Полный текст (278 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ولقد توسّعت دائرة الحسبة في الإسلام، فلم تقتصر على العبادات فقط، بل اشتملت كلّ أوجه النشاط الاجتماعي. وقام المحتسِب بإذنٍ وتكليف من وليّ الأمر بمراقبة الأسواق، ومنْع الغشّ في المعاملات، والتلاعب في الموازين والأسعار، ومنع الاحتكار. ولقد كان نظام المُحتسِب وجهاً حضارياً عبر تاريخ الإسلام، وقد شرُف بمباشرة الرسول ﷺ له.
فقد مرّ ﷺ بالسوق على صُبرة طعام، فوضع ﷺ يده في الإناء، فأصابت يدُه بلَلاً، فقال: ((ما هذا، يا صاحب الطعام؟)). فقال الرجل: لقد أصابته السماء -أي: نزل عليه المطر-. فقال ﷺ ((هلاّ وضَعْتَه في أعلى كي يراه الناس؟ مَن غشّنا فليس منا)).
الفرْق بين المُتطوِّع والمُحتسِب في الدّعوة إلى الله:
لقد وضع الفقهاء فروقاً بين المُتطوِّع في الدّعوة إلى الله والمُحتسِب المُعيَّن مِن قِبَل ولِيِّ الأمر، ومن هذه الفروق ما يلي:
١ - الدّعوة إلى الله فرْض عيْن على المُحتسِب، وفرْض كفاية على غيره.
٢ - إن قيام المحتسِب به من حقوق تصرّفه لا يجوز أن يتشاغل عنها -أي: بعمل آخَر يَصرفه عن عمله الأصلي وهو: الدعوة-. وقيام المتطوِّع به من نوافل عملِه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه لغيره -أي: لا يَصرفه التّطوّع بالدعوة إلى الله عن عمله الأصلي الذي يسترزق منه ويعيش على موارده-.
стр. 107
٣ - إن المُحتسِب منصوب للاستعداء فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوباً للاستعداء. ومعنى ذلك: أنّ المُحتسِب يستعدي بالشرطة، ويطلب عونها في إزالة المُنْكر، أمّا المتطوِّع فلا يُخوّل له الاستنجاد أو استدعاء القوّة لمؤازرته. إنه يكتفي بالكلمة فحسب.
٤ - على المحتسِب أن يبحث عن المُنْكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عمّا تُرك من المَعْروف الظاهر ليأمر بإقامته. وليس على غيره من المتطوِّعة بحث ولا فحص ولا تنقيب.
٥ - للمحتسب أن يُعزِّر في المُنْكرات الظاهرة لا يتجاوز الحدود، وليس للمتطوِّع أن يُعزِّر على منكر.
٦ - للمحتسب أن يرتزق على حِسبته من بيت المال، ولا يجوز للمُتطوِّع أن يرتزق على إنكار المُنْكر.
أما الشرط السابع فهو موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
٣ - أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: معرفة أنواع البشَر
تابع: شروط الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
سابعاً: أنْ يكون الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر قادراً على القيام بواجب الأمْر والنّهي:
والقدرة تشمل أمريْن:
الأول: القدرة العلْمية من حيث سَوْق الأدلّة وإقامة البراهين، وأن يتميّز بالفصاحة والبلاغة وسلامة اللّغة وحُسن البيان؛ ولهذا نجد موسى ﵇ لمّا كانت في لسانه لَكنة تحُول بينه وبين القيام بأمْر فرعون ونهْيه، دعا الله تعالى أن يَحُلّ لسانه ويرسل معه هارون ﵇ لفصاحته، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه:٢٥ - ٣٢).
стр. 108
فالخوف وعدم الفصاحة قد يكون حائلاً دون القيام بواجب الدعوة؛ وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قصة موسى مع فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (القصص:٣٣ - ٣٥).
ولقد كان ﷺ يبايع أصحابه على أن يصْدعوا بكلمة الحق، ولا يخشون إلاّ الله.
فعن عبادة بن الصامت، قال: ((بايعْنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة ... -إلى أن قال:- وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا، لا نخشى في الله لومة لائم))، متفق عليه.
الأمر الثاني: القدرة البدنية المقترنة بقوّة الشخصية التي تُمكِّنه من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "العاجز ليس عليه حسبةٌ إلاّ بقلْبه، إذ إنّ كلّ من أحب الله يكره معاصيه ويُنكرها".
وذكر أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسِّي، بل يلتحق به ما يُخاف عليه مكروهاً يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا لم يَخَفْ مكروهاً، ولكن علِم أنّ إنكاره لا ينفع، فلْيلْتفت إلى معنييْن:
أحدهما: عدم إفادة الإنكار امتناعاً -أي: لعجزه-.
والآخَر: خوف مكروه.
стр. 109
ويحصل من اعتبار المعنييْن أربعة أحوال:
إحداها: أن يجتمع المعنيان: بأن يعلم أنه لا ينفع كلامُه، ويُضربُ إن تكلّم؛ فلا تجب عليه الحِسبة، بل قد يَحْرُمُ في بعض المواضع. نعم، يلزمه أن لا يحضر مواضع المُنكر، ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد، ولا يخرج إلاّ لحاجة مهمّة أو واجب.
الحالة الثانية: أن ينتفي المعنيان جميعاً: بأن يعلم أنّ المنكر يزول بقوله وفعْله، ولا يقدَّر له مكروه؛ فيجب عليه الإنكار، وهذه هي القدرة المُطلقة.
الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، لكنه لا يخاف مكروهاً؛ فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تُستحبّ لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمْر الدِّين.
الحالة الرابعة: عكس ذلك، وهو: أن يعلم أنه يُصاب بمكروه، ولكن يَبطل المُنكرُ بفعله، كمن يَقدِر على أن يرمي زجاجة الفاسق بحجَر فيكسرها ويريق الخمر، ويتعطّل عليه هذا المنكر. ولكن يعلم أنه يرجع إليه، فيضرب رأسه.
فهذا ليس بواجب وليس بحرام، بل هو مُستحب، ويدل عليه قولُ الرسول ﷺ عندما سئل عن أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقّ عند سلطان جائر))، رواه النسائي بإسناد صحيح.
فإن غلب الظّنّ على مُنْكِر أنه يُؤذَى ويُصاب، لم يجب الإنكار. وإن غلب على الظّنّ أنه لا يصاب، وجب الإنكار. وتوقّع المكروه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلف من شخص لآخَر، بحسب الضعف والقوة، والجبن والشجاعة.
стр. 110
لذلك ينبغي لمن يتصدّى للأمر أو النّهي أن يكون عاقلاً حصيفاً، يزنُ الأمور بميزان دقيق، فيدرس حالة مَن يريد أن يتصدّى له، فيعرف حالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، ويقف على الدوافع، والأسباب التي حملتْه على ارتكاب المنكرات وعدم الإقبال على الطاعات، ويبصر بعين ثاقبةٍ مدى تحمّل هذا الشخص للتوجيه، ومدى تقبّله للّوم أو التعنيف أو التغيير بالقوة، ويسأل الداعي نفسه: هل إذا تصدّى للمنكَر سيجد الأعوان والأنصار الذين يؤازرونه ويناصرونه، أم سيواجه الأمر وحده؟ كما يجب أن يكون ذا نظرة بعيدة، فيرى ويقدِّر: هل إذا أقدم على أمرٍ أو نهْي أحدث من العواقب السيئة ما هو أشدّ وقعاً من إزالة المُنكر، كحدوث فتنة أشد؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فحيث كانت مفسدة الأمْر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن ممّا أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجبٌ وفُعِلَ محرَّمٌ؛ إذ المؤمن عليه أن يتّقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم".
ولقد وضع الفقهاء قاعدة عظيمة في درء المفاسد وجلب المصالح، فقالوا: "درء المفسدة مقدَّم على جلْب المصلحة".
وقد فصّلها الإمام ابن القيم فقال:
"شَرَعَ النبي ﷺ إيجابَ إنكار المنكَر ليحصُل من إنكاره من المعروف ما يُحبّه الله ورسولُه. فإذا كان إنكارُ المُنكَر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغُ إنكارُه، وإن كان الله يبغضه ويمقتُ أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كلِّ شرٍّ وبليّة.
стр. 111
ومَن تأمّل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على مُنكَر، فَطَلَبَ إزالتَه، فتولّد منه ما هو أكبر منه. ولقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها. فلمّا فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم ﷺ على تغيير البيت وعلى ردّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه فتنة من عدم احتمال قريش لذلك، لقُرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر؛ ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لِما يترتّب عليه من وقوع ما هو أعظم منه.
فإنكار المنكر له أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويَخْلُفُه ضدُّه.
الثانية: أن يقِلّ وإن لم يُزَلْ جُملة.
الثالثة: أن يَخلُفه ما هو مثْلُه.
الرابعة: أن يَخْلُفه ما هو شرّ منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة مُحرّمة.
فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم مِن عدم الفقه والبصيرة، إلاّ إذا نقلْتَهم منها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النُشّاب وسباق ونحو ذلك ... وإذا رأيت الفسّاق قد اجتمعوا على لعبٍ ولهو أو سماع، فإن نقلتَهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلاّ كان تركُهم على ذلك خيراً من أن يتفرّغوا لِما هو أعظم من ذلك ... وإذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون
стр. 112
ونحوها، وخفْتَ من نقله عنها إلى انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعْه وكتبه الأولى. وهذا باب واسع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي. فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكْر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدّهم الخمر عن قتْل النفوس وسبْي الذرية، وأخذ الأموال. فدَعْهُم! ".
بهذه الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبهذا الفهم الدقيق والحسابات المدروسة، وتقديم قضايا الأمر والنهي وما يترتب عليهما من آثار صالحة أو سيئة، يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مِن أهمّ عوامل إصلاح النفوس وتقويم المجتمعات.
وإنّ ما يعانيه العالَم الإسلامي مِن فتن هوجاء، وعواصف مدمِّرة، واضطرابات دامية، إنما هو بسبب بعض مَن يتصدَّوْن للأمر والنهي بانفعال غير مدروس، والقيام بأعمال طائشة لا تزن الأمور بميزان الفهم الصحيح لقضايا الدعوة وفِقْه الأولويّات، ممّا أثار الفتنة، وأضعف الأمّة، وفرّق الكلمة، فوهنت القوة، وغدا المسلمون لقمة سائغة وفريسةً سهلة انقضّ عليها الأعداء من كلّ حَدَبٍ وصوب، وأصبحت كلأً مستباحاً لشرار الخلْق من الكفرة وفسّاق الآفاق، يسرحون ويمرحون في ديار الإسلام كيفما شاؤوا. وما ذلك إلا بسبب التضارب والتناقض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واشتراط الشروط التي ذكرناها فيما مضى من حديث.
стр. 113
الدرس: ٦ أنواع البشر الذين يوجه إليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكيفية علاجهم, ومراتب إنكار المنكر .
стр. 114
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(أنواع البشر الذين يوجه إليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكيفية علاجهم , ومراتب إنكار المنكر)
١ - أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: معرفة أنواع البشَر
أنواع البشَر الذين يُوجَّه إليهم الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكَر وكيفيّة علاجهم
لقد خلَق الله البشَر مختلِفين في الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، متفاوتين في الذكاء والإدراك، متمايزين في النظرة للأمور والحُكم على الأشياء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود:١١٨، ١١٩).
هذا التباين والاختلاف يوجب على مَن يقوم بواجب الدّعوة إلى الله ويباشر مهامّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يتعرّف على أنواع البشر، ومدى إقبالهم على فعل الطاعات، ومدى إقدامهم على اقتراف السيئات.
وهل ما يرتكبونه من المعاصي يدخل في نطاق الكبائر أم الصغائر؟
وهل يوجد عناد وإصرار على إتيان الفواحش، أم هم من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٠٢).
فإذا ما درس الدّاعي أحوال مَن يأمرهم وينهاهم، استطاع أن يوجّه لكلّ نوع ما يناسبه من التذكرة والموعظة، ودرجة ما يخاطبهم به من الوعد والوعيد، ونجح في استمالة القلوب والتأثير على العقول، وإصلاح النفوس وتهذيب السلوك.
وسوف نتناول في هذه المحاضرة: أصناف البشَر وأنواع الخلائق، ومدى درجة كلّ نوع في القرب والبعد عن الطاعة أو المعصية، وذلك وَفْق العناصر التالية:
стр. 115
الصنف الأول:
صنف لا يعرف شيئاً عن دينه، وذهنهُ خالٍ عن كلّ ما أمَر الله به أو نهى عنه، كمن نشأ في بيئة جاهلية، أو تربى في مجتمع بعيد عن دار الإسلام، كبعض المسلمين الذين وُلدوا ونشؤوا في دول الغرب، أو كشأن الكثير من عوام المسلمين الذي يُعتبرُ دينُهم عادة لا عبادة، لأنهم لا يعرفون عن الإسلام إلاّ اسمه، ومع ذلك فهم متطلِّعون لِمن يأخذ بأيديهم ويرشدهم إلى الصراط المستقيم، ويبيّن لهم الحلال من الحرام، ويفقِّههم في أمور دينهم. ويتم ذلك معهم بأناةٍ ورِفْق وحِلم وصبر؛ فيجب على الداعي إلى الله الآمِر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن يتعرّف على هذا الصنف من البشر، فيسعى إليهم ويتقرب منهم، ويُفسح صدره فيشرح أحكام الإٍسلام شرحاً مُبسّطاً مُيسّراً، ويجمعهم على الطاعة بالترغيب فيها وبيان آثارها في الدنيا وثوابها في الآخرة، وينفِّرهم من المعصية، ويبيِّن عواقبها في الدنيا والآخرة.
هذا الصنف من الناس يكثر تواجده في عوام المسلمين من الفقراء والكادحين الذين شغَلهم السعْي على المعاش وطلب الرزق لإعالة الأهل والأبناء عن معرفة الإسلام معرفة حقة. ويُلحق بهؤلاء الكثير من الناشئين من الفتيان والفتيات الذين أهمل الوالدان تربيتهم تربية إسلامية صحيحة، وتأثّروا بما حولهم من إعلام فاسد يدعو للرذيلة ويُشجِّع على الفاحشة ويحثّ على العنف. هذا بجانب إهمال المجتمع بهيئاته ومؤسّساته لواجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والانصراف عن ذلك بتشجيع مظاهر اللهو والعبث والترف، ممّا جعَل الدِّين عند هؤلاء أمراً ثانوياً وشعوراً هامشياً؛ فهُم قد حُرموا من لذّة الطاعة، ولم يشعروا بنعمة
стр. 116
الإسلام. هؤلاء الفتيان والفتيات تشملهم شريحة كبيرة من شرائح المجتمع، وهُمُ الذين ينبغي أن تتوجّه إليهم جهودُ الدّعاة، كما أمَر الله في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هَِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥).
فهُم تربة صالحة ومناخ ملائمن يتقبّل التوجيه ويُسرع إلى الإذعان. ولقد كان الرسول ﷺ يُعالج هذا الصّنف من الناس معالجة طيِّبة تَحملهم على ترْك المعاصي وتحبِّب إليهم الطاعة.
فقد روى أبو أمامة ﵁: أنّ غلاماً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله. تأذن لي في الزِّنى؟ فصاح الناس به. فقال النبي ﷺ : ((أتُحبُّه لأمِّك؟)). قال: لا. جعلني الله فداك. قال ﷺ : ((كذَلِك الناسُ لا يُحبّونه لأمَّهاتِهم. أتُحِبّه لابنتِك؟)). قال: لا. جعلني الله فداك. قال: ((كذلك الناسُ لا يُحبّونه لبَناتِهم. أتُحِبّه لأختك؟)). قال: لا. جعلني الله فداك. وزاد ابن عوف، حتى ذكَر العمّة والخالة، وهو يقول: في كلّ واحدة لا، جعلني الله فداك، وهو ﷺ يقول: ((كذلك الناس لا يُحبونه)). وقالا جيمعاً في حديثيهما -أعني: ابن عوف وأبو أمامة-: ((فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: اللهم طهِّرْ قلبَه، واغفرْ ذنبه، وحصِّن فرْجَه. فلم يكن شيء أبغض إليه منه -يعني: الزنى-)). رواه أحمد بإسناد جيد.
وهؤلاء الذين ارتكبوا المعاصي عن جهل، أو تقاعسوا عن أداء العبادات كسلاً، يجب أن تُفتح لهم أبواب الأمل في رحمة الله، وأن يُدفع عن قلوبهم اليأس والقنوط. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزُّمَر:٥٣).
стр. 117
الصنف الثاني:
أناس جمعوا مع الجهل بالدِّين: قسوة القلب، وظلمة النفس، وضلال العقل، وضعف العقيدة. لا يعرفون عن دينهم شيئاً، ولا يريدون أن يتعلّموا. قد جرفتْهم الحياة الدنيا بلهْوها ولعبها، وكدِّها وتعبها، وتكاثرها والاشتغال بها. فهم لا يفكِّرون في الخالِق، ولا يلتفتون لشؤون الآخِرة، ولا يهتمّون بمسائل البعث والحشر والثواب والعقاب. وهؤلاء تحدّث القرآن عنهم كثيراً. وأوجزُ وصف وأشملُه: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر:١٩).
فإنّ أخطر شيء على الإنسان: أن ينسى الله في كلّ أحواله، فيُنسيه الله نفسَه، فيهيم على وجهه في هذا الحياة، بلا هدف يُرجى، ولا أمل يُطلب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:١٧٩).
وأمثال هؤلاء يتأفّفون من الموعظة، ويضيقون ذرعاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما يُلْحِقون الأذى بمَن يدْعونهم، ولا سيما إذا كانوا من أصحاب السطوة والنفوذ، الذين تتمعّر وجوههم غضباً، وتُلوى أعناقهم علواً واستكباراً لِمجرّد النصيحة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة:٢٠٤ - ٢٦).
стр. 118
وقال تعالى عنهم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الفرقان:٤٣، ٤٤).
وهؤلاء نفر قليل من جماعة المسلمين، إلاّ أن صوتهم عالٍ وكلمتهم مسموعةٌ، وذلك لسيطرة البعض منهم على وسائل الإعلام، وتقديمهم إلى المجتمعات الإسلامية على أنّهم رواد النهضة وزعماء الإصلاح، مع أنهم في كتاباتهم وأحاديثهم يمرُقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، ويستخفُّون بأحكامه ويسخرون من ثوابته. وهم يمكن حصرهم في الفئات التالية:
أولاً: العلمانيّون: الذين تربوا على موائد الاستشراق والتبشير والاحتلال، وانبهروا بحضارة الغرب العلميّة والمادية، وأعجِبوا بموقف أوروبا من الدِّين الذي يقوم على تجاهله وإغفاله وفصْله عن الحياة الاجتماعية سياسياً واقتصادياً وتربوياً. واعتقدوا -ألا ساء ما يعتقدون- أنّ ما وصلت إليه دولُ الغرب وشعوبه مِن تقدّم في العلوم والمخترعات، وترف مادي وأنظمة اجتماعية تُحقّق العدل والمساواة لشعوبهم، هو بسبب هجْر الدِّين، ولن يستطيع العالَم الإسلامي السّير على منوالهم واقتباس نظمهم وشرائعهم وقوانينهم إلاّ بإبعاد الإسلام عقيدة وشريعة عن توجيه المجتمع، ودفْعه إلى دائرة العبادات لا يتعدّاها إلى غيرها؛ فانطلقت أفئدتهم وألسنتهم تهمز الإسلام وتلمز شرائعه، واستخفوا بما أمَر الله به أو نهى عنه. وقد انكشفت سوأتهم وفُضحتْ نواياهم، وتبيّن حقدهم الأسود وغلّهم الدّفين في هذه الأيام التي ظهرت فيها هيمنة غير المسلمين على ديار الإسلام وغطرستهم على شعوبه، ولقد بسطوا حمايتهم لهؤلاء البوم والغربان
стр. 119
الذين ينعقون باسم الاحتلال صباح مساء، ويطلّون بوجوههم القبيحة عبر وسائل الإعلام والقنوات والفضائية، يسبِّحون باسم المستعمرين ويحمدون فعلهم ويهتفون لمقدمهم ويستبشرون بغزوهم لديار الإسلام. فنراهم الآن ينكرون ما عُلم من الدِّين بالضرورة كالجهاد، ويستخفُّون بثوابت الأمّة في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق. وُجهتهم: دهاليز المخابرات الأجنبية، وقِبلتهم: مواخير الخنا والفسق ودور الفساد. قال تعالى مخاطباً هؤلاء ومَن كان على شاكلتهم من العصاة مُقترفي السّيّئات: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:٤٦).
ثانياً: بعض المترفين من أبناء هذه الأمّة، الذين فتح الله عليهم الدنيا، ومكّن لهم بالثراء في الأرض، فانتفخت جيوبهم وتضخّمت ثرواتهم، وكثرت عقاراتهم وأموالهم.
وقد كان من الواجب عليهم أن يتوجهوا إلى الله بالحمد، وتلهج ألسنتهم بالشّكر على النعماء، وينفقون من هذا المال في مصارفه الشرعية على أنفسهم وعلى ذويهم ثم على المجتمع. قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (النحل:١١٤).
غير أنّ هؤلاء المُترفين قد أبطرتهم النِّعم، وأفسدهم كثرة المال، فطغَوْا وبغًوْا، كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق:٦).
فاتّجهوا نحو الملذّات ينغمسون فيها، ويتفنّنون في تحصيل سبل التّلذّذ بها، فتشرّبت قلوبهم المعصية، وغرقت نفوسهم في الشهوات فاقترفوها، وغفلت عن الطاعة فابتعدوا عنها.
стр. 120
وأصبح إتيان المُنكَر جزءاً من حياتهم وجوهر سلوكهم، وتحالف معهم الشيطان يزيِّن لهم الكبائر ويحثهم على اقتراف الرذائل، فأشاعوا الفاحشة في المجتمع، كبعض الفنّانين من الممثِّلين والممثِّلات والمطربين والمطربات. وهؤلاء وأمثالهم أطلق عليهم القرآن الكريم: ﴿أَصْحَاب الشِّمَال﴾، قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاَ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة:٤١ - ٤٥).
وهم بأفعالهم القبيحة قد دمّروا ثوابت المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (الإسراء:١٦).
هؤلاء وأمثالهم لا يُتركون للشيطان يُغويهم، ولا للمعاصي تُغريهم، ولا للمنكرات تستحوذ عليهم، بل ينبغي أن يسارع لهم الدّعاة لأمْرهم بالمعروف ونهْيهم عن المنكر، ولا يسأمون من دعْوتهم، ولا يقنطون من إصلاحهم، ولا يكُفّون عن إبداء النّصح لهم.
ومعالجة هؤلاء وغيرهم من العلمانيِّين تكون على النحو التالي:
أ- العلمانيّون:
تجب ملاحقة أفكارهم، وتفنيدُ مزاعمِهم، وفضْح عمالتهم لأعداء الدِّين، وكشف خيانتهم لعقيدة الأمّة وثوابتها، وذلك بالوسائل التالية:
١ - بالكلمة المسموعة والمرئيّة.
٢ - بالمقالات الصحفية.
٣ - بنشر مواقع على "الإنترنت" لكشْف حقيقتهم.
стр. 121
٤ - بالكتاب المطبوع والنشرات المطوية الموجزة.
٥ - بإقامة المناظرات معهم لتعْريَتهم أمام الأمّة، وإلقاء المحاضرات والندوات في الأندية الأدبية والمنتديات الثقافية.
٦ - إقامة المؤتمرات بين الحين والحين لِرصْد أعمالهم ومناقشة سموم أفكارهم.
٧ - على وليِّ الأمر أن يحظر نشر سمومهم وأفكارهم على الأمّة، إذ إنّ من واجبه أن يحافظ على معتقداتها، ويصون ثوابتها؛ وليس هذا مصادرة لحريّة الفكر، ولا حَجْراً على الرأي، ولكن حماية للمسلمين من بذور الفتنة وعوامل الانحراف.
ب- المترفون الذين أبطرتْهم النِّعم وتمكّنتْ منهم السيئات:
فيتم أمْرهم بالمعروف ونهْيهم عن المنكر بالأساليب التالية:
١ - استغلال أوقات فراغهم من شواغل الدنيا، وبثّ الموعظة إليهم برفْق ولين، كما أمر الله موسى وهارون بكيفية خطاب فرعون رغم عتوِّه واستبداده وعناده، قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه:٤٣، ٤٤).
٢ - تذكير هؤلاء العصاة بأمور الآخِرة من أهوال البعث والحشر، والثواب والعقاب، والجنّة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من جحيم.
٣ - استغلال ما يقع فيه هؤلاء المُترفون المفسدون في الأرض لِما يحلّ بهم من كوارث مالية، أو أمراض بدنيّة، أو ظروف نفسيّة، ممّا يتعرض له الإنسان في حياته كموت عزيزٍ أو فقدان صاحب أو ضياع مال ... إلخ.
стр. 122
فهذه الأزمات والكوارث توقظ الإنسان من غفلته، وتعيده إلى فطرته، وتُذكِّره بخالِقه. فإذا ما أحسن الداعية استغلال هذا الظرف الصعب الذي يحيط بهذا العاصي، وانتهز ما يعانيه من آلام نفسية وبدنية، وبيّن له نتائج الطاعة وما أعدّه الله للطائعين من نعيم مقيم وجنة خالدة، وذكَر له عواقب المعصية وما ينتظر العاصين من نار تلظّى لا يصلاها إلا الأشقياء العصاة مرتكبو الكبائر والمصرّون عليها حتى الموت ... وهكذا تتضمّن موعظة هذا الصنف الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والترغيب والترهيب.
٣ - يجب على الدّعاة أن يكتبوا لهؤلاء العصاة على مؤسّساتهم أو منازلهم بالبريد أو بالفاكس، خطابات يتناولون فيها ما يرتكبه كلّ إنسان منهم من معصية، وما يقترفه من منكرات. وتتّسم تلك الخطابات بمخاطبة العاصي برفق، وأدب حديث وحسن بيان، شارحاً له بالأدلة الشرعية عواقب ما يرتكبه من أفعال، ويخاطب نفسه، ويحرّك مشاعره نحو التزام الطاعة، والخوف من عقاب الله. ويذكر له أنّ ما حَمَله على الكتابة هو: حبُّه له، وحرْصُهُ عليه، وإبراءٌ للذِّمة، ووفاء وامتثال لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١).
والآيات والأحاديث في هذا الشأن كثيرة جداً.
٤ - إن لم تُجْدِ أيُ وسيلة من الوسائل الآنفة الذِّكْر، ولم ينفع الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وأصرّ العاصي على اقتراف المعاصي والجهْر بها
стр. 123
على الملإ دون استحياء، كمن يشرب الخمر على قارعة الطريق، أو يؤذي النساء ويطاردهنّ ويلاحقهنّ لحمْلِهنّ على الفاحشة، أو من يتعاطى الربا ويتعامل به عطاءً أو أخذاً واشتهر ذلك عنه، فعلى المحتسِب أن يستنجد بوليّ الأمر لِمنْعه عن ارتكاب المنكرات بوسائل المنع التي سنذكرها في موضعها -إن شاء الله-.
وهذا واجب شرعيّ على الولاة، وفرضٌ دينيّ عليهم، لا يتقاعسون عنه ولا يُهملون مواجهته لقول الرسول ﷺ : ((كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته: فالحاكم راعٍ وهو مسؤول عن رعيته ... )) الحديث.
وقال ﷺ : ((إنّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عمّا استرعاه، أحفِظ أم ضيَّع)).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:٩٠).
وقال عثمان بن عفان ﵁: "إنّ الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - المأمورات والمَنهيّات
تابع: أصناف الناس الذين يُوجّه إليهم الأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر
الصنف الثالث:
جماعة من المسلمين على علْم بالعقائد الإسلامية، غير أنّ عندهم وعياً غير كامل ومعرفة ناقصة، لأحكام الشّرع وأوامر الله ونواهيه. ونتيجة لهذا الجهل تغلبهم أهواؤهم وشهواتهم، فيجنحون لارتكاب المعاصي. وأمثال هؤلاء ينبغي على الدّعاة تثبيتُ عقائدهم وتعميقها، وتكميل معارفهم بالإسلام وأحكامه وشرائعه، والانتقال بهم من تديّن العادة إلى تديّن العبادة، ليستشعروا حلاوة الإيمان ولذّة الطاعة، بعدما ذاقوا مرارة المعاصي وآثارها السّيِّئة؛ فتؤثّر فيهم الموعظة الحسنة، وتستميلهم الكلمةُ الطّيبة، حيثما يتمّ فتح أبواب الأمل في
стр. 124
رحمة الله ومغفرته بإيقاظ دواعي الخير عندهم، وتحريك الفطرة النّقيّة في قلوبهم، ومخاطبتهم برفق، وتبصيرهم في حلمٍ ولينٍ، لأنهم ينطبق عليهم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:١٣٥).
هؤلاء المنحرفون والعصاة من المؤمنين، توجيههم وإصلاحهم واجب شرعيّ على علماء الأمّة، وفرض دينيٌّ على ولاة الأمْر فيها، ومسؤولية المجتمع بشتّى هيئاته ومؤسّساته الدِّينيّة والتربوية والثقافية والإعلامية، وسلطاته التشريعية والقضائية والتنفيذية. ثم إن هذا الإصلاح الدّينيّ والتقويم الاجتماعي يقي الأمّة من الفتن، ويحفظها من العواصف الأمنيّة واضطراب الأمور، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:١١٧).
وعن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده! لتأمُرُنّ بالمعروف، ولتنْهَوُنّ عن المنكر، أو ليوشكَنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدْعُنّه فلا يُستجاب لكم))، رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث حسن".
إن انصراف الأمّة عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، واستشراء حالة السلبيّة واللا مسؤولية بين الأفراد والجماعات، يُنذرُ بعواقب سيِّئة ونتائج وخيمة. وإنّ ما حدث ويحدث في أرجاء العالَم الإسلامي مِن فِتن هُوج وأنواء عاتية، وعواصف من الشرق والغرب مدمِّرة، ما هو إلاّ بسبب غياب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. وهو، وإن قام به البعض الآن، إلا أنه قيام ضعيف غير قويّ، متعارضٌ غير منظّم، يؤدَّى على أنّه وظيفة لا رسالة؛ فيضعف تأثيره، وتسقط هيبة القائمين على شؤونه. وقد يحتجّ البعض لانصرافه عن الأمر والنهي بقوله تعالى:
стр. 125
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:١٠٥).
فاستدلّوا بهذه الآية على تجنّب المجتمعات، واللّوذ بالصّمت، وعدم الاهتمام بحدود الله وأمْره ونواهيه. وهذا فهم خاطئ قام بتصحيحه رسول الله ﷺ ، وبيّن وجْه الفهم الصحيح للآية.
فعن أبي أمية الشعباني قال: أتيتُ أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمَْ﴾ (المائدة:١٠٥). قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمِروا بالمعروف، وتناهَوْا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متّبَعاً، ودنيا مُؤْثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودعِ العوامّ. فإنّ من ورائكم أياماً الصابرُ فيهن مثلُ القابض على الجمر. للعامل فيهن مثلُ أجْر خمسين رجلاً يعملون كعملِكم)). قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة: قيل: يا رسول الله. أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال ﷺ : ((بل أجْر خمسين منكم))، رواه أبو داود، وابن ماجة، والترمذي وقال: "حديث حسن غريب صحيح".
وفهِم تأويلَها أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-: روى الإمام أحمد في "مسنده": قام أبو بكر الصديق ﵁ فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس. إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥)، وإنكم لتضعونها على غير موْضعها. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الناس إذا رأوا المُنكَر ولا يغيِّرونه، يوشِك الله أن يَعُمّهم بعقابه)).
وفي رواية أخرى لأبي داود، والترمذي، والنسائي، بأسانيد صحيحة، قال أبو بكر الصديق: وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلَمْ يأخذوا على يديْه، أوشك أنْ يَعُمّهم الله بعقاب منه)).
стр. 126
وهذا الفهم الدقيق أشار إليه عبد الله بن مسعود ﵁؛ فعن أبي العالية، عن ابن مسعود، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥)، قال: "كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فكان بين رجليْن بعض ما يكون بين الناس -أي: من التخاصم والشِّجار-، حتى قام كلّ واحد منهما إلى صاحبه. فقال رجل من جلساء عبد الله بن مسعود: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟
فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ الآية.
قال، فسمعها ابن مسعود قال: "مهْ! لم يجئ تأويل هذه بَعْد. إن القرآن حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهنّ قبل أن ينزلن، ومنه آيٌ قد وقع تأويلهنّ بعد اليوم، ومنه آي تأويلهنّ عند الساعة ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شِيعاً، ولم يُذق بعضكم بأس بعض، فأْمُروا وانهَوْا. وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبِستم شِيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤٌ ونفسه. وعند ذلك جاءنا تأويل الآية"، رواه ابن جرير، وذكره ابن كثير في "تفسيره".
فقد ذكر ﵀ المناخ الملائم الذي يثمر فيه الأمر بالطاعة والنّهي عن المعصية، ويؤتي ثماره. وهذه ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠).
كما يُبيّن ﵁ الأحوال التي تعمّ فيها الفتن، وتكثر الفوضى، ويصير الأمر والنهي بدون إدراك للعواقب ودون رويّة وتدبّر وحكمة، يَجُرُّ من المفاسد أكثر ممّا يحقِّق من المصالح.
стр. 127
ممّا سبق، يتضح لنا تنوّع أصناف مَن تتوجّه إليهم النصيحة، وعلى القائمين على شأن الدّعوة أن يقدّروا لكلّ جماعة من العصاة ما يناسبها وما تُطيقه من الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأن تكون لديهم النظرة الثاقبة لِردّ الفعل الذي يحدث في نفوس مَن يُلقَى إليهم بالأمر أو النهي؛ وهذه هي الدّعوة إلى الله بالبصيرة المستنيرة، والحكمة والموعظة الحسنة.
المأمورات والمنهيّات التي يجب أن يتناولها الآمِر بالمعروف والنّاهي عن المنكَر
التمهيد للمحاضرة:
إنّ الشريعة تقوم على أصل عظيم وقاعدة هامّة، وهي: جلْب المصالح ودَرْء المفاسد.
ومصالح العباد تتعلّق بأمور ضروريّة أو حاجيّة أو تحسينيّة.
فالأولى: وهي التي لا قيام لحياة الناس بدونها، وإذا فاتت حلّ الفسادُ، وعمّت الفوضى، واختلّ نظام الحياة. وهذه الضروريات هي:
حفظ الدِّين، والنّفْس، والعقل، والعِرض، والمال. وبعضهم يجعل مع العِرض: النّسل.
الثانية: الحاجيات، وهي التي يحتاج إليها الناس ليعيشوا بيُسر وسَعة، وإذا فاتتهم لم يخِلّ نظام الحياة، ولكن يصيب الناسَ ضيقٌ وحرَج.
الثالثة: التحسينات، وهي ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحارس الأمين والعين الساهرة، لحفظ الشريعة وصون أحكامها، وهو الأداة التنفيذية التي تقوم على تطبيق ما أمر الله به أو ما نهى عنه. وأوامر الشرع الحكيم ونواهيه تختلف وتتفاوت على النحو التالي:
стр. 128
أ- الوجوب: ومعنى هذا: أن الفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم يلزم المكلَّف القيام به على وجه الإلزام، ويُسمّى هذا الفعل بـ"الواجب". فالواجب هو: ما طلَب الشارعُ من المكلَّف فعْلَه على وجه الحتْم والإلزام، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والوفاء بالعقود ...
ب- الحُرمة: ومعنى هذا الحُكم: أن الفعل الذي تعلّق به يُلزم المكلَّف تركَه على وجه الحتم والإلزام، ويسمَّى هذا الفعل المطلوب ترْكه إلزاماً بـ"المُحرَّم". فالمُحرَّم إذاً هو: ما طلَب الشارع ترْكَه على وجه الإلزام، كالزِّنى والسرقة ...
ج- النّدب: أي: طلَب الشارع القيام بالفعل على وجه التفضيل والترجيح لا الإلزام، ويُسمَّى الفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم بـ"المندوب". فالمندوب: ما طلَب الشارعُ فعْلَه على وجه التفضيل لا الإلزام، مثل: كتابة الدّيْن حفظاً لحقوق الدائن.
د- الكراهة: طلَب الشارع ترْك الفعل على وجه الترجيح لا الإلزام، ويسمَّى الفعْل الذي تعلّق به هذا الحُكم بـ"المكروه". فالمكروه: ما طلَب الشارعُ ترْكه على وجه الترجيح لا الإلزام، مثل: إيقاع الطلاق بلا مبررٍ كافٍ.
هـ- الإباحة: ويعني هذا الحُكم: تخيير المكلَّف بين القيام بالفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم وترْكه. والفعل المخيَّر بين ترْكه والقيام به يسمَّى بـ"المباح"، مثل: الأكل، والشرب، والقيام، والقعود، ومباشرة سائر التّصرّفات الشرعيّة.
والصّحّة: حُكم شرعيّ يتعلّق بالأفعال التي يقوم بها المكلّف على الوجه الذي قرّرتْه الشريعة الإسلامية، ويسمَّى الفعل في هذه الحالة: "الصحيح".
والصحيح تترتّب عليه آثاره الشرعية، سواء أكان من العبادات، أو العقود، والتّصرّفات.
стр. 129
ز- البطلان: حُكم شرعيّ يلحق أفعال المكلَّفين إذا جاؤوا بها على غير الوجه المشروع، ويسمَّى الفعل في هذا الحالة: "باطل". والباطل لا تترتّب عليه الآثار التي تترتّب على الصحيح.
هذه الأحكام باختلاف نوعية الأمر فيها أو النهي عنها، ينبغي أن توضع أمام أعيُن الدّعاة ليقدروا لكلّ حُكم قدْره في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ وهذا ما سوف نتناوله من خلال العناصر التالية: ما يجب على الإنسان أن يفعله ويحرم عليه ترْكه.
وهذه الواجبات هي أركان الإسلام، وقواعد الدِّين، وصلب العقيدة، وجوهر الشريعة، ولا قيام للملّة إلا من خلالها، ولا نجاة للعبد يوم القيامة إلاّ بالإيمان بها، والمحافظة عليها، وأدائها بالكيفية التي أمر الله بها وفرَضها على عباده، وبيّنها الرسول ﷺ ووضّحها لأمّته على الوجه الأمثل والأفضل. هذه الواجبات التي فرَضها الله ﵎ يُطلَق عليها: "ما عُلِم من الدِّين بالضّرورة". وهذه الواجبات والفرائض تكون على النحو التالي:
أولاً: ما يتعلّق بالعقيدة:
"العقيدة" في اللغة: العقد نقيض الحَلّ، يقال: عقَد الحَبْل والبيع، يعقده: شدّه ووثّقه.
والعقْد: الضّمان والعهد، ويُستعمل في أنواع من البيوعات والعقود وغيرها. ثم استُعمل في: التصميم والاعتقاد الجازم. وتعاقدوا: تعاهدوا. والعقيد والمعاقِد: المُعاهِد.
فـ"العقيدة" هي: كلّ ما يعتقده الإنسان اعتقاداً جازماً، ويقيناً صادقاً موثقاً، لا ريب فيه، يطمئن له القلب، وينشرح له الصدر، ويؤمن به العقل، سواء كان هذا المعتقَد إيماناً أو كفراً، خيراً أو شراً.
стр. 130
فالبشَر أنواع شتّى تختلف عقائدُهم وتتباين أفكارهم ومذاهبهم، وكلّ منهم يؤمن بما يعتقده، سواء كان صواباً أو خطأً.
والمؤمنون بالله حقّ الإيمان يعتقدون عن علمٍ ويقينٍ اعتقاداً جازماً، بأن الله ربّ كلّ شيء ومليكه، وخالقه والقائم على حفظه، والمتصرّف فيه، وأنه الذي يستحقّ وحْده أن يُفرَد بالعبادة، من صلاة وصوم ودعاء، ورجاء وخوف، وذل وخضوع، وأنه سبحانه مُتّصف بصفات الجلال والكمال، ومُنزّه عن كلّ ما لا يليق بذاته. وتوحيد الله ﵎ وطاعته، والتزام أوامره واجتناب نواهيه، هو جوهر دعوات الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل:٣٦).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٢٥).
والإيمان بالله يتضمّن:
"توحيده في ثلاثة: في ربوبيّته، وفي ألوهيّته، وفي أسمائه وصفاته. ومعنى توحيده في هذه الأمور: اعتقاد تفرّده سبحانه بالرّبوبية، والألوهية، وصفات الكمال وأسماء الجلال؛ فلا يكون العبد مؤمناً بالله حتى يعتقد أنّ الله ربّ كلّ شيء ولا ربّ غيره، وإله كلّ شيء ولا إله غيره، وأنه الكامل في صفاته وأسمائه ولا كامل غيره".
ولقد جاء القرآن الكريم متضمِّناً أركان الإيمان وأسُس العقيدة في مواضع كثيرة في الذِّكر الحكيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥).
стр. 131
فقد اشتملت هذه الآية على أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب السماوية، الإيمان بالرّسُل، الإيمان بالبعث. وتضمّنت الآية: الإيمان بوجوب السّمع والطاعة، وطلب المغفرة. كما أنه من أركان الإيمان: عدم التفرقة بين الأنبياء والمرسلين.
وجاءت بالإيمان أحاديث الرسول ﷺ ، ووضّحتْه غاية الإيضاح؛ ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى رسول الله ﷺ ، فأسند ركبتيْه إلى ركبتيْه، ووضع يديْه على فخِذيْه، وقال: يا محمد. أخبرْني عن الإسلام. فقال ﷺ : ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً)). قال: صدقتَ. فعجبْنا منه، يسأله ويصدِّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال ﷺ : ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتُبه، ورسُله، واليوم الآخِر. وأن تؤمن بالقضاء والقدَر، خيْرِه وشرّه)). فقال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: ((أن تعبُدَ الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ... إلخ الحديث، رواه مسلم.
فهذا حديث شامل لأسُس العقيدة الإسلامية، جامع لأركان الإسلام والإيمان بشِقَّيْه: العقيدة، والشريعة. فلا تصحّ عقيدة المؤمن، ولا يكتمل إيمانه، إلاّ بالإيمان بالإسلام عقيدة وشريعة، قولاً وعملاً. ولقد جمَع القرآن الكريم بين جوانب العقيدة والشريعة، والسلوك والمعاملات، في الوصايا العشْر التي جاءت في سورة (الأنعام)، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
стр. 132
وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥١ - ١٥٣).
فهذه الآيات تضمّنت الإسلام بكلّ عقائده وتشريعاته. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: "من أراد أن ينظر إلى وصيّة محمد ﷺ التي عليها خاتَمه -أي: كأنها كُتبتْ وخُتم عليها، فلم تُغيّرْ ولم تُبدّلْ- فلْيقرأْ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية"، رواه الترمذي وحسّنه، وابن المنذر، والطبراني.
وقد روى عُبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيّكم يبايعُني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الثلاث آيات. -ثم قال:- مَن وفّى بهن فأجْره على الله. ومَن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته. ومَنْ أخّره إلى الآخرة كان أمْره إلى الله، إن شاء أخَذه، وإن شاء عفا عنه))، رواه ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه.
فالأمر بالمعروف يتّجه لتعريف وتوضيح كلّ ما فرَضه الله وسَنّهُ الرسول ﷺ من أنواع العبادات، وصنوف الطاعات، ومختلف القربات، ممّا جاء في القرآن والسُّنّة، وأجمعت عليه الأمّة، وأصبح معلوماً من الدِّين بالضرورة، لا يتغيّر ولا يتخلّف باختلاف الزمان والمكان.
стр. 133
فالاعتقاد القلبيّ اليقينيّ الصادق للعقيدة، والقيام بأداء العبادات، فرْض على كلّ مسلم بالغ عاقل، مع شروط التكليف لكلّ عبادة.
ولقد شرع الله الحدود في الدنيا والعقوبات في الآخرة، صيانةً للعقيدة وحفظاً للشريعة، وأمناً للمجتمع، واستمراراً للإسلام. وجعل من واجب الأمّة -ولا سيما علماؤها ودُعاتها-: الحرص على أداء الشعائر، وذلك بتثبيت المؤمنين الطائعين على إيمانهم، وتبشيرهم بما أعدّه الله لهم في الآخرة، ليزدادوا إيماناً على إيمانهم، ويقيناً صادقاً لا يُخالجه أدنى شكّ أو ريْب في وعْد الله لهم بالجنة.
قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ (مريم:٧٦).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - مراتب إنكار المُنكَر
نوعان من الناس يتوجّه إليهما النّهي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
فلقد تناولنا الأوامر والنواهي في الشريعة الإسلامية، وانتهينا إلى القول فيما يتعلّق بالواجبات. وفي هذه المحاضرة نتناول: النهي عن المنكر، حيث يتّجه النهي إلى نوعيْن من الناس:
النوع الأول: المقصِّرون في العبادة، المتكاسلون عنها، دون جحود أو إنكار، المتشاغلون في الدنيا عن بعض الفرائض والواجبات؛ فهؤلاء يحتاجون لِمَن يوقظهم من غفلتهم، وأن يجلُوا ما ران على قلوبهم من غشاوة، وأن يزيلوا ما في عقولهم من حُجب النسيان، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية:٢١).
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى:٩).
وهؤلاء هم الأوّابون إلى الله، المبادرون بالتّوبة، المتسابقون إلى الطاعة. فبمجرّد سماع التذكرة والنصيحة، تقشعرّ قلوبُهم لأقلّ معصية، وترتعش أبدانهم لأدنى تقصير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:٢٠١).
стр. 134
يقول الإمام ابن كثير: "تذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه ووعْده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله، ورجعوا من قريب".
وهؤلاء لا يُقسَى عليهم بالموعظة، ولا يُعنّفون أثناء النصيحة، ولا يُتهدّدون بالعقوبة؛ فالكلمة الحسنة توقظهم من غفلتهم، والتّوجيه الحليم الرفيق يفجّر ينابيع الخير في نفوسهم، فيتخلّصون من ذلّ المعصية، وينتقلون إلى عزّ الطاعة. فهم يَصدُق عليهم قولُ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى:٢٥، ٢٦).
النوع الثاني: جماعة من المؤمنين غرّتْهم الحياة الدنيا وزينتُها، فاندفعوا في طلَبها، وركضوا في تحصيلها كما يركض الوحش في البرية، وزيِّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فارتكبوا المعاصي وانغمسوا في الشهوات، حتى قستْ قلوبهم، فأصبحوا يعيشون في دائرة المعصية لا يخرجون منها، وتنكّبوا الطريق المستقيم، وصرفتهم رياح الفسوق فوقعت بهم إلى هاوية الذنوب، ومنحدَر الخطيئة، وإثم الفجور والعدوان.
هؤلاء العصاة كالوباء، يجب محاصرتهم وعلاجهم، وتوخّي الحِكمة والحيطة والحذر في نهْيهم عن المنكر. ويكون ذلك بما يلي:
أولاً: دراسة أسباب المعاصي، وقد سبق أن تناولناها في المحاضرة السادسة.
ثانياً: التّعرّف على حقيقة ما يُرتكب من المُنكرَات؛ فقد قسّم الشرع المعاصي إلى كبائر وصغائر، فالكبيرة هي: "كلّ معصية يترتّب عليها حدّ، أو توعّد بالنار، أو اللعنة، أو الغضب".
стр. 135
وهذا التعريف مرويّ عن ابن عباس ﵄ والحسن البصري. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (النساء:٣١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى:٣٧).
وقال تعالى شأنه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ (النجم:٣٢).
ففي هذه الآيات توضيح على أنّ الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر. ولقد جاءت سورة (الإسراء) تفصل هذه الكبائر قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً * وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها﴾ (الإسراء:٣١ - ٣٨).
ولقد جاءت السُّنّة النبوية الشريفة تُحدِّد الكبائر وتُحذِّر منها، فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((اجتنِبوا السَّبْع الموبقات!)). قيل: يا رسول الله. وما هن؟ قال: ((الشِّركُ بالله، وقتْلُ النّفْس التي حرَّم الله إلاّ بالحق، والسّحر، وأكْل الرِّبا، وأكْل مال اليتيم، والتّولِّي يوم الزّحْف، وقذْف المحصنات الغافلات المؤمنات))، رواه الشيخان.
وهناك أحاديث أخرى تُضيف إلى تلك الكبائر السّبْع كبائرَ أخرى، كعقوق الوالديْن، واستحلال البيت الحرام، والإلحاد فيه بظلم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ
стр. 136
فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج:٢٥)، كذلك شهادة الزور، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج:٣٠).
وعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالديْن. وكان مُتّكئاً فجلس فقال: ألاَ وقوْل الزُّور! فما زال يُكرِّرها حتى قلنا: لَيْتَه سكت!)). متفق عليه.
وقد أورد ابن كثير الكثير من الأحاديث التي تُحدِّد الكبائر، فلْيرجع إليها في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (النساء:٣١)، لمن يريد أن يستزيد في هذا الموضوع.
ولقد ذكَر الكبائر وحصَرها ابن حجر الهيثمي في كتابه القيِّم: "الزّواجر في اقتراف الكبائر"، فلْيراجَع.
وفي التمييز بين الصغائر والكبائر، يقول شيخ الإسلام العزّ بن عبد السلام ﵀ في كتابه "القواعد":
"إذا أردتَ معرفة الفرْق بين الصغائر والكبائر، فاعْرضْ مفسدةَ الذّنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقلّ مفاسد الكبائر -أي: المنصوص عليها-، فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربَتْ عليها، فهي من الكبائر".
وقد ذكَر الإمام أبو حامد الغزالي حالات وقوع المعاصي:
الحالة الأولى: أن تكون مُنصرِمة، أي: ارتُكِبتْ وانتهى أمْرها.
فالعقوبة على ما تصرّم منها: حدٌّ أو تعزير؛ وهو إلى الوُلاة لا إلى الآحاد. أي: أن إقامة الحد الشرعي أو التعزير فيما ليس فيه حد أمْر يخصّ وليّ الأمر أو من
стр. 137
ينوب عنه بنفسه، ولا يجوز لأحد من الأفراد عالِم أو غير عالِم أن يوقع العقوبة بنفسه، وإلا تنقلب الأمور إلى فوضى.
الحالة الثانية: أن تكون المعصية راهنة، وصاحبها مباشِر لها، كلبسه الحرير، أو إمساكه العود، أو تختّمه بالذهب؛ فإبطال هذه المعصية واجب بكلّ ما يمكن، ما لم تُؤدِّ إلى معصية أفحش منها أو مثلها. وذلك يثبت للآحاد من الرّعيّة. أي: أن الأفراد والمجتمع ووليّ الأمر مطالبون شرعاً بالحيلولة دون وقوع المُنكر، بشرط ألاّ يؤدِّيَ النهي والمنع إلى معصية مثلها أو أشدّ منها.
الحالة الثالثة: أن يكون المُنكَر متوقَّعاً، كالذي يستعدّ بكنس المجلس وتزيينه وجمع الرياحين، لِشُرب الخمر؛ فهو مؤهَّل لارتكاب المعصية، ولم يرتكبها بَعْد. فهذا مشكوك فيه؛ إذ ربما يعوقه عائق. فلا يثبت للآحاد سلطةٌ على العازم على الشرب إلاّ بطريق الوعظ أو النصح، فأمّا التعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد ولا للسلطان، إلاّ إذا كانت تلك المعصية عُلمت منه بالعادة المستمرّة، وقد أقدم على السبب المؤدِّي إليها، ولم يبق لحصول المعصية إلاّ ما ليس له فيه إلاّ الانتظار.
فدرء هذه المفاسد والمُنكَرات لا يتمّ بالانفعال الموقوت، والعاطفة الجيّاشة، والحماس الأرعن، الذي قد يُفسد أكثر ممّا يصلح، ويضرّ أكثر من أن ينفع.
وإنّما الأمر يتطلب الرّوية وعدمَ الاندفاع. وينبغي دراسة ما يترتّب على الأمْر والنّهي، ومدى ردّ فعل العاصي: هل سيتسجيب من فوْره ويكفّ عن ارتكاب المعصية، ويُبدي أسفه وندمَه، أم سيُعاند ويُكابر وينتقل إلى فاحشة أشدّ؟ أم سيقاوم وسيعتدي على مَن يريد منْعَه، وقد يُلحق به الأذى.
стр. 138
وقد ساق القرآن الكريم قصة بني إسرائيل مع هارون ﵇، حينما ذهب موسى ﵇ لمناجاة ربّه واستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، فاتّخذوا العجل بحيلة صنَعها السّامريّ. فلمّا رجع موسى ﵇ ووجَد تغيّر قومه وانحرافهم، عَتب على أخيه وعنّفه لِعدم التّصدّي لِهذا المُنكر، فكان جواب هارون ﵇ هو خشيته أن يؤدِّي الإنكار إلى ضرر أشدّ، وهو: وقوع الفرقة والانقسام وإحداث الفتنة بين قومه. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف:١٥٠، ١٥١).
ولقد جاءت سورة (طه) لتُكمل مشهد موسى ﵇ مع أخيه، وتعنيفه لِعدم مقاومة المُنكَر، وكيف أبدى هارون ﵇ وجهة نظَره في السّكوت. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه:٩٠ - ٩٤).
ففي هذه الآيات من سورة (الأعراف) و (طه) قواعد هامّة في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. ومن هذه القواعد والتوجيهات ما يلي:
أولاً: للدّاعية أن يُبدي غيرته وغضبه وأسَفه على ما يُرتكَب من المُنكَرات؛ وهذا ما فعَله موسى ﵇.
ثانياً: عدم التّصدّي للمُنكَر إذا كان سيؤدِّي إلى ما هو أشدّ منه مُنكراً؛ وقد برّر هارون ﵇ ذلك لسببيْن:
стр. 139
السبب الأول: أنّ القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه.
السبب الثاني: خشيته تفرّق بني إسرائيل، وحدوث شقاق وفتنة بينهم.
ثالثاً: أنه لا ينبغي للدّاعية أن يغمض عينه عمّا يدور حوله من المنكَرات، بل يجب عليه أن يكشف عن أضرارها وأخطارها؛ وهذا ما فعَله هارون ﵇ بالموعظة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (طه:٩٠).
رابعاً: أنه في حالة خروج إزالة المُنكَرات عن قدرات الدّاعي وسلطاته، فلينتظرْ حتّى يأتي مَن هو أقدر منه ليتولّى الأمْر من واقع إمكاناته؛ وهذا ما فعَله هارون ﵇ حينما وجَد أنّ قدراته لا تمكِّنه من إزالة العِجل الذي اتّخذوه إلهاً، فانتظر حتى رجع موسى ﵇ من مناجاة ربه.
خامساً: عدم التّسرّع في إلقاء اللّوم على الدعاة لتقصيرهم، دون الوقوف على أسباب هذا التقصير؛ فحينما استمع موسى ﵇ لأخيه هارون، وتبيّن له وجهة نظره، دعا الله له ولأخيه أن يغفر لهما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف:١٥١).
سادساً: ينبغي أن يُحافَظ على هيبة الدّعاة وعدم النيْل منهم أمام الناس أو عبر وسائل الإعلام، حتى لا تسقط مكانتهم في المجتمع؛ وهذا ما أشار إليه هارون ﵇ بقوله لموسى ﵇ ﴿فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف:١٥٠).
سابعاً: عدم القيام بالدعوة في حالة الانفعال والغضب والثورة؛ وهذا ما فعَله موسى ﵇. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف:١٥٤).
стр. 140
بهذه التوجيهات المستخلَصة من الكتاب والسُّنّة وفِقْه السّلف من الأمّة، يستقيم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ويتمّ تحديد نوع المعصية، ومدى الآثار المترتّبة على الوقوع فيها، وهل هي أضرار فردية أم اجتماعية؟ وهل الضرر يقع على الدِّين أو على أمور الدنيا وسلامة المجتمع؟ حتى تتمّ المعالجة بالترتيب والتّدرّج.
إن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القضايا الجوهرية المتعلِّقة بالدّعوة إلى الله، وإن لم يحسن الدّعاة معالجة هذه الأمور برويّة وتعقّل وتقدير للأمور، بميزان الشرع الحكيم، والتّفقّه في الدّين، والتّبصّر بأحوال المخاطَبين، والوقوف على حقيقة المعصية والدوافع التي تكمن وراء ارتكابها، فقد تحدث من الفتن التي قد تعصف بالمجتمع نتيجة المعالجة الخاطئة.
مراتب إنكار المنكر. ما فيه الاحتساب
لقد حدّد الإمام أبو حامد الغزالي حقيقة الفعل الذي يستوجب الإنكار، والشروط التي ينبغي توافرها فيه ليحكم عليه، وسوف نورد ما ذكره في إيجاز:
ما فيه الحِسبة: هو كلّ منكر في الحال، ظاهر للمحتسِب -المعيّن من قِبَلِ وليّ الأمر-، بغير تجسّس، معلوم كونه منكراً بغير اجتهاد. وقد فصّل هذا التعريف متضمناً الشروط التالية:
الأول: كونه مُنكَراً، ونعني به: أن يكون محذور الوقوع في الشّرع. وعَدَلَ الشيخ أبو حامد عن لفظ "المعصية"، لأن المُنكَر أعمّ من المعصية لأنه يشمل الصغائر والكبائر.
الشرط الثاني: أن يكون المنكر موجوداً في الحال، وهو احترازٌ أيضاً عن الحسبة عمّن فرغ من شرب الخمر، فإن الإنكار لا يقوم به الآحاد من الناس، بل يقوم به المحتسب أو الداعي المعيّن من قِبَلِ الحاكم لأن المنكر قد انقضى وانتهى.
стр. 141
واحتُرز أيضاً عمّا سيوجد في ثاني الحال، كمن يعلم بقرينة حال أنّ الشخص عازم على الشّرب ليلته ولم يشرب بَعد، فالمحتسِب ليس له عليه إلاّ الوعظ. وإن أنكر هذا الشخص عزْمه على ارتكاب المنكَر، لم يجُز وعظه أيضاً؛ فإن فيه إساءة ظنٍّ بالمسلم، وربما صدق في قوله، وربما لا يقوم على ما عزم عليه لعائق مَنَعه.
الشرط الثالث: أن يكون المُنكَر ظاهراً للمحتسِب بغير تجسّس؛ فكلّ مَن ستَر معصية في داره وأغلق بابه، لا يجوز التّجسّس عليه. ولقد نهى الله عن التّجسّس فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (الحُجُرات:١٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (النور:٢٧).
يقول الإمام أبو حامد ﵀:
"فاعلمْ: أن مَن أغلق باب داره وتستّر بحيطانه، فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لِتعرّف المعصية، إلاّ أن يُظهر المعصية في الدار ظهوراً يَعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير، أو صيحات السكارى؛ فهذا إظهار يوجب الإنكار والاحتساب فيه". ثم يذكر أنه إذا وجدنا فاسقاً يحمل قارورة خمر بين طيات ملابسه، فلا يجوز كشف ما تحته ثيابه.
وقد أُمرنا أن نستر ما ستر الله، وننكر على من أبدى لنا صفْحته، لورود حديث شريف في هذا المعنى.
الشرط الرابع: أن يكون منكَراً معلوماً بغير اجتهاد؛ فكلّ ما هو في محلّ الاجتهاد فلا إنكار عليه ولا حسبة فيه. فليس للحنفي أن يُنكر على الشافعي أكْله الضب، والضبع، ومتروكَ التسمية، ولا على الشافعي أن يُنكر على الحنفي شُربه النبيذ الذي لا يُسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام.
стр. 142
الدرس: ٧ الصغائر والكبائر, ومراتب إنكار المنكر, وإزالته وضوابطه .
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الصغائر والكبائر, ومراتب إنكار المنكر, وإزالته وضوابطه)
١ - مراتب إنكار المُنكَر
وجوب معرفة الفرْق بين الكبيرة والصغيرة
إنّ التّعرّف على حقيقة الذنب وحجْمه ودوافعه يُسهِّل الطريق للتّصدّي له ولإنكاره، بحيث يوجِّه الدّعاة لِكلّ مُنكَر ما يناسبه من طُرق الإنكار. وإنّ ممّا يعاني منه ميدان الدّعوة: التفرقة بين الصغيرة والكبيرة، وبين البدع الحقيقية والبدع الإضافية.
وسوف نحاول في هذا العنصر توضيح دوافع المعصية. وقد قسّمها صاحب "الإحياء" إلى أربع صفات:
الأولى: النزوع لصفات الربوبية -أي: الصفات التي يختص الله بها- مثل: الكِبْر، والفخر، وحب المدح، والثناء، والغنى، وحب دوام الثناء، وطلب الاستعلاء، حتى كأنه يريد أن يقول كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (النازعات:٢٤).
وهذا يتشعّب منه جملة من كبائر الذنوب.
الثانية: الصفات الشيطانية التي يتشعّب منها الحسد، والبغي، والحيلة، والخداع، والأمْر بالفسا، والمنكَر، ويدخل فيها: الفسق، والنفاق، والغش، والدعوة للبدع والضلالات.
الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب: الشّره، والتكالب، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرح. ومنه يتشعب: الزنى، والشذوذ، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وجمع الحطام لأجل الشهوات.
الرابعة: الصفات السّبُعيّة، ومنها يتشعب: الغضب، والحقد، والتهجم على الناس بالضرب، أو الشتم، أو القتل.
стр. 144
ولكل معصية من تلك المعاصي وضَع الإسلام العلاج الناجع لها، إمّا بالوعظ والوعد والوعيد، أو بإقامة الحدود في مستوجب الحدّ، أو التعزير فيما ليس فيه حدّ شرعي.
وتحديد الكبائر وحصْرها أمْر مختلَف فيه، لورود الآيات والأحاديث الكثيرة التي توضّح الأمور المنهيّ عنها. وموضع الاختلاف: نوعية النهي هل هو للحرمة أم للكراهة؟ هل فيه حدّ شرعي أم لا؟
وقد حصَرها بعض العلماء من خلال النصوص الدِّينيّة، وأقوال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم ﵃ أجمعين-، في سبع عشرة كبيرة، وهنّ:
١ - الشِّرك بالله.
٢ - الإصرار على المعصية.
٣ - القنوط من رحمة الله.
٤ - الأمن مِن مَكْرِه.
٥ - شهادة الزور.
٦ - قذف المُحصَنات.
٧ - اليمين الغموس.
٨ - السِّحر.
٩ - شرب الخمر.
١٠ - المكر.
١١ - أكْل مال اليتيم ظلماً.
١٢ - أكْل الرّبا.
١٣ - الزنى واللواط.
١٤ - القتل.
١٥ - السرقة.
١٦ - الفرار من الزحف.
١٧ - عقوق الوالديْن.
فلقد جاءت بهذه الكبائر الآيات والأحاديث، وما عدا ذلك من الذنوب يُعتبر صغائر أو ما أطلق عليها القرآن الكريم "اللمم" قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم:٣٢).
стр. 145
٢ - الأمور التي تتحوّل بها الصغائر إلى كبائر
أسباب انتقال الصغائر إلى كبائر
كيف أن الصغائر قد تأخذ حُكم الكبائر إذا توفّرت فيها الأسباب التالية:
أولاً: الإصرار والمواظبة على ارتكابها ولذلك قيل: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:١٣٥).
ثانياً: استصغار الذّنب، فإنّ الذنب كلّما استعظمه العبد من نفسه صغُر عند الله، لأن استعظامه يَصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له. وذلك النفور يمنع من شدّة تأثّره به، واستصغاره يصدر عن الأُلْف به؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : ((إنّ المؤمن يرى ذُنوبَه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وإنّ الفاجر يرى ذنوبَه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا))، رواه البخاري.
ثالثاً: السّرور والفرح بالصغيرة، والتظاهر بها، والتّبجّح في اقترافها؛ فكلّما سُرّ العبدُ بالصغيرة، كبُرت وعظُم أثرُها في تسويد القلب. قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطفِّفين:١٤).
وإنّ بعض العصاة يتبجّح بذنْبه ويفتخر به، كما يُسمَع ويُرى ويُقرأ في وسائل الإعلام عن عدم استحياء الفجَرة والفسَقة من الإعلان عن معاصيهم تحت شعارات كاذبة، كحُرّيّة الرأي أو الحُرِّيّة الشخصية.
رابعاً: أن يتهاون المُذنب بستر الله عليه، وحِلمه عنه، وإمهاله إيّاه، وهو لا يدري أنه إنما يُمهَل مَقتاً لِيزداد بالإمهال إثماً، فيظنّ أنّ تمكّنه من المعاصي عناية
следующие страницы →