كلمة أحاج لك بها عند الله (١) . فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ (٢) فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا (٣) ،
ــ
(١) (كلمة) بالنصب بدل من لا إله إلا الله، ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف، و (أحاج) بتشديد الجيم من المحاجة، وهي مفاعلة من الحجة، والجيم مفتوحة على الجزم في جواب الأمر، أي أشهد لك بها عند الله، وبرهانا أعتذر بها لك عنده وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها في تلك الحال معتقدا ما دلت عليه من النفي والإثبات لنفعته، ودخل بها في الإسلام.
(٢) لما علما من شدة تمسكه بملتهم، مع حياطته النبي ﷺ وخشيا أن تترك تلك الآلهة والأوثان التي يتعلقون بها من دون الله، ذكراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين، وهي تقليد الآباء والكبراء،: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١. فإن ملة عبد المطلب الشرك وعبادة الأوثان، كما كانت قريش وغيرهم في جاهليتهم كذلك، وأخرجا الكلام مخرج الاستفهام مبالغة في الإنكار، لعظمة هذه الحجة في قلوب الظالمين، ولذلك اكتفيا بها في المجادلة، مع مبالغته ﷺ وتكريره.
قال المصنف: ((فلأجل عظمتها ووضوحها عندهما اقتصرا عليها، وفيه المسألة الكبيرة: تفسير قوله: "قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم، وفيه أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال للرجل: قل: لا إله إلا الله، فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام)) .
(٣) أي أعاد النبي ﷺ على عمه قوله: "قل: لا إله إلا الله" وفي رواية: "فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدها عليه "، يعني أنه بالغ ﷺ وكرر، لعله أن يحصل لعمه هذا الفوز العظيم، فأعادا معارضته ﷺ بقولهما: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ لأنهما =
стр. 142
فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب (١) ، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله (٢) ، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" (٣) .
ــ
= عرفا أن أبا طالبا لو قالها لبرئ من ملة عبد المطلب، وهي الشرك بالله في الإلهية، فصارا سببا لصدوده عن الحق، وعن هذا الخير العظيم الذي فيه السعادة الأبدية. قال المصنف: وفيه مضرة أصحاب السوء على الإنسان، فينبغي الحذر من قربهم، والحذر من الاستماع لهم كما قيل:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
وفيه مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر إذا زاد على المشروع، بحيث أن تجعل أقوالهم حجة يرجع إليها عند التنازع.
(١) "آخر" منصوب على الظرفية، أي آخر تكليمه إياهم، ويجوز فيه الرفع. قال الحافظ:
((الظاهر أن أبا طالب قال: أنا ... كما في المسند، فغيره الراوي بلفظة (هو) استقباحا للفظ المذكور، وهو من التصرفات الحسنة)) .
(٢) تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وذلك لما لله فيه من الحكمة، وليعلم أن هذا الدين لا ينال بالنسب، وإنما يحصل بالتقوى.
(٣) اللام للقسم، وفي رواية لهما: " أما والله لأستغفرن لك ". وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكأنه هنا لتأكيد العزم على الاستغفار، تطييبا لنفس أبي طالب، وكانت وفاته بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعده بثمانية أيام.
стр. 143
فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١) . وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ " (٢) .
ــ
(١) الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب في قوله: فأنزل الله، تفيد أنها نزلت في أبي طالب، وقد ثبت أنه ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، ولا منافاة، فإنه قد تتعدد أسباب النزول، وهذه الآية عامة في حقه ﷺ وحق غيره، وفيه تحريم الإستغفار للمشركين وتحريم كل موالاتهم ومحبتهم، بل إذا حرم الاستغفار لهم فمحبتهم وموالاتهم أولى.
(٢) أي: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ١ أي لقرابتك أو أحببت أن يهتدي،: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فله الحكمة البالغة في إضلال من شاء،: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٣ أي بمن قدر له الهدى. وأجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وهي عامة، ومن حكمة الرب في عدم هدايته ليبين لعباده أن ذلك إليه سبحانه دون من سواه، فلو كان عند النبي ﷺ الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب، وتفريج الكروب، والنجاة من العذاب، ونحو ذلك شيء لكان أحق الناس بذلك، وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه إلى أن بلّغ الوحي، وعادى قومه هو وأولاده، وقام بنصرته بالمال والرجال، وأقر أن ما جاء به هو الحق، إلا أنه لم ينقد إليه، ولم يتبرأ من دين المشركين، فظهر بذلك بطلان التعلق عليه ﷺ فضلا عن غيره- بشيء من خصائص الرب جل وعلا. قال المصنف: ((وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه)) .
стр. 144
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين (١)
وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) أي باب ما جاء من الدليل والبرهان على أن سبب كفر بني آدم أو سبب أول كفر بني آدم، وتركهم دينهم الذي خلقوا له، ولا صلاح ولا فلاح لهم إلا به هو الغلو في الصالحين من الأنبياء والأولياء وغيرهم بالقول والاعتقاد فيهم، وضابط الغلو: تعدي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي خطى الله عنه، ولما ذكر بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك، ليحذروا الغلو مطلقا لا سيما في الصالحين، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا، لقرب الشرك بالصالحين من النفوس، فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم.
(٢) في موضعين من كتابه، أي لا تتعدوا ما حد الله لكم، ولا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، والغلو كثير في النصارى؛ فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله، واليهود تنقصوه فحطوه من منزلته، حتى جعلوه ولد بغي، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب، فهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم ما فعلت النصارى مع المسيح، واليهود مع العزير. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢. ومن تشبه بهم من هذه الأمة وغلا في الدين بإفراط أو تفريط فهو منهم، فعل من دعا نبيا أو وليا من دون الله =
стр. 145
في الصحيح " عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (١) . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح (٢)
ــ
= فقد اتخذه إلها، وضاهى النصارى في شركهم، واليهود في تفريطهم.
وقد نرى الله عن الغلو في كتابه في مواضع، كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ١ الآية وغيرها، والغلو شامل لجميع أمور الدين، فشمل الغلو في محبة الصالحين.
(١) كان هؤلاء أهل دين وفضل وخير، وماتوا في زمن متقارب فأسفوا عليهم، وصاروا يترددون على قبورهم، فأتاهم الشيطان وسول لهم أن يصوروا صورهم؛ ليكون أسهل عليهم من المجيء إلى قبورهم، ولم يكونوا قصدوا عبادتهم، وإنما قصدوا التذكر بهم؛ ليكون أدعى لهم على فعل الخير والتأسي بهم.
(٢) هذا الأثر اختصره المصنف، ولفظ البخاري عنه: " صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، فأما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت، لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم نوح ". وروى ابن جرير عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورنا صورهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروا صورهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم.
стр. 146
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم (١) ، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت " (٢) .
ــ
(١) أي فإذا هلك أولئك الصالحون، وحزن عليهم قومهم حزنا شديدا، وسوس لهم الشيطان، وألقى إليهم أن انصبوا إلى مجالسهم حالة التعليم والتذكير أنصابا على صورهم المعلومة عندكم، جمع نصب، والأمر منه بالكسر، والمراد بالأنصاب هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم؛ ليتذكروا أفعالهم بها، وسموها بأسمائهم حتى لا تنسوهم، وكلما ترونها تذكركم إياهم، وقد أخرج الشيطان لهم هذه الحيلة في قالب المحبة؛ لعدم قدرته عليهم إلا بهذه الدرجة، ومقصوده من بعدهم الذين لم يعرفوا ما نصبت له، ليوسوس لهم أنهم كانوا معبودين في أولاكم.
(٢) أي فعل أولئك ما أوحاه الشيطان إليهم من تصوير صالحيهم، ولم تعبد تلك الصور، لقرب عهدهم بمعرفة الهالكين وما صوروا لأجله، حتى إذا هلك الذين صوروا الأصنام، ونسي العلم الذي فيه بيان الشرك والتوحيد، أو نسي العلم الذي نصبوا لأجله الأنصاب، وهو تذكر العلم الذي كانوا يأخذونه عنهم، والعبادة التي كانوا يفعلونها؛ ليتأسوا بهم فيها، عبدت تلك الصور، وفي رواية: أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء الصالحين، وهذه هي الشبهة التي ألقاها الشيطان على المشركين من الأولين والآخرين. وفي رواية: "ونسخ" أي درست آثاره بذهاب العلماء، حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنا منهم أنه ينفعهم.
وعبدت تلك الأصنام لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير سلما لعبادتها، ففيه مضرة =
стр. 147
قال ابن القيم: ((قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم)) (١) .
ــ
= فقد العلم، ومضرة الغلو فإن كل ما عبد من دون الله من- قبر أو صنم- فالأصل في عبادته الغلو واندراس العلم، والجهل بحقيقة دين المرسلين، فالله المستعان.
قال الكلبي: ((كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت سيف جدة تجد بها أصناما معدة، ثم أوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب، فأتى جدة فوجد بها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وفي الأصنام التي كانت عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك، فاستثارها عمرو، وحضر الموسم، ودعا إلى عبادتها فأجيب)) اهـ.
وعمرو بن ربيعة وعمرو بن لحي، أول من غير دين إبراهيم، والمعبود في الحقيقة هو الشيطان الذي زين لهم عبادتها، وأمرهم بها كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
(١) ابن القيم هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، الثقة الحجة الورع الزاهد، المتفنن في سائر العلوم، صاحب التصانيف الرائقة السائرة المقبولة، أخذ عن شيخ الإسلام والمزي وغيرهما، وعد في أكابر السلف، مات -قدس الله روحه- سنة ٧٥١ هـ، وما ذكره ﵀ هو بمعنى ما ذكره البخاري وابن جرير وغيرهما، إلا أنه ذكر عكوفهم على قبورهم قبل تصوير تماثيلهم، وذلك أعظم الوسائل الموصلة إلى الشرك، بل هو الشرك؛ لأن العكوف لله في المساجد عبادة، فإذا كان على القبور صار عكوفهم- تعظيما =
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ومحبة- عبادة لها، وقد تقدم أن العكوف هو البقاء والإقامة على الشيء في المكان عبادة وتعظيما وتبركا، كما كان المشركون يفعلون ذلك عند أصنامهم، لما يعتقدون فيها من البركة. والأمد: الزمان، أي طال عليهم الزمان، ونسوا ما قصده الأولون، فتبين أن مبدأ الشرك هو الغلو فيهم، وأن سبب تلك العبادة ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثانا تعبد من دون الله، وهذا أول شرك حدث في الأرض.
قال القرطبي: ((وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها)) اهـ.
أي فعبدوهم وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، إلى أن دعوا الناس إلى عبادتها، واتخاذها أعيادا ومناسك، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، ثم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وعادوا أهل التوحيد، ووالوا أهل الشرك والتنديد، وزعموا أنهم أولياء الله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال المصنف: وفيه أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب، وفيه معرفة أن أول شرك حدث على وجه الأرض بشبهة محبة الصالحين، ومعرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وقبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها، وأن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل بأمرين: الأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا غيره. ومنها معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه، ومنها مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح، ومعرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها ومعرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
قال حفيده: ((ومنها مضرة التقليد، وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام)) .
стр. 149
وعن عمر ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ١. أخرجاه (٢) .
ــ
(١) هو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي، أمير المؤمنين، وأفضل الصحابة بعد الصديق ﵄، ولي الخلافة بعده عشر سنين ونصفا، فامتلأت الدنيا عدلا، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر، استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، قتله أبو لؤلؤة الخارجي.
(٢) الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ﵇ حتى ادعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله، لا تجاوزوا هذا القول، فأبى المشركون إلا مجاوزة أمره، وارتكاب نهيه، وعظموه بما نهاهم عنه، وضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم، وناقضوا أمره أعظم مناقضة، وأظهر لهم الشيطان هذا الشرك في قالب التعظيم للنبي ﷺ ومحبته، والتوحيد والإخلاص في قالب التنقص، حتى جوزوا الاستغاثة به في كل ما يستغاث فيه بالله، ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، وارتكبوا ما نهوا عنه، وشاقوا الله ورسوله. وفيه أن الألفاظ التي يذكرها بعض الناس في الصلاة والسلام عليه ﷺ وغير ذلك مما لا يحبه ﷺ ، ولا يحب إلا ما جاء الأمر به حتى في الصلاة عليه ﷺ ، وفيما يثني عليه ويمدح به، ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته، ومحبته إنما يصدقها تجريد التوحيد الذي بعث من أجله، وتجريد المتابعة، وتقديم محبته على النفس والمال والولد والناس أجمعين، والثناء عليه بما أثنى به عليه ربه، أو أثنى به هو على نفسه، من غير غلو ولا تقصير.
стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـقال: قال رسول الله ﷺ : " إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو (١) " ١ ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " هلك المتنطعون (٢) قالها ثلاثا (٣) "٢.
ــ
(١) أي التشدد في الدين ومجاوزة الحد، بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك، فهو الداء العضال الذي هلكت به الأمم الماضية، وهذا الحديث ذكره المصنف ﵀ غير معزو، وقد رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: " قال رسول الله ﷺ غداة جمع: هلم القط لي حصيات من حصى الخذف، فلما وضعتها في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين "٣. لفظ ابن ماجه، وإسناده صحيح، وشواهده في الكتاب والسنة. وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار. وقال شيخ الإسلام: ((هذا الحديث عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال)) .
(٢) أي المتكلفون المتعمقون المتأنقون، الغالون في الكلام، المتكلمون بأقاصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا، أو الغالون في عباداتهم، بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، أو الذي يدخل الباطل في قالب الحق لقوة فصاحته، وأما الفصاحة التي توضح الحق وترد الباطل، وتظهر عظمة العلم والدليل فممدوحة.
(٣) أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في الإبلاغ والتعليم، وقد بلغ البلاغ المبين ﷺ ومطابقة هذا الحديث للترجمة أن التنطع من الغلو والزيادة؛ لما فيه من الخروج إلى ما يوصل إلى الشرك بالله . وهذا الحديث رواه أحمد أيضا وأبي داود وغيرهما.
стр. 151
باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده (١) ؟
في الصحيح عن عائشة ﵂: " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة (٢)
ــ
(١) أي باب ذكر ما ورد في النصوص من التغليظ والتهديد، والوعيد الشديد على من يعبد الله عند قبر رجل صالح مع أنه لا يقصد إلا الله، ومع كونه معصية فهو وسيلة وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك، وقد أبدى ﷺ وأعاد، وكرر وغلظ في ذلك، فكيف إذا عبد الرجل الصالح فإنه أحق وأولى بما هو أعظم من هذا التغليظ، والمقصود أنه إذا كانت عبادة الله عند القبور منهيا عنها، ومغلظا فيها، فكيف بعبادة صاحب القبر، فإن ذلك شرك أكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إليه، ولما رأى المصنف -قدس الله روحه- تهافت الناس على عبادة القبور، نوع التحذير من الافتتان بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلوب، وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب، وأبلغ في التحذير.
(٢) أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشية المخزومية، تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، وتوفيت سنة ٦٢ هـ، والكنيسة- بفتح الكاف =
стр. 152
وما فيها من الصور (١) ، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح –أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا (٢) ، وصوروا فيه تلك الصور (٣) ، أولئك شرار (٤) الخلق عند الله " ١.
ــ
= وكسر النون- متعبد النصارى، وفي رواية: "يقال لها: مارية"، وفيه أن أم سلمة ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ في مرض موته، وهو في الصحيحين، وفيهما أيضا أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك لرسول الله ﷺ .
(١) أي وذكرت له ما فيها من تلك الصور، وفي رواية: "وذكرتا له من حسنها وتصاوير فيها".
(٢) أي موضعا للعبادة، وإن لم يسم مسجدا كالكنائس والمشاهد، و "أولئك" بكسر الكاف، خطاب للمرأة، والرجل الصالح هو القائم بحقوق الله، وحقوق عباده، وفيه التحري في الرواية، وجواز الرواية بالمعنى لمن يحسن ذلك.
(٣) بكسر الكاف أيضا، وتفتح كالماضية، والإشارة إلى ما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في تلك الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، ذكرهم على وجه العيب والذم والإشانة.
(٤) شرار بكسر الشين جمع شر كالخيار جمع خير، وإنما سموا بذلك لضلالهم، وسنهم لمن بعدهم الغلو في قبور صالحيهم حتى أفضى بهم ذلك الغلو إلى عبادتها، وهو عام فيمن فعلهم من هذه الأمة، وأي زجر وأي تغليظ وتقريع وتعيير أبلغ من هذا؟ وهم إنما صوروا صورهم ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك وأنذر، وأبدى وأعاد، =
стр. 153
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل (١) .
ــ
= أولا بالبناء على القبور، ثم بالتصوير، ثم بكونهم شرار الخلق؛ سدا للذريعة المؤدية إلى الشرك.
وفيه ونحوه دلالة ظاهرة على تحريم بناء المساجد على القبور، وزخرفتها وإسراجها، وعبادة الله عندها، أو تعليق شيء من الصور عليها، لا سيما وقد لعن ﷺ من فعل ذلك كما سيأتي.
(١) هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث، أدرجه المصنف -رحمهما الله تعالى- غير منسوب؛ لأنه معلوم عند غالب من يقرأ هذا الكتاب، وعني ﵀ أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك، والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة. قال شيخ الإسلام: وإذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بها، فهذا عين المحادة، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما قد علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت =
стр. 154
ولهما عنها قالت: " لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه (١) ، فإذا اغتم بها كشفها (٢) ، فقال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) .
ــ
= النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرحوا بتحريم ذلك، ومن أطلق الكراهة منهم فينبغي أن تحمل كراهته على التحريم، إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ النهي عنه، ولعن فاعله.
(١) نزل بضم النون وكسر الزاي، أي لما نزل به ملك الموت لقبض روحه الشريفة، والملائكة الكرام، وروى بالفتح، أي لما نزل به الموت. وفي رواية: نزلت، أي لما حضرت المنية والوفاة. و"طفق" بفتح الطاء وكسر الفاء وتفتح، أي جعل، "والخميصة" كساء له أعلام.
(٢) أي إذا غمته فاحتبس نفسه عن الخروج كشفها عن وجهه؛ لشدة ما يعالج ﷺ من كرب الموت.
(٣) أي قال ﷺ في هذه الحالة الحرجة، وهي شدة النزع، لشدة اهتمامه، واعتنائه بمقام التوحيد، وخوفه أن يعظم قبره، كما فعل من مضى: "لعنة الله على اليهود والنصارى"، وفي لفظ: " قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١ أي كنائس وبيعا، أي يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم، وفي لفظ لمسلم: " كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " ٢. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على =
стр. 155
يحذر ما صنعوا (١) ، ولولا ذلك لأبرز قبره (٢) ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" ١. أخرجاه (٣) .
ــ
= قبور الأنبياء والصالحين، فإنما هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم، فأفاد أن هذا من أخوف ما خافه ﷺ على أمته، ولولا أن ضرره عظيم لما ذكره في هذا المقام، وخص قبور الأنبياء لأن عكوف الناس على قبور أنبيائهم أعظم، واتخاذها مساجد أشد، ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهذه الطائفتين إلا على سبيل التحذير الشديد؛ لئلا تقع أمته في شيء من فعلهم عند قبره، فلعنهم على تحري الصلاة عندها، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها، فكيف إذا عبدها، وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها، واللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم.
(١) هذا من كلام عائشة ﵂ أي أن رسول الله ﷺ لعن اليهود والنصارى تحذيرا لأمته أن يفعلوا ما فعلت اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، وأعظم وسائل الشرك، قال القرطبي: ((وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام)) .
(٢) وفي لفظ: لأبرزوا قبره، أي ولولا تحذير النبي ﷺ ما صنعوا، ولعنه من فعل ذلك لأبرز قبره، أي لدفن خارج بيته، أو مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع.
(٣) أي البخاري ومسلم، ويغنى عنه قوله في أوله: ولهما؛ فلعله سبقة قلم، و"خشي" روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك ﷺ ، وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، فلم يبرزوا =
стр. 156
ولمسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ (١) قال: " سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس (٢) وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل (٣) ؛
ــ
= قبره خشية أن يقع ذلك غلوا وتعظيما، لما تقرر عندهم من مناقضة ذلك لدين الإسلام، بما أبدى وأعاد ﷺ من النهي والتحذير منه ولعن فاعله. قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا- حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذا كان مستقبل المصلي، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. قال المصنف: وفيه ما ذكر ﷺ فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، والنهي عن التماثيل، وتغليظ الأمر في ذلك، ونهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر، وأنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، ولعنه إياهم على ذلك، وأن مراده بذلك تحذيرنا عن قبره، ومنها العلة في عدم إبراز قبره.
(١) هو أبو عبد الله البجلي العلقي، والعلق بطن من بجيلة من كهلان، ويقال: جندب الخير، وينسب إلى جده سفيان، صحابي مشهور، مات بعد الستين.
(٢) أي خمس ليال، وقيل خمس سنين، والأول أظهر؛ لكونه لعن أيضا وهو في سياق الموت من فعله.
(٣) نفى أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله والليل المنقطع إليه، المحبوب غاية الحب، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر: =
стр. 157
فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا (١) ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا (٢) ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد (٣) ،
ــ
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
والخلة فوق المحبة، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، وبرئ من الشيء سلم وخلص. قال القرطبي: ((وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه ﷺ قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره)) .
(١) أي فلا أريد مع خلة ربي أحدا، بل حسبي ذلك؛ لئلا تزاحم خلة غيره خلته، وفيه إثبات أنه خليل الله، ولا ينافي عبوديته لله.
(٢) فيه إثبات فضيلة الصديق ﵁؛ إذ لو كان النبي ﷺ على سبيل الفرض والتقدير متخذا خليلا لاتخذ أبا بكر، وفي صحيح مسلم: " ولكن أخي وحبيبي "١. قال المصنف: فيه الرد على الرافضة والجهمية اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وفيه التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، وفيه إشارة إلى خلافته؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد، كان أولى بالنيابة عنه من غيره، وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب لما قيل له: يصلي بهم عمر، وذلك في مرضه الذي توفي فيه ﷺ . واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة بالإجماع، ومناقبه مشهورة، مات ١٣ هـ، وله ٦٣.
(٣) (ألا) حرف استفتاح، واتخاذها إما أن يكون سجودا لها تعظيما وعبادة، أو توجها منهم إليها حالة الصلاة، جمعا بين العبادة وتعظيم الأنبياء، وعلى كل تقدير فإنهم يستحقون اللعن بذلك، والحديث أعم من ذلك، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها.
стр. 158
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (١) "١. فقد نهى عنه في آخر حياته (٢) ، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله (٣) ، والصلاة عندها من ذلك (٤) وإن لم يبن مسجد (٥) ،
ــ
(١) يحذر الأمة أن تتخذ القبور مساجد كالذين من قبلهم، وأكد النهي فقال: "فإني أنهاكم عن ذلك" أي عن اتخاذها مساجد، سدا لذريعة الشرك، ففيه النهي عن اتخاذ القبور مساجد من ثلاثة أوجه:
(الأول) ذم من كان قبلهم على ذلك.
(والثاني) تحذيرهم أن لا يتخذوها.
(والثالث) قوله: "فإني أنهاكم عن ذلك" فبالغ في النهي، نصيحة لأمته عن أعظم ما يحل بهم.
(٢) أي كما في حديث جندب، وهذا وما بعده من كلام شيخ الإسلام.
(٣) كما في حديث عائشة ﵂؛ لأن التردد على القبور يوجب التأله لأربابها، ويورث عبادتهم، و (سياق) أصله سواق، قلبت الواو ياء لكسر السين، وسياق وسواق مصدران من ساق يسوق، والمراد سياق الموت، سمي بذلك كأن روحه الشريفة تساق لتخرج من البدن.
(٤) أي من اتخاذها مساجد، فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد، فهو داخل في لعن الرسول ﷺ ومرتكب نهه شاء أم أبى، وفائدة التنصيص على زمن النهي، يقضي بأنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته ﷺ .
(٥) أي إن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، ولو بدون بناء مساجد.
стр. 159
وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا (١) ؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا (٢) ، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا (٣) ، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا (٤) .
ــ
(١) أي معنى قول عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، كما اتخذت اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد، وعن أبي سعيد مرفوعا: " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام "١. أخرجه الخمسة. وفي الصحيح أن " عمر رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر " فإنه مستقر عندهم ما نهاهم عنه النبي ﷺ من الصلاة عند القبور، وفي هذا وأمثاله إبطال زعم من زعم أن النهي لأجل النجاسة، وهو أبعد شيء عن مقاصد الشارع، بل العلة الخوف على الأمة من نجاسة الشرك، كما هو معلوم من النصوص المستفيضة عن الرسول ﷺ .
(٢) لما علموا من تشديده ﷺ في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله.
(٣) لكونه أعد لها، وإن لم يبن فيه مسجد، و (قصد إلى الشيء) توجه إليه.
(٤) وإن لم يقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي، فأوقع الصلاة في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة عنده، من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فإنه يصير بفعل الصلاة فيه مسجدا، فالأول في الأمكنة المعدة للصلاة، وهذا في أي موضع صلى فيه وإن لم يعد لها.
стр. 160
كما قال ﷺ : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ١ (١) . ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء (٢) ، والذين يتخذون القبور مساجد (٣) "٢.
ــ
(١) أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي "٣، وفيه: " وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، فسمى الأرض مسجدا، بمعنى أنه تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، كالمقبرة والمكان النجس، قال البغوي: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفا عليهم وتيسيرا، وهذا من خصائصه ﷺ . وقوله: " طهورا" أراد به التيمم، وفيه المبالغة في النهي عن بناء المساجد عند القبور كيف بين لهم أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النزع لم يكتف بما تقدم، بل لعن حالة النزع من فعل ذلك.
(٢) أي ينفخ في الصور نفخة الفزع وهم أحياء أو مقدماتها، كخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضا من أبلغ التغليظ؛ فإنه أخبر عمن تقوم عليهم الساعة أنهم هم شرار الخلق، كقوله: " ويبقى شرار الناس "٤، وقوله: " حتى لا يقال في الأرض الله الله " ٥. و (شرار الناس) بكسر الشين: جمع شر، ضد خيارهم.
(٣) أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي ﷺ لعنهم على ذلك، تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم فعلهم، وهذا المعنى متواتر عن النبي ﷺ =
стр. 161
ورواه أبو حاتم في صحيحه (١) .
ــ
= معلوم بالاضطرار من دينه، وكل ذلك شفقة منه ﷺ على الأمة، وخوف من أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وأصحابها، وتقدم الإجماع على النهي عن البناء على القبور، والقطع بتحريمه، وفي صحيح مسلم: "نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه".
قال شيخ الإسلام: لا فرق بين الجديدة والعتيقة، انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق أن يكون بينه وبين الأرض حائل أولا، لعموم الاسم وعموم العلة، وإن كان موضع قبر أو قبرين؛ لأنه لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم أن قبورهم لا تنجس، فمن علق النهي بنجاسة التربة خاصة، فهو بعيد عن مقصود النبي ﷺ ، ولا تجوز في مسجد بني في مقبرة سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور، أو كان مكشوفا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي مرثد: " لا تصلوا إلى القبور" ١. وقال ابن القيم: ((وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغة: "لا تفعلوا"، "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحق بمن عصاه؛ فإن هذا وأمثاله صيانة منه لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك، وغضب لربه أن يعدل به سواه)) اهـ. وقد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله، ما يغضب لله من أجله من في قلبه رائحة إيمان، ولقد أبدى ﷺ وأعاد، وحذر من ذلك، حتى في النزع سدا لذريعة الشرك قبل وقوعه، وتحذيرا للناس منه، وقد طبق العالم اليوم، وعادت الجاهلية الأولى، بل زادوا عليهم دعاءهم في الشدائد، واعتقاد النفع والضر فيهم من دون الله فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(١) أبو حاتم هو محمد بن حبان، تقدمت ترجمته، وأن أصح ما صنف في الصحيح بعد الصحيحين صحيح ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم.
стр. 162
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله (١)
روى مالك في الموطأ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يُعبد (٣) ،
ــ
(١) أي ذكر ما ورد من الدليل والبرهان أن الغلو- وهو مجاوزة الحد- في قبور الأنبياء والصالحين بالبناء عليها، واتخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها، والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع الغلو يجعلها أوثانا؛ لأنه يورث التأله والعبادة شيئا فشيئا، والوثن يعم الأصنام وغيرها مما يعبد من دون الله، كما عبدت اللات والعزى ومناة وغيرها.
(٢) أي روى مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة، وأحد الحفاظ. قال أحمد: ((مالك أثبت في كل شيء)) . وقال البخاري: ((أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر)) . وروى عن جماعة من التابعين، نافع وغيره، وعنه الشافعي والأوزاعي وخلق، ولد سنة ٩٣ هـ، ومات سنة ١٧٩ هـ.
روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا، ومرسله ثقة. ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعا، وسنده من تقبل زيادته، وله شاهد عند أحمد من حديث أبي هريرة، والموطأ اشتهر في عصره حتى قال الشافعي: ((ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك)) . وهو كما قال؛ فإن حديثه أصح من حديث نظرائه.
(٣) خاف ﷺ أن يقع في أمته ذلك، كما وقع من اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فرغب إلى ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، وقد استجاب =
стр. 163
اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) "١. ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد (٢) :
ــ
= الله دعاءه فصان قبره، وأحاطه بثلاثة جدران، مثلثة لا يستطيع أحد الوصول إليه ولا استقباله
قال ابن القيم:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
فدل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عبد لكان وثنا، لكن حماه الله بما حال بينه وبين الناس، فلا يوصل إليه، ودل على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها، حتى اتخذت دينا يضلل من أنكر عبادتها.
(١) أتى ﷺ بهذه الجملة بعد دعائه ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، تنبيها على سبب لحوق شدة الغضب عليهم ولعنهم، وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد، وفيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وفيه تحريم البناء على القبور والصلاة عندها، وأنه من الكبائر. وكره مالك أن يقول: زرت قبر النبي ﷺ ؛ وعلل الكراهة بقوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
قال المصنف: ((وفيه أنه لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه)) .
(٢) ابن جرير هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، وقيل: يزيد بن كثير بن غالب الطبري من أهل آمد طبرستان، صاحب التفسير والتاريخ والأحكام وغيرها. قال ابن خزيمة:
((لا أعلم على وجه الأرض أعلم من محمد بن جرير)) . وكان من المجتهدين، وله أصحاب يتفقهون على مذهبه، ولد سنة ٢٢٤ هـ، ومات سنة ٣١٠ هـ.
وسفيان هو ابن سعيد بن مسروق الثوري من ثور بن عبد مناة بن أد =
стр. 164
" ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان يلت لهم السويق (١) ، فمات فعكفوا على قبره " (٢) .
ــ
= ابن طابخة، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه مجتهد، وله أيضا أتباع يتفقهون على مذهبه، مات سنة ١٦١ هـ، وله ٦٤.
ومنصور هو ابن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة أبو عتاب السلمي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، روى عن أبي وائل والنخعي والحسن وغيرهم، وعنه أيوب والأعمش وغيرهما، مات سنة ١٣٢ هـ،
ومجاهد هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة أبو الحجاج المخزومي المقري، مولى السائب المكي، ثقة إمام في العلم والتفسير، أخذه عن ابن عباس وغيره، وروى عن علي والعبادلة وغيرهم، وعنه عطاء وعكرمة وغيرهما، ولد سنة ٢١ هـ، ومات وهو ساجد سنة ١٠٤ هـ.
(١) أي للحاج، والسويق دقيق الحنطة أو الشعير، ولته خلطه وبله بالسمن أو الماء.
(٢) وفي رواية: كان اللات رجلا في الجاهلية، وكان له غنم، فكان يسلو من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسا، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات، رواه سعيد بن منصور والفاكهي. والمعنى أن اللات كان رجلا صالحا يطعم الحجاج السويق، فلما مات غلوا فيه وعظموه لأجل عمله الصالح الذي كان يعمله، فعكفوا على قبره حتى عبدوه، وصار قبره وثنا من أوثان المشركين، فقد تقرر أن سبب عبادة اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثنا يعبد، كما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين ود وسواع وغيرهما، وكما كان ذلك هو السبب في عبادة الصالحين اليوم من الأموات وغيرهم، فإنهم غلوا فيهم، وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذا لقضاء المآرب، وهو الشاهد للترجمة. والعكوف على الشيء: الإقبال عليه مواظبا والاحتباس فيه، والاستدارة حوله، ومنه الاعتكاف في المساجد.
стр. 165
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج (١) . وعن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور (٢) ،
ــ
(١) رواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن أبي الأشعث عن أبي الجوزاء، وهو أوس بن عبد الله الربعي بفتحتين من ربيعة الأزد، روى عن أي هريرة وابن عباس وغيرهما، وعنه بديل وقتادة والأشعث وغيرهم، ثقة مشهور مات سنه ٨٣ هـ.
(٢) اللعن: الطرد والإبعاد ويقع بالقول، "وزائرات " جمع زائرة، وفي رواية "زوارات القبور"، وفيه دلالة صريحة على تحريم زيارة النساء القبور وهو قول أكثر أهل العلم، وقد نهى النبي ﷺ عن زيارة القبور نهيا عاما، ثم أذن فيه بقوله: "فزوروها" وحديث الإذن مخصص بهذا الحديث، فهو من العام المخصوص، ولم تدخل النساء في الإذن لأوجه: (منها) أن قوله: "فزوروها" صيغة تذكير، ولو كان للعموم لكان النساء على عهده ﷺ وعهد خلفائه يزرنها. (ومنها) أنه علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين، والمرأة يخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف، والعلة في المنع أنهم كانوا حديثي عهد بكفر، فلما طال مكثهم في الإسلام نسخ لزوال العلة، والعلة في النساء باقية بحالها، وليس في زيارتهن من المصلحة ما يعارض تلك المفسدة؛ لأنه ليس في زيارتهن إلا دعاؤهن للميت، أو اعتبارهن به، وذلك ممكن في بيوتهن، وفي الحديث: " ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت ". وفي الصحيح نهيه النساء عن اتباع الجنائز.
стр. 166
والمتخذين عليها المساجد والسرج (١) " ١. رواه أهل السنن (٢) .
ــ
(١) أي ولعن رسول الله ﷺ المتخذين على القبور المساجد المبنية، والموقدين عليها السرج وكذا الصلاة عندها، والدعاء ونحو ذلك، وهذا حرام باتفاق العلماء. وفي صحيح مسلم: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " ٢. وإذا كانت المساجد بنيت لذكر الله، وقراءة القرآن والصلاة، كانت القبور بذلك مساجد. قال ابن القيم: ((اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر)) . ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان فدل على أنه لأجل نجاسة الشرك؛ إذ ليس لعن المسرجين من أجل نجاسة البقعة، فكذا البناء.
(٢) أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يخرجه النسائي، وجاء عن النبي ﷺ نحوه من طريقين: عن أبي هريرة عند أحمد والترمذي وصححه، وعن حسان عند ابن ماجه. قال شيخ الإسلام: ((هذا الحديث تعددت طرقه، فهو في الأصل معروف، ومثله حجة بلا ريب)) .
стр. 167
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك (١)
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
ــ
(١) المصطفى المختار، والجناب هو الجانب، والمراد حمايته ﷺ التوحيد عما يقرب منه، أو يخالفه من الشرك وأسبابه؛ إذ هو أعظم الفرائض، بل لا تصح إلا به، وهو الذي جاءت الرسل بالقيام به، والنهي عما ينافيه، ومع حمايته لجنابه اجتهد في سد كل طريق يوصل أمته إلى الشرك، وحذر وأنذر، وأبدى وأعاد، وخص وعم، وقطع الوسائل والذرائع المفضية إليه، فصلّى الله عليه وسلّم كما بلغ البلاغ المبين، وفي الأبواب المتقدمة شيء من حماية المصطفى ﷺ لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف ﵀ هنا حمايته الخاصة.
(٢) يخبر تعالى عباده على سبيل الامتنان أنه بعث فيهم رسولا عظيما، أرسله إليهم من أنفسهم، أي من جنسهم، يرجعون معه إلى نفس واحدة، وبلغتهم ولسانهم، يعرفونه ويتحققون مكانه، ويعلمون صدقه وأمانته ونصيحته وشفقته، وذلك أقرب وأسرع إلى فهم الحجة، وأبعد من اللجاجة، ويقتضي مدحا لنبيه ﷺ وأنه من صميم العرب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ الآية. وقال جعفر للنجاشي: ((إن الله بعث فينا رسولا منا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته)) .
стр. 168
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ١ (١) الآية. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تجعلوا بيوتكم قبورا (٢) ،
ــ
(١) أي شديد عليه جدا الذي يعنت أمته، وهو لحاق الأذى الذي يضيق به الصدر، ولا يهتدي للمخرج عنه، والذي يشق عليها من كفر وضلال وامتحان، وفي الحديث: " بعثت بالحنيفية السمحة " ٢. وفي الصحيح: " إن هذا الدين يسر "٣، فشريعته كلها سهلة سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه. وقوله: " حريص عليكم " أي راغب ومجتهد على هدايتكم، وحصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، والحرص شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه، حتى قال: " ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم ". وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤. أي بليغ الرأفة والشفقة بهم لا بغيرهم، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥. وقال ﵇: " ما بعث الله من نبي إلا كان عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم "٦. فاقتضت هذه الأوصاف أن أنذر أمته وحذرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ولا ريب أن الإنذار عنه زبدة رسالته، وقد بين ﷺ لأمته ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها وإليها، ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها، وهذا وجه الدلالة من الآية.
(٢) أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور؛ لأن النهي عن الصلاة عند القبور قد تقرر عندهم، فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك، وأمر بتحري العبادة فيها، ونهاهم عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم من هذه الأمة. وفي الصحيحين: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا "٧. ولمسلم: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه " ٨. وفي هذا ونحوه إبعاد لأمته عن الشرك.
стр. 169
ولا تجعلوا قبري عيدا (١) ، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (٢) "١. رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات (٣) .
ــ
(١) نهى ﷺ عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع معهود كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص في زمان مخصوص، وذلك يدل على المنع في جميع القبور؛ لأن قبره أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام ويتكرر على وجه معتاد، أو يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، من المعاودة والاعتياد، والمكان الذي يقصد فيه الاجتماع، وانتيابه للعبادة وغيرها، وهو الشاهد للترجمة، نهى أن يتخذ قبره عيدا للصلاة والدعاء وغير ذلك من وسائل الشرك، كما اتخذ المشركون أعيادا زمانية ومكانية، وقد أبطلها الشرع، وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى والكعبة والمشاعر.
(٢) يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدا تنتابونه وترددون إليه لأجل ذلك، ومن اتخاذه عيدا أن تتكرر زيارته على وجه مخصوص، وتبليغه ﷺ حيث صلي عليه من خصائصه. وقال الحسن بن الحسن: ((ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)) . وأنكر مالك: زرت قبر النبي ﷺ ؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى جعله عيدا.
(٣) وقال الحافظ ابن عبد الهادي: هو حديث حسن، جيد الإسناد. وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة. وقال شيخ الإسلام: ((ومثل هذا إذا كان له شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة)) .
стр. 170
وعن علي بن الحسين (١) " أنه رأى رجلا يجيئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه (٢) وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيدا (٣)
ــ
(١) يعني ابن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين، أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم. قال الزهري: ((ما رأيت قرشيا أفضل منه)) . مات سنة ٩٣ هـ، وأبوه الحسين، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، حفظ عن رسول الله ﷺ ، واستشهد يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ، وله ٥٦.
(٢) الفرجة بضم الفاء وسكون الراء، وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما، والرجل المبهم صرح باسمه سعيد بن منصور في سننه أنه سهيل بن أبي صالح، قال: " رآني الحسن بن الحسن بن علي عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم ". وذكر الحديث. وفيه حرص السلف على قطع الوسائل والذرائع، وسد أبوابها المفضية إلى الشرك.
(٣) فيه دليل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها؛ لأن ذلك نوع من اتخاذها عيدا، ويدل أيضا على أن قصد الرجل القبر لأجل السلام إذا لم يكن يريد المسجد من اتخاذه عيدا المنهي عنه، قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا، ويدل أيضا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك من اتخاذه عيدا وأنه لم يشرع، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ؛=
стр. 171
ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم " (١) .
ــ
= لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، وإنما كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه ﷺ في الصلاة أفضل وأكمل، وكانت الحجرة في زمانهم يؤتى إليها من الباب، ومع التمكن لا يدخلون عليه، لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، فلم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره؛ لنهيهم بقوله: " لا تتخذوا قبري عيدا "١ وغير ذلك، وإنما كان يأتي أحدهم من خارج، إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعله، فيقول: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه "، ثم ينصرف ولا يقف للدعاء. قال شيخ الإسلام: لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة، فصار بدعة، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وفي هذا الحديث أيضا دليل على منع شد الرحل إلى قبره ﷺ أو غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها أعيادا، ومن أعظم أسباب الإشراك بها كما هو الواقع، واتفق الأئمة على المنع من ذلك؛ لما في الصحيحين: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى "٢. فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، بل هي أولى بالنهي، وإذا نوى بشد الرحل زيارة القبر فقط حرم، وإن نواه والمسجد جاز.
(١) وفيما رواه منصور عن أبي صالح: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". فإن قيل: إذا سمع سلام المسلم عند قبره حصلت المزية بسلامه. قيل: هذا لو حصل الوصول إلى قبره كسائر قبور المسلمين، أما وقد منع الناس من الوصول إليه بثلاثة الجدران فلا تحصل المزية، سواء سلم عليه عند قبره، أو في مسجده إذا دخله، أو في أقصى المشرق أو المغرب، فالكل يبلغه كما وردت به الأحاديث، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه، ويبلغه ﷺ .
стр. 172
رواه في المختارة (١) .
ــ
(١) هو كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين. ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، ضياء الدين الحنبلي، أحد الأعلام. قال الذهبي: ((أفنى عمره في هذا الشأن، مع الدين المتين، والورع والفضيلة التامة والإتقان)) . قال شيخ الإسلام:
((تصحيحه في مختارته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب)) . مات سنة ٦٤٣ هـ.
وروى هذا الحديث أبو يعلى، والقاضي إسماعيل، ورواه سعيد بن منصور في سننه من طريقين عن أبي صالح وأبي سعيد مولى المهدي. قال شيخ الإسلام: ((فهذان المرسلان يدلان على ثبوت الحديث)) . اهـ.
وقد روي من وجوه مسندة. وقال الشارح حافظ عصره: ((هذا والذي قبله جيدان، حسنا الإسنادين)) . قال شيخ الإسلام: ((فانظر هذه السنة، كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أشد)) .
стр. 173
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان (١)
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) لما ذكر المصنف ﵀ التوحيد وما ينافيه من الشرك، أو ينافي كماله، أو ما يكون وسيلة إلى ما ينافيه، ذكر أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادة الأوثان، والوثن يطلق على كل من قصد بأي نوع من أنواع العبادة، من صنم أو قبر أو مشهد أو غير ذلك، لقول الخليل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾ ٢، مع قوله: (قالوا نعبد أصناما) . وقال ﵊ لعدي وفي عنقه صليب: " ألق عنك هذا الوثن " ٣.
(٢) (ألم تر) ألم تنظر (إلى الذين أوتوا) أعطوا (نصيبا) حظا (من الكتاب) اليهود والنصارى (يؤمنون) يصدقون (بالجبت) الشيء الفشل، الذي لا خير فيه من أمور الدين، وقال الجوهري: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر. (والطاغوت) الشيطان، وسيأتي تمام الكلام فيهما.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٤ أي يفضلون الكفار على المسلمين، بجهلهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم، وأخرج أحمد وغيره من غير وجه عن ابن عباس وغيره: " أنه جاء حيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوما، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله هذه الآية ". قال =
стр. 174
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ١ (٢) .
ــ
= المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع، هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ أي فالإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع هو موافقة أصحابها مع بغضها، ومعرفة بطلانها، كفعل علماء السوء مع أهل الحق، حرفة يهودية، ووراثة غضبية. ومطابقة الآية للترجمة أنه إذا كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، فهذه الأمة التي أوتيت القرآن لا يستنكر ولا يستبعد أن تعبد الجبت والطاغوت؛ فإن الرسول ﷺ قد أخبر أن هذه الأمة ستفعل مثل ما فعلت الأمم قبلها.
(١) يقول الله تعالى لنبيه ﷺ (قل) يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب الطاعنين في دينكم الذي هو توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون ما سواه (هل) أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة، مما تظنونه بنا في قولكم: لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا شرا من دينكم، وديننا هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله: (من لعنه الله) وأبعده من رحمته وطرده، (وغضب عليه) غضبا لا يرضى بعده أبدا (وجعل منهم القردة) أصحاب السبت (والخنازير) كفار مائدة عيسى. وعن ابن عباس: كلاهما من أصحاب السبت، فشبابهم مسخوا قردة، وشيوخهم مسخوا خنازير، وقد " سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قوما فجعل لهم نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " ٢ رواه مسلم.
(٢) أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي أطاع الشيطان فيما سول له، قال شيخ الإسلام: الصواب أنه معطوف على قوله: (من لعنه الله وغضب عليه) فهو فعل ماض، معطوف على ما قبله أي: ومن عبد الطاغوت، ولم يعد لفظ (من) ؛ =
стр. 175
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١ (١) .
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم (٢) حذو القذة بالقذة (٣) ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه (٤) .
ــ
= لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد، وهم اليهود. وقوله: (أولئك شر مكانا) أي مما تظنون بنا (وأضل عن سواء السبيل) ومطابقة الآية للترجمة أنه إذا كان اليهود ممن عبد الطاغوت، فكذلك يكون في هذه الأمة.
(١) أي قال ذلك أصحاب الكلمة والنفوذ، في زمن أصحاب الكهف (لنتخذن عليهم مسجدا) ليعرفوا فيقصدهم الناس ويتبركون بهم، ذمهم الله بذلك، تحذيرا لنا أن نتخذ القبور أوثانا، وتقدم لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى لاتخاذهم المساجد على قبور أنبيائهم، وأن مراده تحذيرنا أن نفعل فعلهم، فيجرنا ذلك إلى الشرك، ويأتي إخباره بذلك، وهو وجه الاستدلال بالآية.
(٢) "تتبعن" بضم العين وتشديد النون، أي لتسلكن طرق من كان قبلكم من الأمم، في عبادة الأوثان وغيرها مما ذمهم الله به، وهو الشاهد للترجمة، وبه أيضا تظهر مناسبة الآيات للترجمة.
(٣) بنصب "حذو" على المصدر، أي تحذون حذوهم، و "القذة" بضم القاف واحدة القذذ، وهي ريش السهم، مبالغة منه ﷺ في الوصف، أي لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم، حتى تشبهوهم وتحاذوهم في كل ما فعلوه، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى وتساويها، لا تزيد واحدة على الأخرى.
(٤) أي لو تصور دخولهم جحر ضب مع ضيقه لدخلتموه، لشدة سلوككم طريق من قبلكم، و "الجحر" بضم فسكون غار الضب. وفي حديث آخر: " حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان فيكم من يفعل ذلك " ٢. وهذا كله شدة مبالغة =
стр. 176
قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن " ١. أخرجاه (١) .
ولمسلم عن ثوبان ﵁ (٢)
ــ
= منه ﷺ وبيان أن أمته لا تدع شيئا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله، لا تترك منه شيئا، وقد أكد هذا الخبر بأنواع من التأكيدات، من ذلك اللام في قوة: والله لتتبعن، ثم بنون التوكيد، ثم بقوله: "حذو القذة بالقذة"، ثم بالغ أشد مبالغة في التشبه بهم، حتى إن اليهود والنصارى لو دخلوا جحر ضب لدخلته هذه الأمة، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره من السلف: " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ".
(١) أي البخاري ومسلم واللفظ له، و "اليهود" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني، و "من" استفهام تقرير، أي فمن القوم إلا هم، فبين ﷺ في هذا الحديث ونحوه أن كل ما وقع من أهل الكتاب، مما ذمهم الله به في هذه الآيات وغيرها لا بد أن يقع جميعه في هذه الأمة، وهذا اللفظ وإن كان خبرا، فمعناه النهي عن متابعتهم، وهذا من علامة نبوته ﷺ ومن معجزاته، فقد سلك كثير من أمته مسلك اليهود والنصارى في إقامة سائر شعائرهم في الأديان، وفي عاداتهم من تعظيم القبور، واتخاذها مساجد حتى عبدوها، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وملابسهم ومراكبهم، والتسليم بالإشارة، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على كتب البدع والضلال، وغير ذلك مما نهى الله عنه.
(٢) ثوبان يقال إنه من العرب، من بني حكمي بن سعد، وقيل من السراة، مولى لرسول الله ﷺ اشتراه فأعتقه، وخدمه ولازمه إلى أن مات ﷺ ، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة ٥٤ هـ.
стр. 177
أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها (١) ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها (٢) ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (٣) ،
ــ
(١) أي زواها جميعها، يقال: زويت الشيء، جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه ﷺ اطلاعه على القريب، بأن طويت له، وجعلت مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، فأبصر ما تملكه أمته من أقصى مشارق الأرض ومغاربها، وفي رواية أبي داود: " فأريت مشارق الأرض ومغاربها ". قال القرطبي: ((ظاهر اللفظ يقتضي أن الله قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عنه وهو ينظر إليه)) .
(٢) زوي يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن يكون مبنيا للمفعول. ولأحمد وغيره: " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها " ١ وقد وقع ما أخبر به ﷺ وقال القرطبي: ((هذا الخبر وجد مخبره كما قال ﷺ ، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه)) .
(٣) بالنصب على البدلية، قال القرطبي: يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال: " والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " ٢ وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم الذهب، وبالأبيض عن كسرى؛ لأن الغالب عندهم الجوهر والفضة، =
стр. 178
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة (١) ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم (٢) ، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد (٣) ،
ــ
= وقد وجد ذلك في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتح بلاده.
(١) هكذا ثبت بأصل المصنف بالباء، وهي رواية في صحيح مسلم وغيره، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط سنة، ويجمع على سنين كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ ١ أي الجدب المتوالي.
(٢) أي لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم من الكفار، فيستأصل معظمهم وجماعتهم، وبيضة كل شيء حوزته، وقال الجوهري وغيره: بيضة القوم ساحتهم، سأل الله أن لا يسلط العدو على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا بهذه الأوصاف المذكورة، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض حتى يقع منهم ما ذكر فقد يسلطون عليهم.
(٣) أي إذا حكمت حكما مبرما نافذا أو معلقا فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، كما قال ﷺ : " ولا راد لما قضيت "، وفي بعض الروايات قال: " دعوت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأجابني، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وأجابني، وسألته الثالثة أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدا ومنعني هذا، وقال: حتى يهلك بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ". وحتى هنا للغاية يعني إذا فعل بعضهم ببعض هكذا سلط عليهم العدو حينئذ، وما داموا مجتمعين على الحق فلا يسلط عليهم، ولكن عند فرقتهم يسلط عليهم عقوبة لهم.
стр. 179
وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة (١) ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها (٢) حتى (٣) يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " ١. ورواه البرقاني في صحيحه (٤) .
ــ
(١) ولفظ أبي داود: " ولا أهلكهم بسنة عامة " أي أعطاه الله سؤاله لأمته أن لا يهلكها بسنة عامة، وهي الجدب الذي يهلك أخضرهم ويابسهم، فأجاب الله دعاءه، وكان في الأمم السابقة عذاب الاستئصال بخلاف هذه الأمة، فإن الله -وله الحمد والمنة- قد دفع عنها ذلك، ببركة دعاء نبيها ﷺ .
(٢) أي وإني أعطيتك لأمتك أن لا أسلط عليهم عدوا من سواهم فيتولاهم جميعا، ويهلكهم ويذلهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض. ولفظ أبي داود: "من بين أقطارها "- جوانبها، أي لم يسلطهم الله عليهم، كما فعل بالأمم الماضية المكذبة، وهذا أيضا من خصائص هذه الأمة ببركة نبينا ﷺ .
(٣) (حتى) لإنتهاء الغاية، أي أن أمرها ينتهي حتى يوجد ذلك منهم، فإن الله لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم، ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " ٢. فأما إذا وجدت هذه الأوصاف فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم كما وقع، فقد سلط بعضهم على بعض، لكثرة اختلافهم وتفرقهم، ولكن بحمد الله لا تزال طائفة منهم باقية على الحق، تقوم بها الحجة على الخلق، منصورة كما سيأتي.
(٤) البرقاني بفتح الباء، الموحدة وسكون الراء، نسبة إلى قرية كانت بنواحي خوارزم، خربت وكانت مزرعة. هو الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد =
стр. 180
وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين (١) ،
ــ
= ابن غالب الخوارزمي الشافعي، روى عن الدارقطني وغيره، وعنه الخطيب وغيره.
قال الخطيب: كان ثبتا ورعا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، كثير التصانيف. صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة، وهذا المسند هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف هذا الحديث. ولد سنة ٣٣٦ هـ، ومات سنة ٤٢٥ هـ.
وروى هذا الحديث أيضا بتمامه أبو داود وغيره عن ثوبان.
(١) أي الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدى بهم الناس، وهم يحكمون في الناس بغير عام فيضلونهم ويضلونهم، فهم ضالون عن الحق، مضلون لغيرهم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
وقال عمر لزياد بن حدير: " يا زياد هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين ". وقال معاذ: " احذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم ".
وقال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وأتى ﷺ بإنما التي هي للحصر، بيانا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال، فيوقعوهم في الإثم، لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع، ولم يخف من جدب السنين ولا تسليط العدو.
وروى الدارمي " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين "٢.
وحذر ﷺ أمته وأنذرهم عن الإحداث في الدين، وابتداع دين لم يشرعه الله ولعن من فعل ذلك، وأخبر الله ﵎: أنه أكمل الدين، وأن القول عليه بغير علم رتبة فوق رتبة الشرك، فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. فكل من أحدث حدثا ليس في كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ فهو ملعون، وحدثه =