Полный текст (278 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
واحتُرز أيضاً عمّا سيوجد في ثاني الحال، كمن يعلم بقرينة حال أنّ الشخص عازم على الشّرب ليلته ولم يشرب بَعد، فالمحتسِب ليس له عليه إلاّ الوعظ. وإن أنكر هذا الشخص عزْمه على ارتكاب المنكَر، لم يجُز وعظه أيضاً؛ فإن فيه إساءة ظنٍّ بالمسلم، وربما صدق في قوله، وربما لا يقوم على ما عزم عليه لعائق مَنَعه.
الشرط الثالث: أن يكون المُنكَر ظاهراً للمحتسِب بغير تجسّس؛ فكلّ مَن ستَر معصية في داره وأغلق بابه، لا يجوز التّجسّس عليه. ولقد نهى الله عن التّجسّس فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ (الحُجُرات:١٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (النور:٢٧).
يقول الإمام أبو حامد ﵀:
"فاعلمْ: أن مَن أغلق باب داره وتستّر بحيطانه، فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لِتعرّف المعصية، إلاّ أن يُظهر المعصية في الدار ظهوراً يَعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير، أو صيحات السكارى؛ فهذا إظهار يوجب الإنكار والاحتساب فيه". ثم يذكر أنه إذا وجدنا فاسقاً يحمل قارورة خمر بين طيات ملابسه، فلا يجوز كشف ما تحته ثيابه.
وقد أُمرنا أن نستر ما ستر الله، وننكر على من أبدى لنا صفْحته، لورود حديث شريف في هذا المعنى.
الشرط الرابع: أن يكون منكَراً معلوماً بغير اجتهاد؛ فكلّ ما هو في محلّ الاجتهاد فلا إنكار عليه ولا حسبة فيه. فليس للحنفي أن يُنكر على الشافعي أكْله الضب، والضبع، ومتروكَ التسمية، ولا على الشافعي أن يُنكر على الحنفي شُربه النبيذ الذي لا يُسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام.
стр. 142
الدرس: ٧ الصغائر والكبائر, ومراتب إنكار المنكر, وإزالته وضوابطه .
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الصغائر والكبائر, ومراتب إنكار المنكر, وإزالته وضوابطه)
١ - مراتب إنكار المُنكَر
وجوب معرفة الفرْق بين الكبيرة والصغيرة
إنّ التّعرّف على حقيقة الذنب وحجْمه ودوافعه يُسهِّل الطريق للتّصدّي له ولإنكاره، بحيث يوجِّه الدّعاة لِكلّ مُنكَر ما يناسبه من طُرق الإنكار. وإنّ ممّا يعاني منه ميدان الدّعوة: التفرقة بين الصغيرة والكبيرة، وبين البدع الحقيقية والبدع الإضافية.
وسوف نحاول في هذا العنصر توضيح دوافع المعصية. وقد قسّمها صاحب "الإحياء" إلى أربع صفات:
الأولى: النزوع لصفات الربوبية -أي: الصفات التي يختص الله بها- مثل: الكِبْر، والفخر، وحب المدح، والثناء، والغنى، وحب دوام الثناء، وطلب الاستعلاء، حتى كأنه يريد أن يقول كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (النازعات:٢٤).
وهذا يتشعّب منه جملة من كبائر الذنوب.
الثانية: الصفات الشيطانية التي يتشعّب منها الحسد، والبغي، والحيلة، والخداع، والأمْر بالفسا، والمنكَر، ويدخل فيها: الفسق، والنفاق، والغش، والدعوة للبدع والضلالات.
الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب: الشّره، والتكالب، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرح. ومنه يتشعب: الزنى، والشذوذ، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وجمع الحطام لأجل الشهوات.
الرابعة: الصفات السّبُعيّة، ومنها يتشعب: الغضب، والحقد، والتهجم على الناس بالضرب، أو الشتم، أو القتل.
стр. 144
ولكل معصية من تلك المعاصي وضَع الإسلام العلاج الناجع لها، إمّا بالوعظ والوعد والوعيد، أو بإقامة الحدود في مستوجب الحدّ، أو التعزير فيما ليس فيه حدّ شرعي.
وتحديد الكبائر وحصْرها أمْر مختلَف فيه، لورود الآيات والأحاديث الكثيرة التي توضّح الأمور المنهيّ عنها. وموضع الاختلاف: نوعية النهي هل هو للحرمة أم للكراهة؟ هل فيه حدّ شرعي أم لا؟
وقد حصَرها بعض العلماء من خلال النصوص الدِّينيّة، وأقوال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم ﵃ أجمعين-، في سبع عشرة كبيرة، وهنّ:
١ - الشِّرك بالله.
٢ - الإصرار على المعصية.
٣ - القنوط من رحمة الله.
٤ - الأمن مِن مَكْرِه.
٥ - شهادة الزور.
٦ - قذف المُحصَنات.
٧ - اليمين الغموس.
٨ - السِّحر.
٩ - شرب الخمر.
١٠ - المكر.
١١ - أكْل مال اليتيم ظلماً.
١٢ - أكْل الرّبا.
١٣ - الزنى واللواط.
١٤ - القتل.
١٥ - السرقة.
١٦ - الفرار من الزحف.
١٧ - عقوق الوالديْن.
فلقد جاءت بهذه الكبائر الآيات والأحاديث، وما عدا ذلك من الذنوب يُعتبر صغائر أو ما أطلق عليها القرآن الكريم "اللمم" قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم:٣٢).
стр. 145
٢ - الأمور التي تتحوّل بها الصغائر إلى كبائر
أسباب انتقال الصغائر إلى كبائر
كيف أن الصغائر قد تأخذ حُكم الكبائر إذا توفّرت فيها الأسباب التالية:
أولاً: الإصرار والمواظبة على ارتكابها ولذلك قيل: "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:١٣٥).
ثانياً: استصغار الذّنب، فإنّ الذنب كلّما استعظمه العبد من نفسه صغُر عند الله، لأن استعظامه يَصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له. وذلك النفور يمنع من شدّة تأثّره به، واستصغاره يصدر عن الأُلْف به؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : ((إنّ المؤمن يرى ذُنوبَه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وإنّ الفاجر يرى ذنوبَه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا))، رواه البخاري.
ثالثاً: السّرور والفرح بالصغيرة، والتظاهر بها، والتّبجّح في اقترافها؛ فكلّما سُرّ العبدُ بالصغيرة، كبُرت وعظُم أثرُها في تسويد القلب. قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطفِّفين:١٤).
وإنّ بعض العصاة يتبجّح بذنْبه ويفتخر به، كما يُسمَع ويُرى ويُقرأ في وسائل الإعلام عن عدم استحياء الفجَرة والفسَقة من الإعلان عن معاصيهم تحت شعارات كاذبة، كحُرّيّة الرأي أو الحُرِّيّة الشخصية.
رابعاً: أن يتهاون المُذنب بستر الله عليه، وحِلمه عنه، وإمهاله إيّاه، وهو لا يدري أنه إنما يُمهَل مَقتاً لِيزداد بالإمهال إثماً، فيظنّ أنّ تمكّنه من المعاصي عناية
стр. 146
من الله تعالى، فيكون ذلك إثماً لأمْنه مكْر الله وجهْله بمكامن الغرور بالله. قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:٣٠).
قال تعالى موضحاً حال المتهاونين الذين انتابهم الغرور: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (الحديد:١٤).
وقد حذّر القرآن الكريم من تغرير الشيطان للإنسان وإغوائه، قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ (النساء:١٢٠).
خامساً: أن يأتي الإنسان الذّنب ويستره الله، فيُظهره بأن يَذْكُره بعد إتيانه، أو يكرّر الذنب في موقع آخَر؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ما معناه: "كلّ أمّتي معافىً إلاّ المجاهِرين، يبيت أحدُهم على ذنب قد ستره الله، فيصبح فيكشف ستْر الله، ويتحدث عن ذنبه"، متفق عليه.
سادساً: أن يكون المذنب عالِماً يُقتدى به؛ فإذا فعَله بحيث يُرى، كبُر ذنبُه وعظُمت معصيتُه، كمن يشترك من العلماء والدّعاة في بعض البدع والمنكرات، كموالد الأولياء، والطواف حول الأضرحة والقبور، وتقديم النذور لغير الله، فإذا كان حدوث ذلك من العوام والجهال يُتسامح فيه لسذاجتهم وجهلهم، فإنه لا يُتسامح في حقّ العلماء. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤).
بهذا التّحديد الدقيق لكلٍّ من الكبيرة والصغيرة، وبالوقوف على الأسباب والدوافع، تأتي المرحلة التالية وهي: إقدام الدعاة والمحتسبين على الجانب القولي والفعلي للتّصدّي للمنكرات وإزالتها.
стр. 147
مراتب التّصدّي للمُنكَر وإزالته
من الأسُس والقواعد التي يقوم عليها إنكار المُنكر وإزالته: وقوفُ الدّعاة على مراتب التّصدّي له حسب إمكاناتهم وقُدراتهم، وأن يستطلعوا أو يعرفوا حالة مَن يقترف السيئات، ومدى تقبّله للتّوجيه والنّصح، وأن يتحسّب الداعية مدَى ردِّ فعْله: هل سيقبل الوعظ؟ أم سيُكابر ويعاند ويتبجّح بالمعصية؟ هل سيَردعه التّصدّي باليد؟ أم سيؤدِّي ذلك لفِتن قد تكون أسوأ من ردْعه؟
ولقد وضع الرسول ﷺ مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وبدأ ﷺ بأعلى الدرجات وأقواها، ثم تدرّج إلى الأدنى حسب الاستطاعة والتمكّن؛ قال رسول الله ﷺ : ((مَن رأى منكم مُنكراً فلْيُغيِّرْه بيده. فإن لم يستطِعْ، فبلِسانه. فإن لم يستطعْ، فبقلْبه؛ وذلك أضعف الإيمان))، رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من نبيٍّ بعَثَه الله في أمّة قبْلي إلاّ كان له مِن أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسُنّته ويقتدون بأمْره. ثم إنها تَخلُف مِن بَعْدهم خُلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرون. فمَن جاهَدَهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن؛ وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل))، رواه مسلم.
فمِن هذيْن الحديثيْن الشريفيْن، يضع الرسول ﷺ مراتب إنكار المنكر والتصدي له على النحو التالي:
стр. 148
المرتبة الأولى: التّغيير باليد:
وهي أقوى المراتب وأعلاها، وهذه لا تتيسّر لآحاد الأمّة على وجه العموم. ولا بدّ من بيان التفصيل في هذا الأمر، لما له من أهمية في ميدان الدّعوة، ولِما ينتج عن عدم مراعاة ما أشار إليه ﷺ مِن فتن؛ ولذلك كان البدء بالتّغيير باليد لِمن يَقدر عليه وهم كالآتي:
أولاً: في محيط الأسرة، يتولّى التّغيير باليد:
- الوالدان على أبنائهما، إذا وجدا في الأولاد انحرافاً في السلوك، وانصرافاً عن الواجبات، وارتكاباً للمُحرّمات، ولم يُجْدِ معهم الترغيب والترهيب أو الوعد والوعيد. وهذا واجب عليهما، كقوله ﷺ : ((كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته: فالحاكم راعٍ وهو مسؤول عن رعيته. والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عنه ... ))، متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفَى بالمرء إثماً أن يُضيِّع من يقوت))، رواه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح.
- وكذلك للأخ الأكبر على أخيه الأصغر حقّ ممارسة التغيير باليد، ولكن لا يجب اللجوء للتغيير باليد إلاّ بعد استنفاد الطُرق الأخرى.
وهذا التغيير إمّا أن يُوجّه إلى أداة المعصية، كآلة الملاهي، أو كأس الخمر، أو غلْق التلفاز على من يشاهد مُنكراً، أو يتّجه إلى الفاعل نفسه، فيتم إبعاده
стр. 149
بالحسنى، أو بالتهديد، أو بالضرب، حسب واقع الحال، ووفْق مروءة العاصي أو عدم مروءته، ومدى درجة استجابته.
ثانياً: التغيير باليد حقّ لوليّ الأمْر، أو لِمن ينوب عنه، كالشّرطة أو المحتسِب. فمِن التّغيير باليد: إقامة الحدود على مَن خرج من شريعة الله، أو ارتكب معصية تستوجب حداً كالزنى، والسرقة، والغصب، وقطْع الطريق، وشُرب الخمر ... إلخ.
وهذه إحدى المهام الرئيسة للحاكم: أن يحافظ على المجتمع ويؤمِّنه بإزالة المنكرات والتّصدي للمعاصي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:٩٠).
ولقد مارس الأنبياء والمرسلون التغيير باليد حيثما تمكّنوا من ذلك، وحسب الجهد والطاقة. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
١ - إبراهيم ﵇ حطّم الأصنام بحيلة تَكشف سوأة القوم، وتفضح عبادتهم للأصنام. ونرى حِكمته ﵊ في إزالة المُنكَر؛ فهو لم يُعلن أنه عازمٌ على فِعْله، ولم يتحرّك أمام أعينهم، لأنه ليس معه من الجند والأعوان مَن يَحمونَه أثناء التنفيذ، بل اتّجه لتحطيمها بعد انصرافهم عنها، ووضَع الفأس على عاتق أكبر الأصنام تمويهاً واستهزاءً لهم. قال تعالى مبيِّناً ما فعَله إبراهيم ﵇: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا
стр. 150
بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (الأنبياء:٥٧ - ٦٣).
فيُؤخذ من هذه الآيات جواز الاحتيال في إزالة المُنكر وفْق مقتضى الحال، وحسب الظروف التي تقدّر مدى التّصدّي وحجْمه.
٢ - إقدام موسى ﵇ على إحراق العِجل الذي عبَده بنو إسرائيل، ونسْفه في اليم نسْفاً. قال تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ (طه:٩٧).
"اليم": البحر.
٣ - الرسول ﷺ بعد ما استتبّ له الأمر في المدينة المنورة بعد الهجرة، وتأسّست الدولة الإسلامية التي قامت على أسس ثلاثة: علاقة المسلم بالخالق ، وتمّ ذلك من خلال بناء مسجدَيْ قباء ومسجد الرسول ﷺ بالمدينة، ثم علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وتم ذلك بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم إرساء العلاقة بين المسلمين وغيرهم، كالمعاهدة مع اليهود، ونصارى نجران، وغيرهم ...
وتمّ ضرْب الكفْر ضربات موجعة قاتلة في أنحاء الجزيرة العربية وأطرافها، وانكسرت شوكة الكافرين واليهود والمنافقين. وأصبح للإسلام قوّة ودولة وصوْلة وجوْلة. حينذاك تحوّل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والذي استمر بالقول فقط خلال مرحلة الدعوة في مكة، إلى التغيير باليد والإزالة بالقوة، ولم يكن
стр. 151
ذلك أمراً مأذوناً به ومباحاً مِن قِبل أفراد المسلمين، ولكن كان يتمّ بأمْر الرسول ﷺ وبتوجيهاته، حتى لا تنقلب الأمور إلى فوضى. والأمثلة على ذلك كثيرة نقتطف منها النماذج التالية:
١ - بعد فتح مكّة المكرّمة، اتّجه ﷺ إلى الأصنام المحيطة بالكعبة المشرّفة وحطّمها بقضيب في يده قائلاً: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء:٨١). ودخل الكعبة المطهّرة وأزال ما فيها من تصاوير، وأرسل فرسان الصحابة -رضوان الله عنهم- لإزالة الأصنام في أنحاء الجزيرة العربية. فأرسل المغيرة بن شعبة ﵁ إلى الطائف لهدْم صنم اللات، وكانت صخرة كبيرة بيضاء منقوش عليها، فهدمها وحرّقها. وبعث خالد بن الوليد ﵁ إلى نخلة بين مكة والطائف، حيث صنم العزّى الذي كانت قريش تعظِّمه وتقدِّسه من دون الله. أما مناة فكانت بين مكان اسمه القديد بين مكة والمدينة، فبعث رسول الله ﷺ علياً ﵁ فهدَمها. كما أرسله ﷺ إلى اليمن لإزالة ما بها من منكرات. فقد روى مسلم عن أبي الهيّاج، قال: قال لي عليٌّ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألاّ تَدَعَ صورةً إلاّ طمَسْتَها، ولا قبراً مُشرفاً إلاّ سَوّيتَه".
ولقد تضمّن تغيير المُنكر وإزالته بالقوّة للأمور المتوقَّع خطرُها، درءاً للمفسدة وغلقاً لأبواب الفتن. ومن ذلك إقدام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على قطع شجرة بيعة الرضوان التي ذكَرها الله في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح:١٨). وقد قطَعها لمّا رأى الناس ينزلون عندها ويتبرّكون بها.
стр. 152
ولقد كان ﷺ إذا رأى أمراً مُنافياً للعقيدة، نهى عنه بشدّة، وأمَر بتَرْكه، أو نزَعه بيده؛ ومن ذلك ما روي عن عمران بن الحصين ﵁: ((أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حَلَقة من صفْر، فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة. فقال ﷺ : انزعْها! فإنها لا تزيدك إلاّ وهناً؛ فإنك لو متّ عليها ما أفلحتَ أبداً))، رواه الإمام أحمد بإسناد لا بأس به.
الواهنة: عِرْقٌ يأخذ في المنكب وفي اليد كلّها فيؤلمها، وقيل: هو مرض يأخذ في العضد. وإنما نُهي عن الحلقة لأنه تميمة، ولأنه إنّما اتخذها على أنها تعصمه من الألم.
وعن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: ((أن لا يُبْقِيَنَّ في رقَبة بعير قلادةً من وتَر إلاّ قُطِعتْ))، رواه الشيخان.
والوتر: واحد الأوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلوْلق الوتر أبدلوه بغيْره، وقلّدوا به الدواب اعتقاداً منهم أنه يدفع العيْن عن الدابة.
وعن عبد الله بن عباس ﵄: ((أن رسول الله ﷺ رأى خاتَماً من ذهبٍ في يد رجل، فنزعه فطرَحه، وقال: يعمد أحدُكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده)). "فقيل للرجُل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ : خُذْ خاتَمك انتفِعْ به! قال: لا والله! لا آخذه أبداً، وقد طرَحه رسول الله ﷺ " رواه مسلم.
فهذه الأمثلة وغيرها تفيد: أنّ الرسول ﷺ كان يغيّر المنكر بيده حينما تمكّن من ذلك خلال المرحلة المدنية، وقد كان يرسل من أصحابه لإزالة المنكرات، وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- ما كانوا يقدمون على أمْر أو نهْي إلاّ بإذن لهم من الرسول ﷺ يأمرهم به؛ وهذا أكبر ضمان لمرتبة التغيير باليد، وحتى لا
стр. 153
تنقلب حياة الأمن إلى فوضى تؤدي إلى الفتن بسبب إقدام آحاد الأمّة غير المكلَّفين من قِبَلِ وليّ الأمر بالتصدي للمنكرات وإزالتها بالقوة، فهذا تكليف بما لم يكلَّفوا به، وتحميل للنفس فوق طاقتها. وقد يوردها موارد التّهلكة إذا تصدّى الإنسان للمنكرات والمعاصي دون قوة تحميه، أو قانون يُسنده، أو هيئة تشدّ من أزره.
ثانياً: التّغيير بالقول:
قال ﷺ : (( ... فمَن لم يستطعْ فبِلِسانه)).
إن التّغيير بالقول هو جوهر الدّعوة إلى الله والتي تقوم على:
١ - التبليغ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة:٦٧).
٢ - التذكرة، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:٢١،٢٢).
٣ - النصيحة، قال تعالى على لسان هود ﵇ لقومه: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف:٦٨).
٤ - الوعظ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (البقرة:٢٧٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ:٤٦).
كلّ هذه الألفاظ تنطلق من قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥).
стр. 154
والتغيير باللسان له مراتب، ينبغي على الدعاة مراعاتها، وترتيب الأولويات؛ وهذه المراتب هي:
الدّرجة الأولى: التّعرّف، والمراد به: أن يعرف الدّاعي المُنكَر ويُحدّد موقعه وفاعلَه، دون تجسّس أو تتبّع؛ فلا ينبغي أن يسترق السّمع على دار غيره لِيعْلم ما يجري فيها من المنكرات، ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه، فهذا ليس شأن آحاد الأمّة، إنما هذا يخصّ وليّ الأمر الذي يُخوِّل له الشّرع والقانون أن يتابع المنكرات ويتعرّف عليها بالتّتبع ونحوه.
الدرجة الثانية من درجات التغيير باللسان: التعريف، ويُقصد منه: تعريف مرتكِب المنكر بحقيقة جُرم ما ارتكبه، في أدب ولطف لاحتمال أنه فعَلَه لِجهل به، أو لكونه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في قوم فشتْ فيهم البدع والخرافات. وإنما يجب على الداعية: أن يوضِّح الحُكم الشرعي فيما فعَله، ويُرشده بالحسنى.
الدرجة الثالثة: النهْي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى؛ وهذا يتمّ في شأن مَن يعلم أن هذا منكَر، وأن فعْله إثم. ويذكر له آيات الوعد والوعيد، وينقل له مشاهد يوم القيامة وما فيه من أهوال للعصاة.
وفي هذا المقام يُبدي الإمام أبو حامد الغزالي ملاحظة دقيقة يقول عنها:
"وها هنا آفة عظيمة ينبغي على -مُنكر المُنكَر- أن يتوقّاها؛ فإنها مُهلِكة، وهي:
أنّ العالِم يرى -عند التّعريف- عزّ نفسه بالعلْم وذلّ غيره بالجهل، فربما يقصد بالتعريف الإدلال وإظهار التمييز بشرَف العلْم، وإذلال صاحبه -أي: صاحب المنكَر- بالنسبة إلى خِسّة الجهل. فإذا كان الباعث هذا، فهذا المنكَر أقبح في نفسه مِن المُنكَر الذي يعترض عليه. ومثال هذا المُحتسِب مِثال مَن يخلِّص غيره من النار بإحراق نفْسه، وهو غاية في الجهل. وهذه مزلّة عظيمة، وغائلة هائلة، وغرور
стр. 155
للشيطان يتدلّى بحبله كلّ إنسان، إلاّ من عرّفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته".
الدرجة الرابعة: التعنيف بالقول الغليظ واللفظ الحاد، دون تجريح وتفحّش في القول، أو تلاعن وسبّ بالكفر. ولقد ساق القرآن الكريم أدب الأنبياء حتى في شدّة حِدّتهم، وبيّن عفّة لسانهم وهم في قمة ثورتهم، فحكى عن إبراهيم ﵇ صورة تعنيفه بالقول، قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ (الأنبياء:٦٦).
ولهذه المرتبة أدبان:
أحدهما: ألاّ يُقدم عليها إلا عند الضرورة، والعجز عن اللطف.
الثاني: أن لا ينطق إلاّ بالصدق، ولا يقول في المخالف إلاّ حقاً، ولا يدفعه إنكار المُنكَر أن يصفه بما ليس فيه.
بهذا النهج الإسلامي الراقي، وهذا الأسلوب المهذّب الفريد الرائد، يتناصح الناس فيما بينهم ويصبح كل مسلم مرآة لأخيه؛ قال ﷺ : ((المسلم مرآة أخيه)). يعظ كلّ منهم الآخَر في مودّة، وينبّهه إلى الأخطاء من غير عنف، ويُرشده بدون قسوة.
وإنه ممّا يجدر ملاحظته: أن كلمة ﴿قُلْ﴾، والمكوّنة من حرفيْن فقط، وردت في القرآن الكريم في أكثر من ثلائمائة مرة، ممّا يشير إلى اعتماد الدعوة إلى الله على القول باللسان.
ولقد كانت فصاحة الرسول ﷺ ، وبلاغته وروعة بيانه، وحسن حديثه، لها الجانب الأكبر في الدعوة إلى الإسلام.
стр. 156
أما عن المرتبة الثالثة من مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهي: الإنكار بالقلب، فهذا موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
هذا، وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٣ - مِن أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , مراتب إنكار المُنكَر
حُكم التغيير بالقلب وبيان مظاهره
فما زال الحديث يتواصل عن أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تناولنا درجات تغيير المنكَر كما حدّدها ووضّع ضوابطها الرسول ﷺ . ولقد ذكرنا في المحاضرتيْن السابقتيْن التغيير باليد، ثم باللسان.
وفي هذه المحاضرة نتعرّض للمرتبة الثالثة، وهي:
التّغيير بالقلب:
كما قال ﷺ (( ... فإن لمْ يستطِعْ فبقلْبه، وذلك أضعف الإيمان)).
التمهيد للمحاضرة:
القلب في الإنسان هو مركز المشاعر والعواطف، ومستودع الإيمان والكفر، والحبّ والبغض، وبتوقّفه تتوقّف الحياة وينتهي العمر.
ولقد ذكر رسول الله ﷺ : أنّ صلاح القلب هو صلاح للجسد كلّه، وأن فساده فسادٌ للجسد كلّه، فقال ﷺ : ((ألاَ إنّ في الجسد مضغة، إذا صلحتْ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدتْ فسَد الجسدُ كلّه؛ ألا وهي القلب)).
والقلب يجلو بالطاعة ويصدأ بالمعصية؛ فإذا ما التزم بالطاعة واستشعر حلاوة الإيمان وعظمة الإسلام، ظلّ يقظاً وحارساً أميناً على كلّ ما يمتّ إلى الدِّين بِصِلة، وينفعل ويغضب إذا ما انتُهِكت حرُمات الله، ويُصدر أوامره للحواس لتغيير المنكرات، إما باليد، أو اللسان. فإن لم يستطيعا المقاومة، لضعف منهما أو لغلبة الباطل وكثرة جُنده، وجب على القلب أن يشارك في معركة التغيير. فالمسلم لا ينسحب من ميدان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مهزوماً، ويتركه للعصاة والفسقة يعيثون في الأرض فساداً، بعد ما لم يجد التغيير باللسان أو باليد؛ بل يجب عليه أن يظلّ يقاوم. وآخِر حصون هذه المقاومة هو: القلب، كما قال ﷺ : (( ... فإن لمْ يستطِع فبِقلْبه، وذلك أضعف الإيمان)).
فلقد أسند الرسول ﷺ التغيير إلى القلب كتغيير اللسان واليد؛ فالمسلم مطالبٌ شرعاً أن يتتبّع المُنكَرات ويكشف للمسلمين سوءاتها، ويظل يطارد المعاصي ويحافظ على حدود الله، لا تفتر عزيمته، ولا توهن قوّته، ويستمر كذلك حتى آخِر رمق في حياته. ولا ينبغي للمسلم أن يستهين بمقاومة القلب للمنكَرات؛ فهو سلاح فعالٌ ومؤثِّر في التصدي لها والقضاء عليها، إو إضعافها، إن أحسن استخدامه، وأخلص الإنسان النية في الإنكار؛ فإنه يحصل على فائدتيْن عظيمتيْن:
стр. 157
الفائدة الأولى: نيْل الثواب والأجْر من الله، على إخلاص النية في التّصدِّي للمنكَرات، قال ﷺ : ((إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لِكلّ امرئٍ ما نوى. فمَن كانت هجْرتُه إلى الله ورسوله، فهجْرته إلى الله ورسوله. ومَن كانت هجْرتُه لِدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))، رواه الشيخان.
الفائدة الثانية: استمرار مقاومة المسلم للمنكَرات، وعدم تسرّب اليأس والقنوط من انتشار المفاسد وكثرة المعاصي، وملاحقة المنحرفين عقائدياً وأخلاقياً، وتضييق الخناق عليهم، فيتوبون إلى الله، ويكفّون عن ارتكاب السيئات. فيتطهّر المجتمع من الدّنس، وتطهر القلوب والنفوس من الفواحش؛ فيعمّ الأمن والرخاء في المجتمع. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:٩٦).
حُكم التغيير بالقلب، وبيان مظاهره
معنى التغيير بالقلب:
هو: إظهار المسلم عدم رضاه عن المعاصي. والقلب خير وسيلة للتعبير عن ذلك. وإن إبداء التأفّف والحنق والغضب على العصاة، الذي يكمن في القلب، ويضيق به الصدر، وتظهر آثاره على ملامح الإنسان وقَسمات وجهه، لهو اعتراض صامت، ولكنه يُشْعِرُ بعدم الرضى والارتياح من الشخص الذي يرتكب المُحرّمات، أو يهمل في أداء الواجبات. ويكون هذا شعوراً عاماً ومظهراً جماعياً، فتضيق الأرض بما رحبت على العصاة، ويشعرون بامتهان الناس لهم، وامتعاضهم من تصرفاتهم؛ فإمّا يتوبون إلى الله، أو يجدون ملجأ آخَر يمارسون فيه منكَراتهم بعيداً عن ديار الإسلام.
стр. 158
حكم التغيير بالقلب:
التغيير بالقلب فرْض عيْن على كلّ مسلم ومسلمة، بخلاف حكْم اليد واللسان، فإنه يتفاوت بين فرْض العين وفرْض الكفاية، حسب مكانة وقدرات وصلاحيات القائم بذلك -كما سبق توضيحه-.
والقلب لا سلطان لأحدٍ عليه، إلاّ الله ، ولا يطلِّع على ما يُضمره من حُبّ أو كُرْه إلاّ الخالقُ . قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:١٩)، وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (المُلك:١٣).
فليس لكائن بشريٍّ -مهما كان سلطانه وسطْوته وجبروته- القدرة على البحث عن النوايا، والتنقيب عمّا تحتويه القلوب وما تُضمره الصدور.
لهذا كلّه، تصبح إرادة التغيير بالقلب أمراً مُستطاعاً، وفرضاً واجباً على كلّ مسلم ومسلمة.
مظاهر التغيير بالقلب:
إن إنكار القلب للمنكرات له ملامح ومظاهر لا تخفى على كلّ ذي عقل سليم وفكر مستقيم؛ ومن هذه المظاهر ما يلي:
أولاً: أن يحول المرء بين قلبه وبين حبّ المعصية والرضى بها. ويتم ذلك بأداء العبادات، والحرص على الطاعات، والمداومة على الذِّكر والاستغفار؛ فإنّ هذا يولِّد نفوراً من المعاصي، وكُرهاً للمنكرات؛ فتُسدُّ منافذُ الشيطان إلى القلب. فإذا حدث هذا، أصبح القلب أشدّ كرهاً وبغضاً للذنوب والآثام.
стр. 159
ويظهر هذا الغضب على قسمات وجْه المسلم، فيتأفّف ويتجهّم لرؤية العصاة، ويتجنّب اللقاء بهم والحديث إليهم؛ فيشعرون بنظرات الغضب تُلاحقهم، ويُحسّون بالوحدة والانعزال؛ فيكون هذا دافعاً قوياً للتّوبة إلى الله والكفّ عن المُنكَرات.
ثانياً: قطْع روابط الصِّلة والمحبّة بين المؤمنين وبيْن مُرتكِبي المُنكَرات. قال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة:٢٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة:١).
فمصاحبة العصاة، وإلقاء المودّة إليهم، وإظهار الحبّ لهم، يُشجِّعهم على مواصلة الفواحش والمنكَرات. وإنّ مِن أكبر عوامل الفساد في المجتمعات: إظهارُ الحفاوة والإعجاب بالفنّانين والفنّانات والمُمثِّلين والمُمثِّلات، الذين اشتهر عن الكثير منهم سوء الأخلاق وفساد السلوك. وإنّ إبراز مظاهر حياتهم المترفة اللاهية الماجنة عبر وسائل الإعلام، جعَل الكثير من الشباب والفتيات يحذون حذوهم، ويتمنّون أن يكونوا على شاكلتهم.
أمّا لو شعر هؤلاء أنّ الناس يمقتون أعمالهم، ويتأفّفون من سلوكهم، فتحنق عليهم القلوب، وتضيق بأعمالهم الصدور، لفكّروا كثيراً في أحوالهم، ولأصلحوا أمورهم؛ ويكون هذا أجدى نفعاً مِن التّصدِّي لهم بالقول أو باليد، وأبعد عن إثارة الفتن.
стр. 160
ثالثاً: عدم الجلوس إليهم، ومقاطعة مجالسهم، والإعراض عن أنديتهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ﴾ (هود:١١٣).
ولقد بيّن القرآن الكريم: أنّ من أمارات عباد الرحمن: تجنّبهم لملاقاة العصاة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ (الفرقان:٧٢).
وقال تعالى في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون:٣).
فالإعراض والابتعاد عن مجالِس السوء: تعبيرٌ حيٌّ ومُشاهَدٌ وملموسٌ عمّا يُبديه القلب من أمارات إنكار المُنكَر.
ولقد ذكَر القرآن الكريم أنّ سبب إنزال اللّعنة ببني إسرائيل: سكوتهم ورضاهم عمّا كان يدور في مجتمعاتهم من منكرات، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩).
رابعاً: الشعور الاجتماعي العامّ بإنكار المُنكَر.
إنّ التغيير باللّسان أو اليد أمْر لا يتسنّى لكثير من الناس، لاختلاف ظروفهم، وتبايُن قُدراتهم العلْميّة والفقهية، ومدى ما منح لهم من اختصاصات وصلاحيات لإزالة المنكرات. أمّا الإنكار القلبي فأمْر مشترَك بين المسلمين جميعاً، لا يحتاج إلى تفقّهٍ في الدِّين، أو إمعان النظر في الأدلّة الشرعية.
فالقلب ميزان دقيق وضَعه الله في صدر الإنسان، ليقوم بعمل مادِّيّ ملموس هو: ضخّ الدم إلى شرايين الجسد، ومدّه بالحياة والحركة. وبجانب هذا، أودع الله فيه ما يفرز الخير من الشر، والطاعة من المعصية، وهذا ما يسمَّى بـ"الشعور الفطريّ
стр. 161
السليم"، وهذا ما ذكَره الرسول ﷺ لِمَن سأله عن البِرّ؛ فعن وابصة بن معبد ﵁، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقال: ((جئتَ تسأل عن البِرّ والإثْم؟))، قلت: نعم. فقال: ((استفْتِ قلبَك. البِرُّ: ما اطمأنّتْ إليه النفْسُ واطمأنّ إليه القلب. والإثمُ: ما حاك في النّفْس وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفْتَوْك))، رواه أحمد والدارمي.
وفي رواية أخرى عن النواس بن سمعان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال ﷺ : ((البِرُّ: حُسْن الخُلُق. والإثم: ما حاك في نفْسك، وكرهْتَ أن يطّلعَ عليه الناس))، رواه مسلم.
فقلوب عباد الرحمن تتّحد في حُكمها على المُنكَرات، وتُجمع على بُغضها وكراهتها للفواحش، وإن لم تُعبِّر الأيدي والألْسنة على هذا؛ إذ إنّ واقع الحال والمشاهدة يُؤكِّده؛ ولذلك عُدّ إجماع الأمّة على أمرٍ ما هو اجتماع حقٍ، لقوله ﷺ : ((لا تجتمع أمّتي على ضلالة)).
ولذا، فإنّ توحُّد القلوب على بُغض المنكرات وكُرْه فاعِلها، وإشعاره باحتقار المجتمع له وازدرائه به، لدافعٌ قويّ ومؤثِّر في تغيير المُنكَر. ويصبح هذا شعوراً عاماً ومَظهراً اجتماعياً ذا أثَر فعّال في التغيير بالقلب، لا يقلّ أهمّيّة عن التغيير باليد واللسان. ولهذا أضاف ﷺ الأمْر بالتغيير إلى الثلاث غير أنه ﷺ أضاف: أنّ الاكتفاء بالقلب دون الوسائل الأخرى يُنبئ أحياناً عن ضعف الإيمان الذي يفِرّ من المواجهة، ويخشى من التّصدِّي باليد واللسان. وإن الإنكار بالقلب لا يُعفي من المساءلة إذا كان لدى الإنسان القدرة على المواجهة باليد أو اللسان. وفي نفس الوقت لم يُحْرم من ثواب الله، لبُغْضه المنكر وعجزه عن مقاومته، لأن هذا فوق طاقته وأكبر مِن قدراته.
فعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-، أنّ رسول الله ﷺ قال: ((ما من نبيٍّ بعَثه الله في أمةٍ قبْلي إلاّ كان مِن أمّته حواريّون وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمْره. ثم إنها تَخلُف مِن بعْدِهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون؛ فمَن
стр. 162
جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل))، رواه مسلم.
بهذا البيان النبوي المُعجز والمُبهر، يوجِّه الرسول ﷺ الأمّة إلى مكامن الداء وموضع المرض الذي يكمن في:
١ - قول بلا عمل.
٢ - فعْل ما لا يؤمرون به.
ثم بيّن ﷺ أنّ الدواء لِعِلَل المجتمعات وأمراضها، يكون ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم وضع ضوابطه ودرجاته ومراتبه ليتمّ ذلك كما أمر الله تعالى في قوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨).
ضوابط الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنكر للحاكِم المسلم
إن قضيّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لِوُلاة الأمر، من الأمور الهامّة التي تشغل عقل وفكر المجتمعات الإسلامية، والتي ينبغي بيانُ حدودها وضوابطها في إطار الأدلّة الدِّينية والأحكام الشرعية.
وإنّ فقدان الموازين الشرعية في هذا الموضوع، يُؤدِّي إلى فتن تُضعف الأمّة، وإلى انقسامات تعصف بأمْنها، ولا سيما في هذا العصر الذي ابتعد فيه بعض الحكام من المسلمين عن توجيهات الإسلام في الحُكم، ووَلَّوْا وجوههم شطر الأنظمة الغربية. وممّا زاد الأمر نفوراً بين الرّاعي والرّعية، وزرع بذور انعدام الثقة بين العلماء والأمراء: التّوجّه العلماني لبعض المفكِّرين والمثقَّفين الذين تَربَّوْا على موائد التبشير والاستشراق والاستعمار، وشربوا من مستنقع الثقافة الغربية الإلحادية المادية حتى ثملوا، فترنّحت عقولهم؛ حيث أخذوا يحادّون الله ورسوله، وينالون من الحضارة والنظم الإسلامية، ولا سيما فيما يخصّ جانب
стр. 163
الحُكم في الإسلام. وقد مكّن لهم النفوذ الأمريكي والأوروبي على العالَم الإسلامي بالاحتلال العسكري لبعض أقطاره، والسيطرة الاقتصادية على مُعظمه، ومحاولة زعزعة الثوابت الإٍسلامية وإحلال الثقافة والأخلاق الغربية محلّها، فأخذ هؤلاء البوم والغربان يُطِلُّون على الأمّة عبْر وسائل الإعلام، يثيرون الفِتن، ويشعلون نار الفرقة بين الأمّة وحُكّامها، مُنكرين في جهل وغباء أن يكون للإسلام دولة ذات نظامٍ مرتبطٍ بوحي السماء ورسالات الأنبياء، تُحقِّق للأمّة صلاح الدِّين وإصلاح الدنيا.
وضاق بعض الحُكّام بنصيحة العلماء والعقلاء من الأمّة. وغالى بعض الدعاة وقسَوْا في نُصحهم لوُلاة الأمْر، وتطاولوا عليهم، ونالوا منهم؛ فعظم الأمر، وجلّ الخطب، وتأجّجت نيران الفتن بخروج البعض، والنزوع للقتْل والتّخريب وترويع الآمِنين، وإهدار طاقات الأمّة. وما هذه الأحداث الدامية والمفجعة والمحزنة، التي روّعت أقطار العالَم الإسلامي، ومزّقت شعوبَه، وعصفت باستقلاله، وأهدرت قُدراته وثرواته، إلا بسبب الارتجال والتخبّط في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لِحكّام الأمّة، وعدم وضع الضوابط الشرعية لها. وهذا ما يجب علينا توضيحه في هذه المحاضرات، إبراءً للذّمّة ونصحاً للأمة، وفقأً لأعْيُن كلِّ مَن يتطاول على الإسلام وشرائعه ونُظمه. وسوف يتناول هذا العنصر الموضوعات التالية:
أوّلاً: الإسلام دين ودولة:
وهذا أمْر يَفْرضه الدِّين، ويوجبه العقل والمنطق، للأسباب التالية:
١ - تنظيم العلاقات بين البشَر، ووضْع الأُطُر الشرعية والقانونية للحقوق والواجبات، والمحافظة على قواعد الدِّين، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يوجب وجود دولةٍ قويّة على رأسها حاكم مرهوب الجانب، ليِّناً في غير ضعفٍ، قوياً من غير قسوة وغلظة.
стр. 164
٢ - حماية الثغور، والمحافظة على سلامة الوطن وأمنه، وتدبير المسكن والمأكل والمشرب من خلال عملٍ شريف تُدبِّره الدولة لأبنائها، يوجب قيامَ حكومة قويّة على رأسها حاكم أمِين على رعيّته، يحكم بالحق، ويقيم العدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء:٥٨).
٣ - تنمية موارد الأمّة، والمحافظة على ثرواتها بإقامة المصانع واستصلاح الأراضي، وتعبيد الطّرُق وتوفير الخدمات التعليمية والعلاجية، والقضاء على الثالوث البغيض -الجهل، الفقر، المرض-، يوجب وجودَ دولة موطّدة الأركان، قويّة الدعائم.
٤ - إقامة العدل بين الرعيّة، وإعطاء كلّ ذي حق حقّه، وذلك بإنصاف المظلوم وردْع الظالم كما قال أبو بكر الصديق ﵁ حين تولّى الخلافة: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخُذ الحقّ منه، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى آخُذ الحقّ له".
٥ - إقامة أركان الإسلام الخمْس والتي حدّدها ﷺ في حديث ((بُني الإسلام على خَمْس))، وذلك بتوفير أماكن للعبادة، وتأمين المسلمين في أدائها، وردْع المُقصِّرين والمتكاسلين عنها، وجمع الزكاة وتنظيم مواردها ومصارفها، ممّا يوجب جهازاً حكومياً يُديره خبراءُ أمناء ثقات، كما قال يوسف ﵇ لعزيز مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:٥٥).
стр. 165
وكما وصفت ابنة الرّجل الصالح موسى ﵇ في قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص:٢٦).
٦ - صيانة وحماية ضروريّات الإسلام الخمْس -الدِّين، النّفْس، العقل، النّسل، المال-، ووضْع التشريعات والنّظم التي تكفل ذلك وتحقّقه.
هذه الأمور مجتمعة تستوجب وجودَ حاكم يترأّس جهازاً حكومياً يحقّق ذلك، في إطار المحافظة على ثوابت الأمّة عقيدة وشريعة، مع الأخذ بالأساليب العلّميّة والتقنية التي تساعد على ذلك.
ثانياً: كيفيّة اختيار الحاكِم في الإسلام:
لم يضع الشّرع الإسلامي طريقةً مُعيّنةً ومُحدّدة يتمّ من خلالها اختيار الحاكم، ولكن تُركت لِما يتّفق عليه المسلمون حسب ظروف كلّ عصر وبيئته. فلقد تمّ اختيار أبو بكر الصدّيق ﵁ من خلال بيْعة عامّة في مسجد الرسول ﷺ ، بعدما حُسم الأمر في سقيفة بني ساعدة. وعَيّن ﵁ عمرَ بن الخطاب ﵁، بعد مشورة كبار الصحابة. وقد جعَل عمرُ الخلافة من بعدُ في سِتّة نفَر مِن صحابة رسول الله ﷺ ، على أن يختاروا أحدَهم، ووضَع لهم ضوابط دقيقة للاختيار. ولقد تمّ اختيارُ عثمان بن عفان ﵁، وتمّت بيْعة عامّة بعده لعليّ بن أبي طالب ﵁.
ثم حدث ما حدث مِن تحوّل الحُكم بعده مُلكاً يُتوارث خلال الدولة الأموية والعباسية. ثم انقلب الأمْر أحياناً، فوثب على سدّة الحُكم بالقوة كما كان يحدث خلال حُكم المماليك قديماً والانقلابات العسكرية حديثاً. ولقد رضيت الأمة إن طوعاً أو كرهاً بهذه الأنواع، إذ إن المقصد والهدف والغاية: أن يتحقّق العدل،
стр. 166
كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن:٧ - ٩).
ولقد وضع الإسلام الشروط التي يجب توافرها في وليّ الأمر، وعلى أساسها يكون تعيِينه واختياره. ومن هذه الشروط:
١ - الإسلام.
٢ - العلْم.
٣ - الخبرة السياسية.
٤ - العدالة.
٥ - الشجاعة.
٦ - سلامة الحواس والأعضاء.
٧ - الذّكورة.
٨ - أن يتعهّد بمشورة أولي الرأي، أو ما يُطلق عليهم: "أهل الحَلّ والعقْد". ولم يُحدِّد الإسلام طُرق اختيارهم، فقد ترَكها حسب ظروف الزمان والمكان، ولكن وضع شروط اختيارهم وهي:
أن يكونوا من أهل العلْم والخبرة، ومشهود لهم بالاستقامة وحسْن الرأي.
فإذا ما تمّ الاختيار والبيْعة، أصبح للراعي والرعية حقوق وواجبات.
ثالثاً: حقوق وليّ الأمْر في الإٍسلام:
وضَع الإسلام لولِيّ الأمر حقوقاً يجب على الأمّة الالتزام بها، وعدم الخروج عليه، إلاّ في حالة قيامه بأمْر يُنافي العقيدة، أو يضرّ بمصالح الأمّة. ومن هذه الحقوق ما يلي:
стр. 167
١ - وجوب طاعته فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:٥٩).
وروي عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((على المرء المسلمِ السّمْعُ والطّاعة فيما أحبّ وكَرِهَ، إلاّ أن يُؤمر بمعصية، فإذا أمِرَ بمعصية فلا سمْعَ ولا طاعة))، متفق عليه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اسمَعُوا وأطيعوا، وإن استُعمِل عليكم عبْدٌ حبشيّ كأنّ رأسَه زبيبة))، رواه البخاري.
٢ - حرمة نقض بيْعته أو العمل على خلْعه.
فعن ابن عمر ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((مَن خلع يداً من طاعة، لقِي الله يوم القيامة ولا حجّة له. ومن مات وليس في عُنقه بيْعة، مات ميتة جاهلية. ومن مات وهو مفارق للجماعة، مات ميتة جاهلية))، رواه مسلم.
٣ - عدَم إهانته بالقول أو الفعل.
فعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((مَن أهان السلطان، أهانَه الله))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسن".
٤ - أن يختار الوزراء الصالحين من أهل الخير، كما ينبغي أن يحوط نفسَه بالرِّجال المخلصين ذوي الحكمة، والرأي السديد، والخبرة الفائقة.
فعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما-، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما بعث الله من نبيّ ولا خليفة، إلاّ كانت له بطانتان: بطانة تأمُره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمُره بالشر وتحضّه عليه؛ والمعصوم من عصمه الله))، رواه البخاري.
إلى غير ذلك من الحقوق التي بسطتْها كتبُ الفقه.
стр. 168
رابعاً: ما يجب على وليّ الأمر نحو رعيّته:
١ - الحُكم بالعدل قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء:٥٨).
٢ - الرِّفق بالرّعيّة وبذل غاية الجهد لتحقيق ضروريات الحياة لها؛ فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولِيَ مِن أمْر أمّتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقُقْ عليه، ومَن وَلِيَ مِن أمْر أمّتي شيئاً فرَفق بهم فارفُق به))، رواه مسلم.
٣ - عدم التّعالي والاستبداد والاحتجاب عن الرعية، قال ﷺ : ((من ولاّه الله شيئاً من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجته وخلّته وفقره يوم القيامة))، رواه أبو داود والترمذي.
٤ - أن يعمل بالشّورى، ويأخذ برأي أهل الحلّ والعقد، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:١٥٩)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى:٣٨).
فقد ذكر الله الشورى في سياق الآية بين ركنيْن من أركان الإسلام: الصلاة والزكاة، ممّا يدل على أهميّتها ووجوب الالتزام بها.
٥ - أن يتقبّل النصيحة، وأن يعمل بها إذا كانت لصالح الدِّين والدنيا، قال ﷺ : ((الدِّين النّصيحة))، فقال أصحابه: لِمَن يا رسول الله؟ قال: ((للهِ، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه مسلم.
وهذا ما وضعه أبو بكر ﵁ في أوّل خطبة له حيث قال:
"أيها الناس. إني قد وُليتُ عليكم ولستُ بخيركم؛ فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقَوِّموني ... " إلى آخر الخطبة.
стр. 169
حتى قال: "أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
وبهذه الخطبة الرائعة العظيمة، وضع أبو بكر الصديق ﵁ المعالم الواضحة للحُكم في الإسلام.
٦ - على الرعية -ولا سيما العلماء-: أن يقوموا بالنّصح بالقول أو بالكتابة لوليّ الأمْر، حسبما أمر به الله في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥).
ولقد بيّن الرسول ﷺ الحدود والإطار التي ينبغي أن يتحرّك فيها العلماء والدّعاة للتعامل مع أُولي الأمر؛ فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂، عن النبي ﷺ قال: ((إنه يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون وتُنكرون. فمَن كره فقد برئ، ومَن أنكر فقد سَلِمَ، ولكن مَن رضي وتابع)). قالوا: أنقاتلهم، يا رسول الله؟ قال: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة))، رواه مسلم.
ومعنى الحديث الشريف:
مَن كَرِه بقلبه ولم يستطع إنكاراً بيدٍ ولا لسان، فقد برئ من الإثم. ومَن أنكر بحسب طاقته، فقد سلِم من المعصية. ومن رضي بفعلهم وتابعهم فهو العاصي.
ولقد نهى ﷺ عن منازعة الحاكم، والخروج عليه، فقال ﷺ فيما رواه عبادة بن الصامت: ((بايعَنا رسولُ الله على السمع والطاعة، في العُسر واليُسر، والمنشط والمكره، وعلى أثَرة علينا، وعلى ألاّ نُنازع الأمْرَ أهلَه، إلاّ أن ترَوْا كُفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنّا، لا نخاف في الله لومةَ لائم))، متفق عليه.
стр. 170
٧ - يجب على الحاكم أن لا يضيق ذرعاً بحرية الرأي ما دامت في إطار الشّرع وحدوده، وطالما كان المقصد منها الصالح العامّ، وأن يتّسع صدرُه للنّقد البنّاء والتوجيه السديد والرأي الرشيد.
بهذا التوافق والتعاون، والاحترام المتبادل بين الرّاعي والرّعيّة، وسعة الصدر والحِلم في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، تستقيم سفينة المجتمع المسلم، وتنجو من العواصف والأنواء والأحداث التي تكاد تفرّقها.
ويتمّ التلاحم والترابط والرضى بين الحاكم والمحكومين؛ فعن عوف بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((خيار أئمّتِكم الذين تُحبّونهم ويُحبّونكم، وتُصلّون عليهم ويُصلّون عليكم. وشرار أئمَّتِكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعَنونهم ويلْعَنونكم)). قال: قلنا: يا رسول الله. أفلا نُنابِذهم بالسيف؟ قال: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم مِن وُلاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عملَه ولا تنزعوا يداً من طاعة))، رواه مسلم.
بهذه، نُنهي القول في أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد فصّلنا ضوابطه وحدوده ومحظوراته.
هذا، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 171
الدرس: ٨ أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
стр. 172
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
١ - أساليب الأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر
أولاً: أسلوب التعليم والتّفقيه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، الدّاعي إلى الهدى والحق والصراط المستقيم، وعلى آله ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدِّين. أما بعد:
إنّ الإنسان بفطرته ينزع إلى العلْم ويميل إلى المعرفة، وكلّما زاد الإنسان علْماً اتّسعتْ أمامه سُبلُ الطاعة، وضاقت أمامه فُرص المعصية. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:٢٨).
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:١١).
وإن كثيراً ممّن ضلّ بهم الطريق المستقيم، أو تهاونوا في القيام بالطاعات والتزام العبادات، يكون بسبب الجهل بالدِّين وعدم التقدير لجُرم المعصية وعظم عقابها؛ ويكون ذلك بسبب الأمور التالية:
١ - إهمال الأسرة لِغرس ينابيع الخير ونزْع بذور الشر في الأبناء.
٢ - النظام التعليمي في كثير من أقطار العالَم الإسلامي الذي يهتمّ بالعلوم العلْمية عن العلوم الشرعية. وما بقي من أقطار تُولي اهتماماتها بعلوم الشريعة والثقافة الإسلامية تواجه من دوَل الغرب والشرق ضغوطاً رهيبة لتغيير مناهجها الدّينيّة تحت مزاعم مكافحة الإرهاب.
٣ - المناخ الاجتماعي الذي بدأ ينحو ناحية السلبية والأنانية والأثرة بأفراده، حتى أصبحت الترابط الاجتماعي من خلال الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قد خفَتَ صوته وضعف توجيهه تحت مُسمّى الحرية الشخصية، ممّا أفقد المجتمع المسلم أكبر عوامل انضباطه وصوْنه عن المنكَرات؛ فأصبح الجهل بالدِّين ليس جهل أفراد، ولكن أصبح جهل شعوب، تشاغلت عن تفيهم دينها والتفقه في أحكامه، بسبب ظروف الحياة الاقتصادية والسياسية وغيرها من القضايا التي صَرفت الناس عن العلْم وتعليم الدِّين، فعمّت المعصية مع تفشِّي الجهل بالدِّين.
стр. 173
٤ - أجهزة الإعلام ودوْرها الترفيهي والعبَثي الذي كاد يُنسي الناس دِينَهم، هذا بجانب التّوجّه العامّ نحو التّرف والتّمتّع بلذائذ الحياة وشهواتها، حتى أصبح شاغل الجمّ الغفير من المسلمين هو الحصول على شهوتَي الأكل والجنس. وأصبح هذا التوجيه الخطير يأخذ جانباً كبيراً من حياة المسلمين، وجزءاً ضخماً بين مواردهم المالية؛ فلم يعد لديهم الوقت للجلوس إلى كتاب من كُتب الدِّين أو تدبّر آية من كتاب الله، أو حديث من أحاديث رسول الله ﷺ . إلى غير ذلك من الأسباب والعوامل التي عملت على تفشّي الجهل الدِّيني، ممّا ساعد على ارتكاب المعاصي.
لذا، يجب على الدّعاة قبل أن يَقسوا في الموعظة، ويعنّفوا المقصِّرين، ويحملوا بغلظة على العاصين: أن يبدؤوا بالتعليم، وتبصير الناس بأحكام الشرع، وبالعقوبات في الدنيا والجزاء الأليم في الآخرة، لِمن قصّر وأهمل أو عاند واستكبر. ويتمّ ذلك على مستوى اللقاء الفردي، بحيث يتّجه الدّاعي إلى الفرد الذي يرى فيه عدم التّقيّد بالدِّين والتغافل عن أداء العبادات، بالتقرب إليه والتّعرّف عليه. ثم يعلّمه في لين ورفْق، وصبر وأناة. يُبيِّن له عظم ثواب الطاعة وآثارها في الدنيا والآخرة، ويكشف له عن خطر المعصية، وجزاءها الأليم، وعواقبها في الدنيا والآخرة. وعليه أن يقتفي أثر الرسول ﷺ في دعوته إلى الناس أفراداً وجماعات، بالرسائل أو بالكتب.
ويكون التعريف والتعليم على مستوى جماعة المسلمين، من خلال خُطب الجمعة أو الدروس في المساجد.
وهناك ميدان كبير يغفل عنه الدّعاة ولا يلتفتون لأهمِّيّته، وهي أماكن تجمّع الشباب في الأندية الرياضية، والمنتديات الثقافية، والتّجمّعات العُمّالية في
стр. 174
المصانع؛ فينبغي على الدّعاة أن يذهبوا إلى تلك الأماكن، ويُبصّروا العاملين فيها بأحكام الإسلام وحدود الدِّين، ويَدْعونهم إلى المعروف وينهَوْنَهم عن المنكر، ويكشفون لهم عمّا ابتُدِع في الدِّين من أمور قد يظنّها البعض عبادات وهي ليست منه. وهذا هو الخير الذي وجّه إليه ﷺ حيثما قال: ((مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفقِّهْهُ في الدِّين)).
ثانياً: تقوية الإيمان، واستثمار الوازع الدِّيني
الإنسان يحمل بين حنايا صدره وجوانب نفْسه دوافعَ الخير ونوازع الشّرّ، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس:٧،٨)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:١٠).
فلا يوجد شخص على خير مطلقاً، أو في شرٍ مطلقاً. ولقد أودع الله في قلب الإنسان ميزاناً يَزِن به الخير من الشر، قال ﷺ : ((البِرُّ: ما اطمأنّت إليه النّفْس. والإثم: ما حاك في صدرك، وكرِهتَ أن يطّلع عليه الناس)).
فيجب على الدّعاة أن يستثمروا جوانب الفطرة النّقيّة في الإنسان، والتي يولد كلّ إنسان مجبول عليها، كما قال ﷺ : ((كلّ مولودٍ يولَد على الفطرة؛ فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانِه)).
يجب أن يعمل الدّاعية على تقوية الوازع الدِّيني في الشخص الذي أمامه، ويتعهد ما لديْه من بقية صلاح أو مروءة بالعناية والرعاية، كما يتعهّد الإنسان الزرع الأخضر الصغير لِينمو ويكبر، ويقضي على ما حوله من شجر خبيث. ولْيبدأْ بمَنْحه الثقة والاعتزاز بما لديْه من بعض صفات الخير فيُقوِّيها، فكلّما قويت تضاءلت في نفسه نوازعُ الشّرّ، وضمرت مسالك المعصية، وسُدّت منافذُ الشيطان.
стр. 175
فإذا ما أحسّ ببرْد الطاعة في نفسه، وحلاوة الإيمان في قلبه، ووازن بين ما كان عليه من حياة قلِقة، وتردّد بين الطاعة والمعصية، وتجاذب بين الخير والشر، وبين ما هو عليه الآن بعد تثبيت وتقوية ما عنده من ينابيع البِرّ في نفسه، وإشعاره بأنّ التوبة تجُبُّ ما قبلها، وأنّ الله يفرح بتوبة عبده المؤمن، كما قال ﷺ : ((للهُ أفرحُ بتوبة عبْدِه حين يتوب إليه مِن أحدِكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتتْ منه وعليها طعامه وشرابه، فأيِس منها. فأتى إلى شجرة فاضطجع في ظلّها، وقد أيس من راحلته. فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي، وأنا ربك". أخطأ من شدّة الفرح))، رواه مسلم.
وممّا يقوِّي الإيمان ويُثبِّته في القلوب، ويضعف الشر وينزعه من النّفْس: الأمور التالية:
١ - الحرص على أداء العبادات، والتوبة والاستغفار على ما فرّط في جنب الله.
٢ - كثرة الدعاء، ولا سيما أدعية الرسول ﷺ . وفي "كتاب الأذكار" للإمام النووي ما يفي بالغرض.
٣ - التّأمّل والنظر والتّفكّر في آيات الله في الأنفس والآفاق، ليشعر بعظمة الله، ويخشى من عقابه فيفرّ من المعاصي ويلجأ إلى الله. قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذاريات:٥٠).
ثالثاً: الموعظة الحسَنة
الوعظ هو أحَد أساليب الدّعوة إلى الله الرئيسة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:١٢٥).
стр. 176
فهذه الآية الكريمة أصْل عظيم من أصول الدّعوة إلى الله؛ فهي تدْعوه إلى الحِكمة في القول، واللِّين في الخطاب، وأدب المجادلة، وسعة الصدر، والإنصات إلى آراء الآخَرين من غير ذمّ وتقريع وتوبيخ، والتوجيه والإرشاد والتذكرة، مستعيناً بالله، وبأساليب خير الكلام من القرآن الكريم وهدْي الرسول ﷺ . ويتخلّله قصص الأمم البائدة، وأحوال الشعوب المعاصرة. يتنقّل به من موعظة إلى أخرى، ويسوق له الدليل تلو الدليل، يُرغِّب ويُبشِّر إذا كان يُجدي، ويُنذر ويُحذّر إذا كان ينفع. يصف الجنّة ونعيمها، والنار وأهوالها. ويكون لدى الدّاعي من روعة الحديث، وحسْن البيان، ودقّة التعبير، ما يحمل السامع على الاقتناع بالموعظة، والانتفاع بالتّذكرة.
ولقد كان الرسول ﷺ المَثَل الأعلى في استمالة النفوس والتأثير على القلوب، والوصول إلى المشاعر والعواطف، بحُسْن الحديث وأدب الموعظة.
وعلّم أصحابه كيف تكون الدّعوة إلى الله.
روى ابن الجوزي ﵀ قال: "مرّ أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنباً، فكانوا يسبّونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مُستخرجيه؟
قالوا: بلى، قال: فلا تسُبّوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم.
قالوا: أفلا تُبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي".
وعلى الدّاعية أن لا يُثقل بالموعظة، حتى لا يَسأم الناس مِن كلامه، ويَثقل عليهم حديثُه. وهذا من أدب الرسول ﷺ ، كما جاء في قول أصحابه: ((كان ﷺ يتخوّلنا بالموعظة، مخافة السآمة علينا)، -أي يُخفّف فيها-.
стр. 177
ولذا، فإن أكبر خطبة لرسول الله ﷺ هي: خطبته في حجة الوداع، لا تتجاوز عدّة دقائق، ولكنها خرجت من أطيب فم وأطهر لسان، وأحسن حديث وأروعه، فتشربها النفوس كما تروى من الظمإ، واستقرت في عقلها وقلبها تُردِّدها الأجيال ويرويها التاريخ.
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (الأعلى:٩،١٠).
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ (غافر:١٣).
رابعاً: التآلف والسِّتْر
على الدّاعية أن يجذب إليه النفوس، بطلاقة الوجْه، وحُسْن المظهر، وجمال الخُلُق، وأن يكون في دعوته مِن دُعاة التآلف والوحدة: يتألّف الناس بالكلمة الطيبة، وبالعطاء إن أمكن ولو قليلاً. ولقد تألّف رسول الله ﷺ صناديد قريش وقُساتها؛ فحينما أشار عليه عمه العباس بن عبد المطلب أثناء فتح مكة، وقال له: "إن أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فأعْطه شيئاً". فقال ﷺ : ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن))، فتألّفه بهذا. وحينما أعطى المؤلَّفَة قلوبهم عقِب فتح مكة عطاءً سخياً، ممّا جعلَهم يخلعون كلّ صلة لهم بالكفر، ويصبحون حماةً للإسلام.
ومن صوَر التآلف التي نضعها أمام أعين الدارسين والدّعاة: ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((أعطى رسول الله ﷺ رهطاً، وسعد جالسٌ. فترك رسول الله ﷺ رجلاً هو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله. ما لَك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أوْ مسلماً؟. ثم غلبني ما أعلم منه، فعُدتُ لمقالتي: فقلت: ما لك عن فلان؟
стр. 178
فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً. وظلّ يُردِّد ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : يا سعد. إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبّ إليّ منه، خشية أن يُكبَّه الله في النار))، متفق عليه.
وعن أنس ﵁، قال: ((كان الرّجُل يأتي النبي ﷺ ، فيُسلِم لشيء يُعطاه من الدنيا، فلا يُمسي حتى يكونَ الإسلام أحبّ إليه وأعزّ عليه من الدنيا وما فيها))، رواه الإمام أحمد في "مسنده".
وصوَر تآلف الرسول ﷺ لأصحابه تعطّر سيرته الحميدة.
أمّا السِّتْر:
فهذا خُلُق إسلامي رفيع، يصون الأعراض، ويحفظ المجتمعات، ويقطع ألْسنة الفتن، ويرأب صدع المجتمع، ويسدل على المعصية غطاءً، فلا تنكشف سوأتها، ولا تفوح رائحتها الخبيثة في المجتمع. وهناك فرق كبير بين السّتْر على الجريمة، وبذْل الوسائل لعدم اكتشافها، وتمكين مُرتكبيها من الفرار من وجه العدالة، وبين السِّتْر على هفوات البعض الذين يرتكبون الذّنْب لأوّل مرة، وقد يقعون في أخطاء لظروف أحيطت بهم أو فُرضت عليهم؛ فهذه أحوال تُترك لوجهة نظر الدّاعية حيث يُقدّر الظرف الذي ارتُكِب فيه الذّنب، ويرى أيهما أفضل: السِّتر أم الإعلان والتشهير؟
ولقد كان السِّتر أسلوباً من أساليب الرسول ﷺ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. والأمثلة كثيرة وعديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١ - ما روي عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: ((كنتُ عند النبي ﷺ يوماً فجاءه رجل فقال: يا رسول الله. إني أصبتُ حداً فأقِمْه عليّ! قال: ولم يسأله عنه. قال: وحضرت الصلاة فصلّى مع النبي ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه
стр. 179
فقال: يا رسول الله. أصبتُ حداً فأقِمْ فيّ كتاب الله! قال ﷺ : أليس قد صلّيتَ معنا؟ قال: نعم. قال: فإنّ الله قد غفر لك ذنبك -أو قال:- حدّك))، متفق عليه.
ولقد أشار ﷺ على السّتر على ذوي المروءات هناتهم، فقال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثَراتهم، إلاّ الحدود))، رواه الإمام أحمد.
وللتّستّر ضوابط وأمور يجب أن تُراعى، ومن ذلك:
١ - أن يترجّح في الظّن إقلاعه عن المعصية بعد انكشاف أمْره والتستر عليه.
٢ - أن لا يترتّب على السّتر مفسدة شرعيّة.
٣ - أن لا يكون السّتر خشية مِن جاهه أو منصبه.
٤ - أن يكون كشْفه سبباً في فتن يبلغ ضررها أشدّ من فضْح أمْره.
٥ - أن لا يكون الأمر قد وصل إلى الحاكم، فإذا ما وصل فلا شفاعة ولا ستْر، لقوله ﷺ : ((تعافَوا الحدود فيما بينكم، فمن بلغني حدّه فقد وجب)).
خامساً: استثارة العواطف والمشاعر، وإيقاظ دوافع الحميّة والغيرة
كثير من الناس حينما يفعلون المنكَرات ينسوْن أنفسهم، ولو فعَل ما فعَله من منكر أحدُ أبنائه أو زوجتُه لغضب وثار، وربما أوقع الأذى بمن فعَل ما يرتكبه هو، لأن الغفلة والنسيان سبب من أسباب ارتكاب المعاصي، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر:١٩).
ولذلك، فإنّ من واجب الدّعاة أن يستثيروا المشاعر، ويستجيشوا العواطف، ويوقظوا دوافع الغيرة والحميّة والمروءة؛ فهذه أمور نظرية في الإنسان تحتاج إلى مَن يوقظها مِن غفْلتها ويحرّكها من سباتها العميق.
стр. 180
وتاريخ الدعوة الإسلامية يشهد بأن إثارة العواطف وبثّ الحماس والغيرة ينقل الإنسان من الضد إلى الضد؛ ومن ذلك: ما حدث في إسلام حمزة بن عبد المطلب. فقد كان على دين قومه، وفي عودته من رحلة الصيد، قالت امرأة له ما فعله أبو جهل بالرسول ﷺ ، فأخذتْه الغيرة والحماس، وذهب إلى أبي جهل وهو في وسط أكابر قريش، فضربه بالقوس فشجّه، وقال: أتسبّه وأنا على دينه؟ وكان هذا سبباً في إسلامه.
ومن ذلك: ما كان من عمر بن الخطاب ﵁ حينما أخذ سيفَه قاصداً قتْل الرسول ﷺ ، وقابَله رجُل وقال: إلى أين يا ابن الخطاب؟ قال: أقْتُل مَن عاب ديننا وسبّ آلهتنا. فقال: ارجعْ إلى أختك فاطمة وزوجها، فقد أسلما. فتحرّك الغضبُ في نفسه، وعاد إلى بيت أخته. وحدث ما حدث؛ وكان هذا سبباً في إسلامه.
ونلحظ أسلوب الاستثارة في القرآن الكريم؛ ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد:١٦).
وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء:١٤٧).
ولقد أقرّ ﷺ غيرة سعد ﵁ حينما قال: "والله لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيف غير مصفح". فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ((أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني. ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشِّرين والمنذرين. ولا أحدّ أحبّ إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعَد الله الجنة))، متفق عليه.
следующие страницы →