إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره (١) ".
ــ
(١) بل كل شيء بقضاء الله وقدره سبحانه وبحمده، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. ومن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق بسبب وبلا سبب ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقا على رزق، ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه، ويسلم قلبه له، وقد بايع جماعة رسول الله ﷺ أن لا يسألوا الناس شيئا ولم يبح إلا لضرورة، محافظة على كمال الحب لله، وإخلاص التوكل عليه. قال شيخ الإسلام: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله، وما وعد الله أهل طاعته، واليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بقدر الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله نصرك ورزقك، وكفاك مؤنتهم، وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفا منهم، ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم، ولما قال بعض وفد بني تميم: " أي محمد أعطني فإن حمدي زين وذمي شين ". قال: "ذلك الله ".
стр. 247
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " من التمس رضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس " ١. رواه ابن حبان في صحيحه (١) .
ــ
(١) بهذا اللفظ، ورواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وأعله بمحمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف. وفيه أيضا عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، ومعناه صحيح، وتمامه: " وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ". وفيه: أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان، والشاهد من حديث الباب قوله: " ومن التمس رضى الناس بسخط الله ". ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة، قال: كتب معاوية إلى عائشة أن اكتبي لي كتابا، توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت إليه: سلام عليك أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس " ٢. والسلام عليك. "التمس" أي طلب وقال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. " من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا " ٣. هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: " من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس ذاما " ٤. وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده،: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ٥. والله يكفيه =
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= مؤنة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبينت العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا، وأما كون حامده ينقلب له ذاما فهذا يقع كثيرا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم. وفي هذا الحديث بيان عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضى الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين كقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ١ الآية.
стр. 249
باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ (١) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٢ الآية (٢) .
ــ
(١) التوكل الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان إذا اعتمدت عليه، أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله؛ فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي " وعلى الله فتوكلوا " لا على غيره، فهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد، وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله، ولذلك أمر الله به في غير آية من كتابه، بل جعله شرطا في الإيمان والإسلام، كما في الآية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٣، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام بانتفائه. وقال شيخ الإسلام: وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه شرك. والتوكل قسمان: أحدهما التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت، فهذا شرك أكبر. وأما التوكل على الأحياء الحاضرين والسلاطين ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه، من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهو نوع شرك أصغر، والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة عنه في التصرف من أمور دنياه، فهذا جائز بالإجماع، لكن لا يقول: توكلت عليه، بل وكلته؛ فإنه ولو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله.
(٢) وجلت خافت، قال ابن عباس: المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آياته، ولا يتوكلون على الله، =
стр. 250
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ (١) .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ (٢) .
ــ
= ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية، فأدوا فرائضه. وقال السدي: ((هو الرجل يهم يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله. فيوجل قلبه)) . رواهما ابن جرير وغيره. وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ . دلت على زيادة الإيمان ونقصانه، وقد أجمع عليه أهل السنة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يرجون غيره بل يعتمدون عليه، ويفوضون أمورهم إليه، فوصفهم –تعالى- بأعلى مقامات الإحسان وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده، وهذه تقتضي كمال الإيمان، وحصول أعماله الظاهرة والباطنة.
(١) أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد، ونظيرها قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. فالرغبة والتوكل والحسب ونحو ذلك لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لا يكون إلا لله وحده، وبه يظهر مطابقة الآية للترجمة، فإذا كان هو الكافي لعبده وحده، وجب أن لا يتوكل إلا عليه.
(٢) أي كافيه، وقد جعل الله سبحانه لكل عمل جزاء، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، وإذا كان الله سبحانه نفسه كافيا عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولو توكل عليه حق توكله فكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له فرجا ومخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وفيها دليل على فضل التوكل وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، والتنبيه بالقيام بالأسباب مع التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا، ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها.
стр. 251
وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١) . قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار (٢) ، وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١. رواه البخاري والنسائي (٣) .
ــ
(١) : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي كافينا فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٢. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي نعم الموكول إليه أمور عباده، ونعم من توكل عليه المتوكلون، كما قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٣. ومخصوص نعم محذوف، تقديره: نعم الوكيل الله، فهو سبحانه حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه.
(٢) وفي رواية: "كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل ". رواه البخاري. وذلك لما دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فأبوا، فكسر أصنامهم، فجمعوا له حطبا، وأضرموا له نارا، ورموه بالمنجنيق، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ٤، فعارضه جبرائيل في الهوى، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا،: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، فقال الله: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ ٥.
(٣) وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، فمر بهم ركب من عبد القيس فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قالوا: هل أنتم مبلغون عنا محمدا رسالة؟ قالوا: نعم. قالوا: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو =
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بحمراء الأسد، خارجا لقتالهم في سبعين راكبا، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو عبيدة -لما بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم- فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ١، ورد الله كيد أبي سفيان، وألقى الرعب في قلبه، فرجع إلى مكة. وفي الحديث: " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ". فهي كلمة التفويض والاعتماد، والكلمة التي شرع أن تقال عند الكروب والشدائد. وفيه أن التوكل أعظم الأسباب في حصول الخير، ودفع الشر في الدنيا والآخرة.
стр. 253
باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١ (١) .
ــ
(١) أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك، وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فلا يغلب جانب الرجاء فيأمن مكر الله، ولا يغلب جانب الخوف فييأس من روح الله. قال بعض السلف: ((من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن)) . قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٢ ومعنى الآية أن الله تعالى لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله، وعدم الخوف منه، وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فتمادوا في المعاصي والمخالفات، واستبعدوا أن يكون ذلك مكرا. وفي الحديث: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج " ٣. رواه أحمد وغيره. وقال الحسن: ((من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له)) . وفسر السلف المكر باستدراج الله العبد بالنعم إذا عصى، وإملائه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال المصنف: ((مكر الله هو أنه إذا عصاه وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه)) اهـ. وخوف العبد ينشأ من أمور: معرفته بالجناية وقبحها، وتصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، وكونه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب، وبهذه الثلاثة يتم له الخوف، وقوته بحسب قوتها وضعفها، وذلك قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.
стр. 254
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ١ (١) .
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ " سئل عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، واليأس من روح الله (٢) ،
ــ
(١) القنوط استبعاد الفرَج، واليأس منه -والفرق بينهما لطيف- وسوء الظن بالله، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم منافيان لكمال التوحيد، ذكرهما المصنف تنبيها على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفا راجيا، يخاف ذنبه ويعمل بطاعة الله ويرجو رحمة ربه، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٢. وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٣. ومعنى الآية أن الله لما بشر إبراهيم بإسحق استبعد ذلك على كبر سنه، فقالت له الملائكة: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الذي لا ريب فيه،: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ ٤ أي الآيسين. فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ ٥. فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال ذلك على وجه التعجب، والضالون المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٦. وفي الترمذي وغيره مرفوعا: " العاجز الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القنط ". وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ٧ الآية. وقال الشيخ: ((القنوط بأن يعتقد بأن الله لا يغفر له إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وإما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، فهو ييأس من توبة نفسه)) .
(٢) أي قطع الرجاء والأمل من الله، فيما يرومه ويقصده ويخافه ويرجوه، قال تعالى: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وذلك إساءة ظن بالله، وجهل بسعة رحمته وجوده ومغفرته، والإشراك بالله في ربوبيته أو عبادته هو أكبر الكبائر بالإجماع، ولهذا بدأ به، وقد تقدم في غير موضع.
стр. 255
والأمن من مكر الله (١) ".
وعن ابن عباس قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله (٢) ، واليأس من روح الله ". رواه عبد الرزاق (٣) .
ــ
(١) أي من استدراجه للعبد، أو سلبه ما أعطاه من الإيمان، وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها، وهذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم ورجاله ثقات، إلا أن في سنده شبيب بن بشر لينه أبو حاتم، ووثقه ابن معين. وقال ابن كثير: ((في إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفا)) .
(٢) قال أبو السعادات: ((القنوط هو أشد اليأس، وفي التنبيه على الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط، ولا ييأس بل يرجو رحمة الله، فينبغي له عند استكمال العافية والنعم أن يرجح جانب الخوف؛ فإنه إذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب، وعند المصائب والموت يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله ) .
(٣) هو ابن همام بن نافع الحميرى مولاهم، أبو بكر الصنعاني الحافظ، المصنف الشهير، سئل أحمد: أرأيت أحدا أحسن حديثا من عبد الرزاق؟ قال: لا. روى عن أبيه وعمه وهب ومعمر وغيرهم، وعنه ابن عيينة ومعتمر وهما من شيوخه، وأحمد وإسحاق وخلق، ولد سنة ١٢٦هـ، ومات ببغداد سنة ٢١١هـ. ورواه أيضا ابن جرير بأسانيد صحاح، ولا يظن أن الكبائر محصورة في هذين الحديثين فقط، فقد تقدم حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات "١. وقول ابن عباس: ((هن إلى السبعين أقرب منهن إلى السبع)) . وفي رواية: ((إلى السبعمائة)) . وقد عرفوها بما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو لعن أو غضب أو عذاب، ومن برئ منه الرسول ﷺ ، أو قال: "ليس منا ". وما سوى ذلك صغائر، وليس المراد ليتهاون بها، بل كل المعاصي يجب اجتنابها، فكم من صغيرة عادت كبيرة.
стр. 256
باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) أراد المصنف ﵀ بيان وجوب الصبر على الأقدار وبيان فضله، وتحريم ضده المنقص لكمال التوحيد، والإيمان عند أهل السنة: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد وينقص. والصبر في اللغة الحبس والكف، ومنه: قتل فلان صبرا، إذا أمسك وحبس، ومنه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٢ أي احبس نفسك معهم. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: "والصبر ضياء ". ولهما: " ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر " ٣. وقال علي: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ثم رفع صوته وقال: أما إنه لا إيمان لمن لا صبر له. قال أحمد: ذكره الله في تسعين موضعا من كتابه، وهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على ما أمر الله به، وصبر عما نهى الله عنه، وصبر على ما قدره الله من المصائب، وهو واجب بالإجماع.
(٢) أول الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بقدره ومشيئته وإرادته الكونية القدرية، وحكمته التامة، كقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٤ الآية. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أي من أصابته مصيبة فعلم أنها من قدر الله فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه، كما قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ =
стр. 257
قال علقمة: ((هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم)) (١)
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " اثنتان في الناس هما بهم كفر (٢) :
ــ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ١. وفي الحديث الصحيح: " عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " ٢. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣ تنبيه على أن ذلك إنما يصدر عن علمه المتضمن لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضى.
(١) هذا الأثر رواه الأعمش عن ابن ظبيان قال: كنا عند علقمة، فقرئ عليه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ إلى آخرها، وهذا سياق ابن جرير، وقد رواه ابن أبي حاتم، وصححه الشارح، وروي أيضا عن ابن مسعود، وهذا التفسير منهم للإيمان المذكور في الآية باللازم؛ إذ هو لازم للإيمان الراسخ في القلب، وفيه دليل على أن الأعمال من مسمى الإيمان، وفيها بيان أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأنها من ثواب الصابر. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٤ يعني يسترجع يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٥. وعلقمة: هو ابن قيس بن عبد الله بن علقمة ابن سلامان بن كهل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النخع الكوفي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وهو من كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين وله تسعون.
(٢) "هما" أي الإثنتان، بالناس أي فيهم، "كفر" حيث كانتا من أعمال الجاهلية هما قائمتان بالناس، ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله، فأطلق الكفر على من قامت به خصلة من هاتين الخصلتين، لكن ليس من قامت به شعبة من شعب الكفر يصير =
стр. 258
الطعن فى النسب (١) ، والنياحة على الميت (٢) "١.
ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب (٣) ،
ــ
=كافرا الكفر المطلق، حتى يقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس من قامت به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا الإيمان المطلق، حتى يقوم به أصل الإيمان. وفرق بين الكفر المعرف بأل وذلك المخرج من الملة، كما في قوله: " ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة " ٢، وبين الكفر المنكر في الإثبات فذلك يقتضي التشديد والتهويل والزجر.
(١) أي عيبه، ويدخل فيه أن يقال: ليس هذا ابن فلان مع ثبوت نسبه، أو ليس بنو فلان من بني فلان مع انتسابهم إليهم، وهذا مع عدم وجود دلائل ظاهرة، أو حكم شرعي بنفيه، فلا يجوز الطعن بمستور النسب ومجهوله، فإن الناس مأمونون على أنسابهم. أما إذا كان ذلك لبيان النسب وإثباته وترجيعه إلى أصله فهذا لا يدخل في هذا الوعيد.
(٢) أي رفع الصوت بالندب وتعداد فضائل الميت ومحاسنه، والتوجع والتفجع؛ لما فيه من التسخط على قدر الله المنافي للصبر، كقول النائحة: واعضداه واناصراه. ونحو ذلك، والشاهد فيه تحريم الجزع المنافي لكمال التوحيد، وفيه دليل على وجوب الصبر، وأن من الكفر ما لا ينقل عن الملة.
(٣) هذا من نصوص الوعيد، وقد كره السلف تأويلها؛ ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر، وهو يدل على أن ذلك ينافي كمال الإيمان الواجب، وخص الخد لكونه في الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله، والجيوب جمع جيب، وهو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وشقها تمزيقها جزعا على الميت، وذلك من عادة أهل الجاهلية.
стр. 259
ودعى بدعوى الجاهلية (١) "١. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا (٢) ،
ــ
(١) قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشائخ، وتفضيل بعضهم على بعض، يدعو إلى ذلك ويوالي عليه، وعن أبي أمامة أنه ﵊ لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان، وهذه الأمور من الكبائر؛ لما اشتملت عليه من التسخط على الرب جل وعلا، وقد يعفى عن اليسير منها إذا لم يكن على وجه النوح والتسخط، نص عليه أحمد. " ولما دخل أبو بكر على النبي ﷺ بعد وفاته وضع فمه بين عينيه، ويده على صدغيه، وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه ". رواه أحمد. وصح عن فاطمة أنها قالت: " يا أبتاه أجاب ربا دعاه "٢ الحديث. والحديث لا يدل على البكاء أصلا، وإنما يدل على النهي عما ذكر فيه، وعلى البكاء برنة، وحلق شعر، وخمش وجه، ونحو ذلك. وأما البكاء على وجه الرحمة والرأفة ونحو ذلك فحسن مستحب، لا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، ولما مات إبراهيم قال ﷺ : " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون "٣.
(٢) أي صب عليه المصائب والبلاء صبا؛ لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليست عليه ذنب يوافي به يوم القيامة. وفي الصحيح: " ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة " ٤. فالمصائب نعمة؛ لأنها تكفر الذنوب، وتدعو إلى الصبر، فيثاب عليها، وتقتضي الإنابة إلى الله والذل له، والإعراض =
стр. 260
وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي (١) به يوم القيامة "١.
وقال النبي ﷺ : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم (٢) ،
ــ
= عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فهذا العافية خير له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة.
(٢) يوافي بضم الياء وكسر الفا، منصوب بحتى، أي لا يجازي بذنبه في الدنيا، بل يؤخر عنه العقوبة، حتى يجيء في الآخرة مستوفي الذنوب وافيها، فيستوفي ما يستحقه من العذاب، وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة، خوفا أن تكون طيباته عجلت له في الحياة الدنيا، وفيه أن البلاء للمؤمن من علامات الخير، والخوف من الصحة الدائمة خشية أن تكون علامة شر، والتنبيه على رجاء الله، وحسن الظن به فيما يقضيه لك مما تكره، وهذه الجملة هي آخر الحديث. ورواه الترمذي وحسنه والحاكم والطبراني، والحاكم أيضا عن عبد الله بن مغفل، وابن عدي عن أبي هريرة، ولما روى الترمذي هذا الحديث والذي بعده بإسناد واحد وصحابي واحد، وكان معناهما واحدا، ساقهما المصنف كالحديث الواحد.
(٢) بكسر العين وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء، أي من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفية كان ثوابه أعظم وفضله أجزل، فإذا صبر واحتسب فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها، ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سببا لعمل صالح كالصبر والرضى والتوبة والاستغفار فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها.
(٣) هذا صريح في حصول الابتلاء لمن أحبه الله، ولهذا ورد في حديث سعد: " أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه، =
стр. 261
فمن رضي فله الرضي (١) ، ومن سخط فله السخط "١. حسنه الترمذي (٢) .
ــ
= فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " ٢. وهذا ونحوه من أدلة التوحيد، فإذا عرف العبد أن الأنبياء والأولياء يصيبهم البلاء في نفوسهم، الذي هو في الحقيقة رحمة، ولا يدفعه عنهم إلا الله، عرف أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا دفعا، فلأن لا يكون لغيرهم أولى وأحرى، وفي أثر إلهي: "أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب".
(١) أي من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء، فله الرضى من الله جزاء وفاقا، والرضى قد وصف الله به نفسه في مواضع من كتابه، ومذهب السلف إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله وعظمته، فإذا ﵁ حصل له كل خير، وسلم من كل شر، والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه.
(٢) سخط بكسر الخاء وهو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به، أي من سخط على الله فيما دبره، فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة. وعن محمود ابن لبيد مرفوعا: " إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع " ٣. وقال المنذري: رواته ثقات. وقد يستدل به على وجوب الرضى، واختار الشيخ وغيره عدم الوجوب، وقال: لم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه، وأعلى من الرضى أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها.
стр. 262
باب ما جاء في الرياء
وقول الله تعال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١ الآية.
ــ
(١) أي من النهي والتحذير عنه، وبيان أنه من الشرك الأصغر، ما لم يرد في أصل العمل وإلا كان من الأكبر، ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطا في قبوله، لمنافاة الشرك والرياء للتوحيد، نبه عليه المصنف تحقيقا للتوحيد. والرياء مصدر راءى يرائي مراءاة ورياء، وهو أن يري الناس أنه يعمل عملا على صفة، وهو يضمر في قلبه صفة أخرى، فهو مستحق للذم والعقاب، ولا ثواب له إلا فيما خلصت فيه النية لله تعالى. وقال الحافظ: ((الرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها)) اهـ. والفرق بينه وبين السمعة، أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة والصدقة، والسمعة لما يسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث به. وهذه الترجمة والتي بعدها في الشرك في النية، وهو البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئا غير التقرب إلى الله وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإراداته ونياته.
(٢) أي (قل) يا محمد: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له، أوحي إلي أن توحدوه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يخاف المصير إليه، ويأمل لقاء الله ورؤيته. وقال شيخ الإسلام: ((فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه يوم القيامة)) اهـ. وفسر اللقاء بالمعاينة؛ فإنه تعالى أجل وأعظم من أن تحيط به =
стр. 263
وعن أبي هريرة مرفوعا: " قال الله تعالى: أنا أغني الشركاء عن الشرك (١) ، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " ١. رواه مسلم (٢) .
ــ
= الأبصار: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ٢ وهو ما كان موافقا لشرع الله، مقصودا به وجهه،: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ أن لا يرائي بعمله، بل لا بد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، أن يكون خالصا لله، وأن يكون صوابا على شريعة رسوله ﷺ . قال ابن القيم: أي كما أنه إله واحد لا إله إلا هو، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يتفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء، المقيد بالسنة. و (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم، والآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث به رسوله ﷺ هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وتضمنت النهي عن الشرك كله قليله وكثيره صغيره وكبيره.
(١) أي أنا أغنى عن المشاركة، وذلك أنه لما كان المرائي قاصدا بعمله الله وغيره، كان قد جعل لله شريكا، فإذا كان كذلك فالله هو الغني على الإطلاق، وجميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك؛ فإن كماله وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك، وأخرج أحمد وغيره من حديث شداد بن أوس: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئا فإن جدة عمله وقليله وغيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني " ٣.
(٢) أي من قصد بعمله غيري من المخلوقين تركته وشركه، وفي بعض الأصول وشريكه، وبعضها وشركته. ولابن ماجه: " فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك " ٤ أي =
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، فعمل المرائي باطل لا ثواب له، ويأثم به. والضمير في "تركته" يجوز أن يرجع إلى العمل. قال ابن رجب: ((العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا كحال المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ١ وهذا الرياء المحض لا بكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وإن كان أصله لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أولا؟ فيجازى على أصل نيته، فيه خلاف، رجح أحمد وغيره لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى)) اهـ. ولا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله فلا له ولا عليه، قال الشيخ: بل هو مستحق للذم والعقاب، وقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد عليه، وأما إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره، وفي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: " تلك عاجل بشرى المؤمن "٢ رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة: يدخل علي الرجل في بيتي وأنا أصلي فيسرني ذلك، فقال: " يرحمك الله، لك أجران: أجر السر وأجر العلانية "٣؛ لأنه لم يقصد رؤية أحد عند الشروع، ولا قام بقلبه أن يراه أحد.
стр. 265
وعن أبي سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ (١) قالوا: بلى يا رسول الله; قال: الشرك الخفي (٢) .
ــ
(١) "أخوف" اسم تفضيل مبني على زيادته على غيره في أصل الفعل، أي أشد خوف خافه ﷺ على أصحابه أكثر مما خافه عليهم من فتنة المسيح الدجال؛ لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه، لما يزينه الشيطان والنفس الأمارة في قلب صاحبه.
(٢) سماه خفيا؛ لأنه عمل قلب لا يعلمه إلا الله، ولأن صاحبه يظهر أن عمله لله، وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله. وعن شداد بن أوس قال: " كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر ". رواه ابن جرير وغيره، وصححه الحاكم. قال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا أكبر بحسب حال قائله ومقصده، ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذا المتابعة كما قال الفضيل في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ١ قال: ((أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة)) . وقوله: بلى، فيه الحرص على العلم، وأن من عرض عليك أن يخبرك بما فيك فلا ينبغي لك رده، بل قابله بالقبول والتعلم.
стр. 266
يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " ١. رواه أحمد (١) .
ــ
(١) ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم، وفيه قصة، ولفظ ابن ماجه: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم" الحديث. وفسر ﷺ ما خافه على أصحابه بتزيين صلاة الرجل لأجل الناظر إليه، وسماه أيضا شرك السرائر، وحذرهم منه فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر ". وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، وإذا كان يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أكبره وأصغره.
стр. 267
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا (١)
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ١ الآيتين (٢) .
ــ
(١) أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا شرك، ينافي كمال التوحيد الواجب، ويحبط الأعمال، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته تلك على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل، ولا يسترسل معه، فإن قيل: فما الفرق بين هذه الترجمة وبين ترجمة الباب قبله؟ قيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وهو ما إذا أراد الإنسان بعمله التزين عند الناس، والتصنع لهم والثناء، فهذا رياء، وهو أيضا إرادة الدنيا بالتصنع عند الناس، وطلب المدحة منهم والإكرام، ويفارق الرياء لكونه عمل عملا صالحا أراد به عرضا من الدنيا، كمن يجاهد ليأخذ مالا، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، ولهذا سماه عبدا لذلك، بخلاف المرائي؛ فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل الدراهم أعقل من المرائي، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه.
(٢) قال ابن عباس: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي ثوابها: ﴿وَزِينَتَهَا﴾ أي مالها: ﴿نُوَفِّ﴾ أي نوفر لهم ثواب: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ بالصحة والسرور في المال والأهل والولد،: ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ ٢؛ لأنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها: ﴿وَحَبِطَ﴾ في الآخرة: ﴿مَا صَنَعُوا﴾ فيها، فلم يكن لهم ثواب؛ لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفي إليهم ما أرادوا ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ : ٣ أي كان عملهم في نفسه باطلا؛ لأنه =
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له، قيل: ثم نسختها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ١ الآية يعني قيدتها، فلم تبق الآية على إطلاقها. وقال الضحاك: من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى عجل له ثواب عمله في الدنيا. ورجحه ابن القيم. وقال قتادة: يقول تعالى: ((من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة)) . وثبت من حديث أبي هريرة: " إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك. وذكر صاحب المال وأن الله يقول له: بل أردت أن يقال: فلان جواد. وذكر المجاهد وأن الله يقول له: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذلك. ثم قال: يا أبا هريرة أولئك أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. وهؤلاء لهم أعمال، لكن لم يريدوا بها وجه الله، ولما سئل عنه كاد يغشى عليه خوفا، وكذا معاوية لما سمعه، وقال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية "٢.
وسئل المصنف ﵀ عن هذه الآية فقال: ذكر عن السلف فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه، فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صلاة وصدقة وصلة وإحسان وترك ظلم ونحو ذلك، مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكن لا يريد به ثواب الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعمة عليهم، ولا هم له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا قد يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا النوع ذكره ابن =
стр. 269
في الصحيح (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تعس عبد الدينار (٢) ،
ــ
= عباس.
(النوع الثاني) وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة.
(النوع الثالث) أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضا هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرا.
(النوع الرابع) أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى وكثير من هذه الأمة، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس وغيره، وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة لتمنيت الموت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١. بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلاة والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا صالحة قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا والله أعلم.
(١) أي صحيح البخاري في الجهاد بلفظ: " تعس عبد الدنيا والدرهم والخميصة والخميلة "٢. وفي رواية: "والقطيفة" الخ وبعضه في الرقاق.
(٢) تعس بكسر العين ويجوز الفتح، أي سقط. وقال الحافظ: والمراد هنا هلك، وقال: وهو ضد سعد أي شقي. وفي النهاية: ((يقال تعس يتعس إذا عثر =
стр. 270
تعس عبد الدرهم (١) ، تعس عبد الخميصة (٢) ، تعس عبد الخميلة (٣) ، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط (٤) ، تعس وانتكس (٥) "،
ــ
= وانكب لوجهه)) اهـ. فتعس دعاء عليه بالهلاك، وقيل: التعس الشر، ومنه قوله: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ أراد إلزامهم الشر. وقيل: البعد. وعبد الدينار طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، لا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض إلا لأجله، سماه عبدا له لشدة شغفه وحرصه عليه، ولكونه هو المقصود بعمله، وكل من توجه بقصده لغير الله فقد جعله شريكا له في عبوديته، وخص العبد بالذكر دون المالك والجامع إيذانا بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لا يجد خلاصا، والدينار مثقال معروف من الذهب، مضروب من المعاملات القديمة، قيل: أصله فارسي، وقيل: عربي.
(١) وهو قطعة من الفضة، سميت به للمعاملة وهو ستة دوانق نصف مثقال وخمسه، ويزن المثقال اثنتين وسبعين شعيرة متوسطة.
(٢) جمعها خمائص، ثوب خز أو صوف معلم، أو هو الكساء المربع له أعلام، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة.
(٣) بفتح الخاء جمعها خمل، كل ثياب لها خمل من أي شيء كان، والطنفسة والخمل الهدب، وفي رواية: "القطيفة"، وفسرت بذلك، بدأ بعبد العين ثم بعبد العروض، فكأن المراد كل ما كان من الدنيا نقدا أو عرضا.
(٤) يؤذن بشدة الحرص على ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ١ فصار سخطهم ورضاهم لغير الله.
قال الحافظ: ((أي عاوده المرض)) . وفي النهاية: ((انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة)) . قال الطيبي: ((فيه الترقي بالدعاء عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه، وإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط)) .
стр. 271
وإذا شيك فلا انتقش (١) .
ــ
(١) أي إذا أصابته شوكة فلا يقدر على إخراجها بالمنقاش، دعاء عليه أيضا، حتى لو تصيبه الشوكة في رجله لم يجد من يأخذها بالمنقاش، لحقارته وهوانه والمراد أن من كانت هذه حاله فإنه يستحق أن يدعى عليه بما يسوءه في العواقب، وأنه يجد أثر هذه الدعوات، في الوقوع فيما يضره في العاجلة والآجلة. قال شيخ الإسلام: فسماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه، ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإن منع سخط، كقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ١ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا منها برياسة أو بصورة، ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، وهكذا حال من طلب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: ما يحتاج إليه العبد كطعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلب من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده، يستعمله في حاجته، بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا. وما لا يحتاج إليه العبد، فينبغي أن لا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدا ومعتمدا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبودية، ولا حقيقة التوكل على الله بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غيره، وهذا أحق الناس بقوله: "تعس" الخ، فهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما يحب الله، ويبغض ما يبغض الله، فهذا الذي استكمل الإيمان.
стр. 272
"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله (١) ، أشعث رأسه (٢) ، مغبرة قدماه (٣) ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة (٤) ،
ــ
(١) طوبى اسم الجنة، وقيل شجرة فيها، لما روى أحمد من حديث أبي سعيد: " قال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة، مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكامها " ١. وروى ابن جرير وغيره عن وهب: أن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وقيل: طوبى فرح وقرة عين، وقيل غبطة، وقيل حسنى، و "عنان" بكسر العين سير اللجام، لما ذكر حال من سخطه ورضاه لأطماع الدنيا، إن حصلت رضي وإن لم تحصل سخط، قاطعا النظر عن رضى الله وسخطه، حتى صار عبدا لتلك، بين حال عبد الله الصادق، الساعي في مراضي الله، والمبتعد عن مساخطه، ولو كان في ذلك مشقة النصب والتعب، فقال: " طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله " الخ أي ملازمها في جهاد المشركين، قال ﵊: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر فهو في سبيل الله "٢.
(٢) أشعث صفة لعبد، مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصف ووزن الفعل، ورأسه مرفوع على الفاعلية، أي هو ثائر الشعر، أشغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالادهان وتسريح الشعر.
(٣) مغبرة بالجر صفة ثانية لعبد، أي من الغبار والتراب، بخلاف المترفين المتنعمين.
(٤) الحراسة بكسر الحاء، أي إن كان في حماية الجيش عن أن يهجم العدو عليهم فهو فيها، غير مقصر ولا غافل.
стр. 273
وإن كان في الساقة كان في الساقة (١) ، إن استأذن لم يؤذن له (٢) ، وإن شفع لم يشفع (٣) "١.
ــ
(١) أي وإن كان في آخر الجيش فهو فيها، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه سواء كان ليلا أو نهارا، رغبة في ثواب الله، وطلبا لمرضاته، ومحبة لطاعته. قال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر، لا يقصد السمو، فأين اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها، وإنما ذكر الحراسة والساقة؛ لأنهما أشد مشقة. وفيه فضل الحراسة في سبيل الله، وأخرج أحمد وغيره عن عثمان مرفوعا: " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها " ٢.
(٢) أي إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم يؤذن له؛ لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة، ولأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله، لا يقصد بعمله سواه.
(٣) بفتح أوله وثانيه، أي لو ألجأ الحال إلى أن يشفع في أمر يحبه الله ورسوله لم يشفع بتشديد الفاء مبني للمفعول، أي لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم، وهذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله، بل لكرامته، وفيه فضل الخمول والتواضع وفضل الجهاد في سبيل الله. وعن أبي هريرة أن رجلا قال: " يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال: أما والذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله؛ إن فرس المجاهد في سبيل الله ليستن في طوله، فيكتسب له بذلك حسنات ".
стр. 274
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا (١)
وقال ابن عباس: " يوشك (٢) أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ".
ــ
(١) أي شركاء مع الله، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّض لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وإنما تجب طاعة الأحبار والرهبان إذا أمروا بطاعة الله، فهي تبع لا استقلال، وأما إذا أمروا بمعصية الله فلا سمع لهم ولا طاعة، " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ٢ كما هو معلوم بالضرورة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولما كانت هذه الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسن رسله، نبه المصنف بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الرب تعالى بها، وأنه لا يطاع سواه إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
(٢) "يوشك" أي يقرب ويدنو ويسرع، وهذا القول من ابن عباس ﵄ جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر ﵄ لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان إفراد الحج أفضل. وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب؛ لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، =
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فقال سراقة: ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: " بل للأبد". وحديث: " افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به " ١ في أحاديث. فلهذا قال ابن عباس -لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر- ((يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء)) . الحديث. فإذا كان هذا قول ابن عباس في الخليفتين الراشدين، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دونهم؟ وقال الشافعي: ((أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد)) . وما زال العلماء يجتهدون في الوقائع، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وفي عصر الأئمة الأربعة إنما طلب الحديث ممن هو عنده باللقاء والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين، ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف، ودونوا الأحاديث، ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها، وناسخها ومنسوخها، والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين، فسهل الأمر على طالب العلم، فعليه أن ينظر في مذاهب العلماء، وما استدل به كل إمام ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل، إذا كان له ملكة يقتدر بها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٢. وإذا لم يكن له ملكة، سأل أعلم من يجده؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وفي كلام ابن عباس ما يدل على أنه من بلغه الدليل فلم يأخذ به تقليدا لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ؛ لمخالفة الدليل، وأجمع الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، فهذا هو الذي عناه العلماء بقولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه بالإجماع، وليس ما خالف الكتاب والسنة مذهبا لأحد من الأئمة، وهم أجل من أن يقال ذلك في حقهم، لتصريحهم بذلك، ونهيهم عن تقليدهم إذا استبانت السنة.
стр. 276
وقال الإمام أحمد: ((عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته (١) يذهبون إلى رأي سفيان (٢) ،
ــ
(١) أي عرفوا إسناد الحديث، وصحة إسناد الحديث، فإذا صح إسناد الحديث فهو دليل على صحة الحديث عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء.
(٢) هو الثوري الإمام الزاهد الثقة الفقيه تقدمت ترجمته، كان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور، يذكره العلماء في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، فقول الإمام أحمد إنكار منه لذلك، وأنه يؤول إلى زيغ القلوب الذي يكون به المرء كافرا، وقد عمت البلوى بهذا المنكر، خصوصا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الكتاب والسنة، كقولهم: لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد والاجتهاد قد انقطع. وقولهم: الذي قلدناه أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك الكتاب والسنة، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، ومعه بعض العلم لا كله، وإن ظنوا أنهم اتبعوا الأئمة، فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم واتبعوا غير سبيلهم، وذلك إنما نشأ عن الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة، والإقبال على كتب من تأخر، والاستغناء بها عن الوحيين، والواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه كائنا من كان، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. فإذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها، وعرف أقوالهم، وجب عليه أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة؛ فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليلا، والحق في المسألة واحد، والمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل، واستحضارها ذهنا، وتمييزا للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، وبذلك يعرف من هو أسعد بالدليل من العلماء، فيتبعه، والأئمة -رضي =
стр. 277
والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ (١) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك (٢) ؛
ــ
= الله عنهم- لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير. وقال مالك: ((كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ) . وكلهم قالوا نحو ذلك، بل قال الشافعي: ((إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط)) . لكن في كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة، وقال رسول الله ﷺ لمعاذ: " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلوا. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله " ٢.
(١) عداه بعن لتضمين معنى الإعراض، أي فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون معرضين،
" أن يصيبهم فتنة " في الدنيا. قال الضحاك: ((يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه)) .: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ﴾ في الآخرة: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ موجع على خلاف أمر رسول الله ﷺ . قال شيخ الإسلام: ((فإذا كان المخالف أمره قد حذر من الكفر والشرك أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الآمر كما فعل إبليس)) .
(٢) وفي رواية أبي طالب عنه قال: قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٣ فيدعون الحديث عن الرسول ﷺ ، وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي.
стр. 278
لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك)) (١) .
عن عدي بن حاتم ﵁ (٢) " أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية ": ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ١ الآية. " فقلت: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ".
ــ
(١) أي لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله ﷺ إذا رد بعض قول الرسول ﷺ أن يقع في قلبه شيء من الزيغ في ذلك، تنبيه منه ﵀ أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٢. وفي رواية الفضل عنه: وجعل يتلو: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٣ الآية. وإذا كان رفع الصوت فوق صوته سببا لحبوط العمل، فما ظنك برد أحكامه وسننه لقول أحد من الناس كائنا من كان، وإذ علمت أن مخالفة أمره سبب للشرك، علمت أن من رد قوله وخالف أمره لقول أحمد أو غيره له النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية.
(٢) هو الطائي المشهور بالسخاء والكرم، ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي، بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طي بن أدد ابن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، قدم عدي ﵁ على النبي ﷺ في شعبان سنة ٩هـ، فأسلم وثبت في الردة، وحضر فتوح العراق، وحروب علي، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة ٦٨هـ.
стр. 279
رواه أحمد والترمذي وحسنه (١) .
ــ
(١) وروي من طرق تثبت أنه محفوظ، فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردوية والبيهقي وغيرهم. وقول عدي: "لسنا نعبدهم". ظن أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة من السجود والذبح والنذر، وقوله: "أليس يحرمون" الخ صريح في أن طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٢. وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوه؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك العظيم، والذنب الوخيم، ومنهم من يغلو في ذلك، ويعتقد أن الأخذ بالدليل غير ممكن اليوم كما تقدم. قال شيخ الإسلام: وهؤلاء الذين: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه، يكونون على وجهين:
أحدهما: أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل، اتباعا لرؤسائهم مع علمهم بأنهم خالفوا دين الرسول ﷺ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص.
فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، ثم اتباع هذا المحرم والمحلل إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول ﷺ ، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ﷺ إذا اتبعه على خطئه، فله نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق =
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، وأما إن قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبا كان عمله صالحا، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما، كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. قال المصنف: وفيه تقريب الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صارت عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين، وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم بما يخالف ما شرعه الله ورسوله، فقد عمت به البلوى قديما وحديثا في أكثر البلاد، بعد الخلفاء الراشدين، وهلم جرا، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
стр. 281
باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ١.
ــ
(١) ترجم المصنف ﵀ بهذه الآية، الدالة على كفر من أراد التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإن كان مع ذلك يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله والمرسلين قبله، كما ذكر ذلك في سبب نزولها أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذلك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، كما ذكره المصنف. أو أنها نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية أو غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فحيث كان التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملا على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزما له، نبه المصنف على ما تضمنه التوحيد واستلزمه، من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى الشهادة ولازمها، فمن عرفها لا بد له من الانقياد لحكم الله، والتسليم لأمره الذي جاء على يد رسوله ﷺ ، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النزاع، فقد كذب في شهادته. ومعنى الآية أن الله أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزله الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فإن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ استفهام إنكار وتبكيت، وذم لمن =
стр. 282
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١ الآيات (١) .
ــ
= عدل عن الكتاب والسنة، ورغب فيما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، كما تقدم من قول ابن القيم: إنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به، أي بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه؛ فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومن كان يحكم بهما. فمن حاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله، وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد؛ فإن التوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله. فمن دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول، ورغب عنه، وجعله شريكا لله في الطاعة، وخالف ما جاء به الرسول ﷺ فيما أمر الله به في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ الآية. وفي آية الباب أنكر الله زعمهم الإيمان وأكذبهم؛ لما في ضمن (يزعمون) من نفي إيمانهم؛ فإن (يزعمون) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، يحققه قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، فإذا اختل هذا الركن لم يكن موحدا، ومن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصح به الأعمال، وتفسد بفساده، كما في قوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣.
(١) يعني أن الشيطان يريد أن يضل هؤلاء -المتحاكمين إلى الطاغوت- عن سبيل الحق والهدى ضلالا بعيدا، فيجور بهم جورا شديدا، فبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان، ويزينه لمن أطاعه، وأن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال، والبعد عن الهدى، فلا يمكنهم الرجوع إلى الحق أبدا، =
стр. 283
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ١ (١) .
ــ
= ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٢. فإن المنافقين يكرهون الحق وأهله، ويهوون ما يخالفه من الباطل، فيمتنعون بذلك من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون غيرهم، فبين تعالى صفتهم، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان، قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين، و (يصدون) لازم، وهو بمعنى يعرضون؛ لأن مصدره (صدودا) . وما أكثر من اتصف بهذا الوصف خصوصا من يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه إلى أقوال من يخطئ كثيرا، ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، وجعلوا قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم، الذي لا تصح الفتوى إلا به، بل ومن يجعل المعتمد النظم والقوانين الإفرنجية ويدعي الإسلام. وقال شيخنا: ((المرتضي بالسياسات والقوانين كافر يجب قتله، وإن المنافقين أشد من الكفار الخلص، ومن ظن أن حكم غير رسول الله ﷺ أحسن من حكمه فهو كافر بإجماع المسلمين فالله المستعان)) .
(١) قال أبو العالية وغيره: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض، فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض. ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولغرورهم المؤمنين بقولهم الذي لا حقيقة له، وموالاتهم الكافرين، يقولون: نريد أن نداري الفريقين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأهل الأهواء، وإن زخرفوها =
стр. 284
وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ١ (١) .
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الآية (٢) .
ــ
= بالدعوى، والتحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب أو سنة، ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة، تخرج صاحبها من الحق، وتدخله في الباطل.
(١) قال أكثر المفسرين: أفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به، هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره، ولا صلاح للأرض ولأهلها إلا أن يكون الله هو المعبود وحده دون ما سواه، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع له ولرسوله ﷺ ، وغيره وإنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. ووجه مطابقة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد في الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٣.
(٢) قال ابن كثير: ينكر تعالى على كل من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكسخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام اقتبسه من شرائع شتى، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، =
стр. 285
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " (١) .
ــ
= فلا يحكم بسواه في قليل ولا في كثير. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. استفهام إنكار، أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده، القادر على كل شيء، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
(١) الهوى مقصور، مصدر هواه أحبه، وشرعا: ميل النفس إلى مشتهيات الطبع. أي لا يكون مؤمنا كامل الإيمان حتى يكون ما تهواه نفسه وتحبه وتميل إليه. "تبعا" موافقا لما جاء به الرسول ﷺ ، وحتى لا يخرج عنه إلى ما يخالفه بحال، فهذه صفة أهل الإيمان الخلص، وأما إن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها، فإنه ينتفي عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "٢ الحديث. يعني أنه بالمعصية ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب وينقص إيمانه، فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية أو الفسوق، فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيصير معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، لا الإيمان المطلق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وبه جاء الكتاب والسنة، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، خلافا للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة لا يطلقون عليه الإيمان، ويقولون بتخليده في النار، وكلا الطائفتين ابتدع في الدين، وترك ما دل عليه الكتاب والسنة. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. فقيد ما دون الشرك بالمشيئة، وتواترت الأحاديث بما يحقق ما =