في الصحيح عن عائشة ﵂ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه (٢) ،
ــ
= ليس عليه وفاء، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله ويقول ما أمر به النبي ﷺ " من حلف وقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله " ١ متفق عليه.
(١) أي في صحيح البخاري عن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق أبي بكر ﵄، زوج النبي ﷺ وأعلم الناس بحديثه، تزوجها وهي ابنة سبع، ودخل بها وهي ابنة تسع، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيها خلاف، فلا تفضل إحداهما على الأخرى، فإن لخديجة من الفضائل في بدء الوحي ما ليس لعائشة، من سبقها بالإيمان بالنبي ﷺ وتأييده في تلك الحال. ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة، لعلمها بأحوال النبي ﷺ ونزول القرآن، وبيان الحلال من الحرام، وكان الصحابة يرجعون إليها بعد وفاته ﷺ فيما أشكل عليهم من أحواله وحديثه، توفيت سنة ٥٧.
(٢) أي يجب عليه الوفاء بذلك النذر الذي نذره خالصا لله، فصار عبادة، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا، وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله، حيا كان أو ميتا، فإن كان حيا لزمه الوفاء به، وإن كان ميتا يفعل عنه، لوجوبه في ذمته، إلا أبا حنيفة فقال: لا يلزمه إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع، والحديث حجة عليه، والأمر بالوفاء به دال على أنه عبادة، وقد علمنا من الآيتين والحديث أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر، ومنه الذين ينذرون الزيوت والشموع والأطياب للقبور، والمراد نذر الطاعة، لا نذر المجازات الذي قال فيه ﷺ : " إنه لا يأتي بخير " ٢.
стр. 107
ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (١) "١.
ــ
(١) أي لا يوفي به؛ لأنه نذر معصية، زاد الطحاوي " ليكفر عن يمينه " ٢. وقال ابن القطان: ((عندي شك في هذه الزيادة، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية)) . وقال الحافظ: ((اتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلفوا هل ينعقد موجبا للكفارة أولا؟)) وتقدم.
ولمسلم عن عقبة مرفوعا: " كفارة النذر إن لم يسم كفارة يمين " ٣. وقد يستدل بحديث الباب على صحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره، ويؤيده حديث المرأة التي قالت: " نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: أوفي بنذرك " ٤. رواه أحمد وغيره. وأما نذر اللجاج والغضب وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب، فيخير بين فعله وكفارة يمين. وقال الشيخ: موجب الحلف بنذر اللجاج والغضب عند الحنث، هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه كفارة يمين، وهو قول فقهاء الحديث.
وإن نذر مكروها كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله.
стр. 108
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) الاستعاذة الإلتجاء والإعتصام والتحرز، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فالعياذ لدفع الشر، وأما اللياذ فطلب الخير. قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
فالعائذ بالله قد هرب إليه، واعتصم واستجار به، ولجأ إليه، والتزم بجنابه مما يخافه.
وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من ذلك أمر لا تحيط به العبارة، وقد أمر الله عباده بها في مواضع من كتابه، وتواترت بها السنة عن المعصوم ﷺ ، وهي عبادة من أجل العبادات، فصرفها لغير الله شرك أكبر، وإن استعاذ بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه فجائز، وسيأتي جواز: أعوذ بالله ثم بك.
وإن قال: أعوذ بالله وبك ولو فيما يقدر عليه كان مشركا شركا أصغر؛ لأن الواو تفيد أن ما بعدها مساو لما قبلها، عكس ثم، فإنها إنما تفيد التعقيب، وإن كان فيما لا يقدر عليه كان مشركا الشرك الأكبر، ولو قال أعوذ بالله ثم بك.
(٢) أخبر عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته رهقا وهو الطغيان.
وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا نزل واديا أو مكانا موحشا وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم خوفا منهم، زادوهم رهقا، أي خوفا وإرهابا وذعرا. فذمهم الله بهذه الآية =
стр. 109
وعن خولة بنت حكيم (١) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق (٢) ،
ــ
= وأخبر أنهم يزيدونهم رهقا نقيض قصدهم، وعلم النبي ﷺ المسلمين أن يقول أحدهم إذا نزل منزلا " أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل ما خلق " ١. ووجه الاستدلال بالآية: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم ذكروا أشياء من الشرك، كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله.
قال المصنف: ((فيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك)) .
(١) ابن أمية بن حارثة السلمية يقال لها أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون. قال عمر بن عبد العزيز: ((نعمت المرأة الصالحة)) .
(٢) أي أعتصم بكلمات الله الكاملات، التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، أو الشافية الكافية، أو الكلمات هنا القرآن. من شر ما خلق، أي من شر كل مخلوق قام به الشر، لا من شر كل ما خلق الله. فإن الجنة والملائكة والأنبياء لا شر فيهم، وما موصولة وليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل التقييدي الوصفي، والشر اسم جامع للسوء والفساد والظلم وجميع الرذائل والخطايا، ويقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه. وقد شرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، والأمر على جهة =
стр. 110
لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك (١) "١. رواه مسلم.
ــ
= الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى.
وهذا الحديث مما استدل به أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، ونهوا عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها، خشية أن يكون فيها شرك.
ومن ذبح لغير الله أو استعاذ به، أو تقرب إليه بما يحب فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة.
(١) قال القرطبي: ((هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلا وتجربة منذ سمعته عملت به فلم يضرني شيء، إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيته)) . قال المصنف: ((فيه فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره)) .
стр. 111
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ... ﴾ (٢)
ــ
(١) الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالإستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والغياث هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين، أي مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم.
والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، وأما الدعاء فهو أعم منها؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء كل الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة، والمراد بيان تحريم الاستغاثة بغير الله، أو دعاء غيره من الأموات والغائبين، وأنه من الشرك الأكبر.
(٢) نهى الله نبيه ﷺ أن يدعو أحدا من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، وأنه لا يجوز إلا ممن يملكه وهو الله وحده، وهذا النهي خرج مخرج الخصوص، والمراد به العموم، فهو عام لجميع الأمة.: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ ١ أي دعوت أحدا من دون الله: ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ أي من المشركين.
ولها نظائر، يخاطب تعالى نبيه ﷺ بذلك وهو مبرأ منه، لكنه أبلغ في الزجر والتحذير عن دعاء غير الله ، وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة " ٣. وفي لفظ: " هو العبادة ". صححه الترمذي وغيره، وأتى فيه النبي ﷺ بضمير الفصل، والخبر المعرف بالألف واللام؛ ليدل على الحصر وأن العبادة ليست =
стр. 112
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ (١) الآية ١، وقوله:: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (٢) الآية ٢.
ــ
= غير الدعاء، أو إنما هي الدعاء نفسه، ثم الدعاء نوعان:
(دعاء مسألة) وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، فالمعبود لا بد أن يكون مالكا لذلك، ولذلك أنكر الله على من عبد من لا يملك ضرا ولا نفعا.
(والنوع الثاني) دعاء عبادة بأي نوع من أنواع العبادة، وهو ما لم يكن فيه صيغة سؤال وطلب، وهما متلازمان.
(١) أي إن أصابك بفقر أو مرض أو غير ذلك من أنواع الضر فلا يكشف ذلك إلا الله وحده، فإنه المتفرد بالملك والقهر، والعطاء والمنع، والضر والنفع دون كل ما سواه، فيلزم من ذلك أن يكون هو المدعو وحده لا شريك له، فإن العبادة لا تصلح إلا لمالك الضر والنفع، ولا يملك ذلك ولا شيئا منه إلا هو سبحانه، فهو المستحق للعبادة وحده دون من لا ينفع ولا يضر.: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ٣ الآية ونحوها. وفي حديث ابن عباس: " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفوك إلا بشيء قد كتبه الله لك " ٤.
(٢) أي اطلبوا الرزق عند الله وارغبوا إليه فيه عنده وحده لا شريك له دون ما سواه؛ لأنه المالك له، وغيره لا يملك شيئا من ذلك، وتقديم الظرف يفيد الاختصاص، " واعبدوه" أي أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له.
وهذا من باب عطف العام على الخاص، فإن ابتغاء الرزق عند الله من العبادة التي أمر بها "واشكروا له" على ما أنعم به عليكم "إليه ترجعون" أي يوم القيامة فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال المصنف: ((وفيه أن طلب الرزق لا يبتغى إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه)) .
стр. 113
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١) الآيتين ١.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢) الآية ٢.
ــ
(١) حكم سبحانه أنه لا أضل ممن يدعو من دون الله أيّ مدعو كان، من وثن أو ولي أو غير ذلك، وأن ذلك المدعو لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، فصارت دعوته له هي الغاية في الضلال والخسار: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٣، فالداعي لمن هو غافل عنه لا أضل منه ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ . (٤ يتبرؤون منهم، كما قال الله عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ٥. ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٦ أي جاحدين لها، فلا أضل ممن لا يحصل له إلا نقيض قصده، يتبرأ منه معبوده، ويجحد عبادته له، وأثبت تعاليمه أن دعاء غير الله عبادة له وأنه في غاية الضلال، وأكثر ما يستعمل في السؤال والطلب. وذكر المصنف فيها خمسة أمور أنه لا أضل ممن دعا غير الله، وأنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه، وأن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له، وأن تلك الدعوة عبادة للمدعو، وكفر المدعو بتلك العبادة، وأن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس.
(٢) يحتج تعالى على المشركين في اتخاذهم الشفعاء من دونه بما قد علموه من إجابة المضطرين، وكشف السوء النازل بهم من عنده، وجعلهم خلفاء أحياء بعد أمواتهم.
﴿أإله مع الله﴾ أي أإله سوى الله يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم؟ أي أنتم تعلمون وتعترفون أنه لا يفعل ذلك سوى الله، فإذا كانت آلهتكم لا تجيبكم في حال الاضطرار، فلا يصلح أن تجعلوها شركاء لله الذي يجيب المضطر ويكشف السوء ﴿قليلا ما تذكرون﴾ وتعتبرون نعم الله وأياديه عندكم، فلذلك أشركتم به غيره. ومن تأمل هذه الآيات ونظائرها تبين له أن الله احتج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه من قصر العبادة عليه.
стр. 114
وروى الطبراني بإسناده (١) : " أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين (٢) ، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق (٣) ، فقال النبي ﷺ : إنه لا يستغاث بي، وإنما يستعاث بالله " (٤) .
ــ
(١) إلى عبادة بن الصامت ﵁، وقد بيض المصنف لاسم الراوي، والطبراني هو الإمام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطين، أبو القاسم اللخمي المعمر، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، روى عن جماعة منهم: أبو زرعة والنسائي واسحق وخلق، وعنه ابن ريدة وأبو نعيم وخلق، وكان واسع الحفظ، بصيرا بالعلل والرجال، عاش مائة، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة، وتوفي سنة ٣٦٠ هـ.
(٢) هو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين.
(٣) أي يرفع عنا أذيته فإنه قد آذى الله ورسوله.
(٤) وهذا نص منه ﷺ أنه لا يستغاث به، حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك، وتحذيرا من وسائله، وإذا كان هذا مع سيد الخلق فمن دونه بطريق الأولى.
قال شيخ الإسلام: ((والاستغاثة بمعنى أن يطلب من رسول الله ﷺ ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم فإن الصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستسقون به، كما في الصحيح وغيره، وأما بالمعنى الذي نفاها فهي مما يجب نفيها، قال: وقد يكون في كلام رسول الله ﷺ عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله، وهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني " أنه كان في زمن النبي ﷺ =
стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ". فهذا إنما أراد به ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وذكر قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول أبي عبد الله القرشي كاستغاثة المسجون بالمسجون، ودعاء موسى: وبك المستغاث، قال: ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق، وكان مختصا بالله، صح إطلاق نفيه عما سوى الله)) اهـ.
وقد تبين بما ذكر من الآيات والأحاديث أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله، في كشف الضر، أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواعه.
стр. 116
باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ (١) الآية ١.
ــ
(١) أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة الرد على كل مشرك كائنا من كان، وبيان حال المدعوين من دون الله، أنهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، وقوله: "أيشركون" استفهام إنكار وتوبيخ، وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله من لا يخلق شيئا، وليس فيه ما يستحق به العبادة؛ فإنه إذا كان معبودهم لا يخلق شيئا بطلت عبادتهم له، وتقرر أن الخالق سبحانه هو المستحق للعبادة وحده، وقوله: "وهم يخلقون" أي ومن أشركوه مع الله في عبادته مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وأخبر أنهم مع ذلك "لا يستطيعون لهم نصرا" أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون" وهاتان الصفتان أبلغ مما قبلهما، أي فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه، ولا نصر نفسه؟ وذلك برهان ظاهر قاطع ببطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، فإنه إذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، بل من هذه حاله فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلها معبودا؟ فبطل تعلق المشركين بهذه البراهين، وهي كونهم لا يخلقون بل يخلقون، عبيد لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبودا، ولا قدرة لهم على نفع عابدهم، ولا على نفع أنفسهم، وخاب سعيهم، وظهر أنهم أخسر الناس صفقة.
стр. 117
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) الآية ١.
وفي الصحيح عن أنس قال: " شجّ النبي ﷺ يوم أحد (٢)
ــ
(١) أول الآية قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ٢. يخبر سبحانه أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، فهو المستحق للعبادة وحده، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٣. وهو القشرة على النواة نكرة في سياق النفي، ومع دخول "من" عليه من أبلغ النفي، فمن كانت هذه صفته لا يجوز أن يرغب إليه في دفع ضر، أو جلب نفع، وأخبر أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، أي يجحدونه ويتنصلون منه، ويتبرءون ممن فعله معهم، ثم قال: "ولا ينبئك" أي يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها وما تصير إليه "مثل خبير" بها، يعني نفسه تبارك تعالى، فإنه سبحانه أخبر بالواقع لا محالة، عن حال المدعوين من الملائكة والأنبياء وغيرهم، بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء، والقدرة على الاستجابة، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته.
(٢) جبل معروف شرقي المدينة، كانت عنده الوقعة المشهورة، فأضيفت إليه، والشج الجرح في الرأس والوجه خاصة، وهو أن يضربه بشيء فيشق جلده، والحديث في الصحيحين، علقه البخاري عن حميد عن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس، ووصله مسلم عن ثابت عن أنس، وقد أخرج ابن إسحق في المغازي عن أنس، قال: " كسرت رباعية النبي ﷺ وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت هذه الآية "٤ =
стр. 118
وكسرت رباعيته (١) ، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ (٢) فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " (٣) .
ــ
= وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد أن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في وجهه، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله ﷺ وازدرده، فقال له النبي ﷺ : " لن تمسك النار".
(١) الرباعية بفتح الراء وتخفيف الباء كل سن بعد ثنية، وللإنسان أربع رباعيات، قال الحافظ: كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها، وذكر ابن هشام أيضا أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي ﷺ السفلى، وجرح شفته السفلى، وجزم به غيره، وقال ﵇: " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.
وروى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: " رمى عبد الله بن قميئة رسول الله ﷺ يوم أحد، فشج وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال له: "مالك أقماك الله " فسلط عليه تيس الجبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة ". وفي الحديث إثبات وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء لينالوا جزيل الثواب، ولتعرف الأمم من أصابهم، فيتأسوا بهم، وليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، فلا يفتتن بهم، ويغلى فيهم، فيعبدون من دون الله.
(٢) أي كيف يحصل لهم الظفر والفوز والسعادة، مع فعلهم هذا بنبيهم، زاد مسلم: " كسروا رباعيته، وأدموا وجهه ".
(٣) أي ليس لك من الحكم في عبادي شيء، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم، وليس لك إلا ما أمرتك به فيهم، وليس ذلك بهوان بالنبي ﷺ على الله، فإنه أكرم خلق الله عليه، وأفضلهم على الإطلاق، ولكن ليتبين نزول قدره ﷺ عن مقام الربوبية، فإنما هو عبد الله ورسوله.
стр. 119
وفيه عن ابن عمر ﵄ (١) " أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا (٢) بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣) " ١.
ــ
(١) أي في صحيح البخاري، ورواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل، الذي شهد له رسول الله ﷺ بالصلاح، ففي الصحيح أنه قال لحفصة: " إن أخاك، أو إن عبد الله رجل صالح " ٢. وهو معروف بالورع، ليس في زمانه له نظير في ذلك، أسلم مع أبيه وهو صغير، وكان من أهل العلم، كثير الإتباع، شديد التحري والاحتياط، أجيز يوم الخندق، وأفتى ستين سنة، وبلغ ستاً وثمانين.
(٢) هذا القنوت على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، كما بينه في الرواية الآتية، وذلك بعد ما شج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ، وتقدم.
(٣) أي يدعو عليهم بعد التسميع، فأخبره الله أنه ليس له من الأمر شيء إلا ما أمر به، ومعنى "سمع الله لمن حمده" استجاب دعاء الحامدين له وقبله، فاستجب يا ربنا، ولك الحمد على ذلك، والحمد ضد الذم، ويكون على محاسن المحمود مع المحبة له، وفرق بينه وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا عن حب وإرادة، وهو المدح، أو يكون مقرونا بحبه وإرادته فهو الحمد.
стр. 120
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام (١) ، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) " ١. وفيه عن أبي هريرة ﵁ (٣) .
ــ
(١) إنما دعا عليهم لأنهم رؤوس المشركين يوم أحد، هم وأبو سفيان بن حرب، وأشد الناس عداوة له ﷺ وهم السبب في غالب ما جرى عليه، ومع ذلك ما استجيب له ﷺ فيهم.
(٢) (أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فتاب عليهم فأسلموا، وحسن إسلامهم، والمقصود أنه ﷺ دعا في الصلاة، وهو أشرف الخلق، وخلفه الصحابة يؤمنون على دعائه، وهم صفوة الخلق بعد الرسل، ومع ذلك أنزل الله هذه الآية، فلا يبقى في قلب أحد شيء من التعلق بغير الله ، فإن في هذا كله أكبر دلالة على أنه ﷺ لا يملك ولا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، فبطل ما يعتقده فيه المشركون أنه ينفع دعاؤه بعد موته ﷺ أو دعاء أحد من سائر الأنبياء والصالحين بهذه البراهين. قال المصنف: ((وفيه القنوت في النوازل وتسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ولعن المعين في القنوت)) اهـ.
وفيه إثبات التسميع والتحميد للإمام، ومحل القنوت بعده، وآكديته في الفجر، وإن كان قد ورد في غيره فهذا الحديث أصح.
(٣) أي في صحيح البخاري، وله طرق كثيرة في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها، عن أبي هريرة وغيره، واسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، قال النووي: ((على الأصح من ثلاثين قولا، كني بهريرة كانت له في صغره، وهو أول من كني بهذا)) اهـ.
وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وهو ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف ابن عتاب الدوسي، من حفاظ الصحابة وفضلائهم وأكابرهم، لم يحفظ عن رسول الله ﷺ أحد منهم أكثر منه، مات سنة ٥٧ هـ، وله ٧٨.
стр. 121
قال: " قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١ فقال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها (٢) ، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا (٣) ،
ــ
(١) عشيرة الرجل هم بنو أبيه الأدنون، أو قبيلته؛ لأنهم أحق الناس ببره وإحسانه الديني والدنيوي، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ ٢. وهذه نذارة خاصة، وإلا فقد أمره الله أيضا بالنذارة العامة، كما قال (أن أنذر الناس) وقد بلغهم ما أمر به ﷺ .
وفي الصحيح من رواية ابن عباس: " صعد النبي ﷺ على الصفا، وهو الجبل المعروف أسفل جبل أبي قبيس، فقال: يا صباحاه حتى اجتمع عليه ما بين أخشبي مكة، ولمسلم: فهتف يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وفي رواية: إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف يا صباحاه ".
(٢) المعشر الجماعة الذين أمرهم واحد، ويتناول الأنبياء والإنس والجن، جمعه معاشر، والكلمة بالنصب عطف على ما قبلها، وهو شك من الراوي، هل قال: يا معشر قريش، أو قال ما يقارب ذلك، خاطب العامة أولا.
(٣) وفي رواية: " أنقذوا أنفسكم من النار " ٣. وعند الطبراني عن أبي أمامة: " اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاكم " أي خلصوها بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباعي فيما جئتكم به، مما أنزل الله علي من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دون الله من الأوثان والأصنام، فإن ذلك هو الذي ينجيكم من عذاب الله، لا الاعتماد على الأحساب والأنساب، =
стр. 122
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا " (١) .
ــ
= فإن ذلك غير نافع لكم، وفي صحيح البخاري: " يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا" ١. وإنما الله –سبحانه- هو المتصرف في خلقه بما شاء، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
(١) عباس وصفية وفاطمة بالرفع، ويجوز النصب، وقال النووي: النصب أفصح، و (ابن)
و (عمة) و (بنت) بالنصب لا غير، أخبر ﷺ أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، فأنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وبلغهم وأعذر إليهم، فأنذر قريشا ببطونها، وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وهم أقرب الناس إليه، وإنما أفردهم لشدة قرابتهم، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وأن مجرد قربهم منه غير نافع لهم، ولا منج من عذاب الله إذا لم يؤمنوا به، ويقبلوا ما جاءهم به من التوحيد وسائر شرائع الإسلام، وترك الشرك، ثم خص بالنذارة من هي بضعة منه، وقال: " سليني من مالي ما شئت "؛ لأن هذا هو الذي يقدر عليه ﷺ ، وأما ما كان من أمر الله فلا قدرة لأحد عليه، فإذا كان لا ينفع ابنته وعمه وعمته وقرابته فغيرهم بطريق الأولى والأحرى، وبين أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح، وفيه أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا، وأما النجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله تعالى.
قال المصنف: ((فإذا صرح ﷺ -وهو سيد المرسلين- أنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، من الالتجاء إلى غير الله، وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، تبين له التوحيد وغربة الدين)) .
стр. 123
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) أي أزيل الفزع عن قلوب الملائكة، من الغشية التي تصيبهم عند سماع كلام الله بالوحي إلى جبريل، يأمره الله فتسمع الملائكة كلامه كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتنفزع عند ذلك تعظيماً لله وهيبة له. قال ابن عطية: ((في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل هم عبدة مسلمون لله أبدا منقادون)) .
(٢) أي قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صعقوا، ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون، فيقولون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ٢، فيقولون: قال الحق، فهو سبحانه الحق وقوله الحق ودعوته وحده هي الحق: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٣، علو القدر وعلو الشرف وعلو القدر وعلو الذات فله العلو الكامل من جميع الوجوه والكبير الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه ﵎. أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عبد من دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله وهذه هيبتهم وخوفهم منه وخشيتهم له، فكيف يدعون من دون الله؟ وإذا كانوا -مع ما هم عليه من جلالة القدر- لا يجوز أن يدعوا من دون الله فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من الأموات والأصنام أولى أن لا يدعى ولا يعبد من دون الله. قال المصنف: ((وفيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب)) اهـ.
وفيها إثبات صفة القول لله تعالى، وأنه قال ويقول.
стр. 124
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء (١) ضربت الملائكة بأجنحتها، خضعانا لقوله (٢) ، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك (٣) ، ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم قالوا: الحق وهو العلي الكبير﴾ (٤) .
ــ
(١) أي إذا تكلم الله بالأمر الذي شاء كونه، وذلك بوحيه إلى جبريل به، كما صرح به في الحديث الآتي، وكما روى أبو داود وغيره من حديث ابن مسعود: " إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماوات.. إلخ "١.
(٢) أي لقول الله تعالى، وذلك أن الله إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أرعدوا وخافوا وفزعوا، هيبة وخضعانا لقوله ﵎، مع أنهم عباد مكرمون، أعطاهم الله من القوة والعظمة ما لا يعلمه إلا هو تعالى، ومع ذلك يعتريهم هذا الخوف والاضطراب، فعبادتهم من دون الله باطلة، وإذا كان هذا الحال معهم، فبطلان عبادة غيرهم بطريق الأولى، و (خضعانا) بفتحتين، من الخضوع وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه بمعنى خاضعين.
(٣) بفتح الياء وسكون النون وضم الفاء والذال، أي كأن صوت الرب المسموع سلسلة على صفوان، وهو الحجر الأملس، ينفذهم ذلك، أي يخلص ذلك القول ويمضي في قلوب الملائكة حتى يفزعوا منه، وعند أبي داود وغيره: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبرائيل " ٢.
(٤) أي حتى إذا أزيل عنها الخوف والغشي، قالت الملائكة بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الله الحق، علموا أن الله لا يقول إلا الحق، فهو =
стр. 125
فيسمعها مسترق السمع (١) ، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه (٢) ، فحرفها وبدد بين أصابعه (٣) ، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن (٤) ،
ــ
= سبحانه الحق، وقوله الحق، (وهو العلي الكبير) الذي لا أعظم منه، ولا أكبر منه ﵎.
(١) أي يسمع مسترق السمع الكلمة التي قضاها الله، وسمعتها الملائكة وتحدثوا بها، ومسترق السمع هو من الشياطين، فإنهم يركب بعضهم بعضا حتى يصلوا إلى حيث يسمعون تحدث الملائكة بالأمر يقضيه الله. وفي صحيح البخاري من حديث عائشة: " إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم " ١. وسماعهم من الذين في العنان لا ينفي سماعهم من الذين في السماء.
(٢) أي وصف ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض بما يأتي، وسفيان هو ابن عيينة بن أبي عمران ميمون، الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ حجة، من كبار الأئمة، روى عن عبد الملك بن عمير والسبيعي وخلق، وعنه الأعمش وشعبة وجماعة، مات سنة ١٩٨ هـ، وله ٩١.
(٣) حرفها، بحاء مهملة وراء مشددة: ميلها، و (بدد) أي فرق وباعد بين أصابعه من غير مماسة بعضها لبعض، ولا لصوق بعضها لبعض.
(٤) أي يسمع المسترق وهو الشيطان الفوقاني الكلمة التي سمعت من السماء، فيلقيها إلى الشيطان الذي تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ثم الآخر إلى من تحته، وهكذا حتى يلقيها آخرهم على لسان الساحر، أو على لسان الكاهن، وحينئذ يقع الرجم.
стр. 126
فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه (١) ، فيكذب معها مائة كذبة (٢) ، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ (٣)
ــ
(١) أي الشهاب، وهو النجم الذي يرمى به، أي ربما أدرك الشهاب المسترق لتلك الكلمة التي سمعت من السماء، قبل إلقائها فأحرقه، وربما ألقى الكلمة قبل أن يدركه، لما لله في ذلك من الحكمة، وإلا فلا يفوته سبحانه شيء، والحديث يدل على أنه كان يرمى قبل البعثة، كما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ جالسا في نفر من أصحابه، فرمي بنجم عظيم فاستنار، قال: "ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ " قالوا: كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت عظيم، قال: " فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويخطف الجن السمع فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه ويقرفون وينقصون " ١.
(٢) بفتح فسكون، أي يكذب الساحر أو الكاهن مع تلك الكلمة التي ألقاها إليه وليه من الشياطين مائة كذبة، ويزيد وينقص، أو يكذب الشيطان مع الكلمة التي استرقها مائة كذبة، ويخبر بالجميع وليه من الإنس فما جاؤوا به على وجهه فهو صدق، وما خلط فيه فهو كذب، ومع هذا يفتتن الإنس بذلك، ويقبلون ما جاؤوا به مع كثرة الكذب.
(٣) احتجاج من أهل الباطل لباطله، قال الشارح: ((وهكذا في نسخة بخط المصنف، كما في صحيح البخاري سواء)) .
стр. 127
فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء (١) "١. وعن النواس بن سمعان ﵁ (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي (٣) ،
ــ
(١) الباء سببية، أي يصدق الساحر أو الكاهن أولياؤه من الإنس، بسبب تلك الكلمة، ويروج معها مائة كذبة. وفي الصحيح عن عائشة: " قلت: يا رسول الله إن الكهان كانوا يتحدثون بالشيء فنجده حقا، قال: تلك الكلمة الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، ويزيد فيها مائة كذبة " ٢. قال المصنف: ((وفيه قبول النفوس للباطل، يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة كذبة)) اهـ.
وفيه أن الشيء إذا كان فيه نوع من الحق، فلا يدل على أنه حق كله، فكثيرا ما يلبس أهل الضلال الحق بالباطل، ليكون أقبل لباطلهم، وفي هذه الأحاديث وما بعدها وما في معناها إثبات علو الله على خلقه، على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء يسمعه الملائكة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
(٢) بكسر السين، ابن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، صحابي وأبوه أيضا صحابي، يقال: وفد أبوه على رسول الله ﷺ فدعا له، وزوجه أخته الكلابية.
(٣) هذا في جميع الأمور التي يقضيها الرب ﵎، كما يدل عليه حديث أبي هريرة، والإرادة صفة من صفات الله وهي نوعان: إرادة شرعية دينية، مستلزمة لمحبة الله ورضاه. وإرادة قدرية كونية عامة شاملة، وهو سبحانه يريد الخير ويأمر به، وينهى عن الشر ولا يأمر به، وإن كان مريدا له، فكل الأشياء كائنة بمشيئته وقدرته وخلقه، وفيه النص على أن الله يتكلم بالوحي متى شاء، قال المصنف: ((وفيه إثبات الصفات خلافا للأشعرية)) .
стр. 128
أخذت السماوات منه رجفة (١) ، أو قال: رعدة شديدة (٢) خوفا من الله (٣) ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا (٤) ،
ــ
(١) (السماوات) مفعول مقدم، والفاعل رجفة، أي أصاب السماوات من كلام الله رجفة، وأصل الرجفة الحركة والاضطراب، أي تحركت واضطربت، وهو صريح في أنها تسمع كلام الله تعالى، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: " إذا قضى الله أمرا تكلم ﵎، رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت الملائكة سجدا ".
(٢) شك من الراوي هل قال النبي ﷺ رجفة، أو قال: رعدة شديدة، وهما متقاربان أو متحدان في المعنى، أي رجفة واضطراب خوفا من الله، وهذا من شدة حرص السلف على ألفاظ الحديث، وإن كانت تجوز روايته بالمعنى بشروطها المعروفة.
(٣) هذا ظاهر في أن السماوات لها معرفة وإحساس، تخاف من الله بما جعل فيها من الإحساس والمعرفة بمن خلقها، وقد أخبر الله أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه وتقدسه، كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ١. وثبت سماع تسبيح الطعام وهو يؤكل، والحصى والجذع، وهذه المخلوقات تسبح الله وتخشاه حقيقة، ولا يقال بلسان الحال.
(٤) أي يقع منهم الأمران الصعوق، - وهو هنا الغشي- ويقع منهم السجود، والله أعلم أيهما قبل الآخر، وفيه إثبات عظمة الله تعالى، وعلو ذاته وقدرته وقهره، فإذا كانت السماوات على عظمتها وسعتها وما فيها من السكان ترجف ويصعق من =
стр. 129
فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل (١) ، فيكلمه الله من وحيه بما أراد (٢) ، ثم يمر جبرئيل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير (٣) . فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل (٤) ،
ــ
= فيها، هيبة لله وخوفا منه، فالالتجاء إلى غيره، والتعلق عليه من أبطل الباطل وأمحل المحال؛ إذ هو سبحانه بيده أزمة الأمور، وكل من سواه مخلوق مربوب لا يملك نفعا ولا ضرا، وفي الحديث: " أن الأمة لو اجتمعوا أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك "١.
(١) بفتح "أول" خبر "يكون"، مقدم على اسمها، ويجوز العكس، وإنما كان أول من يرفع رأسه جبرائيل؛ لأنه سفير الله وبين رسله وأمينه على وحيه. واسم جبرائيل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء يرجع إلى إيل فهو معبد لله، قاله علي بن الحسين وغيره. وفيه فضيلة جبرائيل، وقد وصفه الله بقوله: (إنه لقول) أي تبليغ: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ٢. ورآه رسول الله ﷺ في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، فإذا كان هذا عظم أحد المخلوقات فخالقها أعظم وأجل وأكبر، بل السماوات والأرض ومن فيهن في كف الرحمن جل وعلا كخردلة في يد أحدنا، فكيف يسوى به غيره في العبادة؟ .
(٢) فيه التصريح بأن الله يوحي إلى جبرائيل بما أراده من أمره كما تقدم.
(٣) فيه إثبات علو الله تعالى وتقدس، وأنه قال ويقول، خلافا للجهمية.
(٤) أي يقولون: قال الحق، وهو العلي الكبير، ﵎.
стр. 130
فينتهي جبرئيل بالوحي إلى حيث أمره الله " (١) .
ــ
(١) من السماء والأرض، فالآية المذكورة والأحاديث تقرر أن الملك العظيم الذي تصعق الأملاك من كلامه، خوفا منه ومهابة، ولا يعلمون إلا ما علمهم به، وترجف منه المخلوقات، لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حقه عليهم، وهم بهذه المثابة من هيبته وخشيته. وقصد المصنف الرد على المشركين عبدة الأوثان وغيرهم، فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند مجرد سماع كلام الله، مع ما أعطاهم الله من شدة القوة، وعظم الخلقة التي لا يعلمها إلا الله، علم أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لهم، لعجزهم عن النفع والضر، فكيف بمن هو دونهم بمراتب؟ ولكن أهل الشرك لا يفقهون، ثم هو سبحانه قد أرسل الرسل، وأنزل الكتب، تزجرهم عن ذلك الشرك، وأقام البراهين على بطلانه.
стр. 131
باب الشفاعة (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى
ــ
(١) أي بيان الشفاعة وإيضاحها، وبيان حكمها وحقيقتها، وبيان ما أثبته القرآن منها وما نفاه، ولما كان المشركون في قديم الدهر وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم بأذيال الشفاعة، كما أخبر الله عنهم، حتى إنه ﷺ لما ألقى الشيطان في تلاوته " وإن شفاعتهن لترتجى " رضي المشركون عنه، وسجدوا معه، ظنوا أنه ﷺ قاله، وأنه وافقهم على دينهم، من دعاء الملائكة والأصنام للشفاعة. أراد المصنف ﵀ في هذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين الشرك، وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله أنه يشفع كما يشفع الوزير عند الملك، منفية دنيا وأخرى، وإنما الله الذي يأذن للشافع ابتداء، لا يشفع الشافع ابتداء كما يظنه أعداء الله. والشفاعة: مصدر من الشفع ضد الوتر، وشفع فيه أعانه. وفي النهاية: ((هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم)) اهـ.
وهي نوعان: شفاعة منفية، وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
ومثبتة، وهي التي تطلب من الله، ولا تكون إلا لأهل التوحيد، ومقيدة بأمرين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له.
والناس في الشفاعة ثلاث طوائف: طرفان ووسط، فطائفة أنكروها كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب، وطائفة أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين، وأهل السنة والجماعة أثبتوا الشفاعة الشرعية، كما ذكر الله في كتابه، ولا تطلب إلا من الله، كأن تسأله تعالى أن يشفع فيك نبيك محمدا ﷺ ، فإن الشفاعة محض فضل وإحسان.
стр. 132
رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١ (٢) ، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢ (٣) .
ــ
(١) الإنذار الإعلام بأسباب المخافة، والتحذير منها، (أنذر) أي خوف يا محمد بالقرآن (الذين يخافون) يخشون (أن يحشروا) أي يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم يوم القيامة، وهم المؤمنون المخلصون، أصحاب القلوب الحية الواعية الذين لم يتخذوا لهم من دون الله وليا ولا شفيعا، بل أخلصوا قصدهم وطلبهم وجميع أعمالهم لله وحده، ولم يلتفتوا إلى أحد سواه فيما يرون نفعه ويخافون ضره.
(٢) أي لا قريب لهم، ولا شفيع يشفع فيهم من عذابه إذا أراده بهم. قال الزجاج: كل موضع (ليس) نصب على الحال، كأنه قال: متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه (يخافون) . وقال ابن كثير: ليس لهم يومئذ: ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٣ فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة، ويتركون التعلق على الشفعاء وغيرهم؛ لأنه ينافي الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد عملا بدونه.
(٣) اللام للملك، أي هي ملك لله تعالى، فليس لمن تطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون ما سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأله لا يصلح إلا له تعالى، وقال قبلها: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٤ فأخبر –سبحانه- أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتف عقلا وشرعا، فقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٥ تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه؛ لأنه مالك الملك، فيجب اندراج ملك الشفاعة في ذلك، فإذا كان هو مالكها بطل أن تطلب ممن لا يملكها.
قال ابن جرير: نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا لتقربنا إلى الله زلفى، قال الله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦. فتعلمون أن من طلبها من غير الله أنه خاسر السعي، وأنها غير حاصلة له؛ لأنه طلبها =
стр. 133
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ١ (١) . وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢ (٢) .
ــ
= من غير مالكها، بل طلبها من غير الله إفك وافتراء، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣.
(١) قد تبين مما تقدم من الآيات أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تطلب من غير الله، وفي هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله، من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه، فأنكر عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه، وأن أحدا لا يتمكن أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له، وأن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّّّّّّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٤. فبين –تعالى- أنها لا تقع إلا بشرطين: إذن الرب للشافع أن يشفع، ورضاه عن المأذون فيه. وهو سبحانه لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه، ولقيه العبد به مخلصا غير مشرك.
(٢) (كم) تكثيرية (لا تغني) أي لا تجدي ولا تنفع (شفاعتهم شيئا إلا من بعد) إذن الرب ﵎ لمن شاء أن يشفع له، ورضي قوله وعمله، فصار ممن استحق الشفاعة، وذلك لمن سلم من الشرك قليله وكثيره، وهذه الآية كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥. وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٦. وإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجى شفاعة هذه الأنداد عند الله؟ سبحان الله ما أعظم شأنه!.
стр. 134
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآيتين (١) . قال أبو العباس: (٢)
ــ
(١) أي: ﴿قُلِ﴾ ٢ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ٣ أنهم آلهة من دون الله، ليكشفوا الضر الذي نزل بكم، ثم وصفهم بقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٤ من خير وشر، ونفع وضر.: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ٥ لا يملكون شيئا استقلالا، ولا على سبيل الشركة.: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٦ عوين يعينه بشيء.: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٧ في الشفاعة، قاله تعالى تكذيبا لهم حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٨.
قال ابن القيم وغيره في هذه الآية: أنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها، فقد قطع الله بها جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون، على أي وجه كان، فإن المشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من أربع: إمّا أن يكون مالكا لما يريده، أو شريكا للمالك، أو معينا وظهيرا، أو شفيعا، فنفى –سبحانه- المراتب الأربع نفيا مرتبا، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، ولم يجعل –سبحانه- الاستغاثة بالميت أو غيره سببا لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، لا ما يمنع الإذن، فالمشرك قد أتى بأعظم حائل بينه وبين حصول الشفاعة، فهو كمن استعان في حاجة بما يمنع حصولها.
(٢) هذه كنية شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني، العالم الرباني، مفتي الأمة، بحر العلوم، ناصر السنة، قامع البدعة، صاحب المصنفات المشهورة المقبولة، المؤيدة بالكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، الجديرة بأن تحفظ في أعماق القلوب، من تدبرها علم أنه قد جمع من العلوم النقلية والعقلية، ومن الإحاطة =
стр. 135
نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون (١) ، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله (٢) ، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب (٣)
ــ
= بمذاهب أهل الملل والنحل، وآراء المذاهب، وما قالت الفرق، ما لم يعلم مثله عن أحد من العلماء، وبين هذا الدين وعقائده، ورد سائر البدع بما لم يسبق إليه، ترجم له طوائف من الحفاظ، وأثنوا عليه في أسفار، وشهرته وإمامته في علوم الإسلام، وتفننه تغني عن الإطالة في وصفه، قال ابن دقيق العيد: ((كأن العلوم بين عينيه، يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء)) . ولد سنة ٦٦١ هـ، وتوفي -قدس الله روحه، ونور ضريحه- سنة ٧٢٨ هـ.
(١) أي نفى في هذه الآية الكريمة عما سواه -تعالى وتقدس- كل ما يتعلق به المشركون من الاعتقاد في غير الله، من الملك والشركة والمعاونة والشفاعة، فإن هذه الأمور الأربعة هي التي يتعلق بها المشركون.
(٢) فنفى الملك بقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ١. ونفى القسط بقوله: (ومالهم) أي لمن يدعون من الملائكة وغيرهم (فيهما) أي في السماوات والأرض (من شرك) . ونفى العون بقوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢. أي ما لله ممن يدعونهم عوين، فمن ليس بمالك، ولا شريك للمالك، ولا ظهير له، فكيف يدعى من دونه؟ فهو –سبحانه- الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع، فبنفي هذه الأمور عن كل مدعو غير الله- وهي التي لا بد أن يكون المدعو مالكا لأحدها حتى يستحق أن يدعى- بطلت دعوة غير الله؛ إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب قصده بشيء من العبادة.
(٣) وهو سبحانه لا يأذن إلا لأهل التوحيد.
стр. 136
كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١ (١) . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن (٢) ، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع (٣) . وقال له أبو هريرة: " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٢ (٤) .
ــ
(١) أي لمن ﵁ من أهل الإيمان به وحده، وقال ابن عباس: ((إلا لمن قال لا إله إلا الله)) .
(٢) أي التي تطلب من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كقول أحدهم: الشفاعة، أو اشفع لي، منتفية دنيا وأخرى كما أخبر الله به في كتابه، ولو طلبها منه على سبيل الشفاعة إلى الله، فهو فعل المشركين الذي كفرهم الله به، فإنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣. قال تعالى مكذبا لدعواهم ومكفرا لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٤.
(٣) هذا قطعة من حديث الشفاعة، المخرج في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره في أهل الموقف، وهو إخبار منه ﷺ بتحقيق الشفاعة، وأنه لا يشفع إلا من بعد إذن الله تعالى له في الشفاعة، وفي المشفوع فيهم.
(٤) هذا الحدث رواه البخاري وغيره، قال: " قلت: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٥. وفي رواية: " خالصا مخلصا من قلبه " ٦. والمراد =
стр. 137
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله (١) .
ــ
= مع قوله: محمد رسول الله، لكن قد يكتفى بها لاقتضائها لها، و (خالصا) احتراز من المنافق و (أسعد) أفعل تفضيل، وقيل أي سعيد الناس، أو المخلص أكثر سعادة بها، فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا.
ورواه أحمد وابن حبان وصححه وفيه: " وشفاعتي لمن قال لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه " ١ وفي صحيح مسلم عنه قال: " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا " ٢. فهذان الحديثان ونحوهما مما يبين أنها لأهل التوحيد والإخلاص بإذن الله، وكذا في أحاديث الشفاعة كلها، إنما يشفع في أهل التوحيد كما في الكتاب العزيز.
وقال الحافظ: ((المراد بهذه الشفاعة المسؤول عنها بعض أنواع الشفاعة، وهي التي يقول "أمتي أمتي" "فيقال: أخرج من في قلبه وزن كذا من الإيمان".
وأما الشفاعة العظمى في الإراحة من كرب الموقف، فأسعد الناس بها من يسبق إلى الجنة)) اهـ.
وله ﷺ ثلاث شفاعات: الشفاعة الكبرى في أهل الموقف ليقضى بينهم، وشفاعته في أهل الجنة في دخولها، ولقوم من العصاة الذين يدخلون النار بذنوبهم، ويشفع لمن استوجب النار، ولقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم، وبعض الكفار في تخفيف عذابهم.
(١) فأبطل النبي ﷺ زعمهم الكاذب، وأخبر أن أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد لله وحده، لا الالتجاء إلى الأولياء والصالحين وغيرهم، ودعاؤهم وطلبهم الشفاعة، فلا تنال بذلك، بل هو أصل شرك العالم، ولكن كما قال بعض السلف: من جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا يأذن في الشفاعة إلا من رضي قوله وعمله، وهو لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.
стр. 138
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه (١) وينال المقام المحمود (٢) ، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك (٣) ، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع (٤) ، وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص (٥) . انتهى كلامه ﵀ (٦) .
ــ
(١) أي بالشفاعة فيمن أذن له أن يشفع فيه، فهذا هو حقيقة أمر الشفاعة، لا كما يظنه المشركون والجهال أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة، وينجيه من النار، ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم.
(٢) أي الذي يحمده فيه الخلائق كلهم، بل وخالقهم، وهو الشفاعة.
(٣) وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كيا رسول الله اشفع لي.
(٤) كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ١ والآيتين بعدها في الباب، فلما أثبتها في مواضع ونفاها في مواضع علمنا قطعا أنها شفاعتان.
(٥) أي قيدها ﷺ بقوله: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٢؛ لئلا يتوهم المشركون أنها نائلتهم، وإنما تنال الموحدين الذين استحقّوا دخول النار بسبب ذنوبهم، فيشفع لهم في الخروج بعد التطهير، كما تواتر: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة- مثقال ذرة، مثقال خردلة- من إيمان " ٣.
(٦) أي كلام شيخ الإسلام الذي ساقه المصنف هنا، فقام مقام الشرح والتفسير في هذا الباب، وهو كاف واف بتحقيق مع الإيجاز.
стр. 139
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
...
باب قوله الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) الآية ١.
في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه (٢)
ــ
(١) الخطاب للنبي ﷺ ، والمنفي هنا هداية التوفيق والإلهام، وهو خلق الهدى في القلب وإيثاره وذلك لله وحده، وهو القادر عليه، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. ٣. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ ( ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ وأما هداية البيان والإرشاد والدلالة فقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥. فهو المبين عن الله، والدال على دينه وشرعه.
أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة الرد على عباد القبور، الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين النفع والضر، فيسألونهم من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية، فإن سبب هذه الآية موت أبي طالب، وإذا كان ﷺ قد حرص على هدايته عند موته فلم يتيسر له ذلك، ودعا له بعد موته، ونهي عن ذلك، وذكر الله أنه لا يقدر على هداية من أحب هدايته لقرابته ونصرته، تبين أعظم بيان، ووضح أوضح برهان أنه ﷺ لا يملك ضرا ولا نفعا، ولا عطاء ولا منعا، وأنه ﷺ لا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، وأن الأمر كله بيد الله، فبطلت عبادته من دون الله، وإذا بطلت عبادته- وهو أشرف الخلق- فعبادة غيره أولى بالبطلان.
(٢) أي في الصحيحين عن ابن المسيب بفتح الياء، واسمه سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء، والفقهاء الكبار السبعة من التابعين، اتفق أهل الحديث أن مراسيله أصح المراسيل. قال ابن المديني: ((لا أعلم في التابعين أوسع علما منه)) . مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. وأبوه المسيب صحابي، بقي إلى خلافة عثمان، وكذلك جده حزن صحابي، استشهد باليمامة.
стр. 140
قال: " لما- حضرت أبا طالب الوفاة (١) جاءه رسول الله ﷺ (٢) ، وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل (٣) ، فقال له: يا عم قل: لا إله إلا الله (٤)
ــ
(١) أي حضرته علاماتها ومقدماتها، وإلا فلو كان قد انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن.
(٢) حرصا على هدايته وشفقة عليه، لما رأى منه النصح والاجتهاد، فيما يصلح أمره، والذب عنه بماله وحاله وولده، وصنع الصنائع التي لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد معه ﷺ وفيه جواز- عيادة المشرك إذا رجي إسلامه، وحمل العلم إذا كان فيه مصلحة راجحة.
(٣) ويحتمل أن يكون المسيب حضر مع الإثنين فإنهم كلهم من بني مخزوم، وكانوا إذ ذاك كفارا، فقتل أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران، وكانت كنية أبي جهل أبا الحكم فسماه النبي ﷺ أبا جهل، وأخبر أنه فرعون هذه الأمة.
(٤) أمره ﷺ بقولها ليحصل له بذلك الفوز والسعادة والظفر، ولعلمه ﷺ بعلم أبي طالب بما دلت عليه، من نفي الشرك بالله، وإخلاص العبادة لله وحده، فإن من قالها عن علم ويقين وقبول فقد برئ من الشرك والمشركين، ودخل في الإسلام؛ لأن العرب يعلمون ما دلت عليه، فلا يقولها إلا من ترك الشرك وبرئ منه، وكذلك الحاضرون يعلمون ما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه، ولهذا عارضوه بما يأتي، و (عم) منادي مضاف، يجوز فيه إثبات الياء وحذفها، وإبقاء الكسرة دليل عليها كما هنا، وفيه ثلاث لغات أخر.
стр. 141
كلمة أحاج لك بها عند الله (١) . فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ (٢) فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا (٣) ،
ــ
(١) (كلمة) بالنصب بدل من لا إله إلا الله، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، و (أحاج) بتشديد الجيم من المحاجة، وهي مفاعلة من الحجة، والجيم مفتوحة على الجزم في جواب الأمر، أي أشهد لك بها عند الله، وبرهانا أعتذر بها لك عنده وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها في تلك الحال معتقدا ما دلت عليه من النفي والإثبات لنفعته، ودخل بها في الإسلام.
(٢) لما علما من شدة تمسكه بملتهم، مع حياطته النبي ﷺ وخشيا أن تترك تلك الآلهة والأوثان التي يتعلقون بها من دون الله، ذكراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين، وهي تقليد الآباء والكبراء،: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١. فإن ملة عبد المطلب الشرك وعبادة الأوثان، كما كانت قريش وغيرهم في جاهليتهم كذلك، وأخرجا الكلام مخرج الاستفهام مبالغة في الإنكار، لعظمة هذه الحجة في قلوب الظالمين، ولذلك اكتفيا بها في المجادلة، مع مبالغته ﷺ وتكريره.
قال المصنف: ((فلأجل عظمتها ووضوحها عندهما اقتصرا عليها، وفيه المسألة الكبيرة: تفسير قوله: "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم، وفيه أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: قل: لا إله إلا الله، فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام)) .
(٣) أي أعاد النبي ﷺ على عمه قوله: "قل: لا إله إلا الله" وفي رواية: "فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدها عليه "، يعني أنه بالغ ﷺ وكرر، لعله أن يحصل لعمه هذا الفوز العظيم، فأعادا معارضته ﷺ بقولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ لأنهما =
стр. 142
فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب (١) ، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله (٢) ، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" (٣) .
ــ
= عرفا أن أبا طالبا لو قالها لبرئ من ملة عبد المطلب، وهي الشرك بالله في الإلهية، فصارا سببا لصدوده عن الحق، وعن هذا الخير العظيم الذي فيه السعادة الأبدية. قال المصنف: وفيه مضرة أصحاب السوء على الإنسان، فينبغي الحذر من قربهم، والحذر من الاستماع لهم كما قيل:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
وفيه مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر إذا زاد على المشروع، بحيث أن تجعل أقوالهم حجة يرجع إليها عند التنازع.
(١) "آخر" منصوب على الظرفية، أي آخر تكليمه إياهم، ويجوز فيه الرفع. قال الحافظ:
((الظاهر أن أبا طالب قال: أنا ... كما في المسند، فغيره الراوي بلفظة (هو) استقباحا للفظ المذكور، وهو من التصرفات الحسنة)) .
(٢) تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وذلك لما لله فيه من الحكمة، وليعلم أن هذا الدين لا ينال بالنسب، وإنما يحصل بالتقوى.
(٣) اللام للقسم، وفي رواية لهما: " أما والله لأستغفرن لك ". وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكأنه هنا لتأكيد العزم على الاستغفار، تطييبا لنفس أبي طالب، وكانت وفاته بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعده بثمانية أيام.
стр. 143
فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١) . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ " (٢) .
ــ
(١) الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب في قوله: فأنزل الله، تفيد أنها نزلت في أبي طالب، وقد ثبت أنه ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، ولا منافاة، فإنه قد تتعدد أسباب النزول، وهذه الآية عامة في حقه ﷺ وحق غيره، وفيه تحريم الإستغفار للمشركين وتحريم كل موالاتهم ومحبتهم، بل إذا حرم الاستغفار لهم فمحبتهم وموالاتهم أولى.
(٢) أي: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ١ أي لقرابتك أو أحببت أن يهتدي،: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فله الحكمة البالغة في إضلال من شاء،: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٣ أي بمن قدر له الهدى. وأجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وهي عامة، ومن حكمة الرب في عدم هدايته ليبين لعباده أن ذلك إليه سبحانه دون من سواه، فلو كان عند النبي ﷺ الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب، وتفريج الكروب، والنجاة من العذاب، ونحو ذلك شيء لكان أحق الناس بذلك، وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه إلى أن بلّغ الوحي، وعادى قومه هو وأولاده، وقام بنصرته بالمال والرجال، وأقر أن ما جاء به هو الحق، إلا أنه لم ينقد إليه، ولم يتبرأ من دين المشركين، فظهر بذلك بطلان التعلق عليه ﷺ فضلا عن غيره- بشيء من خصائص الرب جل وعلا. قال المصنف: ((وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه)) .
стр. 144
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين (١)
وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) أي باب ما جاء من الدليل والبرهان على أن سبب كفر بني آدم أو سبب أول كفر بني آدم، وتركهم دينهم الذي خلقوا له، ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به هو الغلو في الصالحين من الأنبياء والأولياء وغيرهم بالقول والاعتقاد فيهم، وضابط الغلو: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي خطى الله عنه، ولما ذكر بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك، ليحذروا الغلو مطلقا لا سيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا، لقرب الشرك بالصالحين من النفوس، فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.
(٢) في موضعين من كتابه، أي لا تتعدوا ما حد الله لكم، ولا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، والغلو كثير في النصارى؛ فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، واليهود تنقصوه فحطوه من منزلته، حتى جعلوه ولد بغي، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم ما فعلت النصارى مع المسيح، واليهود مع العزير. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢. ومن تشبه بهم من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم، فعل من دعا نبيا أو وليا من دون الله =
стр. 145
في الصحيح " عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (١) . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح (٢)
ــ
= فقد اتخذه إلها، وضاهى النصارى في شركهم، واليهود في تفريطهم.
وقد نرى الله عن الغلو في كتابه في مواضع، كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ١ الآية وغيرها، والغلو شامل لجميع أمور الدين، فشمل الغلو في محبة الصالحين.
(١) كان هؤلاء أهل دين وفضل وخير، وماتوا في زمن متقارب فأسفوا عليهم، وصاروا يترددون على قبورهم، فأتاهم الشيطان وسول لهم أن يصوروا صورهم؛ ليكون أسهل عليهم من المجيء إلى قبورهم، ولم يكونوا قصدوا عبادتهم، وإنما قصدوا التذكر بهم؛ ليكون أدعى لهم على فعل الخير والتأسي بهم.
(٢) هذا الأثر اختصره المصنف، ولفظ البخاري عنه: " صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، فأما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت، لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم نوح ". وروى ابن جرير عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروا صورهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم.