Полный текст (278 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال الطبري: "المُنْكر: ما أنكره الله، ورآه أهل الإيمان قَبيحاً فعْله؛ ولذلك سُمِّيتِ مَعصية الله مُنكراً، لأن أهل الإيمان بالله يَستنكرون فِعلها، ويَستعظمون رُكوبها".
وقيل: "المُنْكر" هو: كل ما يُنْكره الشَّرع ويَنْفِر منه الطَّبع، صَغيرة كانت أو كبيرة. والمعاصي كلّها مُنكَرات، لأن العُقول السَّليمة تُنكِرها.
وقال ابن الأثير: "المُنْكر: ضد المَعروف، وهو: كلّ ما قبّحه الشَّرع وحرّمه وكَرِهَه، فهو مُنْكر".
أهمِّيّة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر والأدلّة على وجوبه
الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر أصْل عظيم من أصول الإسلام، وتَرجع أهمِّيّتُه للأسباب التالية:
أولاً: إنّ صلاح العباد في الدنيا والآخِرة متوقف على الإيمان بوجود الله ووحدانيّته وطاعته، والتصديق بكلّ ما جاء به رسول الله ﷺ ، وتمام الطاعة مُتوقّف على الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، وبه يتمّ معرفة كلّ منهما، قال تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:١١٤).
ثانياً: إنّ خَيرية هذه الأمّة وفضْلَها، وتَحقيق النَّصر والفَلاح لها، يتوقّف على الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤).
стр. 72
يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "ففي الآية بيان بالإيجاب؛ فإنّ في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ أمرٌ، وظاهر الأمْر الإيجاب. وفيها: بيان أنّ الفَلاح مَنوط به، إذ حصر وقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفيها: أنه فرْض كِفاية لا فرْض عيْن: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ فإذا ما قام به واحد أو جماعة، سَقط الفرْض عن الآخَرين".
ويُبيِّن القرآن الكريم: أنه لا يَخلو الزمان من أمّة مُؤمنة عابِدة تَقوم بالدَّعوة إلى الله، وتأمر بالمَعْروف وتنهى عن المُنْكر، وتُسارع إلى فِعل الخَيرات؛ قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران:١١٣، ١١٤).
ثالثاً: بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر تَتحقّق الولاية والمُناصَحة بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١).
رابعاً: إنّ الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر سَببٌ من أسباب النَّصر، وثَمرة من ثِمار التَّمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج:٤٠، ٤١).
ولقد ذكَر القرآن الكريم في صفة الشهادة والقِتال في سبيل الله في سورة (التوبة) شروط مَن يَستحقّ نَصر الله، في قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ (التوبة:١١٢).
стр. 73
خامساً: في الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر النّجاة من الهَلاك، والمُحافظة على سلامة المُجتمع وأمْنه؛ فعَن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال ﷺ : ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمَثَل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبَعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقَوْا من الماء مَرّوا على مَن فَوقهم، فقالوا: لو أنّا خَرقْنا في نَصيبنا خَرقاً ولم نُؤذ مَن فَوْقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا، ونجَوْا جميعاً)).
ولقد بيَّن الرسول ﷺ أنّ الدَّعوة للحق ومُواجَهة الباطل من أفضل الجِهاد مَنزلةً عِند الله، لا سيما حينما يُصْدعُ بها أمام الحُكَّام الجَبابِرة، والرُّؤساء الظَّالمين المُّستبِدِّين؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي النبي ﷺ ، قال: ((أفضل الجِهاد: كلمةُ عَدلٍ عند سُلطان جائِر))، رواه النسائي بإسناد حسَن.
فالنصيحة للمسلمين، وتعاونهم على البر والتقوى، وعَدم التعاون على الإثم والعدوان، فَرْض دينيّ وواجب شرعيّ يحافظ على ثوابت المجتمع، ويُحْكِمُ التَّرابط بين أفراده.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:٢).
يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يأمر الله عِباده المُؤمنين بالمُعاونة على فِعل الخَيرات وهو البِرّ، وتَرْك المُنْكرات وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصُر على الباطل والتَّعاون على المآثِم والمَحارم".
وقد بيّن الرسول ﷺ أنّ من الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر: مَنع الظالِم وردْعه عن ظُلمه وعُدوانه، والوقوف بجانب المَظلوم وحمايته؛ فعَن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((اُنْصُرْ أخاك ظالِماً أو مَظلوماً)). قيل: يا
стр. 74
رسول الله. هذا نصرته مَظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالِماً؟ قال: ((تَحجُزه وتَمْنعه من الظُّلم، فذاك نَصْره))، رواه البخاري.
وعن أبي رُقيّة تَميم بن أوس الداري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((الدِّينُ النصيحة)). قُلنا: لِمَن؟ قال: ((للهِ، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه مسلم.
ولقد كان ﷺ يُبايع أصحابه على النَّصيحة، ويَذْكرها في سياق أركان الإسلام؛ فعَن جرير بن عبد الله ﵁، قال: ((بايَعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصحِ لِكلِّ مسلم))، رواه مسلم.
وعن عُبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه-، قال: ((بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمْع والطاعَة، في العُسر واليُسر، والمَنْشَط والمَكْره -أي: في السَّهل والصَّعب- وعلى أثَرَة عَلينا -الأثَرة: الاختصاص بالأمْر المُشترك-، وعلى ألاّ نُنازع الأمْرَ أهلَه، إلاّ أنْ تَروْا كُفراً بواحاً عِندكم من الله تعالى فيه بُرهان -أي: ظاهِر لا يَحتمل تأويلاً-، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنَّا، لا نخاف في الله لومةَ لائم))، متفق عليه.
ولقد بيّن ﷺ : أنّ مِن آداب المجالس والطرقات: الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إيّاكم والجُلوسَ في الطّرقات!))، فقالوا: يا رسول الله. ما لنا من مجالِسنا بدٌّ، نتحدث فيها! فقال رسول الله ﷺ : ((فإذا أبَيْتُم إلاّ المَجلس، فأعْطوا الطريقَ حَقّه)). قالوا: وما حق الطريق، يا رسول الله؟ قال: ((غَضُّ البََصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمَعْروف، والنَّهي عن المُنْكر))، متفق عليه.
سادساً: إنّ تقاعُس الأمّة عن واجب الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر تَنجُم عَنه الأضرار التالية:
стр. 75
أ- استحقاق غَضب الله وسَخَطه ولعْنَته، كما حَدَثَ لبني إسرائيل، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩).
وعن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((والذي نَفسي بيده! لتأمُرُنَّ بالمَعْروف ولتنهَوُنَّ عن المُنْكر، أو ليوشِكَنّ الله أن يَبعث عَليكم عِقاباً منه، ثم تَدْعونه، فلا يُستجاب لكم))، رواه الترمذي.
وقد ساق القرآن الكريم قصّة قوم لوط، الذين فشا فيهم المُنْكر، وانتشَر بينهم الشُّذوذ، وعمَّت الفاحِشة في أندِيَتهم، فحلّت عليهم اللّعنة، ونزل بهم العذاب؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت:٢٨، ٢٩).
ولقد كان من طَبيعة هؤلاء القَوم: أنَّ الفاحِشة تُرتَكب عَلناً أمام أعينهم، دون إنكار أو اعتِراض، قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (النمل:٥٤).
ولقد عاتَبهم لوط ﵇ على تقاعُس العُقلاء في عَدم استنكار سلوكهم الفاضِح وأعمالهم القَبيحة، فقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود:٧٨).
وكان عاقِبة التَّخاذل والتهاون في الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر: أنْ حلّ بهم عذاب أليم بطَريقة انفردوا بها عن الأمم السابقة واللاحِقة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا
стр. 76
جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود:٨٢، ٨٣).
وإنّ انتشار الفاحِشة والشُّذوذ في الحَضارة الغَربية الحَديثة، والتَّشجيع عليه، وتَقنِينه، وحَمْل المُجتمعات الإسلامية على السَّير في رِكابِها بدعوى لقاء الحَضارات والثَّقافات، لأمْرٌ يُؤذِن بالخَطر. ولقد بَدت بوادِره في الأوبئة الفتَّاكَة والأمراض القاتِلة، كـ"الإيدز" وغيره من الأمراض الخَبيثة. وظَهرت أعراض انهيار تلك الحضارة بما يُشاهَد من الحُروب الدَّامية الدائرة في أرجاء العالَم، والتفكك الاجتماعي، والانهيار الأخلاقي؛ ما ذلك إلاّ بسبب انهيار قاعدة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة:٦٧).
وإنّ إصرار بَعض أبناء المُسلمين ممَّن تَربّوْا على مَوائد الثقافة والأخلاق الغَرْبية، لِلعمل على انتشار المُنْكر وحبّ الفاحشة من خلال الفَنّ الساقط والأدب المَاجِن عَبر وسائل الإعلام، لأمْر يُنذر بالعَذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النور:١٩).
ولقد حذّر القرآن الكريم المؤمنين من اتّباع خُطوات الشيطان، لأنها تؤدِّي إلى الأمْر بالفَحشاء والمُنْكر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور:٢١).
سابعاً: القيام بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر مِن مُكفِّرات الذنوب والخطايا؛ فعَن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((فِتنة الرّجُل
стр. 77
في أهله وماله ونَفسه وولده وجاره، يُكفِّرها الصيامُ والصلاة والصّدقة، والأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر))، رواه الشيخان.
والأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر ليس قاصراً على الرّجَال فحسب، بل إنّ النساء يَشتركن في الأمر به، ويُكلّفنَّ به كما يُكلّف الرّجال. ويكون ذلك بالتَّناصُح فيما بينهنَّ، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:٧١، ٧٢).
ممّا سبق، تتّضح أهميّة الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر، وأنّ السياق القرآني والأحاديث النبوية يَذْكُرانه ضِمن أركان الإسلام وقَواعد الدِّين.
صِلة الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر بالدّعوة إلى الله
إنّ العلاقة بين الدّعوة إلى الله، والأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر علاقةٌ وثيقةٌ، وإنّ الارتباط بينهما ارتباط قَويّ؛ فكلاهما وجهان لشيء واحد، هو: الإسلام.
فالدّعوة إلى الله هي: حثُّ الناس على الدُّخول في دين الإسلام طَوْعاً، والإيمان بشرائعه، وتَطبيقها اعتقاداً وقولاً وعملاً ظاهراً وباطناً.
ولقد شَرع الإسلام الوسائل والأساليب التي تُحقِّق هَدف الدّعوة إلى الله، وهي: ثُبوت العُبوديّة الخَالِصة للخَالِق ، وتَحقيق كمال الطاعَة لله ولرسوله، والعَمل على تَوثيق العَلاقات الإنسانية بين بني البَشَر.
стр. 78
فمفهوم الدّعوة إلى الله مفهومٌ شامل واسعٌ يقوم على أمريْن:
الأوّل: الإخبار عن ذات الله وصِفاته وكلّ ما يتعلّق بتَوحِيده، والإخبار عن رُسل الله من خِلال قَصص القرآن الكريم، وذِكْر أحوال البَعث والحَشر والنُّشور، ممّا يُطلِق عليه عُلماء البلاغة: "الجُملة الخَبرية" التي تُفيد حُصول الشيء أو عَدم حصوله.
وكلّ ما أخبر الله ورسوله عنه، فهو يَقينيّ وصادق، ولا يَتعلّق به الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر.
الأمْر الثاني: "الإنشاء" الذي يُعبّر عَنه بـ"الجُملة الطَّلبية" التي تَتضمّن الأمْر والنَّهي؛ وهذا هو مَيدان الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر.
فـ"المَعْروف" في الاصطلاح الإسلامي يُطْلَق على كلّ ما أمَر الشارع بفِعْله إلزامَاً أو تَرغِيباً. فهو: كلّ ما يُستَحسَن فِعْله في الإسلام. ويَدخل فيما هو مُستحسنٌ في الإسلام: كلّ ما هو حَسنٌ في العُقول السَّليمة الصَّحيحة الرَّشيدة، والفِطَر النَّقية.
وأمّا "المُنْكر" في الاصطلاح الإسلامي فهو يُطلق على: كلّ ما نَهى الشارع عن فِعْله نَهياً إلزامياً تَحريمياً. فهو: كل مُستقبَح في الإسلام. ويَدخل فيما هو مُستقبحٌ في الإسلام: ما هو قَبيح في العُقول السَّليمة الصَّحيحة الرَّشيدة.
فالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر هو من أعظم وسائل الدّعوة إلى الله، وبدونه تَتجمّد الدّعوة وتَنسحِب من ميادين الحَياة، كما حَدث للأديان الأخرى. وهو صمام أمْن المُجتمعات الإسلامية، وبتعْطيله والتَّقاعُس عَنه يَضمحلّ الدِّين ويَضعف في قلوب العباد، وتعمّ الفتنُ، وتموت الفضائل وتنتشر الرذائل، ويستشري الفساد في الأرض. ولأهمِّيّة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر وعُمق
стр. 79
ارتباطه وصِلته بالدعوة إلى الله، وضّع القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة الأسُس والقَواعد التي تُنظِّم القيام به. وقام علماء الأمّة -سَلفُها وخَلفُها- بتقنين هذا العمل العَظيم، وضَبطه فيما يُعْرف بـ"نِظام الحِسْبة في الإسلام"، وهي كما عرّفها الماوردي: "أمرٌ بالمَعْروف إذا ظَهر تَرْكُه، ونهيٌ عن منكر إذا ظَهر فِعْله".
والمحتسِب هو: الشخص المعيّن من قِبل الحاكِم للأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر. ويُخوَّل له سُلطَة إيقاع العُقوبة على العُصاة. وقد عدّد الإمام أبو حامد الغزالي دَرجات العُقوبة وتَدرّجَها، وذلك بالوَعظ والنُّصح، ثم بالتَّعنيف، ثم التّغيير باليد، ثم بالتَّهديد بالضَّرب وتَحقّقه، ثم الاستظهار بالأعوان والجُنود.
والحِسبة نِظام عُرِف منذ فَجر الإسلام؛ فلقد تَولاّها الرسول ﷺ بنفسه، حيث كانت دعوته ﷺ تَتضمّن الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر قَولاً وعَملاً.
((ولقد ولّى الرسول ﷺ سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية على سوق المدينة)). وولّى عمر بن الخطاب ﵁ السائب بن يزيد مع عبد الله بن عقبة بن مسعود على سوق المدينة.
ولقد تَطوّر أداء الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر من خِلال نظام الحِسبة، ليَشمل جَميع مظاهر الحياة الدِّينية والدُّنيوية. وتَتولاه الآن هيئة الأمْر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر.
ولارتباط الدّعوة إلى الله بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤).
فحمّل الله هذه الأمّة واجبَ الدّعوة إلى الخَير، نَظراً لأنّ الدِّين قد اشتَمل على الخير الذي تُدْركه العُقول السَّليمة، وتَشعر به النُّفوس والوجدانات التي لم تَفسد
стр. 80
فِطَرها التي فَطرها الله عليها. وحمّلها أيضاً واجب الأمْر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر داخل جماعات المسلمين، الذين عَرفوا أوامر الدِّين وعَرفوا حُسنها.
وإنّ خَيريّة هذه الأمّة وعلوّ مَنزلتها وشَرف مكانتها، لم تُحقَّق إلاّ من خِلال القيام بواجب الدّعوة إلى الله للإنسانية جَمعاء، وبسبب الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠).
وممّا يُؤكد هذا الارتباط بين الدّعوة إلى الله والأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، ويُوثِّقه: ما روي عن ثَوبان ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا تَزال طائفة مِن أمّتي ظاهِريِن على الحقّ لا يَضُرّهم مَن خَذلَهم، حتى يأتيَ أمْرُ الله وهم كذلك))، رواه مسلم.
وروى الشيخان عن معاوية ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((لا تزال طائفة من أمّتي قائمةً بأمْر الله، لا يضُرّهم مَن خَذَلهم ولا مَن خَالَفَهم، حتى يأتيّ أمْرُ الله وهم ظاهرون على النّاس)).
ممّا سبق، يَتَّضح عُمقُ الصِّلة والعَلاقة بين الدّعوة إلى الله والأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، وأنّ الارتباط بينهما مِن أعظم أسباب قُوّة الإسلام في القُلوب، واستقراره في العُقول، وتَطبيق شَرائعه وحُدوده في دنيا المسلمين وواقع حياتهم.
هذا، وبالله التوفيق, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 81
الدرس: ٥ تحديد المعنيين بخطاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأسباب المعصية, وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
стр. 82
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(تحديد المعنيين بخطاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأسباب المعصية, وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
١ - تَحديد المَعْنِيِّين بخِطاب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، وبيان أسباب المعاصي
تَحديد المَعْنِيِّين بخِطاب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر. أـ تحديد الظالمين لأنفسهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
لقد خَلق الله البشَر مُختلِفين في العُقول، متعاوِنين في الإيمان، متمايِزين في السلوك. وقد قسّم في أوّل سورة (البقرة) الناس إلى ثلاثة أقسام: مُؤمن، وكافر، ومُنافق. وتَوجّهت الدّعوة لكلّ منهم بخِطاب معيّن وأسلوب في الإقناع مُميّز. ثم تَنوَّع المؤمنون إلى ثلاثة أنواع جاءت في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر:٣٢).
يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى: ثم جَعلنا القائمين بالكتاب العَظيم، المُصدِّق لما بين يَديْه من الكُتب، الذين اصطفينا من عِبادنا، وهم هذه الأمّة. ثم قسّمناها إلى ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو: المُفرّط في فِعل بعض الواجبات، المُرتَكب لبعض المُحرّمات. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو: المُؤدّي للواجبات، التَّارك للمُحرّمات. ومنهم ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو: الفاعل للواجبات والمُستحبَّات، التّارِك للمُحرّمات والمَكروهات وبعض المُباحات".
فعَن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... ﴾ الآية. فأما الذين سَبقوا فأولئك الذين يَدخلون الجنة بغَير حِساب. وأما الذين اقتَصدوا فأولئك الذين يُحاسَبون حِساباً يَسيراً. وأمّا الذين ظَلموا أنفسهم، فأولئك الذين يُحبسون في طول المَحشر، ثم تلافاهم الله برحمته. فهم الذي يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ
стр. 83
فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (فاطر:٣٤، ٣٥)))، مسند الإمام أحمد.
ويَتنوّع الخِطاب الدَّعويّ لكلّ جماعة من هذه الجماعات الثلاث، بأسلوب مُميّز ونَسق خاصّ من الإقناع.
فالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر يتوجّه في الجانب الرئيسي إلى بعض المؤمنين الذين ظَلموا أنفسهم بارتكابِهم المَعاصي، وتَفريطِهم في أداء العِبادات، وتَقصيرهم عن القِيام بالطاعات، وتهاونهم في أمر الإسلام. وهؤلاء يُمثّلون غَالبية المُسلمين، ولا سيما في هذا العَصر، الذي يَخنق أقطار العالَم الإسلامي ويَكتُم أنفاسه، ويكاد أن يُزهق روحه بسبب العدوان الشَّرس، والتآمر المُستمر على ثَوابت الأمّة الإسلامية وهويّتها.
وهذا الجانب الأكبر من المُسلمين هم الذين يَنبغي أن يَهتمّ بهم الدُّعاة إلى الله، لأنهم مَرضى المَعاصي، ويَحتاجون لحِكمة في القول، ولِين في المَوعظة، لإيقاظ ينابيع الخَير في القُلوب، واستمالة العُقول. ويَنبغي أن يَسبق مواجهتَهم بالأمر بالمَعْروف والنَّهي عن المُنْكر دِراسةُ القضايا التالية:
أ- تَحديد الظالمين لأنفسهم، وهم: العُصاة المُفرِّطون، والمُسيئون لأنفسهم بارتكاب المَعاصي والذنوب، والفُسّاق من المسلمين. فالعُصاة مهما فرّطوا في جَنب الله، ما يَزالون مُسلمين طالما لمْ تَصل مَعصيتُهم إلى كَبيرة الشِّرك والكُفر بالله، ولم يَرتكبوا كفراً بواحاً. وهؤلاء يَختلف خِطابُهم عن غَيرهم من المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (غافر:٥٨).
стр. 84
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص:٢٨).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الانفطار:١٣ - ١٥).
فقد حَدّد القرآن الكريم سِمات العاصين والطائعين، وبَيَّن معالِم كلّ منهم وجزاءهم.
وإن إبراز سلوك العُصاة وإفراز أعمالهم يُسهِّل مُهمة الدّعاة إلى الله، ويَجعل الخِطاب الدَّعوي مُوجَّهاً إلى كل جماعة بما يُناسبها من أسلوب، وبما يُؤثِّر فيها من مَوعِظة وتَذكير ووَعْد ووَعيد.
ب- تَحديد أسباب المَعصية
إن التَّشخيص السَّليم والفَحص الدَّقيق للدَّاء يُعين على تَحديد الدَّواء وتَحقيق الشِّفاء -بإذن الله-، وكذلك حينما يَعْرف الداعية أسباب المَعاصي ودوافعها، ويَقف على شَخصيّة العُصاة وأثر المَعصية على صاحبها وعلى المجتمع، فإنّ الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر يُؤتي ثِماره ويُحقِّق القَصد منه. وإن أسباب انحراف السُّلوك وارتكاب الفَواحش والآثام، يَرجع للأسباب التالية:
١ - ضَعف الإيمان بالله:
إن قُوّة الإيمان ونَقاء العَقيدة والتزام الطاعة هي خَير وقاية من المعاصي، وأعظم حافِظٍ للسلوك من الانحراف. فكلّما قَوِيَ الإيمان وازدادت الخَشية والخَوف من الله، تولّدت في الإنسان مَلكة المُراقبة والمُحاسبة، فإذا ما تَعثَّر ووَقع في المَعصية، بادر بالتَّوبة والرُّجوع إلى الله.
стр. 85
قال تعالى في صِفات المُتّقين: ﴿والّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران:١٣٥، ١٣٦).
أمّا ضَعْف الإيمان، فهو يُجرِّئ على ارتكاب المَعصية، ويُشجِّع على الانحراف؛ فعَن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال ﷺ : ((لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مُؤمن، ولا يَشرب الخَمر حين يَشربها وهو مُؤمن، ولا يَسرق حين يَسرق وهو مُؤمن، ولا يَنتهب نهبةً يَرفع الناس فيها أبصارهم حين يَنْتَهبها وهو مُؤمن))، متفق عليه.
ومذْهب أهل السُّنّة والجماعة: أنّ الإيمان يَزيد ويَقوى بالطاعة، ويَنقُص ويَضعُف بالمَعصية، ويُستَدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال:٢).
ثم أعقب هذه الآية بيان بعْض العِبادات البَدنية والمَالية التي تُساهِم في زيادة الإيمان، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال:٣، ٤).
وممّا يَدلّ أيضاًَ على قُوّة الإيمان وزيادته بالطَّاعة، وضَعْفه ونُقصانه بالمَعصية: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة:١٢٤).
فضَعْف الإيمان أَحَد الأسباب الرئيسة في ارتكاب المعاصي.
стр. 86
٢ - الغَفلة عن ذِكر الله، وعن يوم الحِساب:
إنّ الغَفلة عن ذِكر الله وعن يوم الحِساب وأهواله، يُولِّد تَبلُّداً في القَلب وصَدأً في النُّفوس وصُدوداً عن الطَّاعة، وإقبالاً على المَعصية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ (الكهف:٥٧).
وإنّ من أسباب الغَفلة والنِّسيان: الإقبال على الدنيا بكلّ المَشاعِر والعَواطِف، والانغماس في أنواع الشَّهوات والمَلذَّات، والإعراض عن الآخرة؛ فلا يُفكّر الإنسان فيها إلاّ عَرضاً، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام:٤٤).
ولهذا حذَّر القُرآن الكريم من نِسيان الله وإغفال ذِكْره، لِما يَعقُب ذلك من نِسيان النَّفس وضياعها. وما انتشار الأمراض النَّفسية، وظُهور أعراض التَّوتّر العَصبيّ والقَلق القَلبيْ، وعَدم الاستقرار الاجتماعيّ، رَغم التَّقدم العِلْمي والتَّرف الدُّنيوي، إلاّ بسبب نِسيان الأمم والشُّعوب للخَالق سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر:١٨ - ٢٠).
ولهذا كان ذِكْر الله عاصِماً للإنسان من المَعاصي، وصوناً له من الوقوع في حبائل الشيطان، قال تعالى مُبيِّناً صِفات المؤمنين ذوي العُقول السليمة والفِطْرة النَّقية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ... ﴾ (آل عمران:١٩١) الآية.
стр. 87
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:٢٠١).
ولقد كان إرسال الرُّسل، وإنزال الكُتب، ووجود الدُّعاة إلى الله في كلّ زمان ومكان تذكيراً بالله واستِمراراً لصِلة العِباد به، لِتُفتح أبواب الطاعة وتُغلَق منافذ المَعصية.
٣ - الجَهل بالدين وعَدم العِلم بأحكام الشرع:
إن الجَهل بالدِّين وأحكامه وعَدم الوقوف على ما أمَر الله به وبما نَهى عنه، من أسباب الوقوع في المعاصي؛ فالجَهل ضِدّ العِلْم، وهو أحد أسباب انحراف الأمم عبر مَسيرة التاريخ البشري. وقد بيّن القرآن الكريم أنّ من أسباب انحراف قَوم لوط ونُزوعِهم لارتكاب فاحِشة إتيان الذُّكران، وعدم الوقوف على الأضرار الناجِمة عن ذلك هو: الجَهل، قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (النمل:٥٥).
وحينما أعلن بنو إسرائيل لموسى عن رَغبتهم في اتخاذ آلهة كغَيرهم من الشعوب الأخرى، وصَفهم ﵇ بالجَهل، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف:١٣٨).
ولهذا أُطْلِقَ لفظ "الجاهِلية" على الأمم التي انحرفت عقائدها، وساءت أعمالها، سواءٌ كان هذا في التاريخ القديم أو المعاصر.
وقد أنكر القرآن الكريم على مَن يَعترض على حُكم الله وإقامة الحُدود الشرعية، بأنه جاهل، يُمثِّل الجاهِلية الوَثنيّة الكَافِرة، وإن اختَلفت صُوَرها وأساليبها في كلّ زَمان ومَكان، ومهما تدثَّرت بدِثار الحَضارة، أو تَقنّعت بقِناع التَّقدّم؛ قال
стр. 88
تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران:١٥٤)، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:٥٠).
وإنّ من رحمة الله بعِباده: أنه لا يُؤاخِذ العَبد على جَهله إذا ما عَلِم بعد ذلك، وتاب لله واستغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء:١٧).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام:٥٤).
٤ - اتّباع الهَوى:
"الهوى" في اللغة هو: "مَيْل النَّفس وانحرافها عن الشيء، ثم استُعمل في المَيل المَذموم، فيُقال: "اتّبع هواه"، و"هو من أهل الأهواء".
وإنّ اتّباع الهَوى أحد الأبواب الواسعة التي يَلِجها الإنسان لارتكاب المعاصي، وهو سبب رئيسي لانعدام العَدل في المُجتمع، وانتشار الفَساد في الأمّة، حيث تَسوء الأخلاق، ويَنحرف السُّلوك، وتَخْتَل المَوازين بالجَري خَلف الشَّهوات والمَلذّات، دون احترام للدِّين، أو مراعاة للعُرف، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص:٥٠).
وقد بيّن القرآن الكريم خُطورة اتباع الهَوى، وآثاره السَّيئة على الإنسان، بسبب اقترافه الفَواحش والمُنْكرات التي يَحمِلها عليه هواه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ
стр. 89
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:٢٣).
ولقد نهى القرآن الكريم عن اتّباع الهوى في الحُكم بين المُتخاصمِين، لِما يَنتج عن ذلك من ضَياع للحقوق، وتَبرئة الظالِم وإدانة المظلوم، قال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (النساء:١٣٥).
وقال تعالى لداود ﵇: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص:٢٦).
وقد حذَّر القرآن الكريم من مُصادقة الغافِلين عن ذِكْر الله، والتّابعين للأهواء، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (الكهف:٢٨).
وبيّن القرآن الكريم الفَرق الشاسِع بين مَن يَضع مَنهج الله نصْب عَينيْه ويَجْعله وِجْهته وقِبلته، وبيْن مَن يَسير في الحَياة وفْقَ أهوائه وشَهواته، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (محمد:١٤).
واتّباع الأهواء يَحجُب موالاة الله ونُصرته، قال تعالى لرسوله ﷺ ، والأمّة يَشملها النَّهي إلى يوم القيامة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:١٤٥).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ (الرعد:٣٧).
قال ﷺ : ((لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يَكونَ هواه تَبَعاً لِما جِئتُ به)).
стр. 90
وقال ﵊: ((الكَيِّس مَن دان نَفسه وعَمِل لِما بعد المَوت، والعاجِز مَن أتْبع نَفسَه هَواها وتَمنّى على الله الأمانيّ))، رواه الترمذي وابن ماجة.
وعن أبي بَرزة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنّما أخشى عَليكم شَهواتِ الغَيّ في بُطونِكم وفُروجِكم، ومُضِلاّتِ الهوى))، رواه أحمد، والبزار، والطبراني.
فمِن خِلال تلك النُّصوص من الكِتاب والسُّنّة، يتَّضح أن اتِّباع الهوى هو أحد أسباب ارتكاب المَعاصي.
٥ - النَّفس الأمّارة بالسُّوء:
قسّم القرآن الكريم النَّفس الإنسانية إلى ثلاثة أقسام:
١ - النَّفس المُطمئنّة، وهي: التي استقرّ الإيمان في أعماقِها، فاطمأنت إلى جَنب الله، واعتمدت عليه، واتّجهت إليه بكلّ مشاعِرها وعواطِفها؛ فكان أجْرها كبيراً، وثوابها عظيماً، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر:٢٧ - ٣٠).
٢ - النَّفس اللّوّامة، وهي: النَّفس التي يتصارع في داخلها نوازِع الخَير ودوافع الشّر، ولكنها ذات ضَمير حيٍّ وقلبٍ يقِظ، ما تَكاد تَقْترف سيئةً إلاّ ويستيقظ فيها الخَوفُ من الله والنّدم على ما اقترفتْه، واللّوم والتَّقريع على ما ارتكبتْه، فتُبادر بالتَّوبة إلى الله والاستغفار من الذنب.
هذه النَّفس يُقْسم الله بها تَقديراً لمجاهدتها، ويَمسح عنها تلك الجِراح الدَّامية، والآلام المُبرحة الناتِجة عن مَعركتها مع الشّهوات. ويَجعل القَسَم بها عَقِب القَسَم بيوم القِيامة، للاشتراك في تَدافع الخَلْق وتَزاحمهم يوم الفزع الأكبر،
стр. 91
وتَدافع النفس ومُغالبتها للسيئات ولوم ذاتها عمّا فَعلت، قال تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة:٢).
٣ - النَّفس الأمّارة بالسوء، وهي: النَّفس التي تَمكّن الشَّيطان مِنها، وغَلبتْها الشَّهوات على أمْرها، فوجَّهت حواسّ الإنسان وعَقله ومشاعِره نحو اقتراف السيئات، فأتمَرت بها وأطاعتها وانساقت إلى ما تُريد. هذه النفس الأمّارة بالسوء هي وراء الكَثير من كبائر الذنوب وصغائِرها، خِلال تاريخ البَّشرية. وقد ساق القُرآن الكريم بعضاً منها؛ ومن ذلك ما يلي:
١) كانت النفس الأمارة بالسوء وراء قَتل قَابيل لأخيه هَابيل، قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:٣٠).
٢) وهي السبب في إقدام إخْوة يوسف على التَّخلّص منه. وشَعر يَعقوب ﵇ بما سوَّلته لهم أنفسهم، وقد حكى القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف:١٨).
٣) وهي وراء مُراودة امرأة العزيز ليوسف ﵇، قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف:٢٣).
وقد كانت النَّفس الأمارة بالسوء هي الدَّافِع لامرأة العَزيز لاستدعاء نِسوة المَدينة ورُؤيتهنّ ليوسف ﵇، لحَمْلِهنّ على الاعتذار لها والإقرار لها بتلك المُراودة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف:٣٠).
ولقد كان إقرار النِّسوة وإعجابهنّ من فَرط جَمالِه دافعاً قَوياً لنفس امرأة العَزيز للإصرار على ما تُريد، قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف:٣٢).
стр. 92
وحينما تَبيَّنتْ عِفَّة يوسف ﵇، وصِدقه وطهارَته بعد رِحلة السِّجن، كان الإقرار والاعتراف والنَّدم من زَوجة العَزيز، وإعلانها أنّ هذا بسبب النَّفس الأمّارة بالسوء، قال تعالى على لسانِها: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف:٥٣).
ولقد كانت النفس الأمّارة بالسوء هي المُحرِّكة للسامريّ لفِتنة بني إسرائيل واتّخاذِهم العجل إلهاً، قال تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ (طه:٩٥، ٩٦).
وهي أيضاً وراء الاستكبار في الأرض، والظُّلم والعُتو والاستبداد والكُفر عَبر تاريخ البشرية، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ (الفرقان:٢١).
وهكذا تظل النّفس الأمّارة بالسوء هي الدافع لارتِكاب المَعاصي واقتراف السيئات؛ ولهذا كان حديث القرآن على النَّفس البَشرية حديثاً مُستفيضاً شَمل كلّ جَوانبها، والعَوامِل المؤثرة فيها، وسُبل إصلاحها وتقويمها، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:٧ - ١٠).
٢ - أركان الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر
تابع: أسباب المَعْصية
٦ - البِيئة الاجتماعية:
إنّ من سُنن الله في خَلْق الإنسان أنّ الطِّفل حينما يَستقبل الحَياة وتَنفَتِح عَيناه في الدنيا، يكون على الفِطْرة النَّقية، قَلبه أبيض كاللّبن، ونَفْسه صافية صفاء الماء العَذب، وصَدره الصَغير كتاب مَفتوح تُسطِّره الأسرة والمَدرسة والمُجتمع؛ فعَن
стр. 93
أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال ﷺ : ((ما مِن مَولود إلاّ يُولد على الفِطْرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانِه))، رواه البخاري.
فالرسول ﷺ يُبيِّن أثَر الأسرة والمُجتمع في صَلاح الأبناء أو انحراف سلوكهم؛ حيث تُوجد عوامل كَثيرة تَدفع الإنسان إلى المَيل للطَّاعة أو الجُنوح للمَعصية. فهناك دائرة الأسرة وما تقوم به من حُسن تَربية وكمال رِعاية وأدب، أو ما يَلقاه الطفل من الإهمال أو التَّدليل وعَدم المُراقبة والتَّوجيه. والمَدرسة ومنهجها في التَّعليم، أهو رسالة أم وَظيفة وتَلقين؟
ومَدى العلاقة بين الطالب والأستاذ؟
وهل المَدرسة تَعليم فقط، أم تَربية وتَعلِيم؟
ومَدى ارتباط المناهج بتقويم النفوس وتَهذيب السلوك. ثم يأتي بعد ذلك دور المُجتمع ذو الدائرة الأوسع، حيث تَشمل مُحيط الأصدقاء والجِيران، وتَتضمّن وسائل الإعلام، وأجهزة الدولة بسلطاتها التَّشريعية والقَضائية والتَّنفيذية.
كل هذه الأمور إن لم تُوضع لها الضَّوابط الشَّرعية التي تَصون الفَرد والجَماعة من عوامِل الانحراف والفَساد، فإنها تَكون مَدخلاً واسِعاً لارتكاب المعاصي والتَّشجيع عَليها.
وإنّ ما يُشاهده العالَم ويَسمعه من أنواع الفَن الهابِط، والأدب الماجِن، والإعلام المُبتَذَل، الذي يُروِّج للعُنف ويَحضّ على ارتكاب الفَواحِش، ويُغمِض عَينيْه عن آداب الإسلام، ويُصِمُّ أذنيْه عن توجيه الدعاة، لأَحدُ الأسباب الخَطيرة التي تَدفع لارتكاب المعاصي.
وقد بيَّن القرآن الكريم: أنّ انحراف الأبناء وفساد سُلوكهم وارتكابهم الفَواحش، بسبب رؤيتهم للآباء وهم يقترفونها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:٢٨).
стр. 94
ولقد كانت دعوات الأنبياء والمُرسلين عَبر التاريخ تصطدم دائماً بالمُعتقدات الفاسدة التي تتوارثها الأجيال، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الزُّخرُف:٢٣، ٢٤).
وكذلك لا يُجهَل مُحيط الصَّداقة، إنْ لمْ يُحسن الإنسان اختيار الأصدقاء؛ فالتَّشجِيع على المعاصي وارتكاب المُنْكرات، ذلك يكون بسبب سوء تَربية الأهل وضَعْف رقابة المُجتمع. ولقد حذَّر القرآن الكريم من عواقِب أصدقاء السوء، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان:٢٧ - ٢٩).
كما ساق القرآن الكريم مشاهِد وحوارات كَثيرة يوم القيامة لأصدقاء الإنسان من الإنس وقُرنائه من الجن، يتلاومون ويتقاتَلون ويتخاصَمون، ويَندمون على ما فرّطوا في جَنب الله بارتكابهم المعاصي، ودفْع بعضهم بعضاً لاقتراف السيئات. ومن ذلك:
١ - قول الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (الصافات:٥٠ - ٥٧).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (الزُّخرُف:٣٦ - ٣٨).
стр. 95
فـ"القَرين": المُقارِن، والجَمع: قُرناء. وهو: المُصاحِب، ويُطلق على الشَّيطان المَقرون بالإنسان لا يُفارقه.
قال تعالى: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزُّخرُف:٦٧).
و"الخِلُّ" و"الخُلّة": المُصادَقة والإخاء.
والخُِلُّ -بالكَسر والضَّم-: الصَّديق المُخلِص.
والخَليل: الصادق، أو مَنْ أصفى المَودّة وأصحّها.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء:١٢٥).
فالخُلّة أعلى دَرجات المَحبة وأرفعها.
وقد بيّن القرآن الكريم: أن يوم القيامة لا تَنفع فيه خُلّة الأصدقاء، ولا شفاعةُ الشفعاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة:٢٥٤).
قال تعالى مُصوِّراً ومُوضِّحاً مشاهِد يوم القيامة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس:٣٣ - ٣٧).
وهكذا يتّضح من خلال هذه الآيات الكريمة، مدى تأثير البِيئة الاجتماعية التي تَشمل دائرة الأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، وكلّ مظاهر الحياة في المجتمع، على سلوك الإنسان؛ وذلك بأخذه إلى الطَّاعة، أو دفْعه إلى المَعصية.
مما سَبق، تتبيَّن أسبابُ ارتكاب المَعاصي، ودوافِعُ اقتراف السيئات. ويَنبغي على مَن يتصدَّى للأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر أن يَكون على عِلْم وبَصيرة بهذه الأسباب والدَّوافِع، لِيضع لكل حالةٍ ما يناسبها من التوجيه السليم، والموعظة الحسنة، أو بإحدى وسائل تَغيير المُنْكر
стр. 96
والتي سوف نتناولها بين ثنايا هذه المحاضرات -إن شاء الله-.
شُروط الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر
لقد وضع الإسلام صِفات ومعالِم الشخص الذي يُناط به القِيام بواجِب الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر، ويَجب أن تَتوافر فيه الشُّروط التالية:
أولاً: أن يَكون القائِمُ بهذا الأمْر مُكلّفاً شَرعاً، والتَّكليف يَتحقق بالبُلوغ والعَقل؛ فغَير البالِغ لا يُسند إليه ولا يُطْلب منه، لأنه لم تَتوفّر فيه الأهلية الشرعية التي من خِلالها يكون مَسؤولاً وواعِياً لِما يأمر به أو يَنهى عنه. أما إذا قام المُميّز بهذا الأمر تَطوعاً، كبعض الحَفظة للقرآن الكريم، أو مِن طُلاّب العِلم الشرعي، فيُقبل منهم تَشجيعاً لهم وتَدريباً على ممارسته، على أن يتمّ ذلك تَحت المُراقبة والمُتابعة، وفي حُدود الوَعظ والإرشاد بالقول، دون مراتب التغيير الأخرى، لأنَّ المُميز ليس أهلاً لها ولا مُكلّفاً بها.
وكذلك العقْل، فالمَجنون والمَعتوه والأبله لا يُكلّفون بالأمر والنّهي، لقوله ﷺ : ((رُفِع القَلمُ عن ثلاثة: عن المَجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصَّبيِّ حتى يَحتلم))، رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي.
ثانياً: الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥).
ولأن الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر نُصرةٌ للدِّين وإقامَة لحُدوده، فكيف يقوم به ويَنصُره الكافر به والجاحد له.
стр. 97
ولذلك فإنّ ما دَرجت عليه بعضُ الدول الإسلامية من الاستعانة بغير المُسلمين في وضْع المناهج التَّعليمية والتَّربوية لأبنائها، حيث يعْمَدون فيها إلى تَهميش الدِّين وإضعافه في النفوس. وأوضح مثالٍ سيِّئ على ذلك: ما فَعله المِستر دنلوب القِسيس الإنجليزي الذي عيَّنه "كرومر" المندوب السامي لإنجلترا في مصر في مطلع القرن العشرين مستشاراً لوزارة المعارف المصرية، فعمل على تخريب التعليم الدِّينيّ وإضعاف اللغة العربية، وما زالت بصماتُه الخبيثة على التعليم باقية حتى الآن.
فمن غير المنطق والمعقول: أن يكون غير المسلم أميناً على دِين الأمّة المسلمة وثقافتها. وهل يُعقل أن يُؤتى بالذئب حارساً؟ أو أن يكون اللص أميناً؟
ثالثاً: العدالة، وهي: التوافق والتوازن بين القول والعمل؛ فليس لِفاقد العدالة أو ناقص المروءة أن يقوم بواجب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، ففاقد الشيء لا يُعطيه. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢، ٣).
فمَن ليس بصالح في نفسه، فكيف يُصلِح غيره؟
ومتى يستقيمُ الظلُّ والعودُ أعْوج؟
ولكون الإنسان غير معصوم، ولكي لا تضيق دائرة الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر، فقد يُقبل من الإنسان الذي قد يقترف بعضَ الصغائر والتي أطلق عليها
стр. 98
القرآن الكريم لفظ: ﴿اللَّمَم﴾ (النجم:٣٢) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم:٣٢)، فأمثال هؤلاء يُقبل منهم القيام بالأمر بالمَعْروف، لا سيما في الأشياء التي لا يرتكبونها.
قال سعيد بن جبير: "إنْ لم يأمُر بالمَعْروف ولم يَنْهَ عن المُنْكر إلاّ مَن لا يكون فيه شيء، لم يَأْمُرْ أحدٌ بشيء".
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "إنّ الحسبة تارة تكون بالنّهي بالوعظ، وتارة بالقهْر، ولا ينجع وعظُ من لا يتّعظ أولاً. ونحن نقول: مَن عَلِم أنّ قولَه لا يُقبل في الحسبة لِعلْم الناس بفِسْقه، فليس عليه الحسبة بالوعظ، إذ لا فائدة في وعْظه؛ فالفسْق يؤثِّر في إسقاط فائدة كلامه، ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام. أمّا إذا كان الحسبة بالمنع، فالمراد منه القهر، فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور وكسْر الملاهي وغيرها، إذا قدر على ذلك".
وما ذكَره الغزالي ينطبق على مَن كُلِّفوا من قِبل وليِّ الأمر بإزالة المُنْكرات الشرعية والمخالفات القانونية، بحكم وظائفهم فقط؛ فهم يقومون بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر كعمل وظيفيّ، لا كرسالة تعبّديّة، ويأخذون لها راتباً مالياً نظير قيامهم بما كُلِّفوا به من الدولة، غير أنهم سيُحاسَبون أمام الله على تقصيرهم في عدم الالتزام السلوكي، كمن يحث الناس ويأمُرهم بالصلاة وقد يتكاسل عنها، أو كمن كُلِّف بجمع الزكاة وهو لا يدفع زكاة مالِه.
فهؤلاء وأمثالهم يُقبل منهم ما يقومون به من أعمال، بحسب الوظيفة لا بحسب رسالة الدّعوة إلى الإسلام، وطلب الثواب والأجر من الله .
стр. 99
رابعاً: العلْم والبصيرة بحقيقة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر؛ فإنّ من القواعد والأركان التي يقوم عليها الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر: أن يكون القائمُ به عالِماً بالحُكم الشّرعي للمأمور به أو المنهيّ عنه، وهل هو للوجوب، أم للنّدب، أم للتحريم، أو للكراهة، أو التخيير؟
هذا بجانب الوقوف على الأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنة التي تعضد الحُكم وتوضِّحه.
فإنّ مَن يأمر وينهى من غير علمٍ يكون ضررُه أكبر من نفعه، لأنه قد يأمر بما ليس مشروعاً، وينهى عمّا كان مشروعاً. فقد يُحِلُّ حراماً أو يحرّم حلالاً وهو لا يدري؛ ولذلك كان تأكيد الإسلام على طلب العلْم والتّفقّه في الدِّين أمراً معلوماً من الدِّين بالضرورة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:١٢٢).
وقال ﷺ : ((مَن يُردِ اللهُ به خيْراً يُفقِّهْهُ في الدِّين)).
وقال تعالى لرسوله ﷺ ، وأمَره أن يُخبر الأمّة بذلك، وأن تلتزم بها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨).
فالبصيرة تقوم على اليقين والبرهان العقليّ والشرعيّ.
стр. 100
وإن نزل بعض الدعاة ميدان الأمْر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر دون علْم يتحصّنون به وفِقْه بأوامر الشرع ونواهيه، قد يوقعهم في الضلال وينتج عن ذلك ظهور الفتن بين المسلمين، حيث تتضارب الفتوى، وتتنازع الآراء، وتتباين الأفعال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام:١١٩).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص:٥٠).
قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "من عمِلَ في غير علمٍ، كان ما يُفسده أكثر ممّا يُصلحه".
يقول ابن تيمية ﵀: "ولا يكون العمل صالحاً إن لم يكن بعلْمٍ وفقه".
خامساً: أن يكون الداعي رفيقاً في أمْره ونهْيه، حليماً على مَن يخاطبهم؛ فإن اللّوم والتعنيف والتقريع يُخيف الناس منه ويَصرفهم عنه، قال تعالى مادحاً رسوله ﷺ لاتّصافه بالسماحة ولين الجانب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران:١٥٩).
وقد أمَر الرسول ﷺ بالرّفق في كلّ الأمور، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ الرِّفقَ لا يكون في شيء إلاّ زانه، ولا كان العنف في شيء إلاّ شانَه))، أخرجه مسلم.
وقال ﷺ : ((إنّ الله رفيقٌ يُحبّ الرِّفقَ في الأمْر كلِّه، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العنف))، رواه البخاري.
стр. 101
وممّا يجب أن يتّصف به الآمر بالمَعْروف والناهي عن المُنْكر: أن يكون حليماً واسع الصدر، يعِظ في لطف، ويناقش في هدوء، ويتجادل بأدب، وفْق ما أمَر الله به في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:١٢٥).
ومع الرِّفق والحِلم، فإنه ينبغي لِمن يأمر بالمَعْروف ويَنهى عن المُنْكر أن يتحلّى بالصبر، لأن النفوس المريضة تضيق بالموعظة، وتنفر من الانصياع للأمر والنّهي. وقد ينزل الأذى بالداعي ويلحق به الضرر، ولا سيما حينما يواجِه الجبابرة من العصاة والطغاة؛ ولهذا أمر الله الرسُل -وهم أئمةُ الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر- بالصبر، فقال تعالى على لسان لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (لقمان:١٧)، وخاطب الحق ﵎ الرسول ﷺ ، وأمَره بالصبر، كشأن أولي العزم من الرّسُل، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف:٣٥).
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:١٢٧، ١٢٨).
قال بعض أئمة السلف: "لا يأمر بالمَعْروف وينهى عن المُنْكر إلاّ من كان فقيهاً فيما يأمُر به، فقيهاً فيما يَنهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه".
وقال سفيان الثوري: "لا يأمر بالمَعْروف ولا ينهى عن المُنْكر إلاّ مَن كان فيه خصال ثلاث: رفيقٌ بما يأمر رفيقٌ بما يَنهَى، عدلٌ بما يأمر عدلٌ بما ينهى، عالِمٌ بما يأمر عالِم بما ينهى".
стр. 102
سادساً: أن يكون مأذوناً من جهة وليّ الأمْر، أو مِن قِبَلِ مَن يقوم على أمْر الدّعوة وتنظيمها؛ إذ إنّ أساليب الدعوة إلى الله تنقسم إلى قسميْن:
القسم الأول:
يطالَب به المسلمون جميعاً، ويُؤجَرون على فعْله ويأثمون على ترْكه، وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الجميع. وهو أحد المهام الرئيسة لضبط سلوك المسلم، ولبقاء الإسلام حياً في الضمائر، يقظاً في الأفئدة.
هذا القسم يشمل: التناصح بين المسلمين، والتّواصي فيما بينهم؛ قال تعالى: ﴿والْعصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:١ - ٣)، وقال ﷺ : ((الدِّينُ النّصيحة)) قلنا لِمَن؟ قال: ((لله، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه المسلم.
فالنصيحة أمر يشترك فيه المسلمون جميعاً، يتنافسون عليه ويتسابقون إليه، ولا سيما فيما عُلِم من الدِّين بالضرورة ولا يحتاج النصح فيه إلى بذل جُهد أو إعمال فكْر وقدْح ذهن.
وهذا هو المراد من قول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). فالتعبير بلفظ المضارع: ﴿تَأْمُرُونَ﴾، و ﴿تَنْهَوْن﴾، و ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ الذي يفيد الحال والاستقبال، هذا دليل على استمرارية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى يوم القيامة.
стр. 103
وهذا الأمر المشترك هو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١).
هذ التذكرة بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تتمّ حينما يجِد المذكِّر آذاناً صاغية، وقبولاً للموعظة، واستحساناً للتوجيه، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ (الأعلى:٩ - ١٢).
أما إذا وجد المذكِّر تبرّماً وضيقاً، وصدوداً وإعراضاً، وقد يلحق به أذىً من جراء موعظته، فلْيمنعْ عن إبداء النصح، ولينسحب في هدوء؛ فكثيرٌ من الناس يتأفّفون من النصيحة ويضيقون ذرعاً بالتذكرة. وقد اشتكى نوح ﵇ من ذلك الصنف من الناس، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ (نوح:٥ - ٩).
هذا النوع من الدعوة إلى الله، الذي يشمل الأمّة كلها، والأمّة مطالَبة به، لا يحتاج لإذنٍ من أحد، ولا يتوقّف على تصريح من هيئة أو جهة طالما وجَد الشخصُ في نفسه الكفاءة العلْمية، والقدرة على الإقناع، والشجاعة في إبداء الرأي، وتيقّن أنّ توجيهه وإرشاده لن يجرَّ عليه من العواقب السّيِّئة ما يفوق ما ترتّب على نصيحته من مصلحة. وعلى من يقوم بهذا الأمر: أن لا يتعاطى في مقابل دعْوته أجراً مادياً أو يطلب مكانة أدبية، فهو متطوِّع لوجْه الله تعالى،
стр. 104
انطلاقاً من أمْر الله لعباده جميعاً: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢).
فعن أبي مسعود عُقْبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن دلّ على خيرٍ، فَلَه مثلُ أجْر فاعِله)).
وقال ﷺ لأحد أصحابه: ((لأنْ يهدي الله بك رجُلاً أحبُّ إليك من حُمْر النّعَم)).
هذا الصنف من الدّعاة لا يجب عليهم تتبّع عورات الآخَرين لزجْرهم، ولا التفتيش ولا التنقيب ولا التّحرِّي عمّن تستّر بالمعصية لنهيهم. وليس لهم حقّ المنْع باليد إلاّ لِمَن تحت إمْرتهم، كالزوجة والأبناء والخدم. أمّا غير ذلك فليس عليهم إلاّ إبداءُ النصح، والتّذكرة بعظم الذنب، وبيان مآثر الطاعة وعواقب المعصية. قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:٢١، ٢٢).
وسورة (الغاشية) التي جاءت فيها هذه الآية، مِن السوَر المكية التي أمرت الرسول ﷺ بالتّذكرة فحسب، إذ إنه ﷺ خلال دعوته بمكة لم يكن يَملك سوى سلاح الكلمة فقط. أمّا حينما انتقلت الدعوة إلى المدينة، وتأسّست الدولة الإسلامية، وبرزت عوامل التمكين والقوّة لرسول الله ﷺ ، اتجهت الدعوة إلى وسائل التغيير باليد. وسوف نسوق أمثلة لذلك بين ثنايا هذه المحاضرات -إن شاء الله-.
القسم الثاني:
أن يكون الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر من مهامّ الدولة في الإسلام، تُكلَّف به وجوباً شرعياً، وتعمل على وضْع القوانين واللوائح التي تُنظِّم القيام به، وتُعيِّن الدعاة الأكفاء من العلماء والفقهاء، لأداء هذا الواجب
стр. 105
الدِّيني، وتمنحهم من الصلاحيات والإمكانات ما يُعنيهم على إزالة المُنْكرات، وهو ما يُعرف في الإسلام باسم: "الحِسبة".
فـ"المُحتسِب" هو: الشخص المعيَّن من قِبل وليّ الأمر، للأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر. ويُعْطى من القوّة والتّمكين ما يساعده على ردْع العصاة وزجْرهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج:٤١).
والحِسبة كما عرّفها الإمام الماوردي: "أمْر بالمَعْروف إذا ظهَر ترْكُه، ونهْي عن المُنْكر إذا ظهر فعْله".
وعرّفها الإمام الغزالي: "كلّ مُنكرٍ موجود في الحال، ظاهر للمُحتسِب بغير تجسّس، معلوم كونُه منكراً بغير اجتهاد".
ولقد ذكر صاحب "الإحياء" مهامّ عمَل المُحتسِب، وهو المُعيّن من قِبَل الدولة، قال: "للوعظ والنّصح، ثم بالتعنيف، ثم التغيير باليد، ثم التهديد بالضرب، وتحقيقه، ثم الاستظهار بالأعوان والجُند".
ولقد جاء في كتاب "الحسبة في الإسلام" للدكتور إسحاق الحسيني ما يُحدِّد ميادين عمَل المُحتسِب فيقول: "فعلى المُحتسِب أن يأمُر العامّة بالصلوات الخمْس في مواعيدها، ويعاقب من لم يُصلِّ بالضرب أو الحبس. أما القتل إلى غيره -أي: لا يُخوَّل للمحتسب إقامة الحدود-. ويتعاهد المُحتسب الأئمة والمؤذِّنين؛ فمَن فرّط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة، أو خرج عن الأذان المشروع، ألزمه بذلك. ويستعين فيما يعجز عنه بوالي الحرب -أي: بالشرطة- وبكلِّ مطاع يُعين على ذلك. والمُحتسِب يُفرض له أجرٌ لنظير عملِه من بيت المال".
стр. 106
ولقد توسّعت دائرة الحسبة في الإسلام، فلم تقتصر على العبادات فقط، بل اشتملت كلّ أوجه النشاط الاجتماعي. وقام المحتسِب بإذنٍ وتكليف من وليّ الأمر بمراقبة الأسواق، ومنْع الغشّ في المعاملات، والتلاعب في الموازين والأسعار، ومنع الاحتكار. ولقد كان نظام المُحتسِب وجهاً حضارياً عبر تاريخ الإسلام، وقد شرُف بمباشرة الرسول ﷺ له.
فقد مرّ ﷺ بالسوق على صُبرة طعام، فوضع ﷺ يده في الإناء، فأصابت يدُه بلَلاً، فقال: ((ما هذا، يا صاحب الطعام؟)). فقال الرجل: لقد أصابته السماء -أي: نزل عليه المطر-. فقال ﷺ ((هلاّ وضَعْتَه في أعلى كي يراه الناس؟ مَن غشّنا فليس منا)).
الفرْق بين المُتطوِّع والمُحتسِب في الدّعوة إلى الله:
لقد وضع الفقهاء فروقاً بين المُتطوِّع في الدّعوة إلى الله والمُحتسِب المُعيَّن مِن قِبَل ولِيِّ الأمر، ومن هذه الفروق ما يلي:
١ - الدّعوة إلى الله فرْض عيْن على المُحتسِب، وفرْض كفاية على غيره.
٢ - إن قيام المحتسِب به من حقوق تصرّفه لا يجوز أن يتشاغل عنها -أي: بعمل آخَر يَصرفه عن عمله الأصلي وهو: الدعوة-. وقيام المتطوِّع به من نوافل عملِه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه لغيره -أي: لا يَصرفه التّطوّع بالدعوة إلى الله عن عمله الأصلي الذي يسترزق منه ويعيش على موارده-.
стр. 107
٣ - إن المُحتسِب منصوب للاستعداء فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوباً للاستعداء. ومعنى ذلك: أنّ المُحتسِب يستعدي بالشرطة، ويطلب عونها في إزالة المُنْكر، أمّا المتطوِّع فلا يُخوّل له الاستنجاد أو استدعاء القوّة لمؤازرته. إنه يكتفي بالكلمة فحسب.
٤ - على المحتسِب أن يبحث عن المُنْكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عمّا تُرك من المَعْروف الظاهر ليأمر بإقامته. وليس على غيره من المتطوِّعة بحث ولا فحص ولا تنقيب.
٥ - للمحتسب أن يُعزِّر في المُنْكرات الظاهرة لا يتجاوز الحدود، وليس للمتطوِّع أن يُعزِّر على منكر.
٦ - للمحتسب أن يرتزق على حِسبته من بيت المال، ولا يجوز للمُتطوِّع أن يرتزق على إنكار المُنْكر.
أما الشرط السابع فهو موضوع المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
٣ - أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: معرفة أنواع البشَر
تابع: شروط الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
سابعاً: أنْ يكون الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر قادراً على القيام بواجب الأمْر والنّهي:
والقدرة تشمل أمريْن:
الأول: القدرة العلْمية من حيث سَوْق الأدلّة وإقامة البراهين، وأن يتميّز بالفصاحة والبلاغة وسلامة اللّغة وحُسن البيان؛ ولهذا نجد موسى ﵇ لمّا كانت في لسانه لَكنة تحُول بينه وبين القيام بأمْر فرعون ونهْيه، دعا الله تعالى أن يَحُلّ لسانه ويرسل معه هارون ﵇ لفصاحته، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه:٢٥ - ٣٢).
стр. 108
فالخوف وعدم الفصاحة قد يكون حائلاً دون القيام بواجب الدعوة؛ وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قصة موسى مع فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (القصص:٣٣ - ٣٥).
ولقد كان ﷺ يبايع أصحابه على أن يصْدعوا بكلمة الحق، ولا يخشون إلاّ الله.
فعن عبادة بن الصامت، قال: ((بايعْنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة ... -إلى أن قال:- وعلى أن نقول الحقّ أينما كنّا، لا نخشى في الله لومة لائم))، متفق عليه.
الأمر الثاني: القدرة البدنية المقترنة بقوّة الشخصية التي تُمكِّنه من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "العاجز ليس عليه حسبةٌ إلاّ بقلْبه، إذ إنّ كلّ من أحب الله يكره معاصيه ويُنكرها".
وذكر أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسِّي، بل يلتحق به ما يُخاف عليه مكروهاً يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا لم يَخَفْ مكروهاً، ولكن علِم أنّ إنكاره لا ينفع، فلْيلْتفت إلى معنييْن:
أحدهما: عدم إفادة الإنكار امتناعاً -أي: لعجزه-.
والآخَر: خوف مكروه.
стр. 109
ويحصل من اعتبار المعنييْن أربعة أحوال:
إحداها: أن يجتمع المعنيان: بأن يعلم أنه لا ينفع كلامُه، ويُضربُ إن تكلّم؛ فلا تجب عليه الحِسبة، بل قد يَحْرُمُ في بعض المواضع. نعم، يلزمه أن لا يحضر مواضع المُنكر، ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد، ولا يخرج إلاّ لحاجة مهمّة أو واجب.
الحالة الثانية: أن ينتفي المعنيان جميعاً: بأن يعلم أنّ المنكر يزول بقوله وفعْله، ولا يقدَّر له مكروه؛ فيجب عليه الإنكار، وهذه هي القدرة المُطلقة.
الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره، لكنه لا يخاف مكروهاً؛ فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، ولكن تُستحبّ لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمْر الدِّين.
الحالة الرابعة: عكس ذلك، وهو: أن يعلم أنه يُصاب بمكروه، ولكن يَبطل المُنكرُ بفعله، كمن يَقدِر على أن يرمي زجاجة الفاسق بحجَر فيكسرها ويريق الخمر، ويتعطّل عليه هذا المنكر. ولكن يعلم أنه يرجع إليه، فيضرب رأسه.
فهذا ليس بواجب وليس بحرام، بل هو مُستحب، ويدل عليه قولُ الرسول ﷺ عندما سئل عن أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقّ عند سلطان جائر))، رواه النسائي بإسناد صحيح.
فإن غلب الظّنّ على مُنْكِر أنه يُؤذَى ويُصاب، لم يجب الإنكار. وإن غلب على الظّنّ أنه لا يصاب، وجب الإنكار. وتوقّع المكروه بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلف من شخص لآخَر، بحسب الضعف والقوة، والجبن والشجاعة.
стр. 110
لذلك ينبغي لمن يتصدّى للأمر أو النّهي أن يكون عاقلاً حصيفاً، يزنُ الأمور بميزان دقيق، فيدرس حالة مَن يريد أن يتصدّى له، فيعرف حالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، ويقف على الدوافع، والأسباب التي حملتْه على ارتكاب المنكرات وعدم الإقبال على الطاعات، ويبصر بعين ثاقبةٍ مدى تحمّل هذا الشخص للتوجيه، ومدى تقبّله للّوم أو التعنيف أو التغيير بالقوة، ويسأل الداعي نفسه: هل إذا تصدّى للمنكَر سيجد الأعوان والأنصار الذين يؤازرونه ويناصرونه، أم سيواجه الأمر وحده؟ كما يجب أن يكون ذا نظرة بعيدة، فيرى ويقدِّر: هل إذا أقدم على أمرٍ أو نهْي أحدث من العواقب السيئة ما هو أشدّ وقعاً من إزالة المُنكر، كحدوث فتنة أشد؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فحيث كانت مفسدة الأمْر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن ممّا أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجبٌ وفُعِلَ محرَّمٌ؛ إذ المؤمن عليه أن يتّقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم".
ولقد وضع الفقهاء قاعدة عظيمة في درء المفاسد وجلب المصالح، فقالوا: "درء المفسدة مقدَّم على جلْب المصلحة".
وقد فصّلها الإمام ابن القيم فقال:
"شَرَعَ النبي ﷺ إيجابَ إنكار المنكَر ليحصُل من إنكاره من المعروف ما يُحبّه الله ورسولُه. فإذا كان إنكارُ المُنكَر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغُ إنكارُه، وإن كان الله يبغضه ويمقتُ أهله. وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كلِّ شرٍّ وبليّة.
следующие страницы →