← Акыда

Акыда · id 11149

حاشية كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (404 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ١. ــ (١) ترجم المصنف ﵀ بهذه الآية، الدالة على كفر من أراد التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإن كان مع ذلك يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله والمرسلين قبله، كما ذكر ذلك في سبب نزولها أنها نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذلك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، كما ذكره المصنف. أو أنها نزلت في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية أو غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فحيث كان التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملا على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزما له، نبه المصنف على ما تضمنه التوحيد واستلزمه، من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع؛ إذ هذا هو مقتضى الشهادة ولازمها، فمن عرفها لا بد له من الانقياد لحكم الله، والتسليم لأمره الذي جاء على يد رسوله ﷺ ، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النزاع، فقد كذب في شهادته. ومعنى الآية أن الله أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزله الله على رسوله وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فإن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ استفهام إنكار وتبكيت، وذم لمن =

стр. 282

﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١ الآيات (١) . ــ = عدل عن الكتاب والسنة، ورغب فيما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، كما تقدم من قول ابن القيم: إنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله عباده المؤمنين أن يكفروا به، أي بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه؛ فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، ومن كان يحكم بهما. فمن حاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله، وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد؛ فإن التوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله. فمن دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول، ورغب عنه، وجعله شريكا لله في الطاعة، وخالف ما جاء به الرسول ﷺ فيما أمر الله به في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ الآية. وفي آية الباب أنكر الله زعمهم الإيمان وأكذبهم؛ لما في ضمن (يزعمون) من نفي إيمانهم؛ فإن (يزعمون) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، يحققه قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، فإذا اختل هذا الركن لم يكن موحدا، ومن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصح به الأعمال، وتفسد بفساده، كما في قوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. (١) يعني أن الشيطان يريد أن يضل هؤلاء -المتحاكمين إلى الطاغوت- عن سبيل الحق والهدى ضلالا بعيدا، فيجور بهم جورا شديدا، فبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان، ويزينه لمن أطاعه، وأن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال، والبعد عن الهدى، فلا يمكنهم الرجوع إلى الحق أبدا، =

стр. 283

وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ١ (١) . ــ = ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٢. فإن المنافقين يكرهون الحق وأهله، ويهوون ما يخالفه من الباطل، فيمتنعون بذلك من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون غيرهم، فبين تعالى صفتهم، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد من الإيمان، قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين، و (يصدون) لازم، وهو بمعنى يعرضون؛ لأن مصدره (صدودا) . وما أكثر من اتصف بهذا الوصف خصوصا من يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه إلى أقوال من يخطئ كثيرا، ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، وجعلوا قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم، الذي لا تصح الفتوى إلا به، بل ومن يجعل المعتمد النظم والقوانين الإفرنجية ويدعي الإسلام. وقال شيخنا: ((المرتضي بالسياسات والقوانين كافر يجب قتله، وإن المنافقين أشد من الكفار الخلص، ومن ظن أن حكم غير رسول الله ﷺ أحسن من حكمه فهو كافر بإجماع المسلمين فالله المستعان)) . (١) قال أبو العالية وغيره: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض، فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض. ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض، ولغرورهم المؤمنين بقولهم الذي لا حقيقة له، وموالاتهم الكافرين، يقولون: نريد أن نداري الفريقين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأهل الأهواء، وإن زخرفوها =

стр. 284

وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ١ (١) . وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢ الآية (٢) . ــ = بالدعوى، والتحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب أو سنة، ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة، تخرج صاحبها من الحق، وتدخله في الباطل. (١) قال أكثر المفسرين: أفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به، هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة هو بالشرك بالله، ومخالفة أمره، ولا صلاح للأرض ولأهلها إلا أن يكون الله هو المعبود وحده دون ما سواه، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع له ولرسوله ﷺ ، وغيره وإنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فإذا أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. ووجه مطابقة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد في الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وهو سبيل المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٣. (٢) قال ابن كثير: ينكر تعالى على كل من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكسخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام اقتبسه من شرائع شتى، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعا، يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، =

стр. 285

عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " (١) . ــ = فلا يحكم بسواه في قليل ولا في كثير. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. استفهام إنكار، أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده، القادر على كل شيء، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. (١) الهوى مقصور، مصدر هواه أحبه، وشرعا: ميل النفس إلى مشتهيات الطبع. أي لا يكون مؤمنا كامل الإيمان حتى يكون ما تهواه نفسه وتحبه وتميل إليه. "تبعا" موافقا لما جاء به الرسول ﷺ ، وحتى لا يخرج عنه إلى ما يخالفه بحال، فهذه صفة أهل الإيمان الخلص، وأما إن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها، فإنه ينتفي عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "٢ الحديث. يعني أنه بالمعصية ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب وينقص إيمانه، فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية أو الفسوق، فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيصير معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، لا الإيمان المطلق، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وبه جاء الكتاب والسنة، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، خلافا للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة لا يطلقون عليه الإيمان، ويقولون بتخليده في النار، وكلا الطائفتين ابتدع في الدين، وترك ما دل عليه الكتاب والسنة. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣. فقيد ما دون الشرك بالمشيئة، وتواترت الأحاديث بما يحقق ما =

стр. 286

قال النووي: ((حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح)) (١) . ــ = عليه أهل السنة، كما في الصحيحين وغيرهما: " أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة من إيمان " ١. (١) هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي بإسناد صحيح في كتاب "الحجة على تارك المحجة"، وهو كتاب يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون من صحيح الأخبار، ومعناه صحيح قطعا، وشاهده في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ الآية، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إ﴾ ٤. ونحو هذه الآيات. وسمى الهوى المخالف لما جاء به الرسول ﷺ إلها، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٥ أي لا يهوى شيئا إلا ركبه، ووصف المشركين باتباع الهوى في مواضع كثيرة من كتابه، وسائر البدع إنما تنشأ عن تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه. والنووي: هو محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة، الحزامي الحواربي الشافعي، الإمام المشهور، صاحب المصنفات المفيدة، ولد بنوى قرية من قرى دمشق سنة ٦٣١هـ، وتوفي سنة ٦٧٦هـ.

стр. 287

وقال الشعبي: " كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة (١) ، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة (٢) . وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود; لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه (٣) ، ــ (١) الخصومة الجدل، وتخاصم القوم واختصموا تجادلوا وتنازعوا. والشعبي: هو عامر بن شراحيل الكوفي، عالم زمانه تقدمت ترجمته. قال مكحول: ((ما رأيت أفقه منه)) . وروى ابن إسحق وغيره أنه كان بين الجلاس بن الصامت قبل توبته ومعتب بن قشير ورافع بن زيد وبشير، وكانوا يدعون الإسلام فدعاهم رجال من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ فدعوهم إلى الكهان، فنزلت الآية. وروي عن ابن عباس أن المنافق اسمه بشر، فالله أعلم. (٢) هي بتثليث الراء وأصلها من الرشاء الذي يوصل به إلى الماء، الجعل يعطيه أحد الخصمين للقاضي أو غيره ليحكم له، أو يحمل له على ما يريد، ورشاه أعطاه الرشوة، وراشاه مراشاة حاباه وصانعه. (٣) جهينة حي مشهور من قضاعة، والكاهن: طاغوت يتحاكمون إليه كما في سائر أحياء العرب في الجاهلية، انتهى كلام الشعبي ﵀. رواه ابن جرير وابن المنذر بنحوه. وفيه ما يدل على أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، وهو أشد عداوة منهم لأهل الإيمان، كما هو الواقع في هذه الأزمنة وقبلها من إعانتهم العدو على المسلمين، وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان، ومن تدبر ما في التاريخ، وما وقع منهم من الوقائع، عرف أن هذا حال المنافقين قديما وحديثا، وقد حذر الله نبيه ﷺ من طاعتهم والقرب =

стр. 288

فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ١ " الآية (١) . وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف (٢) . ــ = منهم، وحضه على جهادهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ٢. (١) ولابن جرير وغيره في سبب نزولها، تفاخرت النضير وقريظة، فدخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي، وذكر القصة. وأبو برزة هذا غير أبي برزة الصحابي. (٢) يهودي من طيئ من بني نبهان، وأمه من بني النضير، وكان شديد العداوة للنبي ﷺ والأذى له، وقد خرج اللعين إلى مكة يحرض على قتاله ﷺ ، ويرثي قتلى بدر لقريش، ويفضل دين الجاهلية على دين الإسلام، ولما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار، يهجو بها رسول الله ﷺ ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فانتقض بذلك عهده، حتى قال رسول الله ﷺ : " "من لي بكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله"؟ فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: فأذن لي أن أقول له شيئا، قال: "قل"، فأتاه فقال له: إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا، قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا، قال: نعم أرهنوني نساءكم، ثم قال: أبناءكم، ووعده أن يرهنه الأمة، فواعده أن يأتيه ليلا، فأتاه هو وأبو نائلة، ومعهما عباد ابن بشر وأبو عبس، فنزل إليهم، فقالت، له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وفي =

стр. 289

ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله " (١) . ــ = رواية: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، قال محمد: فإذا جاء فإني مائل بشعره فأشمه، فإذا استمكنت منه فدونكم فاضربوه، فلما نزل متوشحا، قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: تأذن لي أن أشمه؟ قال: نعم، فاستمكن منه، ثم قال: دونكم فقتلوه، وذلك في السنة الثالثة من الهجرة ". (١) هذه القصة رويت من طرق متعددة، فهي مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الإسناد، وفيها أن المنافق المغموص بالنفاق، إذا أظهر نفاقه قتل، كما في الصحيحين وغيرهما. والنبي ﷺ إنما ترك قتل من أظهر نفاقه منهم تأليفا للناس؛ فإنه قال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "١. وفيها أيضا أن من طعن في شيء من الدين، أو في أحكام النبي ﷺ قتل، وأن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد؛ فإن اليهود يعلمون أن محمدا رسول الله، ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور.

стр. 290

باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات (١) وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١ الآية (٢) . ــ (١) أي هذا باب بيان حكم من جحد شيئا من أسماء الله تعالى وصفاته، وأنه يكفر بذلك، ولما كان التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، نبه عليه المصنف ﵀، وتقدم أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فمن أقر بربوبية الله تعالى وإلهيته وجحد أسماءه وصفاته أو شيئا منها فقد كفر. (٢) سبب نزول الآية معلوم، ويأتي طرف منه، والمراد أن بعض كفار قريش يجحدون اسم الرحمن عنادا، فأنزل الله هذه الآية، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فالرحمن: اسمه وصفته، ودل هذا الاسم على أن الرحمة وصفه القائم به سبحانه، وهي من صفات الكمال. ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأن الله سمى جحود اسم من أسمائه كفرا، فدل على أن جحود شيء من أسمائه وصفاته كفر، فمن جحد شيئا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر، بقدر ما جحده من الاسم أو الصفة، وإن أقر بجنسها لكن زعم أنها أعلام محض، لا تدل على صفات قائمة به تعالى، فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء كجحود لفظه؛ فإن الجهمية يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فلهذا كفرهم كثير من أهل السنة. قال ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان فجحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات =

стр. 291

وفي صحيح البخاري قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله" (١) ؟ ــ = كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل فاسد أصلوه من عند أنفسهم، ولم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوا أولا، وعطلوا ثانيا، وشبهوا ثالثة بكل ناقص أو معدوم، وتركوا ما دل عليه صريح الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة من إثبات ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وصنف أئمة السنة في الرد عليهم المصنفات الكثيرة المشهورة، كالإمام أحمد وطبقته، وشيخ الإسلام وطبقته، وخلق لا يحصون من أهل السنة والجماعة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي قل يا محمد ردا عليهم في كفرهم بالرحمن: (هو) أي الرحمن : ﴿رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبود سواه: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٢ أي إليه مرجعي وتوبتي. (١) أسنده البخاري. وفي لفظ: " أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". زاد ابن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف: ودعوا ما ينكرون، أي ما يشتبه عليهم فهمه، مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله، ويفضي بهم إلى التكذيب. وقال ابن مسعود: ((ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة)) . رواه مسلم. وكان معاوية ينهى عن القصص؛ لما فيه من التساهل في النقل، ويقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور. وهذا الأثر قاله علي ﵁ حين كثر القصاص في خلافته، وصاروا يذكرون أحاديث لا تعرف من هذا =

стр. 292

وروى عبد الرزاق عن معمر (١) عن ابن طاوس (٢) ــ = القبيل، فربما استنكرها بعض الناس وردها، وقد يكون لبعضها أصل ومعنى صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك. وضابطه: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فأرشدهم أن لا يحدثوا عامة الناس إلا بما هو معروف، ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه، من بيان الحلال والحرام الذي كلفوا به علما وعملا، دون ما يشغل عن ذلك، أو يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله، فيفضي إلى التكذيب. وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضررا من تحديث الناس ببعض ما لا يعرفون فلا ينبغي، وليس على إطلاقه؛ فإن كثيرا من الدين والسنن يجهله الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يترك العالم تحديثهم، بل يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي أحسن. (١) معمر بفتحتين وسكون العين، ابن راشد، أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي الحداني مولاهم البصري ثم اليماني، أحد الأعلام، شهد جنازة الحسن البصري، وروى عن قتادة وثابت والزهري، وهو أحد أصحابه يروي عنه كثيرا، وعنه يحيى بن أبي كثير وابن عيينة وابن المبارك وطبقتهم، مات سنة ١٥٣هـ. (٢) هو أبو محمد الأبناوي عبد الله بن طاووس اليماني الفقيه بن الفقيه، روي عن أبيه وعطاء وعمرو بن شعيب وغيرهم، وعنه ابناه طاووس ومحمد وعمرو ابن دينار ومعمر وخلق، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية، مات سنة ١٣١هـ. وأبوه طاووس بن كسيان الجندي الإمام العلم، مولى بحير بن ريسان، وقيل: مولى همدان، من أبناء الفرس، كان ينزل الجند، وقيل اسمه ذكوان، وطاوس لقبه. وقال ابن حبان: ((أمه من فارس وأبوه من النمر بن قاسط)) .

стр. 293

عن أبيه عن ابن عباس أنه " رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك (١) ، فقال: ما فرق هؤلاء؟ (٢) يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه " (٣) . ــ (١) أي اضطرب وارتعد من وقع ما ورد على قلبه، لما سمع الحديث في الصفات؛ لجهله بذلك، والاستنكار استفهامك شيئا تنكره، واستنكر الأمر جهله. (٢) بفتح الفاء والراء وضم القاف مخففا، و (ما) استفهامية، أي ما خوف هؤلاء وفزعهم، يستفهم من أناس من أصحابه، يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، إذا سمعوا شيئا من محكم القرآن حصل معهم فرق، أي خوف، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين للمعنى، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله على عباده، والمراد الإنكار عليهم؛ فإن الواجب على العبد التسليم والإذعان والإيمان بما صح عن الله ورسوله ﷺ ، وإن لم يحط به علما. ولهذا قال الشافعي: ((آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ) . ولا يتم الإيمان إلا بقبول اللفظ بمعناه الذي دل عليه ظاهرا، فإن لم يقبل معناه أورده، أو شك فيه لم يكن مؤمنا به، فيكون هلاكا. ويجوز فتح القاف مع تشديد الراء وتخفيفها، أي ما فرق هذا واضرابه بين الحق والباطل، ولا عرفوا ذلك. (٣) أي يجدون لينا وقبولا للمحكم، ويهلكون عندما يشتبه عليهم فهمه ومعرفته، والهلاك يقال لمن ارتكب أمرا عظيما، فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن، وهو حق لا يرتاب =

стр. 294

ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١ (١) . ــ = فيه مؤمن. وذكر ابن جرير وغيره عن جماعة من الصحابة وغيرهم، أن المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، والمتشابه هو المنسوخ. وقيل: (الم) و (المص) و (المر) ، ولم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم بإدخال أسماء الله تعالى وصفاته أو شيء منها في المتشابه الذي استأثر الله بعلم معانيه، أو لا معنى له، بل هي حق على حقيقتها، ولها معان حقيقة فهمها السلف على ما يليق بجلال الله وعظمته، وفسروها بما يخالف تأويل الجهمية وأضرابهم، وما قاله النفاة أنها من المتشابه دعوى بلا برهان، وفي الأثر دليل على ذكر آيات الصفات وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، وأن من رد شيئا منها أو استنكره بعد صحته فهو ممن لم يفرق بين الحق والباطل، وينكر عليه استنكاره، وفيه دليل على أن من أنكر شيئا من الصفات فهو من الهالكين؛ لأن الواجب الإيمان به، فهمه أو لم يفهمه. (١) قال قتادة وغيره من السلف: لما صالح النبي ﷺ قريشا كتب (بسم الله الرحمن الرحيم) فقالوا: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. وقال مجاهد وغيره: قالوا: لا نكتب الرحمن، ولا ندري ما الرحمن؟ ولا نكتب إلا باسمك اللهم، فنزلت الآية. وعن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يدعو ساجدا "يا رحمن يا رحيم"، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله: ": ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢ ذكر ذلك ابن جرير وغيره.

стр. 295

باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ١ الآية (١) . قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي (٢) . وقال عون بن عبد الله: (٣) ــ (١) ترجم المصنف بهذه الآية حضا على التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي؛ لدلالتها على كفرهم بنعم الله، بإضافتها إلى غيره وإشراكه فيها، مع معرفتهم أن الله هو مسديها، وأنهم إنما جحدوها عتوا وعنادا. وذكر بعض ما ذكره بعض العلماء في معناها، وذكر المفسرون عن السدي وغيره: هي نبوة محمد ﷺ . وعن آخرين أنها ما عدد الله في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم. (٢) ولفظه قال: ((هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريش ثم ينكرونه، بأن يقولوا هذا كان لآبائنا فورثونا إياه)) . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، وقائل هذا جاحد نعمة الله، غير معترف بها. (٣) هو ابن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، روى عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين، مات قبل ١٢٠هـ.

стр. 296

يقولون: لولا فلان لم يكن كذا (١) . وقال ابن قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا (٢) . وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " الحديث. وقد تقدم (٣) : ((وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به)) (٤) . قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا (٥) ، ــ (١) قال: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان لم يكن كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وهذا يتضمن قطع إضافة النعمة عمن لولاه لم تكن؛ فإنه –سبحانه- هو وحده المنعم على الحقيقة. (٢) أي أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم، ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا، وهذا يتضمن الشرك، مع إضافة النعم إلى غير وليها، والآية تعم ما ذكره العلماء في معناها. وابن قتيبة: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي دينور، النحوي اللغوي صاحب التصانيف البديعة المشهورة، روى عن إسحق بن راهويه وجماعة، وتوفي سنة ٢٧٦هـ. (٣) أي في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. (٤) يعني مثل قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١،: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ٢. وخبر: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ". وما قاله بعض السلف. (٥) أي ماهرا في صنعته، وهو صاحب السفينة، سمي بذلك لملازمته الماء الملح، ومعناه أن الله إذا أجرى السفينة وسلمها، نسبوا ذلك إلى الريح والملاح، =

стр. 297

ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير (١) . ــ = ونسوا الله الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم، وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره، وإنما أراد أنه سبب لذلك، لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده، فهو المنعم على الإطلاق: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ١. (١) وكلام الشيخ يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها، وأسند أسبابها إلى غيره مما هو مذكور في كلام المفسرين وغيره. قال المصنف: ((وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة)) .

стр. 298

باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . ــ (١) ترجم المصنف ﵀ بهذه الآية الكريمة، التي ابتدأها الله بأعلى المقامات التي أجلها عبادة الله وحده، وامتن عليهم بإيجادهم، وما أوجده لأجلهم، فلا يجعلوا له أندادا، أي شركاء ونظراء، يصرفون لهم شيئا مما يستحقه ، فيقعوا في الشرك الأصغر أو الأكبر، وساق في الباب ما ألحق بالأصغر، فإن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، وإن كانت الآية نزلت في الأكبر، فالسلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس وغيره، وقد قال تعالى في أول الآية بعد أن عدد فرق المكلفين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١ تنجون من عذاب الله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ ٢ أي ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن يعبد وحده،: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣ أشباها ونظراء، تصرفون أنواع العبادة أو شيئا منها لهم، كحال عبدة الأوثان، الذين كانوا يعبدونها من دون الله،: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤ أنه ربكم لا يرزقكم غيره. قال أبو العالية وقتادة: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٥ أي عدلاء شركاء. وقال ابن زيد: هي الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. وقال قتادة ومجاهد: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، وقال ابن عباس: أي لا تشركوا به شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه ربكم، لا يرزقكم غيره. وقال مجاهد: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. حكاه ابن كثير وغيره، وذكر حديث الحارث الأشعري " إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات: أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله، بذهب أو ورق، فجعل يعمل =

стр. 299

قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل (١) ، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي (٢) ، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص (٣) ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص (٤) ، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت (٥) ــ = ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا " ١. وهذه الآية دالة على توحيد الله بالعبادة، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات الدالة على هذا المقام كثيرة جدا. (١) الصفا الحجر الأملس، ذكر ما مثل به من الشرك؛ لخفائه على الأكثر حتى لا يكاد يفطن له، ولا يعرفه إلا القليل، وضرب المثل لخفائه بما هو أخفى شيء، أي أنه أخفى من دبيب النمل الأسود على الصفا الأسود في ظلمة الليل الأسود، وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه. (٢) أي من الشرك الحلف بغير الله كالحلف بحياة المخلوق، والحلف بالمخلوق شرك. (٣) وفي بعض الأصول: كلبة، وهي واحدة الكلاب، وهي ما تتخذ لحفظ المواشي وغيرها، واللصوص: السراق جمع لص ويثلث. (٤) البط: من طير الماء، الإوز، واحدته بطة، يتخذ في البيوت، فإذا دخلها غير أهلها استنكره وصاح، والواجب نسبة ذلك إلى الله، فهو الذي يحفظ عباده، ويكلؤهم بالليل والنهار. (٥) لأن المعطوف بالواو يكون مساويا للمعطوف عليه.

стр. 300

وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا (١) ، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم (٢) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله قال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (٣) "١. ــ (١) أي لا تجعل في مقالتك فلانا، بل لولا الله وحده. ولا تقل: لولا الله وفلان. قال الشارح: ثبت بخط المصنف فلان بلا تنوين. (٢) أي هذا كله شرك بالله تعالى، وقد وقع هذا اليوم على ألسن كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك، فيجب التنبه لهذه الأمور؛ فإنها أكبر الكبائر، وهذا من ابن عباس ﵄ تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى، وتقدم تفسيره للآية أيضا. (٣) وفي رواية: " فقد كفر ". وفي رواية: " فقد أشرك ". والصواب عن ابن عمر ﵄، وورد مثل هذا عن ابن مسعود ﵁ بهذا اللفظ، والشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله، وقد يفرق بينهما، فيخص الشرك بقصد الأوثان وغيرها من المخلوقات مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم. وما أورده المصنف يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، كما جاء مصرحا به عند أحمد: " فقد كفر وأشرك ". ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما قال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقل عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر، كما نص عليه ابن عباس وغيره. لكن ما يفعله عباد القبور، وهو ما إذا طلب منهم اليمين بالله أسرعوا، وإذا طلب منهم اليمين بالشيخ أو حياته ونحوه لم يقدم أحدهم عليه إن كان كاذبا، فهذا شرك أكبر بلا ريب؛ لأنه صار المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله وهذا =

стр. 301

رواه الترمذي وحسنه وصححه، الحاكم (١) . وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا (٢) . ــ = ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ ونحوه فهو أكبر شركا منهم. وفيه دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقا؛ لأنه لم يذكر فيه كفارة، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد والاستغفار. (١) وأقره الذهبي، وكذا أخرجه أحمد من طرق، وأبو داود، وصححه ابن حبان. وقال ابن العراقي: إسناده ثقات. وفي الصحيح وغيره عن ابن عمر مرفوعا: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "١. وعن بريدة مرفوعا " من حلف بالأمانة فليس منا " ٢. رواه أبو داود، وتواترت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله، ودلت على أنه شرك، لكنه لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار. وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره، وأما قوله: "أفلح وأبيه"، "أما وأبيك". فقد أجيب عنه بأنه ليس من جنس اليمين المقصودة، بل هو مما يجري على الألسن من غير قصد، كقولهم: تربت يداك، أو أنه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله ثم نسخ، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل، حتى ورد النهي؛ يؤيده ما في الصحيح عن ابن عمر وغيره، وقيل غير ذلك. (٢) رواه الطبراني وابن جرير وغيرهما، قال المنذري: ورواته رواة الصحيح. وجاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه، وذلك أن الحلف بالله كاذبا كبيرة، والحلف بغير الله شرك وكفر، وإن كان أصغر فهو أكبر من الكبائر بإجماع السلف. قال شيخ الإسلام: ((وإنما رجح ابن مسعود الحلف بالله كاذبا، على الحلف بغيره صادقا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغيره، فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب، أسهل من سيئة =

стр. 302

وعن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال " لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " ١ رواه أبو داود بسند صحيح (١) . وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: بالله ثم بك، قال ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان (٢) . ــ = الشرك)) اهـ. فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود في النار، كدعوة غير الله والاستغاثة به، والرغبة إليه وإنزال حوائجه به، كما هو حال الأكثر من هذه الأمة في هذه الأزمان وما قبلها. (١) ورواه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وله شواهد، ومعناه صحيح بلا ريب؛ وذلك لأن العطف بالواو يقتضي المساواة؛ لأنها في وضعها لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، وتسوية المخلوق بالخالق في نوع من أنواع العبادة شرك، فإن كان في الأصغر مثل هذا فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، كقول الله عنهم: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ بخلاف المعطوف بـ (ثم) ؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيا عن المعطوف عليه بمهلة، فلا محذور لكونه صار تابعا. (٢) رواه عبد الرزاق وابن أبي الدنيا، وتقدم الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز من ذلك، وهذا في الحي الحاضر الذي له قدرة وسبب، فإنه يجوز في حقه ما هو تحت قدرته ووسعه، وأما الأموات الذين لا إحساس لهم بمن يدعوهم ولا قدرة لهم على نفع ولا ضر، فلا يقال في حقهم شيء من ذلك، فلا يجوز التعلق عليهم بشيء ما، بوجه من الوجوه، والقرآن يبين ذلك، وينادي بأنه يجعلهم آلهة إذا سئلوا شيئا من ذلك، أو رغب إليهم أحد بقوله أو عمله الباطن أو الظاهر، ومطابقة الحديثين والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسره ابن عباس في الآية.

стр. 303

باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله (١) عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تحلفوا بآبائكم (٢) ، من حلف بالله فليصدق (٣) ، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله " ١. رواه ابن ماجه بإسناد حسن (٤) . ــ (١) أي من الوعيد لكونه من الفعل المنافي لكمال التوحيد؛ لدلالته على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، فإن القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله لا يفعل ذلك. (٢) فيه النهي عن الحلف بالآباء، ولا مفهوم له، فقد تقدم النهي عن الحلف بغير الله مطلقا، وأنه من الشرك. (٣) أي وجوبا لأن الصدق مما أوجبه الله على عباده، وحضهم عليه في كتابه، ولو لم يحلف بالله، فكيف إذا حلف به؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ ٣. وقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ٤. وهو حال أهل البر كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ٥ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ٦. وفيه تأكد وجوب الصدق في اليمين بالله، لأن اليمين الغموس من الكبائر. (٤) ولفظه: " ومن لم يرض بالله فليس من الله " ٧. وله شواهد من الكتاب والسنة، وهذا وعيد شديد لمن لم يرض، أما إذا لم يكن له بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين، فأحلفه فلا ريب أنه يجب عليه الرضى، وظاهره وإن كان يعتقد كذبه في =

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الباطن. قال الشارح: ((وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوى)) اهـ. ولا يستحلفه بغير الله تعالى أو صفة من صفاته كالطلاق والعتاق، والحالف إذا بلغ فسقه بحيث استعظم غير الله وحلف به، فليس محلا للصدق، ولا عبرة بحلفه أصلا، وأما إذا كان مما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك، فهذا من حق المسلم على المسلم أن يقبل منه إذا حلف له معتذرا أو متبريا من تهمة، ومن حقه عليه أن يحسن به الظن إذا لم يتبين كذبه، كما قال عمر ﵁: " ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرا، وأنت تجد لها في الخير محملا ". وهو من محاسن الأخلاق ومكارمها، وكمال العقل وقوة الدين.

стр. 305

باب قول: ما شاء الله وشئت (١) عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" ١. رواه النسائي وصححه (٢) . ــ (١) وأنه من الشرك؛ لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة. (٢) قتيلة بمثناة مصغر، بنت صيفي الأنصارية، صحابية مهاجرة، لها هذا الحديث في سنن النسائي، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي، ورواه الطبراني وابن سعد وابن منده وغيرهم. والحديث نص في أن هذا اللفظ من الشرك؛ لأن النبي ﷺ أقر اليهودي على تسميته بذلك، ونهى عنه، وقال لمن قال ذلك: " أجعلتني لله ندا " ٢؟ وأقر من سماه تنديدا، كما جاء بلفظ "إنكم تنددون" وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، والعبد وإن كان له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣. قال الشارح: ولو أتى بـ (ثم) وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة فالنهي باق بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو، مع عدم هذا الاعتقاد، وفيه قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان، وبيان النهي عن الحلف بالكعبة، وأنه شرك مع أنها بيت الله التي حجها فرض، وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام، لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه، ولا غير ذلك من سائر المخلوقات.

стр. 306

وله أيضا عن ابن عباس ﵄ " أن رجلا قال: للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده (١) " ١. ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها (٢) ــ (١) وفي رواية: " قل ما شاء الله وحده " ورواه ابن ماجه وابن مردويه وغيرهما. وهذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك؛ لوجود التسوية في العطف بالواو، وفيه أن من سوى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله ندا لله؛ لقوله: " أجعلتني لله ندا " ٢ أي شريكا، استفهام إنكار، أي ليس لك أن تسويني بالله. قال ابن القيم: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك، فوازن بين هذه الألفاظ وببن قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ . وفيه أن رسول الله ﷺ حمى حمى التوحيد، وسد طرق الشرك في الأقوال والأفعال، وقال المصنف: فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، يشير إلى صاحب البردة حيث جعل عياذه ولياذه بغير الله. (٢) الطفيل: هو ابن عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية ابن مرة بن الأوس بن النمر بن عثمان الأزدي، صحابي له هذا الحديث، قدم أبوه عبد الله مكة قبل الإسلام، فحالف أبا بكر، وتوفي عن أم رومان، فخلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وابن ماجه إنما روى عن حذيفة بهذا اللفظ، وعن الطفيل بنحوه، ورواه أحمد والنسائي، ورجح الحفاظ أن ابن عيينة وهم في روايته عن حذيفة.

стр. 307

قال: " رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله (١) . قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد (٢) . ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه (٣) ، ــ (١) أي نعم القوم أنتم، لولا ما أنتم عليه من الشرك والمسبة لله بنسبة الولد إليه، وهذا لفظ الطبراني. وفي رواية له ولأحمد: ((رأيت فيما يرى النائم كأني مررت برهط من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود)) والرهط والنفر الجماعة أقل من العشرة. (٢) عارضوه بشيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر، أي نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من هذا الشرك، وكذلك جرى له مع نفر من النصارى، وفيه معرفة اليهود والنصارى للشرك وإن كان أصغر، وهم مع ذلك يشركون بالله الشرك الأكبر. (٣) فيه سنة تقديم حمد الله والثناء عليه في الخطب، وحسن خلقه ﷺ ، وعدم احتجابه عن الناس كالملوك، واعتنائه بالرؤيا؛ لأنها من أقسام الوحي.

стр. 308

ثم قال: أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها (١) ، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (٢) . ــ (١) وفي رواية أحمد والطبراني: " إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها " ١. وهذا الحياء ليس حياء عن الإنكار عليهم، بل كان ﷺ يكرهها؛ ويستحيي أن ينكرها، لأنه لم يؤمر بإنكارها، فلما جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة خطبهم، ونهى عن ذلك نهيا بليغا. (٢) هذه الرؤيا حق، أقرها ﷺ وعمل بمقتضاها، ونهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد؛ لما فيه من مطلق التسوية بين الخالق والمخلوق، وأمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده، كما في الحديث قبله، ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد عن الشرك، وأفضل وأكمل من قول ما شاء الله ثم شاء محمد؛ لما في قول: ما شاء الله وحده من التصريح بالتوحيد، المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص، ويجوز أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان كما تقدم. وفيه معنى قوله ﷺ : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ٢. وإن كانت هذه رؤيا منام، فقد أقرها رسول الله ﷺ وأخبر أنها حق. قال المصنف: وفيه أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي، وأنها قد تكون سببا لشروع بعض الأحكام.

стр. 309

باب من سب الدهر فقد آذى الله (١) وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ١ الآية (٢) ــ (١) لأنهم إذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، فإنما سبوا فاعله حقيقة وهو الله سبحانه، والساب مرتكب أحد أمرين: إما مسبة الله أو الشرك، فإن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله تعالى الله وتقدس. ومناسبة هذا الباب للكتاب ظاهرة؛ لأن سب الدهر يتضمن الشرك، ولفظ الأذى في اللغة: هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه، وهو بخلاف الضر، فقد أخبر سبحانه، أن العباد لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور. (٢) أي يقول مشركو العرب والفلاسفة الإلهيون وأضرابهم: ما حياتنا إلا حياة الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الموت،: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٢ يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، جحدا للمنقول ومكابرة للمعقول؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٣ أي ما يفنينا إلا ممر الليالي والأيام، فيسبون الدهر، والله يقول: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " ٤. وأكذبهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ٥ أي يقين علم: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٦ يتوهمون ويتخيلون، ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد.

стр. 310

وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار " ١. (١) وفي رواية: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر (٢) "٢. ــ (١) الحديث أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طريق معمر وغيره من أوجه عن أبي هريرة وغيره، بهذا اللفظ وغيره، وفي الحديث زيادة وهي "بيدي الأمر" وفي رواية " لا تقولوا: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما " ٣. وفي رواية: " يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار "٤. ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم بلفظ: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٥ الآية. فقال الله: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " ٦ وأخرج ابن إسحاق عن أبي هريرة: " يقول الله: استقرضت عبدي فلم يعطني، ويسبني عبدي: وادهراه، وأنا الدهر " ٧. قال بعض السلف: كانت العرب في جاهليتها من شأنها ذم الدهر، أي سبه عند النوازل، فكانوا إذا أصابهم شدة أو بلاء أو ملامة قالوا: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وقالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله، فإذا أضافوا ما نالهم من الشدائد إلى الدهر فإنما سبوا الله ؛ لأن الله هو الفاعل لذلك حقيقة، فنهى الله عن سب الدهر بهذا الاعتبار، وقد تبين معناه من قوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار". وتقليبه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه. (٢) ومعنى هذه الرواية هو ما صرح به من قوله "وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " يعني أنما يجري فيه من خير وشر إنما هو بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمة لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، =

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = فالواجب حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١. قال المصنف: وفيه أنه يكون سابا وإن لم يقصده بقلبه، ونسبة الفعل إلى الدهر، ومسبته قد فشت في كلام العرب، كقول ابن المعتز: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا وقول أبي الطيب: قبحا لوجهك يا زمان ... فإنه وجه له في كل قبح برقع وهذا ونحوه داخل في الحديث وفيه مفاسد، منها سب من ليس أهلا للسب؛ فإن الدهر خلق مسخر، ومنها أن سبه متضمن للشرك، فإنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم، ومنها أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، ورب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبته مسبة لله ومنه: هذه سنة خبيثة، وعكسه قولهم: هذه تبسمة زمان يعني للأوقات التي يكثر فيها الخير، وليس منه وصف السنين بالشدة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ ٢. وقال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولة ... تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار

стр. 312

باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه (١) في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله (٢) "١. قال سفيان: مثل شاهان شاه (٣) . ــ (١) كحاكم الحكام وسلطان السلاطين، وسيد السادات. أشار المصنف ﵀ إلى النهي عن ذلك قياسا على ما في حديث الباب؛ لكونه شبهه في المعنى. وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد؛ لمنافاة هذه الألفاظ لكماله، فيكون فيه شائبة من الشرك وإن لم يكن أكبر، ولا يخفى ما في إطلاقه على غير الله من الجرأة على الله، وسوء الأدب معه؛ فإن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال، لا يكون إلا لله وحده. (٢) فهو الذي يستحق هذا الاسم، ولا يصدق إلا عليه، فهو ملك الأملاك لا مالك أعظم ولا أكبر منه، فهو مالك الملك، وأزمة الملوك بيده، و"تسمى" بفتح التاء أي سمى نفسه، وقيل بضم الياء التحتية، أي يدعى بذلك، وأكد النبي ﷺ تحريم التسمي بذلك بقوله: "لا مالك إلا الله "، فالذي تسمى بذلك قد كذب وفجر، وبلغ الغاية في الكفر، وارتقى إلى ما ليس له بأهل، فصار أحقر الناس عند الله يوم القيامة، معاملة له بنقيض قصده. وأخرج الطبراني: " اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك ". (٣) بكسر النون والهاء، وقد تنون، وهو عند العجم عبارة عن ملك الأملاك وسلطان السلاطين، ولهذا مثل به سفيان بن عيينة؛ لأنه عبارة عنه بلغة العجم، =

стр. 313

وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه (٢) "١. قوله: " أخنع " يعني أوضع (٢) . ــ = فمراده ﵀ أن الحديث متناول لمثل هذا بأي لسان كما هو ظاهر، فلا ينحصر في لفظ بعينه، بل كل ما أدى إلى هذا المعنى فهو داخل في الحديث. (١) أغيظ من الغيظ، وأخبث من الخبث، والغيظ مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضا إلى الله، خبيثا عنده، مغضوبا عليه، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه، وتعظيم الناس له بهذه الكلمة التي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل: وضعه عند الله يوم القيامة، فصار أبغض الخلق إلى الله وأخبثهم عنده وأحقرهم؛ لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم؛ لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله عليه، عكس من تواضع لله؛ فإن الله يرفعه. وهذه من الصفات التي نؤمن بها ونثبتها على ما يليق بجلال الله وعظمته، وزعم بعض المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة ونحوه جائز، واستدل بحديث "أقضاكم علي ". ورده العراقي وغيره، وقال: لا يخفى ما في ذلك من الجرأة على الله، وسوء الأدب معه. (٢) هذا هو معنى أخنع، ورواه مسلم عن أحمد عن أبي عمرو الشيباني. قال القاضي عياض: معناه أنه أشد الأسماء صغارا، وبذلك فسره أبو عبيد، والخانع الذليل، فيفيد ما تقدم في معنى "أغيظ"، أنه يكون حقيرا بغيضا عند الله، وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم كالقيام على المعظمين، كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا وغير ذلك.

стр. 314

باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك (١) " عن أبي شريح، أنه كان يكنى أبا الحكم (٢) ، فقال النبي ﷺ : إن الله هو الحكم، وإليه الحكم (٣) . ــ (١) أي وجوب احترام أسماء الله تعالى، وهو تعظيمها ووجوب تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى، وذلك من تحقيق التوحيد. واحترمه: رعى حرمته وهابه، وغير الاسم: حوّله وبدله، وجعل غيره مكانه. (٢) أبو شريح هو هانئ بن يزيد الكندي، أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري، ونافع بن جبير وطائفة، قال ابن سعد مات بالمدينة سنة ٦٨ هـ. و"يكنى" بسكون الكاف وفتحها، ما صدر بأم أو أب، وقد تكون بالأوصاف كأبي المعالي، أو إلى ما يلابسه كأبي هريرة، وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر، واللقب ما أشعر بمدح كـ (زين العابدين) ونحوه، أو ذم كأنف الناقة ونحوه. (٣) الحكم اسم من أسماء الله تعالى، الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ١. فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا وله تعالى فيها حكم مما أنزله على نبيه من الكتاب والحكمة، لكن قد يخفى على بعض الناس، وقد يسر الله معرفة أكثر ذلك لأكثر العلماء، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله قوة الفهم وأعطاه ملكة يقتدر بها على =

стр. 315

فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين (١) . ــ = فهم الصواب من أقوال العلماء ومستنداتهم، أدرك الصواب من ذلك. وإليه سبحانه الحكم، أي الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ٢ فالحكم إلى الله، هو الحكم إلى كتابه وكذا الرد إليه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وتقدم قوله ﷺ لمعاذ: "بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأيي. وهو من أجل علماء الصحابة، فساغ له الاجتهاد بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام، ممن يجهل حكم الله ورسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوغ له، مع الجهل بالكتاب والسنة. وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله يحكم بينهم سبحانه بعلمه، والحكم إنما هو بالحسنات والسيئات، يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإلا أخذ من سيئات المظلوم فطرح على سيئات الظالم، ولا يظلم أحدا مثقال ذرة. وفيه دليل على المنع من التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها كالتكني بأبي الحكم ونحوه. (١) أي أنا لم أكن نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بينهم فكنوني بها، والمعنى - والله أعلم- أن أبا شريح كان مرضيا عند قومه، يتحرى ما يصلحهم إذا اختلفوا فيرضون صلحه، فسموه أبا الحكم لذلك، لأن مدار صلحه على الرضا لا على الإلزام، ولا على أحكام الكهان وأهل الكتاب، ولا إلى أوضاع الجاهلية. وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب ونحوهم فليس من هذا الباب، لما فيه من النهي الشديد، والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ =

стр. 316

فقال: ما أحسن هذا! (١) فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال فأنت أبو شريح " ١. رواه أبو داود وغيره (٢) . ــ = الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣ وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه، ويحكم بما كانوا يحكمون به، ومنهم من يحكم بالقوانين اليونانية، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا، وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده، ويدع ما دل عليه الكتاب والسنة. (١) أي ما أحسن هذا الحكم بينهم، لما صار صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم، والإرضاء لهم من الجانبين استحسنه ﷺ ، أو ما أحسن ما ذكرته من الكنية، والأول أولى. (٢) فرواه النسائي والحاكم، وزاد: ((فدعا له ولولده)) . وقال ابن مفلح: وإسناده صحيح، وكناه بالكبير فهو السنة، كما جاء في غير ما حديث، وإن لم يكن له ابن فيكنى بأكبر بناته، وكذلك المرأة، وغير كنيته ﷺ ؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وفيه الرعاية للأكبر منا في التكريم، وأن استعمال الاسم الشريف الحسن مكروه في حق من ليس كذلك.

стр. 317

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول (١) وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ١ الآية (٢) . ــ (١) أي باب بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ ، يعني فقد كفر لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بالإجماع، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، والهزل المزح، والهذي ضد الجد، وهو أن لا يراد باللفظ ظاهره ومعناه، بل يراد به غير ذلك لمناسبة تقتضيه. (٢) أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء، ليقولن معترفين ومعتذرين: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ٢ أي لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب، وخاض في الحديث أفاض فيه، وفي الباطل دخل فيه. واللعب ضد الجد مزح، وفي الأمر استخف به وفعل فعلا يقصد به اللذة والتنزه، فأخبرهم الله على لسان رسوله ﷺ أن عذرهم هذا لا يغني عنهم من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يعبأ باعتذارهم. قال شيخ الإسلام: وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس، إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولم يدل اللفظ أنهم ما زالوا منافقين. وقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ أي مخشي =

стр. 318

عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض (١) أنه "قال رجل في غزوة تبوك (٢) ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا (٣) ــ = ابن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، قال ابن إسحاق: قال: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه بالآية، فسمي عبد الرحمن، وسأل أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وقوله: ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ ١ أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٢ أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. (١) أي ما ذكر عنهم مجموعا من رواياتهم متقارب المعنى، وقد ذكره كذلك شيخ الإسلام، فلذلك دخل بعضه في بعض. ومحمد بن كعب أو ابن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي من حلفاء الأوس، كان أبوه من سبي قريظة، روى عن جماعة من الصحابة، وعنه يزيد بن عجلان وموسى بن عبيدة وغيرهم، ثقة عالم. قال نافع: ما رأيت أحدا أعلم منه في تأويل القرآن، توفي سنة ١٢٠ هـ. وزيد بن أسلم هو العدوي مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، روى عن أبيه وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، وعنه أولاده الثلاثة وغيرهم، قال نافع لعلي بن الحسين: تخطأ مجالس قومك لعبد عمر، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، وأثر ابن عمر رواه ابن جرير وغيره بنحو هذا اللفظ، وأثر ابن كعب وزيد وقتادة معروف، لكن بغير هذا اللفظ والمعنى متقارب. (٢) وكانت في رجب سنة ٩ هـ. قال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ومخشي بن حمير الذي تاب الله عليه، وهو لم يقل ذلك، وإنما حضره. (٣) ولفظ ابن جرير وغيره: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا. أي أوسع، يريد كثرة الأكل، وهو وإن كان مذموما لكن المنافقون قد افتروا أعظم فرية =

стр. 319

ولا أكذب ألسنا (١) ، ولا أجبن عند اللقاء (٢) ، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء (٣) ، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق (٣) ، ــ = في نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه؛ فإن الصحابة ﵃ أقنع الناس، وأحسنهم اقتصادا في الأكل وغيره، والمنافقون والكفار أوسع بطونا، وأكثر أكلا كما صرحت بذلك الأحاديث، وأدرك بالحس والمشاهدة. والقراء جمع قارئ، وهم عند السلف الذين يقرءون القرآن، ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم معناه فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع. (١) بل المنافقون أكذب خلق الله كما وصفهم الله بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١ والصحابة ﵃ عدول بالإجماع، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه وحفظه، وهم من الصدق بالمنزلة العالية، والغاية التي ليس فوقها غاية ﵃ وأرضاهم. (٢) يعني لقاء العدو، وقد كذب في ذلك، بل المنافقون هم الجبناء: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ٢، وشجاعة الصحابة ﵃ مشهورة، وما ظهر لهم من الشجاعة والبطولة لا يعرف لها نظير، ولهذا قال له عوف: كذبت أي فيما نسبته إليهم. (٣) وفي رواية ابن إسحاق: يشيرون إلى رسول الله ﷺ ، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم مقرنين في الحبال ; إرجافا وترهيبا للمؤمنين. (٤) فيه المبادرة بالإنكار والشدة على المنافقين، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظهر منه ما يدل عليه.

стр. 320

لأخبرن رسول الله ﷺ (١) ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه (٢) ، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق (٣) ، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه (٤) ، ــ (١) هذا ونحوه من النصيحة لله ورسوله ﷺ ، وليس من النميمة في شيء، فذكر أفعال الفساق لولاة الأمور ليردعوهم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من الغيبة والنميمة. (٢) أي قد جاء الوحي من الله بما قالوه. وفي رواية: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن. وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ لعمار: " أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ". (٣) أي لم يقصدوا حقيقة الاستهزاء، وإنما قصدوا الخوض واللعب، والمراد الهزل لا الجد والتحدث كما يتحدث الركبان إذا ركبوا رواحلهم، وقصدوا ترويح أنفسهم، وتوسيع صدورهم ليسهل عليهم السفر، وقطع الطريق. (٤) نسعة بكسر النون سير مضفور عريض يشد به الرحال، سمي نسعا لطوله، أو يجعل زماما للبعير وغيره، والحقب أيضا حبل أو سير يشده الرحال في بطن =
следующие страницы →