← Мантык

Мантык · id 1112

المغالطات المنطقية

عادل مصطفى

Полный текст (259 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إذا كان ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل لكان كاتبًا رائعًا. ستيفن كينج كاتب رائع؛ إذن ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل. جميع الفصاميين يتصرفون بطريقة غريبة. هذا الشخص يتصرف بطريقة غريبة؛ إذن هذا الشخص فصامي. إذا كان هذا المتهم أهلًا للمحاكمة فسوف يجيب بالتأكيد عن ٨٠? على الأقل من أسئلة هذا الاختبار. هذا المتهم أجاب عن ٨٧? من أسئلة الاختبار؛ إذن هذا المتهم أهل للمحاكمة (بالطبع قد يكون فاقدًا للأهلية لدواعٍ أخرى لا يحصرها الاختبار). إذا حظرنا مباريات الكرة بجميع مستوياتها لقضينا على ظاهرة الشغب في الملاعب. القضاء على ظاهرة الشغب في الملاعب أمر مرغوب؛ إذن حظر المباريات جميعًا أمر مرغوب. إذا حظرنا كل علاقة جنسية لقضينا على مرض الإيدز. القضاء على مرض الإيدز أمر مرغوب؛ إذن حظر العلاقات الجنسية أمر مرغوب. إذا كان لسالي جراءٌ فإنها بالضرورة كلبةٌ أنثى. سالي كلبة أنثى؛ إذن سالي لها جراء. (٢) إنكار المقدَّم denying the antecedent قلنا إنَّ القضية الشرطية هي العبارة التي تضع شرطًا (يسمى «المقدَّم» antecedent) ثم تمضي (في «التالي» consequent) لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق هذا الشرط، أي ما يلزم عن هذا الشرط، وفي مغالطة إنكار المقدم تقرر المقدمة الأولى عبارة

стр. 177

شرطية؛ ثم تقوم المقدمة الثانية بإنكار مقدم هذه العبارة الشرطية (أي إنكار الشرط) ثم تدعي الحجة أنه يترتب على ذلك إنكار التالي (أي إنكار اللازم الذي يترتب على الشرط). وبعبارة أخرى: يقع المرء في مغالطة إنكار المقدم إذا قام في قضية شرطية بنفي المقدم واستنتج من ذلك نفي التالي، كما في المثال الآتي: إذا كنتُ نائمًا فإن عيني تكون مغمضة، أنا لست نائمًا؛ إذن عيني ليست مغمضة. وصورته: إذا «أ» إذن «ب» لا «أ»؛ إذن لا «ب». إن حقيقة أن عيني تكون مغلقة أثناء النوم لا تمنع احتمال أن أغلقها وأنا في تمام اليقظة، غير أن هذا النوع من الاستنباط قد يكون خادعًا جدًّا إذا كان مطمورًا في حجة أكثر تعقيدًا؛ وذلك بسبب الخلط بين معنى «إذا» ومعنى «إذا وفقط إذا»، فالحق أن الحجة السابقة تكون صائبة إذا كانت المقدمة الأولى تقرر أنني لا أغلق عيني إلا عندما أكون نائمًا. يكثر استخدام هذه المغالطة من قِبل المحامين، إذ يدَّعون أن غياب دليلٍ معين هو برهانٌ على براءة المتهم، فإذا اختفى الشخص س، مثلًا، والذي تُشير الأدلة إلى أن المتهم قد قام بقتله، فإن المحامي قد يدفع بأنه من دون جثة فليس بالإمكان إثبات القتل: إذا عُثِر على جثة «س» فقد يكون موكِّلي قد قتله، لم يُعثر على جثة «س»؛ إذن موكِّلي لا يمكن أن يكون قد قتل «س». وهي كما ترى مغالطة، يعبر عنها بالمبدأ المأثور «غياب الدليل ليس دليلًا»، وإن تكن المغالطة أعقد من ذلك.

стр. 178

(٢ - ١) أمثلة أخرى لمغالطة إنكار المقدَّم كل الطيور لها أجنحة. الخفاش ليس من الطيور؛ إذن الخفاش ليس له أجنحة (بالطبع كون الطيور جميعًا ذوات أجنحة لا يمنع أن تكون هناك مخلوقات أخرى، كالحشرات والخفافيش، ذات أجنحة). سعيد يلعب الشطرنج دائمًا على الغداء يوم الأربعاء. وبما أن اليوم هو الخميس؛ إذن من المحال أن سعيدًا يلعب الشطرنج الآن. (بالطبع لا شيء يمنع سعيدًا من أن يلعب الشطرنج في الأيام الأخرى.) إذا كانت السماء تمطر فإن الرصيف يكون مبتلًّا. السماء لا تمطر منذ أسبوع؛ إذن الرصيف لا بُدَّ من أن يكون جافًّا. (بالطبع ليس هناك استحالة في أن يكون الرصيف قد تم غسله للتوِّ.) إذا كنت في الإسكندرية فإنا إذن في مصر. أنا لست في الإسكندرية؛ إذن أنا لست في مصر. كل الطماطم حمراء (إذا كان شيء ما هو طماطم فلا بُدَّ من أن يكون أحمر). هذا ليس من الطماطم؛ إذن هذا ليس أحمر. إذا كانت سياساته ناجعة فإن البطالة سوف تنكمش. ولكن سياساته غير ناجعة؛ إذن البطالة لن تنكمش. (بالطبع قد تكون هناك أسباب أخرى تفضي إلى انكماش البطالة رغم سوء السياسات.) إذا كان هذا الاختبار قائمًا على معايير مخادعة، فسوف يكون إذن اختبارًا غير صادق. ولكن المعايير ليست مخادعة؛ إذن فالاختبار صادق.

стр. 179

الفصل الخامس والعشرون ذَنْبٌ بالتداعي guilt by association يقع المرء في هذه المغالطة حين يذهب إلى أن رأيًا ما هو باطلٌ بالضرورة بالنظر إلى معتنقيه، أو أن دعوى معينة هي كاذبةٌ لا لشيءٍ إلا لأن أناسًا يبغَضُهم يقبلونها ويأخذون بها، فيعمد إلى رفض الدعوى؛ لأنَّها «مرتبطةٌ» في ذهنه بما لا يحب. تستمد هذه المغالطةُ سطوتها من ميلٍ فطري لدى البشر جميعًا؛ فالإنسان لا يحب أن يُقرن بمن لا يحب، لكأنما الحق أو الباطل ينتقل ب «التداعي» association من أصحابِ الشيء إلى الشيء، أو من أنصار الرأي إلى الرأي. يتخذ هذا الاستدلالُ الصورةَ التالية: من الثابت أن أناسًا (أنظمة، جماعات، … ) يبغضهم الشخص «س» يقبلون الدعوى «ص»؛ إذن «ص» كاذبة. غنيٌّ عن البيان أن هذا استدلالٌ خاطئٌ فاحش الخطأ: إن نفور المرء من أن يُقرن بمن يبغضهم هو أمرٌ سيكولوجي لا دخل له بصدق القضايا، ولا يُبرِّر رفض أي دعوى، إن سَفِلَة الناس يعتقدون (شأنهم شأن عليتهم) بكروية الأرض فهل ينال ذلك من هذه الحقيقة؟! أو هل ينبغي أن يسُوءنا الاقتران بهم حين نعتقد في هذا الأمر اعتقادَهم؟!

стр. 180

كانت المكارثيةُ ذات يوم صيغةً خاصةً من مغالطة «ذنبٌ بالتداعي»: (١) إذ كان الشخص، أو المنظمة أو الرأي، يُقرن على نحوٍ ما بالشيوعية، وكان الاقتران يُعقد من خلال فكرةٍ مشتركة، من ذلك أن دعاة الحقوق المدنية، مثل مارتن لوثر كنج، كانوا يُتهمون بالشيوعية، بالنظر إلى أن الشيوعيين يؤيدون، هم أيضًا، الحقوق المدنية، ولتبيان هذا الخطأ نُعيد صياغة هذه الحجة في القياس التالي: جميع الشيوعيين من دعاة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كنج من دعاة الحقوق المدنية؛ إذن مارتن لوثر كنج شيوعي. وهو قياسٌ خاطئٌ صوريًّا، وكثير من الأمثلة الأخرى لمغالطة «ذنب بالتداعي» تقع في نفس الخطأ. أمثلة أخرى (١) كان النازيون دعاةً ل «اليوجينيا» (تحسين النسل) eugenics؛ إذن لا بُدَّ من أن يكون تحسين النسل شرًّا مستطيرًا. (٢) كان هتلر نباتيًّا vegetarian؛ إذن النباتية إثمٌ ينبغي اجتنابه. (٣) كيف تؤيد ملكية الدولة للصناعات الحيوية؟ ألا تعلم أن ستالين أيضًا كان يفعل ذلك؟ (٤) كيف تضيف الثوم إلى الثريد (الفَتَّة)؟ ألا تعلم أن اليهود أيضًا يفعلون ذلك؟ (٥) لن أُصَوِّت أبدًا للدكتور حسان لعِمادة الكلية، أعرف أنه أجدرُ المرشحين وأكثرهم كفاءةً ونزاهة، ولكني أعرف أيضًا أن الخنزيرين سلمان ومؤنس يؤيِّدانه ويُصوِّتان له.

стр. 181

الفصل السادس والعشرون مغالطة التأثيل etymological fallacy ثمة اعتقادٌ خاطئ يَقِر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن يُلتمَس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، أو ما يُسمى في اللسانيات بالإتيمولوجيا أو «التأثيل» etymology، «والتعريف اليوناني لكلمة إتيمولوجيا يوضح هذا المفهوم: فهو تَفَتُّح الكلمات الذي من خلاله تبدو معانيها الأصلية جلية»، (١) هذا الاعتقاد بأن المعنى كلَّه قابعٌ في أصل اللفظة هو اعتقاد خاطئ فيه تبسيطٌ مفرِط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها المسيِّرة: (١) من ذلك أن كلمة «فنان» تأتي من كلمة «فن» وهو اللون (في لسان العرب: قال أبو منصور واحدُ الأفنان إذا أردت بها الألوان فن)، قد تُلقي هذه المعلومة ضوءًا ما على استخدامنا الحديث لكلمة «فن» وكلمة «فنان»، غير أنه ضوءٌ شحيحٌ واهنٌ لا يُغني كثير غناء في دراستنا لمعنى الفن وفلسفته وتجلياته وتذوقه وتقويمه ووظيفته في الزمن المعاصر والأزمنة السالفة.

стр. 182

(٢) وليس ما يمنع أن ينبري متحذلقٌ بتسفيه كلِّ أدبٍ شفاهيٍّ مرويٍّ، باعتبار أن كلمة literature (أدب) مشتقةٌ من الكلمة اللاتينية litera التي تعني الحرف الأبجدي (المكتوب). (٣) ولا ما يمنع أن يجبهنا متحذلقٌ آخر بأن التعليم لا ينبغي أن يكون إلزاميًّا، باعتبار أن كلمة education (تعليم) مشتقةٌ من الكلمة اللاتينية educere التي تعني يغريه بالكلام بحرية، وقد تفيد معنى الملاطفة والاجتذاب كمقابلٍ للقَسر والإرغام. (٤) يعني ذلك إذن أن كلمة prevent (يمنع) كان ينبغي لها أن تعني «يسبق» أو «يستبق» لأنها مشتقة من الكلمة اللاتينية prae وتعني «قبل»، وكلمة venire وتعني «يذهب»! (٥) أو أن كلمة nice كان ينبغي أن تكون لفظة ازدراءٍ وقدحٍ؛ لأنها مشتقةٌ من كلمةٍ فرنسية قديمة تعود إلى القرن الثالث عشر وتعني «أحمق» أو «غبي»! إنما يُعَوِّل مستخدمو اللغة على السياق لاستشفاف المعنى المقصود للكلمة، (١) ولا يفكرون كثيرًا في «التأثيل» etymology؛ أيْ ردِّ الكلمة إلى أصلها التاريخي، والذي قد لا يكون واضحًا على الإطلاق وبخاصةً إذا كان مؤسَّسًا على لغةٍ أجنبية أو لغةٍ قديمةٍ بائدة. تتناسى مغالطة التأثيل أن اللغة ليست كيانًا كلسيًّا ثابتًا، وأن هناك تغيراتٍ كثيرةً تعتري اللغة، منها التغير الصوتي، والتغير النحوي، والتغير الدلالي (وهو ما يعنينا في هذا المقام)، وللتغير الدلالي semantic change أنواع عديدة منها ما يعرف ب «الانحدار الدلالي» semantic deterioration وهو تغير يلحق بمعنى اللفظة فيُكسبها دلالةً سلبية، مثال ذلك ما حدث لكلمة notorious التي كانت في الأصل تعني «مشهور» ثم انحدرت دلالتُها وصارت تعني «مُشَهر» أي مشهور بشيءٍ قبيح، وكلمة dogmatic التي كانت تعني «موقن» أو «راسخ الاعتقاد» وصارت الآن تعني «جازم متصلب غير عقلاني في اعتقاده»، وتقابل ظاهرة الانحدار الدلالي ظاهرة «التحسن الدلالي» amelioration حيث تكتسب اللفظة دلالة إيجابية أو يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالةٍ سلبية، مثال ذلك كلمة minister (وزير) فقد كانت قديمًا تعني «خادم» (وما تزال تُستعمَل كفعلٍ

стр. 183

بمعنى يسعِف أو يعين أو يقدم خدمة)، وكلمة nice سالفة الذكر، والتي كانت تعني قديمًا «غبي» أو «أحمق»، وهناك أمثلةٌ أخرى يخطئها الحصر. تعود تسمية هذه المغالطة (etymological fallacy) إلى جون ليونز John Lyons، ويعني بها خطأ التأثيليين حين يحاجون بأن كلمة ما تعود إلى أصل يوناني أو لاتيني أو عربي … إلخ؛ ولذا فإن معناها ينبغي أن يكون مطابقًا لما كانت عليه في الأصل، ويبدو زيف هذه الحجة في أن الافتراض الضمني بوجود «صلة حقيقية» أو «مُناسَبة» في الأصل بين المبنى والمعنى، وهو ما تستند إليه هذه الحُجة، هو شيء لا يمكن التحقق منه. (١) لقد كانت المسألة الهامة التي أثارها الإغريق، والتي تركت بصماتها على الدراسات اللغوية اللاحقة حتى عصرنا الحاضر، تتعلق بطبيعة اللغة ونشأتها، فقد رأى بعضهم أن اللغة ظاهرة طبيعية، وأن الكلمات وأصواتها جزء لا يتجزأ من المعنى، بينما رأى الفريق الآخر، ومنهم أرسطو، أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأن أصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني علاقة طبيعية أو مباشرة، وقد نشأت عن هذا الاختلاف النظريتان المعروفتان: النظرية التوقيفية والنظرية الاصطلاحية (أو التواضعية)، واللتان امتد الجدل فيهما حتى العصر الحاضر، وقد نشأ عن النظرية الأولى نظريات متعددة عن أصل اللغات جميعًا منها: أن اللغة «توقيف» ووحي من الله، ومنها أن أصل اللغات جميعًا يرجع إلى محاكاة أصوات الطبيعة أو أصوات الحيوانات إلى آخره، ووصل الأمر بالبعض إلى أن يقول إن للصوت بحد ذاته قيمة تعبيرية. (٢) وقد تأثر العرب بكلتا المدرستين، واتخذ بعضهم، مثل ابن فارس في القرن الرابع الهجري، موقف المدافع عن النظرية التوقيفية، واتخذ آخرون، مثل ابن جِنِّي (في بعض فقرات «الخصائص» دون بعضها الآخر)، النظرية الاصطلاحية، يقول ابن جني «إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضعٌ واصطلاح، لا وحيٌ وتوقيف.» كان ابن فارس يستشهد في نظريته التوقيفية بالآية الكريمة ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، أما

стр. 184

ابن جني فيئول الآية بأن المقصود بكلمة «عَلَّم» هو «أقدر» أي أن الله أعطى آدم القدرة على الكلام والتسمية وترك له الوضع والاصطلاح بالنسبة للتفاصيل. (١) في محاورة «كراتيلوس» عرض أفلاطون منطق التأثيليين عرضًا مسهبًا، وبيَّن أنهم يعتقدون بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدال والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي عن أصل الكلمة، والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه الكلمة! وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يُفسِّرون المعنى الاصطلاحي لمفهوم ما بمعناه اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطًا بالمعنى اللغوي ارتباطًا وثيقًا، وقد سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج التاريخي في التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبت من أصل اللفظ، وعدم وجود ما يفيد تاريخيًّا بسبق أحدهما على الآخر. (٢) والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادًا كبيرًا، وبخاصة في القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أسسٍ أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدمًا حتى الآن، ويُعد فرعًا معتبرًا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية خاصة تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحًا للتأثيليين في القرن التاسع عشر، وسلَّم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة لا يمكن أن تُعزَى إلى أصولها، وقد انتكس المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل بين الدراسات التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/ الدياكرونية)، وكرَّس مبدأ «اعتباطية العلامة اللغوية» arbitrariness of the sign على نحوٍ نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى

стр. 185

«حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ذاتها على أي بُعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمةٍ ما كثيرًا ما يكون بعيدًا كل البُعد عن أن يُفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة. (١) اعتباطية العلامة اللغوية يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال» signifier ب «المدلول» signified علاقة اعتباطية، ولما كنتُ أعني بالعلامة اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: العلامة اللغوية علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت» sister لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات s-o-r التي تستعمل كدالٍّ بالنسبة لهذه الفكرة في اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال b-o-f على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، و (ochs) o-k-s على الطرف الآخر، (١) لقد استُخدم لفظ «رمز» symbol للدلالة على العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال»، ولكن هناك بعض المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه، فللرمز خاصية أنه لا يُدرك دومًا اعتباطيًّا، فهو ليس فارغًا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال والمدلول، فرمز العدالة مثلًا، أي الميزان، لا يمكن أن يُستبدل به أي شيء آخر: دبابة مثلًا أو عربة! (٢) يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعًا بأن أمر اختيار الدال متروك تمامًا للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمُكنة أي أحد أن يغير شيئًا من علامة لغوية استتبت في مجتمعٍ لغويٌّ ما) إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ليس لها من سبب؛ أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية. (٣)

стр. 186

(٢) ليونارد بلومفيلد: بؤس الإتيمولوجيا في كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يُفضي إلى شيء، يقول بلومفيلد: خذ مثلًا كلمة blackbird (الشحرور) وتتكون من black و bird، وتطلق على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه حقًّا تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء … وجريًا على هذا المنطق، أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين ال gooseberry (عنب الثعلب) وال goose (الإوز)! … إن التحليل في جميع اللغات لا يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة early أي مبكرًا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة manly بمعنى رجولي، فاللاحقة ly مضافة إلى man (رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة ly فماذا يتبقى؟ يتبقى ear (أُذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها بقية غامضة لا تفيد … وكذلك كلمة مثل woman (امرأة): إنها تلتقي مع كلمة مثل man (رجل)، ولكن ما دور المقطع wo في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع الأول wo في التحليل الاشتقاقي، إنه لا دور له، ولا دلالة له كذلك … وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل man، boy، good، bad، eat، run … وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي (التأثيلي/ الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تُشير إليه … ولكن علماء اليونان، ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين … إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها ثابتة على حين أن المسميات لا تتغير، وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير … أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية عقلية، بين الاسم والمسمى أو بين الدال والمدلول … وصفوة القول عند بلومفيلد أن التحليل التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه … وإنما هو دليل على أنه لا توجد علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمُسمَّى. (١)

стр. 187

(٣) ابتذال المصطلح العلمي تبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخًا كاريكاتوريًّا، حين تُعمل أدواتها التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نُطلق عليه «ابتذال المصطلح» vernacularization، (١) إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلح علمي فإنه يفارق دارَه وينسَى ماضيه، ويكتسي معنى جديدًا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أيُّ علاقة، وبالتالي فليس يُجدي نفعًا تنقيبنا عن أصله وفصله ولا يقرِّبنا إلى فهم المصطلح في وضعه الجديد، يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما يوضع بين مزدوجتين فهو يَبْرُز وتحتدُّ نغمتُه، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمةً علمية، ما إن يوضع لفظٌ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج معرفة تتعلق بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث الإبستمولوجي إن هذا اللفظ علامة على قطيعةٍ وانفصالٍ في المعنى، وإصلاحٍ للمعرفة.» (٢) •••

стр. 188

وبعد، فحين يحاج المرءُ بأن دعواه صائبة لا لشيءٍ إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك، فإنه يقع في ضربٍ من الاستدلال الدائري، وفضلًا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تبقى لصيقةً بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفالٍ عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها. إن اللغة لفي سيرورةٍ دائمةٍ وتحوُّلٍ دائب، وهناك ألف سببٍ يُلح على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معانيَ جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم، وما دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم توترًا محسوبًا بين «المعيارية» و «الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقًا للتطور والارتقاء.

стр. 189

الفصل السابع والعشرون الاحتكام إلى الجهل appeal to ignorance; ad ignoratiam كان جحا غزير الشَّعر، فسأله أحد جلسائه مداعبًا: كم عدد شعرات رأسك يا جحا؟ فأجابه جحا دون تردد: عددها واحد وخمسون ألفًا وثلاثمائة وتسع وستون شعرة، فقال له جليسه متعجبًا: وكيف عرفت ذلك؟ فأجابه جحا: إذا كنت لا تصدقني فقم أنت وعُدَّها! *** بديه أن جهل الجليس بعدد شعرات جحا، من جراء الاستحالة العملية لِعَدِّها، لا يقوم دليلًا على أن عددها هو ٥١٣٦٩ شعرة! إن جحا في هذا السياق «يُقرر» أمرًا و «يُثبت» حكمًا، ومِن ثَم فإن «عبء البينة» burden of proof في ذلك يقع عليه، ومكمن الخطأ هنا هو أن جحا يُريد أن يعفي نفسه من هذا العبء ويضعه على عاتق جليسه دون وجه حق، ويحمله على أن يؤدي له عمله نيابةً عنه! تفيد مغالطة «الاحتكام إلى الجهل» ad ignoratiam أن شيئًا ما هو حق بالضرورة ما دام أحدٌ لم يبرهن على أنه باطل، والعكس أيضًا صحيح: أي أن شيئًا ما هو باطلٌ بالضرورة ما دام أحدٌ لم يثبت بالدليل أنه حق، في كلا الحالين يؤخذ «غياب الدليل»

стр. 190

مأخذ «الدليل»، ويتم التذرع بغياب المعلومات التي تثبت شيئًا ما كدليل على بطلان ذلك الشيء، أو المحاجة بأنه ما دام الخصم لا يستطيع أن يدحض دعوى ما فإن هذه الدعوى هي إذن حقٌّ بالضرورة. الجهل جهل، والجهل ليس دليلًا على شيء إلا على أننا نجهل. (١) تحقيقات مكارثي: مغالطةٌ أربَكَت أمة! من يعتذر إنما يتهمُ نفسه. مثل فرنسي من أشهر الأمثلة على مغالطة ad ignoratiam تلك التحقيقات التي كان يقوم بها السيناتور جوزيف مكارثي Joseph R.McCarthy في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم: في سلسلة من جلسات الاستماع التليفزيونية وجَّه مكارثي تهمة الشيوعية إلى عددٍ كبير من الأشخاص الأبرياء، في مناخٍ ارتيابي يُذَكِّر بمطاردة الساحرات witch hunt في القرون الوسطى، لم تكن تلك الاتهامات قائمةً على أساسٍ ولا مستندةً إلى دليل وإن كانت بالغةَ الضرر شديدة الإيذاء، كان مكارثي يظهر في تلك الجلسات حاملًا حقيبةً منتفخةً بالملفات الخاصة بالمتهمين، غير أنه في معظم الحالات لم يكن يقدم بينةً حقيقية، وكان الشخص يُتَّهم على أساس أنه ليس في ملفات مكارثي ما يدحض ميولَه الشيوعية! عن إحدى تلك الحالات يقول مكارثي في اجتماع مجلس الشيوخ عام ١٩٥٠: «ليس لديَّ معلوماتٌ وفيرةٌ في هذا الشأن عدا ما ورد في التقرير العام للوكالة من أنه لا يوجد في الملفات ما يثبت أنه غير متصلٍ بجهاتٍ شيوعية.» (١) كان مكارثي في هذه الحالة متورطًا في مغالطة ad ignoratiam: لقد نَقَل «عبء البرهان» burden of proof، وبدلًا من أن يبرهن على ادعائه بالدليل فإنه يؤسسه على

стр. 191

عدم وجود أدلة تُفنِّد الادعاء، وهي مغالطة لأن مكارثي ينطلق في حجته من مقدمةٍ تفيد غياب المعرفة (أي تفيد الجهل) إلى نتيجةٍ إيجابية تفيد أنه بذلك قد «عرف»، أو «أثبت»، أن الشخص المعْنِيَّ مُدانٌ بالميول الشيوعية، إن التهمة التي يوجهها مكارثي هي تهمة خطيرة يتحتم أن تحمل عبءَ البينة وألا تُلصَقَ بشخصٍ لمجرد أنه لا يملك أدلةً تدحضها. هَبْ أن واحدًا من ضحايا مكارثي أذعن للموقف الاتهامي وشرع يثبت براءته من الميول الشيوعية بشتى الوسائل، فجعل يفرد لنا جدوله اليومي، والجماعات التي يلتقي بها في تعاملاته المهنية، والأنشطة التي ينخرط فيها في إجازته الأسبوعية، والأماكن التي يتواجد بها في حِلِّه وترحاله، إنه لو فعل ذلك فإنه يفتح على نفسه طوفانًا من المساءلات والاستجوابات من جانب مكارثي، ويستهدف لمزيدٍ من الشبهات، ويظهر في النهاية بمظهر المذنب المُريب! يحَذِّر واتلي Whately من هذه الاستراتيجية الموبِقة في الجدل ويشبهها بتصرف الجيش الذي يحتل حصنًا منيعًا يستطيع الدفاع عنه كل الاستطاعة، فإذا به يبرز طواعيةً من حصنه ويتبعثر في ميدانٍ مفتوح، فيأتيه أعداؤه من كل صوبٍ ويمزقونه كلَّ ممزق! كذلك الأمر في الجدل: فإذا فاتك لحظةً أن تستمسك بخُلُو جانبك حين يكون على خصمك عبء البينة، ورُحت بدلًا من ذلك تنسج حججًا إيجابية (قد تكون ضعيفة) لكي تبرئ ساحتك وتثبت براءتك، فإنك بذلك تُسلِّم سلاحك الأقوى بلا داعٍ وتستبدل به سلاحًا أضعف، يقول المثل الفرنسي «من يعتذر إنما يتهم نفسه!» qui s'excuse، s'accuse، يعني ذلك أنك تُولي ظهرَك للواثبين وتتخذ مظهرَ المذنب تجاه الاتهامات الموجهة ضدك إذ تُحمِّل نفسَكَ عبءَ الدليل حيث كان واجبك الوحيد هو أن تتحدى خصمَك أن يبرهنَ هو على اتهاماته لك برهانًا ساطعًا. (١) أمثلة أخرى (١) ليس هناك دليل على أن الأشباح (العفاريت) غير موجودة؛ إذن الأشباح موجودة.

стр. 192

(٢) أعتقد أن بعض الناس لديها قوى نفسية خارقة. وما دليلك على ذلك؟ دليلي أنه لا أحد استطاع أن يثبت أن الناس لا تملك قوى نفسية خارقة. لاحظ أننا لسنا بصدد نفي وجود الأشباح أو نفي وجود قوًى خارقة، إنما ننفي أن تكونَ الحجة الواردة صائبةً منطقيًّا، إن ما يميز هذا الصنف من الحالات هو أن من الصعب أن نعرف ماذا عساه أن يكون دليلًا على مثل هذه الدعاوى أو دليلًا ضدها، فها هنا مشكلةٌ خاصة بقابلية التحقق verifiability: لأنه لا يوجد ثمة، فيما يبدو، أي ملاحظةٍ إمبيريقية قابلة للتكرار بحيث تفي بمعايير البَيِّنة العلمية في مثل هذه الحالات، تنطوي أمثلة الأشباح والقوى الخارقة إذن على عدة أخطاء منطقية، غير أن أبرز أخطائها هو «الاحتكام إلى الجهل» (التذرع بالجهل) ad ignoratiam، إنها حججٌ لا تقدم دليلًا حقيقيًّا، بل تستغل غياب أدلةٍ مضادة لكي تقفز إلى نتيجة «عريضة» لا تقوم على ذلك الصنف من البينة الذي يتوجب التماسُه لكي تحظى مثل هذه النتيجة بالقبول. (٢) متى تكون الحجة المستفادة من الجهل غير مغالطة؟ (١) يبدو أن هناك أحوالًا كثيرة يكون فيها «الاحتكام إلى الجهل» ad ignoratiam مقبولًا تمامًا كمُوَجِّهٍ للفعل الحصيف، مثال ذلك اتباع مبدأ السلامة في تناول الأسلحة: فإذا كنت «لا تعرف» (تجهل) ما إذا كان السلاحُ مُلقمًا بالذخيرة أم لا فإن عليك أن تتعامل معه على أنه ملقَم، وأن تفتح خزانتَه قبل أن تُلَوِّح به، لكي تستوثقَ من أنه غير مُلقم. (١) (٢) في كثيرٍ من الأحوال يكون من المقبول عمليًّا أن ننتقل من واقعة أن شيئًا معينًا لم يتم العثور عليه إلى استنتاج أن هذا الشيء لا وجود له، شريطة أن يكون البحث جادًّا وقمينًا في حسابنا باكتشاف الشيء: من ذلك أن الأدوية الجديدة يتم اختبارها على الحيوانات، كالقوارض، للتَثَبُّت من أنها مأمونةٌ غير سامة، هنا يؤخذ غياب الدليل (على سُمِّية الدواء) مأخذ الدليل (على أنه مأمون للإنسان)، ونحن في مثل هذا السياق لا نستند

стр. 193

إلى «الجهل» بل إلى «المعرفة» (معرفتنا بأنه لو كان للنتيجة التي تهمنا أن تنجم لَنَجَمت في حالةٍ ما من حالات الاختبار، وهو ما لم يحدث)، (١) كذلك في موقف اتهام شخص أو دولة بإحراز شيء محظور فإن إرسال مفتشين مؤهلين للبحث عن ذلك الشيء، والذي نفترض أنه قابلٌ للكشف ومستحيلٌ إخفاؤه عادةً، وحقيقة أنهم فشلوا في العثور عليه بعد فترة كافية، ليُمثِّل دليلًا معقولًا على عدم وجود ذلك الشيء. (٣) في مجال التاريخ يُسمَّى هذا الصنف من الحُجة ex silentio (بحكم الصمت)، مثال ذلك أن نقول إنه لم يكن من عادة الرومان أن يقلِّدوا الأوسمة شخصًا بعد وفاته، وذلك بناءً على «الدليل السلبي» بخصوص هذه الأوسمة، فالكتابات المدونة وشواهد القبور لم تسجل قَط تقليد أية أوسمةٍ لجنودٍ ماتوا في الحرب، بينما تسجل حالات كثيرة لجنود تقلدوا الأوسمة أحياءً بعد الحرب، هكذا يمكننا أن نحاجَّ على أساسٍ سلبي بأنه لو كان مثل ذلك التقليد موجودًا لَتَبدَّى لنا بشكلٍ أو بآخر في الشواهد القائمة، وحيث إنه لا يوجد أي شاهد على ذلك فإن بإمكاننا، بواسطة حجة الصمت ex silentio، أن نستنتج أن من المقبول بعامة أن الرومان لم يقلدوا أحدًا وسامًا بعد وفاته. (٢) (٤) وفي مجال البحث العلمي يُطلق اسم «الدليل السلبي» negative evidence على ذلك الصنف من البينة حيث تُلتمس نتيجةٌ معينة بالاختبار فلا تحدث، تُعَد البينة السلبية في العلم غير عديمة القيمة، إلا أن الأبحاث التي تسجل نتائج إيجابية تحظى بقبولٍ أكبر مما تحظى به الأبحاث التي تسجل نتائج سلبية، ويميل العلماء بصفة عامة إلى نشر أبحاثهم الإيجابية، ولعل هذا ضربٌ من ضروب الانحياز القائمة في مرفق البحث العلمي، والذي يجعله أميل إلى التركيز على تحصيل نتائج إيجابية، ذلك أن النتائج السلبية هي أيضًا نتائج، ولها فوائد ليس أقلَّها أنها تعصم المؤسسة العلمية من تبديد الجهد والمال في أبحاث لا طائل منها. (٥) وفي مجال الحاسوب ومجال العلوم الاجتماعية تُعرف الحُجة المستقاة من الجهل باسم «الاستدلال القائم على افتقاد المعرفة» lack of knowledge inference، والذي يتم عندما تُلتمس معلومةٌ معينة في قاعدة البيانات فلا يُعثر عليها، ومن ثم يُعقد الاستدلال السلبي بأن هذه القضية كاذبة بالاستناد إلى القرائن، من ذلك أن برنامجًا

стр. 194

حاسوبيًّا يسمى «الأستاذ» Scholar وُجِّه إليه هذا السؤال: «هل تُنتج جويانا المطاط؟» إن «الأستاذ» يعرف حق المعرفة أن بيرو وكولومبيا تنتجان المطاط، ويحيط علمًا بكل شيء عن إنتاج المطاط في أمريكا الجنوبية، ومِن ثَمَّ فإن لديه أسبابًا وجيهة للاعتقاد بأنه لو كانت دولةٌ ما منتجةً كبرى للمطاط لعرفها، غير أن «الأستاذ» ليس لديه علم بما إذا كانت جويانا تنتج المطاط أم لا (أي ليست القضية ولا نفيها داخلًا بشكل صريح في قاعدة بيانات «الأستاذ») فما هو الجواب الذي ينبغي على الأستاذ أن يجيبه؟ يجيب الأستاذ كما يلي: «إن لديَّ من العلم ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن المطاط ليس من المنتجات الزراعية لجويانا»، إنه يَعقِد استدلالَ غياب المعرفة، فيرى أنه ما دامت جويانا ليست في قاعدة بياناته كمنتج للمطاط فإن له أن يستنتج بدرجةٍ متوسطة من الثقة أن جويانا لا تنتج المطاط. والآن، هل هذا الاستدلالُ القائم على افتقاد المعرفة هو «احتكام إلى الجهل» ad ignoratiam بالمعنى المنطقي لهذا التعبير؟ ليس هناك اتفاقٌ بين المناطقة بهذا الشأن: فالبعض يذهب إلى أنه «احتكام، غير مغالط، إلى الجهل»، بينما يرى آخرون أنه، في حقيقة الأمر، احتكامٌ إلى المعرفة! ذلك أن «الأستاذ» يحوز معرفةً إيجابيةً عن منتجي المطاط بأمريكا الجنوبية أمكنه في ظلها أن يستبعد جويانا. (٣) الانغلاق الإبستيمي epistemic closure حين أقول: إنَّ قائمة المحطات التي يقف عندها هذا الديزل السريع هي «القاهرة، وبنها، وطنطا، ودمنهور، والإسكندرية»، فإن بوسعي عندئذٍ أن أستنتج أنه لا يقف عند كفر الدوار؛ وذلك لأن اسم هذه البلدة لم يرد في قائمة المحطات، وبعبارة أخرى يمكننا أن نفترض أن قاعدة البيانات هنا كاملة أو تامة (مغلقة إبستيميًّا epistemically closed)، باعتبار انه لو كان ثمة محطات توقُّفٍ إضافيةٌ لَوَرَدت في القائمة المدرَجة، يفيد مبدأ «الانغلاق الإبستيمي» أنه «إذا كان «س» حقًّا لَعَرَفته» أو «ما دمت أعرف أنه لا يمكن أن تكون «س» حقًّا دون أن أعلم بذلك، فإن لي أن أستنتج من غياب «س» أن «س» كاذبة»، أو «إذا كانت «س» صادقة لورَدَ ذلك في قاعدة بياناتي، ولكن «س» لم ترد في قاعدة بياناتي، إذن «س» كاذبة.»

стр. 195

ومن أمثلة الانغلاق الإبستيمي قوائم أسماء الناجحين في الامتحانات، إنها مغلقة تمامًا من الوجهة الإبستيمية، ومِن ثَمَّ فمن لم يرد اسمه في القائمة فهو راسب؛ لأنه لو كان ناجحًا لورد اسمه في القائمة. (٤) الاستدلال بالقرينة presumption على أن الانغلاق الإبستيمي لا يكون تامًّا في أغلب الأحيان، ورغم ذلك يظل للاستدلال العملي مجاله، كما في مثال «برنامج الأستاذ»، فنحن لا نتوقف عند الاستدلال في حياتنا العملية الملحَّة، بل تبقى لدينا ضروب من الاستدلال في ضوء الغايات العملية التي نتوخاها، وبدرجاتٍ متفاوتة من اليقين. من هذه الاستدلالات العملية ما يُعرف ب «الاستدلال بالقرينة» presumption، وهو «فعل كلامي» speech act يقع موقعًا وسطًا بين الإقرار (أو الإثبات) assertion وبين مجرد الافتراض assumption، إنه ضربٌ من الاستدلال المقبول عمليًّا يُتيح لنا أن نستنبط شيئًا، بصفةٍ مبدئية، وعلى نحوٍ قابل للإبطال defeasible، من واقعةٍ معينة في الأحوال المعتادة، مثال ذلك أن نقول «إن من يتغيب أكثر من سبع سنوات دون تفسير يعتبر في عداد المتوفين»، ونشفع ذلك بعبارة «ما لم يثبت عكس ذلك» till proved otherwise، بمعنى أنه استنتاج «ظاهر الوجاهة يؤخذ به ما لم يُنقض بدليل» prima facie أي أن له قوة مفترضة تظل قائمةً ما لم تُنقَض باعتبارٍ أعلى. يستند الاستدلالُ بالقرينة على مفهوم عبء البينة، فالسمة المحورية لهذا الاستدلال هي أنه يعكس عبء البينة وينقلها إلى الطرف الآخر، فالدواء الذي تبين أنه غير سام للقوارض يعد مأمونًا للإنسان مبدئيًّا، ولا تسقط عنه هذه الصفة ما لم يثبت بالدليل أنه سام للإنسان، ذلك أنه قد ينقذ حياة المرضى، وقد يسعفنا في العلاج، ومن «الحكمة العملية» phronesis أن نجيز استعماله في ضوء معرفتنا المتاحة، ما لم يبرز لنا دليلٌ جديد في المستقبل يشير إلى أضرار للدواء لم تكن بحسباننا. وفي مجال العقل العملي نحن نسترشد بمجموعة من القواعد الأخلاقية حين تدعونا مواقف الحياة إلى الفعل الفوري ولا تتيح لما وقتًا للتَفَكُّر والتروي: لدينا قاعدة أخلاقية بألا نقتل، ولا نكذب، ولا نفشي الأسرار … إلخ، إنها قواعد «قابلة للإبطال أو الإلغاء» defeasible، بمعنى أنها تظل نافذةً ملزمة ما لم تُنقَض بحجةٍ عكسية ساطعة، إنها تضع عبء البينة على من يريد نقضها في موقف معين، مثال ذلك أن هناك قاعدة

стр. 196

أخلاقية ضد الكذب: إن إطاعة هذه القاعدة ليست بحاجة إلى تبرير خاص، غير أن هناك ظروفًا قد يجوز فيها أن يكذب المرء، عندئذٍ تكون البينة عليه، أي أن عليه أن يُبرر كذبَه بالحُجة. (١) وفي مجال القضايا الجنائية يقع عبء الدليل على الادعاء، وعلى الدفاع أن يُبين الثغرات أو نقاط الضعف في حجة الادعاء، وليس عليه أن يثبت براءة المتهم ابتداءً (لأن الأصل براءة الذمة)، ذلك مثال للمبدأ القائل: «البينة على من ادَّعى» He who asserts must prove، والحكمة في ذلك الانحياز المبدئي (إلى جانب المتهم) هي أن الدليل في القضايا الجنائية قد يكون ظنيًّا لأنه يقوم على إعادة بناء أحداث الماضي، وهو أمرٌ يعتمد بالضرورة على الحدس والتخمين، ومِن ثَمَّ فاحتمال الخطأ قائم؛ لذا يقوم المشرِّع بتقنين الجدل القانوني بطريقة من شأنها أن تُقَلِّص حالات إدانة أشخاص أبرياء إلى أدنى حدٍّ ممكن، حتى لو كان ذلك يكلفنا إفلات أشخاص مذنبين من العقاب في أحيان كثيرة، باعتبار أن الظلم الحاصل من إدانة بريء واحد يفوق الحاصل من تبرئة عدة مذنبين. وفي القضايا المدنية يقع عبء البينة على المدعي plaintiff: (٢) فإذا ادَّعى شخص، على سبيل المثال، أن مؤسسةً للغسيل الجاف قد ضيعت بذلته، فإن عليه أن يُبرز إيصالَ الاستلام كدليل، وفي حالة عدم وجود إيصال لديه وعدم وجود إيصاله في سجلات المؤسسة فإن الدعوى تسقط لغياب الدليل، أما أن يحاجَّ المدَّعي بأن المؤسسة ليس لديها ما يُثبت عدم استلامها للبذلة فإنه عندئذٍ يقع في مغالطة «الاحتكام إلى الجهل» argumentum ad ignoratiam.

стр. 197

الفصل الثامن والعشرون سرير بروكرست (البروكرستية) Procrustean bed (Procrusteanism) تُرى كم «ثيسيوس» يلزمنا اليوم لكي نَبْرَأ من تحيزاتِنا المكِينة، ونعدل منطقَنا المقلوب؟ *** كان بروكروست، في الميثولوجيا اليونانية، قاطع طريقٍ يعيش في أتيكا، وكانت له طريقةٌ خاصةٌ جدًّا في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يَستدْرِج ضَحِيَّته ويُضيِّفه ويكرم وفادته، وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سريرٌ لا مثيل له بين الأسِرة إذ كان يتميز بميزةٍ عجيبة: هي أن طوله يلائم دائمًا مقاس النائم عليه أيًّا كان، غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتَّى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله، فجعل يربطه بإحكامٍ ويشدُّ رجليه إن كان قصيرًا ليمطهما إلى الحافة، أو يبترهما بترًا إن كان طويلًا ليفصل منها ما تجاوز المضجع؛ حتى ينطبق تمامًا مع طول السرير! وظل هذا دأبه إلى أن لقِيَ جزاءه العَدلَ على يد البطل الإغريقي ثيسيوس Theseus الذي أخضعه لنفس المَثُلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبتَه لينسجم مع طول سريره.

стр. 198

يُشير مصطلح «سرير بروكرست» Procrustean bed (أو «البروكرستية Procrusteanism») إلى أية نزعة إلى «فرض القوالب» على الأشياء (أو الأشخاص، أو النصوص … ) أو ليِّ الحقائق وتشويه المعطيات وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسرًا مع مخططٍ ذهني مسبق، إنه القولبة الجبرية، والتطابق المُعْتسف، والانسجام المُبَيَّت، إنه افتئاتٌ على الواقع قَلَّما يفلت من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة. (١) ألوان من البروكرستية إنهم يَلوون بها ويُفسدونها لكي تلائم خيالاتهم المسبقة. فرنسيس بيكون (الأورجانون الجديد ١: ١٧) (١ - ١) البروكرستية التأويلية وتتكلم بعبارات غامضة … تدفع السامعين إلى التأويل، فيلجئون إلى التخمين ويحورون الألفاظ لكي توافق أفكارَهم. شكسبير، هملت حين نفرض على النصوص توقعاتِنا وتحيزاتنا وإسقاطاتنا المسبقة، دون أن نكلِّف خاطرَنا بمراجعة هذه الإسقاطات في ضوء ما يبزغ أمامنا في فِعل القراءة، حين نُخْرِس النصَّ ونفرض عليه ما ليس فيه - فثم «البروكرستية التأويلية»، وعسى أن يعي ذلك بعض النقاد الذين يفرضون قوالبَهم على الأعمال الأدبية أو الفنية ويُلبسونها المعنى الذي يَتَلَبَّس بهم، أو المذهب الفني الذي يستحوذ على اهتمامهم، وعسى أن يفهم ذلك هواةُ «المعجزات العلمية» الذين لا يخشعون لجلال النص القرآني، ويريدون أن «يحشروا الأكبرَ في الأصغر!» وأن يُفرغوا النص من «بَلاغِه» kerygma الحقيقي ويُجنِّدوه فيما لا يقصده ولا يعنيه.

стр. 199

وفي مقامٍ مماثلٍ يقول فرنسيس بيكون في «الأورجانون الجديد» Novum Organum، الكتاب الأول: شذرة ٥٤: «ومثل هذه الحماقة يجب أن توقف وتُقمع بكل حزم، فمِن هذا المزج غير الصحي بين البشري والإلهي لا تنبثق فحسب فلسفةٌ وهمية، بل ودينٌ هرطقي! ومن ثم فإن رأس الحكمة والرصانة أن نعطي للإيمان ما هو للإيمان ولا نَتَزَيَّد.» (١ - ٢) البروكرستية الإكلينيكية حين ينخذل الطبيب المبتدئ أمام «الحالة»، فيرهن ذهنه لتشخيصٍ مسبقٍ يكيِّف عليه الأعراض والعلامات ويلوي بها لتأتي على مقاس تشخيصه، حين يمضي من التشخيص إلى العلامات بدلًا من أن يتجه من العلامات إلى التشخيص، فإنه يرتكب خطأ «البروكرستية الإكلينيكية»، وما كان للواقع العنيد أن يرضخ لحيل العقل والتواءاته ويدخلَ طواعيةً في قوالبَ مسبقةٍ لا تلائمه ولا تحكمه، إنك لا تجني من الشوك العنب، وأكبر الاحتمال أن يؤدي التشخيص الخطأ إلى العلاج الخطأ، ومن ثم إلى تفاقم المرض وتردِّي المآل. (١ - ٣) الاستخبارات البروكرستية حين توعِز الإدارة السياسية لمرفق الاستخبارات بأن يُفَصِّل لها معلوماتٍ استخباراتيةً على مقاس قرارٍ سياسي مُبَيَّت، بدلًا من أن يكيف القرار السياسي وفقًا للمعلومات الاستخباراتية، نكون بإزاء صنف خبيث من البروكرستية ربما تُودي بمرتكبها قبل أن طرفٍ آخر. (١ - ٤) بروكرستية العولمة الثقافية يطمح دعاةُ العولمة إلى صب الثقافات جميعًا في قالبٍ واحد، ظنًّا منهم أن إزالة الحواجز بين الأمم وتدفق الأفكار والمعلومات والبشر عبر الحدود من شأنه أن ينشر قيمَ التسامح والحرية وفهم الآخر، وأن يدمج البشرَ في ثقافةٍ عالمية متجانسة، لم يتفطَّن هؤلاء إلى أن الانفتاح والاجتياح يُثير في النفوس أيضًا غريزة المحافظة والانكماش والتجمد والبحث عن حدود الذات وتدعيمها لإثبات الهوية وتجنب الانمحاء، هكذا انبعثت مع العولمة نزعاتُ

стр. 200

الانفصال والتفكك الداخلي وظواهر التطرف والعنف والانتماءات الأولية (القبلية والإثنية والطائفية)، وتفككت دولٌ في الشرق والغرب وواجهت دولٌ أخرى خطر التفكك، لم يقَدِّر دعاةُ العولمة الأوائلُ سطوة الثقافات المحلية والنزعات القومية والأصولية ومقاومتها للتغيير، وإلى الأثر العكسي لقوى العولمة: مزيد من التفكك والحروب الطائفية والعرقية، وتصاعد قوى اليمين المتطرف وانتشار التزمت والإرهاب وصحوة الانتماءات البدائية الهاجعة. (١) (١ - ٥) البروكرستية السياسية تعمد البروكرستية السياسية إلى صب المواطنين جميعًا في قالبٍ واحد؛ تعميمًا للخير والتماسًا للعدالة، تَتَجَذَّر البروكرستية السياسية في «مذهب الماهية» essentialism الفلسفي، وهو الرأي القائل بأن «للأشياء خصائص ماهوية» de re essential properties، أي خواص ضرورية بمعزلٍ عن تصنيفاتنا وتعريفاتنا، للإنسان، من ثم، وماهيةٌ حقيقيةٌ تُميزه عن غيره من الكائنات: قد تكون هذه الماهية هي الروح العاقلة (الإنسان حيوان عاقل)، وقد تكون هي الميل إلى الحياة في تجمعات مدَنِيَّة (الإنسان حيوان مدني) … إلخ، المهم أن هناك ماهيةً ثابتةً محددة للإنسان بها يكون إنسانًا وبدونها يكون أيَّ شيءٍ آخر، هناك «مثال أفلاطوني» أو «صورة» eidos أو «فكرة» idea أزلية للإنسان ينبغي على الإنسان الحقيقي الأرضي أن يسعى إلى تجسيدها ويقترب منها. كل أولئك أفكارٌ ميتافيزيقيةٌ مأمونة، لا ضير أن يتداولها الفلاسفة فيما بينهم ويختلفوا حولها على مقاعدِهم النظرية الوثيرة، يبدأ الخطر، رغم ذلك، حين تقعُ مثلُ هذه الأفكار في أيدي (أو بالأحرى رءوس) السياسيين أولي البأس وذوي القدرة على استخدامها في الواقع الحي ووضعها موضع التنفيذ، حين يقعُ للطاغية «المثالي» idealist تصورٌ واضحٌ عما تكونه الطبيعة البشرية فقد يرى نفسه مضطرًّا إلى فرضها بالقوة على رعاياه وصبهم في قالبها ضربة لازب، وسحق كل من تُحدِّثه نفسُه بالتمرد على هذا القالب الأزلي الواحد.

стр. 201

هكذا ينشأ ما يُسميه أنتوني فلو Antony Flew، مؤلف كتاب «سياسة بروكرست» ب «البروكرستية الاشتراكية» socialist Procrusteanism أو «العدالة المحافظة» conservative justice، إنها ضرب من اليوتوبيا الاجتماعية تريد أن تفرضَ التجانس على الناس، وتفرضَ المساواةَ المطلقة على المواطنين، فتأخذ من البعض وتعطي البعض الآخر حتى يعتدل الميزان. (١) إن أنتوني فلو هو بمثابة «ثيسيوس معاصر» يريد أن يحطم البروكرستيةَ بأن يكشِفَ زيفَها وتهافتها ويفضح طبيعتها المؤذيةَ المظلمةَ ويخرجها إلى وَضَح النهار: الأمر هنا ليس مجرد مبدأ شخصي يدعو إليه من يدعو، بالحكمة والموعظة الحسنة، أو ربما بتقديم مثالٍ في التضحية والبر (على طريقة ليو تولستوي مثلًا)، ولكنه منهجٌ سياسي وإداري يُراد فرضُه على نطاقٍ هائلٍ بقوة الآلة الحكومية الجبارة. لم يقف جنون البروكرستيين السياسيين عند حد: فمنهم من لم يقنع بإعادة توزيع الثروة على الأفراد بالعدل والقسطاس، فذهب إلى ضرورة تحطيم «نظام الأسرة» - منبع التفاوت بين الناس ومعقل اللامساواة وحصنها الحصين. ومنهم من ذهب إلى ضرورة فرض «المساواة المعرفية» cognitive equality، فلا ينبغي أن «يعرف» شخصٌ أكثر مما يعرف الآخرون. بل ذهب بعضُهم إلى ضرورة «تحسين النسل» (اليوجينيا eugenics) لاجتثاث التفاوت من المنبع … من البيولوجيا! من السخرية أن البروكرستية يمكن أن تبلغَ مأربَها وتَشفِي صدرَها ب «المساواة في الجهل» بقدر ما تشفيه ب «المساواة في العلم»، وأن تقضي وَطَرَها بالإساءة بقدر ما تقضيه بالإحسان! إن مذهب المساواة هو عماد الرفاه، وعماد الضنك أيضًا، ما لم يُستبدَل به مبدأٌ آخر من مبادئ الواجب. يذهب أنتوني فلو إلى أن مُثُل المساواة في الحرية وتكافؤ الفرصة لا تتفق مع مثل المساواة في الحال المعيشية أو في النتيجة (وهي البروكرستية الحقيقية)، يبدو أن

стр. 202

هناك توترًا معينًا بين بعض القيم التي نَصبو إليها ونَوَدُّ أن نحققها جميعًا، بحيث إن الترتيبات الاجتماعية التي تدعم إحداها من شأنها بالضرورة أن تنال من الأخرى: ثمة توترٌ بين «العدل» و «الكفاية الاقتصادية»، وتوترٌ بين «المساواة» (في الحال) و «الحرية»! ويبقى أن نختارَ القيمة الأكثر أهمية للمجتمع والأَوْلَى من ثم بالتحقيق. (١) تقوم الفكرةُ الديمقراطية على أن الناسَ سواسيةٌ قانونيًّا وسياسيًّا، صحيح أنهم خُلِقوا غير سواسية في المواهب الطبيعية، إلا أن هذا التفاوت ليس حجةً على المساواة وإنما هو حجة لها، فالمساواة أمام القانون ليست حقيقةً موضوعية ولا قانونًا طبيعيًّا، إنما هي مطلبٌ سياسي قائمٌ على قرارٍ أخلاقي، ولا علاقة لها البتة بالنظرية القائلة بأن الناس وُلِدوا سواسيةً بالطبيعة، بل إن المساواة «في الفرصة» هي التي تضمن وترعى التفاوت العقلي بين بني البشر؛ لأن مساواة الفرصة تضمن للمواهب الفردية حق التميز والنمو، وتحمي أصحاب المواهب من أن ينالهم اضطهادٌ ممن يقلون عنهم موهبة. في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد يقول ثيسيوس بعد أن أسْهَب في تبيين طريقته في فرض المساواة: «وقد استمع بيريتوس لهذه الخطبة التي ألقيتُها على السادة، فقال لي إنها خطبةٌ رائعة، ولكنها سخيفة، وكان يعلل ذلك بأن المساواة بين الناس ليست طبيعيةً بل ليست شيئًا يُبتغَى، فمن العدل أن يتفوق الأخيار على طغام الناس بما تُخوِّلهم الفضيلة من امتياز، وهؤلاء الطغام إذا لم تُثر بينهم التنافسَ والتزاحم والغيرة ظلوا هامدين خامدين أشبه شيء بالماء الراكد الآسن، فليس لهم بدٌّ من حافز إلى العمل … وسواء أردتَ أم لم تُرِد فإن هذه التسوية الأولى التي تطمح إليها وهي تكفل للناس جميعًا تكافؤ الفرص ليسعوا إلى الحياة من مستوًى واحد، ستنتهي قطعًا إلى اختلاف والتفاوت، فتنشأ طبقات تتأثر بما يتمايز الأفرادُ به من الكفاية وحسن البلاء، ستنشأ طبقةُ العامة الشقية والأرستقراطية السعيدة.» وفي كتابه الكلاسيكي «نظرية في العدل» a theory of justice يطرح جون رول John Rawl (١٩٢١ - … ) نظريةً ربما تكون أهم نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة

стр. 203

وأبعدها أثرًا، فيصور المجتمع العادل بأنه ذلك المجتمع الذي سوف تختاره الكائنات العاقلة لو أنها حُمِلَت على اختيار المؤسسات والقوانين «من وراء حجاب من الجهل» behind a veil of ignorance أي دون أن تعلم ما ستكونه مراكزهم الاجتماعية الفعلية، قد يسبق إلى الظن أن مثل هذه الكائنات حَرِيةٌ عندئذٍ أن تختار حالةً من المساواة المطلقة كأفضل رهانٍ لها. إلا أن رول يَبْدَهُنا بغير ذلك، ويقنعنا بالحجة أن هؤلاء المتعاقدين الأصليين الذين حُجِبَت عنهم الحقيقة هم حَرِيُّون أن يختاروا (ويَعُدُّوه عدلًا) نظامًا اجتماعيًّا ينطوي على تفاوتٍ في الثروة ما دام هذا التفاوت يجعل أقلَّ المواطنين حظًّا هو أفضل حالًا مما يكون عليه تحت أي توزيع بديل، بذلك يمكن أن تقوم حجة، باتباع طريقة رول، بأن الرأسمالية التنافسية هي نظام عادل رغم أن بعض الناس فيها أغنى من الآخرين بما لا يُقاس، إذ إن الأقل حظًّا في هذا النظام سيكون أسوأ حالًا وأشد فقرًا لو أنه كان في نظامٍ آخر أكثر مساواةً (ولكن أقل في الكفاية الاقتصادية). (١) وعلى ذِكْر نظرياتِ العدل والبروكرستية الاشتراكية تقفز إلى الذهن أبياتٌ للعقاد تترجم شطرًا كبيرًا من هذا النقاش السياسي المحتدِم، يقول العقاد (على طريقته في استقصاء المعنى): إنَّا نريدُ إذا ما الظلمُ حاق بنا … عدلَ الأناسيِّ لا عدلَ الموازينِ عدلُ الموازينِ ظلمٌ حين تنصبُه … على المساواة بين الحُرِّ والدُّونِ ما فَرَّقت كفَّة الميزان أو عَدَلَت … بينَ الحُليِّ وأحجار الطَّواحين (١ - ٦) بروكرستية الإدراك الحسي ثمة عنصرٌ بروكرستي في كلِّ إدراك حسي، وربما في كل إدراك ذهني على الإطلاق، فالإحساس البصري المحض، على سبيل المثال، لا يقدم لنا أكثر من بقعٍ فسيفسائية مبعثرة، هي «المعطيات الحسية» sense data (sensa)، ثم يأتي «المخطط الذهني» schema، أو «النموذج» أو «الجشطلت»، فيُضفِي هيئةً ومعنى معينًا على هذا الهُلام

стр. 204

الحِسِّيِّ الغُفل، ونحن في إدراكنا الحسي لا نملك إلا أن نملأ الفراغات ونسد الثغرات ونسبغ الكمال على الأشكال الناقصة، ونضفي الاتصال على المنفصل، والاستمرار على المتقطع … إلى آخر تلك الآليات التي فصَّلها الجشطلتيون في سيكولوجية الإدراك. «المخطط الذهني» أو «البناء الذهني» mental construct أو «النموذج المرشِد» … هو شرطٌ ضروري للإدراك، فنحن في حقيقة الأمر لا نرى موضوعاتٍ محددةً من مثل البشر والحيوانات والأشجار والموائد والكراسي … بل نرى بقعًا لونية مشتتة، ومن هذه الخامة الحسية «نستدل» عندئذٍ على العالم المعتاد أو «نُشيِّده»، الإدراكُ الحسي إذن هو في حقيقته «تشييدٌ ذهني» mental construction تضطلع فيه قوالبُ العقل المسبقة (أسِرَّة بروكرست) بدورٍ محوري! وقد أشار الفيلسوف الأمريكي شارلس ساندر بيرس إلى أن الإدراك الحسي هو ضربٌ من التأويل أو الاستدلال: « … فالأمر اللافت في «الخُدَع» illusions البصرية جميعًا هو أن نظريةً معينة لتأويل الصورة تبدو معطاةً في الإدراك بوضوح تام، وحين تنكشف لنا للمرة الأولى تبدو خارجة تمامًا عن سيطرة النقد العقلي شأنها شأن أي إدراك حسي.» تلك هي البروكرستية المُقدَّرةُ على الكائن البشري والمبيتة في كل إدراكٍ يدركه، والتي تجعلنا نرى ما نتوقع أن نراه، ذلك أن إدراكنا يعتمد تمامًا على مخططاتنا التصورية، وهذه الأخيرة تعتمد بدورها على خلفياتنا الاجتماعية والثقافية، على «نظرياتنا»! يقول نلسون جودمان: «ليست هناك عينٌ بريئة! المادة الخام للرؤية لا يمكن استخلاصُها من المنتَج النهائي، قد تتغير مخططاتنا وتتطور، قد تُنقَّح وتُستبدَل، قد توحِي بها أو ترشدُها عواملُ من كل صنف، غير أنه بدون مخططٍ ما فلن يكونَ إدراكٌ.» (١) هذا ما عَناه نوروود رِسل هانسون N.R.Hanson بقوله، الذي أصبح من مأثورات فلسفة العلم الجديدة، «الإدراك مُحَمَّلٌ بالنظرية» Perception is theory-laden، فخلفياتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية رؤيتنا له، ويجرنا ذلك تلقائيًّا إلى الحديث عن بروكرستية الملاحظة العلمية.

стр. 205

(١ - ٧) بروكرستية الملاحظة العلمية على الرغم من أن الواقعَ قائمٌ «هناك» بمعزلٍ عن الملاحظ، فإن إدراكنا للواقع متأثرٌ بنظرياتنا التي تحدِّد طريقتنا في تَفَحُّص الواقع، يشمل ذلك إدراكاتنا ويشمل أيضًا أدواتنا العلمية التي هي امتداد لإدراكاتنا، مثال ذلك أن حجم التلسكوبات كان دائمًا يُشكِّل ويعيد تشكيل فكرتنا عن حجم الكون، فحين نَصَبَ إدفين هوبل تلسكوباتِه الجديدة في جنوب كاليفورنيا أتاح للفلكيين لأول مرة تمييز النجوم المفردة في المجرات الأخرى، هنالك تَبَيَّن أن تلك الأشياء الغائمة المُسمَّاة «سُدُمًا»، والتي كنا نحسبها ضمن مجرتنا، هي في الحقيقة مجراتٌ منفصلة. في القرن التاسع عشر كان «قياس الجمجمة» craniometry يُحدد الذكاء بأنه حجم المخ، وابتُكِرَت أجهزةٌ معينة لقياس الذكاء على هذا التعريف، واليوم يُعَرَّف الذكاء بأنه كفاءة الأداء في مهمات معينة يقيسها جهازٌ آخر هو «اختبار الذكاء» I.Q.test، يوضح سير أرثر ستانلي هذه المشكلة بتشبيهٍ حاذق: فلنتصور أن عالمًا في الأسماك ichthyologist يستكشف الحياة في المحيط، فيلقي بشبكة في الماء ثم يُخرج تنويعةً سميكة، وإذ يقوم بفرز صيده فإنه يمضي على الطريقة المعتادة للعلماء وينظِّم ما اكتشفه، فيصل إلى تعميمين: ليس هناك كائن بحري يقل طوله عن بوصتين. جميع الكائنات البحرية لها خياشيم. في هذا «الأنالوجي» يرمز الصيد إلى مادة المعرفة التي تشكل العلم الطبيعي، وترمز الشبكة إلى الأدوات الحسية والفكرية التي نستخدمها في تحصيل المعرفة، وترمز عملية إلقاء الشبكة إلى الملاحظات. قد يعترض مشاهدٌ بأن التعميم الأول خاطئ: «فهناك كائنات بحرية كثيرة أقل طولًا من بوصتين، كل ما في الأمر أن شبكتك غير مكيفة للإمساك بها.» غير أن عالم الأسماك يرد على هذا الاعتراض بازدراء قائلًا: «كل ما لا يمكن إمساكه بشبكتي هو، بحكم طبيعته ذاتها ipso facto، خارجٌ عن النطاق المعرفي لعلم الأسماك وليس جزءًا من مملكة الأسماك التي تم تعريفُها بأنها الموضوع المعرفي الذي ينصَبُّ عليه علم الأسماك، أو، باختصار، ما لا يمكن لشبكتي أن تُمسك به فهو ليس سمكًا.»

стр. 206

كذلك الحال بالنسبة للتلسكوب والذكاء: ما لا يراه تلسكوبي ليس موجودًا هناك، وما لا يقيسه اختباري ليس ذكاءً، من البديهي أن المجرات موجودة، والذكاء موجود، الخَطْب أن طريقةَ قياسنا وفهمنا لها تتوقف بشدة على أدواتنا المتاحة. (١ - ٨) بروكرستية البحث الأكاديمي كلما طال الأمَدُ على البحث الأكاديمي ترسَّخت فيه معايير معينةٌ للدراسة، تتحول في النهاية إلى «سريرٍ بروكرستي» علينا أن نُطَوِّع له عملنا وننتقي ملاحظاتنا وبياناتنا بحيث تفي بالمعايير وتأتي على مقاس السرير! يطول الأمدُ فننسى أننا أصحاب المنهج وصانعوه، وأننا مسئولون «عنه» بقدر ما نحن مسئولون «أمامه»! وما المنهج في نهاية التحليل؟ إنه عاداتٌ تحدِّد لنا الطريقة التي نُعرِّف بها الأشياء ونمارس العمل، عاداتٌ شكَّلتها أيديولوجياتٌ خفية (يسميها رولان بارت بالأساطير في السيميوطيقا الخاصة به)، ثم تَكَلَّست بفعل التكرار حتى أصبحت سريرًا بروكرستيًّا جاسيًا يحدد لنا حدودَ ما نقبله وما نرفضه، ويضع لنا مسبقًا معايير «الصدق» validity (١) في عملٍ يُفترَض فيه أنه ابتكارٌ دائمٌ وكشفٌ للخَفِي وارتيادٌ للمجهول، وما كان للحقيقة أن ترضخ لمنهجٍ صنعناه بأيدينا ثم عبدناه كإله من الحلوى، وما ظنك بمآل ذلك في كل مرحلةٍ من مراحل العلم القياسي؟ إنه العُقم وجفاف الدم في عروق البحث، تعقبه «أزمة» crisis وتراكم «شذوذات» anomalies ثم «ثورة علمية» scientific revolution تمس المنهج نفسَه فيما تمس. الحق أن «المنهج» method و «الموضوع» object لا يمكن أن ينفصلا: لقد حدَّد لنا المنهج مقدمًا ما سوف نراه! لقد أنبأنا ماذا يكون الموضوعُ بوصفه موضوعًا؛ لهذا السبب يُعد كل منهجٍ تأويلًا بحد ذاته، غير أنه أحد التأويلات فحسب، والموضوع الذي يُرى بمنهجٍ آخر سيكون موضوعًا آخر. (٢)

стр. 207

يبدو أن فكرة «المنهج» بألف لام التعريف لا تستقيم وفكرة «المجهول» الذي نريد ارتيادَه وكشفَه، المجهول «مجهول» بطبيعته وتعريفه فكيف نريد اصطياده بمنهجٍ «معلوم» يُحدد لنا سلفًا ما سوف نصطاد؟! إنما يبزغ «المنهج» على رِسلِهِ «بعديًّا» a posteriori من البحث وفي البحث، ربما لذلك لم تَعُد هناك إبستمولوجيا عامة تصلح لكل شيء، وانتقلنا الآن إلى «إبستمولوجيات جهوية» modal epistemology على حدِّ تعبير جاستون باشلار، يقول باشلار في «فلسفة لا»: «في اعتقادنا أن مهامَّ فلسفة العلوم تُطرَح في مستوى كل مفهوم على حدة: فكل افتراض وكل نقطة، كل تجربة وكل معادلة تتطلب فلسفتها الخاصة.» ويبدو أننا بحاجة، فضلًا عن مناهج البحث التقليدية، إلى منطقٍ آخر للحدس الذكي، لتلك اللحظة الفنية من لحظات الكشف العلمي، لتلك القفزة الإبداعية التي تتجاوز دائمًا المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئًا غيبيًّا لم يكن مبذولًا للإدراك العادي، نحن بحاجة إلى معايير أخرى لما هو افتراضي، مبدئي، تأملي، معايير إستطيقية معينة تُقدِّر جمالَ الظني والحدسي. (٢) المناعة الأيديولوجية، أو «مشكلة بلانك» من دأبنا جميعًا، في حياتنا اليومية كما في صعيد العلم، أن نقاوم أن أي تغيير في النموذج المعرفي الأساسي (النموذج الشارح paradigm)، يطلق عالم الاجتماع ستيوارت سنيلسون على هذه الظاهرة «جهاز المناعة الأيديولوجي» ideological immune system، يذهب سنيلسون إلى أنه كلما تراكمت المعرفة لدى الأفراد وترسَّخت نظرياتهم فإن ثقتهم بهذه النظريات يتعاظم ويكتسبون «مناعة» ضد أي نظريات جديدة لا تعزز النظريات السابقة، ويطلق مؤرخو العلم على هذه الظاهرة «مشكلة بلانك» Plank problem، نسبةً إلى عالم الفيزياء الشهير ماكس بلانك الذي أبدى هذه الملاحظة فيما يتعلق بالعلم: فقلَّما اتفق لتجديد علمي هام أن يشق طريقًا هينًا سلسًا ويحمل مناوئيه على التخلي عن نموذجهم والتحوُّل إليه طواعية واقتناعًا، فمن النادر أن يتحول «شاول» إلى «باول»،

стр. 208

(١) أما الذي يحدث بالفعل فهو أن المعارضين يموتون عن نموذجهم واحدًا بعد الآخر، وينشأ الجيل القادم على إلفٍ بالفكرة الجديدة منذ البداية! ومن النتائج البحثية اللافتة ما وجده عالم النفس ديفيد بيركينز من ارتباط موجب بين درجة الذكاء (كما تقدِّرها اختبارات الذكاء القياسية) وبين القدرة على تعضيد الرأي والدفاع عنه، وارتباط سالب بين الذكاء وبين القدرة على أخذ الآراء البديلة بعين الاعتبار، وبتعبير أبسط: كلما ارتفع معدل الذكاء كان الفرد أكثر مناعةً أيديولوجية وأقل قدرةً على الاستجابة للفتوحات الفكرية الجديدة (!). ويبدو أن المناعة الأيديولوجية هي شيء متأصل في الأداء البحثي العلمي، حيث تعمل ک «مُرَشِّح» أو «مصفاة» تُرشِّد اندفاع التجديدات العلمية وتردها إلى الحصافة والحذر، من دأب المجتمع العلمي أن يقاوم التجديدات العلمية الثورية لا أن يفتح لها ذراعيه! لأن لكل عالمٍ ناجحٍ مصلحةً مكتسبة (فكرية واجتماعية بل ومالية) في الحفاظ على الوضع القائم، ولو أن كل فكرة جديدة ثورية استُقبِلَت بالترحاب لكانت النتيجة هي فوضى كاملة وشواش تام. بوسعنا تعميم ذلك على أصعدة الحياة جميعًا فنرى إلى مسيرة التقدم في كل شيء على أنه توتر محسوب بين بروكروست وثيسيوس! بين التقليد والتجديد، بين الموالاة والمعارضة، بين اليمين واليسار، في مسرحية «أوديب» لأندريه جيد يلخص «كريون» هذه القضية تلخيصًا مُحكمًا في الفصل الثاني، إذ يقول لأوديب: « … لو لم نكن متباينين إلى هذا الحد لما وجد أحدٌ منا هذه المتعة حين يفهم عن صاحبه: وإني أيها الصهر العزيز لأحب حديثك؛ لأنك تفتح لي آفاقًا لم أكن لأهتدي إليها وحدي، فلك الابتكار والتجديد، أما أنا فيُقيدني الماضي، وأنا من أجل ذلك أحترم التقاليد والعادات والقوانين المقرَّرة، ولكن ألا ترى أن من الخير للدولة أن يمثل هذا كله، وأني أحقق التوازن المفيد بإزاء عقلك المجدد، فأحول بينك وبين الاندفاع أو أهَدِّئ من مغامراتك الجريئة التي توشك أن تحطم نظام الجماعة إذا لم تؤخذ بشيء من القصد يأتيها من هذا السكون، ومن هذا التشبث بالقديم … » (٢)

стр. 209

الفصل التاسع والعشرون مغالطة المقامر gambler's fallacy تنطوي مغالطة المقامر على خطأ في فهم فكرة الاحتمالات probability وفكرة الأرجحية odds، (١) ونحن نرتكب هذه المغالطة عندما نظن أن ما وقع في الماضي له تأثير على الأرجحية - أو الاحتمالات - الحالية، حين نرمي قطعة العملة رمية ترجيح فإن احتمال «الصورة» في كل رمية هو ٥٠? واحتمال «الكتابة» ٥٠?، ولا صلة لاحتمالات كل رمية بالرمية السابقة عليها ولا بأية رمية أخرى على الإطلاق، فإذا رمى شخصٌ ست رميات كانت جميعًا «صورة» واستنتج من ذلك أن الرمية القادمة لا بُدَّ لها من أن تكون «كتابة» لأن «الكتابة» طال غيابها ولا بُدَّ أنها الآن متوقَّعة أو مرجحة جدًّا، يكون هذا الشخص قد ارتكب «مغالطة المقامر»، ذلك أن نتائج الرميات السابقة «لا ضغط لها» البتة على الرمية السابعة، فالرمية السابعة لديها احتمال ٥٠? للكتابة و ٥٠? للصورة مثلها مثل أي رمية أخرى.

стр. 210

أمثلة (١) لقد اشتريتُ ثمانيَ بطاقات حظ الأسبوع الماضي، ولم تكن بينها أي بطاقة رابحة، وحيث إن فرص الكسب هي واحد لكلِّ تسعة، فإن بطاقتي القادمة ستكون رابحة على الأرجح. (٢) أما زِلت تشتري أوراق اليانصيب هذه؟ نعم، لقد ظللت أشتريها بانتظام لمدة سنتين ولم أربح. إذن لماذا تحرص على شرائها؟! حسنٌ، بما أنني لم أربح حتى الآن، فإن الوقت قد حان لكي أربح عاجلًا. (٣) أما زِلت مصممًا أن تراهن على الحصان «فارس»؟ لقد خسر ثلاثة من سباقاته الأربعة الأخيرة. لذلك سوف أراهن عليه الآن، لقد راجعت السجلات وعرفت أن «فارس» قد ربح نصف سباقاته في العامين الأخيرين، وحيث إنه خسر ثلاثة من سباقاته الأربعة الأخيرة، فلا بُدَّ من أنه سيفوز في هذا السباق. هل أنت واثق من ذلك؟ بالتأكيد، لقد حان فوزه الآن. في كلِّ مثال من الأمثلة السابقة يأخذ شخصٌ احتمال وقوع حدث «أ» خلال فترة من الوقت، ويلاحظ أنه خلال الشطر الأول من تلك الفترة كان الحدوث الفعلي ل «أ» أقل بكثير من المتوقع، فيُستدل من ذلك على أن حدوث «أ» سيكون أكثر احتمالًا في بقية الفترة، وهو استدلال مغلوط بالنظر إلى مفهوم الاحتمالات والأرجحية. وقد تمضي المغالطة أيضًا في الاتجاه المقابل: فيفترض المرء أن الحدوث الزائد عن المتوقع ل «أ» لا بُدَّ من أن يؤدي إلى انخفاض احتمالية «أ» فيما سيأتي؛ وذلك لكي تتحقق الاحتمالات وتستوي الأمور في نصابها: - أتشتري بطاقات الحظ ثانيةً هذا الأسبوع؟ - نعم. - أي الأرقام سوف تختار؟ - حسنٌ، إن الأرقام التي كثر فوزها حتى الآن هي ٣، ٧، ٢٨؛ لذا فلن أختارها بكل تأكيد، فقد آن لها أن تتلقى نصيبها من الخسارة لفترة غير قصيرة.

стр. 211

وصفوة القول في المقامرة إن ما تم حدوثه حتى اللحظة الآنية هو شيء لا يُقدم ولا يُؤخِّر في احتمالات السحبة القادمة، ولا يُؤثر على أرجحيتها، بحد ذاتها، مثقال ذرة من التأثير، فاحتمال «الصورة» في رمية العملة القادمة هو ٥٠? مهما تكن النتائج السابقة، واحتمال فوز أي رقم في اليانصيب الأسبوعي للمملكة المتحدة هو واحد إلى أربعة عشر مليونًا.

стр. 212

الفصل الثلاثون المظهر فوق الجوهر style over substance وسَرى في فؤاده زُخرُف القَو … لِ يراه مستعذبًا وهو داءُ شوقي بني الآداب سرَّتكم قديمًا … زخارفُ مثلُ زَمزمةِ الذبابِ المعري اللهم إنَّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل. الجاحظ، البيان والتبيين ليس بالأمرِ جديرًا … كلُّ من ألقَى خطابا أو رأى أُميةً فاخـ … ـتَلَب الجهلَ اختلابا شوقي

стр. 213

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (البقرة: ٢٠٤) *** يقع المرء في هذه المغالطة عندما يولي أهمية زائدة للأسلوب الذي تم به عرضُ حُجةٍ ما، بينما يهمِّش، أو يتغافل، مضمونَ الحجة ومحتواها. للطلاء دائمًا رونقٌ يموه ما تحته، ورواءٌ يَشغَل العينَ عن تَبَيُّن الثغرات والتشققات والتجاعيد والأخاديد، وللبيان دائمًا سحرٌ يعمل عملَه بمعزلٍ عن الفَحوَى، وللقول سحرٌ يفتن المرء عن المقول، هكذا يقر في رُوع الناس أن مظهر الحجة ينم عن جوهرها ويضيف إلى مفادها ومؤداها، ويؤثر بطريقةٍ ما في تحديد قيمة صدقها. أمثلة (١) من المؤكد أن حجة رئيس المجلس ضعيفة وأنه قد خسر الجدال، ألا ترى كم كان جبينه يتفصد عرقًا ووجهه يحمر ارتباكًا؟ (٢) لا شكَّ أن هذه الغسالة الكهربائية هي الأفضل صنعةً والأطول عمرًا من غيرها؛ لأن البائع كان يتحدَّث عنها بطلاقة وإقناع، كما أنه شديد التأنق والوسامة وتبدو عليه أمارات الذكاء والفهم. (٣) إن مرسي يعرف كيف يختلب الجمهور، لا ريب أنه على صواب فيما يقول. (٤) مربع ثلاثة هو تسعة. تسع رصاصات يفقأن عينك أيها الفاشل الأبله. بل ستة، ولا داعي لهذه البذاءة وهذا التجريح. (لاحظ أن البذاءة والإفحاش في القول لا دخل لهما في صواب العبارة: «مربع ثلاثة هو تسعة» قولٌ صائب وإن كرهنا بذاءة قائله وإقذاعه في الحديث، «مربع ثلاثة هو ستة» قولٌ خطأ ولو شفَعَهُ قائله بنهجِ البردة!)

стр. 214

الفصل الحادي والثلاثون الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد) Appeal to antiquity; appeal to tradition Ad antiquitatem; ad traditio ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) التغيرُ يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيًّا على الدوام. ماركوس أوريليوس الإنسان يحيا بالتغير، الحياةُ لم تُعطَ له لكي يحفظها، بل لكي يُغيرها. أدونيس عارٌ على الجنس البشري أن يُستكشف العالمُ المادي على هذا النحو المذهِل بينما تبقَى حدودُ العالم الفكري محصورةً في الكشوف الضيقة للقدماء. فرنسيس بيكون

стр. 215

عارٌ أن نظل يقودنا أطفالٌ سذجٌ قليلو العلم والتجارب، يُقال لهم الأجداد! لا معنى للتمسك ببناءٍ فوقي بعد أن انفصم عن بنائه التحتي الذي أفرَزَه. فليكن النقدُ بالنسبة لنا هو العادة والتقليد والعُرف. *** يُعد الاحتكام إلى القِدم، أو إلى التقاليد، نوعًا من «الاحتكام إلى سلطة» ad verecundiam، وهي هنا سلطة العُرف أو التقاليد الجمعية، والحق أن هناك فرقًا دقيقًا بين الاحتكام إلى القِدم والاحتكام إلى التقاليد، وما جَمَعنا بينهما إلا توخيًا للتبسيط. ف «الاحتكام إلى القِدم» appeal to antiquity يجعل من عُمر الفكرة معيارًا لصوابها، ومن مجرد قِدَمها دليلًا على صحتها، وصورته: س قديم؛ إذن «س» صائب. أما الاحتكام إلى التقاليد الثقافية الراسخة، وصورته: س تقليدي؛ إذن «س» صائب. فإنه يضيف شيئًا ما إلى قِدم الفكرة؛ فالتقليد أو العُرف ليس مجرد شيء قديم، إنه شيءٌ «مجرَّب»، شيءٌ اختبره الأقدمون وأثبت نجاعةً، فتَبَنَّته الأجيال اللاحقة جيلًا بعد جيل، وترسَّخ في وعيها (أو في لا وعيها) بوصفه حقًّا بذاته ولذاته وفي غِنًى عن مزيدٍ من الاختبار والنقد. لقد تَكَفَّل السلف بالاختبار وأَعفَى الخلف من مئونته، وها هم يتَّبعون آباءهم ولا يعرفون - ولا يلزمهم أن يعرفوا - لماذا يفعلون ذلك، إن من الأسلم والأضمن والآمن لك أن تأخذ بما هو مجرَّب ومألوفٌ ومعروف. •••
следующие страницы →