Полный текст (278 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فهذه الآية الكريمة أصْل عظيم من أصول الدّعوة إلى الله؛ فهي تدْعوه إلى الحِكمة في القول، واللِّين في الخطاب، وأدب المجادلة، وسعة الصدر، والإنصات إلى آراء الآخَرين من غير ذمّ وتقريع وتوبيخ، والتوجيه والإرشاد والتذكرة، مستعيناً بالله، وبأساليب خير الكلام من القرآن الكريم وهدْي الرسول ﷺ . ويتخلّله قصص الأمم البائدة، وأحوال الشعوب المعاصرة. يتنقّل به من موعظة إلى أخرى، ويسوق له الدليل تلو الدليل، يُرغِّب ويُبشِّر إذا كان يُجدي، ويُنذر ويُحذّر إذا كان ينفع. يصف الجنّة ونعيمها، والنار وأهوالها. ويكون لدى الدّاعي من روعة الحديث، وحسْن البيان، ودقّة التعبير، ما يحمل السامع على الاقتناع بالموعظة، والانتفاع بالتّذكرة.
ولقد كان الرسول ﷺ المَثَل الأعلى في استمالة النفوس والتأثير على القلوب، والوصول إلى المشاعر والعواطف، بحُسْن الحديث وأدب الموعظة.
وعلّم أصحابه كيف تكون الدّعوة إلى الله.
روى ابن الجوزي ﵀ قال: "مرّ أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنباً، فكانوا يسبّونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مُستخرجيه؟
قالوا: بلى، قال: فلا تسُبّوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم.
قالوا: أفلا تُبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي".
وعلى الدّاعية أن لا يُثقل بالموعظة، حتى لا يَسأم الناس مِن كلامه، ويَثقل عليهم حديثُه. وهذا من أدب الرسول ﷺ ، كما جاء في قول أصحابه: ((كان ﷺ يتخوّلنا بالموعظة، مخافة السآمة علينا)، -أي يُخفّف فيها-.
стр. 177
ولذا، فإن أكبر خطبة لرسول الله ﷺ هي: خطبته في حجة الوداع، لا تتجاوز عدّة دقائق، ولكنها خرجت من أطيب فم وأطهر لسان، وأحسن حديث وأروعه، فتشربها النفوس كما تروى من الظمإ، واستقرت في عقلها وقلبها تُردِّدها الأجيال ويرويها التاريخ.
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ (الأعلى:٩،١٠).
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ (غافر:١٣).
رابعاً: التآلف والسِّتْر
على الدّاعية أن يجذب إليه النفوس، بطلاقة الوجْه، وحُسْن المظهر، وجمال الخُلُق، وأن يكون في دعوته مِن دُعاة التآلف والوحدة: يتألّف الناس بالكلمة الطيبة، وبالعطاء إن أمكن ولو قليلاً. ولقد تألّف رسول الله ﷺ صناديد قريش وقُساتها؛ فحينما أشار عليه عمه العباس بن عبد المطلب أثناء فتح مكة، وقال له: "إن أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فأعْطه شيئاً". فقال ﷺ : ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن))، فتألّفه بهذا. وحينما أعطى المؤلَّفَة قلوبهم عقِب فتح مكة عطاءً سخياً، ممّا جعلَهم يخلعون كلّ صلة لهم بالكفر، ويصبحون حماةً للإسلام.
ومن صوَر التآلف التي نضعها أمام أعين الدارسين والدّعاة: ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((أعطى رسول الله ﷺ رهطاً، وسعد جالسٌ. فترك رسول الله ﷺ رجلاً هو أعجبهم إليّ، فقلت: يا رسول الله. ما لَك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أوْ مسلماً؟. ثم غلبني ما أعلم منه، فعُدتُ لمقالتي: فقلت: ما لك عن فلان؟
стр. 178
فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً. وظلّ يُردِّد ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : يا سعد. إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبّ إليّ منه، خشية أن يُكبَّه الله في النار))، متفق عليه.
وعن أنس ﵁، قال: ((كان الرّجُل يأتي النبي ﷺ ، فيُسلِم لشيء يُعطاه من الدنيا، فلا يُمسي حتى يكونَ الإسلام أحبّ إليه وأعزّ عليه من الدنيا وما فيها))، رواه الإمام أحمد في "مسنده".
وصوَر تآلف الرسول ﷺ لأصحابه تعطّر سيرته الحميدة.
أمّا السِّتْر:
فهذا خُلُق إسلامي رفيع، يصون الأعراض، ويحفظ المجتمعات، ويقطع ألْسنة الفتن، ويرأب صدع المجتمع، ويسدل على المعصية غطاءً، فلا تنكشف سوأتها، ولا تفوح رائحتها الخبيثة في المجتمع. وهناك فرق كبير بين السّتْر على الجريمة، وبذْل الوسائل لعدم اكتشافها، وتمكين مُرتكبيها من الفرار من وجه العدالة، وبين السِّتْر على هفوات البعض الذين يرتكبون الذّنْب لأوّل مرة، وقد يقعون في أخطاء لظروف أحيطت بهم أو فُرضت عليهم؛ فهذه أحوال تُترك لوجهة نظر الدّاعية حيث يُقدّر الظرف الذي ارتُكِب فيه الذّنب، ويرى أيهما أفضل: السِّتر أم الإعلان والتشهير؟
ولقد كان السِّتر أسلوباً من أساليب الرسول ﷺ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. والأمثلة كثيرة وعديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١ - ما روي عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال: ((كنتُ عند النبي ﷺ يوماً فجاءه رجل فقال: يا رسول الله. إني أصبتُ حداً فأقِمْه عليّ! قال: ولم يسأله عنه. قال: وحضرت الصلاة فصلّى مع النبي ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه
стр. 179
فقال: يا رسول الله. أصبتُ حداً فأقِمْ فيّ كتاب الله! قال ﷺ : أليس قد صلّيتَ معنا؟ قال: نعم. قال: فإنّ الله قد غفر لك ذنبك -أو قال:- حدّك))، متفق عليه.
ولقد أشار ﷺ على السّتر على ذوي المروءات هناتهم، فقال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثَراتهم، إلاّ الحدود))، رواه الإمام أحمد.
وللتّستّر ضوابط وأمور يجب أن تُراعى، ومن ذلك:
١ - أن يترجّح في الظّن إقلاعه عن المعصية بعد انكشاف أمْره والتستر عليه.
٢ - أن لا يترتّب على السّتر مفسدة شرعيّة.
٣ - أن لا يكون السّتر خشية مِن جاهه أو منصبه.
٤ - أن يكون كشْفه سبباً في فتن يبلغ ضررها أشدّ من فضْح أمْره.
٥ - أن لا يكون الأمر قد وصل إلى الحاكم، فإذا ما وصل فلا شفاعة ولا ستْر، لقوله ﷺ : ((تعافَوا الحدود فيما بينكم، فمن بلغني حدّه فقد وجب)).
خامساً: استثارة العواطف والمشاعر، وإيقاظ دوافع الحميّة والغيرة
كثير من الناس حينما يفعلون المنكَرات ينسوْن أنفسهم، ولو فعَل ما فعَله من منكر أحدُ أبنائه أو زوجتُه لغضب وثار، وربما أوقع الأذى بمن فعَل ما يرتكبه هو، لأن الغفلة والنسيان سبب من أسباب ارتكاب المعاصي، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر:١٩).
ولذلك، فإنّ من واجب الدّعاة أن يستثيروا المشاعر، ويستجيشوا العواطف، ويوقظوا دوافع الغيرة والحميّة والمروءة؛ فهذه أمور نظرية في الإنسان تحتاج إلى مَن يوقظها مِن غفْلتها ويحرّكها من سباتها العميق.
стр. 180
وتاريخ الدعوة الإسلامية يشهد بأن إثارة العواطف وبثّ الحماس والغيرة ينقل الإنسان من الضد إلى الضد؛ ومن ذلك: ما حدث في إسلام حمزة بن عبد المطلب. فقد كان على دين قومه، وفي عودته من رحلة الصيد، قالت امرأة له ما فعله أبو جهل بالرسول ﷺ ، فأخذتْه الغيرة والحماس، وذهب إلى أبي جهل وهو في وسط أكابر قريش، فضربه بالقوس فشجّه، وقال: أتسبّه وأنا على دينه؟ وكان هذا سبباً في إسلامه.
ومن ذلك: ما كان من عمر بن الخطاب ﵁ حينما أخذ سيفَه قاصداً قتْل الرسول ﷺ ، وقابَله رجُل وقال: إلى أين يا ابن الخطاب؟ قال: أقْتُل مَن عاب ديننا وسبّ آلهتنا. فقال: ارجعْ إلى أختك فاطمة وزوجها، فقد أسلما. فتحرّك الغضبُ في نفسه، وعاد إلى بيت أخته. وحدث ما حدث؛ وكان هذا سبباً في إسلامه.
ونلحظ أسلوب الاستثارة في القرآن الكريم؛ ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد:١٦).
وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء:١٤٧).
ولقد أقرّ ﷺ غيرة سعد ﵁ حينما قال: "والله لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيف غير مصفح". فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ((أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني. ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشِّرين والمنذرين. ولا أحدّ أحبّ إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعَد الله الجنة))، متفق عليه.
стр. 181
الدرس: ٩ تابع: أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
стр. 182
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(تابع: أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
١ - أساليب الأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر
سادساً: الحثّ على التوبة، وقبولها من المذنبين. سابعاً: الزّجر بالإغلاظ في القول، والضرب
سادساً: الحث على التوبة، وقبولها من المذنبين:
لقد أودع الله بين حنايا الإنسان الكثيرَ من الغرائز التي تُسيطر على سلوكه، وقد تدفعه إلى ارتكاب بعض الآثام، تحت ضغط غرائزه، وضعف تديُّنه، وكثرة الإغراءات مِن حوْله؛ قال ﷺ : ((كلّ بني آدم خطّاء، وخيرُ الخَطّائِين: التّوّابون))، رواه ابن ماجة وقال: "حديث حسَن".
ومن رحمة الله بعباده: أنه لم يترُكهم للذنوب تفترسهم، ولم يَدَعْهم لليأس والقنوط من رحمته، ولكن فتح لهم أبواب التوبة، ويسّر لهم سبُلَ الرجوع إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (الزُّمَر:٥٣ - ٥٧).
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة:٣٩).
وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ ترِدُ بكثرة عن التوبة وشروطها وقبولها عند الله. وإنّ ممّا ينبغي أن يسلكه الدّعاة في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: أن يستثمروا رحمة الله الواسعة، ويأخذوا بأيدي العصاة في رفْق، ويَمدّون لهم حبال التوبة، فيستمسكون بها ليخرجوا من مستنقع الرذيلة وهاوية
стр. 183
المعصية، ويفتحون لهم باب الأمل والرجاء في عفو الله. وحينما يُقلعون عن الذنب ويكفّون عن المعصية، يبيِّن لهم الدّعاة شروط التوبة، وهي:
١ - الإقلاع عن الذنْب.
٢ - النّدم القلبيّ.
٣ - العزم على عدم العَوْد.
٤ - ردّ المظالم والحقوق لأصحابها، سواء كان حقاً لله أمْ للبشَر.
ولقد ذكَر شيخ الإسلام ابن تيمية أموراً بجانب التوبة، يكفِّر الله بها الخطايا؛ ومنها:
١ - التوبة، باتّفاق جميع المسلمين.
٢ - الاستغفار.
٣ - الحسنات الماحية للذنوب.
٤ - دعاء المؤمن للمؤمن، كصلاة الجنازة.
٥ - ما يُعمل للميِّت من أعمال البِرّ.
٦ - شفاعة الرسول ﷺ .
٧ - المصائب التي تُكفَّر بها الخطايا في الدّنيا.
٨ - ما يحصل في القبر من الفتنة والضّغطة.
٩ - أهوال يوم القيامة وشدائدها.
١٠ - رحمة الله ومغفرته بلا سبب من العباد.
стр. 184
والاستتابة مطلوبة شرعاً في الكبائر التي تستوجب الحدّ، ولا سيما ممّن يُقدم على جريمة الرّدّة -والعياذ بالله-. فالواجب مناقشة المرتدّ في أسباب خروجه عن الدِّين، وإزالة ما لديْه من شبهات، ثم تترك له فرصة يراجع فيها نفسه؛ فإن تاب وإلاّ أقيم عليه الحدّ.
سابعاً: الزّجر بالإغلاظ في القول، أو الضّرب:
وقد تعرّضنا له بالتفصيل في أركان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكَر.
ثامناً: ردْع العصاة بإقامة الحدود الشرعيّة
لقد شرع الإسلام حدوداً لبعض الجرائم، كَـ:
١ - حدّ القتل العمْد.
٢ - حدّ الردة.
٣ - حدّ الحرابة وقطع الطريق.
٤ - حدّ الزنى.
٥ - حدّ القذف.
٦ - حدّ شرب الخمر.
٧ - حدّ القصاص في الأطراف.
والتعزير فيما ليس فيه حدٌ، أو ما دون الحد.
وكل هذه الحدود جاءت في القرآن والسُّنّة، وأجمعت عليها الأمة.
стр. 185
تاسعاً: تغيير البيئة
قد يرتكب الإنسان الذّنْب لظروف اجتماعية تُسهِّل له المُنكَر، أو بسبب قُرَناء السّوء الذين يعيشون معه، أو أن البيئة التي نشأ فيها تدفع إلى ارتكاب المُحرّمات. وعلاج أمثال هؤلاء يكون بانتشالهم من هذا الوسط الاجتماعي الموبوء، إلى وسط اجتماعي آخَر، تُصان فيه الحُرُمات ولا ترتكب فيه المنكرات.
وإنّ في حديث رسول الله ﷺ عن الرجل الذي قتَل تسعاً وتسعين نفْساً لَخَيْرُ دليل على وجوب تغيير البيئة.
ولقد شُرِع مع الحدّ: تغريبُ عامٍ، حتى ينسى الناس جريمتَه، ولا يظلّ أثرُها يُلاحقه؛ وهذا من عظمة الإسلام وسموّ تشريعاته التي تعالج الآثار النفسية للجريمة.
عاشراً: إيجاد البدائل
من الأساليب التي يُقضَى بها على المنكَرات: إيجاد البدائل:
فمثلاً: مواجهة الانحراف الجنسيّ للشباب يكون بتيسير أمور الزواج، وتقديم العوْن من الدولة وأغنياء الأمّة لتسهيله.
ولقد قصّ القرآن الكريم أنّ لوطاً ﵇ عرَض بناته على قومه للزواج منهن، بديلاً عن إتيان الذكور، قال تعالى عنه ﵇: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود:٧٨).
стр. 186
وفي تحريم الزنى وتوابعه، كان البديل هو تيسير الزواج، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (الإسراء:٣٢).
وفي المقابل لذلك، ذكَر النكاح وحث عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور:٣٢).
ولمّا حرّم الله الميتة والدم ولحم الخنزير، جعل البديل: الأكل من الطيبات.
هذه هي الأساليب والوسائل التي شرعها الإسلام لمحاربة المنكَرات والقضاء عليها، وتطهير المجتمع من رجْس المعصية ودوافع الانحراف.
ولن يتم هذا إلا بإعداد دُعاة يفهمون الإسلام فهماً عميقاً، وتتعاون معهم كافّة الأجهزة الإعلامية والسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في المجتمعات الإسلامية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو الوجه الحضاريّ للمسلمين في كلّ زمان ومكان.
هذا، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 187
الدرس: ١٠ الآثار السيئة الناتجة عن تقاعس المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقيقة الدعوة الإسلامية .
стр. 188
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(الآثار السيئة الناتجة عن تقاعس المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقيقة الدعوة الإسلامية)
١ - الآثار السيئة التي أدى إليها التخاذل عن تبليغ الإسلام ونشره
الآثار السيئة التي أدّى إليها التخاذل عن تبليغ الإسلام ونشْره
إن التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخاذل عن تبليغ الإسلام ونشْره، قد أدّى إلى آثار سيِّئة وعواقب وخيمة، على المسلمين وعلى العالَم بأسره.
ومن هذه العواقب ما يلي:
أولاً: حينما خفَتَ صوت الحق وأقلع المسلمون عن التناصح فيما بينهم، وآثر كلّ منهم الصمت وغضّ الطرف عمّا حوله من عوامل الفساد ومعالم الانحراف، وانزوى الإنسان داخل نفسه وانشغل بأموره عن أمور المسلمين وأحوالهم، استشرى الفساد، وعظُم الظّلم، وكثرت الفتن؛ قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:٤١).
ولقد بيّن القرآن الكريم: أنّ من أسباب استحقاق بني إسرائيل اللّعن والطّرد من رحمة الله، وإنزال العقاب بهم: أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ أوّل ما دخَل النّقصُ على بني إسرائيل: أنه كان الرجل يَلْقى الرجل فيقول: يا هذا، اتّقِ الله، ودَعْ ما تصنع؛ فإنه لا يحلّ لك! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وشريبَه وقعيدَه. فلما فعَلوا ذلك، ضرَب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩).
стр. 189
ثم قال: كلاّ والله! لتأمرُنّ بالمعروف، ولَتَنهوُنّ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يد الظالم، ولتأطرُنّه على الحق أطراً، ولتقصُرُنّه على الحق قصراً، أو ليضربَنّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلْعَنكم كما لعَنَهم))، رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن".
ثانيًا: إن التخاذل عن إبداء النصح، والتهاون في التّصدي لفواحش القول والعمل، جعل ساحة الدّعوة شاغرة، وقلوب العباد فارغة، ممّا جعل الشيطان وحزبَه يعيثون في الأرض فساداً، ويتلاعبون بالعقول والقلوب إضلالاً وانحرافاً. وتعدّدت ميادين أنشطة الشياطين في المجالات التالية:
أولاً: إفساد عقيدة التوحيد، وقد اتّخذ في سبيل ذلك صُوراً عِدّة، منها:
١ - الدعوة إلى إنكار وجود الخالِق .
٢ - الدعوة إلى عبادة مظاهر الطبيعة.
٣ - ادّعاء الألوهيّة، والتّكبّر والاستعلاء في الأرض.
٤ - اتّخاذ أنداد وشركاء من دون الله، يتوجّه الناس إليهم بالدعاء والاستغاثة.
ثانيًا: الإفساد بين بني الإنسان:
فكلّما تذكّر الشيطان أنه طُرد من الجنة وأُبعِد من رحمة الله بسبب خلْق آدم ﵇ وتكريم بني جنْسه واستخلافهم في الأرض، اشتعل وميض الحقد في قلبه، وتوهّجت نار العداوة في صدره، فيقدح زناد فكره الخبيث ومكره اللئيم، وصبّ جام غضبه على الإنسان، فأوغر الصدور، وفرّق القلوب، ومزّق الروابط. فأصبحت الكرة الأرضية ميداناً فسيحاً للصراعات، وساحةً تشتعل فيها الحروب
стр. 190
والفتن. وصمَتَ صوتُ العقل والحِكمة، وعلا زئير جند الباطل وحزبه؛ وما ذلك إلاّ بسبب تخلِّي المسلمين عن واجب الدّعوة إلى الله لإصلاح ذات بينهم وهداية غيرهم إلى الطريق المستقيم. قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٢٥٧).
ثالثًا: الإفساد المادي:
لقد جُبل الإنسان على حبّ المال وجمْعه قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (الفجر:١٩، ٢٠).
ومن خلال حبّ الإنسان للمال، فإن الشيطان يُزيِّن لابن آدم جمْعه بكافة الطُرق غير المشروعة، كالربا، والسرقة، والغصب، وأكل مال اليتيم، والاحتكار، والاستغلال، إلى غير ذلك من الوسائل المحرّمة. ولقد أصبح ميدان المال ميداناً فسيحاً للشيطان يعيث فيه فساداً. ولم يكن العالَم الإسلامي بمنأى عن هذا الفساد، فقد أصابته العدوى، وحلّ بدياره الأنظمة المالية والرّبوية ممّا هدد استقلالها. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٦٨).
رابعًا: الإفساد عن طريق المرأة:
لقد كان من آثار عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن استطاع الشيطان وحزبه من شياطين الإنس، الاستحواذ على قلْب المرأة وعقلها، فانحرفوا بأنوثتها، وأفسدوا فطْرتها وما جُبلت عليه من حياء؛ فزيّنوا لها التبرج والسفور،
стр. 191
والخروج عن آداب الإسلام، ولا سيما في هذا العصر الذي خرجت فيه المرأة إلى الحياة العامة تَعرض أنوثتها بطريقة فجّة ومُثيرة، يساعد على ذلك أجهزة الإعلام، وبخاصة القنوات الفضائية التي ينفث الشيطان في روعها إغواء المرأة وإخراجها من مملكتها، وهو منزلها وعالَم أسرتها. فأفقدوها حنان الأمومة، وحرموها من وجوب احترام الزوج لها؛ فاضطرب أمر الأسرة، وانفرط عِقدها. ودفعت الأرحام بأجيال فقدوا حنان الأم ورعاية الأب، فلم يحرزوا هدفاً ولم يحققوا نصراً، ولم يصونوا ديناً أو يَحموا عرضاً. وقد استغلّت بعض أجهزة الإعلام المرئيّة أنوثة المرأة أسوأ استغلال، فجعلوا منها ممثّلة متبرّجة تعرض جسدها باسم الفن والدعاية والإعلان.
هذا، ولقد اشتدّت الهجمة الشرسة على المرأة المسلمة في هذه الأيام، للقضاء على ما بقي من الإسلام في عقلها وقلبها؛ فالأسلحة كلّها مصوّبة نحو المرأة المسلمة، تتدرّع بكل وسائل الشيطان وحزبه من تقنيات حديثة تدعو إلى الانحراف وتزيِّن له. وقد خفَتَ صوت الدعاة إلى الفضيلة، بل كاد يختفي وسط صخَب وضجيج وسائل الإعلام الحديثة، إلاّ من بعض الأصوات الصادقة التي تنبعث من هنا أو من هناك، تذكّر بالإسلام وتدعو إلى الفضيلة، وتحذِّر من شياطين الإنس والجن. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور:٢١).
هذه بعض الآثار السيئة التي نجمت عن خفوت صوت الدّعاة إلى الله، وضعف أداء البعض منهم، والارتجال في ميادين العمل الدّعوي، وعدم التخطيط السليم
стр. 192
للدّعوة، وعدم الإعداد الجيّد للدّعاة، وافتقار الكثير منهم للوقوف على أصول الدعوة إلى الله وأساليبها، وخلوّ ذهن الكثيرين من الدّعاة عن: فقه الأولويّات في ميدان الدّعوة، وتنظيم العمل الدعوي، والتنسيق بين العاملين في حقل الدّعوة إلى الله.
ممّا سنوضحه بين ثنايا هذه المحاضرات -إن شاء الله-.
هل الدّعوة إلى الله رسالة أم وظيفة ؟
الدّعوة إلى الله رسالة هذه الأمّة التي اصطفاها من بين الأمم، لحمْل أمانة الدّعوة ونيل شرف التبليغ. والقائمون على شؤونها هم أصحاب رسالة سامية، ورُسُل دعْوة نبيلة، قبل أن يكونوا موظّفين يتعاطَوْن على هذا أجراً ويتقاضَوْن راتباً.
وإنّ في رسُل الله وأنبيائه ﵈ لَقُدوةٌ حسَنة وأسوةٌ طيِّبة، فما كانوا يريدون بدَعْوتهم إلى الله من البشر أجراً ولا يبتغون من ورائها جاهاً.
وقد تحدّث القرآن عنهم، فقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ (هود:٢٩).
وعن هود ﵇، يقول الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (هود:٥١).
وقد استشعر أتباع المرسلين أنهم لا يتعاطَوْن من أتباعهم مالاً، وأنهم جرّدوا دعوتهم من متاع الدنيا، فدعَوْا الآخَرين للإيمان بهم. قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (يس:٢٠، ٢١).
وأمَر الله رسوله ﷺ : أن يُعلن على أهل مكة بهذا الأمر، قال تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى:٢٣).
стр. 193
ولقد ذكَر القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة: أنّ الأنبياء والمرسلين كانوا ذوي حِرَف وأعمال يتكسّبون بها ويعيشون على مواردها؛ فداود ﵇ كان حداداً، قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ (سبأ:١٠).
ونوح ﵇ كان نجاراً، قال تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود:٣٧).
وروى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ((كان زكريّا نجّاراً)).
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((ما بَعث الله نبياً إلاَّ ورعَى الغنَم))، قال الصحابة: وأنت؟ فقال ﷺ : ((نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة))، رواه البخاري.
وعلى هذا الدّرب سار سلَف هذه الأمّة وخلَفُها من العلماء والدّعاة، لا يطلبون أجراً ولا يستَجْدون ولا يتكسّبون بالدّعوة إلى الله.
يقول الحسن البصري: "لا يزال الرجُل كريماً على الناس حتى يطمع في دينارهم ودرهمهم، فإذا فعَل ذلك استخفّوا به وكرهوا حديثه".
هذا، وقد اختلف الفقهاء على حُكم تعاطي الأجْر على عمل الطاعات، وقد انقسموا إلى فريقيْن:
الأوّل: يرى عدم جواز أخْذ الأجر، بل يُحرِّم ذلك، واستدلّوا بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة:١٥٩).
قال الفخر الرازي في "تفسيره": "احتجّوا بهذه الآية على: أنه لا يجوز أخْذ الأجر على التعليم، لأن الآية لمّا دلت على وجوب التعليم فكان أخذ الأجر أخذاً على أداء الواجب، وأنه غير جائز".
стр. 194
وذهب الأحناف إلى هذا الرأي أيضاً فقالوا: "إن الإجارة على الطاعات لا تجوز، ويحرم اتّخاذ الأجر"، واستدلوا بقول الرسول ﷺ : ((اقرؤوا القرآن، ولا تأكلوا به)).
وبقوله ﷺ لِعمرو بن العاص: ((وإنِ اتُّخذْت مُؤذِّناً، فلا تأخُذْ على الأذان أجراً)).
وقال الحنابلة: "لا تصحّ الإجارة لأذان وإمامة، وتعليم وفقه وحديث، ولا يقع إلاّ قُربة لفاعله، ويحرُم أخذُ الأجْر عليه". وجوّزوا أخذ رزق من بيت المال أو مِن وقْف على عمل يتعدّى نفعُهُ، كقضاء وتعليم، وليس بعِوض، بل رزق للإعانة على الطاعة، ولا يُخرجه عن كونه قُربة، ولا يقدح في الإخلاص.
الفريق الثاني: يرى جواز أخْذ هذا الأجر؛ وهذا ما ذهب إليه: المالكيّة، والشافعية، وابن حزم.
قال ابن حزم: "والإجارة جائزة على تعليم القرآن، وعلى تعليم العلْم مشاهرة وجملة. ويستدلون على ذلك بقول الرسول ﷺ : ((إنّ أحقّ ما أخذْتُم عليه أجراً هو: كتاب الله)) "، رواه البخاري.
وقد جاء في "فتح الباري" ما يعضد هذا الرأي.
هذا، ومع قوّة الأدلة الشرعية من القرآن والسُّنّة وأفعال الصحابة، التي لا تجيز أخْذ عوضٍ مادي عن عمل الطاعات، ومنه الدّعوة إلى الله، إلاّ أنه يُرجَّح الرأي القائل بجواز أخْذ الأجر، ولا سيما في هذا العصر الذي نضَب فيه مَعين الخير، وشحّت الأنفس، واستشرى البخل والتقتير على الدعوة والدعاة، وتكاد علوم الشرع تندثر والدّعاة ينقرضون، مع الأخذ بفتوى من يجيز أخْذ الأجر؛ فكيف لو أخذنا بفتوى من لا يُجيز أخْذ الأجْر؟
стр. 195
وعلى الدّعاة إلى الله: أن يُخلصوا النّية، وأن يجعلوا ما يَحصلون عليه من راتب هو وسيلة لتحقيق العيش الكريم، وعوناً على حُسن القيام بالدّعوة إلى الله وليس غاية في حدّ ذاته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فُصِّلَت:٣٣).
٢ - القاسم المشترَك بين الرّسل والأنبياء جميعاً
القاسم المشترَك بين الأنبياء جميعاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
فقد تناولنا في المحاضرة السابقة: الآثار السيِّئة التي نجمت عن تقاعس المسلمين عن واجب تبليغ الدّعوة إلى الله.
ولقد أثَرْنا بين ثنايا المحاضرة سُؤالاً حول: هل الدعوة إلى الله وظيفة أم رسالة؟ وذكرنا آراء العلماء في حُكم تعاطي الأجْر في مقابل الدّعوة إلى الله، ثم ذكرنا طرفاً من خصائص دعوة الإسلام، وأنها وثيقة الصلة بجميع الرسالات السابقة، وسُقنا الأدلة من القرآن والسُّنة على ذلك. واليوم نتناول في هذه المحاضرة: الأمور التي يشترك فيها الأنبياء جميعاً؛ ومن هذه الأمور ما يلي:
أولاً: نظرية تلقِّيهم عن الله واحدة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (النساء:١٦٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى:٥١).
ثانياً: المُوحَى به واحد في أصوله؛ قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى:١٣).
ثالثاً: أنّ مُسمَّى دينهم واحد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩).
стр. 196
رابعاً: أسلوبهم في الدّعوة إلى الله واحد؛ قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (النساء:١٦٥).
خامساً: الغاية التي بُعثوا بها جميعاً واحدة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل:٣٦).
سادساً: دلائل صِدْقهم وأمارات نبوّتهم واحدة، رغم اختلاف الزمان والمكان؛ فهي تتجمّع في الأمور التالية:
أ- مكارم الأخلاق التي اتّصف بها جميع الأنبياء والمرسلين قبل البعثة وبعدها واحدة، ممّا يُقيم الأدلة والبراهين على أهليّتهم لشرف النبوة والرسالة.
ب- جميعهم -عليهم الصلاة والسلام- أيّدهم الله بالمعجزات، تصديقاً لهم، وتحدِّياً لأعدائهم، كما أنّ نزول الكتب والصّحف والألواح قاسم مشترك بين الأنبياء جميعاً.
ج- أنّ كلّ ما جاؤوا به من تشريعات تتلاءم مع الفطرة السليمة، ولا تتعارض مع غرائز الإنسان السّويّة.
د- مقاومة المعارضين لهم، شأن مشترَك بينهم جميعاً.
هـ- إجماع الأنبياء على الإعراض عن الدنيا والزهد فيها، وعدم تعاطي أجْر على دعْوتهم، وصبرهم على الأذى.
كلّ هذه العوامل مجتمعة، تدل على اتّفاق المنهج، ووحدة الهدف لجميع الأنبياء والمرسلين ﵈.
стр. 197
الفرْق بين معجزات الإسلام والمعجزات الأخرى
"المعجزة": أمْر خارق للعادة، يُظهره الله على يد النبي والرسول، تأييداً له وتحدِّياً للمعانِدين.
ومعجزات الأنبياء السابقين معجزات حسِّيّة، ترتبط بمكان وزمان الرسول والمرسَل إليهم؛ فإذا مات النبيّ أو الرسول انقطعت معجزتُه، ومن ثّم لم يعد هناك دليل قائم على نبوّته واستمرار رسالته. فمعجزة موسى ﵇ كانت العصا، يلقي بها على الأرض فتنقلب حيّة تسعى، ويضرب بها البحر فيصبح طريقاً يبساً، ويهوي بها على الحجر فتتفجّر منه اثنتا عشرة عيناً. وبانقضاء حياة موسى ﵇، انتهت معجزتُه، ولم يصبح في يد اليهود دليل على نبوّة موسى ﵇. حتى بقايا التوراة، تناولتها يد اليهود بالتغيير والتحريف، ولم تَعُدْ بصورتها الحالية دليلاً على صِدْق نبوّة موسى ﵇.
وكذلك الشأن في معجزات عيسى ﵇، كالنّفخ في الطِّين على هيئة الطير فيصبح طيراً بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار بما يدّخره الناس في بيوتهم؛ وهي كلّها معجزات موقوتة بمكان وزمان عيسى ﵇. وعقِب رفْعه رُفعت معه معجزاته، ولم يَعُد لدى النصارى دليلٌ قائمٌ على نبوّة عيسى ﵇ واستمرار رسالته. وما بين أيديهم من الأناجيل لا تمُتّ -باعتراف المحقِّقين والمدقِّقين من علماء التاريخ والأديان- بصِلَة إلى وحْي السماء المُنزَل على عيسى ﵇.
وكذلك الحال في جميع معجزات الأنبياء والمرسلين السابقين. فلولا إخبار القرآن عنهم، وذكْر نبوّاتهم ورسالاتهم، ووجوب الإيمان بهم، لما كنّا نعرف عنهم
стр. 198
شيئاً، ولسنا مطالَبين بالتصديق بوجودهم، إذ ليس مع أتباعهم ما يُفيد ذلك سوى أخبار يَنقصها التوثيق العلْمي وصحة السّند وصدْق الخبر.
أمّا الإسلام العظيم، فقد تفرّد بمعجزة خالدة باقية محفوظة، حتى يرِثَ الله الأرض ومَن عليها، لا ترتبط بمكان مُحدّد ولا زمان مُعيّن؛ إنه القرآن الكريم. "كتاب الله المُنزَل على رسوله ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلاً متواتراً بلا شبهة". وقيل في تعريفه:
"كتاب الله المُنزَل على سول الله ﷺ ، المتعبَّد بتلاوته، المُعجِز ببلاغته، المتحدَّى به الإنس والجنّ".
ولاستمرار خلودِه، وبقائه وصوْنه ممّا نزل بالكتب السابقة، فقد توافرت أمور عدّة وضمانات كثيرة لم تتوافر لغيره، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: تعهّد الله بحفْظه، فلم يَلحقْ به ما لحق بالكتب الأخرى، قال تعالى: ﴿اِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحِجر:٩).
ثانياً: تيسير الله سُبُل حفْظه، وإعانته على بقائه في صدور الحفَظة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر:١٧).
ثالثاً: أمَر الله باستمرار تلاوته، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزَّمل:٤).
رابعاً: إعانة الله على جمْعه وقراءته وتسهيل طُرق بيانه. قال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة:١٦ - ١٩).
خامساً: مضاعفة أجْر وثواب من يقرؤه، وكذلك من يستمِع إليه؛ وقد وردت في ذلك كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية.
стр. 199
فمِن القرآن: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:٢٩، ٣٠).
وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (مريم:٥٨).
ومن السُّنة النّبويّة ما يلي:
١ - عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن قرأ حرْفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشْر أمثالها؛ لا أقول: ﴿الم﴾ حرفٌ، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
٢ - عن أبي أمامة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه))، رواه مسلم.
٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ وارتَقِ، ورتِّلْ كما كنتَ ترتِّل في الدنيا؛ فإنّ مَنزلَتك عند آخِر آية تقرؤها))، رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن".
سادساً: حفِظ الله ﵎ اللغة العربية، فلم يَنزِل بها ما نزل باللّغات الأخرى، حتى لا يُستعجَم القرآن الكريم. هذا، وإنّ من المحاولات الخبيثة: محاولات البعض تغيير قواعد اللغة العربية، أو استبدالها بالعامّيّة، أو إحلال اللّغات الأخرى محلّها.
سابعاً: ارتباط القرآن الكريم بحياة البشَر، وتنظيمه الدّقيق والمعجِز لجوانب العقيدة والشريعة والأخلاق والعبادات التي تشمل الناس جميعاً. هذا، بجانب
стр. 200
حديثه عن الأمم السابقة حديث صدق وحق، وإخباره عمّا يعتري البشريّة من أحوال إلى قيام الساعة.
ثامناً: تعدّد أوجه الإعجاز في القرآن الكريم؛ فبجانب الإعجاز البلاغي هناك الإعجاز العلْمي، والتاريخي، والتشريعي، إلى غير ذلك من وجوه الإعجاز المتعدِّدة ...
تاسعاً: اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم منذ أن تلقّاه الرسول ﷺ وكان يأمر كُتّاب الوحي بكتابته؛ هذا، بجانب حفْظه في الصدور. ثم التعاون على جمْعه في خلافة أبي بكر الصديق، ثم في خلافة عثمان بن عفان. وعقب تاريخ المسلمين، كان القرآن الكريم ولا يزال له الصدارة في الاهتمام؛ فبرز الخط العربي، وأبدع الخطّاطون في كتابته، كما وُضعت قواعد النحو لِصوْن قراءته. وظهر علْم التجويد والقراءات والتفسير. وتبارت الأمّة حُكّاماً ومحكومين، على حفْظ كتاب الله وصوْنه ورعايته؛ وهذه خصوصية انفرد بها القرآن الكريم عن باقي الكتب السماوية، وتميّز بها المسلمون عن سائر أمم الأرض.
عاشراً: ومِن خصائص الدعوة: حفْظ سيرة الرسول ﷺ وأقواله وأفعاله:
شهد تاريخ البشرية أنبياء ورسلاً كثيرين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر:٢٤).
ولقد انتهت رسالتهم، واندثرت آثارُهم، وطُويت كتبُهم، وجهِل الناس سيرتَهم وأحوالهم، ولم يعُدْ يُعرف عنهم شيء إلاّ من خلال ما جاء في القرآن الكريم عن دعْوتهم لأمَمِهم. وإنّ من خصائص الإسلام: ما تفرّد به رسول الله ﷺ عن سائر الأنبياء وجميع المرسلين، مِن عِصمته في حياته رغم كثرة محاولات قتْله، لأن الله قد تكفّل بذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
стр. 201
وقد شملت العصمة حفْظ الله لِسيرته، وصوْن أقواله وأفعاله ﷺ ، حيث قيّض الله بهذا الحفظ الرّواة العدول الثّقات من آل بيته وزوجاته أمّهات المؤمنين وصحابته -رضوان الله عليهم أجمعين-، الذين روَوْا تفاصيل حياته ﷺ ، وحدّثوا الأمّة حديث صِدق عن أقواله وأفعاله وعظمة أخلاقه. وتناقلها الرواة العدول الثقات جيلاً بعد جيل، في تسلسل فريد، وتوثيق مُحكم، ومحافظة على السّند والمتن، بصورة لم ولن تشهد لها البشرية مثيلاً. وقد كان بعض صحابة رسول الله ﷺ يدوِّنون ما يسمعونه منه ﷺ ، كعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وأنس خادم الرسول ﷺ .
ولقد بدأ التدوين الرسميّ للسُّنّة في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، حيث كتب إلى الآفاق: "انظروا حديث رسول الله ﷺ ، فاجمعوه! ". وكتب لأهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله ﷺ ، فاكتبوه! فإني خِفتُ دروس العلْم وذهاب أهله".
ولقد نشط العلماء وتعالت هممهم في الجمع والتدوين، ووُضعت قواعد علْم مصطلح الحديث، وتعددت المصنفات التي جمعت أحاديث الرسول ﷺ . وكان من أتقنها: "صحيح البخاري ومسلم"، ثم كتب المسانيد الأخرى. وقد تم تصنيف السّنة وتبويبها وتنقيحها من الدخيل والموضوع والضعيف، بصورة فريدة وبطريقة انفرد بها الإسلام عن غيره من الأديان الأخرى.
وبجانب التوثيق بالرواية والكتابة والحفظ، فإنّ ممّا انفرد به ﷺ ، وتميّز به عن غيره من الأنبياء والمرسلين: أنّ مواطن الدعوة في مكة والمدينة، وأماكن أحداثها وآثارها، شاهد عدلٍ ودليل صدْق على التواجد المستمرّ والبقاء الخالد للإسلام.
ففي كل عام، يتوافد ملايين الحجاج والمعتمرين لِيشاهدوا أماكن الدّعوة ومواطنها.
стр. 202
فغار حراء ما زال قائماً مرتفعاً تطلّ قمّته على مكة كلّها، يسترجع المسلمون عند رؤيته مشهد جبريل وهو ينزل على رسول الله ﷺ بالوحي.
وغار ثور في الناحية الجنوبية من مكة، حيث مشاهد وأحداث الهجرة.
هذا، وممّا اختُصّ به ﷺ أنه هو النبي الوحيد من بين سائر الأنبياء، معروف موطنه في مكّة المكرمة، ومسجده وقبره الشريف في المدينة المنورة، يتوافد جموع المسلمين للصلاة بمسجده، والتسليم عليه في الروضة الشريفة، حيث يقفون أمام القبر الشريف يشهدون أنه ﷺ بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمة، وترَك أمّته على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
والرسول ﷺ ، دون كلّ الأنبياء والمرسلين، هو الذي يتردّد اسمه الشريف في الأذان خمس مرات في اليوم والليلة، هذا بجانب الصلاة عليه ﷺ من قِبل الله والملائكة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:٥٦).
كلّ هذه الأمور من دواعي الحفْظ، وأمارات الاستمرار، ممّا اختُص به ﷺ ، ليظلّ الإسلام من خلال القرآن الكريم وسيرة الرسول ﷺ حياً في وجدان الإنسانية، يقظاً في قلبها وعقلها، حتى إنّ بعض العلماء من غير المسلمين يهتمّون بسيرته، ويكتبون عنه، ويتناولون حياته بدافع ذاتيّ وشعور داخليّ؛ بل إن الأقطار والدّول التي تعادي الإسلام وتعلن الحرب على المسلمين، تقام فيها المساجد وترتفع فيها المآذن ويكثر الداخلون في الإسلام منهم عاماً بعد عام.
стр. 203
الدرس: ١١ من خصائص الدعوة الإسلامية .
стр. 204
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(من خصائص الدعوة الإسلامية)
١ - الآثار السيِّئة التي تلحق بالمسلمين من جرّاء التقاعس عن تبليغ الإٍسلام ونشْره
مِن خصائص الدّعوة الإسلامية (أ)
فقد تناولنا في المحاضرة السابقة: تعريف الدّعوة إلى الله، وبيّنّا مدى حاجة البشَر إليها، وأنه لا بديل عنها لسعادة الخلْق، ثم حُكْم تبليغ الدّعوة، ومتى تكون فرْض عيْن أو فرْض كفاية؟ وبعد أن وضّحنا الآثار السيئة التي تعود على المسلمين والعالَم بأسره، حينما تقاعسنا وتخاذلنا عن الدعوة إلى الإسلام، نستكمل هذه المحاضرة ببيان خصائص الدّعوة إلى الله التي ينفرد بها وحْي السماء ورسالات الأنبياء. والإسلام بهذه الخصائص يتقدّم مسيرة الحياة بفكر واضح، وعقيدة ثابتة، ومنهج متميِّز فريد، يرفض التقليد ويأبى التّبعية.
وإنّ اختيار مكّة المكرّمة مهداً ونشأةً وبعثةً لرسول الله ﷺ ، وهي كما وصفها إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (إبراهيم:٣٧).
فقد كانت مكة المكرمة بعيدة عن الحضارتيْن المؤثِّرتيْن في العالَم حينذاك، وهي: الحضارة الفارسية والرومانية، ممّا يوحي بخصوصيّتها واستقلالها، وعدم تأثّر الدعوة بما يدور في جوانب العالَم الأخرى. وهذه الخصوصية والاستقلالية اتّسمت بها الدّعوة إلى الإسلام، واتّصف بها المسلمون في كلّ زمان ومكان.
وهذا ممّا يُقلق الأعداء ويثير غيظهم وحقْدهم: أنّ المسلم ثابت المعالم، مميّز الشخصية، متفردٌ في عقيدته، وحيدٌ في سلوكه، لا نظير له في العبادة والأخلاق والمعاملة، يحتمي بدينه ويعتصم بمعتقداته، ويعتز بتاريخه، ويسابق الموت طلباً للشهادة دفاعاً عن إسلامه. ومن ثَم عمَد أعداء الإسلام للنّيل من هذه الخصائص الإسلامية، بالاستعمار العسكري أحياناً، وبالغزو الفكري أحياناً أخرى، وبعملائهم من بعض أبناء المسلمين الذين تربّوْا على موائد الاستشراق والتبشير والاحتلال.
وإنّنا إذْ نضَع بين أيدي الطّلاب والدّعاة خصائص الدعوة إلى الله، ليزداد إيمانهم بالإسلام، ويعظم حفظهم له ودفاعهم عنه. ولقد تحدّث القرآن الكريم عن
стр. 205
بعض هذه الخصائص في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:١٤٣).
وقد فسّرت سورة (الحج) هذه الخصائص في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير﴾ (الحج:٧٧، ٧٨).
فهل توجد أمّة من بين أمم الدنيا أو شعبٌ من شعوب الأرض، له خصائص الأمّة الإسلامية؟
ولقد أعلن الرسول ﷺ في وثيقة الموادعة بين المسلمين واليهود، بعد الهجرة إلى المدينة، عن خصائص أمّته الإسلامية حيث نصّت هذه الوثيقة على أنّ المسلمين أمّةٌ من دون الناس.
والمسلمون بهذه الخصوصية لا يستعلون على الآخَرين، ولا يستعبدون الشعوب، ولا يتميّزون على الأمم؛ وإنما هم بتلك الخصوصية يحملون على عاتقهم إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى أنوار الإيمان، وهم مسؤولون أمام الله -كأمّة دعوة- عن هداية العالَم. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠).
أما عن خصائص الدّعوة الإسلامية، فهي على النحو التالي:
أولاً: إنّ دعوة الإسلام وثيقة الصّلة بدعوات الأنبياء والمرسلين، من لدُن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ .
стр. 206
فـ"الإسلام" هو الاسم الذي اختاره الله ليكون عنواناً لجميع الرسالات. والمتتبِّع لقصص الأنبياء في القرآن الكريم، يجد أنّ الإسلام هو أساس كلّ رسالة، وجوهر كل شريعة، ومعالم كلّ ملّة يُرى ذلك واضحاً في الأدلّة القرآنية التالية:
أ- نوح ﵇ يُعلن أنه من المسلمين، ويُحذِّر قومه من عاقبة الإعراض عن دعوة الإسلام. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس:٧٢).
ب- إبراهيم ﵇ يُعلن في جلاء تام أنه مسلم، وتبِعه في الإسلام حفيده يعقوب حينما حضرتْه الوفاة فوصّى أبناءه بالإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٠ - ١٣٣).
ج- ويوسف ﵇ تمنّى أن يلْقى الله مسلماً. قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف:١٠١).
د- وموسى ﵇ يدعو قومه إلى الإسلام، ويُحرِّك مشاعرهم نحوه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (يونس:٨٤).
هـ- وحواريّو عيسى ﵇ شهدوا بالإسلام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة:١١١).
стр. 207
وقد توثّقت هذه الصِّلة وقويت تلك الرابطة بالعهد والميثاق الذي أخذه الحقّ على جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، إن أدركوا الرسول ﷺ أن يؤمنوا به، وينصرونه ولا ينابذونه العداء قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران:٨١).
وقد وُثِّق هذا العهد باللقاء المباشر بين الرسول ﷺ وبين الأنبياء والمرسلين ليلة الإسراء والمعراج، حيث استقبلوه بالحفاوة والتّرحاب قائلين له: ((مرحباً بالأخ الصالح، والنّبيّ الصالح. نِعْم المَجئ جئتَ)). وقد صلّى بهم إماماً.
ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حينما قال:
أسرى بك اللهُ ليلاً إذ ملائكُهُ ... والرّسْل في المسجد الأقصى على قَدمِ
لما خطرتَ بهم التفّوا بسيِّدهم ... كالشّهْب بالبدر أو كالجند بالعلَمِ
صلّى وراءك منهم كلُّ ذي خطر ... ومن يفز بحبيب الله يأتمِمِ
ولقد هيمن الإسلام على الرسالات السابقة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (المائدة:٤٨).
فالهيمنة على الكتب السابقة كما قال ابن عباس ﵁: "أي: مؤتمن عليهم".
وهيمنة الإسلام على الشرائع السابقة تكون بما يلي:
أولاً: نسخ الإسلام لبعض التشريعات التي جاءت بها الأديان السابقة.
стр. 208
ثانياً: تصحيح ما انحرف منها، ولا سيما ما يتعلّق بمسائل العقيدة. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة:٣٠).
ثالثاً: تطهير سيرة الأنبياء والمرسلين ممّا لحِق بهم من أكاذيب وافتراءات تتنافى وعصمة الأنبياء وقُدسيّتهم وطهارتهم، ولقد ذُكرت هذه الافتراءات في العهد القديم والأناجيل المحرّفة.
رابعاً: إن القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة قد عملا على تعديل مسار تلك الأديان التي انحرفت، والاتجاه بها نحو الإسلام. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة:١٣٥).
ونفى القرآن الكريم ما أُطلِق على أبِ الأنبياء إبراهيم ﵇ من كونه يهودياً أو نصرانياً. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:٦٧).
ولقد تحدث القرآن الكريم في أكثر من موضع عن تلك العلاقة الوثيقة بين رسُل الله أجمعين. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥).
ولقد عبّر الرسول ﷺ عن هذا التواصل والترابط أصدق تعبير في قوله ﷺ : ((مَثَلي ومَثَل الأنبياء قبلي كمَثَل رجُل بنَى بيتاً فأتمّه وأحسنه، إلاّ موضع لَبِنة. فكان الناس يمُرّون بالبناء يقولون ما أتمّه! ما أحسَنَه! لولا هذه اللّبِنة! فأنا هذه اللبنة. وأنا خاتم الأنبياء والمرسلين)).
стр. 209
هذه العلاقة المتينة والصلة الوثيقة بين الرسُل والرسالات جميعاً، من خصائص الإسلام الذي يعمل على تدعيمها، ويُذكِّر بها من خلال القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة.
فالإيمان بجميع الأنبياء أصْل من أصول عقيدة الإسلام، ومن أهمّ خصائصه ومميزاته.
والإيمان بجميع الرسُل يوجب الإيمان بكلّ ما جاؤوا به من عند الله من تشريعات، والتصديق بما أجرى الله على أيديهم من معجزات وأدلّة على أنّ جميع الأنبياء والمرسلين يجْمعهم منهج واحد.
هذا ما سنتناوله في المحاضرة القادمة -إن شاء الله-.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
٢ - القاسم المشترَك بين الرّسل والأنبياء جميعا
مِن خصائص الدّعوة الإسلاميّة (ب)
وإنّ من خصائص الدعوة الإسلامية: أنها أقرّت تلك الرّوابط واعترفت بها ولم تُنكرها، رغم عدم اعتراف الآخّرين برسالة محمد ﷺ . وهم -وإن اعترفوا بها ظاهراً، أو مداراة، أو حرصاً على مصالحهم في بلاد المسلمين- فهم في حقيقة أمْرهم لا يؤمنون بمحمد ﷺ ، ولا يطيقون حتى ذكْر اسمه. وهذا هو الفرْق الشاسع بين ما اختصّ به الإسلام نحو الرسالات السابقة، وبين ما يُضمره له الآخَرون من حقدٍ أسود وغلّ دفين، أسفر عن وجهٍ قبيح، وكشّر عن أنيابه في العدوان الذي يحصل على ديار المسلمين الآن. ويصحب هذا العدوان دعوات خبيثة وماكرة لحرمان الإسلام من خصوصيّة الهيمنة والتصحيح للأديان والمِلل الأخرى، والعمل على فقدان شخصيته المستقلّة وعقائده المتميزة، وعباداته وأخلاقه المتفرّدة، تحت دعاوى: لقاء الحضارات، وحوار الأديان،
стр. 210
وتلاحم الثقافات. وقد حفلت بهذا الأمر المنتدياتُ الفكريّة، وروّجت له وسائل الإعلام، وأقيمت له المؤتمرات، وشُكِّلت له اللِّجان، ورُصدت لذلك الأموال ...
وهُرع إلى هذا الحوار بعضُ المسلمين الذي انخدعوا ببريقه، وتولّى كِبرَه مَن تغذّى على موائد الغرب، وانغمس في بريق حضارته المادّيّة الزائفة، حتى عمِيتْ بصيرتُه وطُمس قلبُه، وردّد ما يدعون إليه، دون أن يعرف أنّ هذه الدعاوى تُفقد الإسلامَ خصوصيّته وتطمس هويّته، لأنهم لا يَقبلون الحوار الذي يحمل بين ثناياه خصوصيّة الإسلام التي توجب على المسلمين أن يتحاوروا مع غيرهم، وأن يتجادلوا معهم بالحسنى، وفْقَ الضوابط التي وضعها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:٦٤).
هذا في إطار قول الحقّ ﵎: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٦).
فالإسلام لا يخشى الحوار، ولا يضيق بالمناقشة، طالما يُثمر في النهاية الرضوخ للحق، والإذعان للإسلام، أو مهادنته وحسن الجوار في رحابه.
وإنّ من خصوصيّة الدعوة الإسلامية: أنها قامت على الحوار وحسْن المناقشة وسعة الصدر.
فالرسول ﷺ تحاور مع كفار مكة، وجادل يهود المدينة، وتناقش مع وفْد نصارى نجران. وجعفر بن أبي طالب ﵁ تحدّث مع نجاشي الحبشة، وتحاورا في مسائل العقيدة النصرانية وموقف الإسلام منها.
стр. 211
وحوارات الإسلام ومجادلاته لا تحمل بين طيّاتها مداهنات النفاق، ولا تقبل التّخلي عن الثوابت العقائدية الإسلامية مجاملة للآخَرين. كما أنّ الإسلام لا يعرف اللقاء في منتصف الطريق، كما يروّج له دعاة هذا الحوار. وقد رفض الرسول ﷺ ما عرَضتْه عليه قريش من تبادل العبادة بين الإسلام والشّرك، حيث قالوا: نعبد إلهك عاماً، وتعبد آلهتنا عاماً آخر؛ فنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: ١، ٢).
هذا، وممّا ينبغي أن يعرفه الدّعاة إلى الله: أنه تكْمن خلْف قضية "حوار الأديان": الأمور الخطيرة التالية:
أولاً: أن يفقد الإسلام خصائصه العقائديّة والعباداتية والأخلاقية، ويصبح المسلم كالماء، لا طعم له، ولا لون، ولا رائحة.
ثانياً: إضفاء صفة الشّرعية على المعتقدات الوثنية التي تحفل بها النصرانية، كعقيدة التثليث وما يتْبعها من طقوس لا تمُتّ إلى الدِّين الحقّ بصِلة.
ثالثاً: تهميش دوْر الدِّين في الحياة الاجتماعية، سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً.
رابعاً: الانطلاق بالعقل والعلْم بعيداً عن ضوابط الدِّين وقواعد الأخلاق، ممّا ينتج عن ذلك: إفساد الفطرة بالتلاعب في الجينات الوراثية، وتخريب البيئة بأسلحة الدّمار.
خامساً: الإيمان بالمحسوس، مع عدم الاهتمام بغير المحسوس، كالإيمان بالبعث والحشر، والثواب والعقاب؛ فهذه قضايا مستبعَدة في الفكر الغربي الحديث تماماً.
سادساً: الانغماس في التّرف، وتحطيم مقوّمات الأسرة، وإباحة الشذوذ، تحت دعاوى الحرية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.
стр. 212
سابعاً: إذكاء النّعرات الوطنية والقومية، وإضعاف وتوهين أيّ رابطة تقوم على الدِّين والعقيدة.
ممّا سبق، تتّضح خطورة مثل هذه الدعاوى؛ وعلى الدعاة إلى الله: أن يتنبهوا إليها، وأن يقفوا على مكان الخطر فيها. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١).
ربّانيّة الدّعوة الإسلاميّة
لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأودع بين حنايا نفْسه العقلَ الذي يُفكِّر به واللسان الذي ينطق، وخلَق في كيانه العواطف والمشاعر التي تختلف إدراكاتها وأحاسيسها من شخص لآخر. كما أنّ النفس البشرية تضمّ بين جوانبها العديد من الغرائز التي تتفاعل وتتصادم لإشباع رغباتها، إلى غير ذلك ممّا أبدعه الله في خلْق الإنسان من أسرار كشَفَ العلْم عن القليل منها، وما زال يُجهد نفسه للبحث عن أمور أخرى.
قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢١).
هذا الخلْق المبدع والتصوير المبهر، لا أحَد من البشَر يعْلم أسراره أو يقف على حِكمة خلْقه، إلاّ الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق:١٦).
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:
"يُخبر الله عن قُدرته على الإنسان، بأنه خالقُه، وعلْمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر".
стр. 213
وعن هذه الإحاطة الشاملة بالكون والإنسان، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه:٦، ٧).
فالله عليم خبير بأحوال العباد، يعلم ما يُحقِّق لهم السعادة وما يجلب لهم الشقاء؛ فجاءت التشريعات من خلال وحي السماء ورسالات الأنبياء، تتوافق وتتلاءم مع فطرة الإنسان التي فطَره الله عليها. فهذه التشريعات توازن بين متطلَّبات الروح والعقل، ورغبات الجسد، وتُراعي مصلحة الفرد في إطار مصلحة الجماعة، وتعمل على تناسق حياة الإنسان مع حركة الكون.
هذا، وإنه ممّا تفرّدت به الدعوة إلى الله، واختصّت به عن غيرها من الرسالات السابقة: أن أحكامها وتشريعاتها فيما يخصّ العقائد والعبادات والمعاملات وحْي من الله تعالى، نزل به جبريل الأمين على رسوله ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:١٩٢ - ١٩٥)، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم:١ - ٥).
ولقد ترتب على ربّانية الدّعوة إلى الله ما يلي:
أ- تناسقها مع فطرة الإنسان، وإشباعها لمتطلّبات الروح والجسد، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠).
стр. 214
ب- كمال التشريعات وخلوّها من النقائض النقائص؛ فتشريعات الله كاملة سابغة، تُلبِّي حاجات الإنسان السّويّ، ولها صفة الدوام والاستمرار، وتلائم كلّ زمان ومكان، وتناسب كلّ أجناس البشّر، وهم جميعاً أمام شرع الله سواء، ممّا يُحقِّق العدل للإنسانية والأمن والاستقرار في العالَم. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة:٣).
وكوْن هذه العقائد والتشريعات من قِبل المولى ، ومن رسول الله ﷺ ، فإنّ هذا يُكسبها القداسة والهيبة والتعظيم، وأوجب للالتزام، وأدعى إلى سرعة الامتثال؛ فهي تشمل البشَر جميعاً، ولا يمتنع عن الإذعان لها أيّ إنسان مهما كانت مكانته. وليس لفرد أو هيئة أو جماعة أن تنال من هذه الأحكام، أو تُعطّلها، أو تحول دون تنفيذها. وإن محاولات إبعاد الإسلام بعقائده وتشريعاته عن مجالات الحياة المختلفة ذنْب لا يُغتفر وكفْر صريح. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٧).
فتنوّع الحُكم على من يعمل على تعطيل شرْع الله مِن الكفْر إلى الظّلم إلى الفسق، بحسب موقف المعترِض، ودرجات جحوده وإنكاره وإغفاله؛ بل هناك قَسَمٌ عظيمٌ ونفْي صريح للإيمان عمّن يحول دون ربّانية الدّعوة، ويحول دون تطبيق شرْع الله، أو يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً كلّما انطلقت الدّعوة لتطبيق شرْع الله والتزام أحكامه. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥).
стр. 215
بل لا وجه للمقارنة والاختيار بين ما شرعه الله للإنسان من أحكام، وبين ما يشرِّعه البشَر لأنفسهم من قوانين ونُظم وتشريعات، لم تحصد الإنسانية منها سوى استفحال الظّلم، واستعباد الشعوب، واشتعال الحروب، وتحوّل العالَم إلى غابة ضارية تفترس فيها الدّول القويّة الأممَ الضعيفة، وتصادر حقّها في العيش الآمن. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:٣٦).
إنّ ربانيّة الدعوة الإسلامية تجعل الناس أمام أحكامها سواء، وتُشعِرُ البشَر بالاطمئنان فيما يصدر لهم أو ضدّهم من أحكام، لأنها مُجرّدة عن الهوى، وتبتعد عن الأنانية والأثَرة وحبّ الذات، وتوجب الالتزام بمنهج الله والدعوة إليه وتطبيقه. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٩).
عالَميّة الدّعوة الإسلاميّة
إنّ دعوات الأنبياء والمرسلين عبْر مسيرة البشرية كانت دعوات خاصّة تقتصر على قوم بعيْنهم، أو على أمم بذاتها، لا تتجاوز الدعوة حينذاك حدودَ تلك الأوطان والبيئات، إلاّ من خلال ما تتحدّث به القوافل والركبان، أو تنقله جهود بعض الأفراد أثناء الأسفار. ولقد ذكر القرآن الكريم أنّ من خصائص الدعوات السابقة: اقتصارها على قوم الرسول وعشيرته.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (هود:٢٥).
следующие страницы →