← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11147

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط المدني

ابن القيم

Полный текст (415 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الباب السابع والأربعون: في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها مجراها الذى تجرى عليه ... الباب السابع والأربعون: في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه وقد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية الثاني: أنهار جارية لا واقفة الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا, وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته وهؤلاء أوتوا من ضعف الفهم فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أهلكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأنهار﴾ فهذا على ما هو المعهود والمتعارفا وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ الأنهار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يمان عن أشعب عن جعفر عن سعيد قال نضاختان بالماء والفواكه وحدثنا ابن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس قال نضاختان بالمسك والعنبر ينضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا وحدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء قال اللتان تجريان أفضل من النضاختين وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أنهار مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأنهار مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ

стр. 177

وَأنهار مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنهار مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصا وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي في اللذة وشربها وآفة العسل عدم تصفيتة وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول والإنزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الأسماء والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وتسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياما له ولم يلزمه مؤونته وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتدل على العورات وتهون ارتكاب القبائح والمأثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن وكم أهاجت من حرب وأفقرت من غنى وأذلت من عزيز ووضعت من شريف وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة وفسخت من مودة ونسجت من عداوة وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة وكم أغلقت في وجه شاربها بابا من الخير وفتحت له بابا من الشر وكم أوقعت في بلية وعجلت من منيته وكم أورثت من خزية وجرت على شاربها من محبة

стр. 178

وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة. لكفى وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة فإن قيل فقد وصف سبحانه الأنهار بأنها جارية ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ قيل: الماء الجاري وإن كان لا يآسن فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن وماء الجنة لا يعرض له ذلك ولو طال مكثه ما طال وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس فهذا لشربهم وطهورهم وهذا لقوتهم وغذائهم وهذا للذتهم وسرورهم وهذا لشفاعتهم ومنفعتهم والله أعلم فصل وأنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة وروى الترمذي نحوه من حديث معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت ولفظ حديث عبادة:"الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة ومنها الأنهار الأربعة والعرش فوقها فإن سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى"

стр. 179

وفي المعجم للطبراني أني من حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : "الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها ومنها تنفجر أنهار الجنة" وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن قتادة قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذا قال أما النهران الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات" وفي صحيحه أيضا من حديث همام عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ والمجوف فقلت ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينة مسك أذفر" وفي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي "وقال محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت يدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله " قال الترمذي حدثنا هناد حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" قال هذا حديث حسن صحيح وقال أبو نعيم الفضل حدثنا أبو جعفر هو الرازي حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهدا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ قال الخير الكثير وقال أنس بن مالك:

стр. 180

نهر في الجنة وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس يدخل أحد إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر" وهذا معناه والله أعلم أن خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي سمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه وفي جامع الترمذي من حديث الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" قال هذا حديث حسن صحيح وقال الحاكم حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن سمرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يسقيه الله من الخمر في الآخرة فليتركه في الدنيا ومن سره أن يكسيه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا وأنهار الجنة تفجر من تحت تلال أو تحت جبال المسك ولو كان أدنى أهل الجنة حلية عدلت بحلية أهل الدنيا جميعا لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا" وذكر الأعمش عن عمرو بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك وهذا موقوف صحيح وذكر ابن مردويه في مسنده حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحرث بن عبيد حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبه ثم تصدع بعد أنهارا" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن عبيدة حدثنا يزيد بن هرون حدثنا الحريري عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله أنها لسائحة على وجه الأرض أحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت وطينها المسك الأذفر قال:

стр. 181

قلت: ما الأذفر قال: الذي لا خلط له ورواه ابن مردويه في تفسيره عن عن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا مهدي بن حكيم حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحريري عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ فذكره هكذا رواه مرفوعا وقال أبو خيثمة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه قرأ هذه الآية ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "أعطيت الكوثر فإذا هو يجري ولم يشق شقاه وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي إلى تربته فإذا مسك أذفر وإذا حصباؤه اللؤلؤ وذكر سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن مسروق في قوله تعالى: وماء مسكوب قال أنهار تجري في غير أخدود قال ونخل طلعها هضيم قال من أصلها إلى فروعها أو كلمة نحوها وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا سعيد بن سابق حدثنا مسلمة بن علي عن مقاتل بن حبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:"أنزل الله من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل ﵇ فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الأرض وأنا على ذهاب به لقادرون فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل جبريل فيرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى

стр. 182

بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فرفع ذلك كله إلى السماء فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد حرم أهلها خيري الدنيا والآخرة" ورواه أحمد بن عدي في ترجمة مسلمة هذا مع أحاديث غيره وقال عامة أحاديثه غير محفوظة وبالجملة فهو من الضعفاء قال البخاري منكر الحديث وقال النسائي ومتروك وقال أبو حاتم لا تشتغل به وقال عبد الله بن وهب: حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عقيل بن خالد عن الزهري أن ابن عباس قال: "إن في الجنة نهرا يقال له البيدج عليه قباب من ياقوت تحته جوار يقول أهل الجنة انطلقوا بنا إلى البيدج فيتصفحون تلك الجوارى فإذا أعجب رجلا منهم جارية مس معصمها فتتبعه" فصل وأما العيون فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ قال بعض السلف: معهم قضبان الذهب حيثما مالوا مالت معهم وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ فقال: الكوفيون الباء بمعنى من أي يشرب منها وقال آخرون: بل الفعل مضمن ومعنى يشرب بها: أي يروى بها فلما ضمنه معناه عداه تعديته وهذا أصح وألطف وأبلغ وقال طائفة: الباء للظرفية والعين أسم للمكان كما تقول كنا بمكان كذا وكذا ونظير هذا التضمين قوله تعالى: ﴿مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ ضمن معنى يهم فعدى تعديته وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا أن شراب الأبرار يمزج منها لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله فأخلص شرابهم

стр. 183

وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم ونظير هذا وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين ويجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب. أحدهما مزج بكافور والثاني مزج بزنجبيل وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال ظواهرهم وهذا حال بواطنهم كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام وبواطنهم بحقائق الإيمان ونظيره قوله في آخر السورة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذه زينة الظاهر ثم قال ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ فهذه زينة الباطن المطهر لهم من كل أذى ونقص ونظيره قوله تعالى: لأبيهم آدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ فضمن له أن لا يصيبه ذل الباطن بالجوع ولا ذل الظاهر بالعري وأن لا يناله حر الباطن بالظمأ ولا حر الظاهر بالضحى ونظير هذا ما عدده على عباده من نعمة أنه أنزل عليهم لباسا يواري سوآتهم ويزين ظواهرهم ولباسا آخر يزين بواطنهم

стр. 184

وقلوبهم وهو لباس التقوى وأخبر أنه خير اللباسين وقريب من هذا إخباره أنه زين السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحراسة وقريب منه أمره من أراد الحج بالزاد الظاهر ثم أخبر أن خير الزاد الزاد الباطن وهو التقوى وقريب منه قول امرأة العزيز عن يوسف ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فأرتهن حسنه وجماله ثم قالت ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ فأخبرتهن بجمال باطنه وزينته بالعفة وهذا كثير في القرآن لمتأمله.

стр. 185

الباب الثامن والأربعون: في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَأبيهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ . وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس" ورواه أيضا من رواية طلحة بن نافع عن جابر وفيه قالوا: فما بال الطعام قال:"جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد" وفي المسند وسنن النسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش عن ثمامة ابن عقبة عن يزيد بن أرقم قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال: "نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة

стр. 186

رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة" قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال: "تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه" ورواه الحاكم في صحيحه ولفظه أتي النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ويقول لأصحابه إن أقر لي بهذا خصمته فقال رسول الله ﷺ : "بلى والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطي قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع" فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال رسول الله ﷺ : "حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا البطن قد ضمر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ : "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا" وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد الله بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة وشرابهم على أثره وحديث أبي سعيد الخدري تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده نزلا لأهل الجنة وقال الحاكم أنبأنا الأصم حدثنا إبراهيم بن منقذ حدثنا إدريس ابن يحيى حدثني الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك الخطمي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة طيرا أمثال البخاتي" فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول الله ﷺ قال: "أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر". قال الحاكم وأنبأنا الأصم حدثنا يحيى بن أبي طالب أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ذكر لنا أن أبا بكر قال يا رسول الله ﷺ : "إني لا أرى طير الجنة ناعمة كما أن أهلها ناعمون" قال: "من يأكلها أنعم منها وأنها أمثال البخاتي وإني لأحتسب على الله

стр. 187

أن تأكل منها يا أبا بكر" وبهذا الإسناد عن قتادة عن أيوب رجل من أهل البصرة عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. وقال الدراوردي حدثني ابن أخي ابن شهاب عن أبيه عن عبد الله بن مسلم أنه سمع أنس بن مالك يقول في الكوثر قال رسول الله هو نهر أعطانيه ربي أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر فقال عمر بن الخطاب أنها يا رسول الله ﷺ لناعمة فقال رسول الله ﷺ : "آكلها أنعم منها" تابعه إبراهيم بن سعيد عن ابن أخي ابن شهاب وقال فقال أبو بكر بدل عمر وقال عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله ابن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ يقول الخمر لا فيها غول ويقول ليس فيها صداع وفي قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ يقول لا تذهب عقولهم وقوله تعالى: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ يقول ممتلئة وقوله: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ يقول: الخمر ختم بالمسك وقال علقمة عن ابن مسعود ﴿خِتَامُهُ مِسْك﴾ قال خلطه وليس بخاتم ثم يختم. قلت يريد والله أعلم أن أخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة ليس من الخاتم. وقال زيد بن معاوية: سألت علقمة عن قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْك﴾ فقرأتها خاتمه مسك فقال لي: ليست خاتمه ولكن اقرأه ﴿خِتَامُهُ مِسْك﴾ قال علقمة: ختامه خلطه ألم تر أن المرأة من نسائكم تقول للطيب أن خلطه من مسك لكذا وكذا. وذكر سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق: الرحيق الخمر المختوم يجدون عاقبتها طعم المسك وبهذا الإسناد عن مسروق عن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ قال تمزج لأصحاب

стр. 188

اليمين ويشربها المقربون صرفا. وكذلك قال ابن عباس: يشرب منها المقربون صرفا وتمزج لمن دونهم. وقال مجاهد: ختامه مسك يقول طينة وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير ولفظ الآية أوضح منه وكأنه والله أعلم يريد ما يبقى في أسفل الإناء من الدري وذكر الحاكم من حديث آدم حدثنا شيبان عن جابر عن ابن سابط عن أبي الدرداء في قوله ﴿خِتَامُهُ مِسْك﴾ قال: "هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها" قال آدم: وحدثنا أبو شيبة عن عطاء قال: "التسنيم اسم العين التي يمزج بها الخمر" وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وكأسا دهاقا قال هي المتتابعة الممتلئة قال ربما سمعت العباس يقول: اسقنا وأدهق لنا وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ وعلى قوله ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ فقالت فرقة: سلسبيلا جملة مركبة من فعل وفاعل وسلسبيلا منصوب على المفعول أي سل سبيلا إليها وليس هذا بشيء وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها ولقد شفى قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة فقال قتادة: سلسة فهم يصرفونها حيث شاؤا وهذا من الاشتقاق الأكبر وقال مجاهد سلسة السيل حديدة الجرية وقال أبو العالية والمقابلان تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم وهذا من سلاستها وحدة جريتها وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق وقال أبو إسحاق: سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك

стр. 189

وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء وليس باسم للعين واحتج على ذلك بحجتين إحداهما: أن سلسبيلا مصروف ولو كان اسما للعين لم يصرف للتأنيث والعلمية الثانية: أن ابن عباس قال: معناه أنها تنسل في حلوقهم انسلالا قلت ولا حجة له في واحدة منهما أما الصرف فلا اقتضاء رؤوس الآي له كنظائره وأما قول ابن عباس فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة فقد تضمنت هذه النصوص أن لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر فإن قيل: فأين يشوي اللحم وليس في الجنة نار فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يشوي بـ: "كن" وأجاب آخرون: بأنه يشوى خارج الجنة ثم يؤتي به إليهم والصواب: أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز الحكيم لإنضاجه وإصلاحه كما قدر هناك أسبابا لإنضاج الثمر والطعام على أنه لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح لا تفسد شيئا وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "مجامرهم الألوة" و"المجامر" جمع جمرة وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه والإلوة العود المطري فأخبر أنهم يتجمرون به أي يتبخرون بإحراقه لتسطع لهم رائحته وقد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالا والظلال لا بد أن تفيء مما يقابلها فقال ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وقال ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ وقال ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ فالأطعمة والحلوى والتجمر تستدعي أسباب تتم بها والله سبحانه خالق السبب والمسبب وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابا تصرف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم فهذا سبب إخراجه وذاك سبب إنضاجه وكذلك جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه رشحا وجشاء وكذلك ما هناك من الفواكه والثمار يخلق لها من الحرارة ما ينضجها

стр. 190

ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالها فرب الدنيا والآخرة واحد وهو الخالق للأسباب والحكم ما يخلقه في الدنيا والآخرة والأسباب مظهر أفعاله وحكمته ولكنها تختلف ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر وذلك محض لجهل والظلم وإلا فليست قدرته مقصرة عن أسباب أخر ومسببات ينشئها منها كما لا تقصر قدرته في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب فيها بالعيان والمشاهدة أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة والماء والخشب والهواء المناسب لها أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذة من بين فرث ودم ومن قيء ذباب أعجب من إجرائها أنهارا في الجنة بأسباب أخر ولعل إخراج جوهري الذهب والفضة من عروق الحجارة من الجبال وغيرها أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر ولعل إخراج الحرير من لعاب دودة القز وبنائها على أنفسها القباب البيض والحمر والصفر أحكم بناء أعجب من إخراجه من أكمام تنشق عنه شجر هناك قد أودع فيها وأنشئ منها ولعل جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة فتأمل آيات الله التي دعا عباده إلى التفكر فيها وجعلها آيات دالة على كمال قدرته وعلمه ومشيئته وحكمته وملكه وعلى توحده بالربوبية والإلهية ثم وازن بينهما وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار تجد هذه أدل شيء على تلك شاهدة لها وتجدهما من مشكاة واحدة ورب واحد وخالق واحد ومالك واحد فبعدا لقوم لا يؤمنون.

стр. 191

الباب التاسع والأربعون: في ذكر آنيتهم التي يأكلون فيها ويشربون وأجناسها وصفاتها قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ فالصحاف جمع صحفة قال الكلبي بقصاع من ذهب وقال الليث الصحفة قصعة مسلنطحة عريضة الجمع صحاف قال الأعشى: والمكاكيك والصحاف من الفضة ... والضامرات تحت الرجال وأما الأكواب فجمع كوب قال الفراء الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له وأنشد العدي: متكئا تصفق أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب وقال أبو عبيد الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها قال أبو إسحاق وإحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له وقال ابن عباس هي الأباريق التي ليست لها آذان وقال مقاتل هي أوان مستديرة الرأس ليس لها عرى وقال البخاري في صحيحه الأكواب والأباريق التي لها خراطيم وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ الأباريق هي الأكواب التي لها خراطيم فإن لم يكن لها خراطيم ولا عرى فهي أكواب وإبريق إفعيل من البريق وهو الصفاء فهو الذي يبرق لونه من صفائه ثم سمى كل ما كان علىشكله إبريقا وإن لم يكن صافيا وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير يرى من ظاهرها ما في باطنها والعرب تسمي السيف إبريقا لبريق لونه ومنه قول ابن أحمر: تعلقت إبريقا وعلقت جفنه ... ليهلك حيا ذا زهاء وخامل

стр. 192

وفي نوادر اللحياني امرأة إبريق إذا كانت براقة وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ فالقوارير هي الزجاج فأخبر عن مادة تلك الآنية أنها من الفضة وأنها بصفاء الزجاج وشفافيته وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها وقطع سبحانه توهم كون تلك القوارير من زجاج فقال: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ قال مجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي والشعبي: قوارير الجنة من الفضة فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير قال ابن قتيبة كل ما في الجنة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة وتكون من قوارير فأعلمنا الله أن هناك أكوابا لها بياض الفضة وصفاء القوارير قال: وهذا على التشبيه أراد قوارير كأنها من فضة وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي لهن ألوان المرجان في صفاء الياقوت وهذا مردود عليه فإن الآية صريحة أنها من فضة ومن ههنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فضة ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة بل جنسه ومادته الفضة ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير وهو الزجاج وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه وقوله قدروها تقديرا التقدير جعل الشيء بقدر مخصوص فقدرت الصناع هذه الآنية على قدر ريهم لا يزيد عليه ولا ينقص منه وهذا أبلغ من لذة الشارب فلو نقص عن ربه لنقص التذاذه ولو زاد حتى يشمئز منه حصل له ملالة وسامه من الباقي هذا قول جماعة من المفسرين

стр. 193

قال الفراء: قدروا الكأس على قدر ريِّ أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه وهو ألذ الشراب وقال الزجاج: جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه وقال أبو عبيد يكون التقدير الذين يسقون يقدرونها ثم يسقون يعني أن الضمير في قدروا للملائكة والخدم قدروا الكأس على قدر الري فلا يزيد عليه فيثقل الكف ولا ينقص منه فطلبت النفس الزيادة كما تقدم وقالت طائفة: الضمير يعود على الشاربين أي قدروا في أنهم شيئا فجاءهم الأمر بحسب ما قدروه وأرادوه وقول الجمهور: أحسن وأبلغ وهو مستلزم لهذا القول والله أعلم. وأما الكأس فقال أبو عبيدة: هو الإناء بما فيه. وقال أبو إسحاق الكأس: الإناء إذا كان فيه خمر ويقع الكأس لكل إناء مع شرابه والمفسرون فسروا الكأس بالخمر وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل حتى قال الضحاك كل كأس في القرآن فإنما عني به الخمر وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود فإن المقصود ما في الكأس لا الإناء نفسه وأيضا فإن من الأسماء ما يكون اسما للحال والمحل مجتمعين ومنفردين كالنهر والكأس فإن النهر اسم للماء ولمحلة معا ولكل منهما على انفراده وكذلك الكأس والقرية ولهذا يجيء لفظ القرية مرادا به الساكن فقط والمسكن فقط والأمران معا. وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون

стр. 194

ولا يمتخطون ولا يتفلون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعا في السماء" وفي الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قا ل:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا ثوبان حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ يعجبه الرؤيا فربما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه فأتته امرأة فقالت يا رسول الله ﷺ رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة فسمعت وجبة انفتحت لها الجنة فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمعت أثني عشر رجلا كان رسول الله قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل أذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيدح فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر فأكلوا من ذلك البسر ما شاؤا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا واكلت معهم فجاء البشير من تلك السرية فقال أصيب فلان بن فلان حتى عد اثني عشر رجلا فدعا رسول الله المرأة فقال قصي رؤياك فقصتها وجعلت تقول جئ بفلان وفلان كما قال رواه الإمام أحمد في مسنده بنحوه واسناده على شرط مسلم

стр. 195

الباب الخمسون: في ذكر لباسهم وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ قال جماعة من المفسرين: السندس مارق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ ولكن المراد بن الصفيق وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان والأخضر والين اللباس الحرير فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وقال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وهاهنا مسألة وهذا موضع ذكرها وهي أن الله أخبر أن لباس أهل الجنة حرير وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وقد اختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف: أنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس قالوا وأما قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ

стр. 196

فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فمن العام المخصوص وقال الجمهور وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتض لهذا الحكم وقد يتخلف عنه لمانع وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا﴾ صبروا جنة وحريرا وقال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَق﴾ وتأمل ما دلت عليه لفظة "عاليهم" من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظواهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال. وقد اختلف القراء السبعة في نصب عاليهم ورفعه على قراءتين واختلف النحاة في وجه نصبه هل هو على الظرف أو على الحال على قولين واختلف المفسرون هل ذلك للولدان الذين يطوفون عليهم فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق أو للسادات الذين يطوفون عليهم الولدان فيطوفون على ساداتهم وعلى السادات هذه الثياب وليس الحال ههنا بالبين ولا تحته ذلك المعنى البديع الرائع فالصواب أنه منصوب على الظرف فإن عاليا لما كان بمعنى فوق أجرى مجراه قال أبو علي وهذا الوجه أبين وهو أن عاليا صفة فجعل ظرفا كما كان قوله الركب أسفل منكم كذلك وكما قالوا هو ناحية من الدار وأما من رفع عاليهم فعلى الابتداء وثياب سندس خبره ولا يمنع من هذا إفراد عال وجمع الثياب لأن فاعلا قد يراد به لكثرة كما قال: ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومناوح

стр. 197

وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ومن رفع خضرا أجراه صفة للثياب وهو الأقيس من وجوه: أحدها: المطابقة بينهما في الجمع الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً﴾ الثالث: تخلصه من وصف المفرد بالجمع ومن جر أجراه صفة للسندس على إرادة الجنس كما يقال أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض وتترجح القراءة الأولى بوجه رابع أيضا وهو أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيحرونه مجرى الواحد كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارا﴾ وكقوله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذا النوع من الجمع فإفراد صفة الواحد وإن كان في معنى الجمع أولى. وفي إستبرق قراءتان الرفع عطفا على ثياب والجر عطفا على سندس وتأمل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة كما تقدم قريبا فحمل البواطن بالشراب الطهور والسواعد بالأساور والأبدان بثياب الحرير وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ واختلفوا في جر لؤلؤ ونصبه فمن نصبه ففيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على موضع قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾

стр. 198

والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف دل عليه الأول أي: ويحلون لؤلؤا ومن جره فهو عطف على الذهب ثم يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون لهم أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ ويحتمل أن تكون الأساور مركبة من الأمرين معا الذهب المرصع باللؤلؤ والله أعلم بما أراد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "أن لله ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري, حدثنا أبي , عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنةن على الرجال أحسن منه على النساء". حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلا من أهل الجنة أطلع فبدأ سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم" وقال: ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة قال إن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال: "مسورون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب مرد مكحلون" وقد أخرجا في الصحيحين والسياق لمسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بني نبي فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي يقول تبلغ الحلية من المؤمن

стр. 199

حيث يبلغ الوضوء وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته والصحيح أنه لا يستحب وهو قول أهل المدينة وعن أحمد روايتان والحديث لا تدل على الإطالة فإن الحلية إنما تكون في زينة في الساعد والمعصم لا في العضد والكتف وأما قوله فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليقل فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي ﷺ بين ذلك غير واحد من الحفاظ وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث قال نعيم فلا أدري قوله من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل من كلام النبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة من عنده وكان شيخنا يقول هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله فإن الغرة لا تكون في اليد لا تكون إلا في الوجه وإطالته غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى ذلك غرة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلي ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وقوله لا تبلى ثيابه الظاهر أن المراد به الثياب المعينة لا يلحقها البلى ويحتمل أن يراد به الجنس بل لا يزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه أخر والله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن أبي الوضاح حدثنا العلاء ابن عبد الله بن رافع حدثنا حنان بن خارجة عن عبد الله بن عمر قال جاء أعرابي حرمي فقال يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله يسيرا ثم قال أين السائل فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وأن مت بالحضر فقام آخر فقال يا رسول الله ﷺ أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال فضحك بعض القوم فقال رسول الله تضحكون من جاهل يسأل عالما فأسكت النبي ﷺ ساعة ثم قال أين السائل عن ثياب

стр. 200

أهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال: "لا بل يشقق عنها ثمر الجنة" ثلاث مرات. وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضيل ابن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله عن النبي ﷺ قال (أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقها من وراء لحومها وحللها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء) وهذا الإسناد على شرط الصحيح وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرجي عن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى لعثمان بن عفان عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "لقيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها" قال قلت: يا رسول الله ﷺ : وما النصيف قال: "الخمار" وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت فتقول أنا المزيد وأنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وأن عليها التيجان وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " وروى الترمذي ذكر التيجان وأن أدنى لؤلؤة عن سويد ابن نصر عن رشدين بن سعد عن عمرو به وقال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا أبو عتبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلام الأسود

стр. 201

رقال سمعت أبا أمامة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء أبيض وإن شاء أحمر وإن شاء أخضر وإن شاء أصفر وإن شاء أسود ومثل شقائق النعمان وأرق وأحسن" قال ابن أبي الدنيا وحدثنا سويد عن سعيد حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي عن خالد الزميل أنه سمع أباه قال قلت لابن عباس: "ما حلل الجنة قال فيها شجرة فيها ثمر كأنه الرمان فإذا أراد ولي الله كسوة انحدرت إليه من غصنها فانفلقت عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان ثم تنطبق ترجع كما كانت. قال وحدثنا عبد الله بن أبي خيثمة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثني دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد عن رسول الله أن رجلا قال له يا رسول الله ﷺ : "طوبى لمن آراك وآمن بك فقال طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني فقال له رجل وما طوبى قال شجرة في جنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" قال: وحدثني يعقوب ابن عبيد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم قال قال أبو هريرة: "دار المؤمن في الجنة لؤلؤة فيها شجرة تنبت الحلل فيأخذ الرجل بإصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منطقة باللؤلؤ والمرجان" قال وحدثنا حمزة ابن العباس حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا صفوان بن حمزة عن شريح بن عبيد قال قال كعب: "لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة لبس اليوم في الدنيا لصق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن بشر بن كعب أو غيره قال: ذكر لنا أن الزوجة من أزواج الجنة لها سبعون حلة هي أرق من شقيقكم هذا ويرى مخ ساقها من وراء اللحم".

стр. 202

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال أهدى أكيد رد دومة إلى النبي ﷺ : "جبة من سندس فتعجب الناس من حسنها", فقال: "لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا" وفي الصحيحين أيضا من حديث البراء قال: أهدي لرسول الله ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله (تعجبون من هذا لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا". ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه هاهنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا يأخذه في الله لومة لائم وختم الله له بالشهادة وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرته وخلفائه ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات ونعاه جبريل إلى النبي ﷺ يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك فصل ومن ملابسهم التيجان على رؤوسهم ذكر البيهقي من حديث يعقوب بن حميدا بن كاسب أنبأنا هشام بن سليمان عن عكرمة عن إسماعيل بن رافع عن سعد المقبري وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار ويحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه وجعله رفيق السفرة الكرام البررة وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا فقال يا رب كل عامل يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا إلا فلانا كان يقوم في آناء الليل وأطراف النهار فيحل حلالي ويحرم حرامي يقول يا رب فأعطه فيتوجه الملوك ويكسوه من حلة الكرامة ثم يقول هل رضيت فيقول يا رب أرغب له في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه والخلد بشماله ثم يقول له هل رضيت فيقول نعم يا رب"

стр. 203

وذكر الإمام أحمد في المسند من حديث أبي بريدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإن أخذاها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فأنهما الزهراوان وإنهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له هل تعرفني فيقول له: ما أعرفك فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حليتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال له اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هددا كان أو ترتيلا البطلة السحرة والغيابة ما أظل الإنسان فوقه وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ فقال أن عليهم التيجان أن ادنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" فصل وأما الفرش فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ فوصف الفرش بكونها مبطنة بالإستبرق وهذا يدل على أمرين: أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها لأن بطائنها للأرض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة ابن مريم عن عبد الله في قوله بطائنها من إستبرق قال هذه البطائن قد خبرتم بها فكيف بالظهائر الثاني: يدل على أنها فرش عالية لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة وقد

стр. 204

روى في سمكها وارتفاعها آثار إن كانت محفوظة فالمرد ارتفاع محلها كما رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله وفرش مرفوعة قال ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد قيل ومعناه إن ارتفاع المذكور للدرجات والفرش عليها قلت رشدين بن سعد عنده مناكير: قال الدارقطني: ليس بالقوي وقال أحمد: لا يبالي عمن روى وليس به باس في الرقاق وقال أرجو أنه صالح الحديث, وقال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال أبو زرعة: ضعيف وقال الجوزجاني عنده مناكير ولا ريب أنه كان سيء الحفظ فلا يعتمد على ما ينفرد به وقد قال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: "ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض " وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ فالله أعلم. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف عن عبد الله بن الشخير عن كعب في قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال مسيرة أربعين سنة" قال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة حدثنا إسماعيل بن عمرو والبجلي حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال سئل رسول الله ﷺ عن الفرش المرفوعة قال: "لو طرح فراش من أعلاها إلى قرارها مائة عام " وفي رفع هذا الحديث نظر فقد قال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا معاذ ابن هشام قال وجدت في كتاب أبي القاسم عن أبي أمامة في قوله وفرش مرفوعة قال لو أن أعلاها سقط ما بلغ أسفلها أربعين خريفا"

стр. 205

فصل وأما البسط والزرابي فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابي مَبْثُوثَةٌ﴾ وذكر هشام عن أبي بشر عن سعد بن جبير قال الرفرف رياض الجنة والعبقري عتاق الزرابي وذكر إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ قال هي البسط قال وأهل المدينة يقولون هي البسط وأما النمارق فقال الواحدي هي الوسائد في قول الجميع وأحدها بضم النون وحكى الفراء نمرقة بكسرها وأنشد أبو عبيدة: إذا ما بساط الله ومد وقربت ... للذاته أنماطه ونمارقه قال الكلبي وسائد مصفوفة بعضها إلي بعض وقال مقاتل هي الوسائد مصفوفة على الطنافس وزرابي بمعنى البسط والطنافس وأحدها زريبة في قول جميع أهل اللغة والتعبير ومبثوثة مبسوطة منشورة. فصل وأما الرفرف فقال الليث: ضرب من الثياب خضر تبسط الواحد رفرفة وقال أبو عبيدة الرفارف البسط وأنشد لابن مقبل: وأنا لنازلون تغشى نعالنا ... سواقط من أصناف ريط ورفرف وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف ههنا رياض الجنة وقالوا الرفرف الوسائد وقالوا: الرفرف المحابس وقالوا: فضول المحابس للفرش وقال المبرد:

стр. 206

هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره وقال الواحدي وكأن الأقرب هذا لأن الغرب تسمى كسر الخباء والخرقة التي تخاط في أسفل الخباء رفرفا ومنه الحديث في وفاة النبي ﷺ : "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف البساط فشبه ما فضل من المحابس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفا قلت أصل هذه الكلمة من الطرف أو الجانب فمنه الرفرف في الحائط ومنه الرفرف وهو كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها الواحدة رفرفة ومنه رفرف الطير إذا حرك جناحه حول الشيء يريد أن يقع عليه والرفرف ثياب خضر يتخذ منها المحابس الواحدة رفرفة وكل ما فضل من شيء فثنى وعطف فهو رفرف وفي حديث ابن مسعود في قوله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال رأى رفرفا أخضر سد الأفق وهو في الصحيحين. فصل وأما العبقري فقال أبو عبيدة كل شيء من البسط عبقري قال ويرون أنها أرض توشى فيها وقال الليث عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال كأنهم جن عبقر قال أبو عبيدة في حديث النبي ﷺ ذكر عمر فلم أر عبقريا يفري فرية وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر وهي أرض يسكنها الجن فصار مثلا منسوبا إلى شيء رفيع وأنشد لزهير: نخال عليها جبة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا وقال أبو الحسن الواحدي وهذا القول هو الصحيح في العبقري وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد: جن البدي رواسيا أقدامها وقال آخر يصف امرأة: جنية ولها جن يعلمها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر

стр. 207

وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة وأنهم يأتون بكل أمر عجيب ولما كان عبقر معروفا بسكناهم نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليها يريدون بذلك أنه من عملهم وصنعهم هذا هو الأصل ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته ويشهد لما ذكرنا بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب كقوله في صفة عمر عبقريا وروى سلمة عن الفراء قال العبقري السيد من الرجال وهو الفاخر من الحيوان والجوهر فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشى لما نسب إليها غير الموشى وإنما ينسب إليها البسط الموشية العجيبة الصنعة كما ذكرنا كما نسب إليها كل ما بولغ في وصفة قال ابن عباس وعبقري يريد البسط الطنافس وقال الكلبي هي الطنافس المجملة وقال قتادة هي عتاق الزرابي وقال مجاهد الديباج الغليظ وعبقري جمع واحده عبقرية ولهذا وصف بالجمع وتأمل كيف وصف الله الفرش بأنها مرفوعة والزرأبي بأنها مبثوثة والنمارق بأنها مصفوفة فرفع الفرش دال على سمكها ولينها وبث الزرأبي دال على كثرتها وأنها في كل موضع لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه وصف المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما ليست مخبأة تصف في وقت دون وقت والله أعلم

стр. 208

الباب الحادي والخمسون: في ذكر خيامهم وسررهم وأرائكهم وبشخاناتهم قال تعالى ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "أن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا" وفي لفظ لهما: "في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن" وفي لفظ آخر لهما أيضا: "الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وللبخاري وحده في لفظ: "طولها ثلاثون ميلا" وهذه الخيم غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار وقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسين بن عبد الرحمن عن أحمد بن أبي الحوري قال سمعت أبا سليمان قال: ينشأ خلق الحور العين إنشأ فإذا تكامل خلقهن ضربت عليهم الملائكة الخيام وقال بعضهم: لما كن أبكارا وعادة البكر أن تكون مقصورة في خدرها حتى يأخذها بعلها أنشأ الله تعالى الحور وقصرهن في خدور الخيام حتى يجمع بينهن وبين أوليائه في الجنة وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن جابر عن القاسم بن أبي بزة عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله قال: لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذلك لا مزجات ولا زفرات ولا بخرات

стр. 209

ولا طماحات حور عين عين كأنهن بيض مكنون. حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة عن عبد الله بن ميسرة قال سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قال: در مجوف. وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان التيمي عن قتادة عن خليد القصري عن أبي الدرداء قال الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها من درة. قال ابن المبارك وأخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة الآف مصراع من ذهب. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا فضيل بن عبد الوهاب حدثنا شريك عن منصور عن مجاهد ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قال: في خيام اللؤلؤ والخيمة لؤلؤة واحدة حدثني محمد بن جعفر حدثنا منصور حدثنا يوسف بن الصباح عن أبي صالح عن ابن عباس حور مقصورات في الخيام قال الخيمة درة من لؤلؤة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ ولها ألف باب من ذهب حولها س٤رادق دوره خمسون فرسخا يدخل عليه من كل باب منها ملك بهديه من عند الله وذلك قوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ والله أعلم وأما السرر فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ فأخبر تعالى عن سررهم بإنها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض ليس بعضها خلف بعض ولا بعيدا من بعض وأخبر أنها موضونة والوضن في اللغة النضيد والنسج المضاعف يقال وضمن فلان الحجر أو الآجر بعضه فوق بعض فهو موضون وقال الليث: الوضن نسج السرير وأشباهه ويقال درع موضونة مقاربة

стр. 210

النسج وقال رجل من العرب لامرأته ضني متاع البيت أي قاربي بعضه من بعض قال أبو عبيدة والفراء والمبرد وابن قتيبة موضونة منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها فوق بعض على بعض كما توضن حلق الدرع ومنه سمي الوضين وهو نطاق من سيور تنسج فيدخل بعضها في بعض وأنشدوا للأعمش: ومن نسج داود موضونه ... تساق مع الحي عيرا فغيرا قالوا موضونة: منسوجة بقضبان الذهب مشتبكة بالدر والياقوت والزبرجد قال هشيم أنبأنا حصين عن مجاهد عن ابن عباس قال مرمولة بالذهب وقال مجاهد موصولة بالذهب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس موضونة مصفوفة فأخبر سبحانه أنها مرفوعة. قال عطاء عن ابن عباس قال سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل ما بين مكة وأيلة. وقال الكلبي طول السرير في السماء مائة ذراع فإذا أراد الرجل أن يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه فإذا جلس عليه ارتفع إلى مكانه فصل وأما الأرائك فهي جمع أريكة قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ قال لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة فإذا كان سريرا بغير حجلة لا يكون أريكة وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة ولا تكون أريكة إلا والسرير في الحجلة فإذا اجتمعا كانت أريكة وقال مجاهد هي الأسرة في الحجال قال الليث الأريكة سرير حجلة فالحجلة والسرير أريكة وجمعها أرائك وقال أبو إسحاق الأرائك الفرش

стр. 211

في الحجال قلت: ها هنا ثلاثة أشياء أحدها السرير والثانية الحجلة وهي البشخانة التى تعلق فوقه والثالث الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجمع ذلك كله وفي الصحاح الأريكة سرير متخذ مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة والجمع الأرائك وفي الحديث أن خاتم النبي ﷺ كان مثل زر الحجلة وهو الزر الذي يجمع بين طرفيها من جملة أزرارها والله أعلم.

стр. 212

الباب الثاني والخمسون: في ذكر خدمهم وغلمانهم قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون قال والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط أنه لمخلد وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل هو مخلد وقال آخرون مخلدون مقرطون مسورون أي في آذانهم القرطة وفي أيديهم الأساور وهذا اختيار ابن الأعرابي قال مخلدون مقرطون بالخلدة وجمعها خلد وهي القرطة وروى عمرو عن أبيه خلد جاريته إذا حلاها بالخلد وهي القرطة وخلد إذا أسن ولم يشب وكذلك قال سعيد بن جبير مقرطون واحتج هؤلاء بحجتين احداهما: أن الخلود عام لكل من دخل الجنة فلا بد أن تكون الولدان موصوفين بتخليد مختص بهم وذلك هو القرطة الحجة الثانية قول الشاعر: ومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن رواكد الكثبان وقال الأولون: الخلد هو البقاء قال ابن عباس: غلمان لا يموتون وقول ترجمان القرآن في هذا كاف وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل قالوا لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون وجمعت طائفة بين القولين وقالوا هم ولدان لا يعرض لهم الكبر والهرم وفي آذانهم القراطة فمن قال مقرطون أراد هذا المعنى أن كونهم ولدان أمر لازم لهم وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة

стр. 213

وفي كونه منثورا فائدتان: احداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم والثانية: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من ذهب أو حرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد وقد اختلف في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله في الجنة إنشاء على قولين فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة لهم يكونون خدم أهل الجنة وولدانهم إذ الجنة لا ولادة فيها قال الحاكم أنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا إبراهيم ابن الحسين ثنا آدم ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله ولدان مخلدون قال لم يكن لهم حسنات ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع ومن أصحاب هذا القول من قال هم أطفال المشركين فجعلهم الله خدما لأهل الجنة واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن الفاري عن أبي حازم قال المديني عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم فهم خدم أهل الجنة "يعنى الأطفال قال الدارقطني ورواه عبد العزيز الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن النبي ﷺ انتهى ورواه فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس وهذه الطرق ضعيفة فيزيد واه وفضيل بن سليمان متكلم فيه وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف قال ابن قتيبة واللاهون من لهيت عن الشيء إذا غفلت عنه وليس هو من لهوت وأصحاب القول الأول لا يقولون أن هؤلاء أولاد ولدوا لأهل الجنة فيها وإنما يقولون هم غلمان أنشأهم الله في الجنة كما أنشأ الحور العين قالوا وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة أبناء ثلاث وثلاثين لما رواه ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : "من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار" رواه الترمذي

стр. 214

والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم ولا يجعلهم غلمانا لهم وقد تقدم في حديث أنس عن النبي ﷺ : "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وفيه يطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون والمكنون المستور المصون الذي لم تبتذله الأيادي وإذا تأملت لفظة الولدان ولفظة ويطوف عليهم واعتبرتها بقوله ويطوف عليهم غلمان لهم وضممت ذلك إلى حديث أبي سعيد المذكور آنفا علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الله تعالى في الجنة خدما لأهلها والله أعلم

стр. 215

الباب الثالث والخمسون: في ذكر نساء أهل الجنة وأصنافهن وحسنهن وأوصافهن وجمالهن الظاهر والباطن الذي وصفهن الله تعالى به في كتابه قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة وقدر ما بشرك به وضمنه لك على أسهل شيء عليك وأيسره وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه والأزواج جمع زوج والمرأة زوج للرجل وهو زوجها هذا هو الأفصح وهو لغة قريش وبها نزل القرآن كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ومن العرب من يقول زوجة وهو نادر لا يكادون يقولونه وأما المطهرة فإن جرت صفة على الواحد فيجرى صفة على جمع التكسير إجراء له مجرى جماعة كقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ وقرى ظاهرة ونظائره والمطهرة من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر وكل أذى يكون من نساء الدنيا فظهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة وطهر لسانها من الفحش والبذاء وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ قال عبد الله بن المبارك ثنا شعبة عن قتادة عن أبي نظرة عن أبي سعيد عن النبي
следующие страницы →