Полный текст (168 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رمضان، وحج بيت الله الحرام١.
الحواشي
(١) زال الإسلام بفقده.
١ ذكرها المصنف ﵀, كما جاء في الحديث الصحيح:: "بني الإسلام على خمس" أي: قواعد أو دعائم, وفي رواية (على خمسة) أي: أركان, مثل الإسلام ببناء أقيم على خمسة أعمدة لا يستقيم إلا بها, وقدم الأهم فالأهم, فبدأ بقطبها شهادة أن لا إله إلا الله, ثم ثنى بشهادة أن محمد رسول الله, وكثيراً ما تقرن بها, تم قال: وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج بيت الله الحرام, فهذه مباني الإسلام التي ابتنى وتركب منها, وتأتي أدلتها, وكل خصلة من خصال الإيمان داخلة في الإسلام, وكل خصلة من خصال الإسلام داخلة في الإيمان, فما كان للأعمال الباطنة فمصف الإيمان أغلب من وصف الإسلام, وما كان من الأعمال الدينية الظاهرة كالشهادتين والصلاة وأنواع العبادات التي تظهر ويطلع عليها الناس,стр. 72
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ٢ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ
الحواشي
(١) فوصف الإسلام عليها أغلب من وصف الإيمان, فدائرة الإسلام أوسع من دائرة الإيمان, كما أن دائرة الإيمان أوسع من دائرة الإحسان.
١ هذا شروع من المصنف في بيان أدلة أركان الإسلام الخمسة, والشهادة: خبر قاطع, وأطلق لفظ الشهادة على شهادة أن لا إله إلا الله, لأنها أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به, فلا ينصرف الإطلاق إلا إليها.
٢ أي: لا معبود بحق في الوجود إلا هو وحده, فهو الإله الحق, ومن ادعيت فيه الألوهية سواه فهو أبطل الباطل وأضل الضلال, فالله الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون كل ما سواه, وعبارات السلف في الشهادة تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار, وذكر ابن القيم وغيره أنه لا تنافي بينها, فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله, وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه,стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأول مراتبها: علم, ومعرفة, واعتقاد لصحة المشهود به, وتكلمه بذلك, وإعلامه غيره بما شهد به, وإلزامه بمضمونها, وشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع, علمه بذلك, وتكلمه به, وإعلامه, وإخباره لخلقه به, وأمرهم وإلزامهم به, فأما العلم فالشهادة تتضمنه ضرورة, ومن تكلم به فقد شهد به, ولفظ الشهادة يستعمل في الإعلام, وتدل على الأمر, وشهادته سبحانه هي أعظم شهادة في الوجود أنه لا إله إلا هو المتفرد بالإلهية, من أعظم شاهد, وهو الله وتقدّس, على أعظم مشهود به وهو وحدانيته جلّ وعلا, فإنه لا شهادة أعظم ولا أجل ولا أثبت من شهادة تعالى لنفسه بالألوهية, وشهادة رب العالمين لا ينقصها شيء البتة, وذكر الكلبي أن حبرين من أحبار الشام قدم على النبي ﷺ فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله هذه الآية, فأسلما.стр. 74
الْعِلْمِ١ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ
الحواشي
(١) ١ أي: والملائكة شهدوا لله بأنه لا إله إلا هو, كما شهد الله بذلك لنفسه المقدسة, وأولوا العلم شهدوا بذلك أيضاً أنه لا إله إلا هو, وفسرت بالإقرار والتبيين والإظهار, واستشهادهم فيه تعديل وتزكية لأهل العلم إذا ارتقوا إلى هذا المقام الذي استشهدهم الله تعالى فيه على وحدانيته , ولينتف جحد الجاحدين وانتحال المبطلين, وهذا في أعظم حاثٍّ لك على طلب العلم.
فإن الله شهد واستشهد الملائكة, واستشهد أهل العلم, ففي هذه الشهادة رفعة أهل العلم, حيث استشهدوا على ما شهد به رب العالمين, وأي ثناء أشرف من هذا الثناء عليهم وتعديلهم, وشهادته لهم على أنهم أهل العلم, وجعلهم حجة على من أنكرها, فدل على فضل العلم, وفي الحديث (يحمل هذا العلم من كل أمة عدو لها) , وهذا أعظم مرغب في العلم وإن زهد فيه الأكثر, والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي هو نور القلوبстр. 75
لْحَكِيمُ١﴾ [آل عمران:١٨]
وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا الله٢
الحواشي
(١) وحياتها, وغيره علم نسبي إضافي إما إلى أمور دنيوية, أو علوم حسابية وصناعية أو غير ذلك, وأهله ليسوا من أهل العلم إلا على العلم الشرعي الديني.
١ أي: قائماً بالعدل, فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده, وبالوحدانية في عدله, والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال, ونظم الآية شهد الله قائماً بالقسط أنه لا إله إلا هو, ف (قائماً) نصب على الحال, و (لا إله إلا هو) توكيد لما سبق, لعظم شأن التوحيد, ثم أثنى على نفسه المقدسة فأخبر بأنه (العزيز) الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً.
(الحكيم) : في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره, فتضمنت هذه الآية الكريمة أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجلّ شاهد, بأجلّ مشهود به, وتضمنت توحيده تعالى وعدله وعزته وحكمته.
٢ أي: ومعنى هذه الكلمة العظيمة شهادة أن لا إلهстр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إلا الله: (لا معبود) أي: لا مألوه (بحق إلا الله) وحده دون كل ما سواه, بل كل مألوه سوى الله فإلهيته أبطل الباطل وأضل الضلال, ففيها نفي الإلهية عن غير الله وإثباتها لله وحده, وسيقت لتوحيد الإلهية مطابقة, لا كما يقول بعض الجهلة: أن معناها: لا يخلق ولا يرزق إلا الله, ولا يدبر الأمر إلا الله, فإنها وإن دلت عليه بطريق التضمن فهي موضوعة لتوحيد الإلهية الذي هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة, الذي أرسلت الرسل وأنزلت الكتب في تقريره وإيضاحه, وأما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون كأبي جهل وأضرابه, كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: من الآية٣١] أي: أنه الذي يفعل ذلك, ولم ينازعوا فيه ولا امتنعوا من الإقرار به, بل احتج تعالى عليهم بإقرارهم توحيد الربوبية على توحيد الإلهية,стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فقال ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: من الآية٣١] أي: الشرك به في عبادته, فإنهم يعرفون معناها، وأنها دلت على إفراد الله بالعبادة, ولهذا أنكروا أن يكون الله هو المعبود وحده, وقالوا: شتم آلهتنا, وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ (صّ: ٥] بل يريدون أن يجعلوا بينهم وبين الله وسائط وشركاء في العبادة, فإن نفوسهم وإحساسهم امتزجت بالشرك وأنشأت عليه وألفته, فصاروا كالمريض الذي فسد مزاجه, فإذا أوتي بالطعام الحلو قال: هذا مر, وهو ليس بمر, ولكن الآفة من مزاجه الفاسد, بالنسبة إلى عقولهم الفاسدة, فكذلك النور والحق المبين الذي جاء عن النبي ﷺ هو عندهم وأمثالهم مر بالنسبة إلى مزاجاتهم, والمقصود: أنهم عرفوا أن مدلولها أن يكون المعبود هو الله وحده, وبهذا تعرف أن مدلول لا إله إلا الله مطابقةً: هو إفراد الله بالعبادة.стр. 78
لا إله) نافياً مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ١.
(إِلا اللهُ) مثبتاً العبادة لله
الحواشي
(١) ١ الإله: فعال بمعنى: مفعول, ككتاب بمعنى: مكتوب, مشتق من أله, يألهه إلهة أي: عبد يعبد عبادةً لفظاً ومعنىً, والإله: هو المعبود المطاع, فالنفي في كلمة الإخلاص (لا إله) أي: لا مألوه يستحق أن يعبد إلا الله, فإذا قلت: لا إله, كنت نافياً جميع ما يعبد دون ما سوى الله, يعني: والآلهة غير الله كثيرة طبق الأرض ولكن بالباطل والضلال, وإنما الإله المستحق للعبادة هو الله وحده, وآلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله إنما هي مجرد ظن منهم وإتباع لهواهم, كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [لنجم:١٩] إلى قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [لنجم:٢٣]стр. 79
وَحْدَهُ١ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه
الحواشي
(١) ١ أي: والإثبات في كلمة الإخلاص قولك: (إلا الله) هو المستثنى في هذه الكلمة العظيمة, ودلالتها على إثبات الإلهية لله وحده أعظم من دلالة قولنا: الله إله, ف (لا) نافية للجنس, وخبرها المرفوع محذوف تقديره حق, ف (لا الله) استثناء من الخبر المرفوع, فالله هو الحق, وعبادته وحده هي الحق, وعبادة غيره منفية ب (لا) في هذه الكلمة, قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: من الآية٦٢) ] والقرآن كله يدل على إثبات العبادة لله وحده, ف (لا إله إلا الله) اشتملت على أمرين هما ركناها: النفي, والإثبات, ف (لا إله) نافياً وجود معبود بحق سوى الله, و (إلا الله) مثبتاً العبادة لله وحده دون كل ما سواه, والنفي المحض ليس بتوحيد, وكذلك الإثبات المحض, فلابد الجمع بين النفي والإثبات, وشروطها ثمانية: أحدها: العلم المنافي للجهل. الثاني: اليقين المنافي للشك.стр. 80
لاشريك له فِي مُلْكِهِ١.
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
الحواشي
(١) الثالث: القبول المنافي للرد. الرابع: الانقياد المنافي للترك. الخامس: الإخلاص المنافي للشرك. السادس: الصدق المنافي للنفاق. السابع: المحبة المنافية لضدها. الثامن: الكفر بما سوى الله تعالى.
١ يعني: فكما أنه المتفرد في ملكه فهو يدل على أن يفرد بالعبادة. فإن من أظلم الظلم أن يجعل المخلوق الذي ليس شريكاً لله في الملك شريكاً لله في العبادة, تعالى الله وتقدّس, ولهذا يحتج على من أنكر ألوهيته بما أقر به ندمن ربوبيته, فإن توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الإلهية, ولهذا قال: (كما أنه لا شريك له في ملكه) .
٢ أي: تفسير شهادة أن لا إله إلا الله الذي بينها بياناً تاماً من القرآن, فإنه تعالى بينها في كتابه في غير موضع, ولم يوَكل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه.стр. 81
لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ١ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي٢ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ٣ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ
الحواشي
(١) ١ أخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعده من الأنبياء أنه قال لأبيه آزر وقومه أهل بابل وملكهم النمرود- وكانوا يعبدون الأصنام-: ﴿إِنَّنِي بَرَا﴾ أي: بريء ﴿مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ من الأوثان, وهذا في معنى (لا إله) .
٢ أي: ابتدأ خلقي وبرأني. وفيه معنى (إلا الله) , فدلت الآية على ما دلت عليه (لا إله إلا الله) ، ولهذا يقال ل (لا) النافية للجنس عند النحاة: لام التبرئة, فالخليل ﵇ تبرأ من آلهتهم سوى الله, ولم يتبرأ من عبادة الله, بل استثنى من المعبودين ربه.
٣ أي: يرشدني لدينه القويم وصراطه المستقيم, وقد أمرنا تعالى أن نتأسى به, كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: من الآية٤]стр. 82
يَرْجِعُونَ١﴾ [الزخرف:٢٦-٢٨]
وقوله:
١ أي: وجعل كلمة التوحيد, وهي: (لا إله إلا الله) باقية في نسله وذريته يقتدي به فيها من هداه. الله من ذريته (لعلّهم) أي: لعل أهل مكة وغيرهم (يرجعون) إلى دين إبراهيم الخليل. والكلمة هي: (لا إله إلا الله) بإجماع المفسرين, فعبر عن معنى (لا إله) بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ . وعبّر عن معنى (إلا الله) بقوله: (إلا الذي فطرني) . فتبين أن معنى (لا إله إلا الله) هو: البراءة من عبادة كل ما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله كما تقدم. وبين تعالى معنى (لا إله إلا الله) في آيات كثيرة من كتابه يتعذر حصرها, كقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الاسراء: من الآية٢٣] , وفي ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ ما في معنى (لا إله) , وقوله (إلا إياه) هو الإثبات الذي أثبته (لا إله إلا الله) , إذ يعبر عن الشيء إلا بمعناه, فبهذا ونحوه تعرف أن معنى (لا إله إلا الله) النفي والإثبات, والولاء والبراء والتجريد والتفريد. وهذه
стр. 83
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ١ أَلاَّ نَعْبُدَ
الحواشي
(١) التفاسير ونحوها ترجع إلى معنى واحد, وهو: تجريد غير الله عن الألوهية وتفريدها لله وحده دون كل من سواه, والبراءة من تأله غير الله بالكلية ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
١ أي: ودليل الشهادة أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ , أمر نبيه محمداً ﷺ أن يقول لأهل الكتاب: اليهود, والنصارى: (تعالوا) أي: هلموا (إلى كلمة) واحدة لا غير, والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما هنا ﴿سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف لا يختلف فيها رسول ولا كتاب, نستوي نحن وأنتم في فرضيتها ووجوبها علينا وعليكم. ومن المعلوم أن الكلمة هي التي يدعو إليها جميع الناس, فإنه ليس في الوجود سوى كلمة التوحيد عند الاستقراء والتتبع, فإنه ﷺ قالстр. 84
إِلاَّ اللهَ١ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً٢ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ٣ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ٤﴾ [آل عمران:٦٤]
الحواشي
(١) لقريش: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" , وهي الكلمة التي تدعو إليها الرسل جميع الخلق, قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥]
فتقرر أنه ليس كلمة هنا غيرها, وقد فسرها تعالى بذلك.
١ أي: لا نوحد نحن وأنتم بالعبادة إلا الله, فوضح معنى الكلمة, فإن في قوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ معنى (لا إله إلا الله) , فتبين أن لا معبود حق إلا الله وحده.
٢ لا صليباً, ولا صنماً, ولا طاغوتاً, ولا ناراً, ولا شيئاً غير الله, بل نفرده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له, وهذه دعوة جميع الرسل.
٣ لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله, كما فعلت اليهود والنصارى.
٤ أي: فإن امتنعوا وأدبروا وأعرضوا عن الإجابة إلىстр. 85
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ١ قَوْلُهُ
الحواشي
(١) إفراد الله بالعبادة فقولوا – أنتم يا أمة محمد-لهم: ﴿اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله بالتوحيد دونهم, أي: صرحوا لهم شفاهةً بأنكم مسلمون وأنهم كفار, وأنكم براء منهم وهم براء منكم, وهذا دال على أنه لابد تبين للكفار حتى يتفهموا ويتحققوا أنهم ليسوا على دين, وأن دينك خلاف دينهم الذي هم عليه, وأن دينهم خلاف دينك
١ يعني: من النقل, وأما العقل فنبّه عليه القرآن, كما ذكر المصنف وغيره.
ومنه قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: من الآية٩١] , وقول الرجل: إن رسول الله, إما أن يكون خير الناس وأصدقهم, وإنا أن يكون شرهم وأكذبهم, والتمييز بين ذلك يعرف بأمور كثيرة, نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾стр. 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]
ومنه شهادة الله عليه بقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: من الآية٤٣] , ومن حكمته تعالى: أنه لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به إقامة للحجة, فأخبر أنهه أرسلهم بالبيانات, وأعظم الآيات العقلية هذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله بحديث مثله أو عشر سور أو سورة من مثله, مع عداوة أهل الأرض له, علمائهم وفصحائهم, واستعجازهم به, ولم يتعرضوا لذلك, مع شدة حرصهم على تكذيبه.
ومنه: نصرة من اتبعه ولو كان أضعف الناس.
ومنه: خذلان من عداه وعقوبته في الدنيا ولو كان أكثر الناس وأقواهم.
ومنها: كونه ﷺ لا يخط ولا يقرأ الخط, ولا أخذ عن العلماء.
ومنها: إخباره عن المغيبات التي أطلعه الله عليها, فإن ما غاب عنا أو كان قبلنا فلا يعرف إلا بالخبر عنه.стр. 87
تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ١ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ٢
الحواشي
(١) ومنها: انشقاق القمر, وحنين الجذع, ونبوع الماء بين أصابعه, وإطعام مئين من صاع شعير, وغير ذلك من آياته المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير, مما لا يحصى كثرة.
ومنها: إذعان ملوك اليمن والبحرين وغيرهما لأمره, للآيات التي صحت عندهم عنه, فنزلوا عن ملكهم طوعاً, وكذا كل من اتبعه لما بهرهم من آياته.
١ يمتنّ تعالى على المؤمنين بإرسال محمد ﷺ إليهم رسولا ً من أنفسهم يعرفون نسبه وصدقه, ليس بملك لا يتمكنون بسؤاله, بل بشر يتمكنون من سؤاله, بما شاءوا من أمور دينهم ودنياهم, وعلى القراءة الثانية بفتح الفاء, أي: من أشرفهم وأكرمهم, وأيضاً كونه معروف النسب, والمدخل والمخرج, أميناً صدوقاً, حتى إنه يسمى قبل مبعثه: الأمين, ومن كان كذلك فإن النعمة به على العباد تكون أكبر وأعظم.
٢ أي: شديد شاق عليه الذي يعنت أمته ويشقстр. 88
حَرِيصٌ عَلَيْكُم١ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ٢﴾ [التوبة:١٢٨]
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: "طَاعَتُهُ فِيمَا أمر٣، وتصديقه فيما أخبر٤، واجتناب ما عنه نهى
الحواشي
(١) عليها ويدخلها في الآصار والأغلال, وقال: "بعثت بالحنفية السمحة", وقال: "إن هذا الدين يسر" وشريعته ﷺ سمحة وسهلة, ومع ذلك فهي كاملة
١ أي: على هدايتكم وإنقاذكم من النار
٢ أي: رأفته ورحمته خاصة بالمؤمنين, كما أن غلظته وشدّته على الكافرين.
٣ وقد وجوب طاعته بالكتاب والسنة, وقرن سبحانه طاعته بطاعته في غير موضع من كتابه, ومن عصاه فقد عصى الله, ومن عصى الله فله نار جهنم
٤ فهو الصادق المصدوق ﷺ , وأمين الله على وحيه فكل شيء أخبر به فهو حق وصدق, لا كذب فيه ولا خلفстр. 89
وزجر١، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع٢".
الحواشي
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: من الآية٧] , وقال ﵊: "ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم, وما نهيتكم عنه فاجتنبوه".
٢ لا بالأهواء والبدع, فإن الأصل في العبادات التشريع , وكل بدعة ضلالة, هذا معنى شهادة أن محمد رسول الله من طريق اللزوم, ولا ريب أنها تقتضي الإيمان به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر والانتهاء عما عنه نها زجر, وأن يعظم أمره ونهيه, ولا يقدم عليه قول أحد، ولا بد مع النطق بها من العمل بما دلت عليه، فقولها باللسان دون العمل بما دلت عليه لا يصير به من أهل شهادة أن محمد رسول الله، كما أن قوله: (لا إله إلا الله)
بدون العمل بما دلت عليه لا يصير به من أهل شهادة أن لا إله إلا الله على الحقيقة، فأول ما يجب على الإنسان أن يعلم بقلبه علم يقين، وينطقстр. 90
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء٢ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ٣
الحواشي
(١) وينطق بلسانه بالشهادتين ,ويعمل بما دلت عليه.
١ أي: ودليل الصلاة والزكاة, فإنهما ركنان من أركان الدين الخمسة التي لا يستقيم
إسلام عبد إلا بهما, وكذا في الآية تفسير التوحيد أيضاً, وهو الأساس الذي لا يستقيم إسلام عبد إلا به
٢ أي: وما أمر الذين كفروا إلا ليوحدوا الله ويفردوه بالعبادة, حنفاء مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام, قال ابن عباس: (ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين) , وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥] , وهذا هو تفسير التوحيد
٣ أي: يقيموا الصلاة المكتوبة بأركانها وواجباتها في أوقاتها, ويؤتوا الزكاة عند محلها, وهذا هو دليلстр. 91
وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ١﴾ [البينة:٥]
َودَلِيلُ الصِّيَامِ٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ٣َ﴾ [البقرة:١٨٣]
اـ
لصلاة والزكاة, وأنهما ركنان من أركان الإسلام لا يستقيم بدونهما, وكثيراً ما يقرنهما تعالى في كتابه العزيز
١ أي: الذي أمروا به في هذه الآية الكريمة هو الملة والشريعة المستقيمة
٢ وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم الإسلام إلا بها, والصيام في اللغة: الإمساك, وفي الشرع: هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع, مع النية في وقت مخصوص, من شخص مخصوص
٣ أمر تعالى عباده المؤمنين من هذه الأمة بالصيام, لما فيه من زكاة النفوس وتطهيرها, وتنقيتها من الأخلاط الرديئة, والأخلاق الرذيلة, وفرض في
стр. 92
َودَلِيلُ الْحَجِّ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى الناسِ حِجُّ البَيِت٢ مِنَ استَطَاعَ إلَيهِ سَبِيلاً٣ وَمَن
الحواشي
(١) السنة الثانية للهجرة, وذكر تعالى أنه فرضه وأوجبه عليهم, كما أوجبه على من كان من قبلهم, فلهم فيهم أسوة, قال شيخ الإسلام: كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه, كما في الصحيحين "يوم عاشوراء كان يوماً تصمه قريش في الجاهلية", ثم هو من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يعني: بالصوم، لأنه وصلة إلى التقوى, لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات
١ وأنه أحد أركان الإسلام، والحج لغة: قصد الشيء وإتيانه، وشرعا: قصد مكة لعمل مخصوص، في زمن مخصوص
٢ أي: ﴿ولِلَّهِ﴾ فرض واجب على الناس، ﴿حِجُّ البَيِت﴾ قصده أداء النسك، فهو أحد أركان الإسلام، كما هو معلوم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة
٣ أي: على المستطيع من الناس أن يحج البيت،стр. 93
كَفَرَ فَإنَّ الَّلهَ غَني عِن العَالَمِينَ١﴾ [آل عمران:٩٧]
المرتبة الثانية:
الإيمان٢: وهو بضع
الحواشي
(١) والإستطاعة: القدرة بنفسه على الذهاب، ووجود الزاد والراحلة، بعد قضاء الواجبات عليه وغير ذلك مما هو معلوم في كتب التفسير والفقه.
١ أي: من وجد ما يحج به ولم يحج حتى مات فهو كفر به، وإذا كان دل على كفره فقد دل على آكدية ركنيته، وفي الأثر: "من مات ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا".
٢ قدم المرتبة الأولى: وهي الإسلام، وثنى بمرتبة الإيمان، وهي أعم من مرتبة الإسلام من جهة نفسها، وأخص من جهة أصحابها، وأهله هم خواص أهل الإسلام، وأهل الإسلام أكثر من أهل الإيمان، بخلاف العكس، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾стр. 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [الحجرات: من الآية١٤] ، فإن من حكمت له النصوص أنه مؤمن فإنه مسلم على كل حال، فإن الإيمان وصف أعلى من وصف الإسلام، لأنه مشتق من الأمن فهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه, ويكون خفية, والإسلام من الأمور المدركة المحسوسة في الظاهر, مشتق من التسليم أو المسالمة كما تقدم, فإذا أطلق الإيمان في النصوص دخل فيه الإسلام, وإذا أطلق الإسلام لم يدخل فيه الإيمان, ومن أثبت له الإيمان في النصوص, فإنه ثابت له الإسلام, والمسلم لابد أن يكون معه إيمان يصحح إسلامه, وإلا كان منافقاً, ولكن لا يستحق أن يمدح به ويثنى عليه, بل إيمانه ناقص, ويأتي تمثيله, والإيمان الرعي: وعمل, قول القلب واللسان, وعمل القلب واللسان والجوارح, ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, فدخل فيه جميع المأمورات, سواء كان من بالواجبات أو المستحبات, ودخل فيه ترك جميع المنهيات, سواءстр. 95
وَسَبْعُونَ شُعْبَةً١، فَأَعْلاهَا قَوْلُ: لا اله إِلا الله٢، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق٣،
الحواشي
(١) كان ذلك المنهي ينافي أصول الدين بالكلية أو لا, فإن تعريفه المذكور يشمل ذلك, فما من خصلة من خصال الطاعات إلا وهي من الإيمان, ولا ترك محرم من المحرمات إلا وهو من الإيمان
١ الِبضع: بكسر الباء من الثلاثة إلى التسعة, والشعبة: الطائفة من الشيء والقطعة منه, وشعبة من شعب الإيمان يدخل تحتها أفراد من الخصال, فهي من حيث هذا العدد يكون تحتها أفراد.
٢ أي: فأعلى شعب الإيمان قول العبد: لا إله إلا الله, فهي كلمة الإخلاص, وكلمة الإسلام, وهي العروة الوثقى, وكلمة التقوى, وأساس الملة, ومفتاح الجنة
٣ أي: وأصغر شعب الإيمان إزالة الأذى عن الطريق, من شوك وحجر ونحو ذلك, مما يتأذى المار به.стр. 96
والحياء شعبة من الإيمان١.
وأركانه ستة٢: أن تؤمن بالله٣،
الحواشي
(١) ١ أي: بعض منه, وإنما جعله بعضه, لأن المستحي ينقطع بحياته عن المعاصي, ولأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار وانتهاء, فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان, والحياء من أفضل الأخلاق, وأجلها وأعظمها قدرا, بل هو خاصة الإنسانية, وفي الحديث: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت", وهو غريزة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين, ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين.
٢ أي: أصول الإيمان التي تركب منها, والتي يزول بزوالها ستة أركان, ويكون بزوال الواحد من تلك الستة كافراً كفراً يخرج من الملة, وما عداها لا يزول بزواله, لكن منها ما يزول بزواله كمال الإيمان الواجب, ومنها ما يزول بزواله كمال الإيمان المندوب
٣ هذا أعظم أركان الإيمان, وهو أصل الأصول, ومعناه: الإيمان بوحدانية الله تعالى, وتفردهстр. 97
وملائكته١، وكتبه٢، ورسله٣، واليوم
الحواشي
(١) بأسماءه وصفاته, والإيمان بأنه الإله الحق, وأن من عبد من دونه فعبادته أبطل الباطل, وأضل الضلال
١ يعني: وأن تؤمن بجميع ملائكته, وهم الجنس المعروف من خلق الله بتعريف النصوص, عباد مكرمون, خلقوا من نور, يؤمن بهم إجمالاًً في الإجمالي, وتفصيلا في التفصيل, وتعين في التعين, مثل ما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة, كجبرائيل, وميكائيل, وإسرافيل, مالك, ورضوان, وغيرهم
٢ المنزلة على الأنبياء من السماء, إجمالاً في الإجمالي, وتفصيلاً في التفصيلي, ويفصل بالإيمان, بالقرآن, والزبور, والتوراة, والإنجيل, إلى آخر الكتب المنزلة
٣ أي: وكذا الإيمان بجميع رسله إجمالاً في الإجمالي, وتفصيلاً في التفصيلي, فيؤمن بمن جاء تفصيلهم في الكتاب والسنة على التعين, وأعظم ذلك الإيمان بنبينا محمد ﷺ , وممن يؤمن بهمстр. 98
الآخر١، وبالقدر خيره
الحواشي
(١) تفصيلاً أولوا العزم من الرسل: نوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام, ويؤمن بغيرهم ممن سمى الله في كتابه أو على لسان رسوله في السنة المطهرة, ومن لم يسمى في النصوص يؤمن بهم إجمالاً ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: من الآية٢٨٥] والإيمان بهم فرض, وهو: التصديق بأنهم رسل الله إلى عباده, صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى
١ أي: بما يكون بعد الموت في البرزخ, وبالحساب, والميزان, والجنة, والنار, والإيمان بعذاب القبر ونعيمه, وأكبر ذلك وأعظمه الإيمان ببعث هذه الأجساد وإعادتها كما كانت أجساداً بعظامها وأعصابها, حتى يقع الثواب على هذا الجسد والروح جميعاً, على ما فعلا من طاعة الله, أو يعاقبا على المعاصي التي صدرت منها جميعاً, فإن الطاعة والمعصية صدرت منها جميعاً, فلا بد أن يثابا على ما فعلا, أو يعاقبا على ما تركاстр. 99
وَشَرِّهِ١
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ٢ قَوْلُهُ
الحواشي
(١) فتؤمن أن الذي أوجد هذا الجسد وانفرد بخلقه يبعثه ويعيده كما كان
١ أي: بما قدره الله, يعني: كتبه من خير وشر, والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة أشياء: الإيمان بعلم الله القديم, فإن الرب تعالى علم بعلمه القديم ما هو كائن, والإيمان بأن الله كتب ما علم أنه كائن من العباد, والإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله تعالى, وأن الله تعالى اوجد جميع الخلق, وأن ما في الكون بتقدير الله وإيجاده, فلا يصير المرء مؤمناً بالقدر إلا بالإيمان بهذه الأربعة الأشياء, وأن يعلم أنما أصابه لم يكن ليخطأه, وما أخطأه لم يكن ليصبه, وفي الأثر: " ما لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار".
٢ أي: أنها أركان للإيمان, لا يستقيم إيمان العبد إلاстр. 100
تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ١ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ٢ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ
الحواشي
(١) بها جميعها, وأنه متى انتفى واحد منها لم يكن المرء مؤمناً
١ قد اشتملت هذه الآية على جملا عظيمة, وعقيدة مستقيمة, وروي أنه ﷺ سئل عن الإيمان, فتلا هذه الآية ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ وهو كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة. ﴿أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي: ليس بالبر كله أن تصلوا إلى بيت المقدس عن لم يكن أمر الله وشرعه, وذلك لما حولوا إلى الكعبة.
٢ ولكن البر امتثال أوامر الله وإتباع ما شرع, وأعظم ما ذكر في هذه الآية, أو هذه أنواع البر كلها, وبدأ بالإيمان, أي: ولكن البر الإيمان بالله, أو ولكن البر بر من آمن بالله, أو ذا البر بر من آمن بالله, أي: بتفرده جلّ وعلا بالربوبية والإلهية,стр. 101
والنَّبِيِّينَ١﴾ [البقرة:١٧٧]
ودليل القدر٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ٣﴾
الحواشي
(١) والأسماء الحسنى والصفات العليا إذ هو أصل الأصول, والإيمان باليوم الآخر, وهو البعث بعد الموت, ينقضي بقضاء الخلق في الدنيا ويموت كل من فيها ثم يحيى الله الموتى, ويعيد الأجساد كما كانت, ويرد إليها الأرواح كما كانت, ويجمع الأولين والآخرين ويوفي كل عامل عمله
١ أي: وصدق بوجود الملائكة كلهم وأشرفهم السفرة بين الله ورسوله, وآمن بالكتاب, وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حتى ختمها بالكتاب العزيز, وهو القرآن الكريم, المهيمن على ما قبله من الكتب, وجاء أنها مائة كتاب وأربعة كتب, وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى آخرهم, خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
٢ وأنه ركن من أركان الإيمان لا يستقيم الإيمان إلا به.
٣ أي: ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوحстр. 102
[القمر:٤٩]
المرتبة الثالثة:
الإحسان١:
الحواشي
(١) المحفوظ, وفي الحديث: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
١ قدم مرتبتي الإسلام والإيمان, وثلث بالرتبة الثالثة من مراتب الدين, وهي الإحسان, والإحسان: نهاية الإخلاص, والإخلاص: هو إقاع العمل على أكمل وجوهه في الظاهر والباطن, بحيث يكون قائما به في الباطن والظاهر على أكمل الوجوه, وهذا هو الإحسان, ولذا يفسر بالإخلاص, واشتقاقه من الحسن نهاية الإخلاص الناشئ عن حقيقة الاستحضار, ومن حيث الظاهر كمال المتابعة, وتفسيره بالإخلاص تفسير له بنتيجته وثمرته, فإن من اتصف بذلك فإنه يكمل العلم في الظاهر والباطن فالإحسان أعلى المراتب وأعمها من جهة نفسها وأخصها من جهة أصحابها, كما أن الإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه, ولهذا يقال: كل محسن مؤمن مسلم,стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وليس كل مسلم مؤمناً محسناً, وكلما أطلق الإحسان فإنه يدخل فيه الإيمان والإسلام فإن الإسلام والإيمان والإحسان دوائر, أوسعها دائرة الإسلام ثم يليها في السعة الإيمان, ثم أضيقها الإحسان, كدوائر كل واحدة منها محيطة بالأخرى, ومعلوم أن من كان في دائرة الإحسان فهو داخل في الإسلام والإيمان, وإذا خرج عن الأولى فهو داخل في الثانية, وهي دائرة الإيمان, وإذا خرج عنها فهو داخل في الثالثة وهي دائرة الإسلام, ومن خرج عن هذه الدوائر الثالث فهو خارج إلى غضب الله وعقابه, وداخل في دوائر الشيطان –والعياذ بالله- فظهر بالتمثيل بهذه الدوائر صحة قول من قال: كل محسن مؤمن مسلم , وليس كل مسلم مؤمناً محسناً, فلا يلزم من دخوله في الإسلام أن يكون داخلا في الإحسان والإيمان, وليس المراد أن من لم يكن في الإحسان والإيمان أن يكون كافراً, بل يكون مسلما ومعه من الإيمانстр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ما يصحح إسلامه, لكن لا يكون مؤمناً الإيمان الكامل الذي يستحق أن يثنى عليه به, فإنه لو كان مؤمنا الإيمان الكامل لمنعه من المعاصي والمحرمات, وقيل للنبي ﷺ : أعطيتهم وتركت فلان وهو مؤمن, فقال: " أو مسلم", وقال: " لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن, ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ... " الحديث, وقال: "والله لا يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه".
فالنصوص ما نفت عنهم الإسلام, بل أثبتت لهم أحكام الإسلام من عصمة الدم وإذا ماتوا غسلوا وكفنوا وصلي عليهم, فأهل الإحسان هم خواص أهل الإيمان, كما أن أهل الإيمان هم خواص أهل الإسلام فإن أهل الإحسان كملوا عبادتة الله حتى وصلوا إلى حد المراقبةстр. 105
ركن واحد١، وهو: " أن تعبد الله كأنك تراه٢، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ٣.
الحواشي
(١) ١ أي: شيء واحد, ولم يذكر له أركانا كما ذكر للإسلام والإيمان
٢ أي: والإحسان: هو أن تعبد الله العبادة البدنية كالصلاة, أو المالية كالذبح, كأنك تشاهد معبودك الذي قمت بين يديه وقربت له القربان وأطعته فيما أمرك به, فإنه إذ انكشفت الحقيقة للقلب وبلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال وأحست الروح بالقرب الخاص الذي ليس كقرب المحسوس من المحسوس حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه أفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب فصار يعبده كأنه يراه
٣ أي: وإن لم تعبده على استحضار الدرجة الأولى –درجة المراقبة- فاعلم أنه يراك سميع عليم بصير, مطلع على جميع خفياتك. فهاتان درجتانстр. 106
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ١﴾ [النحل:١٢٨] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ٢ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ٣ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ٤ (٢١٩)
الحواشي
(١) إحداهما أكمل من الأخرى, فإن لم تحصل على عبادة الله كأنك تشاهده فاعبده على مرأى من الله, وأنه سمع عليم بجميع ما تفعله.
١ أي: أن الله مع عباده الذين اتقوا المنهيات, والذين هم محسنون في العمل يحفظهم ويكلؤهم ويؤيدهم, وهذه معية خاصة, ومقتضاها مقتضى العامة, وتقتضي المعية الخاصة معنا زائد بحسب مواطنها
٢ في جميع أمورك فإنه مؤيدك وحافظك
٣ ومعتن بك في جميع حركاتك وسكاناتك
٤ أي: يراك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك.стр. 107
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ١﴾ [الشعراء:٢١٧ ـ٢٢٠] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ٢ [يونس:٦١] والدليل من السنة٣: حديث جبريل المشهور
الحواشي
(١) ١أي: سميع لأقوال عباده, العليم بحركاتهم وسكناتهم, وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]
وغيرها من الآيات الدالة على رؤية الله واطلاعها على أفعال خلقه
٢ أي: ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمد في عمل من الأعمال, ﴿وَمَا تَتْلُو﴾ من الله من قرآن نازل, أو من شان من قرآن نزل فيه, ﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أنت وأمتك ﴿إِلاَّ كُنَّا﴾ أي: إلا ونحن عليكم شهوداً مشاهدون لكم راؤون سامعون, ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تأخذون في ذلك الشيء
٣ أي: والدليل على مراتب الدين الثلاث من الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في ذلك.стр. 108
عن عمر رضي الله عنه١ قال: "بينا نحن جلوس عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ٣، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ٤، لا يُرى
الحواشي
(١) ١من طرق عن النبي ﷺ , وإنما ذكر المصنف ﵀ ما أخرجه مسلم من حديث عمر ﵁, لما فيه من زوائد الفوائد, وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة, ولأحمد وغيره نحوه من حديث ابن عباس وغيره, وهو حديث جليل عظيم الشأن, يشتمل على بيان الدين كله
٢ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ بارزا يوماً للناس.
٣ ولأبي فروة: فإنا لجلوسا عنده, إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً, وأطيب الناس ريحاً, كأن ثيابه لم يمسها دنس
٤ ولابن حبان: شديد سواد اللحيةстр. 109
عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ١، فجلس إلى النبي فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فخذيه٢،
الحواشي
(١) ١ ولسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفرو وليس من البلد. اهـ. وتعجب الصحابة من هذا الرجل حيث كان شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر, والمسافر من شأنه أن لا يكون كذلك, ومع ذلك لا يرى عليه أثر السفر, ولم يعرفه الحاضرون. وفي رواية عثمان: فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ : "سلوني" فهابوا أن يسألوه, قال: فجاء رجل
٢ وفي حديث ابن عباس وغيره: ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ . ولسليمان التيمي: فتخطى حتى برك بين يدي النبي ﷺ كما يجلس احدنا في الصلاة, ثم وضع يديه على ركبة النبي ﷺ . وصنيعه ﵇ منبه للإصغاء إليه, وفيه إشارةстр. 110
وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام١. قال: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزكاة، وتصوم رمضان،
الحواشي
(١) لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدوا من جفاء السائل, كوضعه يده على ركبته, ولعل مبالغة جبرائيل تعمية لأمره
١ ولفظ الترمذي وغيره: أنه بدء بالسؤال عن الإيمان قبل الإسلام, كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة, وفي بعض روايات حديث عمر: أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان, قال الحافظ: ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها, وليس في السياق ترتيب, وفي رواية أبي فروة أنه قال: السلام عليك يا رسول الله قبل السؤال. وقوله: يا محمد, أخبرني عن الإسلام, لعله مبالغة في التعمية.следующие страницы →