قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن " ١. أخرجاه (١) .
ولمسلم عن ثوبان ﵁ (٢)
ــ
= منه ﷺ وبيان أن أمته لا تدع شيئا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله، لا تترك منه شيئا، وقد أكد هذا الخبر بأنواع من التأكيدات، من ذلك اللام في قوة: والله لتتبعن، ثم بنون التوكيد، ثم بقوله: "حذو القذة بالقذة"، ثم بالغ أشد مبالغة في التشبه بهم، حتى إن اليهود والنصارى لو دخلوا جحر ضب لدخلته هذه الأمة، ولهذا قال سفيان بن عيينة وغيره من السلف: " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى ".
(١) أي البخاري ومسلم واللفظ له، و "اليهود" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني، و "من" استفهام تقرير، أي فمن القوم إلا هم، فبين ﷺ في هذا الحديث ونحوه أن كل ما وقع من أهل الكتاب، مما ذمهم الله به في هذه الآيات وغيرها لا بد أن يقع جميعه في هذه الأمة، وهذا اللفظ وإن كان خبرا، فمعناه النهي عن متابعتهم، وهذا من علامة نبوته ﷺ ومن معجزاته، فقد سلك كثير من أمته مسلك اليهود والنصارى في إقامة سائر شعائرهم في الأديان، وفي عاداتهم من تعظيم القبور، واتخاذها مساجد حتى عبدوها، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وملابسهم ومراكبهم، والتسليم بالإشارة، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على كتب البدع والضلال، وغير ذلك مما نهى الله عنه.
(٢) ثوبان يقال إنه من العرب، من بني حكمي بن سعد، وقيل من السراة، مولى لرسول الله ﷺ اشتراه فأعتقه، وخدمه ولازمه إلى أن مات ﷺ ، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة ٥٤ هـ.
стр. 177
أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها (١) ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها (٢) ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (٣) ،
ــ
(١) أي زواها جميعها، يقال: زويت الشيء، جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه ﷺ اطلاعه على القريب، بأن طويت له، وجعلت مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، فأبصر ما تملكه أمته من أقصى مشارق الأرض ومغاربها، وفي رواية أبي داود: " فأريت مشارق الأرض ومغاربها ". قال القرطبي: ((ظاهر اللفظ يقتضي أن الله قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عنه وهو ينظر إليه)) .
(٢) زوي يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن يكون مبنيا للمفعول. ولأحمد وغيره: " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها " ١ وقد وقع ما أخبر به ﷺ وقال القرطبي: ((هذا الخبر وجد مخبره كما قال ﷺ ، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه)) .
(٣) بالنصب على البدلية، قال القرطبي: يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال: " والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله " ٢ وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم الذهب، وبالأبيض عن كسرى؛ لأن الغالب عندهم الجوهر والفضة، =
стр. 178
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة (١) ، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم (٢) ، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد (٣) ،
ــ
= وقد وجد ذلك في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتح بلاده.
(١) هكذا ثبت بأصل المصنف بالباء، وهي رواية في صحيح مسلم وغيره، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط سنة، ويجمع على سنين كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ ١ أي الجدب المتوالي.
(٢) أي لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم من الكفار، فيستأصل معظمهم وجماعتهم، وبيضة كل شيء حوزته، وقال الجوهري وغيره: بيضة القوم ساحتهم، سأل الله أن لا يسلط العدو على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا بهذه الأوصاف المذكورة، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض حتى يقع منهم ما ذكر فقد يسلطون عليهم.
(٣) أي إذا حكمت حكما مبرما نافذا أو معلقا فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، كما قال ﷺ : " ولا راد لما قضيت "، وفي بعض الروايات قال: " دعوت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأجابني، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وأجابني، وسألته الثالثة أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدا ومنعني هذا، وقال: حتى يهلك بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ". وحتى هنا للغاية يعني إذا فعل بعضهم ببعض هكذا سلط عليهم العدو حينئذ، وما داموا مجتمعين على الحق فلا يسلط عليهم، ولكن عند فرقتهم يسلط عليهم عقوبة لهم.
стр. 179
وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة (١) ، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها (٢) حتى (٣) يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " ١. ورواه البرقاني في صحيحه (٤) .
ــ
(١) ولفظ أبي داود: " ولا أهلكهم بسنة عامة " أي أعطاه الله سؤاله لأمته أن لا يهلكها بسنة عامة، وهي الجدب الذي يهلك أخضرهم ويابسهم، فأجاب الله دعاءه، وكان في الأمم السابقة عذاب الاستئصال بخلاف هذه الأمة، فإن الله -وله الحمد والمنة- قد دفع عنها ذلك، ببركة دعاء نبيها ﷺ .
(٢) أي وإني أعطيتك لأمتك أن لا أسلط عليهم عدوا من سواهم فيتولاهم جميعا، ويهلكهم ويذلهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض. ولفظ أبي داود: "من بين أقطارها "- جوانبها، أي لم يسلطهم الله عليهم، كما فعل بالأمم الماضية المكذبة، وهذا أيضا من خصائص هذه الأمة ببركة نبينا ﷺ .
(٣) (حتى) لإنتهاء الغاية، أي أن أمرها ينتهي حتى يوجد ذلك منهم، فإن الله لا يسلط الكفار على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم، ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " ٢. فأما إذا وجدت هذه الأوصاف فقد يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم كما وقع، فقد سلط بعضهم على بعض، لكثرة اختلافهم وتفرقهم، ولكن بحمد الله لا تزال طائفة منهم باقية على الحق، تقوم بها الحجة على الخلق، منصورة كما سيأتي.
(٤) البرقاني بفتح الباء، الموحدة وسكون الراء، نسبة إلى قرية كانت بنواحي خوارزم، خربت وكانت مزرعة. هو الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد =
стр. 180
وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين (١) ،
ــ
= ابن غالب الخوارزمي الشافعي، روى عن الدارقطني وغيره، وعنه الخطيب وغيره.
قال الخطيب: كان ثبتا ورعا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، كثير التصانيف. صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة، وهذا المسند هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف هذا الحديث. ولد سنة ٣٣٦ هـ، ومات سنة ٤٢٥ هـ.
وروى هذا الحديث أيضا بتمامه أبو داود وغيره عن ثوبان.
(١) أي الأمراء والعلماء والعباد الذين يقتدى بهم الناس، وهم يحكمون في الناس بغير عام فيضلونهم ويضلونهم، فهم ضالون عن الحق، مضلون لغيرهم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
وقال عمر لزياد بن حدير: " يا زياد هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين ". وقال معاذ: " احذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم ".
وقال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
وأتى ﷺ بإنما التي هي للحصر، بيانا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال، فيوقعوهم في الإثم، لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع، ولم يخف من جدب السنين ولا تسليط العدو.
وروى الدارمي " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين "٢.
وحذر ﷺ أمته وأنذرهم عن الإحداث في الدين، وابتداع دين لم يشرعه الله ولعن من فعل ذلك، وأخبر الله ﵎: أنه أكمل الدين، وأن القول عليه بغير علم رتبة فوق رتبة الشرك، فقال: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. فكل من أحدث حدثا ليس في كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ فهو ملعون، وحدثه =
стр. 181
وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة (١) ، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين (٢) ، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان (٣) ،
ــ
= مردود، كما قال ﵊: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١. وقال: " من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " ٢. وقال: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ٣.
(١) وفي رواية أبي داود: " وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع إلى يوم القيامة "٤. وقد وقع كما أخبر، فإنه لما وقع بقتل عثمان ﵁ لم يرفع، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة دون أخرى.
(٢) الحي واحد الأحياء، وهي القبائل، وفي رواية أبي داود: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين "٥. والمعنى أنهم يكونون معهم، ويرتدون برغبتهم عن الإسلام وأهله، ولحوقهم بأهل الشرك.
(٣) الفئام مهموز: الجماعات الكثيرة. ولفظ أبي داود: " حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان "٦ وهو الشاهد للترجمة، وفيه الرد على من أنكر وقوع الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة مما هو مشاهد، وفي الصحيحين: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس على ذي الخلصة " ٧ طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية. وفي صحيح مسلم: " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى "٨. وقيل: إن القبر المنسوب إلى ابن عباس في الطائف قبر اللات، فإن قيل: ورد ?"أن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب "٩. قيل: قد أجيب عنه بأجوبة منها: أن يأسه غير معصوم، ومنها أنه يئس أن تطبق على عبادة الأصنام.
стр. 182
وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي (١) ، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي (٢) ، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة (٣)
ــ
(١) وفي رواية "دجالون"، والدجل التمويه، والمراد ممن تقوم لهم شوكة وتبدو لهم شبهة، وأما مطلقا فلا يحصون، قال القاضي عياض: ((عد من تنبأ ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلاله، فوجد هذا العدد فيهم)) . اهـ.
وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله ﷺ وبعده، ممن كان لهم أصحاب يصدقونهم ويأخذون بطريقهم، كمسيلمة باليمامة، والأسود باليمن، وطليحة في بني أسد، وسجاح في تميم، والمختار بن أبي عبيد في عصر ابن الزبير، والحارث في عصر عبد الملك بن مروان، وفي عصر بني العباس جماعة، وصار لكل منهم شوكة. وأما من ادعاها مطلقة فكثيرون، وغالبهم ينشأ فيهم عن جنون وسوداء، وقد أهلك الله من وقع منهم ذلك، واتضح كذبهم، وآخرهم الدجال الأكبر أعاذنا الله من فتنته.
(٢) الخاتم بفتح التاء بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى فاعل الطبع والختم، أي "هوصلوات الله وسلامه عليه آخر النبيين، لا نبي يوحي الله إليه بعده إلى قيام الساعة، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١. قال الحسن: الخاتم الذي ختم به، وعيسى إنما ينزل في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد ﷺ مصليا إلى قبلته، فهو كأحد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة. قال ﷺ : " والذي نفسي بيده لينزلن فيكم عيسى بن مريم حكما مقسطا، فليكسر الصليب، وليقتل الخنزير، وليضع الجزية " ٢.
(٣) قائمة بالعلم والجهاد والذب عن الدين، قال بعض السلف: هم أهل الحديث. ويحتمل أن تكون هذه الطائفة جماعة متعددة من أنواع المسلمين، منهم محدثون وفقهاء ومجاهدون وآمرون وناهون، والمراد العاملون بكتاب الله وسنة =
стр. 183
لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم (١) حتى يأتي أمر الله ﵎ (٢) " ١.
ــ
= نبيه ﷺ ولا يلزم منه أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، ولا في قطر واحد، بل يجوز اجتماعهم في بلد وقطر وجهة، وافتراقهم في بلدان وأقطار وجهات من الأرض. وفي رواية: " لا تزال هذه الأمة قائمة "٢ أي على أمر الله، ففيه حماية إجماع هذه الأمة عن أن تزل عن أمر الله، ولا تسمى أمته إلا الذين يعتد بإجماعهم، وفيه أن الإجماع حجة.
(١) كما أخبر الله بذلك في كتابه بنصره لهم، كما في قوله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. وكقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي يعليه وينصره: ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي على سائر الأديان. وغيرهما من الآيات. قال المصنف: ((وفيه الآية العظيمة أهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة)) .
(٢) ونص شيخ الإسلام وغيره على تواتر " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " ٤ أي إلى قيام الساعة، كما روى الحاكم من حديث عقبة ابن عامر: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك " ٥. ولعل المراد به ما صح عن النبي ﷺ من قبض ما بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلام النبوة; فإن كل ما أخبر به ﷺ مما يقع فيه وقع كما أخبر. و (تبارك) كمل وتعاظم وتقدس، جاء بناؤه على السعة والمبالغة من باب مجد، والمجد كثرة صفات الجلال والكمال، والسعة والفضل، فدل على كمال بركته وعظمها وسعتها، ولا يقال إلا لله كما أطلقه على نفسه في قوله: (تبارك الله رب العالمين) وغيرها، فهو سبحانه المتبارك، وما بارك فيه فهو المبارك. وقوله: (تعالى) أي تعاظم، جاء أيضا على بناء السعة والمبالغة، فهو دال على كمال العلو ونهايته.
стр. 184
باب ما جاء في السحر (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ
ــ
(١) أي من الوعيد وبيان منافاته للتوحيد، وتكفير فاعله. والسحر في اللغة: الصرف، وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرا لأنه بأمور خفية لا تدرك بالأبصار، أو لأنه يصرف الشيء عن جهته، وسحره عمل له السحر، وعن الأمر صرفه. وفي الحديث: " إن من البيان لسحرا "١ شبهه به لكون البيان يحصل منه ما يحصل من السحر، وسمي السحر سحرا لأنه يقع خفيا آخر الليل، وقوله: (سحروا أعين الناس) أخفوا عنهم عملهم، ولا يتوصل إليه إلا بالتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة، ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري لا الشرعي الديني، فإن الله لم يأذن فيه. ولما كان من أنواع الشرك ذكره المصنف تحذيرا منه كغيره من أنواع الشرك، وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به، وأدوية وتدخينات وغير ذلك، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه.
قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٣ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، وقد سحر لبيد بن الأعصم رسول الله ﷺ في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر في بئر ذروان، حتى إنه ليخيل إليه ﷺ أنه يفعل الشيء وما يفعله، وإنما هو في جسده الشريف، وظاهر جوارحه الكريمة، لا في عقله وقلبه، فلا يقدح في مقام النبوة.
стр. 185
خَلاقٍ﴾ ١ (١) . وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٢ (٢) . قال عمر: " الجبت السحر (٣) ،
ــ
(١) أي ولقد علم أهل الكتاب الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ والإيمان به، (لمن اشتراه) أي السحر ورضي به، عوضا عن شرع الله ودينه، لا نصيب له ولا حظ له في الآخرة، وأنه لا دين له، وهذا من أبلغ الوعيد، فدلت الآية على تحريمه، وهو كذلك محرم في جميع أديان الرسل، قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٣. وذهب أكثر السلف إلى أنه يكفر لقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٤. وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٥. وما تلته هو السحر.: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ٦. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾
وأجمع الأئمة على كفر من تعلمه واستعمله، إلا الشافعي فقال: إذا تعلمه قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ المشهور في المذهب يقتل، وفاقا لمالك وقول بعض الصحابة، فإن قتل بسحره قتل إجماعا إلا أبا حنيفة فقال: حتى يتكرر، أو يقر بذلك في حق معين.
(٢) قال الجوهري وغيره: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك، و (الطاغوت) مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغوت.
(٣) تفسير عمر هذا من تفسير الشيء ببعض أفراده، ومراده أن السحر داخل في الجبت، وفي الكليات: ((الجبت الشيطان أو الساحر)) . اهـ، والجبت هو الباطل، والسحر منه؛ لأنه باطل خلاف الحق.
стр. 186
والطاغوت الشيطان (١) ". وقال جابر: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد (٢) ".
ــ
(١) رواه ابن أبي حاتم وغيره، وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم، وهو أيضا تفسير له ببعض أفراده. وقال الحافظ: ((قوله: الطاغوت الشيطان قوي جدا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها)) اهـ.
والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فمعناه ما قاله ابن القيم: ((الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع)) .
(٢) جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁، وأراد أن الكهان من الطواغيت، فهو من أفراد المعنى، وليس المراد الحصر، والشيطان أراد به الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم، ويخبرونهم بما يسترقون من السمع، فيصدقون مرة ويكذبون مائة كذبة، ويزيدون وينقصون، والحي واحد الأحياء وهم القبائل، أي في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن المغيبات، ويخبرهم من إخبار الشيطان له، فلطاعته لها تنزل عليه، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي ﷺ فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بكثرة الشهب. وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه عن وهب، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها قال: إن في جهينة واحدا، وفي أسلم واحدا، وفي هلال واحدا، وفي كل حي واحدا، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين. ومطابقة هذا الأثر للترجمة أن الساحر طاغوت، إذ كان يطلق على الكاهن فالساحر أولى.
стр. 187
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات (١) ، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله (٢) ، والسحر (٣) ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق (٤) ،
ــ
(١) اجتنبوا ابعدوا، وهو أبلغ من قول لا تفعلوا ودعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ من النهي عن المباشرة، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ ١ والموبقات المهلكات، جمع موبقة، سميت موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا، لما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. وقال ابن عباس: ((هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع)) . وفي رواية: ((إلى السبعمائة)) .
(٢) أي إحدى السبع الموبقات الشرك بالله وهو أن يجعل لله ندا يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله، بدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به، ولأن فاعله مخلد في النار، قال تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. ولما " سئل ﵇ أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ٤.
(٣) أصله في اللغة: صرف الشيء عن وجهه كما تقدم، وقال البيضاوي: هو ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان، مما لا يستقل به الإنسان، وهو الشاهد من الحديث للترجمة.
(٤) أي قتل النفس المسلمة المعصومة التي حرم الله قتلها إلا بالحق، أي بأن تفعل ما يوجب قتلها كالشرك، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، واختلفوا في توبته، فقال ابن عباس وغيره: لا تقبل لقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٥. وقال جمهور السلف والخلف: تقبل توبته لقوله تعالى بعد ذكر الشرك =
стр. 188
وأكل الربا (١) ، وأكل مال اليتيم (٢) ، والتولي يوم الزحف (٣) ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٤) ".
ــ
= وقتل النفس: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ١. وعن ابن عباس ما يوافق قول الجمهور، وكذا قتل المعاهد، لقوله ﵇: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة " ٢.
(١) وهو فضل مال بلا عوض، وأكله تناوله بأي وجه كان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٣ إلى قوله: (وحرم الربا) قال ابن دقيق العيد: ((وهو مجرب لسوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك)) .
(٢) المراد التعدي فيه، وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٤. واليتيم في الأصل: المنفرد، وهو من مات أبوه ولم يبلغ.
(٣) أي الفرار والإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة المسلمين، أو غير متحرف لقتال كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ ٥.
(٤) القذف في الأصل الرمي البعيد، وشرعا الشتم والعيب والبهتان. و (المحصنات) جمع محصنة بفتح الصاد، أي التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، وبالكسر التي حفظت فرجها من الزنا، والمراد بهن الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك إجماعا، إلا من دون تسع سنين، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٦. وقذفهن رميهن بزنا أو لواط، والغافلات وصف أغلبي أي عن =
стр. 189
وعن جندب مرفوعا: (١) " حد الساحر ضربة بالسيف " ١ (٢) . رواه الترمذي وقال: (الصحيح أنه موقوف) (٣) .
ــ
= الفواحش وما رمين به، فهو كناية عن البريئات؛ لأن الغافل برئ عما بهت به، والمؤمنات بالله احترازا من قذف الكافرات، فإنه ليس من الكبائر، وإن كانت ذمية فمن الصغائر، لا يوجب الحد، وفي الأمة المسلمة التعزير دون الحد، وأورد المصنف ﵀ هذا الحديث غير معزو، وهو متفق عليه.
(١) هو جندب بن كعب بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن عامر بن دهمان، الأزدي الغامدي، أبو عبد الله وربما نسب إلى جده، وهو جندب الخير، وفد مع قومه على النبي ﷺ قاله الكلبي، وقال ابن حبان: صحابي وروى ابن السكن عن بريدة مرفوعا قال: " جندب وما جندب؟ يضرب ضربة فيكون أمة وحده"، وأخرج البخاري في تاريخه أنه كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانا فأبان رأسه، فعجبنا فأعاده، فجاء جندب الأزدي فقتله. زاد البيهقي: إن كان صادقا فليحيي نفسه، قتل جندب ﵁ بصفين.
(٢) روي بالهاء وبالتاء وكلاهما صحيح، وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ به الكفر كما تقدم، وهو رواية عن أحمد. قال الشارح: والأول أولى؛ ولأثر عمر الذي ذكره المصنف، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعا.
(٣) ورواه الطبراني عن جندب البجلي. وقال الحافظ: ((الصواب أنه غيره)) . وقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الأزدي " أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات; وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. فذكره. "
стр. 190
وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة (١) قال: " كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة (٢) . قال: فقتلنا ثلاث سواحر " (٣) .
وصح عن حفصة ﵂ " أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت " (٤) .
ــ
(١) بجالة بفتحتين وعبدة بفتحتين، العنبري التميمي بصري ثقة، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وكان كاتبا لجزء بن معاوية في خلافة عمر.
(٢) ظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعنه يستتاب وفاقا للشافعي، واختاره الشيخ وغيره؛ لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، وصحح الشارح الأول لظاهر عمل الصحابة، فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وقياسه على المشرك لا يصح؛ لأنه أكثر فسادا وتشبيها من المشرك وقال الشيخ وغيره: إن رأى الإمام قتله كالزنديق فله ذلك للمصلحة.
(٣) أي قال ذلك بجالة، ولم يذكر البخاري قتل السواحر، ولعل المصنف ﵀ أراد أصله لا لفظه، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي والقطيعي وغيرهم.
(٤) أي الجارية، وهذا الأثر يؤيد قتل الساحر. وقد رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ في (باب ما جاء في الغيلة والسحر) وقال بعد ذلك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١.
وحفصة هي أم المؤمنين ابنة عمر بن الخطاب ﵄، تزوجها النبي ﷺ بعد خنيس بن حذافة سنة ٢ أو ٣ هـ بعد عائشة، ولدت قبل البعثة بخمس، وماتت سنة ١ أو ٤٥ هـ.
стр. 191
وكذلك صح عن جندب (١) . قال أحمد: (عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ (٢) .
(١) أشار المصنف ﵀ إلى جندب بن كعب بن عبد الله الأزدي قاتل الساحر المتقدم ذكره، وتعددت الطرق عنه به.
(٢) أي قال أحمد بن حنبل ﵀: صح قتل الساحر أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني عمر وحفصة وجندب. وروي عن عثمان وابن عمر وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عند أكثر أهل العلم، وعمل به في خلافة عمر من غير نكير.
стр. 192
باب بيان شيء من أنواع السحر (١)
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر (٢) حدثنا عوف عن حيان ابن العلاء (٣) حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه (٤)
ــ
(١) لما ذكر المصنف ﵀ ما جاء في السحر ذكر شيئا من أنواعه لكثرة وقوعها، وخفائها على الناس، حتى اعتقد كثير أن من صدر عنه خارق فهو ولي لله، وحتى آل الأمر إلى أن عبد أربابها، وهذا العمل بعينه من الناس أحوال شيطانية، واستدراج من الشيطان لبني آدم إلى الشرك، ولا بد للمسلم أن يفرق بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن ونحوهم، ممن قد يجري على يديه شيء من الخوارق، وأولياء الله هم أحبابه المتقربون إليه بالطاعات وترك المحرمات، وإن لم تجر على أيديهم خوارق، وإن جرت فكرامة من الله، وليست وحدها دليلا على الولاية.
(٢) هو أبو عبد الله المعروف بغندر الهذلي مولاهم البصري، ثقة روى عن شعبة وخلق، ولازمه عشرين سنة، وعنه الإمام أحمد وغيره مات سنة ٢٠٦ هـ.
(٣) عوف هو ابن أبي جميلة، أبو سهل العبدي البصري، المعروف بخوف الأعرابي، روى عن أبي العالية والحسن وجماعة، وعنه شعبة والثوري وغيرهم، مات سنة ١٤٦ هـ، وله ٨٦ سنة. وحيان بن العلاء، ويقال: أبو العلاء البصري مقبول.
(٤) قطن بفتحتين أبو سهل البصري صدوق، وأبوه قبيصة بفتح أوله ابن مخارق بن شداد بن معاوية بن ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر البصري، وفد على النبي ﷺ ونزل البصرة.
стр. 193
أنه سمع النبي ﷺ قال: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت (١) "١. قال عوف: " العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط بالأرض " (٢) .
ــ
(١) أي السحر، قال القاضي: والجبت في الأصل الشيء الفشل الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله، وللساحر والسحر.
(٢) والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادات العرب، ولذلك صار كثيرا في أشعارهم، ويقال: عاف يعيف عيفة إذا زجر وحدس وظن، والاعتبار في ذلك غالبا بأسمائها كما يتفاءل بالعقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، بالهدهد على الهدى، والفرق بينها وبين الطيرة أن الطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير من حيوان وغيره، وكانت بنو أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها، حتى قيل إن قوما من الجن تذاكروا عيافتهم، فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم فلقيهم عقاب كاسرة أحد جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: مالك؟ فقال: كسرت جناحا، ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا، ما أنت بإنسي وما تبغي لقاحا.
(٣) يخطه الرمالون وغيرهم ويدعون به علم المغيبات. وقال ابن عباس: هو الذي يخطه الحازر، يأتي صاحب الحاجة فيعطيه حلوانا، فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازر غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة، لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: أبن عيان أسرع البيان، فإن بقي خطان فهو علامة النجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة، وأما ما رواه مسلم وغيره عن =
стр. 194
"والجبت قال الحسن: رنة الشيطان ". إسناده جيد (١) . ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه (٢) .
ــ
= معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله ﷺ ومنا رجال يخطون. فقال: " كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك " ١. فقال النووي وغيره: من وافق خطه فهو مباح له، لكن لا طريق لنا إلى العلم باليقين بالموافقة، فلا يباح بل يصير من أنواع الكهانة، لمشاركته لها في المعنى اهـ.
قال المصنف: وخط ذلك النبي عدم لا يوجد من يعرفه. وفي النهاية وغيرها: الطرق الضرب بالحصى والودع والخرز الذي يفعله النساء. قال الشارح: وأيا ما فهو من الجبت.
(١) الحسن هو ابن أبي الحسن البصري المشهور، واسم أبيه يسار الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مات سنة ١١٠ هـ، وقد جاوز ٩٠ سنة، فسر ﵀ الجبت ببعض أفراده. قال المصنف: ((عادة السلف يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده، وهذا كثير في كلامهم جدا، ينبغي التفطن له)) اهـ.
والرنين هو الصوت، ورن يرن رنينا: صوت وصاح ورفع صوته بالبكاء، والرنة الواحدة والصوت، وله رنة أي صيحة فالمعنى صوت توجعا وتغيظا، ويدخل فيه كل أصوات الملاهي وغيرها.
وأضافه إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى ذلك، وذكر بقي بن مخلد في تفسيره وغيره أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله ﷺ ، ورنة- حين نزلت فاتحة الكتاب. وعن سعيد بن جبير أنه لما لعن تغيرت صورته، ورن رنة فكل رنة منها إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس: " لما فتح رسول الله ﷺ مكة رن إبليس واجتمعت إليه جنوده ".
(٢) أي رووا من هذا الحديث كل ما أسند عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا التفسير الذي فسره به عوف، وقد رواه أبو داود بالتفسير المذكور بدون قول الحسن ﵀.
стр. 195
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر (١) ، زاد ما زاد " ١. رواه أبو داود بإسناد صحيح (٢) .
ــ
(١) اقتبس أخذ وحصل وعلم، وقبست العلم واقتبسته إذا علمته، والقبس الشعلة من النار، واقتباسها أخذها منها، والشعبة الطائفة والقطعة، ومنه: " الحياء شعبة من الإيمان "٢ أي جزء منه ولفظ أبي داود: " من اقتبس علما من النجوم "، وإنما شبه ﷺ علم النجوم بعلم السحر؛ لأن حرمته منصوصة في القرآن العزيز، أي من علم طائفة من علم النجوم المحرم فقد اقتبس شعبة من السحر المحرم تعلمه، ولفظ رزين: " من اقتبس بابا من علم النجوم بغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر " ٣. فصرح ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٤.
(٢) وصححه الذهبي والنووي، رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما، ولفظ أحمد: " ما زاد زاد " أي كلما زاد المقتبس من تعلم النجوم زاد اقتباسه من شعب السحر، وفي الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه، وزيادة البعد من الله، فإنما يعتقدونه في النجوم من معرفة الحوادث التي لم تقع، وربما تقع في مستقبل الزمان، مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح، ومجيء المطر ووقوع الثلج، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها باطل، كما أن تأثير السحر باطل، بل هو مما استأثر الله به. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٥. وقال ﵊: " ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر
стр. 196
وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ (١) : " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر (٢) فقد أشرك (٣) ،
ــ
= إلا الله " ١. وغير ذلك مما استأثر الله بعلمه.
وأما ما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة ونحو ذلك، فغير داخل فيما نهى عنه، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.
(١) يعني مرفوعا إلى النبي ﷺ . والنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار أبو عبد الرحمن، صاحب السنن الكبرى والمجتبي وغيرهما، روى عن محمد بن المثني وابن بشار وقتيبة وخلق لا يحصون، وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات بفلسطين سنة ٣٠٣ هـ وله ٨٨ سنة.
(٢) العقدة جمعها عقد وهي ما تعقده السحرة، ويقال لها عزيمة أيضا، وذلك أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة، حتى ينعقد ما يريدونه من السحر بإذن الله تعالى، ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٣ يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث والنفخ من الريق، وهو دون التفل، والنفث فعل الساحر، فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس مما زج للشر والأذى، مقترن بالريق الممازج لذلك، وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيصبه السحر بإذن الله القدري الكوني لا الشرعي.
(٣) هذا نص في أن الساحر مشرك، وقد حكى الحافظ عن بعضهم أنه لا يتأتى إلا مع الشرك.
стр. 197
ومن تعلق شيئا وكل إليه (١) "١. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ألا هل أنبئكم ما العضه (٢) هي النميمة القالة بين الناس " ٢. رواه مسلم (٣) .
ــ
(١) أى ومن تعلق قلبه شيئا بحيث يعتمد عليه ويرجوه، وكله الله إلى ذلك الشيء وخذله، وخلى بينه وبينه؛ فإن تعلق قلبه بربه كفاه وتولاه، كما قال تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٣.
ومن تعلق على السحرة والشياطين وغيرهم من المخلوقين وكله الله إلى من تعلق به، ومن وكل إلى غير الله هلك وخسر خسرانا مبينا، وضل ضلالا بعيدا، بل من تعلق قلبه بغير الله في جلب نفع أو درء ضر فقد أشرك.
(٢) (ألا) أداة تنبيه (أنبئكم) أخبركم و (العضه) بفتح فسكون هو أكثر ما يروى في كتب الحديث، وفي كتب الغريب بكسر ففتح، العضاهة الكذب والبهتان والسحر، وعلى الأول من عضه الرجل يعضه عضها وعضيهة وعضهة كذب وسحر ونم. قال الزمخشري: ((أصلها العضهة، فعلة من العض، وهي من البهت، فحذفت لامه كما حذفت من السنة والشفة، وتجمع على عضين)) . قال النووي: تقديره ألا أنبئكم بالعضه الفاحش الغليظ التحريم، وإيراد المصنف له هنا يدل على أن معناه عنده أو السحر.
(٣) النميمة فعيلة بمعنى مفعولة، ونم الحديث ينمه نمأت ورفعه إشاعة له وإفسادا، وسعى به ليوقع فتنة أو وحشة، والنمام الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم، فيكشف ما يكره كشفه، سواء كره المنقول عنه أو إليه أو غيرهما، وسواء كان الكشف بالعبارة أو بالإشارة أو بغيرهما، فحقيقتها إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره كشفه. والقالة: كثرة القول، وإيقاع الخصومة بما يحكي بعضهم لبعض. =
стр. 198
ولهما عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إن من البيان لسحرا " ١ (١) .
ــ
= وفي الحديث: "ففشت القالة بين الناس". قال يحيى بن أبي كثير: " يفسد النمام والكذاب في ساعة، ما لا يفسد الساحر في سنة ". وقال أبو الخطاب: ((ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس)) .
قال في الفروع: ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكن يقال: الساحر إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمر خاص، ودليله خاص وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره السحر، فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة; وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة؛ إذ هو من أنواع السحر لما فيه من القطيعة; بل قد يكون تارة أعظم لما ينشأ من فساده. وعلى كل من حملت إليه أن لا يصدقه؛ لأنه فاسق وأن ينهاه ويبغضه، ولا يظن بأخيه السوء، ولا يحمله ما نقل فيه على التجسس والبحث، ولا يرضى لنفسه ما نهي النمام عنه، فيقول: حكى فلان كذا إلا لمصلحة. واتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة، وفيه دليل على أنها من الكبائر.
(١) وأورد البخاري وغيره سبب قول النبي ﷺ ذلك، أنه " قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله ﷺ : إن من البيان لسحرا " ٢. أو " إن بعض البيان لسحر ". يعني إن بعض البيان يعمل عمل السحر، ومعنى السحر إظهار الباطل في صورة الحق، والبيان البلاغة والفصاحة، وإنما شبهه بالسحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب، وتقدم أن هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر، فيجعل الحق في قالب الباطل، =
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والباطل في قالب الحق، فيستميل به قلوب الجهال، حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق. قال صعصعة بن صوحان: " صدق نبي الله ﷺ إن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق ". والمراد البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس، شبهه بالسحر لفساده.
وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عمر مرفوعا: " إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها " ١. وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره، ويبطل الباطل ويبينه فهذا ممدوح، كحالة الرسل وأتباعهم.
" وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن حاجة فأحسن المسألة، فقال: هذا والله السحر الحلال ".
стр. 200
باب ما جاء في الكهان ونحوهم (١)
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ (٢)
ــ
(١) أي باب ذكر ما جاء في أحكام الكهان من التغليظ الأكيد، والوعيد الشديد، وما جاء من الأحكام في نحوهم كالعرافين والمنجمين والرمالين. لما ذكر السحر وأنواعه ذكر أحكام الكهان ونحوهم؛ لمشابهتهم للسحرة، والكهان هم الذين يتعاطون الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعون معرفة الأسرار، ويأخذون عن مسترق السمع. قال الشارح: الكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب بالحصى والمنجم، وقال الخطابي: ((الكهان -فيما علم بشهادة الامتحان- قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن ويستفتونهم في الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات)) اهـ.
وكانوا قبل البعثة كثيرين كشق وسطيح، فمنهم من يزعم أن له تابعا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها، من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وبعد البعثة قل مسترقو السمع؛ لأن الله حرس السماء بالشهب، وأكثر ما يقع ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس مما يسمونه كشفا وكرامة وولاية، وقد اغتر بهم كثير من الناس يظنون أنهم أولياء الله وهم من أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ١ الآية.
(٢) هي حفصة بنت عمر ﵂، ذكره أبو مسعود الثقفي في مسندها، وكذلك سماها بعض الرواة.
стр. 201
عن النبي ﷺ قال: " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما " ١ (١) . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢. رواه أبو داود (٢) .
ــ
(١) وفي بعض روايات الصحيح: " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٣. قال الشارح: ليس في مسلم "فصدقه بما يقول"، فظاهر الحديث أن الوعيد مرتب على مجيئه، سواء صدقه أو شك في خبره؛ لأن إتيان الكهان منهي عنه، كما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم "فلا تأتهم"، ولأنه إذا شك في خبره فقد شك في أنه لا يعلم الغيب، وذلك موجب للوعيد، بل يجب أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله. وقوله: لم تقبل له صلاة أي لا ثواب له فيها، لاقترانها بالمعصية، وإن كانت مجزئة بسقوط الفرض عنه في الدنيا لوجود شروطها وأركانها، فإنها لا تلزمه الإعادة إجماعا، وفيه النهي عن إتيان الكاهن ونحوه، وإذا كانت هذه حال السائل فحال المسؤول أسوأ وأشر وأعظم. قال القرطبي: ((يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئا من ذلك من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم)) .
(٢) هذا الحديث مختصر، ولفظه: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا أو امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ " ٤. ورواه أحمد والترمذي والنسائي بنحوه وغيرهم، وله شواهد صحيحة.
стр. 202
وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن (١) ــ" من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ١ (٢) . ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا (٣) .
ــ
(١) هكذا بيض المصنف لاسم الراوي، والأربعة هم أهل السنن أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا وإسناده على شرط الصحيح، وصححه العراقي في آماليه، وقواه الذهبي، والمصنف تبع فيه الحافظ في الفتح، أو لعله أراد الذي قبله.
(٢) المراد بالمنزل الكتاب والسنة، أي من ارتكب الكهانة فقد برئ من دين محمد ﷺ وما أنزل عليه. وفي الطبراني عن واثلة مرفوعا: " من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر ". والأحاديث التي فيها الكفر مقيدة بتصديقه، وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة، أو يتوقف فيه كما هو أشهر الروايتين عن أحمد؟ والذي يصدق العراف أو الكاهن لم يكفر بالطاغوت، بل مؤمن به، وغالب الكهان قبل النبوة إنما يأخذون عن الشياطين.
(٣) أي مثل حديث أبي هريرة موقوفا على ابن مسعود، وأبو يعلى هو الإمام الحافظ محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثني التميمي الموصلي، صاحب التصانيف كالمسند وغيره، روى عن يحيى بن معين وخلق، مات سنة ٣٠٧هـ. وهذا الأثر رواه البزار أيضا، ولفظه: " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٢. ومثل هذا له حكم الرفع، وفيه دليل على كفر الكاهن =
стр. 203
وعن عمران بن حصين مرفوعا: " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سَحَرَ أو سُحر له (١) ، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". رواه البزار بإسناد جيد (٢) .
ــ
= والساحر مع ما تقدم؛ لأنهما يدعيان علم الغيب الذي استأثر الله به، كما أخبر به في كتابه، وذلك كفر والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضا؛ لأن الله أمرنا في كتابه بالإيمان به وحده، والكفر بهذه الأمور كقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١.
(١) فيه وعيد شديد فيدل على أن هذه الأمور من الكبائر، ولا ينافي ما تقدم من أن الطيرة شرك. وقوله: تطير أي فعل الطيرة، أو تطير له أي قبل قول المتطير له وتابعه، وكذا الكهانة، كالذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه، وكذا من عمل الساحر له السحر، فكل من تلقى هذه الأمور عمن تعاطاها أو عملت له عالما راضيا بذلك فقد برئ منه رسول الله ﷺ ؛ لكونها إما شركا كالطيرة، أو كفرا كالكهانة والسحر، فمن رضي بذلك وتابع فهو كالفاعل؛ لقبوله الباطل واتباعه، ويأتي حديث: " ثلاثة لا يدخلون الجنة " ٢. وذكر منهم: المصدق بالسحر.
(٢) ورواه أبو نعيم من حديث علي، فتعدد طرقه تثبت أن له وجودا في الأصل، وإن كان فيها مقال، وقال المنذري: ((إسناد البزار جيد)) . اهـ. والبزار هو الإمام الحافظ المشهور أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير سماه البحر الزاخر، صدوق روى عن ابن بشار وابن المثني وخلق، أصله من البصرة ومات في الرملة سنة ٢٩٢هـ.
стр. 204
ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى " إلى آخره (١) .
قال البغوي: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك) (٢) . وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل (٣) . وقيل: الذي يخبر عما في الضمير (٤) .
ــ
(١) فهو من رواية البزار، وقال المنذري: ((إسناد الطبراني حسن)) .
(٢) البغوي هو الإمام الحجة منسوب إلى بغ مدينة بين هراة ومرو، ويقال لها أيضا: بغشور. واسمه الحسين بن مسعود، محي الدين الفراء الشافعي، عالم خراسان وصاحب التصانيف كالتهذيب وشرح السنة والمصابيح والتفسير، سمع عن جماعات منهم القاضي الحسين والمليحي والداودي والصيرفي، وعنه محمد العطاري ومحمد أبو الفتوح الطائي وجماعة، مات سنة ٥١٦هـ. وظاهر كلامه أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها وغير ذلك بأسباب ومقدمات، بأقيسة فاسدة يدعي معرفتها بها، وخيالات شيطانية، وربما تنزلت عليه الشياطين، وما زجت أنفاسه الخبيثة أنفاس إخوانه من الشياطين، فإنها تنزل على الكاهن والمنجم والرمال والساحر ونحوهم، وكل من ادعى شيئا من هذه الأمور لقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١.
(٣) ويدعي معرفة الأسرار، ويأخذ عن مسترق السمع ونحو ذلك، وسمي عرافا لادعائه المعرفة.
(٤) أي وقيل: الذي يخبر عما في الضمير داخل أيضا في اسم العراف.
стр. 205
قال أبو العباس ابن تيمية: (العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم (١) ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) (٢) .
وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد (٣)
ــ
(١) كالحازر الذي يدعي علم الغيب، أو يدعي الكشف. وقال أيضا: والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو في معناه. وقال أيضا: والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكى ذلك عن العرب، وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوأ حالا منه، فيلحق به من جهة المعنى. وقال الإمام أحمد: ((العرافة طرف من السحر، والساحر أخبث)) . وقال ابن القيم: ((من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا)) .
(٢) فهؤلاء أدخلهم شيخ الإسلام في اسم العراف، والمقصود من هذا معرفة من يدعي معرفة علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو ذلك من علوم الجاهلية أعداء الرسل كالفلاسفة والكهان والمنجمين، وجاهلية العرب قبل البعثة، وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنا وعرافا أو ما في معناهما، ومن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد، وكذا الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فإذا كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن فإنه يكفر.
(٣) كتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي جاء فيه الوعيد، وهو الذي يسمى علم الحروف، فيقطون حروف أبجد هوز حطي كلمن سعفص =
стр. 206
وينظرون في النجوم (١) : " ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق " (٢) .
ــ
= قرشت ثخذ ضظغ، فيجعلون الألف واحدا والباء اثنين، إلى نهاية الحرف العاشر، ثم يبدءون بالكاف عشرة واللام عشرين، وهكذا إلى الشين مائتين، إلى أن تتم هذه الحروف، وأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به.
(١) أي ويعتقدون أن لها تأثيرا، فيأخذون أمورهم ومقاصدهم بما يبين لهم على زعمهم الفاسد من النجوم بأعداد وحساب، يزعمون أنهم يدركون بذلك علم الغيب، يعني فهذا النوع أيضا من العرافين.
(٢) لا أرى بالفتح بمعنى لا أعلم، ويجوز الضم بمعنى لا أظن لهم عند الله من نصيب. وهذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا، ولفظه: " رب معلم حروف أبي جاد، دارس في النجوم، ليس له عند الله خلاق يوم القيامة ". ورواه عنه حميد بن زنجويه بلفظ: " رب ناظر في النجوم ". وقد استأثر الله بعلم الغيب كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ١. وفيه من الفوائد عدم الإغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم وعلومهم، والحذر من كل علم لا تعلم صحته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 207
باب ما جاء فى النشرة (١)
عن جابر أن رسول الله ﷺ " سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان " ١ (٢) . رواه أحمد بسند جيد وأبو داود (٣) وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (٤) .
ــ
(١) بضم النون من نشر الشيء فرقه، فالنشرة ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن، سميت بذلك لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يحل ويكشف ويزال عنه، ومنه الحديث: ((فلعل طبا أصابه)) ، ثم نشره ب: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ٢ أي رقاه.
(٢) أي الأكبر أو جنس الشياطين، وأل في النشرة للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان أو بواسطته؛ لأنهم ينشرون عن المسحور بأسحار واستخدامات شيطانية، فهذه حرام بالاتفاق.
(٣) في سننه عن جابر، ورواه الفضل بن زياد في كتاب المسائل، عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن عمه وهب بن منبه عن جابر، قال ابن مفلح: إسناده جيد، وحسنه الحافظ.
(٤) أراد أحمد ﵀ أن ابن مسعود يكره النشرة التي هي من عمل الشيطان، كما يكره تعليق التمائم مطلقا، فدل على أنه يذهب إلى ما ذهب إليه ابن مسعود، وهو تحريم هذا كله، ومستنده الحديث. وروى ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل عن الحسن رفعه: " النشرة من عمل الشيطان " ٣.
стр. 208
وللبخاري عن قتادة (١) " قلت لابن المسيب: رجل به طب (٢) أو يؤخذ عن امرأته (٣) أيحل عنه أو ينشر (٤) ؟ قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح (٥) ، فأما ما ينفع فلم ينه عنه ". انتهى (٦) .
ــ
(١) أي روى في صحيحه تعليقا، وفي بعض النسخ وفي البخاري، ووصله الأثرم عن قتادة بنحوه، وقتادة هو ابن دعامة بن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة ابن عمرو بن الحارث بن سدوس البصري، ثقة فقيه من أحفظ التابعين، قالوا إنه ولد أكمه سنة ٦١هـ، روى عن أنس وغيره، وعنه أيوب السختياني، مات سنة ١١٧هـ.
(٢) بكسر الطاء أي سحر، يقال طب الرجل بالضم إذا سحر، ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا، كما يقال للديغ: سليم، والطب اسم للبرء من الداء، أو اسم للداء من الأضداد.
(٣) بفتح الواو مهموز وتشديد الخاء المعجمة، أي يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، والأخذة بضم الهمزة والتأخيذ رقية بسحر تحبس بها السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء، وأخذ سحر، أو خرزة يؤخذ بها، وأخذته رقته بالسحر، أي فماذا يصنع به؟
(٤) يحل بضم الياء وفتح الحاء مبني للمجهول من حل العقدة يحلها نقضها وفكها، وينشر بضم الياء وتشديد الشين، ونشر عنه إذا رقاه، كأنك تفرق عنه العلة.
(٥) أي لا بأس بمعالجته بأمور مباحة، لم يرد بها إلا المصلحة ودفع المضرة.
(٦) هذا من ابن المسيب ﵁ يحمل على نوع من النشرة لا محذور فيه، كالرقى بأسماء الله وكلامه، ولا يعلم أنه سحر، وحاشاه ﵁ أن يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فإنما هو فساد وكفر.
стр. 209
وروي عن الحسن أنه قال: " لا يحل السحر إلا ساحر " (١) .
قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور (٢) . والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز (٣) .
ــ
(١) ذكره عنه ابن الجوزي في جامع المسانيد، وقال: هي حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر.
(٢) فيزول ذلك السحر، والناشر هو الذي يحل السحر، والمنتشر هو الذي يحل عنه السحر بطلبه أو رضاه، وهو حرام، وتقدم حكمه وذكر الوعيد عليه.
(٣) ذكر المصنف ﵀ كلام هذا الإمام الجليل، لما فيه من الجمع بين القولين، وبيان أنه لا تنافي بينهما، وإنما يصدق بعضها بعضا، ومما جاء في النشرة المباحة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ١ إلى قوله: ﴿مجرمون﴾ ٢، وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. الأربع الآيات، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ٤ الآية. وقال ابن بطال: في كتاب وهب بن منبه إنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، فالنوع الثاني الذي ذكر ابن القيم يشير إلى نحو هذا، وعليه يحمل قول من أجاز النشرة من العلماء، إحسان ظن بهم، وما كان بالسحر فيحرم.
стр. 210
باب ما جاء في التطير (١)
ــ
(١) أي من النهي عنه والوعيد فيه، مصدر تطير يتطير، والطيرة اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال تخير خيرة، ولم يجيء في المصادر على هذه الزنة غيرهما، والتطير التشاؤم بالشيء بما يقع من المرئيات أو المسموعات في قلوب أهل الشرك والعقائد الضعيفة، الذين لا يجعلون توكلهم على الله، وأصله التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء والعطاس والنجوم وغير ذلك، فكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، وإنما هو خواطر وحدوس وتخمينات لا أصل لها. قال المدائني: ((سألت رؤبة بن العجاج ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد)) . اهـ.
ومن العرب من يتشاءم بالبارح، ويتبرك بالسانح وبالعكس، ولم تكن قاطبة تعتقد هذا وتقول به، بل قد جاء عن بعضهم إنكاره ومنه:
وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أطار غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية ... أمَرَّ سليم القرن أم مَرّ أعضب
وغير ذلك مما هو مشهور عنهم، وفي الصحيح عنه ﵊ حين سئل عنه قال: "ذلك شيء يجده أحدكم فلا يصدنه". وقال: "إذا تطيرت فلا ترجع". ولا يضر إلا من أشفق منه وخاف واعتنى به، فيكون أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وتفتح له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان من المناسبات القريبة والبعيدة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه، ولما كان التطير من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب؛ لكونه من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ولكونه يتعلق القلب به خوفا وطمعا، ولكونه منافيا للتوكل على الله، واعتقاد نفع أو ضر بسبب طائر ونحوه، أفرده المصنف ﵀ بالترجمة، وإن كان من الشرك الأصغر فهو من أقبح الشرك.
стр. 211
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ (٢) . وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ٢ الآية (٣) .
ــ
(١) (ألا) أداة تنبيه، و (إنما) أداة حصر، أي إنما جاءهم الشؤم من قبله، قدره وقضاه عليهم بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله، ردا لمقالة آل فرعون الكاذبة الباطلة، حيث قال الله تعالى عنهم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي الخصب والرخاء والسعة والعافية،: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله،: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بلاء وقحط،: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ٣ فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقول المتطير لمن يتطير به، فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، أي ليس شؤمهم إلا عند الله، أي من قبله وحكمه الكوني القدري. قال ابن عباس: ((طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم)) . وقال الزجاج: ((الشؤم الذي وعدوا به من العقاب عنده، لا ما ينالهم في الدنيا)) .
(٢) تسجيل على أكثرهم بالجهالة وعدم العلم، وأنهم لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أن موسى ما جاء إلا بالخير والبركة والفلاح لمن آمن به واتبعه.
(٣) وهذه الآية أيضا رد على من كذب الرسل، فأصيبوا بالبلاء، فإنهم لما ضاقت عليهم الحيل وعييت عليهم العلل، ادعوا أن سبب البلاء جاء من قبل الرسل وبسببهم، ف: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤، فقالت لهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي سبب شؤمكم، أو حظكم وما نالكم من شر معكم بسبب أفعالكم وكفركم، لا من قبلنا كما تزعمون، ولا بسببنا بل ببغيكم وعدوانكم، وسوء عقيدتكم وقبح أعمالكم، فما وقع بكم من الشر فعملكم الخبيث سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله، ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي راجع عليكم، فالتطير الذي حصل =
стр. 212
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا عدوى ولا طيرة (١)
ــ
= لكم إنما يعود عليكم، وقوله: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ١ أي من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام،: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢. قال قتادة: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ ومناسبة الآيتين للترجمة أن التطير من عمل الجاهلية المشركين، وقد ذمهم الله به ومقتهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التطير، وأخبر أنه شرك كما سيأتي.
(١) العدوى الفساد وما يعدي من جرب وغيره، أي يتجاوز من واحد إلى آخر من الإعداء كالدعوى، يقال أعداه الداء يعديه إعداء. إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، وذلك بأن يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذرا أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه فأبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه وطبعه يتعدى، فأخبر ﵊ أن الله هو الذي يمرض وينزل الداء. فإن قيل: جاء عنه ﷺ " وفر من المجذوم كما تفر من الأسد "، وقال: " لا يورد ممرض على مصح "٣.
وقال في الطاعون: " من سمع به في أرض فلا يقدم عليه " ٤. قيل: اختلف العلماء في ذلك، والأولى ما قاله البيهقي وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أهل التحقيق في ذلك وهو أن قوله: "لا عدوى" على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله، وأن الأمور تتعدى بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته وتقديره مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا لحدوث ذلك، أو ذريعة إلى إعدائه أو لأذيته بالتوهم والخوف، وذلك سبب لإصابة المكروه به. ولهذا قال: " فر من المجذوم "٥. ولما قال ﵊: " لا يعدي شيء. قال له أعرابي: النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها، فقال: فمن أجرب الأول؟ لا =
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصائبها ورزقها ". رواه أحمد وغيره، فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، ولكن العبد مأمور باتقاء الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، وفي النار، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، فإن هذه أسباب للمرض والتلف.
قال ابن حبيب في المجذومين: يحكم عليهم بتنحيتهم ناحية، إذا كثروا، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وأرسل ﵊ إلى المجذوم في وفد ثقيف: " ارجع فقد بايعناك " ١. وإذا قوي توكل العبد جاز له، كما أخذ ﵊ بيد المجذوم، وقال: " كل، بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه "٢.
وقوله: "ولا طيرة" يحتمل أن يكون نفيا أو نهيا أي لا تطيروا، والخبر قطعا يدل على أن المراد النفي والإبطال لهذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه، ولما قيل له ﵊: " ومنا أناس يتطيرون. قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم " ٣. فأخبر أن تأثيره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لما رآه وسمعه، فبين فساد الطيرة، وأن الله لم يجعل فيها دلالة، ولا نصبها سببا. وفي المصباح: ((كانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجامع الطير وأثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع؟ فنهى الشارع عن ذلك، وقال: "لا هامة ولا طيرة"، وقال: "أقروا الطير في وكناتها" أي على مجاثمها)) . اهـ. ومر طائر يصيح فقال رجل: - خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فأنكر عليه لئلا يعتقد تأثيره، وصاح غراب فقال رجل: خير. فقال طاووس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني.
وأما قوله ﵊: " إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "٤. ونحوه فالمراد لمن يتشاءم بها، فيكون شؤمها عليه، وإلا فمن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤومة عليه =
стр. 214
ولا هامة ولا صفر " أخرجاه (١) .
ــ
= لحديث أنس: " الطيرة على من تطير".
وقال ابن القيم: إخباره بالشؤم ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، كما يعطي الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشؤوما يريان الشر على وجهه، والله خالق الخير والشر، فيخلق بعض هذه الأعيان مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، ويخلق بعضها مشؤومة يتضرر بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما خلق سائر الأسباب، وكما خلق المسك وضده، وذلك مدرك بالحس، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر.
(١) الهامة بتخفيف الميم وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي، أو أحدا من أهل داري، أو يخرب المنزل، وقيل: إن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، ولا تزال تنادي على قبره ونحوه، للأخذ بثأره. قال النووي: ((ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعا باطلان، وجاءت السنة بنفي ذلك وإبطاله، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك)) .
و"صفر" بفتح الفاء قيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل ﷺ ذلك، والتشاؤم به من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح خاصة. وقيل: صفر حية في البطن، وهي دود تصيب الماشية والناس، وربما قتلت صاحبها، وكانت أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المشهور عند أكثر أهل العلم، منهم: سفيان وأحمد والبخاري وجابر بن عبد الله وهو راوي الحديث، ويجوز أن يكونا مرادين معا، وأن الصفرين جميعا باطلان.
стр. 215
زاد مسلم: " ولا نوء ولا غول (١) "١.
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل (٢) .
ــ
(١) النوء واحد الأنواء يزعمون أنهم يمطرون به، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، والغول بالضم اسم وجمعه أغوال وغيلان، قال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغول، وهي جنس من الشياطين في الفلاة، تتراءى للناس وتتلون تلونا في صور شتى، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله، ويقال: ليس المراد نفي وجود الغول، بل ما تزعمه العرب من تصرفه في نفسه أو أنها لا تستطيع أن تضل أحدا مع ذكر الله، لحديث: " لا غول ولكن السعالي سحرة الجن "، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان "، أي ادفعوا شرها بذكر الله، فدل أنه لم يرد بنفيها عدمها.
(٢) الفأل مهموز فيما يسوء ويسر، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور بحسن الظن بالله، وإذا أمل الفائدة منه ورجا العائدة من كل سبب ضعيف أو قوي فهو على خير، والتشاؤم سوء ظن بالله، وإذا قطع الإنسان ظنه بالله كان عمله من الشر، والطيرة فيها سوء ظن بالله، وتوقع للبلاء، والتفاؤل نحو أن يكون الرجل مريضا فيسمع من يقول: يا سالم، أو يا مفلح، أو يكون طالبا ضالة فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، وتفرح نفسه وتنشط من غير اعتماد عليه، وإنما هو حسن ظن بالله، وإن أوجب مضيا أو ردا صار من الطيرة. ولما طلع سهيل بن عمرو عام الحديبية قال رسول الله ﷺ : " سهل أمركم ".