ثمة فرضيةٌ في هذه البطاقات تقول بأنه: «إذا كان في البطاقة حرفٌ متحرك على أحد وجهيها، فإن على وجهها الآخر عددًا زوجيًّا بالضرورة.» والمطلوب من المشارك أن يقدم أسرع طريقة لاختبار هذه الفرضية (أو يُطلَب منه، بصيغة أخرى، تحديد بطاقتين اثنتين فقط عليه أن يقلبهما لكي يختبر صدق هذه الفرضية).
في هذه التجربة وقع جميع المشاركين تقريبًا في الاختيار الخطأ (وهو: E، ٤) ولم يهتدوا إلى الجواب الصحيح (وهو: E، ٧)، ذلك أن عليك أن تقلب بطاقة E لتكشف إن كان هناك عدد زوجي على ظهرها، فإذا لم يكن فالفرضية كاذبة، يتعين عليك أيضًا أن تقلب البطاقة ٧ لكي تتيقن من أنها لا تحمل في ظهرها حرفًا متحركًا، فإذا وجدتَه فالفرضية كاذبة، وما دامت البطاقة E بها عدد زوجي والبطاقة ٧ ليس بها حرف متحرك فإن الفرضية صادقة، ولا يهم ما يكون على ظهر البطاقة ٤ والبطاقة K ولا يغير من الأمر شيئًا. (١)
«والآن ما هو مصدر الضلال هنا؟»
«لماذا نميل فعلًا إلى اختيار البطاقة ٤ بدلًا من ٧؟»
يبدو أن لدينا ميلًا صميمًا إلى أن «نؤيِّد» confirm مثل هذه الفرضيات بدلًا من أن «نُفنِّدها» disconfirm، إننا نقلب البطاقة ٤ لأننا نبحث فقط عن أمثلة موجبة للفرضية وليس أمثلة سالبة، إننا أميل إلى البحث عن دليل «مؤيد» حتى إذا كان الدليل «المفنِّد» أكثر دلالةً بكثير.
يفكر الواحدُ منا بمثل هذه الطريقة: «إذا قلبتُ بطاقة العدد الزوجي ووجدت حرفًا متحركًا أكون قد أيَّدتُ العبارة» غير أن العثور على مثالٍ يؤيد القاعدة لا يُثبت أن القاعدة صادقة، بينما العثور على مثالٍ واحدٍ يُكذِّب القاعدة هو أمرٌ يكفي لأن يُثبت كذبها على نحوٍ نهائي حاسم ويقضي عليها قضاءً مبرمًا.
انظر أيضًا إلى المثال التالي: فهذا سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة؛ ومِن ثَمَّ فقد طلب من الباحثين لديه أن يجمعوا أمثلةً لحالاتٍ أُلغِيتْ فيها الضرائب المحلية ثم انخفضت معدلات الجرائم، وجد الباحثون
стр. 142
أن هناك مائةً من هذه الأمثلة، إذاك خلص السياسي إلى أنه محقٌّ في افتراض أنه بخفض الضرائب المحلية يمكنه أن يقلِّص الجريمة.
لقد أراد السياسي أن «يؤيد» فرضيته فحسب، لا أن «يُفنِّدها»، وربما يكون بذلك قد ضلَّ السبيل، ولعل باحثيه لو جدُّوا في الطَّلَب لأتوا له بمائتي حالةٍ ارتفعت فيها الجريمة بعد إلغاء الضرائب المحلية!
في مجال الاستدلال الإحصائي يُعدُّ انحياز «التأييد» confirmation (أو «التحقيق» verification) ضربًا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة، ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقة تُلزِمنا بأن نحاول تفنيد disconfirmation (أو تكذيب falsification) فرضياتنا.
وفي مجال السيكولوجيا يُعرَّف انحياز التأييد بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي القرار إلى ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمةٍ، بينما يميلون إلى تجاهل الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث عنها، وهي بهذا المعنى تُعد صورة من صور «الانحياز الانتقائي» selection bias في جَمْع الأدلة.
يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية «المُخَلِّدة لذاتها» و «المُحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن البشري بحُكم تكوينه يجد صعوبةً في «معالجة» processing الإشارات السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة.
وتُشير الدراسات الحديثة رغم ذلك إلى أنه بينما تسود مغالطة التأييد كحالةٍ مبدئية، فإن تكرار ورود البيانات المفنِّدة يُحدث تحولات في التفكير النظري، فالمسلك العام لدى الباحثين هو استبعاد البيانات المفنِّدة في البداية باعتبارها نتاج زللٍ أو سهو أو عوامل دخيلة، غير أن تكرار البيانات المفنِّدة وتراكمها وإلحاحها في الظهور يُحدث تغيرًا في استراتيجيات الاستدلال السببي. (١)
стр. 143
(١) كارل بوبر: مذهب التكذيب falsificationism
«كان بوبر مناوئًا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريقة تأييد الفرضيات أو تحقيقها، وفي تصور شديد الاختلاف والجدَّة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا تكون جديرة حقًّا بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب، كانت فكرته مدمِّرةً وبسيطة: من السهل أن تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات، سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم الصحيح، تأمل مثلًا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيًّا»، فإذا كان كل ما يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أُهرَع إلى الحديقة وأكتشف أن جميع الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيًّا، وهلمَّ جرًّا، وسرعان ما يجتمع لديَّ عددٌ هائل من الأمثلة الموجبة، ومع ذلك فلو اطَّلع أيُّ عالمِ نبات على عملي فلن يأبه له؛ لأنني لم أحاول أن أجد مثالًا «مفنِّدًا»، لم أنظر إلى حالات يمكن أن تكون «أمثلة مضادة» counter-examples، فقبل تَبَنِّي أي فرضية ينبغي عليَّ أن أفحصَ كثيرًا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص الأعشاب والسراخس، وبعامةٍ، يجب عليَّ أن أحاول جهد ما أستطيع أن «أُكذِّب» falsify فرضيتي.
تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في إنتاج الكلام، فلكي يُبرهن المرءُ على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط موجب بين حالات تَلَف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بُدَّ للمرء أن يكشف ما إذا كان هناك مرضى بتلفٍ في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق، وأن يكشف ما إذا كانت هناك حالات فقدان نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذٍ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، بعكس تجميع الحالات المؤيدة، تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبِل الفرضيات عن طريق إيجاد أمثلة مؤيِّدة فسوف ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يُحصَى من الفرضيات الكاذبة والسير فيما لا يحصى من الطرق المسدودة، أما إذا ظفر بفرضيةٍ صمدت لمحاولاتٍ عنيفة لتكذيبها، فعندئذٍ يمكنه قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا باعتبارها مؤيَّدة، بل باعتبارها أفضل فرضية متاحة حتى الآن.» (١)
يمكننا أن نفسرَ العلاقةَ المنطقية بين التحقيق والتكذيب كما يلي: تتنبأ النظرية القائلة بأن الدببة القطبية يجب أن تكون بيضاء بأن الدب الذي سأراه في المرة القادمة
стр. 144
سيكون أبيض، فإذا حدث أن كان الدب القادم أبيض حقًّا فقد يُغرِيني ذلك بأن أقول إن مشاهدتي هذه تؤيد النظرية، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهدة لا يمكن أن تُعد برهانًا نهائيًّا على صدق النظرية؛ ذلك لأن هناك احتمالًا سيظل قائمًا أبدًا بأن يأتي دب قادم في رَتَل الملاحظة غير أبيض، وإذا حدث هذا تكون هذه الملاحظة وحدها كافية لتكذيب النظرية بصفةٍ نهائية، هكذا يتبين لنا أن التأييد لا يحسم أمر النظرية بينما التكذيب يمكن أن يَكِيل للنظرية ضربةً واحدةً قاضية.
التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم.
أما عن التأييد فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأدلة التي تتسق معها وتؤيدها، وتزعم معظم النظريات التي تدعي الصفة العلمية أنها مشيدة أصلًا على أساس التفكير الاستقرائي؛ أي استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعًا، وماذا يكون التأييد هنا سوى الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة المنطقية هو عُقم لم يأتِ بجديد، أما المنهج المُجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيًّا ونفتش عن حالات مفنِّدة للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيًا للإجهاز عليها، أما إذا صمدت النظرية ستُعَد قوية وأهلًا بالأخذ بها باعتبارها أفضل فرضية متاحة آنيًّا.
(٢) فرنسيس بيكون: المثال السلبي فوق المثال الإيجابي
اقرأ واستمع: لا لكي تمارِي وتُفحِم، ولا لكي تعتقدَ وتُسلِّم، ولا لكي تظفر بحديثٍ أو قول، بل لكي تروز وتُمحِّص.
فرنسيس بيكون
يقول بيكون في «الأورجانون الجديد» Novum Organum: «من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيًا (سواء لأنه الرأي السائد أو لأنه راقَه وأعجبه) أن يَقسِر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد أكثر عددًا وثقلًا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقةً تُسوِّل له أن يزيحها وينبذها، لكي يَخلُص، بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق، إلى أن استنتاجاته الأولى لا تزال سليمةً ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابًا وجيهًا ذلك الذي بَدَرَ من رجلٍ أطلعوه على صورةٍ معلقةٍ بالمعبد لأناسٍ دفعوا نذورَهم
стр. 145
ومِن ثَمَّ نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنًا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!»
وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث نجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ويغضون عنها الطرف.
على أن هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاءً ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم، حيث يفرض الحكمُ الأول لونَه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان الجديد أفضل وأصوب بما لا يُقاس، وفضلًا عن هذا، وبِغَض النظر عن ذلك الهوى والضلال الذي ذكرت، فإن من الأخطاء التي تَسِم الفكرَ الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومُولَع بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد السالبة، حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، والحق أنه في عملية البرهنة على أيِّ قانون صادق يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهةً وفعالية» (الأورجانون الجديد، الكتاب الأول، شذرة ٤٦).
стр. 146
الفصل الحادي والعشرون
إغفال المقَيِّدات
Ignoring qualifications; secundum quid
قالت القاعدة للاستثناء: لماذا تَعْلَق بجناحي دائمًا وتُقيِّدني
ولا تدعُني أبسط ظلي على العالم؟
ردَّ الاستثناء على القاعدة:
أفيقي … أنا لست عالقًا بجناحك،
أنا منك … أنا أكبرُ قوادمك،
وأشدُّ مؤيديك.
***
يتألف شطرٌ كبير من حديثنا اليومي من عبارات حول ما تكونه الأشياء على وجه الإجمال، وكيف يسلك الناس بصفة عامة … إلخ، ونحن نستند إلى هذه الأحكام العامة في جدلنا السياسي والأخلاقي وفي أغلب الشئون الهامة في الحياة الاجتماعية، غير أن علينا أن نحذر من التعنت في تطبيق هذه التعميمات على حالات خاصة قد لا تنطبق عليها، ذلك أن الظروف والملابسات تغير الحالة، والتعميم الذي يصدق على الإجمال قد لا يصدق في حالة معينة؛ لأسبابٍ وجيهة تتعلق بالظروف الخاصة (أو «العَرَضية» accidental) لتلك الحالة، حين نطبق تعميمًا على حالات فردية لا يشملها التعميم على نحو صحيح
стр. 147
فنحن نرتكب إذَّاك «مغالطة العَرَض (المباشر)» fallacy of accident، أما حين نفعل العكس ونتناول، عن غفلة أو عن قصد، مبدأ يصدق على حالةٍ استثنائية معينة ثم نمده لينسحب على المجرى العام للحالات، فإننا نرتكب «مغالطة العرض المعكوس» fallacy of converse accident، والحق أن مكمن الخطأ واحد في الحالتين، وهو إغفال المقيدات أو المحدِّدات أو الشروط التي ينطوي عليها التعميم، واستخدام القاعدة ذات الاستثناءات المقبولة على أنها قانون مطلق.
ذلك أن بمقدور التَّنَطُّع أن يخلط بين صنفين مختلفين من التعميم:
(١) «التعميم الشامل أو المطلق»: وهو تعميم لا يسمح بأي استثناء، ويكفي «مثال مضاد» counter-example واحد لدحضه أو تكذيبه.
(٢) «التعميم القابل للإبطال defeasible أو المقيَّد qualified»: وهو تعميم يسمح باستثناءات، ويتساوق مع وجود أمثلة مضادة معينة، إنه تعميم غير صارم، بل اختباري وقابل للتعديل والتطوير.
إلى هذا الصنف الأخير من التعميم تنتمي أغلب القواعد والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية والمدنية والعُرفية، وكذلك التعميمات التجريبية والفروض المسبقة، والحِكَم والأمثال والأقوال المأثورة، ويعج الحس المشترك بمثل هذه القواعد العامة التي تصدق على الجملة لا على الإطلاق، إننا نعيش فيها وبها، ونعرف بفضلها وجهتنا وننظم حياتنا وندخر طاقتنا، على أن نأخذها مأخذ الأداة التي ينبغي أن نستخدمها لا أن تستخدمنا، فهي، شأن كل أداة، قد تجلب الضرر مثلما تجلب النفع، وذلك حين يُساء استخدامها، وإساءة استخدام القواعد هي أن نأخذها مأخذ المطْلَقات حين نكون بصدد الاستثناء، أو، على العكس، حين نأخذ الاستثناء مأخذ القاعدة.
إن أصلب القواعد العملية وأشدها ثابتًا وبداهة إنما تقوم على المألوف المتاح في البيئة، وتنتسب إلى السياق الثقافي والتاريخي للمرء (مثال ذلك أن قولنا «معظم الطيور قادرة على الطيران» إنما هو تعميم تجريبي من الخبرة المتاحة، وليس ما يمنع أن تكون هناك أعداد غفيرة من طيور البطريق في القارة المتجمدة الجنوبية تقلب الآية وتجعل الصواب أن «معظم الطيور لا تطير»).
تُعَلِّمنا الخبرة أنه ما من تعميم، مهما اتسع تطبيقه وعَمَّ نفعه، إلا وله استثناءاتٌ تفلت من طائلته، في مجال القانون مثلًا نجد أن المبادئ التي تصح في عموم الأحوال
стр. 148
لا تخلو من حالات استثنائية محددة، من ذلك أن مبدأ «بطلان شهادة الشاهد بما سمع من الغير» (شهادة الرواية أو السماع عن الغير) hearsay testimony (أي أن الشهادة عن الغير لا تُقْبَل كدليل أو بينة) لا يسري إذا كان الطرف المروي عنه متوفى أو عندما يكون ناقل الشهادة يفعل ذلك ضد مصلحته الشخصية الأكيدة.
وفي محاورة يوثيديموس ينتزع سقراط من يوثيديموس، الذي يعتزم أن يصير رجل دولة، التزامًا أو تعهدًا بكثير من الحقائق الأخلاقية المتفق عليها: «من الخطأ أن تخدع»، «من الظلم أن تسرق» … إلخ، عندئذٍ يُقدِّم سقراط سلسلةً من الحالات الافتراضية التي تخرق المبدأ العام، فلا يجد يوثيديموس فكاكًا من أن يوافق على أنه قد يبدو أن من الصواب أن تخدع (لكي تنقذ مواطنيك)، وأن من العدل أن تسرق (لتنقذ حياة صديق) … إلخ.
(١) أمثلة من مغالطة العرض المباشر accident
سيارة الإسعاف التي عبرت الآن تستحق مخالفة لأنها كسرت الإشارة الحمراء.
لا شأن لي بنزيف أنفك، التعليمات صريحة: غير مسموحٍ لأي طالب بالذهاب إلى الحمام إلا بعد جرس الحصة.
لا يُسمح للسيارات بتجاوز حدود السرعة. سيارات الشرطة هي سيارات؛ إذن لا يُسمح لسيارات الشرطة بتجاوز حدود السرعة.
قَطع أجساد الناس بالسكين جريمة. الجرَّاحون يقطعون أجساد الناس بالسكين؛ إذن الجرَّاحون مجرمون.
«حسنًا ما قلتَ يا كيفالوس، ولكن لننظر في الفضيلة ذاتها، أي العدالة، فما هي؟ أهي الصدق في القول والوفاء بالدين فحسب؟ ألا ترى معي أن هذين الأمرين ذاتهما قد يكونان صوابًا أحيانًا وخطأً أحيانًا أخرى؟ لِنفرض أن صديقًا أودع لديَّ أسلحة، ثم أصيب بالجنون فيما بعد، أتراني ملزمًا بردها إليه؟ لن يقول أحد إنني ملزم بذلك، أو أنني أكون على حق لو فعلتُ ذلك،
стр. 149
كما أن أحدًا لن يعتقد بأن من واجبي قول الصدق لمن كان في مثل حالته» (أفلاطون، الجمهورية، الكتاب الأول). (١)
لا تكذب. إذن لو سألك مجرم خطير عن مكان ضحيته المستهدفة فلا تكذب عليه.
لا تقتل، ولا حتى النمل الأبيض الذي يُهاجم بيتك، ولا أعداءنا القادمين لقتالنا.
الديمقراطية تمنح الجميع حق الاقتراع؛ إذن ينبغي السماح للأطفال والمجرمين بالاقتراع.
ما دامت حرية القول مكفولة للجميع؛ إذن من حقي أن أصرخ «حريق … حريق» في مسرحٍ مزدحم.
ما دمت قد تعهدتَ بحفظ قططك داخل المنزل عندما تبنَّيْتَها من الجمعية؛ إذن ينبغي ألا تدعها تخرج خارج البيت حتى لو شبَّ فيه حريق.
ما دام الأسبرين مفيدًا لمرضى القلب؛ إذن هو مفيد أيضًا لأخي المريض بالقلب وقرحة المعدة (من المعلوم طبيًّا أن الأسبرين يُفاقم قرحةَ المعدة).
(٢) أمثلة لمغالطة العَرَض المعكوس converse accident
الزهور البرية ليست دليلًا على أن الصحراء هي أصلح تربةٍ للزراعة.
ما دمنا نسمح لمرضى المراحل الأخيرة ومرضى احتشاء القلب بتناول المورفين؛ إذن ينبغي أن يُسمح لكلِّ فرد بتناول المورفين.
ما دمتَ سمحتَ للطالب «س» الذي صدَمَته شاحنةٌ بتقديم بحثه فيما بعد؛ إذن يجب أن تسمح للفصل كله بتقديم الأبحاث فيما بعد.
стр. 150
ها أنتم ترون هذا الرجل الذي يعيش على السمك المقلي والبطاطس المقلي طوال حياته ومستوى الكولسترول في دمه أقل من المعدل.
إذا أبحنا للمصابين بالجلوكوما باستخدام الماريجوانا الطبية؛ إذن كل شخص من حقه أن يستخدم الماريجوانا.
стр. 151
الفصل الثاني والعشرون
مغالطات الالتباس
fallacies of ambiguity
كثيرًا ما يتبدل معنى الكلمات أو التعبيرات أثناء الحديثِ أو في مَساق حجة، قد يحدث ذلك عن غفلة وقد يحدث عن عمد، فيحمل الحدُّ معنى معينًا في إحدى المقدمات، ويحمل معنى مختلفًا تمامًا في النتيجة، عندما يعتمد الاستدلالُ على مثل هذه التبدلات يكون مغالطًا بطبيعة الحال، ويُطلق على هذا الفصيل من المغالطات «مغالطات الالتباس» fallacies of ambiguity، وهي في أغلب الأحيان مغالطاتٌ فجةٌ سهلة الكشف، غير أنَّها قد تِدق في بعض الأحيان وتخفى على متلقيها أو حتى على مرتكبها!
قد يخلق الالتباس خلطًا خطيرًا حتى لو لم يأتِ في مساق حُجة، ومن الأمثلة المشهورة على ذلك حوادث اصطدام السفن والطائرات من جراء الالتباس في لغة الاتصال، في السابع والعشرين من مارس عام ١٩٧٧ لقي ٥٨٣ شخصًا حتفهم عندما اصطدمت طائرتا ركاب على المَدْرج الذي خَيَّم عليه الضباب في تينيريف بجزر الكناري، قال قائد الطائرة في رسالته اللاسلكية إلى التحكم الأرضي: «نحن الآن at the take off» بمعنى «نحن في نقطة الإقلاع عن المَدْرَج»، إلا أن المتحكِّم الأرضي أخذَ الرسالة بمعنى أن الطائرة كانت منتظرةً على المدرج، وكانت النتيجة أن قضى المئات نحبهم في الصدام، تُبَيِّن مثل هذه الحالات أن المشكلات التي تنجم عن الالتباس لا يُستهان بها، وهي مشكلاتٌ شائعةٌ
стр. 152
جدًّا في الوقت نفسه، في القضايا القانونية على سبيل المثال، وفي التعاملات التجارية والتعاقدات المدنية والاتفاقيات الدولية يُشكل الالتباس وتعددُ التأويلات للنص الواحد مشكلةً عتيدة، وما تزال مشكلة «الانسحاب من أراضٍ، أو الانسحاب من الأراضي» تَسْكن ذاكرة كلٍّ منا، وهي مشكلةٌ ناجمة عن الالتباس المُبَيَّت في صميم اللغة الإنجليزية وأدوات التعريف والتنكير بها.
(١) الاشتراك (الالتباس المعجمي/ اشتراك اللفظ) equivocation
الوَرَع … ها هو ذا التباس، … بوسعه أن يلعبَ على الكفتين، مرجِّحًا أيًّا منهما على الأخرى، … كم ارتكب من الخيانات زاعمًا أنها في سبيل الله، … ولكن هيهات له أن يلبس شيئًا على رب السماء.
مكبث، الفصل الثاني، مشهد ٣
معظم ألفاظ اللغة هي ألفاظٌ «مشتركة» equivocal لها أكثر من معنًى واحد، (١) ولبعض الألفاظ نطاقٌ كبيرٌ من المعاني، يقول أبو حامد الغزالي في كتابه «المستصفَى»:
وأما الألفاظ المشتركة فهي الأسامي التي تنطبق على مسميات مختلفة لا تشترك في الحد والحقيقة البتة: كاسم «العين» للعضو الباصر، وللميزان، وللموضع الذي يتفجر منه الماء - وهو العين الفوارة - وللذهب، وللشمس، وكاسم «المشترِي» لقابل عقد البيع، وللكوكب المعروف.
الغزالي، المستصفَى، ج ١
ينشأ الاشتراك نتيجةً للتطور التاريخي للغات الطبيعية، والتي نعلم اليوم أنها تقوم على «المواضعة» convention والاتفاق، وأن علاقة الدال بالمدلول فيها هي علاقة
стр. 153
«اعتسافية» (اعتباطية) arbitrary لا ضرورة فيها، وأنها تتطور ببطء ونادرًا ما تكون التغيرات التي تلحق بها متعمدة من جانب الأفراد أو الجماعات، وقد كان هذا الاشتراك القائم في صميم المعجم اللغوي حريًّا أن يُهدد الوضوح والإفصاح ويُعطل الوظيفة الاتصالية للغة، لولا أن اللغة تتغلب على الالتباس الكامن في ألفاظها بواسطة السياق الصريح الذي يتكفل، في أغلب الأحوال، ببيان المعنى المقصود، يقول لودفيج فتجنشتين: ليس للكلمة الواحدة من كلمات اللغة معنى محددٌ دقيق، وإنما للكلمة الواحدة، كما هي مستخدمة بالفعل في الحياة اليومية، معانٍ لا حصر لها تتحدد بحسب السياقات والظروف المختلفة التي تُستخدم فيها، فالكلمة مطاطة تتسع استخداماتها وتضيق وفقًا للظروف والحاجات، ومثلها كمثل أدوات النجار - ليس لكل أداة استخدامٌ واحد وإنما استخدامات مختلفة في الظروف والحاجات المختلفة، ولا يوجد بين الاستخدامات المختلفة للكلمة الواحدة عنصرٌ مشترك محدد، وإنما يوجد بينها «تشابهات عائلية» family resemblances متداخلة مندمجة كالتي نراها بين أفراد الأسرة الواحدة.
السياق إذن من وسائلنا للتغلب على التباس الألفاظ، ومن وسائلنا الأخرى أن نستخدم «التعريف» فنتواضع على الطريقة التي سوف نستخدم بها هذه الكلمة أو تلك في سياق معين من القول، وينشأ الالتباس حين يعجز كل من السياق والتعريف عن حصر نطاق المعاني الخاص بكلمة ما في معنى واحد بعينه، ونحن حين نقوم بخلط المعاني المختلفة لكلمة أو تعبير، عفوًا أو عن قصد، فإننا إذن نستخدم اللفظة استخدامًا مشتركًا equivocally، وحين نفعل ذلك في مساق «حجة» argument نكون قد ارتكبنا «مغالطة الاشتراك» fallacy of equivocation، ذلك أن الحجة لا تكون منتجةً منطقيًّا، ولا تؤدي فعلها كحجة، ما لم تكن ألفاظها تحمل ذات المعنى في كل مرة ترد فيها، سواء في المقدمات أو في النتيجة.
حين أقول لك «كن مؤمنًا» فقد يعني ذلك «ثِقْ في رحمة الله» وقد يعني «اعتقِد في وجود الله»، وحين أقول «إنني أعتقد في» الرئيس فلان فإن ذلك يعني أنني أثق في كفاءته كرئيس، ولكن حين أقول «إنني أعتقد في» التلباثي (التخاطر) فإنني أستخدم التعبير نفسه ولكن بمعنى جِد مختلف، وهو أنني أعتقد في وجود ظاهرة التخاطر.
كذلك تحمل الألفاظ النسبية، من قبيل «جيد»، «قصير»، «صغير» … إلخ، خطر الاشتراك حين يُساء استخدامها، من ذلك أن النملة «الكبيرة» تظل حيوانًا «ضئيلًا»،
стр. 154
والفيل «الصغير» يظل حيوانًا «ضخمًا»! والباحث «الجيد» قد يكون محاضرًا «رديئًا» والجنرال «القدير» قد يكون رئيسًا «ضعيفًا»، والانتقال من أي حد من هذه الحدود إلى الآخر يُعد انتقالًا مغالطًا.
أمثلة أخرى
(١) كل قانون ينبغي أن يُطاع. قانون الجاذبية هو قانون؛ إذن قانون الجاذبية ينبغي أن يُطاع. (هنا تُستخدم لفظة «قانون» بمعنيين مختلفين، ويُسمَّى هذا الصنف من المغالطة «مغالطة التباس الحد الأوسط».)
(٢) كل العلوم تؤدي إلى الفهم الأفضل للعالم؛ إذن علوم السحر تؤدي إلى فهم أفضل للعالم. (حيث تُستخدم كلمة «علوم» بمعنيين مختلفين.)
(٣) كل قتلة الأطفال غير إنسانيين (بمعنى غير رُحماء)؛ إذن ليس هناك قاتل أطفال ينتمي إلى النوع الإنساني (بمعنى الإنسان العاقل homo sapiens).
•••
للاشتراك طاقاتٌ بلاغية هائلة حين يُستخدم للتأثير البياني والشعري والخطابي، ومن الأمثلة المأثورة للاستخدام البلاغي الموفق للاشتراك قول بنيامين فرانكلين:
«إذا لم نتعلَّق ببعضنا البعض فسوف نتعلق على انفراد.»
if we don't hang together، we will hang separately.
حيث «نتعلق» الأولى تعني «نتضامن»، والثانية تعني «نُشنَق» غير أن الحُجة صائبة لأننا حقًّا إذا لم نتضامن في مراحل الصراع أو الثورة فثمة احتمالٌ كبير بأن نفشل ونُعدَم شنقًا، وباستخدام ذات الكلمة بأكثر من معنى فقد تبلورت الفكرة واستوَت في صياغةٍ موفقة تستقر في الذاكرة بسهولة ورسوخ.
стр. 155
ومن الاستخدامات المأثورة للاشتراك قول الإمام الشافعي: «ما جادلتُ عالمًا قَطُّ إلا غَلَبته، وما جادلتُ جاهلًا قط إلا غَلَبَني!» (١)
ومنها: «دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.»
«من الفن ألا يظهر الفن!» (حيث كلمة «فن» الأولى تعني art وكلمة «فن» الثانية تعني الصنعة techne).
ليس الاشتراك بحد ذاته مغالِطًا، غير أنه يَبقَى شَرَكًا لغويًّا منصوبًا يجعلنا عرضةً للوقوع في المغالطة، وذلك حين ينجح الاشتراكُ في أن يجعل الحجةَ المغلوطة تبدو حجةً صائبة.
(٢) التشابه (التباس المبنَى/ اشتراك التركيب) Amphiboly
من الحيل المألوفة للعرافين أن يقدموا تنبؤاتهم بطريقةٍ غامضة تجعلها عصيةً على الإخفاق، تجعلها غير قابلة للدحض.
كارل بوبر
تُعد العبارة «متشابهة» amphibolous إذا كان معناها غيرَ محدد، نتيجةً لتفكك مبناها وتعثر الطريقة التي تتضام بها ألفاظها، بحيث تكون قابلة، بسبب تركيبها، لأكثر من تفسير واحد، أي «حمالة أوجه»، (٢) قد تكون العبارةُ المتشابهة صادقةً وفقًا لتأويلٍ معين، وكاذبةً وفقًا لتأويلٍ آخر، فإن أوردناها كمقدمةٍ على تأويل الصدق، واستخلصنا منها نتيجةً على تأويل الكذب، نكن قد وقعنا في «مغالطة التشابه» أو «الاشتباه» أو الالتباس النحوي أو التركيبي (التباس المبنى) amphiboly fallacy.
من حِيَل المنجمين والكُهَّان منذ أقدم العصور أن يصوغوا تنبؤاتهم في صيغ «متشابهة» غامضة ملتبسة، بحيث تتملص من أيِّ شيء كان حقيقًا أن يُكذِّب التنبؤ لو أنه كان محددًا دقيقًا، إنها «خُدعٌ تحصينية» immunization stratagems تجعل
стр. 156
النبوءةَ متمنِّعةً على التكذيب أصلًا وأساسًا، وتجعلها مساوِقةً لكل ملاحظةٍ ممكنة، وموافِقةً للشيء ونقيضه، ومهما يكن مآل الأمور فإنه سيكون متفقًا مع تأويلٍ معينٍ من تأويلات العبارة، وقد دأب الناس بدورهم على أن يُسبغوا على النبوءة التأويلَ الذي يريدون، إن مغالطة التشابه مكينةٌ في حياة البشر ضاربةٌ في صميم العقل الإنساني.
كانت المنطوقاتُ المتشابهات هي عُدَّة كاهنات الوحي في دِلفي باليونان القديمة، يروي هيرودوت أن الملك كروسوس ملك ليديا أخذ مشورة كاهنة الوحي في دلفي قبل أن يَشْرَعَ في حربه ضد سَيْرُس (قورش) ملك فارس، فكانت النبوءة:
إذا ذهب كروسوس ليحاربَ سَيْرس فسوف يُدَمِّر مملكةً عظيمة.
ابتَهَجَ كروسوس للنبوءة، وقد فهم أنها تعني أنه سوف يُدَمِّر مملكة فارس العظيمة، فزحف بجيشه لقتال سيرس ولكنه مُنيَ بالهزيمة على يد ملك الفرس، وإذ كُتب له البقاء فقد عاد إلى دلفي وشكا مُرَّ الشكوى مما لحق به بعد أن تلقى مشورة الوحي، هنالك ردَّت الكاهنات بأن نبوءة دلفي كانت صادقةً تمامًا: «بذهابه إلى الحرب دَمَّر كروسوس مملكةً عظيمةً - مملكته هو!» والحق أنك لو أنعمت النظرَ في منطوق النبوءة فسوف تلاحظ أنها لم تُبيِّن بوضوح أي «مملكة» تلك التي سيلحق بها الدمار، وقد ألمح هيرودوت إلى أن كروسوس كان ينبغي عليه، لو أنه فطنٌ حقًّا، أن يعود ثانية ليسأل الكاهنة أي «مملكة» تَعني.
وفي مسرحية مكبث لشكسبير تقول إحدى نبوءات الساحرات: «كن جريئًا رابط الجأش فاقد الرحمة، فلن يستطيع حيٌّ وضعته أنثى أن يضر بمكبث.» فلما اقتتل مكبث وعدوه ماكدوف قال مكبث: «محال أن تحاول: ليس في طاقتك أن تسفك دمي، أكثر مما في قدرتك أن تطبع في الهواء أثر حسامِك، اذهب وحارب غيري ممن تُمس جسومهم، أما جسمي ففي حماية رُقيةٍ سحرية، لا يحلها إلا رجلٌ لم تضعه امرأة.» هنالك قال ماكدوف: «أنا ذلك الرجل، دع وهْمَ رقيتك السحرية، واعلم أن ماكدوف نُزِع من بطن أمه نزعًا، ولم تضعه أمه وضعًا.» لقد وُلِد ماكدوف ولادةً أشبه بالقيصرية ولم تلده أمه ولادة طبيعية، حين أدرك مكبث «التشابه» amphiboly الذي أضاعه صاح قائلًا:
لا يَحْسُن بعاقلٍ منذ اليوم أن يُصدِّق الشياطين الخداعين الذين يغروننا بألفاظ ذات معنيين، فيَسُرُّون آذاننا بالمواعيد ثم يخيبون آمالنا - لن أقاتلك.
стр. 157
أمثلة أخرى
(١) «لا تقتل نفسك هكذا يا رجل، دعنا نساعدك.»
(٢) يقول الرجل لزميله في بلاد نيام نيام أكلة البشر: «الزعيمُ يريدُك للغداء.»
(٣) «إنني ضد الضرائب التي تعطل النمو الاقتصادي» (ماذا يريد هذا السياسي أن يقول: هل يعني أنه مناوئ لكلِّ الضرائب لأنها جميعًا تعطل نمو الاقتصاد، أو أنه مناوئ فقط لذلك الصنف من الضرائب التي من شأنها أن تعطل نمو الاقتصاد؟ بوسعك بالطبع أن تؤول العبارة وفقًا لهواك السياسي وبرنامجك الاقتصادي وتحيزاتك الخاصة، وأن تَضرِبَ صفحًا عن التأويل المضاد).
(٤) «في مقابل دهان مصنعي فأنا أتعهد بأن أدفع للسيد عطا الله مرزوق مبلغ عشرة آلاف جنيه، وأن أعطيه سيارتي الفيات فقط إذا انتهى من الدهان قبل يناير ٢٠٠٧» (إذا أنعمت النظر في منطوق هذا التعهد فسوف تجد أنه يحتمل أكثر من ثلاثة تأويلات).
(٥) «كان ضَربُ زيدٍ مبرِّحًا» (لا يُبيِّن لنا تركيب الجملة ما إذا كان زيدٌ هو الضارب أو المضروب).
(٦) ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (المعنى إذا وُقِف على «الله» مغاير للمعنى إذا وُقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾).
(٣) النَّبْر accent
(٣ - ١) النبر على الأحرف داخل الكلمة (أرسطو)
«النَّبر» (الارتكاز، التشديد، التوكيد) من المغالطات الثلاث عشرة التي بَيَّنها أرسطو في عمله الرائد On sophistical refutations، وهو بالتحديد من الأغاليط الست المعتمدة على اللغة، والتي يقول عنها أرسطو: «تلك هي الطرق التي قد نعجز بها عن أن نعني ذات الشيء باستخدام ذات الأسماء أو التعبيرات.» النبر، إذن، عند أرسطو هو ضرب من مغالطة «الالتباس» ambiguity.
ولكي نفهم ما عناه أرسطو بالنبر ينبغي أن نعلم بعض الأشياء عن اللغة اليونانية المكتوبة في زمنه، فإذا كانت اليونانية الآن تحتوي على علامات نبرٍ تُستخدم لتحديد النطق، فإن هذه العلامات لم يكن لها وجودٌ في الكتابة اليونانية القديمة، وإنما كان
стр. 158
يعرفها القارئ المُلِم باليونانية المنطوقة (مثلما هو الحال بالنسبة للغة العربية القديمة الخالية من الإعجام؛ أي النقط، والتشكيل)؛ لذا كانت بعض الكلمات تُنطَق على نحوٍ مختلفٍ بينما تُكتب على نحوٍ واحد، الأمر الذي يفتح باب الالتباس في اللغة المكتوبة.
مثال ذلك أنه في الإنجليزية قد تنطق الكلمات المتشابهة الهجاء بالنبر على المقطع الأول لتدل على الاسم، وبالنبر على المقطع الثاني لتدل على الفعل: من ذلك record = تسجيل، record = يسجِّل، وفي الإيطالية كلمة capito تعني «أصل» بينما capito بالنبر على حرف i تعني «فهمت»، وفي العربية: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣) تقرأ أيضًا «ومِن عنِده علمُ الكتاب». (١)
(٣ - ٢) النبر على الكلمة داخل العبارة
تُعَد حجةٌ ما مخادعةً وباطلة إذا تبدل المعنى داخلها نتيجة تبدَّل النبر على كلماتها أو أجزائها، فإذا ما أتينا بمقدمة تعتمد في معناها على نبر كلمة معينة، ثم استخلصنا منها نتيجة تعتمد على معنى الكلمات نفسها منبورةً على نحوٍ مختلف، نكون قد ارتكبنا «مغالطة النبر» fallacy of accent.
أمثلة
(١) ينبغي أن نكون «أمناء» مع أصدقائنا. ينبغي أن نكون أمناء مع «أصدقائنا». فهي بالنبر على كلمة «أمناء» تعني أننا ينبغي أن نكون أمناء بعامةٍ وفي المقام الأول، وهي بالنبر على كلمة «أصدقائنا» تعني أننا في حِلٍّ من الالتزام بالأمانة مع غير أصدقائنا.
(٢) جميع الناس خُلقوا «سواسية». جميع الناس «خُلقوا» سواسية.
стр. 159
فإذا كان التشديد، أو النبر، على كلمة «سواسية» فإنها تعني المساواة بين الناس على الإطلاق، أما إذا كان التشديد على كلمة «خُلِقوا» فقد توحي بضدها: أي بأن جميع الناس ليسوا الآن سواسية، بذلك يتيح النبر للناطق أن يومئ إلى السامع باستدلالٍ معين ثم يتنصلَ منه فيما بعد وينكر أنه قال ذلك!
(٣ - ٣) الاجتزاء
(الاقتباسات المنتزعة من سياقها/ النبر على عبارات أو فقرات من سياقٍ أعم.)
يُلحق بعض المناطقة تلك الاقتباسات بالنبر، باعتبار أن الاجتزاء أو الاقتباس المنبَتَّ عن سياقه يغير الارتكاز على نحوٍ مضلِّل، بينما يعده البعض مغالطة التباسٍ منفصلةً باعتبار أن ما يفعله فقدان السياق هو أكبر من ذلك: إنه السماح بعودة الغموض الطبيعي للكلمات لكي يؤكد نفسه، ذلك أن السياق، مثلما ألمحنا من قبل، هو قوام المعنى ومحدِّد القصد ومانع الالتباس، وفي غياب السياق يختلط حابل المعنى بنابله، ويمكن للمغالِط أن يأسر ما شاء من المقاطع «السائبة» ويرتكز عليها ويحمِّلها أي معنى يريد!
أمثلة
(١) في الحملة الانتخابية عام ١٩٦٦ م ادَّعى الجمهوريون أن ألجور، نائب الرئيس، قد قال «ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة»، وإنه لقائلُها! غير أن سياق عبارته كالتالي: «بعض علماء شركات الدخان سوف يدَّعون بصفاقة أن ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة … » غير أن الأدلة الراجحة المقبولة لدى الأغلبية الساحقة من العلماء تقول: «نعم، التدخين يسبِّب سرطان الرئة.»
(٢) في ظهر كتابه الأخير ادَّعى المؤلف فوسيدال أن سيدني بلومنثال يقول عنه: «يعتبره الكثيرون أنبه صحفيي جيله»، وهي عبارة منتزعة من سياقٍ ينتقد فيه بلومنثال المفكرين المحافظين ويقول، قاصدًا تسفيههم بمثال: «بين اليمنيين المحافظين فإن واحدًا مثل فوسيدال «يعتبره الكثيرون أنبه صحفيي جيله»!»
(٣) في إعلان للدعاية: تخفيضات تصل إلى ٩٠? (مع تكبير ٩٠? وتصغير «تصل إلى») أما إذا استعرضت السلع فسوف تجد أن ما «وصل» تخفيضه إلى تسعين بالمائة
стр. 160
هو جانب لا يُذكر من السلع، بينما الغالبية العظمى من التخفيضات هي أقل كثيرًا من ذلك.
(٤) حتى الصدق الحرفي يمكن أن يُستخدم للخداع بالنبر: كان قبطان إحدى السفن ممتعضًا من معاونه الأول الذي كان مخمورًا على الدوام أثناء العمل، فجعل يكتب كل يوم تقريبًا بسجل الأداء: «المعاون سكران اليوم»، فلما تَوَلَّى المعاون عملية التسجيل إذ كان القبطان مريضًا، فقد ثأر لنفسه وكتب في السجل: «القبطانُ غيرُ سكران اليوم!»
(٥) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ (النساء: ٤٣)، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: ٤).
(٣ - ٤) ألوان أخرى من النبر
يعرف الموسيقيون وقائدو الأوركسترا أننا لو غيَّرنا الارتكازات في العزف لخلقنا لحنين مختلفين! ويعرف التشكيليون أننا لو غيرنا الارتكازات في اللوحة لخلقنا دلالتين مختلفتين، والنبر في الشعر أيضًا يُسمَّى «ارتكازًا» ictus إذ تتميز بعض المقاطع عن بعض بالشدة أو اللين (الارتفاع أو الانخفاض) ويكون ذلك ناشئًا عن احتشاد الجهاز الصوتي عند إخراج بعض المقاطع دون بعض، وفي عروض الشعر العربي يضطلع النبر بدورٍ مهم ما زال قيد الدراسة والبحث، وقد قدم الدكتور شكري عياد مشروع دراسة علمية بعنوان «موسيقى الشعر العربي» أفاض فيها في تبيان تأثيرات النبر على الوقع الموسيقي للشعر، (١) ويذهب الدكتور محمد النويهي في كتابه «قضية الشعر الجديد» إلى أن النبر يمكن أن ينشئ نظامًا جديدًا للعروض العربي، مثال ذلك أن في العروض العربي بحرًا شديد الارتباط بنظام النبر والتأثر به، وهو بحر المتدارك أو الخبب، فالنبر «يلوِّن» الإيقاع في بحر الخبب ويُخرجه من أسر النظام الكمي الدقيق، ويمضي الدكتور النويهي إلى أبعد من ذلك فيقول: إن هذا البحر ينقسم إلى قسمين عظيمين يكاد كل منهما يكون بحرًا مستقلًّا إذا استمعنا إلى النظام النبري الغالب فيه.
стр. 161
وفي المذاهب والأيديولوجيات تقوم «الأولويات» مقام النبر، بمعنى أننا لو غيرنا ترتيب الأولويا ت في مذهب أو عقيدة لخرجنا بمذهب آخر وعقيدة أخرى من حيث النتاج والأثر، يعرف ذلك كثير من الأيديولوجيين حتى ليذهب بعضهم إلى أن إصلاح مذهب أو عقيدة ربما تَطَلَّب تغيير الأولويات دون مساسٍ بجوهر أي مفهوم فرعي بحد ذاته!
стр. 162
الفصل الثالث والعشرون
مغالطة التركيب والتقسيم
composition and division
تتمثل مغالطة التركيب والتقسيم في الانتقال غير المشروع من خصائص الكل إلى خصائص أجزائه المكوِّنة (تقسيم division)، أو الانتقال، على العكس، من خصائص المكونات إلى الكل (تركيب composition)، إنها ل «نقلةٌ خاطئةٌ» تخرق قواعد الاستخدام اللغوي والمنطقي السليم أن تنسب صفات الكل إلى الأجزاء، أو، في الاتجاه المقابل، أن تنسب صفات الأجزاء إلى الكل بوصفه كلًّا، ذلك أن خصائص الكل (بوصفه كلًّا) وخصائص الجزء (إذ يُفرد على حدة) ليست دائمًا بالشيء الواحد، ولا ينبغي أن نتوقع تطابقها في جميع الأحوال.
(١) مغالطة التركيب composition
هي مغالطة إضفاء صفات الجزء على الكل.
يقع المرء في مغالطة التركيب حين يذهب إلى أن ما يَصدُق على أفراد فئةٍ ما، أو أجزاءِ كلٍّ ما، يصدق أيضًا على الفئة (معتبرةً كوحدةٍ واحدة) أو على الكل بوصفه كلًّا.
ألا نشهد كل يومٍ مدرِّبًا رياضيًّا يستورد، من الخارج والداخل، خِيرة اللاعبين وأعلاهم سعرًا، ويُشكل منهم فريقًا كلُّ أفراده نجومٌ متلألئة، فإذا بفريق الأحلام هذا يفشل في كل المسابقات فشلًا مستغربًا، لا تفسره مهارات لاعبيه ونجوميتُهم؛ ذلك أن الفريق هو الكل العضوي المتآلِف وليس المجموع الجبري لأعضائه.
стр. 163
يَعْرف ذلك أيضًا قائدو الأوركسترا المتمرسون، فقد تضم الأوركسترا أمهرَ العازفين قاطبةً ثم لا تتألف منهم فرقةٌ ناجحة؛ ربما لأن كل عازف من هؤلاء يكون مأخوذًا أكثر مما ينبغي بعرض براعته بحيث لا يأتي النغمُ الكلي وحدةً متسقة.
كذلك هو الحال في ميادين القتال، فقد يَعِنُّ لقائد عمليات خاصة أنه حين يضم في فوجه أقوى رجال الجيش جميعًا يستوي له أقوى فرق العمليات، غير أن قوة الفوج تعتمد على عوامل أخرى غير قوة كل جندي على حدة: تعتمد على انسجام الأداء وسرعته، والروح المعنوية للفريق وقدرته على العمل تحت أصعب الظروف وأقل الإمدادات.
تكمن المغالطةُ هنا في عدم القدرة على إدراك أن الجماعة كيانٌ قائم بذاته ومتميز عن أعضائه، ويتصف من ثم بخصائصَ قد لا تنطبق على الأفراد، ومهما تقدم من بيِّنةٍ لإثبات جودة هؤلاء الأعضاء، كل على حدة، فإن هذه البينة غير ذات صلة حين يتعلق الأمر بتقييم الجماعة.
وكثيرًا ما نشهد في حياتنا الواقعية أمورًا تصدق على الأفراد، أو قطاعات من الأفراد، غير أنها لا تعود كذلك إذا توسعنا فيها لتشمل الجماعة بأسرها: خذ الدعم الحكومي كمثال: تُدعِّم الحكومة الحبوب فيستفيد المزارعون، وتدعم الجلود فيستفيد منتجو الجلود … وهكذا. من التسرع رغم ذلك أن «نمد تقديرنا الاستقرائي» extrapolation ونقول: إن الاقتصادَ كله حقيقٌ بالفائدة إذا دعمنا جميع المنتجات، ذلك أن المزارعين ومنتجي الجلود لا يستفيدون إلا إذا كانوا ضمن فئة صغيرة تستفيد من الدعم على حساب كل فرد آخر، فإذا ما امتدَّ المبدأ ليشمل الجميع فإن كل فرد ينال الدعم، وكل فرد يدفع الضرائب للحكومة لكي تقدم الدعم، وكل فرد من ثم يخسر الكثير مما يَصُب في جيب البيروقراطية التي تدير هذه التحويلات!
حين نُنعِم النظرَ إلى مفهوم ال «كل» Whole نجد لدينا صنفين من الكل: هناك «الكل البنائي أو التركيبي» structured whole (١) أي الكل «المركب» من أجزاء مثل: الآلة،
стр. 164
فريق الكرة، العمل الروائي … إلخ، وهو بالطبع أكثر من مجموع أجزائه، وهناك أيضًا «الكل غير التركيبي» unstructured whole أو الكل التراكمي، وهو كومة من الوحدات أو العناصر التي تؤلف هذا الكل، في هذه الحالة يكون الكل هو مجرد مجموع عناصره لا أكثر، مثال ذلك حبات الفول في العلبة أو حبات الرمل في حِفنة الرمل أو النسخ المفردة في الرزمة، وفقًا لهذا التقسيم لمفهوم «الكل» يمكننا أيضًا تصور صنفين من مغالطة التركيب:
(١) مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الأجزاء إلى خصائص الكل بوصفه كلًّا، مثال ذلك أن نقول: «كل جزءٍ من أجزاء هذه الآلة خفيف الوزن؛ إذن هذه الآلة خفيفة الوزن.» أو أن نقول: «كل مشهد في هذه المسرحية متقنٌ فنيًّا؛ إذن هذه المسرحية متقنةٌ فنيًّا.» أو أن نقول: «كل قطعة من الأسطول جاهزة للقتال؛ إذن الأسطول جاهزٌ للقتال.»
стр. 165
(٢) مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الأفراد أو العناصر إلى خصائص الفئة الكلية التي تضم هذه العناصر، مثال ذلك أن نقول «الباص يستهلك بنزينًا أكثر من السيارة الخاصة؛ إذن الباصات (كفِئَةٍ) أكثرُ استهلاكًا للبنزين من السيارات.»
بوسعنا أن نرد هذا الصنف من مغالطة التركيب إلى الخلط بين الاستعمال «الإفرادي» distributive والاستعمال «الجَمعي» collective للحدود العامة أو الكلية، الحق أننا نستخدم أحيانًا الأسماء العامة، أو حتى كلمة «كل» نفسها، ونقصد بها «كل فرد» من الفئة مُعتبَرًا على حدة، ونستخدمها أحيانًا أخرى ونعني بها «الفئة» ككل. نعم، الباصات تستهلك بنزينًا أكثر من السيارات الخاصة «إفراديًّا» distributively أي باعتبار كل باصٍ وكل سيارة على حدة، أما «من الوجهة الجمعية» collectively فالسيارات الخاصة أكثر استهلاكًا بكثير نظرًا لكثرتها العددية. تكمن المغالطة هنا في القول بأن ما يمكن إسناده إلى اللفظة الكلية على نحوٍ «إفرادي» يمكن إسناده إليها أيضًا على نحو «جمعي».
(١ - ١) متى يكون الانتقال من خصائص الأجزاء إلى خصائص الكل مشروعًا؟
الحق أن الانتقال بين خصائص الأجزاء وخصائص الكل يكون مشروعًا في كثير من الأحيان (وربما في أغلبها)، إنما نهدف من تحليل المغالطات إلى أن نضبط تفكيرنا في جميع الأحوال، وأن نقف على الأساس المنطقي الذي يجعل نقلتنا الاستدلالية صحيحة ويَزَعنا من النقلات الخاطئة في التأمل وفي الجدل، انظر إلى الأمثلة التالية وجميعها صائبةٌ في الانتقال من خصائص الأجزاء إلى خصائص الكل:
جميع أجزاء هذا الكرسي بيضاء؛ إذن هذا الكرسي أبيض.
جميع أجزاء هذا الجلباب قطنية؛ إذن هذا الجلباب قطني.
كل جزء من هذه الآلة حديدي؛ إذن هذه الآلة حديدية.
стр. 166
ما الذي يجمع بين هذه الخصائص «أبيض للكرسي»، «قطني للرداء»، «حديدي للآلة»، ويجعل الانتقال مشروعًا من الجزء إلى الكل؟
يَرُدُّنا هذا السؤال إلى تقسيمٍ للخصائص من حيث كونها:
مطلقة أو نسبية.
معتمدة على البنية أو مستقلة عن البنية.
الخصائص المطلقة: هي التي لا تنطوي على مقارنة، صريحة أو ضمنية، بشيء آخر، أو بمعيار أو محك مثال ذلك أسماء الألوان، أو الخامة المصنوع منها شيء ما، أو الصفات المتعلقة بالشكل أو الحقائق الثابتة مثل قابلية الاشتعال أو السُّمِّية أو قابلية الأكل … إلخ، أمثلة للخصائص المطلقة: أبيض، أحمر، قطني، دائري، مربع، سام، قابل للاشتعال
الخصائص النسبية: هي التي تنطوي على مقارنة، صريحة أو ضمنية، بشيء آخر، أو بمعيارٍ ما، مثل وزن الشيء، ومثل المقاسات (الطول والعرض والعمق والحجم … إلخ)، ومثل القوة، السعر، صفات الشخصية، المظهر … إلخ.
الخصائص المستقلة عن البنية structure-independent properties: مثالها: أخضر، نحاسي، ثقيل، خفيف، قوي
الخصائص المعتمدة على البنية structure-dependent properties: مثالها: جيد، رديء، مثلث، مُربع، قوي، قابل للأكل.
خلص بعض المناطقة إلى أن الانتقال بين صفات الكل وصفات الجزء لا تكون مشروعة إلا في حالة الخصائص «المطلقة المستقلة عن البنية»، وفيما عدا ذلك من الخصائص يكون الانتقال عرضة لخطأ التركيب والتقسيم.
أمثلة أخرى لمغالطةالتركيب
جميع أجزاء هذه الآلة خفيفة الوزن؛ إذن هذه الآلة خفيفة الوزن.
جميع مكونات هذا العقار رخيصة؛ إذن هذا العقار رخيص.
стр. 167
كلا العددين ١، ٣ هو عدد فردي. ١، ٣ هما كل أجزاء العدد ٤؛ إذن العدد ٤ هو عدد فردي.
الذرات لا لون لها. الكرة مكوَّنة من ذرات؛ إذن الكرة لا لون لها.
الصوديوم والكلور كلاهما سام للإنسان؛ إذن كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) سام للإنسان.
الهيدروجين غاز قابل للاشتعال، والأكسجين غاز يساعد على الاشتعال؛ إذن المادة المكوَّنة من اجتماعهما (الماء) ينبغي أن تكون غازًا هائل الاشتعال.
أعرف أنك تحب الحليب، وتحب التمر، وتحب السمك وقد خلطُّها لك جميعًا في هذا الطبق الذي تشتهيه!
الفيل يأكل أكثر مما يأكله الفأر أضعافًا مضاعفة؛ إذن الفيلة (كفئةٍ) تأكل أكثر مما يأكله جميع الفئران على الأرض.
القنبلة النووية أكثر تدميرًا من القنبلة العادية؛ إذن القنابل النووية التي أُلقِيَت في الحرب العالمية الثانية خلَّفت دمارًا أكثر مما خلفته جميع القنابل الأخرى.
كل عضو في المحكمة العليا لديه تحيزاتُه الشخصية؛ إذن قرارات المحكمة ككل هي النتاج المحتوم لهذه العناصر الشخصية. (لاحظ أن فكرة القرارات الجمعية ذاتها هي أن تَجَمُّع المعرفة يمهد لحكمٍ أقرب إلى الصواب من حكم أي عضو واحد من المجموعة إذ يفكر بمفرده.)
أفاد أحد أعضاء المجلس بأن فرض تعريفة على اللحوم سوف يفيد منتجي اللحوم، وفرض تعريفة على الفحم سوف يفيد عاملي المناجم، وفرض تعريفة على لعب الأطفال سوف يفيد منتجي اللعب، وبالتالي فإن فرض تعريفة على كل السلع سوف يفيد منتجيها، وبالتالي سوف يفيد المجتمع ككل. (لاحظ أن جميع المنتجين هم أيضًا مستهلكون، وبالتالي فإن فرض تعريفة على كلِّ شيءٍ قد يُكلف الناس، إجماليًّا، أكثر مما يفيدهم، كما أنه يُفضي إلى مضاعفات وخيمة على التجارة الدولية وعلى الإنتاج المحلي.)
стр. 168
جميع أجزاء هذا الشكل مثلثة؛ إذن هذا الشكل مثلث!
(٢) مغالطة التقسيم division
مغالطة التقسيم هي، ببساطة، مقلوبُ مغالطة التركيب أو ظلُّها؛ أي إضفاء خصائص الكل على المكونات، أو الانتقال غير المشروع من خصائص الكل إلى أجزائه المكونة، يقع المرء في هذه المغالطة حين ينسب إلى أفراد جماعة شيئًا لا يَصدُق إلا على الجماعة كوحدة، أو حين يظن أن ما يصدق على الكل لا بُدَّ له من أن يصدق أيضًا على أجزائه.
يمكننا تصنيف هذه المغالطة أيضًا، وفقًا لتصنيف مفهوم «الكل» إلى «كلٍّ تركيبي بنيوي»، و «كلٍّ تراكمي غير بنيوي»، إلى نوعين:
(١) مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الكل بوصفه كلًّا إلى خصائص أجزائه المكوِّنة، مثال ذلك أن تقول: هذه الآلة ثقيلة، أو معقدة أو ثمينة، إذن هذا الجزء أو ذاك من الآلة هو بالضرورة ثقيل (أو معقد أو ثمين)، أو أن تقول إن سكن الطلاب ضخم جدًّا، إذن غرفة هذا الطالب المقيم في هذا السكن لا بُدَّ من أن تكون غرفة كبيرة.
(٢) مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الفئة الكلية إلى خصائص الأفراد أو العناصر المكونة لهذه الفئة، مثال ذلك أن تقول: إن طلاب الجامعة يدرسون الطب والهندسة والقانون والأسنان والعمارة، إذن هذا الطالب الجامعي أو ذاك يدرس الطب والهندسة والقانون والأسنان والعمارة، ذلك أن طلاب الجامعة من «الوجهة الجمعية» collectively يدرسون فعلًا كل هذه الأفرع، غير أن من الخطأ أنهم «إفراديًّا» distributively يدرسون كل هذا، وكثيرًا ما تبدو الحجج المعتمدة على هذه المغالطة
стр. 169
شبيهة جدًّا بالحجج الصائبة؛ وذلك لأن من الحق أن ما يصدق «إفراديًّا» على الفئة الكلية يصدق أيضًا على كلِّ عضو فيها (إذا كانت الجماعة «س» مثلًا هم من الأطباء، فمن البين أن هذا العضو أو ذاك من هذه الفئة هو بالضرورة طبيب) ومِن ثَمَّ ينبغي التفطن إلى المغالطة الخفية التي تنتقل من صفة تصدق «جمعيًا» على فئة كلية وتلصقها بكل فرد من أفراد هذه الفئة (مثال ذلك: التعليم في الأردن رفيع المستوى، إذن هذا الخريج الأردني رفيع المستوى).
كثيرًا ما تستخدم مغالطة التقسيم لجلب شرف شخصي إلى حوزتنا بفضل انتمائنا لفئة تستحق التقدير، مثال ذلك أن أقول لك:
«المصريون نوابغ في الطب منذ أقدم العصور، إذن دع لي هذا المريض وكن مطمئنًا.»
وكثيرًا ما تُستخدم، بنفس القياس، لجلب الخزي إلى مناوئينا بسبب انتمائهم لفئة موصومة بشيء معين.
(٢ - ١) أمثلة أخرى لمغالطة التقسيم
العدد ٤ عدد زوجي. ١، ٣ هما كل أجزاء العدد ٤؛ إذن ١، ٣ هما عددان زوجيان.
الكرة زرقاء؛ إذن الذرات التي تكوِّن الكرة هي أيضًا زرقاء.
الخلية الحية هي مادة عضوية؛ إذن المواد الكيميائية المكونة للخلية لا بُدَّ من أن تكون أيضًا مادة عضوية.
كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) مادة قابلة للأكل؛ إذن كل من الكلور والصوديوم هو مادة قابلة للأكل.
القنابل التقليدية أحدثت دمارًا أكثر مما أحدثته قنبلتا هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية؛ إذن القنبلة التقليدية أشد تدميرًا من القنبلة النووية.
هذا الجدار القرميدي طوله عشرة أقدام؛ إذن قوالب القرميد في هذا الجدار طولها عشرة أقدام.
стр. 170
المخ قادر على التفكير والوعي؛ إذن كل خلية مخية قادرة على التفكير والوعي.
مجلس الوزراء متردد في اتخاذ القرار؛ إذن الوزراء مترددون في اتخاذ القرار. (لاحظ أن المجلس، معتبرًا ككل، قد يكون مترددًا لا لشيء إلا لأن نصف أعضائه يرون بحسمٍ عكس ما يراه النصف الآخر بحسمٍ مثله.)
يستطيع النمل أن يدمر شجرة؛ إذن هذه النملة تستطيع أن تدمر شجرة.
الشعراء في مصر ينقرضون؛ إذن الشاعر مسعد عبد العاطي ينقرض.
стр. 171
الفصل الرابع والعشرون
إثبات التالي
affirming the consequent
العبارة الشَّرْطيَّة conditional هي العبارة التي تضع شرطًا condition (يُسمى المقدَّم antecedent) ثم تمضي (في «التالي» consequent) لتتحدث عما يلزم عن هذا الشرط؛ أي لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق هذا الشرط، وفي مغالطة إثبات التالي يتم الانتقال في الاتجاه العكسي، من إثبات التالي إلى إثبات المقدَّم.
في كتابه «المنطق الصوري والرياضي» يقول د. عبد الرحمن بدوي: «يقع المرء في هذه الأغلوطة حينما يعتقد أن الشرط ولازمَهُ (أي المقدَّم والتالي) في القضية الشرطية منعكسان؛ أي أن بوسعه أن يعكس القضية فيمضي من التالي إلى المقدَّم، مثلما هو يمضي من المقدم إلى التالي، كأن يقول:
إذا كان الحكم النيابي صالحًا لمصر لَبَقِيَ فيها مدة طويلة،
وما دام الحكم النيابي قد بقي في مصر مدة طويلة؛
إذن هو حكم صالح لمصر.
وتُرتكَب هذه الأغلوطة في كلِّ حالة نعتقد فيها أن نظرية ما صحيحة لأن نتائجها التي لا بُدَّ أن توجد إذا كانت صحيحة هي نتائج موجودة؛ فنظن أن التحقيق
стр. 172
verification كافٍ للبرهنة على صحة النظرية، والاستنتاج في هذه الأحوال لا يكون صحيحًا إلا في الحالة التي نجزم فيها بأن هذه النظرية وحدها هي التي تفسر حدوث هذه النتائج، وفيما عدا ذلك لا يكون الاستنتاج مفيدًا لليقين.» (١)
يرى البعض أن هذا في حقيقة الأمر هو أساس المنهج العلمي: فإذا كانت النظرية العلمية «أ» يلزم عنها التنبؤ «ب»، فإن كل ملاحظة صادقة للتنبؤ «ب» تزيد من احتمال صدق النظرية «أ»:
إذا صَدَقَت النظرية «أ» لَوُجِد التنبؤ «ب»،
التنبؤ «ب» موجود؛
إذن النظرية «أ» صادقة.
وهو كما ترى مأزق حقيقي تقع فيه نظرية «التحقيق» verification (أو التأييد confirmation) فمهما جمعنا من ملاحظات عن «ب» التي تلزم عن «أ»، فسوف يظل هناك احتمال قائم أبدًا بأن تأتي الملاحظة القادمة مكذِّبةً للنظرية «أ».
•••
والآن انظر إلى الحُجة التالية:
إذا كان شيءٌ ما إنسانًا فهو إذن فان.
سقراط إنسان؛
إذن سقراط فان.
إنها بالطبع حُجة صائبة تمامًا ولا غبار عليها البتة، ولكن انظر إلى الحجة القادمة التي يتم فيها عكس القضية والمضي من إثبات التالي إلى البرهنة على المقدَّم:
إذا كان شيء ما إنسانًا فهو فانٍ،
سالي فانية؛
إذن سالي إنسان.
стр. 173
وهنا يتبدى الخطأ بوضوح، فالحق أن سالي قد تكون قطة، فانية بكل تأكيد، ولكنها ليس إنسانًا. وانظر إلى الحُجة التالية:
إذا كنت أنا أطول من سلمى، لكانت سلمى قصيرة.
سلمى قصيرة؛
إذن أنا أطول من سلمى.
ومن الشائق حقًّا أن دراسةً أُجريت على الأشخاص غير المدربين في المنطق قد كشفت أن أكثر من ثلثي المشاركين يقبلون مثل هذه الحجج المغلوطة، (١) إنها حجج تتشبه بالحجة الأولى الصحيحة التي صورتها:
إذا كان «أ» كان «ب»، وما دام هناك «أ»، إذن هناك «ب».
أو بتعبير آخر:
إذا «أ» إذن «ب»،
«أ»
إذن «ب».
غير أنها تختلف عن هذا اختلافًا مهمًّا؛ لأن صورتها كالآتي:
إذا كان «أ» كان «ب»، وما دام هناك «ب»؛ إذن هناك «أ».
أو بتعبير آخر:
إذا «أ» إذن «ب»،
«ب»
إذن «أ».
стр. 174
فالمشكلة هنا هي وجود افتراض مضمر مُفادُه أن «أ» فقط هي التي يلزم عنها «ب»، وهو افتراض لم يَرد في القياس، ذلك أن قياس الحجة يترك الاحتمالات مفتوحة لأشياء أخرى يلزم عنها «ب». يمكن أن يُترجم هذا إلى الصورة التالية:
إذا «أ» إذن «ب»،
إذا «ج» إذن «ب»،
«ب»
إذن «أ».
وهو كما ترى قياس بيِّن الخطأ، ولا يصح عكس القضية الشرطية إلا إذا أخذت صورة: إذا - وفقط إذا - «أ» إذن «ب» if، and only if، A then B.
•••
يندر أن ينخدع أحدٌ بهذه المغالطة حين تأتي في صورةٍ صارخة فجة، غير أنها قد تخفى على أفطن الناس عندما تأتي متسربلةً بنصوصٍ جليلة أو مشحونة بعواطف قوية، وكثيرًا ما نصادف هذا الخطأ المنطقي في الإعلانات التليفزيونية والخُطب السياسية:
إذا كنتَ فتًى رياضيًّا جذابًا قوي الشخصية فسوف ترغب في شراء سيارة BMW.
وباقي القياس مضمر تقديره:
أنت ترغب في شراء سيارة BMW.
أنت، إذن، فتًى رياضي جذاب قوي الشخصية.
ومن الثابت المسجل تاريخيًّا أن كلا الطرفين في المناقشات عن الإرهاب في بريطانيا قبل تفجيرات ٧ يوليو ٢٠٠٥ كانا يستخدمان هذه المغالطة، فقد كان بعض أعضاء الحكومة البريطانية يُحاجُّ بأن القوانين البريطانية المضادة للإرهاب كافية لمنع أي هجمات إرهابية، ومن حيث إنه لم تحدث هجماتٌ إرهابية في بريطانيا، إذن القوانين البريطانية المضادة للإرهاب كافية:
إذا كانت القوانين المضادة للإرهاب كافية فلن تحدث؛ إذن هجمات إرهابية،
لم تحدث هجمات إرهابية؛
إذن القوانين المضادة للإرهاب كافية.
стр. 175
هكذا استخدم أعضاء الحكومة البريطانية حجة «إثبات التالي» affirming the consequent، والتي تَبيَّنَ خطؤها في ٧ يوليو ٢٠٠٥، أما الطرف الآخر، أنصار الحريات المدنية، فقد حاجُّوا بأنه لا حاجة لبريطانيا إلى قوانين جديدة لأن الإرهابيين لا يستهدفون سوى الولايات المتحدة، وكان تبريرهم لذلك هو أنه لو كان الإرهابيون معنيين بمهاجمة بريطانيا لحدثت هجماتٌ إرهابية، وهو ما لم يحدث:
إذا كان الإرهابيون مَعْنِيِّين ببريطانيا لَحدثَتْ هجماتٌ إرهابية،
لم تحدث هجمات إرهابية؛
إذن الإرهابيون غيرُ معنيين ببريطانيا.
وهو أيضًا مثال ل «إثبات التالي» affirming the consequent الذي تَبَيَّن خطؤه في السابع من يوليو ٢٠٠٥.
(١) أمثلة أخرى لمغالطة إثبات التالي
إذا كنتُ في الإسكندرية فأنا في مصر. أنا في مصر؛ إذن أنا في الإسكندرية.
إذا كانت الطاحونة تلوث مياه النهر لزادت حالات موت الأسماك. حالات موت الأسماك في ازدياد؛ إذن الطاحونة تلوث مياه النهر. (من الواضح أن موت الأسماك يمكن أن يحدث لأي سبب آخر، كاستخدام المبيدات الحشرية.)
أنت تكذب في قولكَ، وأنت لا تجيد الكذب فيحمر وجهك دائمًا عندما ترتكبه، وها هو وجهك متورد وأنت تتحدث.
إذا سقط المطر لَابْتَلَّ الرصيف. الرصيف مبتل؛ إذن لا بُدَّ من أن يكون المطر قد سقط. (قد تكون البلدية قد غسلت الرصيف للتو!)
стр. 176
إذا كان ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل لكان كاتبًا رائعًا. ستيفن كينج كاتب رائع؛ إذن ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل.
جميع الفصاميين يتصرفون بطريقة غريبة. هذا الشخص يتصرف بطريقة غريبة؛ إذن هذا الشخص فصامي.
إذا كان هذا المتهم أهلًا للمحاكمة فسوف يجيب بالتأكيد عن ٨٠? على الأقل من أسئلة هذا الاختبار. هذا المتهم أجاب عن ٨٧? من أسئلة الاختبار؛ إذن هذا المتهم أهل للمحاكمة (بالطبع قد يكون فاقدًا للأهلية لدواعٍ أخرى لا يحصرها الاختبار).
إذا حظرنا مباريات الكرة بجميع مستوياتها لقضينا على ظاهرة الشغب في الملاعب. القضاء على ظاهرة الشغب في الملاعب أمر مرغوب؛ إذن حظر المباريات جميعًا أمر مرغوب.
إذا حظرنا كل علاقة جنسية لقضينا على مرض الإيدز. القضاء على مرض الإيدز أمر مرغوب؛ إذن حظر العلاقات الجنسية أمر مرغوب.
إذا كان لسالي جراءٌ فإنها بالضرورة كلبةٌ أنثى. سالي كلبة أنثى؛ إذن سالي لها جراء.
(٢) إنكار المقدَّم denying the antecedent
قلنا إنَّ القضية الشرطية هي العبارة التي تضع شرطًا (يسمى «المقدَّم» antecedent) ثم تمضي (في «التالي» consequent) لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق هذا الشرط، أي ما يلزم عن هذا الشرط، وفي مغالطة إنكار المقدم تقرر المقدمة الأولى عبارة
стр. 177
شرطية؛ ثم تقوم المقدمة الثانية بإنكار مقدم هذه العبارة الشرطية (أي إنكار الشرط) ثم تدعي الحجة أنه يترتب على ذلك إنكار التالي (أي إنكار اللازم الذي يترتب على الشرط).
وبعبارة أخرى: يقع المرء في مغالطة إنكار المقدم إذا قام في قضية شرطية بنفي المقدم واستنتج من ذلك نفي التالي، كما في المثال الآتي:
إذا كنتُ نائمًا فإن عيني تكون مغمضة،
أنا لست نائمًا؛
إذن عيني ليست مغمضة.
وصورته:
إذا «أ» إذن «ب»
لا «أ»؛
إذن لا «ب».
إن حقيقة أن عيني تكون مغلقة أثناء النوم لا تمنع احتمال أن أغلقها وأنا في تمام اليقظة، غير أن هذا النوع من الاستنباط قد يكون خادعًا جدًّا إذا كان مطمورًا في حجة أكثر تعقيدًا؛ وذلك بسبب الخلط بين معنى «إذا» ومعنى «إذا وفقط إذا»، فالحق أن الحجة السابقة تكون صائبة إذا كانت المقدمة الأولى تقرر أنني لا أغلق عيني إلا عندما أكون نائمًا.
يكثر استخدام هذه المغالطة من قِبل المحامين، إذ يدَّعون أن غياب دليلٍ معين هو برهانٌ على براءة المتهم، فإذا اختفى الشخص س، مثلًا، والذي تُشير الأدلة إلى أن المتهم قد قام بقتله، فإن المحامي قد يدفع بأنه من دون جثة فليس بالإمكان إثبات القتل:
إذا عُثِر على جثة «س» فقد يكون موكِّلي قد قتله،
لم يُعثر على جثة «س»؛
إذن موكِّلي لا يمكن أن يكون قد قتل «س».
وهي كما ترى مغالطة، يعبر عنها بالمبدأ المأثور «غياب الدليل ليس دليلًا»، وإن تكن المغالطة أعقد من ذلك.
стр. 178
(٢ - ١) أمثلة أخرى لمغالطة إنكار المقدَّم
كل الطيور لها أجنحة. الخفاش ليس من الطيور؛ إذن الخفاش ليس له أجنحة (بالطبع كون الطيور جميعًا ذوات أجنحة لا يمنع أن تكون هناك مخلوقات أخرى، كالحشرات والخفافيش، ذات أجنحة).
سعيد يلعب الشطرنج دائمًا على الغداء يوم الأربعاء. وبما أن اليوم هو الخميس؛ إذن من المحال أن سعيدًا يلعب الشطرنج الآن. (بالطبع لا شيء يمنع سعيدًا من أن يلعب الشطرنج في الأيام الأخرى.)
إذا كانت السماء تمطر فإن الرصيف يكون مبتلًّا. السماء لا تمطر منذ أسبوع؛ إذن الرصيف لا بُدَّ من أن يكون جافًّا. (بالطبع ليس هناك استحالة في أن يكون الرصيف قد تم غسله للتوِّ.)
إذا كنت في الإسكندرية فإنا إذن في مصر. أنا لست في الإسكندرية؛ إذن أنا لست في مصر.
كل الطماطم حمراء (إذا كان شيء ما هو طماطم فلا بُدَّ من أن يكون أحمر). هذا ليس من الطماطم؛ إذن هذا ليس أحمر.
إذا كانت سياساته ناجعة فإن البطالة سوف تنكمش. ولكن سياساته غير ناجعة؛ إذن البطالة لن تنكمش. (بالطبع قد تكون هناك أسباب أخرى تفضي إلى انكماش البطالة رغم سوء السياسات.)
إذا كان هذا الاختبار قائمًا على معايير مخادعة، فسوف يكون إذن اختبارًا غير صادق. ولكن المعايير ليست مخادعة؛ إذن فالاختبار صادق.
стр. 179
الفصل الخامس والعشرون
ذَنْبٌ بالتداعي
guilt by association
يقع المرء في هذه المغالطة حين يذهب إلى أن رأيًا ما هو باطلٌ بالضرورة بالنظر إلى معتنقيه، أو أن دعوى معينة هي كاذبةٌ لا لشيءٍ إلا لأن أناسًا يبغَضُهم يقبلونها ويأخذون بها، فيعمد إلى رفض الدعوى؛ لأنَّها «مرتبطةٌ» في ذهنه بما لا يحب.
تستمد هذه المغالطةُ سطوتها من ميلٍ فطري لدى البشر جميعًا؛ فالإنسان لا يحب أن يُقرن بمن لا يحب، لكأنما الحق أو الباطل ينتقل ب «التداعي» association من أصحابِ الشيء إلى الشيء، أو من أنصار الرأي إلى الرأي.
يتخذ هذا الاستدلالُ الصورةَ التالية:
من الثابت أن أناسًا (أنظمة، جماعات، … ) يبغضهم الشخص «س» يقبلون الدعوى «ص»؛
إذن «ص» كاذبة.
غنيٌّ عن البيان أن هذا استدلالٌ خاطئٌ فاحش الخطأ: إن نفور المرء من أن يُقرن بمن يبغضهم هو أمرٌ سيكولوجي لا دخل له بصدق القضايا، ولا يُبرِّر رفض أي دعوى، إن سَفِلَة الناس يعتقدون (شأنهم شأن عليتهم) بكروية الأرض فهل ينال ذلك من هذه الحقيقة؟! أو هل ينبغي أن يسُوءنا الاقتران بهم حين نعتقد في هذا الأمر اعتقادَهم؟!
стр. 180
كانت المكارثيةُ ذات يوم صيغةً خاصةً من مغالطة «ذنبٌ بالتداعي»: (١) إذ كان الشخص، أو المنظمة أو الرأي، يُقرن على نحوٍ ما بالشيوعية، وكان الاقتران يُعقد من خلال فكرةٍ مشتركة، من ذلك أن دعاة الحقوق المدنية، مثل مارتن لوثر كنج، كانوا يُتهمون بالشيوعية، بالنظر إلى أن الشيوعيين يؤيدون، هم أيضًا، الحقوق المدنية، ولتبيان هذا الخطأ نُعيد صياغة هذه الحجة في القياس التالي:
جميع الشيوعيين من دعاة الحقوق المدنية،
مارتن لوثر كنج من دعاة الحقوق المدنية؛
إذن مارتن لوثر كنج شيوعي.
وهو قياسٌ خاطئٌ صوريًّا، وكثير من الأمثلة الأخرى لمغالطة «ذنب بالتداعي» تقع في نفس الخطأ.
أمثلة أخرى
(١) كان النازيون دعاةً ل «اليوجينيا» (تحسين النسل) eugenics؛ إذن لا بُدَّ من أن يكون تحسين النسل شرًّا مستطيرًا.
(٢) كان هتلر نباتيًّا vegetarian؛ إذن النباتية إثمٌ ينبغي اجتنابه.
(٣) كيف تؤيد ملكية الدولة للصناعات الحيوية؟ ألا تعلم أن ستالين أيضًا كان يفعل ذلك؟
(٤) كيف تضيف الثوم إلى الثريد (الفَتَّة)؟ ألا تعلم أن اليهود أيضًا يفعلون ذلك؟
(٥) لن أُصَوِّت أبدًا للدكتور حسان لعِمادة الكلية، أعرف أنه أجدرُ المرشحين وأكثرهم كفاءةً ونزاهة، ولكني أعرف أيضًا أن الخنزيرين سلمان ومؤنس يؤيِّدانه ويُصوِّتان له.