمتاع البيت لا زكاة عليه اتفاقا. ثم اعلم أن هذا الحديث وحديث سمرة الذي قبله ضعيفان ليس لهما إسناد ثابت١ وحسن الحافظ بعض طرق الثاني وظاهره كذلك وجريت عليه مدة من الزمن ثم ظهر لي أن فيه موسى بن عبيدة الضعيف كما بينته رواية الدارقطني والمخلص لكنه سقط من إسناد الحاكم فصححه هو وحسنه الحافظ وهما معذوران. ثم إن الحديث فيه لفظة اختلفت النسخ فيها وهي: "البز" فهي في بعضها البز بفتح الموحدة والزاي المعجمة وقد صرح بذلك موسى بن عبيدة وقد علمت ضعفه وفي بعضها "البر" بالباء المضمومة والراء المهملة ولم يتبين لنا ولا لكثيرين قبلنا أيهما الأرجح وهذا كما قال صديق خان في "الروضة": "مما يوجب الاحتمال فلا يتم الاستدلال". قلت: هذا لو صح الحديت فكيف به وهو ضعيف؟! والحق أن القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة مما لا دليل عليه في الكتاب والسنة الصحيحة مع منافاته لقاعدة "البراءة الأصلية" التي يؤيدها هنا قوله

стр. 400

صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ... ". الحديث. رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في "الإرواء" ١٤٥٨. ومثل هذه القاعدة ليس من السهل نقضها أو على الأقل تخصيصها ببعض الآثار ولو صحت كقول عبد الله بن عمر ﵄: "ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة". أخرجه الإمام الشافعي في "الأم" بسند صحيح. ومع كونه موقوفا غير مرفوع إلى النبي ﷺ فإنه ليس فيه بيان نصاب زكاتها ولا ما يجب إخراجه منها فيمكن حمله على زكاة مطلقة غير مقيدة بزمن أو كمية وإنما بما تطيب به نفس صاحبها فيدخل حينئذ في عموم النصوص الآمرة بالإنفاق كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْْ ... ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وكقول النبي ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا". رواه الشيخان وغيرهما. وهو مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم ٩٢٠. وقد صح شيء مما ذكرته عن بعض السلف فقال ابن جريج: قال لي عطاء:

стр. 401

"لا صدقة في اللؤلؤ ولا زبرجد ولا ياقوت ولا فصوص ولا عرض ولا شيء لا يدار أي لا يتاجر به وإن كان شيئا من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع". أخرجه عبد الرزاق ٤ / ٨٤ / ٧٠٦١ وابن أبي شيبة ٣ / ١٤٤ وسنده صحيح جدا. والشاهد منه قوله: "ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع". فإنه لم يذكر تقويما ولا نصابا ولا حولا ففيه إبطال لادعاء البغوي في "شرح السنة ٦ / ٥٣ الإجماع على وجوب الزكاة في قيمة عروض التجارة إذا كانت نصابا عند تمام الحول كما زعم أنه لم يخالف في ذلك إلا داود الظاهري! وإن مما يبطل هذا الزعم أن أبا عبيد ﵀ قد حكى في كتابه "الأموال" ٤٢٧ / ١١٩٣ عن بعض الفقهاء أنه لا زكاة في أموال التجارة. ومن المستبعد جدا أن يكون عنى بهذا البعض داود نفسه لأن عمره كان عند وفاة الأمام أبي عبيد أربعا وعشرين سنة أو أقل ومن كان في هذا السن يبعد عادة أن يكون له شهرة علمية بحيث يحكي مثل الإمام أبي عبيد خلافه وقد توفي سنة ٢٢٤ وولد داود سنة ٢٠٠ أو ٢٠٢ فتأمل. ولعل أبا عبيد أراد بذاك البعض عطاء بن أبي رباح فقد قال إبراهيم الصائغ: "سئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى حضر زكاته أعليه أن يقوم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه فيخرج زكاته؟ قال: لا ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه". أخرجه ابن زنجويه في كتابه "الأموال" ٣ / ٩٤٦ / ١٧٠٣ بسند حسن

стр. 402

كما قال المعلق عليه الدكتور شاكر ذيب فياض وهو شاهد قوي لرواية ابن جريج المتقدمة. وجملة القول أن المسألة لا يصح ادعاء الإجماع فيها لهذه الآثار وغيرها مما ذكره ابن حزم في "المحلى" الأمر الذي يذكرنا بقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعلهم اختلفوا". وصدق - جزاه الله خيرا - فكم من مسالة ادعي فيها الإجماع ثم تبين أنها من مسائل الخلاف وقد ذكرنا أمثلة منها في بعض مؤلفاتنا مثل "أحكام الجنائز" و "آداب الزفاف" وغيرها. وقد أشبع ابن حزم القول في مسألتنا هذه وذهب إلى أنه لا زكاة في عروض التجارة ورد على أدلة القائلين بوجوبها وبين تناقضهم فيها ونقدها كلها نقدا علميا دقيقا فراجعه فإنه مفيد جدا في كتابه "المحلى" ٦ / ٢٣٣ – ٢٤٠. وقد تبعه فيما ذهب إليه الشوكاني في "الدرر البهية" وصديق حسن خان في شرحه "الروضة الندية" ١ / ١٩٢ - ١٩٣ ورد الشوكاني على صاحب "حدائق الأزهار" قوله بالوجوب في كتابه "السيل الجرار" ٢ / ٢٦ - ٢٧ فليراجعه من شاء. وقد رد عليه أيضا قوله بوجوب الزكاة على "المستغلات"١ الذي تبناه بعض الكتاب في العصر الحاضر فقال الشوكاني ﵀ ٢ / ٢٧: "هذه مسألة لم تطن على أذن الزمن ولا سمع بها أهل القرن الأول الذين هم خير القرون ولا القرن الذي يليه ثم الذي يليه وإنما هي من الحوادث

стр. 403

اليمنية والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإسلامية عنى اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم ولا توجد عليها أثارة من علم ولا من كتاب ولا سنة ولا قياس. وقد عرفناك أن أموال المسلمين معصومة بعصمة الإسلام لا يحل أخذها إلا بحقها وإلا كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. وهذا المقدار يكفيك في هذه المسألة". وراجع لها "الروضة الندية" ١ / ١٩٤ تزدد فقها وعلما. فائدة هامة: قد يدعي بعضهم أن القول بعدم وجوب زكاة عروض التجارة فيه إضاعة لحق الفقراء والمساكين في أموال الأغنياء والمثرين. والجواب من وجهين: الأول: أن الأمر كله بيد الله تعالى فليس لأحد أن يشرع شيئا من عنده بغير إذن من الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ألا ترى أنهم أجمعوا على أنه لا زكاة على الخضروات على اختلاف كثير بينهم مذكور عند المصنف وغيره واتفقوا على أنه لا زكاة على القصب والحشيش والحطب مهما بلغت قيمتها فما كان جوابهم عن هذا كان الجواب عن تلك الدعوى على أن المؤلف قد جزم أنه لم تكن تؤخذ الزكاة من الخضروات ولا من غيرها من الفواكه إلا العنب والرطب. فأقول: فهذا هو الحق وبه تبطل الدعوى من أصلها. والآخر: أن تلك الدعوى قائمة على قصر النظر في حكمة فرض الزكاة أنها لفائدة الفقراء فقط والأمر على خلافه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ الآية. فإذا كان الأمر كذلك ووسعنا النظر في الحكمة قليلا وجدنا أن الدعوى المذكورة باطلة لأن طرح

стр. 404

الأغنياء أموالهم ومتاجرتهم بها أنفع للمجتمع - وفيه الفقراء - من كنزها ولو أخرجوا زكاته ولعل هذا يدركه المتخصصون في علم الاقتصاد أكثر من غيرهم والله ولي التوفيق. وأما الأثر الذي أورده المؤلف في حكم زكاة التجارة عن عمر فهو ضعيف لأن أبا عمرو بن حماس ووالده مجهولان كما قال ابن حزم ولا يخدج فيه توثيق ابن حبان للوالد لما نبهنا عليه مرارا أن توثيق ابن حبان لا يوثق به لتساهله في ذلك ولذلك لم يعتد الحافظ به فصرح في "بلوغ المرام" بأن إسناده لين! وأما ما نقله المؤلف عقب ذلك عن "المغني" قال: "وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعا"! فيقال: أثبت العرش ثم انقش على أنه لو ثبتت القصة فليس فيها ما يدل على الإجماع البتة يوضحه قول ابن رشد بعد أن أشار إلى هذه القصة وقول ابن عمر المتقدم: "ولا مخالف لهم من الصحابة وبعضهم يرى أن مثل هذا إجماع من الصحابة أعني إذا نقل عن واحد منهم قول ولم ينقل عن غيره خلافه وفيه ضعف". قلت: وفيه الخلاف الذي شرحته آنفا؟! قوله في "زكاة الزروع": "وأن مذهب الحسن البصري والشعبي أنه لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب لأن ما عداه لا نص فيه واعتبر الشوكاني هذا المذهب الحق". قلت: وهو الذي يجب الوقوف عنده لقوله ﷺ لأبي موسى ومعاذ حين أرسلهما إلى اليمن:

стр. 405

"لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر". أخرجه البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا على ما بينته في "إرواء الغليل" ٨٠١ وهو اختيار أبي عبيد في كتابه "الأموال" فراجع كلامه فيه رقم ١٣٨١ ١٤٠٩ وبه يرتاح المسلم من الأقوال المختلفة المتضاربة مما سينقله المؤلف والتي ليس عليها دليل سوى الرأي! لكن هنا ملاحظات دقيقة يجب التنبيه عليها وهي: أولا: أن في حديث معاذ: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة ... " فذكرها وليس فيها الذرة وبها تصبح الأربعة خمسة وهي عندي منكرة لأنها مع مخالفتها لهذا الحديث الصحيح فليس لها طريق تقوم بها الحجة وهي: الأولى: رواية ابن ماجه التي ذكرها المؤلف آنفا وأفاد أن فيها العرزمي المتروك وهي في "ابن ماجه" ١٨١٥ من روايته عن عمرو بن شعيب عن آبائه. الثانية: رواية البيهقي ٤ / ١٢٩ من طريق عتاب الجزري عن خصيف عن مجاهد قال: "لم تكن الصدقة في عهد رسول الله ﷺ إلا في خمسة أشياء ... " فذكر الأربعة وزاد: "والذرة". وهذا مع كونه مرسلا فهو ضعيف لأن عتابا وخصيفا ضعيفان. الثالثة: رواية البيهقي أيضا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: فذكر نحو حديث مجاهد لكن قال ابن عيينة:

стр. 406

"أراه قال: والذرة". وهذا مع شكه في هذه الزيادة ففيه أمران: الأول: أن شيخه عمرو بن عبيد - وهو شيخ المعتزلة - قال الذهبي في "الضعفاء": "سمع الحسن كذبه أيوب ويونس وتركه النسائي". قلت: فمثله لا يستشهد به ولا كرامة هذا لو ثبت ذلك عنه فكيف وفيه ما يأتي: والآخر: أن سفيان لم يثبت على شكه المذكور ففي رواية أخرى للبيهقي عن سفيان بلفظ: "السلت" ولم يذكر "الذرة". و"السلت": ضرب من الشعير أبيض لا قشر له كما في "النهاية" وحينئذ فهو صنف من الأصناف الأربعة فلا اختلاف بين هذه الرواية والحديث الصحيح كما لا يخفى. ويبدو أنه خفي على الإمام الشوكاني ﵀ مثل هذا التحقيق فإنه بعد أن ذكر رواية عمرو بن شعيب التي فيها المتروك استدرك فقال في "النيل" ٤ / ١٢٢: "ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن"! وكأنه ﵀ لم يتتبع أسانيدها وإلا لم يقل هذا كيف ومرسل الحسن فيه المتروك أيضا مع الشك الذي في إحدى الروايتين عنه؟! والأخرى - لو صحت - تشهد للحديث الصحيح وليس لهذه الزيادة المنكرة!

стр. 407

ومرسل مجاهد ضعيف كما سبق بيانه ولا يشهد له رواية العرزمي لشدة ضعفه مع مخالفته للحديث الصحيح وشواهده. ولعل الشوكاني غره قول البيهقي عقب الشواهد المشار إليها ومرسل مجاهد والحسن المذكورين وساق شاهدا ثالثا بسنده عن الشعبي بمعنى الحديث الصحيح قال البيهقي عقبها: "هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضا ومعها رواية أبي بردة عن أبي موسى ومعها قول بعض الصحابة". فهو يعني ما اتفقت عليه الروايات مع رواية أبي بردة عن أبي موسى وهي صحيحة كما تقدم وليس يعني مطلقا ما تفرد به بعض الضعفاء والمتروكين فتنبه. وقد ترتب من خطأ تصحيح هذه الزيادة المنكرة خطأ آخر فقهي وهو حشر الشوكاني الذرة في جملة الأصناف الأربعة التي تجب عليها الزكاة! في كتابه "الدرر البهية" وتبعه على ذلك شارحه في كتابه "الروضة الندية" ٢ / ١٩٥ واستدل عليها بحديث أبي موسى والمراسيل المذكورة آنفا وأتبعها بكلام البيهقي الذي مر آنفا دون أن يتنبه لمقصوده الذي ذكرته قريبا. ولعله تنبه له فيما بعد فقد أعاد ذكر حديث أبي موسى مع الإشارة إلى الروايات الأخرى ولكنه أتبعها بقوله ١ / ٢٠٠: "وفي بعضها ذكر الذرة ولكن من طريق لا تقوم بمثلها حجة". وهذا هو الصواب فكان عليه أن يعود إلى متن شرحه ويرفع منه لفظة: "الذرة" ليطابق ذلك ما انتهى إليه من الصواب. ولعل الشوكاني رجع إلى الصواب أيضا فإنه لم يذكر في كتابه "السيل

стр. 408

الجرار" سوى الأصناف الأربعة فلم يذكر "الذرة" مطلقا وذكر ٢ / ٤٣ أن الأحاديث الواردة فيها تنهض بمجموعها للعمل بها كما أوضحناه في شرحنا للمنتقى. هذا كله فيما يتعلق بقولنا أولا. وثانيا: إن حشر "الذرة" في مذهب الحسن البصري خطأ لأنه قد صح من طرق عنه: أنه كان لا يرى العشر إلا في ... فذكر الأصناف الأربعة فقط. أخرجه أبو عبيد ٤٦٩ / ١٣٧٩ - ١٣٨٠ وابن زنجويه ١٠٣٠ / ١٨٩٩ بأسانيد صحيحة عنه. ثالثا: قول المؤلف: "لأن ما عداه لا نص فيه". يشعر بأن الصنف الخامس "الذرة" فيه نص يعتد به وقد عرفت ما فيه وزيادة في الإفادة أقول: إن قول الحسن هذا هو الذي ينبغي اعتماده لمطابقته للحديث الصحيح وكنت أرجو للمؤلف أن يلفت النظر إليه كي لا يضيع القارئ في غمرة الأقوال المختلفة التي ساقها في هذا الباب كما كنت أستحب له أن يروي لهم قول عبد الله بن عمر الذي رواه أبو عبيد ٤٦٩ / ١٣٧٨ بسنده الصحيح عنه في صدقة الثمار والزرع قال: "ما كان من نخل أو عنب أو حنطة أو شعير". لما فيه من زيادة اطمئنان لصحة قوله ﵀ ولهذا قال أبو عبيد وابن زنجويه في كتابيهما: "والذي نختاره في ذلك الاتباع لسنة رسول الله ﷺ والتمسك بها: أنه لا

стр. 409

صدقة في شيء من الحبوب إلا في البر والشعير ولا صدقة في شيء من الثمار إلا في النخل والكرم لأن رسول الله ﷺ لم يسم إلا إياها مع قول من قال به من الصحابة والتابعين ثم اختيار ابن أبي ليلى وسفيان إياه لأن رسول الله ﷺ حين خص هذه الأصناف الأربعة للصدقة وأعرض عما سواهما قد كان يعلم أن للناس أموالا وأقواتا مما تخرج الأرض سواها فكان تركه ذلك وإعراضه عنه عفوا منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق". قلت: وهذه الحجة الأخيرة تنسحب أيضا على عروض التجارة فإنها كانت معروفة في عهد النبي ﷺ وذكرت في القرآن والأحاديث مرارا كثيرة وبمناسبات شتى فسكوته ﷺ عنها وعدم تحدثه عنها بما يجب عليها من الزكاة التي ذهب إليها بعضهم فهو عفو منه أيضا لحكمة بالغة سبق لفت النظر إلى شيء منها مما ظهر لنا والله أعلم. قوله تحت عنوان: تقدير النصاب في النخيل: أن النبي ﷺ قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ... ". قلت: إسناده ضعيف فيه من لا يعرف عند الذهبي وغيره ولا عبرة بتصحيح من ذكرهما المؤلف لأنهما من المتساهلين وحسبك دليلا على ذلك أن الترمذي - على تساهله الذي عرف به - لما أخرج الحديث سكت عنه ولم يحسنه ولذلك خرجته في "الضعيفة" ٢٥٥٦ و "ضعيف أبي داود" ٢٨١. والأثر الذي ذكره المؤلف بعده عن بشير بن يسار قال: بعث عمر بن الخطاب ... الخ. رواه أبو عبيد في "الأموال" ٤٨٦ / ١٤٤٩ وابن أبي شيبة ٣ / ١٩٤ بسند رجاله ثقات لكنه منقطع بين بشير وعمر فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن صغار الصحابة كأنس وغيره.

стр. 410

والأثر الذي بعده عن مكحول مرسل أيضا. رواه أبو عبيد ١٤٥٣ ورجاله ثقات. قوله تحت عنوان: زكاة العسل: "قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح". أقول: ليس هذا على إطلاقه فقد روي فيه أحاديث أحسنها حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وأصح طرقه إليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب ... بلفظ: "جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وكان سأله أن يحمي له واديا يقال له: سلبته فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبته وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء". قلت: وهذا إسناد جيد وهو مخرج في "الإرواء" رقم ٨١٠ وقواه الحافظ في "الفتح" فإنه قال عقبه ٣ / ٣٤٨: "وإسناده صحيح إلى عمرو وترجمة عمرو قوية على المختار لكن حيث لا تعارض إلا أنه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر ابن الخطاب". وسبقه إلى هذا الحمل ابن زنجويه في "الأموال" ١٠٩٥ - ١٠٩٦ ثم الخطابي في "معالم السنن" ١ / ٢٠٨ وهو الظاهر والله أعلم. ولدقة المسألة حديثيا وفقهيا اضطرب فيه رأي الشوكاني فذهب في "نيل الأوطار" ٤ / ١٢٥ إلى عدم وجوب الزكاة على العسل وأعل أحاديثه كلها وأما

стр. 411

في "الدرر البهية" فصرح بالوجوب وتبعه شارحه صديق خان في "الروضة الندية" ١ / ٢٠٠ وأيد ذلك الشوكاني في "السيل الجرار" ٢ / ٤٦ - ٤٨ وقال: "وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضا". فلم يتنبه إلى الفرق واختلاف دلالة بعضها عن بعض فهذه الطريق الصحيحة دلالتها مقيدة بالحمى كما رأيت والأخرى مطلقة ولكنها ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها كما قال هو نفسه في "النعل" ثم تبنى العمل بها في المصدرين المشار إليهما ونسي قاعدة "حمل المطلق على المقيد" التي يكررها في كثير من المسائل التي تتعارض فيها الأدلة فيجمع بينها بها. إذا تبين هذا فنستطيع أن نستنبط مما سبق أن المناحل التي تتخذ اليوم في بعض المزارع والبساتين لا زكاة عليها اللهم إلا الزكاة المطلقة بما تجود به نفسه على النحو الذي سبق ذكره في عروض التجارة. والله أعلم.

стр. 412

ومن زكاة الركاز والمعدن قوله: "وقال أبو حنيفة: هو يعني: الركاز اسم لما ركزه الخالق أو المخلوق". قلت: الصواب أن يقال: "وقال الحنفية المتأخرون ... " لأن أبا حنيفة وأصحابه القدامى يحددون الركاز فيما خلقه الله تعالى في الأرض من الذهب والفضة فقط فقال أبو يوسف في "الخراج" ص ٢٦: "وأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت فيه". وذكر نحوه الإمام محمد في "الموطأ" ص ١٧٤ ثم قال: "فيها الخمس وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا". واحتج الإمام محمد وغيره بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "في الركاز الخمس" قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت". أخرجه البيهقي وضعفه جدا ونقل تضعيفه عن الشافعي وضعفه أيضا الزيلعي الحنفي في "نصب الراية" فراجعه ٢ / ٣٨٠. وعلته أن فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وضعف اتفاقا وقد ظن صديق خان أنه والده سعيد بن أبي سعيد فقال: إنه ثقة محتج به في "الصحيحين". فلذلك احتج به. وقد نقلت كلامه في ذلك ورددت عليه وعلى غيره ممن خفي عليهم حال الحديث في رسالتي "أحكام الركاز". وقد حققت في هذه الرسالة أن الركاز لغة: المعدن والمال المدفون كلاهما وشرعا: هو دفين الجاهلية وقد أوردت فيها الشواهد والأدلة على ذلك

стр. 413

وهو المراد بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المذكور في الكتاب: " ... وفي الركاز الخمس" وهو مخرج في "الإرواء" ٨١٢ عنه من طرق. قوله تحت عنوان: صفة الركاز الذي يتعلق به وجوب الزكاة: "وله يعني: الشافعي قول آخر أن الخمس لا يجب في الأثمان: الذهب والفضة". قلت: وهو الذي استظهره الصنعاني فقال: "الركاز في الأظهر: الذهب والفضة". وهذا خطأ مخالف للغة فإن الركاز فيها: "المال المدفون في الأرض" كما سبق آنفا و "المال" لغة: "ما ملكته من شيء" فيستنتج من هاتين المقدمتين أن الركاز كل ما دفن من المال فلا يختص بالنقدين وهو مذهب الجمهور واختاره ابن حزم ومال إليه ابن دقيق العيد وكان مالك يتردد في ذلك ثم استقر رأيه آخر الأمر على هذا القول المختار كما في "المدونة" وقد ذكرت نص كلامه في الرسالة السابقة الذكر. قوله تحت عنوان: الواجب في الركاز: "وعند الشافعي في الجديد: يعتبر النصاب فيه". يعني الركاز. قلت والظاهر من إطلاق الحديث: "وفي الركاز الخمس عدم اشتراط النصاب وهو مذهب الجمهور واختاره ابن المنذر والصنعاني والشوكاني وغيرهم وقد احتج الشافعي في قوله الجديد بحجة نقلية واهية أوردتها في الرسالة المذكورة وبينت ضعفها. قوله: "مصرف الخمس". قلت: ذكر فيه قولين مشهورين:

стр. 414

أحدهما: أن مصرفه مصرف الزكاة. والآخر: مصرفه مصرف الفيء. وليس في السنة ما يشهد صراحة لأحد القولين على الآخر ولذلك اخترت في "أحكام الركاز" أن مصرفه يرجع إلى رأي إمام المسلمين يضعه حيثما تقتضيه مصلحة الدولة وهو الذي اختاره أبو عبيد في "الأموال". وكأن هذا هو مذهب الحنابلة حيث قالوا في مصرف الركاز: "يصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلها". قوله تحت عنوان: المال المستفاد: "فمن كان عنده من عروض التجارة أو الحيوان ما يبلغ نصابا فربحت العروض وتوالد الحيوان أثناء الحول وجب إخراج الزكاة عن الجميع: الأصل والمستفاد وهذا لا خلاف فيه". قلت: لعله يعني بين المذاهب الأربعة وإلا فقد خالف فيه ابن حزم فقال: "كل فائدة فإنما تزكى لحولها لا لحول ما عنده من جنسها وإن اختلطت عليه الأحوال". انظر تفصيل كلامه هذا في "المحلى" ٦ / ٨٣ - ٨٦ وهذا المذهب أقرب إلى ظاهر قوله ﷺ : "ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول" لولا أن فيه حرجا في بعض الأحوال فالأقرب في مثل هذه الحالة أن يلحق بالأصل ويزكى وراجع "الأموال" لأبي عبيد.

стр. 415

قوله تحت عنوان: هلاك المال ... : "وقال الشافعي و ... و.... إن تلف النصاب قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة وإن تلف بعده لم تسقط ورجح ابن قدامة هذا الرأي ... ". قلت: وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد منهم شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات العلمية" ص ٥٨. قوله تحت عنوان: دفع القيمة بدل العين: "وقد روى البخاري معلقا بصيغة الجزم أن معاذا قال لأهل اليمن: ايتوني بعرض١ ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة". قلت: في هذا الكلام إشعار بأن الأثر المذكور عن معاذ صحيح وليس كذلك فإنما علقه البخاري هكذا: "قال طاوس: قال معاذ ... " وهذا منقطع بين طاوس ومعاذ قال الحافظ في شرحه: "هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع فلا يغتر بقول من قال: "ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده" لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه وأما باقي الإسناد فلا؟ إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده". ثم لو صح هذا الأثر لم يدل على قول أبي حنيفة أنه لا فرق بين القيمة والعين بل يدل لقول من يجوز إخراج القيمة مراعاة لمصلحة الفقراء والتيسير على الأغنياء وهو اختيار ابن تيمية قال في "الاختيارات": "ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل

стр. 416

أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري تمرا أو حنطة فإنه قد ساوى الفقير بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك ومثل أن تجب عليه شاة في الإبل وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف ولا يكلف السفر لشراء شاة أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم فهذا جائز". قوله تحت عنوان: هل يعطى القوي المكتسب من الزكاة؟: "قال النووي: سئل النزالي عن القوي من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالتكسب بالبدن هل له أخذ الزكاة من سهم الفقراء؟ فقال: نعم وهذا صحيح جار على أن المعتبر حرفة تليق به". قلت: الحرفة مهما تدنت فهي أشرف للمسلم وخير له من البطالة ومن أن يتكفف أيدي الناس أعطوه أو منعوه والاعتبار المذكور لا يجوز في نظري أن يخصص به قوله ﷺ : "لا تحل الصدقة ... لذي مرة سوي". فتأمل. قوله تحت عنوان: وفي سبيل الله: "والحج ليس من سبيل الله التي تصرف فيها الزكاة". قلت: بلى هو من سبيل الله بنص حديث رسول الله ﷺ فقد قال ابن عباس ﵁: أراد رسول الله الحج فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ فقال: ما عندي ما أحجك عليه قالت: أحجني على جملك فلان قال: ذاك حبيس في سبيل الله فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله لأنها سألتني الحج معك قالت: أحجني مع رسول الله ﷺ فقلت: ... فقالت: أحجني على جملك فلان فقلت: ذاك حبيس في سبيل

стр. 417

الله فقال ﷺ : "أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله" الحديث. أخرجه أبو داود بسند حسن والطبراني في "الكبير" والحاكم وصححه وابن خزيمة في "صحيحه" وله شاهد من حديث أبي طلق أخرجه الدولابي في "الكنى" بسند صحيح وقواه المنذري والحافظ. ولذلك قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية المشار إليها: "وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق الحج من سبيل الله للحديث". يريد هذا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في "الاختيارات العلمية": "ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به وهو إحدى الروايتين عن أحمد". وقد رواه أبو عبيد في "الأموال" رقم ١٩٧٦ عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: أما إنه في سبيل الله. وإسناده صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" ٣ / ٢٥٨. وروى أبو عبيد رقم ١٧٨٤ و١٩٦٥ بسند صحيح عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق الرقبة" وإعلال أبي عبيد له بأن أبا معاوية انفرد به ليس بشيء لأن من رواية أبا معاوية ثقة وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش كما في "التقريب" وهذا من روايته عنه وقد تابعه عنه عبدة بن سليمان كما في "الفتح" فزالت شبهة تفرد أبي معاوية به وانظر "إرواء الغليل" ٣ / ٣٧٦ – ٣٧٧.

стр. 418

ومن الغرائب أن ينكر حضرة المؤلف ما جاء به النص وهو كون الحج من سبيل الله ثم هو يسلم بما نقله بعد هذا عن السيد رشيد في "المنار": أن من سبيل الله بناء المستشفيات الخيرية العامة وإعداد الدعاة إلى الإسلام ... والنفقة على المدارس الشرعية وغيرها ... الخ. مع أن تفسير الآية بهذا المعنى الواسع الشامل لجميع الأعمال الخيرية مما لم ينقل عن أحد من السلف فيما ع لمت وإن كان جنح إليه صديق حسن خان في "الروضة الندية" فهو مردود عليه ولو كان الأمر كما زعم لما كان هناك فائدة كبرى في حصر الزكاة في المصارف الثمانية في الآية الكريمة ولكان يمكن أن يدخل في سبيل الله كل أمر خيري مثل بناء المساجد ونحوها ولا قائل بذلك من المسلمين بل قال أبو عبيد في "الأموال" فقرة ١٩٧٩: "فأما قضاء الدين عن الميت والعطية في كفنه وبنيان المساجد واحتفار الأنهار وما أشبه ذلك من أنواع البر فإن سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء مجمعون على أن ذلك لا يجزي من الزكاة لأنه ليس من الأصناف الثمانية". وسيذكر المؤلف نحو هذا فيما يأتي. قوله تحت عنوان: من الذي يقوم بتوزيع الزكاة؟: "كان رسول الله ﷺ يبعث نوابه ليجمعوا الصدقات ويوزعها على المستحقين وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة فلما جاء عثمان سار على هذا النهج زمنا إلا أنه لما رأى كثرة الأموال الباطنة ووجد أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي تفتيشها ضررا بأربابها فوض أداء زكاتها إلى أصحاب الأموال". قلت: فيه ملاحظات:

стр. 419

الأولى: لم أجد في السنة أن النبي ﷺ كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه ولا وجدت أحدا من المحدثين ذكر ذلك بل صرح ابن القيم بنفي ذلك بل إنه نفى أن يكون البعث المذكور في الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه حيث قال في "الزاد": "كان ﷺ يبعث سعاته إلى البوادي ولم يكن يبعثهم إلى القرى ولم يكن من هديه ﷺ أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزروع والثمار". ولو صح ما ذكره المؤلف لكان دليلا من السنة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمل. وقال أبو عبيد رقم ١٦٤٤: "سنة الصامت خاصة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه". ثانيا: لم أجده كذلك عن الخلفاء الثلالة بل روى أبو عبيد رقم ١٨٠٥ والبيهقي ٤ / ١١٤ عن أبي سعيد المقبري قال: "أتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي - قال: وأتيته بمائتي درهم - فقال: أعتقت يا كيسان؟ فقلت: نعم فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها". إسناده جيد. فهذا عمر ﵁ قد أولج تفريق الزكاة إلى صاحبها خلافا لما نقله المؤلف عنه وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ "باب الرجل يتولى تفرقة زكاة ماله الباطنة بنفسه". ثالثا: ما نقله عن عثمان أنه سار على ذلك النهج ... الخ لم أجد له أصلا

стр. 420

في شيء من كتب الآثار ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما علمت. والظاهر أن المؤلف نقله - وكذا ما قبله - من بعض كتب الفقه أو غيرها التي لا تتحرى الثابت مما يروى. والله أعلم. قوله تحت عنوان: براءة رب المال بالدفع إلى الإمام ... : "١ - فعن أنس قال: أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك ... رواه أحمد". قلت: هو من تمام الحديث المتقدم في أول كتاب "الزكاة" وقد بينا هناك أنه ضعيف لانقطاعه وأن المؤلف اغتر بقول من قال: "رجاله رجال الصحيح"! قوله تحت عنوان: نهي المزكي أن يشتري صدقته وقد ذكر قول من رخص بشرائها: "ورجح هذا الرأي ابن حزم واستدل بحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله ... ". قلت: الذي يتبادر لي من الحديث أن المراد به صدقة تصدق بها رجل على فقير ثم اشتراها منه غير المتصدق عليه ولو سلمنا أنه يشمل المتصدق عليه أيضا فهو مخصوص بحديث عمر: "لا تبتعه" فلا يحل له ذلك. ويؤيد هذا الجمع قوله في تمام حديث عمر: "لا تعد في صدقتك" فإن حديث أبي سعيد على التفسير الذي ذهبت إليه ليس فيه العود في الصدقة. فتأمل قوله تحت عنوان: نقل الزكاة: "وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني قلوصا. رواه الترمذي وحسنه". قلت: في إسناده عند الترمذي ٦٥٢ أشعث عن عون بن أبي جحيفة

стр. 421

وأشعث هذا هو ابن سوار الكوفي قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف". ولعل تحسين الترمذي إياه إنما هو لشواهده كحديث معاذ الذي ذكره المؤلف قبله وحديث عمران الذي بعده. قوله: "وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف فان صدقته وعشره في مخلاف عشيرته. رواه الأثرم في سننه". قلت: هذا منقطع بين طاوس ومعاذ فإنه لم يسمع منه كما قال الحافظ في متن آخر تقدم تحت عنوان: "دفع القيمة بدل العين" وهذا أخرجه ابن زنجويه ١١٩٣ نحوه. ثم قال المؤلف: "فعن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ ... رواه أبو عبيد". هذا الإسناد منقطع فإن عمرو بن شعيب لم يدرك معاذا وبين وفاتيهما مائة سنة. فائدة: "جند" بفتحتين بلد باليمن كما في "القاموس" وغيره.

стр. 422

ومن زكاة الفطر قوله تحت عنوان: قدرها: "قال أبو سعيد الخدري: كنا إذا كان فينا رسول الله ﷺ نخرج زكاة الفطر ... صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب ... رواه الجماعة". استدل المؤلف بهذا على أن الواجب في القمح صاع لقوله فيه: "صاعا من طعام" وذلك يناء على ما حكاه الخطابي أن المراد بـ "الطعام" هنا الحنطة لكن رد ذلك ابن المنذر بأن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد حديث أبي سعيد عند البخاري بلفظ: "كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". قال الحافظ: "وهي ظاهرة فيما قال" وأخرجه الطحاوي نحوه وقال فيه: "ولا يخرج غيره". ثم ذكر الحافظ لحديث أبي سعيد طرقا وألفاظا أخرى ثم قال: "وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم". قلت: فتبين أنه لا دليل في الحديث على ما ذكره المؤلف ثم إن صنيعه يشير إلى أنه ليس لمذهب أبي حنيفة القائل بإخراج نصف صاع من القمح دليل غير ما جاء في حديث أبي سعيد من تعديل معاوية مدين من القمح بصاع من تمر وليس الأمر كذلك بل فيه أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ أصحها حديث عروة بن

стр. 423

الزبير: "أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها - الحر منهم والمملوك - مدين من حنطة أو صاعا من تمر بالمد أو بالصاع الذي يقتاتون به". أخرجه الطحاوي واللفظ له وابن أبي شيبة وأحمد وسنده صحيح على شرط الشيخين. وفي الباب آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضا كما قال ابن القيم في "الزاد" وقد ساقها فيه فليراجعها من شاء وخرجتها أنا في "التعليقات الجياد". فثبت من ذلك أن الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" ص ٦٠ وإليه مال ابن القيم كما سبق وهو الحق إن شاء الله تعالى. قوله تحت عنوان: مصرفها: "مصرف زكاة الفطر مصرف الزكاة أي أنها توزع على الأصناف الثمانية المذكورة في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ١" قلت: ليس في السنة العملية ما يشهد لهذا التوزيع بل قوله ﷺ في حديث ابن عباس: " ... وطعمة للمساكين" يفيد حصرها بالمساكين والآية إنما هي في صدقات الأموال لا صدقة الفطر بدليل ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وله في ذلك فتوى مفيدة ج ٢ - ص ٨١ - ٨٤ من "الفتاوى" وبه قال

стр. 424

الشوكاني في "السيل الجرار" ٢ / ٨٦ - ٨٧ ولذلك قال ابن القيم في "الزاد ": "وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة ... ". قوله تحت عنوان: "مصرفها": "ولما رواه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم". قلت: صنيع المؤلف يوهم أن البيهقي خرجه وسكت عليه وليس كذلك بل أشار إلى تضعيفه بقوله ٤ / ١٧٥: "أبو معشر هذا - يعني أحد رواته - نجيح السندي المديني غيره أوثق منه". وقال الحافظ في ترجمته من "التقريب": "ضعيف أسن واختلط". ولذلك جزم الحافظ بضعف الحديث في "بلوغ المرام" وسبقه النووي في "المجموع" ٦ / ١٢٦ ويغني عنه حديث ابن عباس الذي قبله. قوله تحت عنوان: إعطاؤها للذمي: "أجاز الزهري وأبو حنيفة ومحمد وابن شبرمة إعطاء الذمي من زكاة الفطر لقول الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١". قلت: لا يظهر في الآية دليل على الجواز لأن الظاهر منها الإحسان إليهم على وجه الصلة من الصدقات غير الواجبة فقد روى أبو عبيد رقم ١٩٩١ بسند صحيح عن ابن عباس قال: "كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير وكانوا يتقون أن يتصدقوا

стр. 425

عليهم ويريدونهم على الإسلام فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ " فهذه الآية مثل التي قبلها. ثم روى بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم". وروى عن الحسن - وهو البصري - قال: "ليس لأهل الذمة في شيء من الواجب حق ولكن إن شاء الرجل تصدق عليهم من غير ذلك". فهذا هو الذي ثبت في الشرع وجرى عليه العمل من السلف وأما إعطاؤهم زكاة الفطر فما علمنا أحدا من الصحابة فعل ذلك وفهم ذلك من الآية فيه بعد بل هو تحميل للآية ما لا تتحمل. وما رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة قال: "كانوا يجمعون إليه صدقة الفطر فيعطيها أو يعطي منها الرهبان". رواه أبو عبيد ٦١٣ / ١٩٩٦ وابن زنجويه ١٢٧٦. فهو مع كونه مقطوعا موقوفا على أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل فلا يصح عنه لأن أبا إسحاق هو السبيعي مختلط مدلس وقد عنعنه. ويؤيد اختصاص زكاة الفطر بالمسلمين الحديث المتقدم: " ... وطعمة للمساكين" فإن الظاهر منه أنه أراد مساكين المسلمين لا مساكين الأمم كلها. فتأمل.
следующие страницы →