وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ (٢) . وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ٢ الآية (٣) .
ــ
(١) (ألا) أداة تنبيه، و (إنما) أداة حصر، أي إنما جاءهم الشؤم من قبله، قدره وقضاه عليهم بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله، ردا لمقالة آل فرعون الكاذبة الباطلة، حيث قال الله تعالى عنهم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي الخصب والرخاء والسعة والعافية،: ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي نحن الجديرون والحقيقون به، ونحن أهله،: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بلاء وقحط،: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ٣ فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقول المتطير لمن يتطير به، فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، أي ليس شؤمهم إلا عند الله، أي من قبله وحكمه الكوني القدري. قال ابن عباس: ((طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم)) . وقال الزجاج: ((الشؤم الذي وعدوا به من العقاب عنده، لا ما ينالهم في الدنيا)) .
(٢) تسجيل على أكثرهم بالجهالة وعدم العلم، وأنهم لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أن موسى ما جاء إلا بالخير والبركة والفلاح لمن آمن به واتبعه.
(٣) وهذه الآية أيضا رد على من كذب الرسل، فأصيبوا بالبلاء، فإنهم لما ضاقت عليهم الحيل وعييت عليهم العلل، ادعوا أن سبب البلاء جاء من قبل الرسل وبسببهم، ف: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤، فقالت لهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي سبب شؤمكم، أو حظكم وما نالكم من شر معكم بسبب أفعالكم وكفركم، لا من قبلنا كما تزعمون، ولا بسببنا بل ببغيكم وعدوانكم، وسوء عقيدتكم وقبح أعمالكم، فما وقع بكم من الشر فعملكم الخبيث سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله، ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي راجع عليكم، فالتطير الذي حصل =
стр. 212
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا عدوى ولا طيرة (١)
ــ
= لكم إنما يعود عليكم، وقوله: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ١ أي من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام،: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ٢. قال قتادة: أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ ومناسبة الآيتين للترجمة أن التطير من عمل الجاهلية المشركين، وقد ذمهم الله به ومقتهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التطير، وأخبر أنه شرك كما سيأتي.
(١) العدوى الفساد وما يعدي من جرب وغيره، أي يتجاوز من واحد إلى آخر من الإعداء كالدعوى، يقال أعداه الداء يعديه إعداء. إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء، وذلك بأن يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بإبل أخرى حذرا أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه فأبطله الإسلام؛ لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه وطبعه يتعدى، فأخبر ﵊ أن الله هو الذي يمرض وينزل الداء. فإن قيل: جاء عنه ﷺ " وفر من المجذوم كما تفر من الأسد "، وقال: " لا يورد ممرض على مصح "٣.
وقال في الطاعون: " من سمع به في أرض فلا يقدم عليه " ٤. قيل: اختلف العلماء في ذلك، والأولى ما قاله البيهقي وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أهل التحقيق في ذلك وهو أن قوله: "لا عدوى" على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله، وأن الأمور تتعدى بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته وتقديره مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببا لحدوث ذلك، أو ذريعة إلى إعدائه أو لأذيته بالتوهم والخوف، وذلك سبب لإصابة المكروه به. ولهذا قال: " فر من المجذوم "٥. ولما قال ﵊: " لا يعدي شيء. قال له أعرابي: النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها، فقال: فمن أجرب الأول؟ لا =
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصائبها ورزقها ". رواه أحمد وغيره، فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره، ولكن العبد مأمور باتقاء الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، وفي النار، فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، فإن هذه أسباب للمرض والتلف.
قال ابن حبيب في المجذومين: يحكم عليهم بتنحيتهم ناحية، إذا كثروا، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، وأرسل ﵊ إلى المجذوم في وفد ثقيف: " ارجع فقد بايعناك " ١. وإذا قوي توكل العبد جاز له، كما أخذ ﵊ بيد المجذوم، وقال: " كل، بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه "٢.
وقوله: "ولا طيرة" يحتمل أن يكون نفيا أو نهيا أي لا تطيروا، والخبر قطعا يدل على أن المراد النفي والإبطال لهذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه، ولما قيل له ﵊: " ومنا أناس يتطيرون. قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم " ٣. فأخبر أن تأثيره وتشاؤمه بالطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لما رآه وسمعه، فبين فساد الطيرة، وأن الله لم يجعل فيها دلالة، ولا نصبها سببا. وفي المصباح: ((كانت العرب إذا أرادت المضي لمهم مرت بمجامع الطير وأثارتها لتستفيد هل تمضي أو ترجع؟ فنهى الشارع عن ذلك، وقال: "لا هامة ولا طيرة"، وقال: "أقروا الطير في وكناتها" أي على مجاثمها)) . اهـ. ومر طائر يصيح فقال رجل: - خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر، فأنكر عليه لئلا يعتقد تأثيره، وصاح غراب فقال رجل: خير. فقال طاووس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني.
وأما قوله ﵊: " إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس "٤. ونحوه فالمراد لمن يتشاءم بها، فيكون شؤمها عليه، وإلا فمن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤومة عليه =
стр. 214
ولا هامة ولا صفر " أخرجاه (١) .
ــ
= لحديث أنس: " الطيرة على من تطير".
وقال ابن القيم: إخباره بالشؤم ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، كما يعطي الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشؤوما يريان الشر على وجهه، والله خالق الخير والشر، فيخلق بعض هذه الأعيان مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، ويخلق بعضها مشؤومة يتضرر بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما خلق سائر الأسباب، وكما خلق المسك وضده، وذلك مدرك بالحس، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر.
(١) الهامة بتخفيف الميم وقد تشدد: البومة، إذا وقعت إلى بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي، أو أحدا من أهل داري، أو يخرب المنزل، وقيل: إن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل: روحه تنقلب هامة تطير، ولا تزال تنادي على قبره ونحوه، للأخذ بثأره. قال النووي: ((ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعا باطلان، وجاءت السنة بنفي ذلك وإبطاله، وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك)) .
و"صفر" بفتح الفاء قيل: المراد تأخيرهم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه، وكانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم، فأبطل ﷺ ذلك، والتشاؤم به من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام، وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح خاصة. وقيل: صفر حية في البطن، وهي دود تصيب الماشية والناس، وربما قتلت صاحبها، وكانت أعدى من الجرب عند العرب، وهذا المشهور عند أكثر أهل العلم، منهم: سفيان وأحمد والبخاري وجابر بن عبد الله وهو راوي الحديث، ويجوز أن يكونا مرادين معا، وأن الصفرين جميعا باطلان.
стр. 215
زاد مسلم: " ولا نوء ولا غول (١) "١.
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل (٢) .
ــ
(١) النوء واحد الأنواء يزعمون أنهم يمطرون به، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، والغول بالضم اسم وجمعه أغوال وغيلان، قال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغول، وهي جنس من الشياطين في الفلاة، تتراءى للناس وتتلون تلونا في صور شتى، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله، ويقال: ليس المراد نفي وجود الغول، بل ما تزعمه العرب من تصرفه في نفسه أو أنها لا تستطيع أن تضل أحدا مع ذكر الله، لحديث: " لا غول ولكن السعالي سحرة الجن "، أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان "، أي ادفعوا شرها بذكر الله، فدل أنه لم يرد بنفيها عدمها.
(٢) الفأل مهموز فيما يسوء ويسر، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور بحسن الظن بالله، وإذا أمل الفائدة منه ورجا العائدة من كل سبب ضعيف أو قوي فهو على خير، والتشاؤم سوء ظن بالله، وإذا قطع الإنسان ظنه بالله كان عمله من الشر، والطيرة فيها سوء ظن بالله، وتوقع للبلاء، والتفاؤل نحو أن يكون الرجل مريضا فيسمع من يقول: يا سالم، أو يا مفلح، أو يكون طالبا ضالة فيسمع من يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته، وتفرح نفسه وتنشط من غير اعتماد عليه، وإنما هو حسن ظن بالله، وإن أوجب مضيا أو ردا صار من الطيرة. ولما طلع سهيل بن عمرو عام الحديبية قال رسول الله ﷺ : " سهل أمركم ".
стр. 216
قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة (١) "١.
ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر (٢) قال: " ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل (٣) ،
ــ
(١) بين ﷺ أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. قال ابن القيم: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، والله جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلامة والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا سمعت الأسماع أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها وأثار لها خوفا وتطيرا وانكماشا، وانقباضا عما قصدته وعزمت عليه، فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك.
(٢) صوابه عن عروة بن عامر، وكذا رواه العسكري من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه، كما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد: عروة بن عامر القرشي. وقال غير: هـ الجهني. واختلف في صحبته، وقال المزي: ((لا صحبة له تصح)) .
(٣) تقدم أنه ﷺ قال: " ويعجبني الفأل "٢. وصحح الترمذي أنه كان إذا خرج لحاجة يحب أن يسمع يا نجيح يا رشيد، ولأبي داود إذا بعث عاملا سأله عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإذا كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه، ففيه استعمال الفأل. قال ابن القيم: ((أخبر أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة، وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة؛ لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر)) .
стр. 217
ولا ترد مسلما (١) ، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت (٢) ، ولا حول ولا قوة إلا بك (٣) " ١.
وعن ابن مسعود مرفوعا: " الطيرة شرك الطيرة شرك (٤) .
ــ
(١) أي لا ترد المسلم عن شيء قصده لإيمانه أنه لا نافع ولا ضار إلا الله، وإنما ترد المشرك الذي يعتقدها، قال الطيبي: ((تعريض بأن الكافر بخلافه)) .
(٢) أي لا تأتي الطيرة بالحسنات، ولا تدفع المكروهات بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات، والحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب. كقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٣، ففيه نفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد، وفيه التصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، فيعد من اعتقدها سفيها مشركا.
(٣) أي ولا تحول ولا انتقال من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك إلا بالله وحده لا شريك له، وهذا استعانة به سبحانه على فعل التوكل وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد تكون سببا لوقوع المكروه عقوبة لفاعلها، ومعاملة له بنقيض قصده، وهذا الدعاء إنما يصدر عن حقيقة التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات ودفع المكروهات.
(٤) ولفظ أبي داود: " الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك " ٤ ثلاثا. وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب على غير الله، ولو لم يكن فيها إلا سوء الظن بالله لكفى بها قبحا. قال في شرح السنن: ((وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله)) .
стр. 218
وما منا إلا ... ولكن الله يذهبه بالتوكل (١) "١. رواه أبو داود والترمذي وصححه (٢) ، وجعل آخره من قول ابن مسعود (٣) . ولأحمد من حديث ابن عمرو (٤) :
ــ
(١) أي وما منا أحد إلا ويعتريه ويخطر له ويقع في قلبه من الطيرة شيء، فحذف اعتمادا على فهم السامع، ولكن لما توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه، واعتمادنا عليه والاستناد عليه. وللطبراني وغيره من حديث حارثة: " ثلاث لازمة أمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن، قيل: وما يذهبهن؟ قال: إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ". قال المصنف: ((فيه أن الواقع في القلوب مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل)) .
(٢) ورواه ابن ماجه وابن حبان وغيرهم.
(٣) وهو قوله: وما منا إلا إلى آخره، نقله الترمذي عن سليمان بن حرب، ووافقه على ذلك أهل العلم وهو المتعين؛ فإنه ﷺ معصوم من الشرك بالإجماع. وقال ابن القيم: وهو الصواب؛ فإن الطيرة نوع من الشرك، كما هو في أثر مرفوع: " من ردته الطيرة فقد قارف الشرك " ٢.
(٤) هو أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، كان اسمه العاص فسماه النبي ﷺ عبد الله، أحد السابقين المكثرين، وأحد العبادلة الفقهاء، من أحفظ الصحابة، واختلف في وفاته وموضعها، فقيل: مات بالطائف ليالي الحرة سنة ٦٣هـ، وقيل غير ذلك.
стр. 219
" من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك (١) . قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك (٢) " ١.
وله من حديث الفضل ابن عباس (٣)
ــ
(١) وذلك أن الطيرة هي التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا رده شيء من ذلك عن حاجته التي عزم عليها كإرادة السفر ونحوه، فمنعه عما أراده وسعى فيه ما رأى وما سمع تشاؤما فقد دخل في الشرك؛ لكونه لم يخلص توكله على الله بالتفاته إلى ما سواه، فكان للشيطان منه نصيب.
(٢) أي لا معبود بحق سواك، فإذا قال ذلك وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت إليه كفر الله عنه ما وقع في قلبه ابتداء، لزواله من قلبه بهذا الدعاء المتضمن للاعتماد على الله وحده، والإعراض عما سواه، ففيه أن الطيرة لا تضر من كرهها، ومضى في طريقه، وأما من استرسل مع الشيطان في ذلك فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله الذي الخير كله بيديه، يجلبه لعبده بمشيئته وقدرته وإرادته، ويدفع عنه الضر بقدرته وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشر عن عبده، وما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٢. قال المصنف: الطيرة تعم أنواعا، منها ما لا إثم فيه كما قال عبد الله: وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل، فإذا وقع في القلب شيء وكرهه ولم يعمل به، بل خالفه وقال ذلك لم يضره شيء، فإن عمل من الحسنات شيئا فهو أبلغ وأتم في الكفارة، ولو قدرنا أن تلك الطيرة من الشرك الخفي أو الظاهر ثم تاب، وقال هذا الكلام على طريق التوبة فكذلك.
(٣) أي روى أحمد من حديث الفضل بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ قال:
" خرجت مع رسول الله ﷺ يوما فبرح =
стр. 220
" إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك (١) " ١.
ــ
= ظبي فمال في شقه فاحتضنته، فقلت: يا رسول الله تطيرت، فقال: "إنما الطيرة" ... "٢ إلى آخره، وفي إسناده انقطاع بين ابن مسلمة راويه وبين الفضل، شهد الفضل الفتح وحنينا، وثبت مع النبي ﷺ وكان رديفه في حجة الوداع، وكان أكبر أولاد العباس، وبه يكنى، مات ﵁ سنة ١٣هـ، وله ٢٢ سنة.
(١) هذا حد الطيرة المنهي عنها فسرها رسول الله ﷺ بقاعدة كلية، وهي ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده أو يمنعه من المضي فيه، فتلك الطيرة، ومن مضى أو امتنع بسببها فقد أشرك، وأما الفأل الذي كان يحبه ﵊، ففيه نوع بشارة فيسربه العبد ولا يعتمد عليه، بخلاف ما يمضيه أو يرده؛ فإن للقلب عليه نوع اعتماد، وهذا فرق واضح بين الطيرة والفأل.
стр. 221
باب ما جاء في التنجيم (١)
ــ
(١) أي ذكر ما لا يجوز منه وذمه وتحريمه، وما ورد من الوعيد فيه، وذكر ما يجوز. قال شيخ الإسلام: التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كالمطر والربيع والمحل وغير ذلك. وقال: السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وذلك أن علم النجوم الذي هو من السحر نوعان: علمي وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث وعملي وهو الذي يقولون فيه: إنه تأثير القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم ونحوها. وفي كشف الظنون: هو علم يعرف به الاستدلال على حوادث علم الكون والفساد بالتشكلات الفلكية، وهي أوضاع الأفلاك والكواكب كالمقارنة والتثليث والتسديس والتربيع إلى غير ذلك، وينقسم إلى حسابيات وطبيعيات ووهميات. وقال الخطابي: ((علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات وأنها تجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به لا يعلمه سواه)) . وقال الشارح: ((علم التنجيم على ثلاثة أقسام: أحدها: القول بأن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث مركبة على تأثيرها، وهذا كفر بالإجماع. الثاني: الاستدلال على الحوادث بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، فلا شك في تحريمه، وتقدم أنه من الشرك، وإن قالوا: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فإن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به، وينبغي أن يقطع بكفره. والثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل للتسيير لا التأثير)) .
стр. 222
قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء (١) ، ورجوما للشياطين (٢) ، وعلامات يهتدي بها (٣) ، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه (٤) ،
ــ
(١) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ١ أي زينا السماء الدنيا منكم التي هي أدنى سماء إليكم من غيرها بمصابيح، جمع مصباح وهو السراج، عبر بها عن الكواكب، ونكرها للتعظيم، أي بمصابيح عظيمة ليست كمصابيحكم التي تعرفونها.
(٢) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ ٢ أي جعلنا المصابيح رجوما جمع رجم سمي به ما يرجم به أي يرمي، والمراد بالشياطين مسترقو السمع كما تقدم. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا: " أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وزينها بمصابيح النجوم، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم "
(٣) أي دلالات على الجهات والبلدان ونحو ذلك، "يهتدي بها " بصيغة المجهول أي يهتدي بها الناس في ذلك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٣، لا في علم الغيب كما يزعمه المنجمون، وتقدم وجه بطلان زعمهم، وأنه لا حقيقة له.
(٤) أي فمن زعم فيها غير ما ذكر الله في كتابه من هذه الثلاث فقط فادعى بها علم الغيب، بأن زعم أن فيها سعدا ونحسا ونحو ذلك، فقد أخطأ حيث زعم شيئا ما أنزل الله به من سلطان، وأضاع نصيبه أي حظه من الدين ومن كل خير.
стр. 223
وتكلف ما لا علم له به " انتهى (١) .
وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه (٢) .
ــ
(١) وأشغل نفسه بما يضره ولا ينفعه، ولا سبيل له إليه، وليس مأمورا به، وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا، كما قال المصنف ﵀، وأخرجه أيضا عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وغيرهم، ولفظه: " إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطي فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء " اهـ.
والأحاديث في ذم التنجيم والتحذير منه كثيرة، منها قوله: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر " ١. وقوله: " مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم ". رواه عبد بن حميد من وجهين محتجا به من طرق، ونحوه عند ابن عساكر وأبي يعلى وابن عدي والخطيب وحسنه السيوطي، وغير ذلك مما هو معلوم، وأصله في الكتاب والسنة كثير، وأجمع عليه السلف والأئمة، وقول قتادة ﵀ يدل على أن علم التنجيم هذا قد حدث في عصره، فأوجب له إنكاره على من اعتقده وتعلق به، وهذا العلم مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك؛ لأنه ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها وهو الله تعالى بمشيئته وإرادته، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢،: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََّرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٣.
فسلك مسلك قتادة سدا للباب وحسما للمادة؛ لئلا يتوصل إلى الممنوع. وهذا القسم من علم النجوم هو تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على =
стр. 224
ذكره حرب عنهما (١) ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق (٢) .
ــ
= القبلة وأوقات الصلوات والفصول، وإذا كان هذا كراهة بعض السلف لعلم التسيير فكيف بعلم التأثير؟ قال الخطابي: أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصا فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة إلا أن أصل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته، وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة ويشاهدها حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم.
(١) أي عن قتادة وابن عيينة، وحرب هو ابن إسماعيل بن خلف الحنظلي الإمام الحافظ أبو محمد الكرماني الفقيه، من جلة أصحاب أحمد، روى عنه وعن إسحاق وابن المديني وغيرهم، وله كتاب المسائل التي سأل عنها أحمد وغيره، مات سنة ٢٨٠هـ.
(٢) إسحاق هذا هو ابن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي النيسابوري الإمام المعروف بابن راهويه، سمي بذلك لأن أباه ولد في طريق مكة، فقالت المراوذة: راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، إمام من أئمة المسلمين، وروى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات سنة ٢٣٩هـ، وإنما رخصا فيه لأن فيه مصلحة ومنفعة دينية، كعلم الأوقات والطرقات، ودنيوية كقطع الأشجار وجذ الثمار، وروى =
стр. 225
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة لا يدخلون الجنة (١) : مدمن الخمر (٢) ، وقاطع الرحم (٣) ،
ــ
= ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. قال ابن رجب: والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لإشغاله عما هو أهم منه، ورجح الشيخ وابن القيم أن تعلم معرفة وقت الكسوف الشمسي والقمري لا يدخل في النهي.
(١) يعني الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن حضار بن حرب بن عامر، صحابي جليل مشهور باسمه وكنيته، قدم المدينة مع جعفر، واستعمله النبي ﷺ على بعض اليمن، وعمر على البصرة، ثم عثمان على الكوفة، مات بالكوفة، وقيل: بمكة سنة ٥٠هـ، وقيل غير ذلك.
(٢) هذا من أحاديث الوعيد نقرها ونمرها كما جاءت، ولا نتأولها تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله ﷺ وتغيرها عن معانيها التي دلت عليه، وهو أبلغ في الزجر، وأردع عن الجرائم، وأحسن ما يقال: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج من الملة فهو راجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه به فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله ورحمته.
(٣) أي المداوم على شربها حتى مات ولم يتب، سميت خمرا لمخامرتها العقل، أو لتغطيته، أو لتخمير المشروب.
(٤) أي القرابة بكونه لا يقوم بواجبها، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ١.
стр. 226
ومصدق بالسحر (١) "١. رواه أحمد وابن حبان في صحيحه (٢) .
ــ
(١) أي بجميع أنواعه ومنه التنجيم، كما في الحديث: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر "٢. وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة، وليس المراد أن يعتقد أنه حق، لكن إذا صدق ساحرا بما يخبر به ففيه الوعيد على ذلك، وإن كان يرى ويعتقد أنه حرام، وكل هذه الثلاثة المذكورة في الحديث من الكبائر. قال الذهبي والشيخ وغيرهما: ويدخل فيه تعلم السيميا وعملها وهي محض السحر، ويدخل فيه عقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه وأشباه ذلك، بكلمات مجهولة.
(٢) ورواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
стр. 227
باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١. وعن أبي مالك الأشعري ﵁
ــ
(١) أي من النهي عن ذلك والوعيد الشديد، والتغليط الأكيد، وبيان أنه كفر، والاستسقاء طلب السقيا، والمراد به هنا نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء، والنوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء ينوء نوءا نهض وطلع، فالنوء هو الطالع سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء مقابله الطالع بالمشرق، وقيل: ناء سقط وغاب، ولا تخالف بين القولين، وهي ثمانية وعشرون نجما، معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، مشهورة بمنازل القمر، ينزل كل ليلة منزلة منها في كل شهر. قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ٢. تسقط كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت من المشرق، تنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر وينسبونه إلى النجم الساقط، ويقولون: مطرنا بنوء كذا.
(٢) أي تجعلون حظكم من شكر الله عليكم إذا أصابكم المطر والبركة والخير: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بنسبة النعم لغير الله من الكواكب والمخلوقات التي لا قدرة لها على شيء، وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أ﴾ " يقول: شكركم: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا " ويأتي عن ابن عباس نحوه، وروي عن جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية. ويقال: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، والآية تشمل المعنيين.
(٣) هو الحارث بن الحارث الشامي صحابي، يكنى أبا طالب وخلطه غير واحد بأبي مالك الأشعري، وهو متقدم الوفاة، وهذا متأخر حتى روى عنه أبو سلام كما في صحيح مسلم.
стр. 228
أن رسول الله ﷺ قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن (١) : الفخر بالأحساب (٢) ، والطعن في الأنساب (٣) ،
ــ
(١) خرج مخرج الذم نسبة إلى الجهل، أي ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك، مع كونها من أعمال الجاهلية المذمومة المكروهة المحرمة، ولكنها تارة تكثر وتارة تقل، وذلك بظهور الإسلام وضعفه، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، سموا بذلك لفرط جهلهم، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول ﷺ فهو جاهلية. قال شيخ الإسلام: ((أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم، ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ١. فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما لحال الجاهلية الأولى، وهذا يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة)) .
(٢) أي التشرف بالآباء والتعاظم بعدّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم، وذلك جهل عظيم؛ إذ لا شرف إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢،: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ ٣ ولأبي داود: " إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم من تراب " ٤. قال المصنف: ((فخر الإنسان بعمله منهي عنه، فكيف افتخاره بعمل غيره)) ؟
(٣) أي الوقوع فيها بالتنقص والعيب وقصد الذم، والحط من الرتبة كليس فلان من ذرية فلان أو آل فلان، قدحا لا لبيان المطلوب شرعا، ويأتي أيضا. ولما عير أبو ذر رجلا بأمه قال ﵊: " إنك امرؤ فيك جاهلية " ٥. متفق عليه، قال شيخ الإسلام: ((فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل الجاهلية المذموم، وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب كفره)) اهـ، والمراد العملية لا الاعتقادية.
стр. 229
والاستسقاء بالنجوم (١) ، والنياحة (٢) " ١. وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة (٣)
ــ
(١) أي نسبة السقيا ومجيء المطر إلى النجوم نسبة تأثير أو إيجاد، وهو الذي خافه النبي ﷺ على أمته، فأخرج أحمد وغيره " أخاف على أمتي ثلاثا: استسقاء بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر " ٢. فإذا قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا، فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرا في إنزال المطر فهذا شرك أكبر بالإجماع، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر، وإما أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاد أن الله هو الفاعل، وصحح الشارح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم، وصرح ابن مفلح في الفروع أنه يحرم قول: مطرنا بنوء كذا، وجزم في الإنصاف بتحريمه، ولم يذكرا خلافا، وهو الذي أراده النبي ﷺ ونفاه وأبطله، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، حماية منه لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، وذلك لأنه نسب ما هو من فعل الله إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء فيكون شركا أصغر، والله أعلم. وفيه التنبيه على ما هو أولى منه كدعاء الأموات وسؤالهم الذي هو عين الشرك، وهذا بخلاف ما لو قال: مطرنا في نوء كذا، فكما لو قال: مطرنا في شهر كذا فلا بأس بذلك.
(٢) أي رفع الصوت بالندب على الميت، وإفراط رفعه بالبكاء، وإن لم يقترن بندب ولا نوح، وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك؛ لأن ذلك تسخط بقضاء الله وقدره، وذلك ينافي الصبر الواجب، وهي من الكبائر لشدة الوعيد والعقوبة، فأما البكاء من غير نياحة ولا ندب وشق جيب فقال شيخ الإسلام: ((البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، ولا ينافي الرضا بقضاء الله)) .
(٣) أي تبعث من قبرها، وتوقف يوم الحساب والجزاء، وفيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب وإن عظم، وهو إجماع في الجملة لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ ٣ =
стр. 230
وعليها سربال من قطران (١) ودرع من جرب " ١. رواه مسلم (٢) . ولهما عن زيد بن خالد الجهني (٣) قال: " صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية (٤) على إثر سماء كانت من الليل (٥) ،
ــ
= الآية، وقوله ﵊: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" ٢، ولذلك لا يجوز إطلاق الوعيد على شخص عرف بفعل ذنوب توعد الشرع عليها بوعيد لذلك، ولأنها تكفر أيضا بالحسنات الماحية والمصائب، ودعاء المسلمين بعضهم لبعض، وبالشفاعة بإذن الله، وعفو الله عمن شاء ممن لا يشرك به شيئا.
(١) واحد السرابيل وهي الثياب والقمص، يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيكون لهن كالقمص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن، وألمها بسبب الحر أشد، وقال ابن عباس: " القطران هو النحاس المذاب " اهـ. ليكون أشد لحر النار وصليها أعاذنا الله منها.
(٢) الدرع ثوب ينسج من حديد يلبس في الحرب وقاية من سلاح العدو، والجرب داء، ويقال: خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملح للدم، فيحدث منه بثور صغار له حكة شديدة ألبستهما عوضا عن الثوبين الذين مزقتهما في الدنيا من أجل المصيبة.
(٣) المدني صحابي مشهور شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات سنة ٦٨هـ، وله ٨٥ سنة، وقيل غير ذلك.
(٤) صلى لنا أي صلى بنا، فاللام بمعنى الباء، والحديبية بتخفيف الياء وتشدد تقدم أنها قرية سميت ببئر هناك على مرحلة من مكة، تسمى الآن الشميسي، كان بها الصلح سنة ٦ من الهجرة، وهو الفتح المبين.
(٥) إثر بكسر الهمزة وهو ما يعقب الشيء، و"سماء" أي مطر كان في تلك الليلة، سماه بذلك لكونه ينزل من جهة السماء، والسماء يطلق على كل ما ارتفع.
стр. 231
فلما انصرف أقبل على الناس (١) قال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ (٢) قالوا: الله ورسوله أعلم (٣) قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر (٤) ، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب (٥) ،
ــ
(١) أي لما التفت إليهم من صلاته بوجهه الشريف ﷺ ، ويحتمل أنه أراد السلام لا القيام من مكانه، كما يدل عليه قوله: أقبل على الناس أي التفت إلى المأمومين كما هو معلوم من حاله وحال أصحابه، وإتيانهم بالذكر المندوب.
(٢) لفظ استفهام، ومعناه التنبيه. وفي النسائي: " ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ "١، وهذا من الأحاديث القدسية، وفيه إلقاء العالم على أصحابه المسألة ليختبرهم.
(٣) أي من كل عالم، وفيه حسن الأدب للمسئول إذا سئل عما لا يعلم أن يكل العلم إلى عالمه، وذلك واجب.
(٤) يعني إذا اعتقد أن للنوء تأثيرا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه شرك في الربوبية، وإن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره؛ لأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر فيه، ودل على أنه لا يجوز لأحد أن يضيف أفعال الله إلى غيره، والإضافة في قوله: (عبادي) هنا للعموم؛ لقوله: " مؤمن بي وكافر " ٢، كقوله: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ٣. قال المصنف: ((وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضع، يشير إلى أنه الإخلاص)) .
(٥) أي من نسب المطر إلى الله، واعتقد أنه أنزله بفضله ورحمته من غير استحقاق من العبد على ربه، وأثنى به عليه، فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته. وفي رواية: "فأما من حمدني على سقياي، وأثنى علي فذاك من آمن بي". والفضل والرحمة =
стр. 232
وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (١) "١.
ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: " قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا (٢) ، فأنزل الله هذه
ــ
= صفتان لله، ومذهب أهل السنة والجماعة أن ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الذات، كالحياة والعلم، وصفات الأفعال كالرحمة التي يرحم الله بها عباده، كلها صفات لله قائمة بذاته، ليست قائمة بغيره، وفيه أن النعم لله لا يجوز أن تضاف إلا إليه وحده، وهو الذي يحمد عليها، ولا ينافي الدعاء لمن أحسن إليك وذكر ما أولاك من المعروف، إذا سلم دينك، والسر -والله أعلم- أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير من جهته وإن كان لا صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من ذلك.
(١) يعني نسبة المطر إليه، قال الشافعي وغيره: على ما كان أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه يمطر نوء كذا، فذلك كفر كما قال النبي ﷺ . وقال المصنف: فيه التفطن للكفر في هذا الموضع يشير إلى أن نسبة النعمة إلى غير الله كفر، ولهذا قطع بعض العلماء بتحريمه، وإن لم يعتقد تأثير النوء بإنزال المطر، فيكون من جحد النعم؛ لعدم نسبتها إلى الذي أنعم بها، ونسبتها إلى غيره كما سيأتي. ولما كان إنزال الغيث من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لما اشتمل عليه من منافعهم، فلا يستغنون عنه أبدا كان من شكره أن يضيفوه إليه سبحانه ويشكروه؛ فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، والله سبحانه هو المنعم على الإطلاق.
(٢) أي صدق سحاب ومطر النجم الفلاني، ولفظه عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر"، قالوا هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد =
стр. 233
الآية. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ (١) .
ــ
= صدق نوء كذا وكذا "٢. قال: فنزلت هذه الآية، وفي رواية أخرى: " ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين " ٣.
(١) هذا قسم من الله سبحانه، يقسم بما شاء من خلقه على ما شاء، والأكثرون أن المراد نجوم السماء، ومواقعها مغاربها ومطالعها، وجوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٤ فتقديره: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر وكهانة، بل هو قرآن كريم، وقال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، نزل جملة ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعدد مواقعها، أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه،: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي إنه وحي الله وتنزيله وكلامه، لا كما يقوله الكفار: إنه سحر أوكهانة أو شعر، بل هو قرآن كريم، أي عظيم كثير الخير؛ لأنه كلام الله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ٥ معظم محفوظ موقر. قيل: هو اللوح المحفوظ، وصحح ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٦. ويدل عليه قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ٧ يعني الملائكة، وقال جماعة: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الجنابة والحدث. والمراد بالقرآن ههنا المصحف؛ لما رواه مالك وغيره أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم " أن لا يمس القرآن إلا طاهر " ٨. وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٩ أي هذا القرآن منزل من رب العالمين، لا كما يقولون: إنه سحر وكهانة وشعر، أو مخلوق، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، منزل من رب العالمين: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ١٠ على قلب محمد ﷺ بإجماع المسلمين: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ الذي ذكرت نعوته الموجبة لإعظامه: ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون به. وعن ابن عباس وغيره مكذبون. وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي شكركم التكذيب، وأكثر الروايات أنها نزلت في القائلين بنوء كذا وكذا من غير تعرض لما تقدم.
стр. 234
باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١ الآية (١) .
ــ
(١) لما كان من المحبة محبة خاصة لا تصلح إلا لله ، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، ولا يجوز تعليقها بغير الله أصلا، ومتى أحب العبد بها غير هـ تعالى كان مشركا شركا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وقد سوى المشركون بين الله وبين آلهتهم فيها، ترجم لها المصنف ﵀ بهذه الآية الكريمة؛ ليظهر ويوضح ما دلت عليه من للشرك باتخاذ الند، وهو المثل والشرك في محبة التأله والتعظيم التي هي أصل دين الإسلام، وبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص. قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال، حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم، وهو اختيار شيخ الإسلام في الآية، كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٣. وهذا الند وهذه التسوية وهذا العدل إنما هو في المحبة لا في الخلق والربوبية؛ فإنه ليس أحد من أهل الأرض يثبته، بخلاف المحبة؛ فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا وساووهم به وعدلوهم بربهم في المحبة والتعظيم.: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ أي أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل لأندادهم، فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله فقد اتخذه ندا لله، قال المصنف: ((وفيه أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر)) . اهـ. والمحبة قسمان: مشتركة ومختصة. والمشتركة ثلاثة أنواع: طبيعية كمحبة الجائع للطعام، ومحبة إجلال وإعظام، ومحبة إشفاق كمحبة الولد لوالده والوالد لولده، ومحبة أنس وإلف كمحبة الشريك =
стр. 235
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ الآية (١) .
ــ
= في تجارة أو صناعة أو سفر أو غير ذلك، فهذه الثلاثة لا تستلزم التعظيم، ولا يؤاخذ أحد بها، ولا تزاحم المحبة المختصة، فلا يكون وجودها شركا في محبة الله، لكن لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه من تلك. وأما المختصة فهي محبة العبودية، المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم والطاعة والإيثار على مراد النفس، فهذه لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره فقد أشرك الشرك الأكبر.
(١) أمر الله نبيه أن يتوعد من أحب هذه الأصناف فآثرها أو بعضها على حب الله ورسوله، وفعل ما أوجب الله عليه من الأعمال التي يحبها ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك. وكانت نزلت في المسلمين الذين بمكة، لما أمروا بالهجرة قالوا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجارتنا، وخربت ديارنا وقطعنا أرحامنا، وكان منهم من يتعلق به أهله وولده، ويقولون: ننشدك بالله أن تضيعنا فيرق لهم ويدع الهجرة، فبدأ الله بالآباء والأبناء والإخوان، وكذا الأصدقاء ونحوهم، وزهدهم فيه، ثم قطع علائقهم عن زخارف الدنيا فقال: ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي اكتسبتموها، وأصل الإقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره،: ﴿وَتِجَارَةٌ﴾ أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح: ﴿تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ بفوات وقت رواجها: ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ أي منازل تعجبكم الإقامة فيها: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾
والمراد بالحب هنا الحب الاختياري المستتبع لأثره، الذي هو الملازمة وتقديم الطاعة، لا ميل الطبع؛ فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه، ولا يؤاخذ العبد عليه، ولا يكلف بالامتناع منه. ﴿فتربّصوا﴾ أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه. قال المصنف: ((وفيه الوعيد على من كانت الثمانية أحب إليه من دينه)) .
اهـ. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٢.
стр. 236
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " ١. أخرجاه (١) ولهما عنه (٢)
ــ
= فإنه لما كثر المدعون لمحبة الله طولبوا بإقامة البينة، فجاءت هذه الآية ونحوها، فمن ادعى محبة الله وهو يحب ما ذكر على الله ورسوله فهو كاذب، كمن يدعي محبة الله وهو على غير طريقة رسول الله ﷺ .
(١) أي لا يؤمن الإيمان الواجب، والمراد كماله، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلام العرب، ولابن حبان: " لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان ". ومعنى الحقيقة هنا الكمال، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى العبد " من ولده ووالده والناس أجمعين "٢؛ لأن بسببه ﷺ الحياة الأبدية، والإنقاذ من الضلال إلى الهدى، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه، كما في قصة عمر لما قال له: " لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي. فقال: الآن يا عمر ". رواه البخاري. ومحبته ﷺ تقتضي طاعته واتباع ما أمر به، وتقديم قوله دون من سواه. قال شيخ الإسلام: وكل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق؛ لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، وفي هذا الحديث أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة من عمل القلب، وفيه أن محبة الرسول ﷺ واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها.
(٢) أي وللبخاري ومسلم عن أنس ﵁.
стр. 237
قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان (١) : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (٢) ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله (٣) ،
ــ
(١) أي ثلاث خصال من وجدن فيه تامة وجد بهن حلاوة الإيمان، لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه، والحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق، وهي حلاوة محسوسة، يجدها أهل الإيمان في قلوبهم، أعلى من حلاوة المطعوم الحلو في الفم، فيستلذ الطاعات ويتحمل المشقات في رضى الله، ويحبه بفعل طاعته وترك مخالفته، وقد شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ١، فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة الإيمان، وأغصانها الأمر والنهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها.
(٢) وفي لفظ: " أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين "٢. والمراد بالسوي هنا ما يحبه الإنسان بطبعه، كمحبة المال والولد والأزواج ونحوها، وثنى الضمير هنا لتلازم المحبتين، ومحبة الله تستلزم محبة طاعته؛ فإنه يحب من عبده أن يطيعه، والمحب يحب ما يحب محبوبه ولا بد.
(٣) أي يحب المرء الذي يعتقد إيمانه وعبادته، لا يحبه إلا لله، أي لأجل طاعة الله، وكان الصحابة يؤثر بعضهم بعضا على نفسه محبة في الله ولله وتقربا إليه، قال الله عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٣. ومن لازم محبة الله محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، ومحبة الله ومحبة من يحبه الله من كمال الإيمان، وحقيقة الحب في الله أن لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر.
стр. 238
وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار (١) "١.
وفي رواية: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى "٢ إلى آخره (٢) . وعن ابن عباس ﵄ قال: " من أحب في الله وأبغض في الله (٣) ،
ــ
(١) يعود أي يرجع، فمعناه يصير والعود والرجوع بمعنى الصيرورة، والمقصود أنه يستوي عنده الأمران، كراهة عوده إلى الكفر ككراهة قذفه في النار. وفيه دليل على فضيلة من أكره على الكفر فأبى إلى أن يقتل. قال شيخ الإسلام: أخبر ﷺ أن هذه الثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له، فمن أحب شيئا واشتهاه، إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، والسرور أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى، فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتفريغها ودفع ضدها، فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وتفريغها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار.
(٢) هذه الرواية أخرجها البخاري في الأدب من صحيحه، ولفظه: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".
(٣) أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك، فالحب في الله من ثمرات حب الله، ومن موجبات الإسلام. "وأبغض في الله" أي أبغض من كفر بالله وأشرك =
стр. 239
ووالى في الله وعادى في الله (١) ، فإنما تنال ولاية الله بذلك (٢) ، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك (٣) ،
ــ
= به وعصاه، لارتكابه ما يسخط الله، وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ ١ الآية.
(١) والى بالمحبة والنصرة بحسب القدرة، وعادى من كان عدوا لله ممن أشرك به وكفر وظاهر بالمعاصي، وهذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله، فمن أحب الله أحب فيه ووالى أولياءه وعادى أهل معصيته وأبغضهم، وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها، وبكمالها يكمل توحيد العبد، وبضعفها يضعف، وهذه المراتب الأربع هي ثمرة الإيمان ودعائم الملة.
(٢) أي توليه لعبده، والولاية بفتح الواو وتكسر المحبة والنصرة، وبالكسر الإمارة، والمراد هنا الأولى. وأخرج أحمد وغيره عن النبي ﷺ : " لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية لله " ٢.
(٣) أي لا يحصل له ذوق الإيمان ولذته وسروره والفرح به، وإن كثرت عبادته حتى يكون كذلك، أي حتى يحب في الله ويبغض في الله، ويعادي في الله ويوالي في الله، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣. وفي حديث أبي أمامة مرفوعا: " من أحب في الله وأبغض في الله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان " ٤ رواه أبو داود، وللترمذي من حديث معاذ =
стр. 240
وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا (١) ، وذلك لا يجدي على أهله شيئا (٢) ". رواه ابن جرير (٣) . وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ ١ قال: المودة (٤) .
ــ
= نحوه، وزاد أحمد: "ونصح لله"، وله عن عمرو بن الجموح: " لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله " ٢. ومن حديث البراء: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله "٣.
(١) أي إذا ضعف داعي الإيمان أحب دنياه وأحب لها، وآخى لأجلها، وهذا هو الغالب على أكثر الخلق؛ فإنك لا تجد غالبهم إلا وهو يقدم محبة دنياه، ويؤثر ما يهواه على ما يحبه الله ورسوله، وإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة، حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان، ووقع ما أخبر به ﷺ من غربة الإسلام، وأنه سيعود غريبا كما بدأ.
(٢) أي لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٤.
(٣) وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.
(٤) أي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، يتواصلون بها ويتحابون بها، تقطعت بهم، وخانتهم أحوج ما كانوا إليها، وصارت عداوةً يوم القيامة، وتبرأ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٥. وأول الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ ٦. فالمتبعون كانوا =
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= على الهدى وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقتهم، وهم مخالفون لهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرؤون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وهكذا حال كل من اتخذ من دون الله وليا؛ فإن الله أبطل ذلك العمل، وقطع تلك الأسباب، ولم يبق إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو تجريد عبادته وحده من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة، وتجريد متابعة الرسول ﷺ ، وهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه. وهذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
стр. 242
باب قول الله تعالي: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ (١) .
ــ
(١) لما كان الخوف من الله أجل مقامات الدين وأشرفها وأفضلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى، نبه المصنف بالترجمة بهذه الآية على وجوب إخلاص الخوف لله، وقد ذكره الله في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢، ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٣،: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ ٤، وغير ذلك من الآيات. و ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والشيطان علم لإبليس اللعين، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ٥ أي يخوفكم بأوليائه، ويوهمكم أنهم ذو بأس شديد، وقال قتادة: يعظمهم في صدوركم. ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ أولياءه الذين خوفكم إياهم، ﴿وَخَافُونِ﴾ في مخالفة أمري، وتوكلوا علي فإني كافيكم وناصركم عليهم، وهذا هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده ورضيه منهم،: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٦ جعله شرطا في الإيمان؛ لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، ولأن من عرف أن الخوف عبادة، وصرفه لغير الله شرك، لم يصرفه لغيره،
وكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم، قال المصنف: وفيه أن إخلاص الخوف من الفرائض، والخوف على ثلاثة أقسام:
(أحدها) خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو غير ذلك أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٧، وهو الواقع من عباد القبور ونحوها، يخافونها ويخوفون بها أهل التوحيد.
(الثاني) أن يترك ما يجب عليه من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن منكر لغير عذر خوفا من بعض الناس، فهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد، وهذا هو سبب نزول الآية، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٨. وفي =
стр. 243
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ١ (١) .
ــ
= الحديث: " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: رب خشية الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى " ٢. رواه أحمد وغيره.
(الثالث) الخوف الطبيعي، وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك، فهذا لا يذم، كقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٣. وأما خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٤ ونحو ذلك، فهو أعلى مراتب الإيمان.
(١) (إنما) أداة حصر، يخبر تعالى أنه لا يعمر مساجده حقيقة إلا الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وداوموا على إقام الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، وأعطوا الزكاة مستحقيها، وأخلصوا لله الخشية، أي المخافة والهيبة التي ينبني عليها أساس العبادة، والتي هي مخ عبودية القلب، ولا تصلح إلا لله وحده، وهي الشرط الذي هو وجه مناسبة الآية للترجمة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، ولكن ينبغي له أن يخشى في ذلك قضاء الله وتصريفه. وقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٥ أي وأولئك هم المهتدون، وكل عسى في القرآن فهي واجبة. وفي الحديث: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " ٦. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. رواه أحمد والترمذي وغيرهما. فأثبت تعالى عمارتها للمؤمنين بعد أن نفى ذلك عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد بالطاعة والعمل الصالح، لا مجرد العمارة بالبناء فقط، وإن كان يدخل فيها، ويعم ترميمها وتنظيفها، فلا تكون عامرة إلا بالإيمان والعمل الصالح، الخالص من شوائب الشرك والبدع، وإدامة العبادة والذكر، وصيانتها عما لم تبن له.
стр. 244
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ١ الآية (١) . وعن أبي سعيد مرفوعا: " إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله (٢) ،
ــ
(١) أي ومن بعض الناس من يدعي الإيمان بلسانه، ولم يثبت في قلبه: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ ، أي لأجل الله جل وعلا، فأصابته محنة اعتقد أنها من نقمة الله فارتد عن الإسلام. قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وقال ابن القيم: ((أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، أنه إذا أوذي في الله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ له -وهي أذاهم ونيلهم له بالمكروه، وهو الألم الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم- جعل ذلك في فراره منه، وتركه السبب الذي يناله به،: ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الذي فر منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم، ففر من ألم عذابهم إلى عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدره من النفاق)) اهـ. فلا ينبغي للعبد أن يخاف غير الله، ولا يصدق عليه الإيمان الشرعي إلا باعتقاد القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، وفيه الخوف من مداهنة الخلق، والمعصوم من عصمه الله، ومطابقة الآية للترجمة أن الخوف من الناس أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله من جملة الخوف من غير الله.
(٢) الضعف بالضم في لغة قريش، وبالفتح في لغة تميم ضد القوة والصحة، فالمضموم مصدر ضعف ضعفا كقرب قربا، والمفتوح من باب قتل، واليقين ضد =
стр. 245
وأن تحمدهم على رزق الله (١) ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله (٢) ،
ــ
= الشك: كمال الإيمان. وقال ابن مسعود: ((اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان)) . وروي عنه مرفوعا. ويدخل فيه تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعا: " فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ". وفي رواية: كيف أصنع باليقين؟ قال: " أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك " ١. فمن ضعفه أن تؤثر رضاهم على رضى الله، فتوافقهم على ترك المأمور أو فعل الحظور، استجلابا لرضاهم، وذلك لأنه لم يقم بقلبه من إعظام الله وإجلاله وهيبته ما يمنعه من استجلاب رضى المخلوق، بما يجلب له سخط خالقه، وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضى المخلوق على رضى الخالق، وتقرب إليه بما يسخط الله، ومن قوي إيمانه آثر رضى الخالق على رضي المخلوق، فحصل له رضي الله ورضى الخلق.
(١) وتشكرهم على ما وصل إليك من أيديهم بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه، وتنسى الله فإن المتفضل في الحقيقة هو الله الذي قدره لك وأوصله إليك، وإذا أراد أمرا قيض له أسبابا. ولا ينافي هذا الحديث " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " ٢؛ لأن شكرهم إنما هو بالدعاء لهم، لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعو لهم أو تكافئهم لحديث: " من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " ٣. فإضافة الصنيعة إليهم إنما هو لكونهم صاروا أسبابا في إيصال المعروف إليك، وإلا فالذي قدره وساقه هو الله وحده.
(٢) لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدره لك لساقته المقادير إليك.
стр. 246
إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره (١) ".
ــ
(١) بل كل شيء بقضاء الله وقدره سبحانه وبحمده، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ومن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق بسبب وبلا سبب ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقا على رزق، ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه، ويسلم قلبه له، وقد بايع جماعة رسول الله ﷺ أن لا يسألوا الناس شيئا ولم يبح إلا لضرورة، محافظة على كمال الحب لله، وإخلاص التوكل عليه. قال شيخ الإسلام: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، واليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بقدر الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله نصرك ورزقك، وكفاك مؤنتهم، وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفا منهم، ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم، ولما قال بعض وفد بني تميم: " أي محمد أعطني فإن حمدي زين وذمي شين ". قال: "ذلك الله ".
стр. 247
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " من التمس رضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس " ١. رواه ابن حبان في صحيحه (١) .
ــ
(١) بهذا اللفظ، ورواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وأعله بمحمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف. وفيه أيضا عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، ومعناه صحيح، وتمامه: " وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ". وفيه: أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان، والشاهد من حديث الباب قوله: " ومن التمس رضى الناس بسخط الله ". ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة، قال: كتب معاوية إلى عائشة أن اكتبي لي كتابا، توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت إليه: سلام عليك أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس " ٢. والسلام عليك. "التمس" أي طلب وقال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. " من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا " ٣. هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: " من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس ذاما " ٤. وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده،: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٥. والله يكفيه =
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبينت العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا، وأما كون حامده ينقلب له ذاما فهذا يقع كثيرا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم. وفي هذا الحديث بيان عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضى الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين كقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ١ الآية.
стр. 249
باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ (١) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ الآية (٢) .
ــ
(١) التوكل الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان إذا اعتمدت عليه، أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله؛ فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي " وعلى الله فتوكلوا " لا على غيره، فهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد، وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله، ولذلك أمر الله به في غير آية من كتابه، بل جعله شرطا في الإيمان والإسلام، كما في الآية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٣، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام بانتفائه. وقال شيخ الإسلام: وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه شرك. والتوكل قسمان: أحدهما التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت، فهذا شرك أكبر. وأما التوكل على الأحياء الحاضرين والسلاطين ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه، من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر، والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة عنه في التصرف من أمور دنياه، فهذا جائز بالإجماع، لكن لا يقول: توكلت عليه، بل وكلته؛ فإنه ولو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله.
(٢) وجلت خافت، قال ابن عباس: المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آياته، ولا يتوكلون على الله، =
стр. 250
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ (١) .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ (٢) .
ــ
= ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية، فأدوا فرائضه. وقال السدي: ((هو الرجل يهم يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله. فيوجل قلبه)) . رواهما ابن جرير وغيره. وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ . دلت على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد أجمع عليه أهل السنة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يرجون غيره بل يعتمدون عليه، ويفوضون أمورهم إليه، فوصفهم –تعالى- بأعلى مقامات الإحسان وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده، وهذه تقتضي كمال الإيمان، وحصول أعماله الظاهرة والباطنة.
(١) أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد، ونظيرها قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. فالرغبة والتوكل والحسب ونحو ذلك لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لا يكون إلا لله وحده، وبه يظهر مطابقة الآية للترجمة، فإذا كان هو الكافي لعبده وحده، وجب أن لا يتوكل إلا عليه.
(٢) أي كافيه، وقد جعل الله سبحانه لكل عمل جزاء، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، وإذا كان الله سبحانه نفسه كافيا عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولو توكل عليه حق توكله فكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له فرجا ومخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وفيها دليل على فضل التوكل وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، والتنبيه بالقيام بالأسباب مع التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا، ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها.