← Мантык

Мантык · id 1112

المغالطات المنطقية

عادل مصطفى

Полный текст (259 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(٢) الخلط بين السببية ومجرد المصادفة (١) وُجِدت ارتباطات شبه تامة بين معدل الوَفَيات في حيدر أباد بالهند من ١٩١١ إلى ١٩١٩ وبين تغييرات في عضوية الرابطة الدولية لعلماء الميكانيكا خلال نفس الفترة، ولا يمكن لأي عاقل أن يعتقد حقًّا في وجود أي شيء يتجاوز المصادفة المحضة في هذه الواقعة العجيبة (والتافهة في الوقت نفسه!) (٢) وُجد ارتباطٌ إحصائي وثيق بين مستويات تمويل الفنون في بريطانيا وبين أعداد طائر البطريق في القطب الجنوبي! (٣) وُجد ارتباط كبير بين أعداد طائر اللقلق في أماكن معينة من أوروبا وبين معدل المواليد من الأطفال. (من الخَطَل أن نستدِل من هذا الارتباط وحده على أن وجود طائر اللقلق سبب لولادة الأطفال!) (٣) إغفال سبب مشترك neglect of a common cause (المعلول المزدوج joint effect) يكثر الخلط بين المَعِية والسببية حين يتم إغفال سببٍ مشترك للحدثين كليهما؛ أي حين يكون الحدثان ناتجين عن حدثٍ ثالث، أو معلولين لعلةٍ مشتركة. أمثلة (١) قبيل اندلاع الحروب يتزايد معدل التسليح لدى الأطراف المتصارعة؛ إذن زيادة التسليح تؤدي إلى اندلاع الحروب. (ربما يكون الصواب أن التوتر والخلاف بين الأمم يفضي إلى كل من التسلح والحرب.) (٢) الحمى (ارتفاع الحرارة) تؤدي إلى الطفح الجلدي. (قد يكون فيروس الحصبة هو السبب من وراء كلٍّ من الحمى والطفح الجلدي.) (٣) وُجد ارتباطٌ قويٌّ بين معدلات بيع الأيس كريم وبين معدلات الجريمة؛ إذن تناول الأيس كريم يؤدي إلى ارتكاب الجرائم! (الصواب أن ارتفاع حرارة الجو هو السبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما يُفضي إليه من توتر قلق) وفي ارتفاع مبيعات الأيس كريم.)

стр. 107

(٤) كلَّما كبر مقاس حذاء الطفل كان خطُّه أفضل! إذن كبر حجم القدم يُسهِّل عملية الكتابة! (الصواب أن النمو المتصل للطفل يؤدي إلى كلٍّ من زيادة حجم القدم ونمو القدرات المدرسية جميعًا بما فيها خط اليد.) (٥) ثمة انخفاض ملحوظ في البارومتر أثناء هبوب عاصفة؛ إذن العاصفة سببت انخفاض البارومتر. (الصواب أن انخفاض الضغط الجوي هو سبب كل من العاصفة وانخفاض البارومتر.) (٦) كشفت التحليلات وجود بكتريا معينة بكمية كبيرة لدى أحد المرضى، فاستنتج الطبيب أن البكتريا هي سبب المرض، ثم تبيَّن أن البكتريا غير ذات خطر وأن هناك فيروسًا هو سبب كلِّ من المرض ونمو البكتريا الانتهازية التي تكاثرت نتيجة ضعف المريض. (٧) خلال العشر سنوات الأولى من انتشار أجهزة التليفزيون في أي بلد من البلدان وُجِد أن معدلات جرائم القتل ترتفع إلى الضعف؛ إذن التليفزيون هو السبب في العنف. (الصواب أن انتشار أجهزة التليفزيون هو مجرد عَرَض لتغيرات اجتماعية عريضة النطاق، تشمل اكتمال بنيةٍ تحتيةٍ كهربائية، وتَكَوُّن طبقة وسطى كبيرة قادرة على شراء أجهزة التليفزيون وغيرها من الأدوات، من السذاجة إذن أن نَعُد التليفزيون في هذه الحالة متغيرًا مستقلًّا تمامًا.) (٨) في بعض الولايات الأمريكية وُجد أن معدلات الإدمان تتزايد مع زيادة الفقر؛ إذن الفقر يؤدي إلى الإدمان. (الصواب أن التمييز العنصري في هذه الولايات كان يُفضي إلى الإحباط والتراخي فيؤدي إلى كلٍّ من الفقر والإدمان معًا.) مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد، ما دام «السبب المشترك» common cause يَقْبَع هناك آمنًا من الملاحظة والرصد، وبالتالي من التناول والعلاج. (٤) الاتجاه الخطأ (للعلاقة السببية) wrong direction في هذه المغالطة نجد العلاقة بين العلة والمعلول (السبب والنتيجة) معكوسة، حيث يؤخذ المعلول كعلة وتؤخذ العلة كمعلول.

стр. 108

أمثلة (١) انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. (العكس هو الصحيح: وهو أن زيادة الثقافة الجنسية ناتجة عن انتشار الإيدز وتَخَوُّف الناس منه.) (٢) يزداد انتشار الأمراض الفِصامية بين الطبقات الاجتماعية الدنيا؛ إذن تَدَنِّي الطبقة الاجتماعية يُؤدِّي إلى الفصام العقلي. (الصواب أن المرض العقلي المزمن يؤدي إلى تدهور أداء المريض الدراسي والمهني والاجتماعي، فيهبط به شيئًا فشيئًا إلى طبقة اجتماعية أدنى، وهكذا من يُصاب وراثيًّا من نسله، وتُسمى هذه الظاهرة drift phenomenon) (٣) وُجِد أن هناك ارتباطًا بين معدل امتلاك السلاح في بعض الولايات ومعدل ارتكاب الجرائم؛ إذن امتلاك السلاح يؤدي إلى انتشار الجرائم. (الصواب أن انتشار الجرائم يُقلِق المواطنين الآمنين فيستخرجون رخص الأسلحة للتحوُّط والحماية.) (٥) بعد هذا إذن بسبب هذا (المغالطة البَعدِية/ بِعَقِبِه إذن بسببه) post-hoc ergo propter hoc a posteriori fallacy ذات يومٍ في الزمان … أخذ الديك غرورٌ قاتل، … فصاح معجبًا: إنني حقًّا ملك المزبلة، بل مَلكُ العالم، … إني لأستلُّ الفجر من مكمنِه بصياحي، … وبوسعي إن شئت أن أكُفَّ عن الصياح فأجعل الليل سرمدًا، … جذب الصوت شقيًّا كان يفتشُ في المزبلة عن رزقٍ، … فجعلَ من الديك وجبةً دسمة ......... هذا ولم يزل الفجر يطلع على الأرض إلى يومنا هذا. يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إذن صياح الديك يُطلع الصبحَ ويسُلُّ الشمسَ من مكمَنِها، هكذا فَكَّر الديكُ وهكذا تمضي «المغالطة البعدية» a posteriori fallacy، تفيد المغالطة البعدية أنه ما دام شيءٌ ما قد أتى بعد شيءٍ آخر

стр. 109

فهو إذن قد أتى بسببه، لقد حدث بعَقِبِه إذن فقد حدث بسببه، أليست المعلولات دائمًا تأتي في أعقاب العِلل؟ إن المعلومات لتأتي حقًّا بعد عِلَلها، غير أن هذا «شرطٌ ضروريٌّ» necessary condition لعلاقة العلية وليس «شرطًا كافيًا» sufficient condition، فلكي يوصف حدث ما «أ» بأنه «سبب» لحدث آخر «ب» ليس يكفي أن يأتي قبله، فإثبات علاقة العلية يتطلب ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط: يتطلب أن جميع أفراد فئة «ب»، في عينات وافرة وممثِّلة للفئة «ب»، تأتي دائمًا وأبدًا بعد جميع أفراد فئة «أ»، وتغيب دائمًا «ب» في غياب «أ»، مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين معًا … إلى آخر ذلك مما فَصَّله البحث العلمي عن شروط إثبات العلاقة السببية، والطرائق العملية والإحصائية لإثبات ذلك. أما الاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على علاقة السببية فهو تفكير شديد الفجاجة والسوقية، وهو سوقي لأنه يتسم بالشيوع والدخل، وبه يَتَقَوَّم كلُّ التفكير الخرافي والسحري وحكايا العجائز والوصفات الطبية الشعبية وثرثرة مجالس الفراغ والتبطُّل. حين نضع جانبًا ذلك التصور اليومي عن العلة والمعلول، ونتأمل الأمر بدقة وحيدة وعمق نجد أننا، رغم توهمنا فهم الآليات التي يؤدي بها كل حدث إلى الآخر، لا نشهد في الحقيقة شيئًا اسمه «العِلِّيَّة»، وكل ما نشهده هو تواترات وارتباطات وتتابعات من الأحداث، بحيث تَئُول فكرة السببية في النهاية إلى «توقعنا» للاطراد والارتباط، تقترب الإصبعُ من اللهب فتتألم، فنسمي اللهب «سببًا» cause والألم «مسبَّبًا» effect أو «معلولًا» أو «نتيجة»؛ لأننا نتوقع الثاني كلما حدث الأول، ونحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقًّا؟! لا شيء … إنها تتوالى دائمًا ويعقب بعضها بعضًا! (١) هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتعٌ خطيبٌ وملاذٌ آمنٌ للمغالطات. كان مؤرخو الإغريق دائمًا يُفسِّرون الكوارث الطبيعية كنتاجٍ لأفعال البشر، فإذا حدث زلزالٌ مروِّعٌ مثلًا ودَمَّر مدينةً بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمةٍ وجد إلى تفصيل

стр. 110

الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة، مثلًا، قبل الزلزال كانت سببًا في وقوعه. وقد قدم عالم الاجتماع الأمريكي جراهام سَمنَر نظريته فيما أسماه ب «الطرق الشعبية» أو «العادات الشعبية» folkways، التي ترد الأحكام الأخلاقية إلى مظاهر لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية، هذه الطرق الشعبية هي عادات شعبية مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد معقولة، وهي لا تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها المعينين، ولها ما يمكن أن يُعد حياةً خاصة بها، ذلك أن سمنر يرى أنها تولد وتكبر وتموت ولا يمكن أن يؤثر فيها تأثيرًا يُذكر إلا قوى قليلة (منها التعليم)، (١) من هذه الطرق ما هو ناتج عن استدلال خاطئ، وبخاصة خطأ «السبب الزائف»، يقول سمنر: إنَّ الطرق الشعبية قد تكوَّنت بطريق المصادفة، أو بواسطة فعلٍ غير عقلاني وقائم على معرفةٍ زائفة، من ذلك أن وباء الطاعون لما تَفَشَّى في مولمبو Molembo عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة لكي لا يموت رجلٌ أبيض بعد ذلك في بلدهم، ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدءوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن مزاولة هذا الفن ولم يَقرَبه أحد بعد ذلك على الإطلاق، ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب أفريقيا حين أهدى البيضُ رجلًا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمزٍ للسيادة، إذ توفي الرجل وخلف العصا لابنه، وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية أن يموت الجميع، وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جَمَلًا لأول مرة، فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض … وبوسعنا أن نجمع ما لا يُحصى من هذه الشواهد، وهي في الحقيقة تمثل الطريقة المتبعة في الاستدلال العقلي لدى الشعوب البدائية، فمن عادة هؤلاء الأقوام إذا حدث شيءٌ «بعد» شيء آخر أن يستدلوا من ذلك أنه حدث «بسببه». (٢)

стр. 111

وما تزال هذه الطريقة في التفكير تعشش في أذهاننا حتى اليوم، فالتسونامي الآسيوي سببه تفاقم ذنوب البشر (مع أن التسونامي نتاج زلزال تحت المحيط ناجم عن انزلاقٍ طبقي، والضحايا ربما كانوا أقل أهل الأرض ذنوبًا) وإعصار كاترينا سببه السياسة الأمريكية (مع أن الأعاصير سببها حركة الرياح فوق ماء المحيط)، وما دامت هناك حقًّا فجوة في معرفتنا، فلن يمكنك أن تُقنع من مال به هواه إلى تفسيرٍ معينٍ دون سواه. على هذه المغالطة السوقية تقوم حِرَفٌ وترتزق طوائف: العِرافة والفأل والتنجيم والرُّقي والتعازيم والكهانة والعلاج الشعبي. يُبشِّرك العرَّاف بأحداثٍ سعيدة، وتأتيك أحداثٌ سعيدة؛ لأن الأحداث السعيدة تحدث طوال الوقت على كل حال، ويُنْذِرُك المنجِّم بعواقب وخيمة، وتنزل بك نوازل غير سارة؛ لأن النوازل غير السارة تنزل دائمًا على كلِّ حال، ويصف لك المشعوذ حجابًا يشفي مرضك، ثم تُشفَى من المرض؛ لأن أغلب الأمراض يُشفى تلقائيًّا بمرور الوقت (وإلا لما بقي حيٌّ على الأرض إلى اليوم) يتذكر الناس الرميات الصائبة والتوقعات الناجحة، ويتداولونها فيما بينهم مضخَّمة ومُنتقاة، فتستقر في ذاكرتهم دليلًا على صدق العراف أو المنجِّم أو المعالج، بينما تُنسى تلقائيًّا تلك الرميات الخائبة والتوقعات الفاشلة، وهي الأكثر والأعم بما لا يُقاس، وتنسدل عليها ستائر النسيان. تُسمَّى هذه الظاهرة في العلم «مشكلة درج السِّجلات» (أو درج الملفات) file drawer problem: وهي مشكلة تنجم حين يحاول العلماء تحديد ما إذا كانت نتيجة ما هي حقيقية أم زائفة بناءً على التراث البحثي المنشور، تأتي المشكلة عندما تكون هذه النتيجة هزيلة (أو غير موجودة) ولا تحدث إلا مصادفةً، ومِن ثَمَّ فإن من يقع عليها من الباحثين يُسَجِّلها وينشرها، مصحوبةً بالهتاف والتهليل، أما الباحثون الذين لم يقعوا على هذه النتيجة قَطُّ فإنهم لا ينشرون أبحاثهم عادةً وإنما يلقون بها في أدراج السجلات، هكذا تبدو الظاهرةُ الزائفة حقيقةً علمية، لا لشيء إلا لأن الأبحاث العديدة المكذِّبة لها قد طويت في الأدراج، بينما نُشرت الأبحاث القليلة الشاذة التي تؤيد الظاهرة، فكانت لافتةً للأنظار بصخبها وبريقها.

стр. 112

أمثلة أخرى (١) لَبِستُ هذا القميص اليوم وذهبت إلى الامتحان فأجبت عن جميع الأسئلة بإجادة تامة، إذن هذا القميص فألٌ حسن ولسوف أرتديه في كل الامتحانات القادمة. (غني عن البيان أنني أجَدْتُ في الامتحان لأني كنت مستعدًّا له استعدادًا طيبًا بالمذاكرة والدرس، وليس لأنني لبست هذا القميص أو ذاك!) (٢) تَكسِفُ الشمسُ، فيُهرَع أفرادُ القبيلة عن بكرة أبيهم، ويظلون يدقون الطبول بعنف، ثم تبرز الشمس من وراء الحجاب، إذن دق الطبول يسترد الشمس ويُخرجها من كسوفها. (٣) أصيب حسن بصداع شديد، فعجنت له جدته عجينة من الدقيق والخل وزيت السمك وبول الأرنب، لصقها برأسه ونام، فذهب عنه الصداع بعد دقائق. (كثيرًا ما يذهب الصداع تلقائيًّا بذهاب سببه الحقيقي.) (٤) تشوَّشت الصورة في تلفاز سعيد، فخبط بقوة على التلفاز، فانصلحت الصورة، إذن خبط الجهاز هو أيسر طريقة لإصلاح أعطال التلفاز. (٥) عطس منصور في منزله بالقلعة، وبعد ثوانٍ وقع تسونامي المحيط الهندي، إذن عطسة منصور فجَّرت كارثة التسونامي. (٦) تذييل: الأثر البلاسيبي placebo effect نَزْغٌ في قلب البحث الطبي ثمة ظاهرة ينبغي إلحاقها بمغالطة السبب الزائف، وهي ظاهرة طبية لافتة يُقال لها «الأثر البلاسيبي» placebo effect، وهو تَحَسنٌ صِحي، محسٌّ أو ملاحَظ أو مَقيس، لا يُعزَى إلى العلاج، وتعبير placebo هو تعبيرٌ لاتيني يعني «سوف أسُرُّ» أو «سوف أُرضِي»، والبلاسيبو هو دواء، أو إجراء علاجي، يعتقد المعالج أنه خاملٌ أو «لا يَضُر»، قد يكون البلاسيبو حبوبًا من السكر أو من النشا، وحتى الإجراء الجراحي الزائف، أو العلاج النفسي الزائف، قد يُعَد ضربًا من «البلاسيبو». وفي الدراسات الطبية عن الأثر العلاجي الحقيقي لدواءٍ مقترح يستخدم الباحثون، إلى جانب مجموعة المرضى الذين يعالجون بالدواء، «مجموعة ضابطة» control group تتناول البلاسيبو بدلًا من الدواء الحقيقي، وذلك حتى يتسنَّى ملاحظة الفرق بين تأثير

стр. 113

العلاج الحقيقي وتأثير العلاج الوهمي (إذ إن للعلاج الوهمي تأثيرًا!) وقياس مدى أفضلية الدواء الجديد على البلاسيبو، والبرهنة مِنْ ثَمَّ على أنه علاج حقيقي فعال. يرد بعض الباحثين هذا الأثر البلاسيبي إلى مجرد شعور «ذاتي» بالتحسن كنتيجة للاعتقاد في العلاج والإيمان بتأثيره الشفائي، ويرده البعض إلى «المسار الطبيعي» natural course للمرض، بما يعتريه من «اشتدادات» exacerbations و «هدآت» remissions وفترات هجوع طويلة وتراجع طبيعي، وربما الشفاء التلقائي التام كمآلٍ طبيعي لكثير من الأمراض والإصابات. غير أن تراكم الأبحاث وتواتر الملاحظات المؤيِّدة للأثر البلاسيبي يُشير إلى أن الأمر أكبر من مجرد إحساس ذاتي زائف: ثمة تحسن حقيقي مشهود وموثَّق ومَقِيس، حتى في بعض الأمراض العضوية المكينة: يزيل بعض الأطباء أنواعًا من الزوائد الجلدية بدهانها بصبغة خاملة براقة والوعد بأنها تزول مع زوال الصبغة! وفي دراسات عن الربو الشعبي تبين أن استنشاق بلاسيبو يُوسِّع الشعب الهوائية توسيعًا حقيقيًّا مَقِيسًا. وفي التهابات القولون وُجد تحسنٌ حقيقي في خمسين بالمائة من المرضى إثر تعاطيهم دواءً خاملًا (بلاسيبو). ومن الروايات البحثية الفذة ما سجله أحد أطباء القلب بصدد الإجراء الجراحي المعروف بربط الشريان الثديي الداخلي في بعض حالات الذبحة الصدرية (لزيادة المدد الدموي إلى عضلة القلب): فقد وجد الأطباء، بالمصادفة، أن الجراحة الوهمية المتضمنة لمجرد الفتح الجراحي من دون ربط الشريان قد أدت إلى نفس الأثر العلاجي. (وهو تحسن ٩٠? من المرضي!) في ضوء هذه النتائج الملموسة الثابتة ربما يكون التفسير الأمثل لظاهرة «الأثر البلاسيبي» هو التفسير البيوسيكولوجي، فمن الواضح أننا بإزاء ظاهرة معقدة ربما لا يسعها إلا تفسير مركب يضفر التفسير النفسي بتفسير بيوكيميائي: فمن شأن «الاعتقاد» في العلاج، ومشاعر الاهتمام والرعاية، والمساندة والتشجيع والأمل، التي يبثها الموقف العلاجي، أن تستفز في الجسم آلياتٍ فسيولوجية تُفضي إلى أثر فيزيقي حقيقي: قد يكون هذا الأثر من خلال إطلاق «الإندورفينات» endorphins في مواضعها ومساراتها العصبية.

стр. 114

وقد يكون من خلال حفز جهاز المناعة. وقد يكون من خلال تنشيط محورٍ عصبي هرموني هو «محور المهاد التحتي-النخامية-الكظرية» hypothalamo-hypophyseal-adrenal axis. لعلَّ هذا الهامش الشفائي الذي يتيحه الأثر البلاسيبي (إلى جانب الهجوع التلقائي للمرض) هو الباب الموارَب الذي ينفذ منه الدجالون والأدعياء، والكثير من ألوان ما يُسمى ب «الطب البديل» alternative medicine، إلى الساحة العلاجية: العلاج بالرقى، العلاج بالزار، العلاج بالعطور، «العلاج المِثلي» homeopathy، «الانسجام الحيوي» bioharmonics، «الكيروبراكتيك» (العلاج بتقويم العمود الفقري يدويًّا) chiropractic … إلخ. قد يقول قائل: وما الضَّير؟! وماذا يُجديني أن أعرف كيف يحدث الشفاء ما دام الشفاء يحدث؟ والجواب أن هذه الضروب من «تناسخات البلاسيبو»، على فوائدها التصادفية في بعض الحالات، إنما تُغشِّي على المسار الجاد للبحث الطبي الحقيقي، وتُضِلُّ عن التماس العلاج الصحيح في مظانه الصحيحة، وتستبدل به هُراءً بلاسيبيًّا «تَفتُّه» لأناسٍ ذاهلين بالمرض غارقين في الأغاليط، إن البلاسيبو لن يستأصل ورمًا، ولن يجبر كسرًا، ولن يكبح صَرَعًا، ولن يُوقف نزيفًا، ولن يغسل كلَى، ولن ينقذ حالة حرجة … ولو كان هامش البلاسيبو يكفي لعلاج الناس لما نشأ المرفق الطبي لدى البشر منذ البداية. وبعد، فإن تناسخات البلاسيبو تريد أن تبيعنا بضاعةً بأكثر من ثمنها، فالأثر البلاسيبي قائم ومبذول ومتضمَّن ومبيَّت سلفًا في كل دواء وفي كل إجراء علاجي، إنما تسعى الأبحاث الدوائية إلى إثبات جدوى علاجية تتجاوز الأثر البلاسيبي بفارقٍ ذي دلالة.

стр. 115

الفصل السادس عشر السؤال المشحون (المركَّب) loaded question (complex question) سأل ألكسينس من إليس أحد الفلاسفة على سبيل السفسطة: «هل أقلعتَ عن ضرب أبيك؟» فما كان جواب الفيلسوف إلا أن قال: «لم أكن أضربه ولم أُقلِع!» لا تُسلِّم بالأسئلة … حلِّل السؤال قبل أن تُجيب عليه. جون سيرل درسُ الفلسفة هو كيف تسأل لا كيف تُجيب. *** السؤال المشحون أو المركَّب هو تكنيك يعمد إلى دس «فروض مسبقة» presuppositions غير مبرَّرة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، بحيث إنَّ أي جواب مباشر يعطيه المجِيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي على المغالطة. «هل توقَّفت عن ضرب زوجتك؟» فأيًّا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقتٍ ما يضرب زوجته، حين يكون هذا الفرض المسبق كاذبًا أو غير مبرهن عليه

стр. 116

يكون هذا مثالًا لمغالطة السؤال المركب أو الملغوم، إنه شَرَكٌ أو أحبولة؛ لأنه يُضيِّق على المُجيب نطاق الخيارات إلى صنف واحد من الإجابة المباشرة، أو عدد ضئيل من احتمالات الجواب المباشر من شأنها جميعًا أن تزعزع موقفَه في الحوار. انظر أيضًا إلى هذا السؤال المفخخ: «متى أقلعت عن تعاطي المخدرات؟» إنه مَصوغٌ بحيث يتضمن داخله عبارتين أخريين لم تتم البرهنة عليهما، ويسلِّم بهاتين القضيتين تسليمًا دون دليل؛ أي أنه ينطوي على «مصادرة على المطلوب» petitio principii؛ لأنه يفترض مسبقًا أجوبةً محددة عن أسئلةٍ سابقة غير مصرح بها، مثل هذا السؤال لا يمكن الرد عليه ببساطة بالإيجاب أو بالامتناع، إنه ليس سؤالًا بسيطًا بل يتركب من عدة أسئلة معبأة معًا في سؤال واحد: (١) هل كنت تتعاطى المخدرات فيما مضى؟ (٢) وإذا كنتَ قد تعاطيتَ المخدرات فهل توقفتَ عن التعاطي؟ (٣) وإذا كنت قد توقفت عن التعاطي فمتى كان ذلك؟ لا بأس باستخدام هذه الخدعة لإظهار الحقيقة في بعض المواقف، (١) فقد دأب المحققون على أن يستخدموا هذا التكنيك لإيقاع المتهم في الاعتراف، يسأل المحقق مثلًا: «أين أخفيتَ جسم الجريمة؟» «أين خبأتَ المالَ الذي سرقتَه؟» «ما الذي دفعَكَ إلى تزوير هذه الوثيقة؟» والرد الذكي عندما يواجَه المرءُ بهذا السؤال الملغوم هو أن يُحلل مكوناته إلى أجزاء، ثم يُجيب عن السؤال المضمر الأول أو يناقشه أو يفنده، عندئذٍ يتبدد السؤال الصريح من تلقاء نفسه. وقد يشتمل السؤال الواحد على عبارتين متَّصلتين بحرف عطف، كما لو كانتا مرتبطتين أو كانت إحداهما تستلزم الأخرى بالضرورة، بحيث يُتوقَّع من المُجيب أن يقبلهما معًا أو يرفضهما معًا، بينما إحداهما في حقيقة الأمر مقبولةٌ لديه والأخرى مرفوضة منه!

стр. 117

أمثلة (١) هل تؤيد خفض الضرائب وزيادةَ رفاهية الشعب؟ (٢) هل أنت مع حرية المواطن وحقِّه في استخراج ترخيصٍ بحمل أسلحة؟ (٣) هل تؤيد حريةَ السوق وترك الرخاء يعم كل أرجاء العالم؟ (٤) هل تؤيد المادة ٧٦ التي تنص على حرية النشر وعلى حرية إبداء الرأي، وتحكم بالسجن لمدة لا تزيد عن السنتين على مَنْ ينشر قولًا يؤدي إلى البلبلة ويوقع الفُرقة بين شرائح المواطنين؟ (٥) هل تؤيد زيادة مصروفات التعليم العام ورفع نوعيته ومستواه؟ (٦) هل تريد أن تدرسَ الموسيقى وتضيعَ وقتك؟ (٧) أنت تركت العمل وأوعزت إلى زملائك بالإضراب، حدث هذا أم لا؟ من البين أن السؤال هنا يتضمن عدة أمور ويطلب الرد بجواب واحد! والصورة المنطقية لهذا السؤال هي: هل تريد (تعتقد/ توافق/ فعلت … ) «أ» و «ب» (و «ج» و «د» … )؟ بينما يمكن للسؤال أن ينقسم إلى: هل تريد «أ»؟ هل تريد «ب»؟ … إلخ. فإن كان «أ» و «ب» مرتبطين حقًّا فلا مغالطة هناك، أما إذا كان بالإمكان الإجابة عن كل سؤال بجوابٍ مختلف فإننا نكون بصدد مغالطة منطقية هي «السؤال المركب» complex question. ••• يؤكد الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون سيرل John R.Searle، بصفة خاصة، على ضرورة أن نحلل السؤال الفلسفي تحليلًا دقيقًا قبل محاولة الإجابة عليه، وأن نتجنب المضي في عرض وجهة النظر الفلسفية قبل الوقوف على عناصر السؤال وحدوده وما ينطوي عليه من افتراضات؛ الأمر الذي يؤدي إلى غموض في الفهم وخطأ في الاستدلال، فضلًا عن أنه لا يؤدي إلى أيِّ تقدم في حل المشكلات الفلسفية. (١) وفي هذا المعنى يقول

стр. 118

سيرل في كتابه «الوعي واللغة»: «والطريقة التي أحاول أن أبدأ بها هي أن أحلِّل السؤال أولًا، وبالفعل هذا هو الدرس العظيم الذي تُعلِّمنا إياه الفلسفة اللغوية في القرن العشرين: لا تُسَلِّم بالأسئلة، حَلِّل السؤالَ قبل أن تُجيب عليه، إنني أحاول أن أستهل عملي بتحليل السؤال لإدراك ما إذا كان يرتكز على افتراض عقلي خاطئ، أو ما إذا كان يُشبه المشكلة موضع البحث بفئة غير ملائمة من النماذج (الخطأ المقولي)، أو ما إذا كانت المصطلحات المستخدمة في السؤال غامضة نسقيًّا، وأجد بطريقة أو بأخرى أن المشكلات الفلسفية تتطلب على نحوٍ مميز تفكيكًا وإعادة بناء قبل أن تعرف طريقها إلى الحل.» (١)

стр. 119

الفصل السابع عشر التفكير التشبيهي (الأنالوجي الزائف) false analogy; analogical fallacy وقد يتقاربُ الوصفان جدًّا … وموصوفاهما متباعدان المتنبي وجهُك يا عَمرو فيه طولُ … وفي وجوه الكلاب طول مَقابحُ الكلب فيك طُرًّا … يزول عنها ولا تَزولُ ابن الرومي *** يفيد «الأنالوجي» (المماثلة) analogy بحد ذاته وجود مماثلة جزئية بين ملامح شيئين أو حدثَين أو تصورين تسمح بمقارنةٍ ما بينهما.

стр. 120

ويمكن تجريد الصورة المنطقية لقياس الأنالوجي كالتالي: «أ» يشبه «ب»، «ب» هو «ج»؛ إذن «أ» هو «ج» مثل «ب». ويقع المرء في مغالطة «الأنالوجي الزائف» false analogy أو الضعيف عندما يَعقِد مقارنةً بين أمرين ليس بينهما وجهٌ للمقارنة، أو أمرين بينهما مجرد تشابه سطحي وليس بينهما وجه شبه يتصل بالشأن المعْنِيِّ الذي تريد الحجة أن تُثبتَه. يتألف «الأنالوجي الزائف» من افتراض أن الأشياء المتشابهة في وجهٍ من الوجوه لا بُدَّ من أن تكون متشابهة في وجوه أخرى، وعليه فما دام شيئان، «أ» و «ب»، متماثلين في جانب من الجوانب فإنهما، إذن، متماثلان في جوانب أخرى، أو في جميع الجوانب! (١) أهمية الأنالوجي ومشروعيته من الحق أن قدرًا كبيرًا من معرفتنا يقوم على إدراك التشابه بين الأشياء؛ ومِن ثَمَّ تصنيفها في فئات، ويقوم على التعميم من أمثلةٍ محددة إلى صورٍ عامة أو مبادئ مجردة، وعلى التعلم من سابقات الوقائع من أجل تعزيز الفائدة وتجنب الضرر، وعلى تطبيق معرفتنا بشيءٍ ما في تناولنا لشيءٍ آخر مشابه. في القياس الفقهي مثلًا يُستخدم الأنالوجي استخدامًا مشروعًا ولا غنى عنه، ويُعَرَّف بأنه «إلحاق جزئي بجزئي آخر في حُكمه لمعنى مشتركٍ بينهما، مثال ذلك أن نقول: النبيذ كالخمرة فهو حرام.» (١) وفي مجال القضاء كثيرًا ما يُستخدم القياس على سابقةٍ (أو سوابق) قضائيةٍ لوجود مماثلة مع القضية الراهنة، بل إن معنى القوانين وروحَها لا تتبلور ولا تبزغ إلا بكدح القضاة في تطبيقها على الحالات الخاصة قاضيًا تلوَ آخر، وحالةً تلو أخرى، ويكون الأنالوجي في ذلك هو قوام الفهم ومِلاك التأويل.

стр. 121

وليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن نقول إن كل صور الاستدلال وإعمال العقل، وكل ضروب الإدراك الحسي والذهني، إنما تستند إلى قدرتنا على تمييز أوجه التشابه ذات الصلة ومعاينة القواسم المشتركة من خلال هذا التدفق الكاليدوسكوبي لأشياء العالم وأحداثِه ومَرائيه. (٢) حدود الأنالوجي ومخاطره غير أن الأشياء (وكذلك المواقف والأحداث والتصورات) لا يمكن أن تتماثل تمامًا، وإلا لكانت العلاقةُ بينها علاقة «هوية» identity لا مجرد «تماثل» analogy (راجع مبدأ لَيْبِنتز)، (١) فهناك دائمًا نقطةٌ ينهار عندها التماثل ويبدأ تدفق الاختلافات، ثمة دائمًا نقطة فراقٍ ما دام أعضاء كل فئة إنما يجمعهم التماثل لا الهوية، هنالك يكون التمادي بالتماثل حيث لا تماثل هو ضرب من السخف والامتناع والعته الصميم، أشبه بمحاولة الكتابة على الماء أو محاولة تشييد الصروح على الرمال المتحركة. (٣) الأنالوجي المجازي (البياني/ التصويري) figurative analogy تُعَد الصور البيانية، من تشبيه واستعارة … إلخ، وسائط ضروريةً لنقل الأفكار وتوصيل المعلومات وتقريبها إلى الأذهان، تتيح لنا الصور البيانية أن نتحدث عن مفاهيم جديدةٍ غير مألوفة للمستمعين في حدودٍ قديمةٍ مألوفةٍ لديهم، استنادًا إلى وجه شبهٍ معين بين الفكرة المجهولة التي نريد إيضاحها لهم والفكرة المألوفة التي يعرفونها من الأصل، وامتدادًا بخصائص أخرى للمألوف لكي توازي خصائصَ أخرى للمجهول، تضطلع هذه المَلَكة التصويرية البيانية بدورٍ كبيرٍ في التفكير والتواصل، وتمثل عنصرًا حيويًّا من عناصر الفهم والإفهام. غير أن الصور البيانية لا يمكن أن تُستخدم استخدامًا مأمونًا إلا كوسيلة إيضاحِ لمعنى معين يرمي إليه المتحدِّث، إنها أدواتٌ للتعبير وليست مصادرَ للمعرفة، إنها وسائلُ

стр. 122

لتقريب الأفكار لا للبرهنة عليها، وسائط للتوصيل لا للتدليل، للإفهام لا للإفحام، إذا أراد المرء مثلًا أن يُفسر التغيرات التي تعتور الإنسان وهو يتقدَّم من الشباب إلى الشيخوخة فإن له أن يكتب فقرةً بيانية مُنَمَّقة يقول فيها: ما أشبهَ الحياةَ بالنهر: يدرج كغديرٍ مرحٍ، ثم يَستوي تيارًا عاتيًا، ثم يرزح في نهاية المطاف واهنًا كليلًا حتى يتبددَ في البحر. ولكن ليس لأحدٍ أن يستمد من هذا، ومن معرفته بالأنهار، مبادئ عن إدارة الأعمال أو عن العلاقات الإنسانية! وانظر إلى هذا الرأي التشبيهي للملك جيمس الأول: النظام الجمهوري هو نظامٌ زائفٌ ومدمِّر؛ ذلك لأن الملك هو رأس الدولة، وإذا أنتَ فَصَلتَ الرأس عن الجسد فلن تعودَ بقية الأعضاء تؤدي وظائفها، وسيموت الجسدُ كله. هكذا يَتَبدَّى بؤسُ التفكير التشبيهي: فالدولة لا تشبه الجسدَ الحي إلا مجازًا وتصويرًا بيانيًّا، ولا يمكن أن يُستنبَط من هذا التماثل أي قواسمَ مشتركةٍ حقيقية تجمع بين الجسد والدولة. وقد يذهب جميع الشموليين نفس المذهب، فيقولون إن الدولة أشبه بالجسد، يعمل على أفضل نحو إذا كان ثمة دماغٌ حادٌّ يديره؛ لذا فإن الحكومات المتسلطة أكثرُ كفاءةً من غيرها من الحكومات. لا تتطرق أي من هذه التشبيهات الزائفة التي تُشَبِّه الدولة بالجسم الحي إلى الحديث عن كبد الدولة أو بنكرياسها أو آليات الإخراج بها! ويلحق بذلك تشبيه الحضارات بالكائن الحي، وهو تشبيهٌ تزخر به تفسيرات التاريخ ونظرياته، ففي محاولة إضفاء معنى ما على مسار التاريخ تبزغ كل صنوف المقارنة. إن جميع الحضارات السالفة تشترك في أنها الآن ماضٍ وأنها كانت ذات يومٍ حضاراتٍ وأنها قبل ذلك لم تكن، ومن هذه الحقائق الثلاث النافلة المبتذلة خلص كثيرٌ من المؤرخين إلى «تشبيه دورة الحياة» life cycle analogy: فالتعاقب البسيط «غير حي ? حي ? لم يَعُد حيًّا» يستدعي مقارنةً لا تقاوم بالكائن الحي، وقد بلغ الغلو بالبعض إلى أن يمتد بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار، ذلك أن الحضارة حين تبلغ أشدها فمن الطبيعي أن تنزع إلى التكاثر بأن تنثر بذورَها في أماكن بعيدة!

стр. 123

وفي مجال نظرية العلاقات الدولية ثمة مغالطة شهيرة يُطلق عليها domestic analogy، تقوم على تشبيه العلاقات بين الدول بالعلاقات بين الأفراد بحيث إن الأمورَ البينشخصية interpersonal - أخلاقياتها وعلاجها - يتم إسقاطها على مبادئ السياسة الخارجية! وجدير بالذكر أن تأثير الأنالوجي الزائف قد يكون مدمرًا إذا انقلب ضد من استخدَمه، فمن التقنيات الفعالة في فن المناظرة أنه إذا استخدم الخصمُ تشبيهًا لكي يدعم حجته فما عليك سوى أن تمسك بطرف هذا التشبيه وتمطه في اتجاهٍ يخدم حجتَك أنت، فينقلب السحر على الساحر! عندئذ سيضطر خصمك إلى التسليم بأن تشبيهه لم يكن موفقًا، وسيخسر نقاطًا في نظر الجمهور، مثال ذلك أن يقول رئيس اللجنة (في مشروع لا تستريح له أنت ولا تأمَن عواقبه): ونحن إذْ نبحر قُدمًا في لجنتنا الجديدة دعوني أُعرب عن أملي في أن نتكاتف سويًّا من أجل رحلةٍ سلسة. فبوسعك عندئذٍ أن تقول: السيد رئيس اللجنة على حق، ولكن تذكَّروا أن المجذِّفين كانوا دائمًا يوضعون في سلاسل ويُضربون بالسياط، وكانوا إذا غرقت السفينةُ يغرقون معها! (٤) أنالوجي يتلمَّظ بدمٍ بشري! إنك لا يمكنُكَ أن تصنع عجَّةً دون أن تكسر بيضًا. لينين منذ أن جادت قريحة لينين بهذه الصورة المعجبة أصبح هذا التشبيه البياني في القلب من فلسفة الثورات والانقلابات، وغدا ذريعةً مقنعةً غاية الإقناع لسحق المعارضة دون رحمة: أية رحمة؟! إنك في مرحلة شديدة الخصوصية من مراحل سير التاريخ، أنت فيها إما قاتل وإما مقتول، وعندما تَقتُل وأنت في هذه المرحلة فإن عليك أن تستأصل؛ لكي تستيقن من أنك وارَيت العدوَّ وثأره، أي أن تتخلص من الطبقة الحاكمة والمعارِضة وكلِّ من لديه بهما أدنى صلة حتى الأجنة في البطون! حسنٌ فالغاية تبرر الوسيلة على

стр. 124

كل حال، وقسوتُك، بعد كل شيء، مبطنةٌ بالرحمة: الرحمة بالطبقات الكادحة وهي الغالبية العظمى دائمًا وأبدًا! غير أن هذه «المرحلة التاريخية» (التي تُصوَّر دائمًا على أنها عابرةٌ مؤقتة) تظل «مقيمة» لا تبرح! فلما كانت الأهداف المثالية البعيدة المنال يتأخر مجيئها طويلًا، وفترة خنق النقد والمعارضة تطول أكثر فأكثر، فإن الاضطهاد والاستبداد سيزدادان حِدةً (وإن خلصت النوايا)، وبالضبط لأن المقاصد والأهداف تُرَى مثالية فإن الفشل المستمر في تحقيقها جديرٌ بأن يؤدي إلى القذف بالتهم وادعاء أن «شخصًا ما يهز القارب!» - لا بُدَّ أن هناك تخريبًا، أو تدخلًا أجنبيًّا، أو قيادةً فاسدةً (إذ إن جميع التفسيرات الممكنة التي تستثني الثورة نفسها تتضمن بالضرورة خبثًا وشرًّا من جانب شخصٍ ما)، حينئذٍ تبرز ضرورة كشف المذنبين واستئصال شأفتهم، ومن طلب مذنبين وجد مذنبين! وهنا يكون النظام الثوري قد غرق إلى الأذقان في دمٍ غليظ. (١) ولعل الترياق الشافي من هذا الأنالوجي الدموي هو أنالوجي مثله! هو تشبيه «قارب نويرات» (نسبة إلى أوتو نويرات Otto Neurath من حلقة فينا): إن البشر أشبَهُ ببحارة سفينةٍ في عرض البحر: يمكنهم أن يُصلِحوا أي جزء من السفينة التي يعيشون فيها، ويمكنهم أن يصلحوا السفينة كلها جزءًا جزءًا، ولكن لا يمكنهم أن يصلحوها كلها دفعةً واحدة. (٤ - ١) أمثلة أخرى للتفكير التشبيهي من العبث أن نبذل كل هذا الجهد في محو أمية الكبار، ذلك أنه لا فائدة، بعد كل شيء من البكاء على اللبن المسكوب. التعليم المدرسي كالعمل التجاري يحتاج إلى استراتيجية تنافسية تؤدي إلى تزايد الربح. يجب أن نسمح للطلاب باصطحاب كتبهم في الامتحانات، ألا يستخدم المحامون المذكرات القضائية في مرافعاتهم، ويستشير الأطباءُ الأشعةَ في جراحاتهم؟

стр. 125

(لاحظ أن العنصر الجوهري في هذه الأفعال مختلف: فالمرافعة والجراحة هي «تطبيق» للمعرفة، أما الامتحانات فمن المفترض أنها «اختبار» للمعرفة.) المسدس كالمطرقة، كلاهما أداةٌ معدنية من الممكن أن تستخدم في القتل، فلماذا يُباح تداول المطارق ويُحظر تداول المسدس؟ المستخدَمون أشبه بالمسامير، فالمسامير لا تؤدي فعلها ما لم تطرقها على رأسها، وكذلك المستخدمون. العلم أشبه بالكعك، يَحْسُنُ أن تصيبَ منه جزءًا يسيرًا، فإذا أسرفتَ في تناوله أصاب أسنانك بالتسوس، كذلك العلم إذا أوغلتَ فيه وتبحرتَ أصاب عقلك بالجنون. «الإنسان ليس جزيرة (منعزلة) … إلخ.» (دائمًا ما يُستخدم هذا الأنالوجي لتبرير رؤية جمعية أو تمرير أجندة اشتراكية أو شمولية، ولكن هذا بالطبع ما يكونه كل إنسان على التحقيق: الفرد فرد، يولد وحده ويموت وحده ويملك وحده امتياز الدخول إلى عالمه الذاتي الخبروي.) تدفق الكهرباء أشبه بتدفق الماء، فكلما زاد سُمك السلك زاد التيار الكهربي المتدفق. العقول كالأنهار، قد تكون عريضة (المجال)، وكلما كان النهر أعرض كان أكثر ضحالةً، إذن كلَّما زاد العقل اتساعًا زاد سطحيةً أو ضحالة! إن لدينا قوانين نقاء الأطعمة، وقوانين سلامة الأدوية، فلماذا لا تكون لدينا قوانين تضمن نقاء أفلام السينما والروايات والقصص؟ الشعر أرقى من الرواية؛ لأن قارورة عطر واحدة أثمن من مائة شتلة من الفل. (يمكنك بنفس التشبيه أن تقول: نعم ولكن النزهة في مشاتل الفل هي أبهى وأبهج من حبسه في قارورة!) (١)

стр. 126

(٥) كُتابنا والتفكير التشبيهي من المؤسف حقًّا أن كثيرًا من كُتابنا ومتحدِّثينا الأكثر رواجًا وإقناعًا لا يفعلون في أغلب الأحيان أكثر من أن يُلبسوا أفكارَهم أثوابًا من الاستعارات والتشبيهات، قلنا إنه لا بأس بذلك البتة، وربما يكون ضرورة لتيسير الفهم وتقريب التناول، غير أنهم يظنون أن مهمتهم انتهت عند هذا الحد، ويتوهمون أنهم بهذه التشبيهات والمماثلات قد فرغوا من عبء البرهان وأثبتوا نظرياتهم بما لا يدع للشك مجالًا! الحق أنهم إذا أثبتوا شيئًا فإنما يثبتون أنهم ما زالوا سادِرين في التفكير البدائي «قبل المنطقي» pre-logical من حيث الولوع بمجرد الشبه وأخذه مأخذ البَيِّنة. من طَلَبَ شَبَهًا وجده … ثمة دائمًا وجه شبهٍ بين أي شيئين من أشياء العالم مهما تباينا واختلفا، وإذا أدمن المرءُ التفكير التشبيهي فلن يُعجِزَه أبدًا أن يجد لكلِّ شيءٍ شبيهًا وأن يُقيِّض لكل شيءٍ مثلًا. ومن طرائف ذلك أن لويس كارول قدَّم لقُرائه لغزًا عبثيًّا لا معنى له: ما وجه الشبه بين الغراب والمكتب؟! غير أنه لم يعدم من بين قُرَّائه من وجدوا أوجه شبهٍ كثيرة! منها ما كتبه إليه أحدُ القُراء من أن وجه الشبه بين الغراب والمكتب هو أن إدجار ألان بو كتب عن الأول وعلى الثاني! (wrote on both).

стр. 127

الفصل الثامن عشر مهاجمة رجلٍ من القش straw man fallacy مَنْ يَدرِي لعل التاريخ (الذي كَتَبه المنتصرون) قد حجب عنا نصف الحقيقة، واستبدل به رجالًا من القش! *** هي تلك المغالطة العتيدة التي يعمد فيها المرء إلى مهاجمة نظريةٍ أخرى غير حصينة بدلًا من نظرية الخصم الحقيقية، وذلك تحت تعميةٍ من تشابه الأسماء أو عن طريق إفقار دم النظرية الأصلية وتغيير خصائصها ببترها عن سياقها الحقيقي أو بإزاحتها إلى ركن قصيٍّ متطرف، ويشبه هذا الجهد العقلي العقيم، سواء حسنت النية أو ساءت، أن يكون رميًا لخصمٍ من القش بدلًا من الخصم الحقيقي، أو قصفًا لكتيبةٍ هيكلية بدلًا من قصف الكتيبة الحقيقية! إنه لأيسر كثيرًا أن تنازِل رجلًا «دُمية» من أن تُنازِل رجلًا حقيقيًّا.

стр. 128

وتأتي التسمية من تلك الممارسة التي كانت شائعةً في العصور الوسطى، والتي تُستخدم فيها دميةٌ على هيئة رجل محشوةٌ بالقش لكي تمثل «الخصم» في ممارسة المقارعة بالسيف، وما تزال صيغٌ من هذه الممارسة شائعةً حتى الآن، وبخاصة في مواقف التعبير عن الاحتجاج والكراهية وفي مظاهرات المناهضة السياسية. تحمل هذه الممارسة مسحةً من بقايا الفكر البدائي قبل المنطقي، حيث يلتئم الرمز والمرموز إليه، ويقوم الجزء مقام الكل، ويُعامَل اسم الشخص أو خصلة من شعره أو أي أثر من آثاره كأنه بديل له. (١) تتم مغالطة رجل القش بأن يَجْبُل المحاورة حجةً هشةً سهلة المنال غير حجة الخصم الحقيقية وينسبها إلى الخصم، ثم يُعمِل فيها مَعاوِل الهدم والتقويض، فيضفي انطباعًا زائفًا بأنه نجح في التفنيد، ويعلن انتصاره على خصمه، قد يتم ذلك عن عمدٍ فيكون حيلةً قذرةً وينم على الخبث وسوء النية والافتقار إلى الأمانة في الجدل، وقد يتم عن غير عمد فينم على الغفلة أو الجهل ويكون، في كل الأحوال، مضيعةً للوقت وإهدارًا للجهد في معركة وهمية غير ذات صلة وتُرَّهةٍ خارجة عن الموضوع! ثمة طرائقُ مختلفةٌ لاتخاذك رجلَ القش: فقد تُقَدِّم الجوانب الأضعف من نظرية الخصم وتتظاهر بأنك تُفنِّد النظرية من كل جوانبها، وقد تقدم حجة الخصم في صورة مضَعَّفة أو مبسطة، وقد تشوه أو تحرِّف حجة الخصم أو تسيء تمثيلها، وقد تختلق شخصًا وهميًّا تنسب إليه أقوالًا وأفعالًا وعقائد وتتظاهر بأنه يمثل الطائفة التي ينتمي إليها الخصم.

стр. 129

لم تَرِد مغالطة رجل القش في تراث أرسطو على نحوٍ صريح، غير أنه أوصى بالأمانة والإخلاص fidelity في تمثيل آراء الآخرين على حقيقتها، واعتبرها شرطًا للجدل الحقيقي، وحذَّر من الاكتفاء بإسباغ مظهر الآراء الأخرى دون جوهرها، واعتبر ذلك ضربًا من السفسطة، تدل هذه الوصايا الأرسطية على أنه أدرك مغالطة رجل القش وميَّزها، وإن لم يُدْرِجها في قائمة المغالطات ويسبغ عليها اسمًا. (١) التحريف بالتجزيء قد تتناول جزءًا صغيرًا من موقف الخصم، فتأخذه بأكثر من حجمه، وتفْرِط في تعميمه فتعامله كما لو كان ممثلًا لموقفه الكلي، بينما هو لا يمثل شيئًا ذا قيمة، وإنه لتبديدٌ للطاقة وإجهاضٌ للجدل، فضلًا عن كونه إجحافًا ومغالطة، أن تتناول بالتفنيد جانبًا هامشيًّا من جوانب المذهب أو صيغة ضعيفة مفرطة التبسيط لموقف الخصم، إن الأيديولوجيات التي كسبت أنصارًا ودامت حقبًا هي، على الأرجح، أنساقٌ تتمتع بمزايا معينة عليك أن تقف عليها وتكتنهها؛ حتى يتسنى لك أن تفندها في جوانبها القوية، فالمسألة الجديرة حقًّا بالتناول إنما ينبغي التماسُها في هذه الجوانب القوية وعلى هذا المستوى الرفيع. (٢) التصنيف والتنميط يميل العقلُ البشري بطبيعته إلى تصنيف الأشياء وتنميطها (حتى ليغدو ذلك شرطًا من شروط الإدراك)؛ لأن العقل لا مَحِيد له عن أن يفرض نظامًا على الفوضى ويضفي معنى على الشواش، ربما لذلك يميل المرء أحيانًا إلى أن يصنف الخصم تصنيفًا خاطئًا ويتوسَّم فيه غيرَ ما هو، ويُسقط عليه من تصنيفاته الفئوية الخاصة ما لا يناسبه، وكان المرء هنا يكشف عن ذات نفسه أكثر مما يكشف عن الآخر، ويَسرِي عليه قول سبينوزا: «إنَّ ما يقوله بولس عن بطرس يخبرنا عن بولس أكثر مما يخبرنا عن بطرس.» وقد يميل المرء إلى «التنميط» stereotyping فيدمغ الخصم بصفاتٍ معينة تميز الجماعة أو الطائفة التي ينتمي إليها، بينما الخصم يرى رأيًا يحيد كثيرًا عن تلك الطائفة

стр. 130

أو يذهب مذهبًا يمثل جناحًا معينًا منها، والذي قد يختلف اختلافًا مهمًّا عن آراء الأجنحة الأخرى من نفس الطائفة. (٣) رجل القش المتطرف ويجري مجرى التبسيط أن ترمي الخصم بالتطرف وهو معتدل، وبالمطلقية وهو نسبي، والحق أن أمثل النماذج لرجل القش هو أن تهوِّل من موقف الخصم وتزيحه من الأواسط إلى الأطراف، ذلك أن المواقف المتطرفة أسهل في التفنيد لأنها لا تسمح باستثناءات، انظر إلى هذا الطيف من المواقف: كل «أ» هو «ب». معظم «أ» هو «ب». بعض «أ» هو «ب». بعض «أ» ليس «ب». معظم «أ» ليس «ب». لا أحد من «أ» هو «ب». الأطراف هنا هي: «كل «أ» هو «ب»»، «لا «أ» هو «ب»»، هذه المواقف هي الأيسر تفنيدًا، ولا يلزم لتقويضها إلا «مثال مضاد» counterexample واحد، مثل هذه القضايا الكلية هي عادة كاذبة (ما لم تكن «أ» و «ب» مرتبطتين بالتعريف)، وذلك بحكم طبيعة العالم وتكوينه، وتزداد صعوبة هذه القضايا في التفنيد تدريجيًّا حتى تبلغ أوج الصعوبة في أوسطها: «بعض «أ» هو «ب»»، «بعض «أ» ليس «ب»»، فلِكي تفند إحدى هاتين القضيتين يتعين عليك أن تثبت أحد الطرفين: «لا «أ» هو «ب»» أو «كل «أ» هو «ب»» على الترتيب، المتطرفون إذن هم القائلون بمذاهب تبدأ ب «كل» أو «لا أحد»، فالمتطرفون في قضية الإجهاض مثلًا هو القائلون: «كل إجهاض مباح.» أو «كل إجهاض حرام.» من هنا دأبت مغالطة رجل القش على مهاجمة الأفكار أو الاتجاهات في صورتها المتطرفة حيث هي أضعف ما تكون. قد يكون رأي الخصم «تعميمًا مقيَّدًا» (أو مشروطًا) qualified generalization فتأخذه أنت مأخذَ «التعميم المطلق» absolute generalization؛ لكي تسهِّل على نفسك

стр. 131

مهمةَ تفنيده بذكر مثال مضاد أو بضعة أمثلة، إنك إذن تقع في مغالطة «إغفال المقيدات» secundum quid. (١) وقد يكون رأي الخصم معتدلًا فتزيحه أنت إلى حافة الشطط والغلو التي كثيرًا ما ينقلب عندها الرأي إلى مسخٍ غريب منفِّر (أو شيطان demon) هو أبعد ما يكون عن الموقف المتوازن الذي يتخذه الخصم: فينقلب «التحرر» مثلًا إلى «تحلل»، أو ينقلب «التحفظ» إلى «تزمت»، أو ينقلب «الحزم» إلى «قسوة»، أو تنقلب «الحصافة» إلى «جبن» … إلخ، يُطلق على هذه العملية، أي عملية قلب الموقف المعتدل إلى موقف متطرف، اسم «شيطنة» demonization (إضفاء الصبغة الشيطانية)، ويمكن بالتالي تسمية هذه المغالطة الفرعية اسم straw demon (شيطان القش). كان دور رجل القش تاريخيًّا هو أن يُهوِّل مخاطر التغيير! يذكرنا التاريخ أن بضعةً من المفكرين والمصلحين يدعون إلى التحرر والتسامح قد تم سحقهم بفيالق جرارة من «رجال من القش» يدعون إلى الفوضى والإباحة وتدمير المجتمع … إلخ، وكان دور رجل القش سياسيًّا، وما يزال، هو تأليب الرأي العام بالتعبير الخاطئ عن مواقف الخصوم السياسيين أو زعماء الأحزاب الأخرى. (٤) كيف نحدد موقف الخصم الذي سنتناوله بالتفنيد علينا، مثلما أوصى أرسطو من قبل، أن نمثل رأي الآخرين، تمثيلًا أمينًا وكاملًا وجوهريًّا، ولن يتسنى ذلك إلا بأن نحدد قائمة التزامات الخصم بكاملها، تلك الالتزامات التي ألزم نفسه بها في الحوار، والمسجَّلة عليه كتابيًّا أو صوتيًّا من خلال أسئلته أو إقراراته التي طرحها طوال الحوار، المشكلة هنا مشكلة عملية: كيف يمكنك أن تثبت أن موقفًا ما لخصم ما قد تم تحريفه في حالةٍ معينة؟ الأمر هنا يتوقف على تأويل ما عناه الخصم بقوله، واستشفاف موقفه الحقيقي في مسألة معينة، وهي مهمة صعبة أحيانًا بسبب تعدد التأويلات الممكنة. من الأفضل بطبيعة الحال أن يتم التسجيل الدقيق لمجريات الحوار: صوتًا وكتابةً وشهودًا؛ وذلك لتجنب عثرة «أنت قلت/ لا لم أقل»، غير أنه ليس من الميسور في المجالات

стр. 132

اليومية المعتادة أن نتجنب هذه العثرة، وذلك لقصور الذاكرة البشرية من جهة، ولتفاوت الفهم وتأويل الأقوال من جهةٍ أخرى. (٥) مبدأ الإحسان principle of charity وهنا تتجلى أهمية المبدأ المسمى «مبدأ الإحسان» في تأويل النصوص وفهم الآخرين: فحيثما تشعَّبت التأويلات الممكنة لقول الخصم، فإن من الحكمة أن تفسر الشك لمصلحة الخصم وأن تتناول التأويل الأوجه والأقوى بالنقد والتفنيد. وقد استَنَّ كارل بوبر في مواجهة خصومه الفكريين مبدأ جديدًا يعد في ذاته درسًا من أهم الدروس المنهجية المستفادة من كتاباته، لقد دأب المفكرون طوال تاريخ الجدل والمناظرة على مهاجمة النقاط الضعيفة في دعوى الخصوم، لا نستثني من ذلك أعتى المجادلين من أمثال فولتير، غير أن لهذه الطريقة عيوبًا كبيرة: ذلك أن لكل دعوى جوانب قوية وجوانب أضعف، ومن البديهي أن جاذبية أي دعوى إنما تكمن في جوانبها القوية دون الضعيفة؛ ولذا فإن مهاجمة الجوانب الضعيفة في النظرية قد تحرج دعاتها، ولكنها لن تقوض الجوانب القوية التي يرتكزون عليها بدرجة أكبر، لعل هذا هو السر في أننا قلَّما نجد الناس تتنازل عن آرائها بعد أن تخسر جدلًا، فالأغلب أن تؤدي مثل هذه الخسارة في النهاية إلى تقوية موقفهم، إذ تدفعهم إلى التخلي عن الجوانب الضعيفة من نظريتهم أو تقويتها. أما بوبر فقد كانت طريقته هي أن يواجه نظرية الخصم من زاويتها القوية، بل يحاول تقوية نظريته أكثر فأكثر وسد ثغراتها وتزويدها بمزيد من الحجج والدعامات قبل أن يشرع في شن هجومه، إنه يريد أن يجعل من خصمه «خصمًا جديرًا بمهاجمته»، وأن ينقَضَّ على نظريته وهي في أوج قوتها وجاذبيتها، إنها طريقة مثيرة وشائقة، ونتائجها، إذا ما نجحت، قاصمةٌ مدمِّرة، ومن الصعب أن تقوم لنظريته قائمة بعد أن يكون كل ما لديها من ذخر ومصادر إمداد قد تمَّ تدميره. (١)

стр. 133

(٦) أمثلة لمهاجمة رجل من القش (١) السيد النائب يطلب خفض الزيادات المخصصة للخدمات الصحية بنسبة ٢٠?، ولكن كيف لنا أن نبخس الصحة نصيبها من اهتمامنا ونحرم أطفالنا من حقهم في التطعيم والرعاية. (قد لا نوافق النائب على اقتراحه، ولكن لاحظ أن الخفض الذي يطالب به النائب هو خفض في زياداتٍ مضافة، وليس خفضًا فيما هو قائم، وأن النسبة المطلوب خصمها (الخمس) لا تبلغ أن تكون «بخسًا»، وأن محصلة الاقتراح لن تفضي إلى النتيجة الكارثية المزعومة (لا تطعيمات، لا رعاية)، وأن النسبة المدخرة قد تقيَّض لمرفقٍ آخر ليس أقل أهمية من الصحة، كالتعليم والبحث العلمي … إلخ.) (٢) «إن التصويت لجولد ووتر إنما هو تصويت للحرب النووية» (ليندون جونسون في حملته الانتخابية عام ١٩٦٤). (٣) «كيف تحظى نظرية أينشتين بكلِّ هذا القبول وهي تذهب إلى أن كلَّ شيء مباح، وأن الأخلاق إنما هي شأن نسبي يختلف من بيئة ثقافية إلى أخرى.» (لاحظ الخلط بين نسبية أينشتين theory of relativity الفيزيائية الخالصة والنسبية، أو النسبوية، الأخلاقية moral relativism التي تتحدث عن المجال الأخلاقي والقيمي ولا صلة لها بمجال الفيزياء من قريب أو بعيد.) (٤) كثيرًا ما تؤخذ المادية الحديثة، والتي تُسمَّى أحيانًا «المذهب الفيزيائي» physicalism بجرائر المادية الكلاسيكية الساذجة القديمة. (٥) وكثيرًا ما تُفنَّد الوضعية المنطقية logical positivism تفنيدًا لا ينطبق إلا على وضعية كونت. (٦) وكثيرًا ما يؤخذ المذهب الشكلي عند أمثال كلايف بِل على أنه تركيز على الشكل على حساب المضمون، بينما تعني نظرية كلايف بِل شيئًا مختلفًا تمامًا ويكاد يتجه إلى العكس! (٧) ينبغي زيادة الدعم للأمهات المطلقات العاطلات عن العمل خلال العام الأول من الولادة حتى يتسنى لهن تقديم الرعاية اللازمة لمواليدهن. إنك تطالب بأن تنال بضع طفيليات عاطلات متبطلات ما طاب لهن من عرق دافعي الضرائب من المواطنين العاملين الشرفاء.

стр. 134

(٧) الاستخدام المشروع لرجل القش أحيانًا ما تظهرنا الصورة الكاريكاتورية على مميزاتٍ وعيوب لم نكن نلحظها في الشخص الأصلي، وكذلك يفعل التقليد الفكاهي للشخصيات والمحاكاة الأسلوبية الساخرة للمؤلفين (الباروديا parody)، وليس ما يمنع أن يستعين المرء بصورة هزلية كاريكاتورية للرأي الذي سوف يتناوله بالتحليل والنقد، ما دام يعلن ذلك إعلانًا ويُسلِّم بأن هذا ليس رأي الخصم على وجه الدقة، ولكنه كاريكاتور فيه تضخيم لعيوبٍ دقيقة ربما تلطُف على ملاحظة القارئ العادي، إنه يقدمه على سبيل التوطئة؛ لكي لا يلبث أن يُسدل عليه الستار دون طعن ويركز الضوء على هذه النقاط الدقيقة بحجمها الطبيعي وبكل الأمانة في التمثيل والطرح، في هذه الحالة يكون رجل القش تقنية بيداجوجية، أو وسيلة إيضاح مسعفة، تَتَغيَّا المزيد من الدقة في التمثيل، وتتبرأ من التحريف والتشويه وليِّ الحقائق. ••• ومهما يكن من شيءٍ فإن مهاجمة خصم من القش بدلًا من الخصم الحقيقي هي في أغلب الأحيان ضرب من الغش والجبن، وخروج عن الموضوع، ومضيعة للوقت والجهد، ومحاولة بائسة لإحراز انتصارٍ رخيص، تنم بالأحرى عن افتقارٍ إلى انتصارات حقيقية غير مختلقة، وتعطُّشٍ إلى نجاحات واقعية غير موهومة. كن رجلًا إذن، ولا يكن دَيْدَنُك أن تنسج الدُّمى وتحشوها قشًّا وتُوسعها لكمًا، متحاشيًا بين ذلك التقاء الخصوم وبأسَ الرجال: وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ … طلبَ الطعنَ وحدَه والنزالا كن محسنًا لخصمك، واعرِض حجتَه في أدق صورة وأقواها، ثم قَوِّضها تَكن قد فَعَلت شيئًا يُذْكر.

стр. 135

الفصل التاسع عشر مغالطة التَّشييء Reification; hypostatization; substantialization of abstracta رَكِبَه التشييء، فراح يفك محركَ سيارته، بحثًا عن العشرين حصانًا التي هي «قوة المحرك»! *** أراد جحا أن يتزوج، فبنى دارًا تتسع له ولأهله، وطلب من النجار أن يجعل خشب السقوف على أرض الحجرات ويجعل خشب الأرض على السقوف، فراجعه النجارُ دَهِشًا، ولم يفهم ما يعنيه، قال جحا: «أما علمت يا هذا أن المرأة إذا دخلت مكانًا جعلت عاليَه سافله؟ اقلِب هذا المكان الآن يعتدل بعد الزواج.» (١) في هذه النادرة الكوميدية «يُشَيِّئ» جحا تعبيرًا بيانيًّا رائجًا، ويُحمل استعارةً بريئةً ما لا تحتمل ويأخذها بغير ما قصدَت إليه، وفي هذه النادرة تضخيمٌ كاريكاتوري لمغالطةٍ شائعةٍ نقع فيها جميعًا، ربما كلَّ يوم، ونبتلعها جميعًا، ربما كلَّ لحظة، حين تأتي في صورةٍ أشَدَّ خفاءً، وتكتسي برداءٍ أكثرَ اعتيادًا وإلفًا.

стр. 136

«التشييء» (الأَقنَمَة) reification/ hypostatization هو أن تُعامل المجردات أو العلاقات كما لو كانت كياناتٍ (كائنات) عينية concrete entities، أو أن تَنْسِب وجودًا حقيقيًّا للتصورات العقلية أو البناءات الذهنية. لقد برع بنو الإنسان حقًّا في خلق تصورات مجردة ومفاهيم ذهنية تساعدهم على حصر الأشياء والأحداث، وتصنيفها واختزالها اختزالًا يتيح لهم من الاقتصاد الذهني ما يمكِّنهم من الإحاطة بأشياء العالم وتناولها، غير أن المأساة تكمن في أن هذه العملية قد تجري أيضًا في الاتجاه العكسي: أي معاملة التصور المجرد كما لو كان «شيئًا» حقيقيًّا، حين يحدث ذلك نكون بإزاء مغالطة منطقية عتيدة مُبيَّتة في صميم العقل البشري ذاته وفي طريقة أدائه لوظيفته. لا غرو تُعَد «مغالطة التشييء» reification من أهم المغالطات وأكثرها شيوعًا، وإن أنساقًا فلسفية بكاملها، ومذاهب سياسية واجتماعية وأخلاقية، ونظريات علمية، لتقوم على هذه المغالطة الكبيرة وتتأسس عليها، وإذا كان للفلاسفة مطلقُ الحرية في أن يقرَّروا أي الأشياء يُعد حقيقيًّا وأيها غير حقيقي، فليس من حقهم أن يُرحِّلوا تشييآتهم إلى الحقول الأخرى من البحث ملحقين بها اضطرابًا وخلطًا كان منه بُد … يَعِجُّ تاريخ العلم والاجتماع والسياسة، وحتى الرياضيات، بعثراتٍ كبرى عطَّلت مساره حقبًا، كنتيجةٍ لإلحاح المفكرين في طلب «تعريفات حقيقية» تقرر ما «تكونه» الأشياء استنادًا إلى «ما ينبغي أن تكونه» في تصورهم، وإنكار أصقاعٍ كاملة من البحث بوصفها غير حقيقية أو غير صالحة. للتشييء رغم ذلك مجالُه الذي يُستخدَم فيه، عن قصد وإدراك، لخدمة الحقيقة والتعبير عن الواقع، ذلك هو المجال البياني البلاغي كما يتجلى في ألوان الاستعارة والمجاز والتشخيص، وهي وسائل لغوية شديدة الأهمية والجدوى في الأدب والشعر (بل في العلم نفسه في بعض الأحيان!) وبعيدة عن المغالطة بحكم طبيعة التعبير ذاته وموقفنا فيه ومأخذنا له، على ألا نمتد بتلك الاستعارات البريئة إلى غير مقصدها ونَحمِلَها على غير مَحمَلِها. الحق أن التشييء ليس أكثر من استخدام «استعارة» metaphor، غير أنه، حين يكون مغالطة، يأخذ الاستعارة بعيدًا، أو يأخذنا بها؛ حتى ننسى أنها استعارة ونبدأ في الاعتقاد بأن كياناتنا التصورية المجردة لديها الخصائص العيانية التي أضفيناها عليها على سبيل الاستعارة، إن طريقتنا في وصف الشيء لها بالغ الأثر فيما نعتقده عن الشيء،

стр. 137

يعني ذلك أن انطباعنا عن الواقع تُشيِّده، إلى حد كبير، اللغةُ التي نستخدمها في وصف الواقع، هكذا تهيب بنا دراسة «التشييء» أن نتوخى الحذر في طريقتنا في وصف الأشياء، لئلا نشرع، دون أن ندري، في تصور أن وصفنا يحوي ماهيةً موضوعيةً خارج اللغة ذاتها. من الحالات النمطية للبارانويا، أو الفصام البارانوي، أن يُعاني المريض من اعتقادٍ راسخٍ بأنه مضطهدٌ من قبل إخوته وأقاربه وزوجته وجيرانه وأصدقائه وزملاء عمله، وقد يكون هناك شيء من الاضطهاد الطفيف كرد فعل لسلوكه العدواني تجاههم، وقد يكون هؤلاء انفضُّوا عنه نتيجة شكوكه واضطرابه، غير أن المريض لا يعني ب «الاضطهاد» هنا مجرد وصف لسلوك هؤلاء، ولا «يرده» إلى مجموع استجاباتهم السلوكية تجاهه، بل «يُشَيِّئ» (يُؤَقنِم) reify، hypostatize الاضطهاد ويوقن بأن هناك «قوة سرية» من وراء هذه الاستجابات السلبية، ليس «الاضطهاد» عنده مجرد «فئة» من الأحداث يصنِّف تحتها سلوكات الآخرين حياله، بل هي «كيان حقيقي» مستقل عن العالم يقبع من وراء هذه السلوكات ويسببها بطريقة سرية، وما الإخوة والأقارب والزوجة والجيران وزملاء العمل إلا عملاء لهذه «القوة»، إنها كيانٌ واقعي أفلاطوني قائم، يتمتع بوجودٍ حقيقي ووضعٍ أنطولوجي. إن التشييء ضربٌ من الجنون العقلي سهل الانكشاف في حالة البارانويا، غير أنه أصعب انكشافًا في الحالات الأكثر اعتيادًا وإلفًا، والتي نصادفها كل لحظة في حياتنا اليومية وفي حواراتنا وقراءاتنا ومشاهداتنا التليفزيونية. يُشيِّئ العرَّافون وزبائنهم مفهوم «المستقبل» وكأنه «شيءٌ» يمكن أن يقبع في المرمدة أو الفنجان أو كرة البلور، أو كأنه نوع من البلاد قائم هناك حيث تجري الحوادث التي سوف يُعاد إنتاجها على هذه الأرض حين يأتي أوانها، إنها «هناك» تمكن رؤيتها على نحوٍ غامض في الكف وثفالة البن وأوراق اللعب، وما عليك سوى انتظار وصولها مثلما تنتظر خطابًا هو في البريد بالفعل. يقول هيجل: الدولة هي الفكرة الإلهية كما توجد في الحاضر … إنها القوة المطلقة على الأرض، إنها غاية ذاتها وموضوع ذاتها، إنها الغاية النهائية التي لها الحق الأعلى على الفرد. ورغم أننا يمكن أن نفهم هيجل فهمًا استعاريًّا يبرِّئه من التشييء، إلا أن كلماته صارت تُفهم فهمًا تشييئيًّا لدى ملايين البشر من مختلف الاتجاهات: منها الماركسي،

стр. 138

ومنها النازي وغيره من ضروب الشوفينية البغيضة، وصارت تعني أن الأمة غايةٌ عُليا بمعزلٍ عن رخاء الفرد وصالحه، بمعنى أن هناك كائنًا عملاقيًّا قائمًا يسعد ويشقى ويصح ويمرض يُقال له «الأمة» نضحي من أجله بالأفراد ونذبحهم تقدِمةً لجلاله. يقول سلفادور دي مادارياجا Salvador de Madariaga في تعليقه على هذا الاتجاه: «كلَّا وألف كلَّا، الغاية العليا هي الفرد، وينبغي ألا تكون للمؤسسات الجمعية سلطةٌ عليه إلا بقدر ما يلزم لنموه الفردي الخاص.» (١) وكثيرًا ما يتحدث هواة السيكولوجيا عن «الأنا» ego و «الهو» id كأنها أنفسٌ بديلة تتناوب الأمر داخل الرأس (مثل «الشبح داخل الآلة» the ghost in the machine على حد تعبير جلبرت رايل ساخرًا من ثنائية ديكارت). ويُشيِّئ أغلب الناس الحب وكأنه كائنٌ شبحيٌّ يتلبس المحب فيسهِّده ويُبليه، الحب ليس «جوهرًا» substance بل «علاقة» relation، ليس «كائنًا» بل انسجام كائنَين، ولعل هذا التشييء هو ما يجعل المحِبَّ يستسلم للحب ولا يرجو مهربًا من حبائله، ظنًّا منه أن الأمر برُمَّته قَدَرٌ لا فكاك منه، لقد سكن الحبُّ قلبَه وأقام به فكيف له أن يطرد هذا الساكن المقيم؟! ويظل المحب يسقط نموذجه الأنثوي المثالي على محبوبته الحقيقية «الأرضية» فيجعل منها إلهًا لا وجود له إلا في خياله، حتى إذا ما اقترب منها اقترابًا واقعيًّا خاب أملُه وأخنت عليه الحقيقة، وسقط على صخرة الواقع فشَجَّته بقدر ما علا بالمثال، وصدق فيه قول المتنبي: مما أضرَّ بأهل العِشقِ أنهمُ … هَووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا تَفْنى عيونُهُم دمعًا وأنفسهم … في إثر كلِّ قبيحٍ وجهُهُ حَسَن أمثلة أخرى (١) «الطبيعة تبغض الفراغ» (لاحظ أن الطبيعة لا تبغض شيئًا). (٢) «أغراض الطبيعة دائمًا نبيلة، ومِن ثَمَّ ينبغي علينا أن نقبل بالطبيعة» (لاحظ أن الطبيعة لا أغراض لها).

стр. 139

(٣) «وحدها القوانين العادلة ما يداوي آلام المجتمع» (القوانين لا «تداوي» شيئًا، و «المجتمعات» لا تتألم). (٤) «الصناعة خطر على الطبيعة والمجتمع» (الصناعة ليست «شيئًا»، ولا تجترح أي فعل، والطبيعة والمجتمع ليسا «أشياء» لكي يُفعل بها أي شيء، بعض الصناعات قد تسبب ضررًا ببعض الأشياء الطبيعية أو بعض الأشخاص في مجتمعٍ ما، غير أن معاملة أيٍّ من هذه ككيانات، حتى لو كانت كيانات جمعية، هي مغالطة). (٥) ماذا تساوي الاعتبارات الشخصية إلى جانب حاجات المجتمع، ومصير الأمة، والحفاظ على الثقافة؟ (لاحظ أنه ما دام «المجتمع» لا حاجات له، و «الأمم» لا مصائر لها، وليس هناك «شيء» من قبيل «الثقافة» لكي تحفظه، فإن الاعتبارات الشخصية في حقيقة الأمر هي كل ما يتبقى هناك!) يمكننا بالطبع أن نفهم «الطبيعة» و «المجتمع»، و «الصناعة»، و «الأمة»، و «الثقافة» في الأمثلة السابقة فهمًا استعاريًّا مجازيًّا فلا تعود في الأمر مغالطة، غير أن الناس كثيرًا ما تعامل مثل هذه «الأنساق» الكلية كم لو كانت «كيانًا شبيهًا بالشيء»، وهنا تبدأ بالمغالطة. كان هتلر في أواخر أيامه، وقد صار على يقين من الهزيمة، يتحدث عن «الأمة» وكأنها كائنٌ حقيقي قائم بمعزلٍ عن الأفراد … كائن أعلى ينبغي أن يفديه الأفرادُ جميعًا بأرواحهم حتى لو قضوا عن آخرهم!

стр. 140

الفصل العشرون انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) Confirmation bias دَلَفَ إلى المناظرة التليفزيونية يتأبَّط أضابير منتفخة بقصاصاتٍ ووثائق تؤيد دعواه، ولعله بنصف هذا العَرَق كان قمينًا أن يجمع ضِعفيها من القصاصات والوثائق المُفَنِّدة! *** في تجربة شهيرة (١) عُرِض على المشاركين أربع بطاقات، كل بطاقة منها تحمل عددًا على أحد وجهيها وحرفًا أبجديًّا على وجهها الآخر، مثل هذا: |

стр. 141

ثمة فرضيةٌ في هذه البطاقات تقول بأنه: «إذا كان في البطاقة حرفٌ متحرك على أحد وجهيها، فإن على وجهها الآخر عددًا زوجيًّا بالضرورة.» والمطلوب من المشارك أن يقدم أسرع طريقة لاختبار هذه الفرضية (أو يُطلَب منه، بصيغة أخرى، تحديد بطاقتين اثنتين فقط عليه أن يقلبهما لكي يختبر صدق هذه الفرضية). في هذه التجربة وقع جميع المشاركين تقريبًا في الاختيار الخطأ (وهو: E، ٤) ولم يهتدوا إلى الجواب الصحيح (وهو: E، ٧)، ذلك أن عليك أن تقلب بطاقة E لتكشف إن كان هناك عدد زوجي على ظهرها، فإذا لم يكن فالفرضية كاذبة، يتعين عليك أيضًا أن تقلب البطاقة ٧ لكي تتيقن من أنها لا تحمل في ظهرها حرفًا متحركًا، فإذا وجدتَه فالفرضية كاذبة، وما دامت البطاقة E بها عدد زوجي والبطاقة ٧ ليس بها حرف متحرك فإن الفرضية صادقة، ولا يهم ما يكون على ظهر البطاقة ٤ والبطاقة K ولا يغير من الأمر شيئًا. (١) «والآن ما هو مصدر الضلال هنا؟» «لماذا نميل فعلًا إلى اختيار البطاقة ٤ بدلًا من ٧؟» يبدو أن لدينا ميلًا صميمًا إلى أن «نؤيِّد» confirm مثل هذه الفرضيات بدلًا من أن «نُفنِّدها» disconfirm، إننا نقلب البطاقة ٤ لأننا نبحث فقط عن أمثلة موجبة للفرضية وليس أمثلة سالبة، إننا أميل إلى البحث عن دليل «مؤيد» حتى إذا كان الدليل «المفنِّد» أكثر دلالةً بكثير. يفكر الواحدُ منا بمثل هذه الطريقة: «إذا قلبتُ بطاقة العدد الزوجي ووجدت حرفًا متحركًا أكون قد أيَّدتُ العبارة» غير أن العثور على مثالٍ يؤيد القاعدة لا يُثبت أن القاعدة صادقة، بينما العثور على مثالٍ واحدٍ يُكذِّب القاعدة هو أمرٌ يكفي لأن يُثبت كذبها على نحوٍ نهائي حاسم ويقضي عليها قضاءً مبرمًا. انظر أيضًا إلى المثال التالي: فهذا سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة؛ ومِن ثَمَّ فقد طلب من الباحثين لديه أن يجمعوا أمثلةً لحالاتٍ أُلغِيتْ فيها الضرائب المحلية ثم انخفضت معدلات الجرائم، وجد الباحثون

стр. 142

أن هناك مائةً من هذه الأمثلة، إذاك خلص السياسي إلى أنه محقٌّ في افتراض أنه بخفض الضرائب المحلية يمكنه أن يقلِّص الجريمة. لقد أراد السياسي أن «يؤيد» فرضيته فحسب، لا أن «يُفنِّدها»، وربما يكون بذلك قد ضلَّ السبيل، ولعل باحثيه لو جدُّوا في الطَّلَب لأتوا له بمائتي حالةٍ ارتفعت فيها الجريمة بعد إلغاء الضرائب المحلية! في مجال الاستدلال الإحصائي يُعدُّ انحياز «التأييد» confirmation (أو «التحقيق» verification) ضربًا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة، ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقة تُلزِمنا بأن نحاول تفنيد disconfirmation (أو تكذيب falsification) فرضياتنا. وفي مجال السيكولوجيا يُعرَّف انحياز التأييد بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي القرار إلى ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمةٍ، بينما يميلون إلى تجاهل الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث عنها، وهي بهذا المعنى تُعد صورة من صور «الانحياز الانتقائي» selection bias في جَمْع الأدلة. يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية «المُخَلِّدة لذاتها» و «المُحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن البشري بحُكم تكوينه يجد صعوبةً في «معالجة» processing الإشارات السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة. وتُشير الدراسات الحديثة رغم ذلك إلى أنه بينما تسود مغالطة التأييد كحالةٍ مبدئية، فإن تكرار ورود البيانات المفنِّدة يُحدث تحولات في التفكير النظري، فالمسلك العام لدى الباحثين هو استبعاد البيانات المفنِّدة في البداية باعتبارها نتاج زللٍ أو سهو أو عوامل دخيلة، غير أن تكرار البيانات المفنِّدة وتراكمها وإلحاحها في الظهور يُحدث تغيرًا في استراتيجيات الاستدلال السببي. (١)

стр. 143

(١) كارل بوبر: مذهب التكذيب falsificationism «كان بوبر مناوئًا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريقة تأييد الفرضيات أو تحقيقها، وفي تصور شديد الاختلاف والجدَّة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا تكون جديرة حقًّا بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب، كانت فكرته مدمِّرةً وبسيطة: من السهل أن تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات، سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم الصحيح، تأمل مثلًا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيًّا»، فإذا كان كل ما يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أُهرَع إلى الحديقة وأكتشف أن جميع الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيًّا، وهلمَّ جرًّا، وسرعان ما يجتمع لديَّ عددٌ هائل من الأمثلة الموجبة، ومع ذلك فلو اطَّلع أيُّ عالمِ نبات على عملي فلن يأبه له؛ لأنني لم أحاول أن أجد مثالًا «مفنِّدًا»، لم أنظر إلى حالات يمكن أن تكون «أمثلة مضادة» counter-examples، فقبل تَبَنِّي أي فرضية ينبغي عليَّ أن أفحصَ كثيرًا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص الأعشاب والسراخس، وبعامةٍ، يجب عليَّ أن أحاول جهد ما أستطيع أن «أُكذِّب» falsify فرضيتي. تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في إنتاج الكلام، فلكي يُبرهن المرءُ على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط موجب بين حالات تَلَف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بُدَّ للمرء أن يكشف ما إذا كان هناك مرضى بتلفٍ في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق، وأن يكشف ما إذا كانت هناك حالات فقدان نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذٍ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، بعكس تجميع الحالات المؤيدة، تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبِل الفرضيات عن طريق إيجاد أمثلة مؤيِّدة فسوف ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يُحصَى من الفرضيات الكاذبة والسير فيما لا يحصى من الطرق المسدودة، أما إذا ظفر بفرضيةٍ صمدت لمحاولاتٍ عنيفة لتكذيبها، فعندئذٍ يمكنه قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا باعتبارها مؤيَّدة، بل باعتبارها أفضل فرضية متاحة حتى الآن.» (١) يمكننا أن نفسرَ العلاقةَ المنطقية بين التحقيق والتكذيب كما يلي: تتنبأ النظرية القائلة بأن الدببة القطبية يجب أن تكون بيضاء بأن الدب الذي سأراه في المرة القادمة

стр. 144

سيكون أبيض، فإذا حدث أن كان الدب القادم أبيض حقًّا فقد يُغرِيني ذلك بأن أقول إن مشاهدتي هذه تؤيد النظرية، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهدة لا يمكن أن تُعد برهانًا نهائيًّا على صدق النظرية؛ ذلك لأن هناك احتمالًا سيظل قائمًا أبدًا بأن يأتي دب قادم في رَتَل الملاحظة غير أبيض، وإذا حدث هذا تكون هذه الملاحظة وحدها كافية لتكذيب النظرية بصفةٍ نهائية، هكذا يتبين لنا أن التأييد لا يحسم أمر النظرية بينما التكذيب يمكن أن يَكِيل للنظرية ضربةً واحدةً قاضية. التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم. أما عن التأييد فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأدلة التي تتسق معها وتؤيدها، وتزعم معظم النظريات التي تدعي الصفة العلمية أنها مشيدة أصلًا على أساس التفكير الاستقرائي؛ أي استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعًا، وماذا يكون التأييد هنا سوى الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة المنطقية هو عُقم لم يأتِ بجديد، أما المنهج المُجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيًّا ونفتش عن حالات مفنِّدة للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيًا للإجهاز عليها، أما إذا صمدت النظرية ستُعَد قوية وأهلًا بالأخذ بها باعتبارها أفضل فرضية متاحة آنيًّا. (٢) فرنسيس بيكون: المثال السلبي فوق المثال الإيجابي اقرأ واستمع: لا لكي تمارِي وتُفحِم، ولا لكي تعتقدَ وتُسلِّم، ولا لكي تظفر بحديثٍ أو قول، بل لكي تروز وتُمحِّص. فرنسيس بيكون يقول بيكون في «الأورجانون الجديد» Novum Organum: «من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيًا (سواء لأنه الرأي السائد أو لأنه راقَه وأعجبه) أن يَقسِر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد أكثر عددًا وثقلًا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقةً تُسوِّل له أن يزيحها وينبذها، لكي يَخلُص، بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق، إلى أن استنتاجاته الأولى لا تزال سليمةً ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابًا وجيهًا ذلك الذي بَدَرَ من رجلٍ أطلعوه على صورةٍ معلقةٍ بالمعبد لأناسٍ دفعوا نذورَهم

стр. 145

ومِن ثَمَّ نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنًا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!» وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث نجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ويغضون عنها الطرف. على أن هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاءً ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم، حيث يفرض الحكمُ الأول لونَه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان الجديد أفضل وأصوب بما لا يُقاس، وفضلًا عن هذا، وبِغَض النظر عن ذلك الهوى والضلال الذي ذكرت، فإن من الأخطاء التي تَسِم الفكرَ الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومُولَع بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد السالبة، حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، والحق أنه في عملية البرهنة على أيِّ قانون صادق يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهةً وفعالية» (الأورجانون الجديد، الكتاب الأول، شذرة ٤٦).
следующие страницы →