← Акыда

Акыда · id 11149

حاشية كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (404 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقال: ما أحسن هذا! (١) فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال فأنت أبو شريح " ١. رواه أبو داود وغيره (٢) . ــ = الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣ وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه، ويحكم بما كانوا يحكمون به، ومنهم من يحكم بالقوانين اليونانية، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا، وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده، ويدع ما دل عليه الكتاب والسنة. (١) أي ما أحسن هذا الحكم بينهم، لما صار صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم، والإرضاء لهم من الجانبين استحسنه ﷺ ، أو ما أحسن ما ذكرته من الكنية، والأول أولى. (٢) فرواه النسائي والحاكم، وزاد: ((فدعا له ولولده)) . وقال ابن مفلح: وإسناده صحيح، وكناه بالكبير فهو السنة، كما جاء في غير ما حديث، وإن لم يكن له ابن فيكنى بأكبر بناته، وكذلك المرأة، وغير كنيته ﷺ ؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وفيه الرعاية للأكبر منا في التكريم، وأن استعمال الاسم الشريف الحسن مكروه في حق من ليس كذلك.

стр. 317

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول (١) وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ١ الآية (٢) . ــ (١) أي باب بيان حكم من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ ، يعني فقد كفر لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بالإجماع، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، والهزل المزح، والهذي ضد الجد، وهو أن لا يراد باللفظ ظاهره ومعناه، بل يراد به غير ذلك لمناسبة تقتضيه. (٢) أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء، ليقولن معترفين ومعتذرين: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ٢ أي لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب، وخاض في الحديث أفاض فيه، وفي الباطل دخل فيه. واللعب ضد الجد مزح، وفي الأمر استخف به وفعل فعلا يقصد به اللذة والتنزه، فأخبرهم الله على لسان رسوله ﷺ أن عذرهم هذا لا يغني عنهم من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزءوا بها، ولم يعبأ باعتذارهم. قال شيخ الإسلام: وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس، إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولم يدل اللفظ أنهم ما زالوا منافقين. وقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ ٤ أي مخشي =

стр. 318

عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض (١) أنه "قال رجل في غزوة تبوك (٢) ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا (٣) ــ = ابن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، قال ابن إسحاق: قال: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه بالآية، فسمي عبد الرحمن، وسأل أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. وقوله: ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ ١ أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٢ أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. (١) أي ما ذكر عنهم مجموعا من رواياتهم متقارب المعنى، وقد ذكره كذلك شيخ الإسلام، فلذلك دخل بعضه في بعض. ومحمد بن كعب أو ابن سليم بن أسد أبو حمزة القرظي من حلفاء الأوس، كان أبوه من سبي قريظة، روى عن جماعة من الصحابة، وعنه يزيد بن عجلان وموسى بن عبيدة وغيرهم، ثقة عالم. قال نافع: ما رأيت أحدا أعلم منه في تأويل القرآن، توفي سنة ١٢٠ هـ. وزيد بن أسلم هو العدوي مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، روى عن أبيه وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، وعنه أولاده الثلاثة وغيرهم، قال نافع لعلي بن الحسين: تخطأ مجالس قومك لعبد عمر، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه، وأثر ابن عمر رواه ابن جرير وغيره بنحو هذا اللفظ، وأثر ابن كعب وزيد وقتادة معروف، لكن بغير هذا اللفظ والمعنى متقارب. (٢) وكانت في رجب سنة ٩ هـ. قال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ومخشي بن حمير الذي تاب الله عليه، وهو لم يقل ذلك، وإنما حضره. (٣) ولفظ ابن جرير وغيره: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا. أي أوسع، يريد كثرة الأكل، وهو وإن كان مذموما لكن المنافقون قد افتروا أعظم فرية =

стр. 319

ولا أكذب ألسنا (١) ، ولا أجبن عند اللقاء (٢) ، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء (٣) ، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق (٣) ، ــ = في نسبة ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه؛ فإن الصحابة ﵃ أقنع الناس، وأحسنهم اقتصادا في الأكل وغيره، والمنافقون والكفار أوسع بطونا، وأكثر أكلا كما صرحت بذلك الأحاديث، وأدرك بالحس والمشاهدة. والقراء جمع قارئ، وهم عند السلف الذين يقرءون القرآن، ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم معناه فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع. (١) بل المنافقون أكذب خلق الله كما وصفهم الله بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١ والصحابة ﵃ عدول بالإجماع، اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه وحفظه، وهم من الصدق بالمنزلة العالية، والغاية التي ليس فوقها غاية ﵃ وأرضاهم. (٢) يعني لقاء العدو، وقد كذب في ذلك، بل المنافقون هم الجبناء: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ٢، وشجاعة الصحابة ﵃ مشهورة، وما ظهر لهم من الشجاعة والبطولة لا يعرف لها نظير، ولهذا قال له عوف: كذبت أي فيما نسبته إليهم. (٣) وفي رواية ابن إسحاق: يشيرون إلى رسول الله ﷺ ، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم مقرنين في الحبال ; إرجافا وترهيبا للمؤمنين. (٤) فيه المبادرة بالإنكار والشدة على المنافقين، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا ظهر منه ما يدل عليه.

стр. 320

لأخبرن رسول الله ﷺ (١) ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه (٢) ، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق (٣) ، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه (٤) ، ــ (١) هذا ونحوه من النصيحة لله ورسوله ﷺ ، وليس من النميمة في شيء، فذكر أفعال الفساق لولاة الأمور ليردعوهم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من الغيبة والنميمة. (٢) أي قد جاء الوحي من الله بما قالوه. وفي رواية: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن. وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ لعمار: " أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه ". (٣) أي لم يقصدوا حقيقة الاستهزاء، وإنما قصدوا الخوض واللعب، والمراد الهزل لا الجد والتحدث كما يتحدث الركبان إذا ركبوا رواحلهم، وقصدوا ترويح أنفسهم، وتوسيع صدورهم ليسهل عليهم السفر، وقطع الطريق. (٤) نسعة بكسر النون سير مضفور عريض يشد به الرحال، سمي نسعا لطوله، أو يجعل زماما للبعير وغيره، والحقب أيضا حبل أو سير يشده الرحال في بطن =

стр. 321

وهو يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ١ فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ، ما يلتفت إليه ولا يزيده عليه ". ــ = البعير، ويقال: إنهما واحد. وفي رواية: وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وقال محمد بن كعب وغيره: وإن رجليه ليسفعان الحجارة، وما يلتفت إليه. وفي رواية ابن إسحاق: فقال وديعة بن ثابت ورسول الله ﷺ واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ٢. وقال مخشي ما تقدم ذكره عنه. (١) رواه ابن جرير وغيره، أي ما يلتفت رسول الله ﷺ إلى المنافق فيقبل عذره، ولا يزيده على قوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي فليس لكم عذر لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانا بالله ورسوله، وتعظيما لآياته وتصديقا وتوقيرا، والخائض واللاعب متنقص لها. ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، أو عمل يعمله، قال المصنف: القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مد الشفة، وإخراج اللسان ورمز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟ وقال: فيه -وهي العظيمة- أن من هزل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.

стр. 322

باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ١ الآية (١) . قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به (٢) . وقال ابن عباس: يريد من عندي (٣) . وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢ قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب (٥) وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل (٦) . ــ (١) أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة بيان أن زعم الإنسان استحقاقه ما حصل له من النعم بعد الضراء مناف لكمال التوحيد، أي يقول تعالى: ولئن آتينا الإنسان خيرا وعافية وغنى، من بعد بلاء وشدة أصابته، ليقولن: إني كنت مستحقه، فكفر نعمة الله إذا لم ينسبها إليه تعالى. (٢) أي بكسبي وأنا خليق به وجدير به، رواه عبد بن حميد وابن جرير بنحوه. (٣) أي يريد بقوله: (هذا لي) هذا من عندي. (٤) قاله قارون فخسف الله به الأرض عقوبة له. (٥) رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال ابن كثير: قال قتادة،: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خبر عندي. (٦) قاله السدي والبغوي وابن جرير وغيرهم.

стр. 323

وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف (١) . وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى (٢) ، فأراد الله أن يبتليهم (٣) ، ــ (١) رواه ابن جرير وغيره، وليس فيما ذكروه اختلاف، وإنما هو أفراد المعنى. ونحو هاتين الآيتين قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ١ أي أنه في حال الضر يضرع إليه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى. وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٢ أي لما يعلم الله استحقاقي له، ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا، قال الله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ٣ أي ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك،: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤ أنه استدراج وامتحان، ليشكر أو يكفر،: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٥ يعني قارون وأشباهه، فإنه قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي. (٢) بالنصب بدل من اسم "إن"، والأبرص من به داء البرص، وهو بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، والأقرع من به قرع، وهو داء يصيب الصبيان في رءوسهم، ثم ينتهي بزوال الشعر أو بعضه، والقرع الصلع. والأعمى من فقد بصره، ولا يقع إلا على العينين جميعا. (٣) أي يختبرهم بنعمته كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ٦. ولفظ البخاري: "بدا لله" بالباء الموحدة والدال المهملة، وكسر لام الجلالة، قال ابن قرقور: ضبطناه بالهمز يعني ابتدأ، ورواه كثير من الشيوخ بلا همز.

стр. 324

فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به (١) . قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ (٢) قال: الإبل، -أو البقر شك إسحاق (٣) - فأعطي ناقة عُشَرَاء (٤) ، فقال: بارك الله لك فيها (٥) . قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به (٦) ، فمسحه فذهب عنه (٧) ، ــ (١) اللون هيئة كالبياض والحمرة، والجلد ظاهر البشرة وهو: غشاء الجسد، و"قذرني" بكسر الذال، أي كرهوا مخالطتي، ونفروا عني، واستأذوا من رؤيتي، وعدوني مستقذرا من أجله. (٢) لما زال عنه البرص الذي هو أكره منظر، وكان لا يبرأ في العادة، خيره في أنفس الأموال، ليجمع له أكبر النعم البدنية والمالية اختبارا. (٣) أي ابن عبد الله بن أبي طلحة، راوي الحديث. (٤) بضم العين وفتح الشين وبالمد، وهي: الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر أو ثمانية، وقيل: يقال لها إلى أن تلد، وهي من أنفس الإبل. (٥) أي دعا له الملك بالبركة، وهو مجاب الدعوة بإذن الله. (٦) وعابوني به. (٧) ولم يكن البرء من عادته غالبا.

стр. 325

وأعطي شعرا حسنا (١) ، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها (٢) . قال: فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره (٣) ، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا (٤) ، فأنتج هذان وولد هذا (٥) ، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم (٦) . ــ (١) بعد أن كان أقرع يقذره الناس. (٢) أي دعا له الملك بالبركة، كما دعا لمن قبله، وحاملا أي حبلى، ولم يقل حاملة؛ لأن هذا نعت لا يكون إلا للإناث. (٣) الذي لم يكن البرء من عادته. (٤) أي ذات ولد. وقال بعضهم: الشاة الوالد التي عرف منها كثرة الولد والنتاج، ودعا له بالبركة. (٥) أنتج بفتح الهمزة والتاء. وفي رواية: فنتج. وقال غير واحد: بالضم فيها أي تولى صاحب الناقة وصاحب البقرة نتاجهما، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة، وولد بتشديد اللام أي تولى ولادها، وهو بمعنى نتج في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد. (٦) أي كان لكل واحد منهم ما يملأ الوادي من الإبل والبقر والغنم.

стр. 326

قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته (١) ، فقال: رجل مسكين وابن سبيل (٢) ، قد انقطعت بي الحبال في سفري (٣) ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك (٤) ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري (٥) ، فقال: الحقوق كثيرة (٦) . ــ (١) أي أتى الملك في صورة الأبرص التي كان عليها أولا لما اجتمع به، وهو كونه أبرص فقيرا ترقيقا لقلبه، وإنما ذكره حالته الأولى ليكون أبلغ في إقامة الحجة عليه. (٢) رجل خبر لمبتدأ محذوف تقديره أنا. (٣) الحبال بالحاء المهملة والباء الموحدة أي أسباب المعيشة في سفري، وقيل الطريق. وفي رواية لمسلم: بالياء المثناة التحتية جمع حيلة، أي لم يبق لي حيلة أراد أنك كنت هكذا، وليس بتعريض بل هو تصريح على وجه ضرب المثال والإيهام أنه صاحب القصة؛ ليتيقظ المخاطب كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة. (٤) أي فلا وصول لي إلى مرادي إلا بالله سبحانه ثم بك، إظهارا لشدة حاجته إليه. (٥) بعيرا منصوب بمحذوف تقديره: أسألك بالذي إلخ، يعني أطلب منك بعيرا أتبلغ به أي أتوصل به، من البلغة وهي الكفاية. وفي البخاري: "أتبلغ عليه" أي أتوصل عليه إلى مرادي، عدد عليه ما أنعم الله به عليه ليكون أرق له. (٦) أي حقوق المال كثيرة علي، ولا أقدر على أدائها، أو حقوق المستحقين كثيرة فلا يحصل لك بعير، وهو إنما أراد دفعه، وليس بصادق.

стр. 327

فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله المال (١) ؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر (٢) ، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت (٣) . قال: ثم إنه أتى الأقرع في صورته (٤) ، فقال له مثل ما قال لهذا (٥) ، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا (٦) ، ــ (١) استفهام توبيخ، يذكره ما كان عليه من قبل، وما أنعم الله به عليه، ليعترف لله. (٢) نصب كابرا بنزع الخافض، أي ورث هذا المال من كبير، ورثه عن كبير آخر في الشرف، فجحد نعم الله عليه مع قرب تجددها، ومع تصريح السائل الخبير، بما وجب عليه لها من الشكر الذي هو أعظم الأسباب في هذه النعم، ومع شدة حاجة السائل، فلم يقر لله بنعمة، ولم ينسبها إليه، ولا أدى حقه فيها، فحل عليه السخط، لمبالغته في جحد النعمة وكفر مسديها. (٣) أي ردك الله إلى ما كنت عليه سابقا من البرص والفقر، أو رده بلفظ الماضي مبالغة في الدعاء عليه. (٤) لم يقل وهيئته اختصارا أو اكتفاء. (٥) أي قال للأقرع مثل ما قاله للأبرص، رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن، والجلد الحسن، بقرة أتبلغ بها في سفري. (٦) أي كرد الأبرص على هذا السائل بقوله: الحقوق كثيرة، فقال له الملك: ألم تكن أقرع يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر.

стр. 328

فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت (١) . قال: ثم إنه أتى الأعمى في صورته وهيئته (٢) ، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك وأعطاك المال شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله (٣) . فقال: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم (٤) ، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك ". أخرجاه (٥) . ــ (١) أي إلى ما كنت عليه قبل من القرع والفقر. (٢) وهي أنه أعمى فقير. (٣) أي لا أشق عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. ولفظ البخاري: " لا أحمدك " بالحاء المهملة والميم، أي على ترك شيء أو أخذ شيء مما تحتاج إليه من مالي، ويحتمل: لا أطلب منك الحمد أي لا أمتن عليك. (٤) يعني أنت ورفيقاك، والمعنى اختبرتم هل تذكرون سوء حالتكم، وتشكرون نعمة ربكم عليكم أولا؟. (٥) أي البخاري ومسلم وهذا لفظه، فالأعمى اعترف بنعمة الله عليه، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشكر النعمة، لما أتى بأركانها الإقرار بها، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب، وكفر =

стр. 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ...... = صاحباه نعمة الله عليهما، فاستحقا السخط بذلك. قال ابن القيم: الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها فقد كفرها، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها، ولكن لم يخضع له، ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكرها أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها، وأقربها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في رضاه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلا بد للشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، وفي هذا الحديث بيان حال من كفر النعم ومن شكرها، وجواز ذكر من مضى ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم، ولعله السر في ترك تسميتهم.

стр. 330

باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١ الآية (١) قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله (٢) . ــ أول الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٢ يعني من أبينا آدم،: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني حواء: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ويألفها، يمتن تعالى على عباده بذلك. وقيل في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وطئها ": ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ ٣ لم يثقلها إنما هو نطفة وعلقة ومضغة،: ﴿فَمَرَّتْ﴾ استمرت عليه واستخفته: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ كبر في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها،: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ ٤ بشرا سويا: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على هذه النعمة المتجددة،: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ٥ فلم يؤديا شكرها على الوجه المرضي، بل أشركا في طاعة الله، كما روي بتسميته عبد الحارث (إبليس) ، وكان اسمه في الملائكة الحارث، ثم استطرد من ذكر الشخص إلى الجنس فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦ أي تنزه الله من إشراك كل مشرك في عبادته وطاعته. وروى الترمذي عن سمرة مرفوعا: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " ٧. لكن قال ابن كثير: معلول من ثلاثة أوجه، وساق الروايات عن الحسن بغير هذا، وقال: هذه أسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. لأنه شرك في الربوبية والإلهية، فإن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلهيته، والعبودية عبوديتان: عبودية عامة كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٨. وعبودية =

стр. 331

كعبد عمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك (١) ، حاشا عبد المطلب (٢) . ــ = خاصة بأهل الطاعة والإخلاص كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ١ ونحوها. وابن حزم: هو عالم الأندلس أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري، صاحب التصانيف توفي سنة ٤٥٦ هـ، وله ٧٢ سنة. وقوله: اتفقوا مراده أجمعوا لا حكاية الاتفاق على طريقة المتأخرين. (١) كعبد النبي وعبد علي، وكان أهل الجاهلية يعبدون أولادهم لآلهتهم، كعبد اللات وعبد مناة. وقال ابن القيم وغيره: لا تحل التسمية بعبد علي وعبد الحسين وعبد الكعبة ونحو ذلك، وكيف تجوز وقد أجمع على تحريمها؟ (٢) استثناء من العموم، أي فلم يتفقوا على تحريم التسمية به ; لأن أصله من عبودية الرق، وذلك أن عمه المطلب بن هاشم بن عبد مناف قدم المدينة، وكان ابن أخيه هذا نشأ في أخواله بني النجار من الخزرج؛ لأن هاشما تزوج فيهم امرأة فجاءت منه بهذا الابن، وسماه شيبة، فلما شب في أخواله، وبلغ سن التمييز سافر به عمه المطلب إلى مكة بلد أبيه وعشيرته، فقدم به وهو رديفه، فرآه أهل مكة وقد تغير لونه بالسفر فحسبوه عبدا للمطلب، فقالوا: هذا عبد المطلب، فعلق به هذا الاسم ولزمه، فصار لا يذكر ولا يدعى إلا به، فلم يبق للأصل معنى مقصود، وأيضا يجوز في الإخبار ما لا يجوز في الإنشاء، كما يقال: بنو عبد شمس، وبنو عبد الدار ونحو ذلك. وقال النبي ﷺ : " أنا ابن عبد المطلب " وقد صار معظما في قريش والعرب، فهو سيد قريش وأشرفهم في جاهليته، وهو الذي حفر زمزم وصارت له وفي ذريته من بعده، وابنه عبد الله والد النبي ﷺ أحد بنيه، وتوفي في حياة أبيه بالمدينة، قدمها يمتار تمرا وله ثماني عشرة سنة وقيل أكثر، ورسول الله ﷺ حمل في بطن أمه آمنة، وتوفيت أمه بالأبواء راجعة به ﷺ إلى مكة من زيارة أخواله بني عدي بن =

стр. 332

وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أَيِّل (١) ، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما (٢) ، سمياه عبد الحارث (٣) ، فأبيا أن يطيعاه (٤) ، فخرج ميتا (٥) ، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، ــ = النجار، وهو ابن ست سنين وأشهر، وحملته مولاته أم أيمن إلى جده، فكان في كفالته إلى أن توفي وللنبي ﷺ ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله وآواه ونصره، إلى أن توفي قبل الهجرة بثلاث سنين. ثم اشتد أذى المشركين له فهاجر إلى المدينة. (١) قرئ قرني بالتثنية وأيل بفتح الهمزة وكسر المثناة التحتية المشددة ذكر الأوعال، يخوفهما بكونه يجعل للولد قرني وعل. (٢) أي بغير ما ذكر، ويزعم أنه يفعل بهما غير ذلك لما يعرفان منه أنه صاحب مكر وخديعة، فإن لم يطيعاه كادهما. (٣) قال سعيد بن جبير: كان اسمه في الملائكة الحارث، وكان مراده أن يسمياه بذلك؛ ليكون قد وجد له صورة الإشراك به. (٤) لما يعلمان من الشؤم في طاعته لإخراجهما بها من الجنة. (٥) ابتلاء من الله سبحانه وامتحانا للأبوين.

стр. 333

ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد (١) ، فسمياه عبد الحارث. فذلك قوله تعالى ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١. رواه ابن أبي حاتم (٢) . وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته (٣) . وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ ٢ قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا (٤) ، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما (٥) . ــ (١) أي حب سلامة الولد وهذا من الامتحان؛ فإن الإنسان لا عزم له، وإن عاين ما عساه أن يعاين من الآيات إلا بتوفيق الله، فإن الطبيعة البشرية تغلب عليه. (٢) ورواه غيره عنه، وعن غيره بنحوه. (٣) أي أنهما أطاعاه في التسمية، لا أنهما أطاعاه في العبادة. قال المصنف: ((وفيه أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها)) . (٤) أي خافا أن لا يكون الولد إنسانا، بل خافا أن يكون بهيمة، أو غير تام الخلقة، وكانت عائشة ﵂ إذا بشرت بالمولود لم تسأل أذكر هو أم أنثى، بل تسأل عن خلقته، هل هو ولد سوي أو لا؟ وفيه أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. (٥) أي ذكر ابن أبي حاتم معنى قول مجاهد عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهما من التابعين كالسدي وغيره، وذكره غيره عن غير واحد من الصحابة والتابعين. وقال ابن كثير: كأن أصله - والله أعلم - مأخوذ من أهل الكتاب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، =

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ... ... = وإنما المراد المشركون من ذريته، ولهذا قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ وساق ما رواه غير واحد عن الحسن أن هذا كان في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وذكر أن الخبر المرفوع لو كان محفوظا لما عدل عنه هو ولا غيره، فدل على أنه موقوف، ويحتمل أنه من بعض أهل الكتاب. وقال ابن القيم: النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ٢ المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا؛ فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك.

стр. 335

باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ١ الآية (١) . ــ (١) أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة الرد على من يتوسل بذوات الأموات، وأن المشروع التوسل بالأسماء الحسنى والصفات العليا، والأعمال الصالحة. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢ إخبار عن نفسه الشريفة أن له أسماء، وأنها حسنى، يعني قد بلغت الغاية في الحسن، فليس في الأسماء أحسن منها ولا أكمل، ولا يقوم غيرها مقامها؛ لما تدل عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وتفسير الاسم منها بغيره ليس بمرادف محض، بل على سبيل التفهيم والتقريب، فله سبحانه من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده عن شائبة النقص، فله من صفة العليم علمه بكل شيء، دون العالم الفقيه، والسميع سمعه بكل شيء، دون السامع، والرحيم رحمة بالمؤمنين، دون الشفيق، والكريم الجود والكرم دون السخي، وهكذا، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا يعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا يتجاوز ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون، وما يطلق عليه سبحانه من باب الأسماء والصفات توقيفي، بخلاف الأخبار فلا يجب أن يكون توقيفيا. وقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٣ أي اسألوه وتوسلوا إليه بها، ودعاؤه بها أحد مراتب إحصائها الذي قال فيه ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة " ٤ متفق عليه. (المرتبة الأولى) إحصاء ألفاظها وعددها، (الثانية) فهم معانيها ومدلولها. (الثالثة) دعاؤه بها. وهو نوعان: دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى. كذلك لا يسأل إلا بها، فيسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلا بذلك الاسم، كقول: رب =

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، والأسماء الحسنى ليست منحصرة في تسعة وتسعين؛ لحديث: " أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ١. والحديث جملة واحدة. وقوله: " من أحصاها دخل الجنة "٢ صفة لا خبر مستقل؛ لئلا يتوهم الحصر بالتسعة والتسعين اسما، فلا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، والمعنى: له سبحانه أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وأكثر التسعة والتسعين في الكتاب والسنة، وما جاء في الترمذي وغيره من عدها فذكر جماعة من الحفاظ المحققين أن سردها مدرج فيه، وأن جماعة من أهل العلم جمعوها من القرآن، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ٣ أي اتركوهم وأعرضوا عن مجادلتهم: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ وعيد شديد وتهديد أكيد ﴿يلحدون﴾ يشركون غيره في أسمائه، كتسميتهم الصنم إلها، والإلحاد فيها: الميل بالإشراك والتعطيل والنكران. قال قتادة: يلحدون يشركون. وعن ابن عباس: الإلحاد التكذيب. وعنه: إلحاد الملحدين أن ادعوا اللات في أسمائه، وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، فالإلحاد فيها إما بجحدها أو معانيها وتعطيلها أو تحريفها وإخراجها عن الحق، أو جعلها أسماء لهذه المخلوقات، وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، وإخراج حقائق معانيها. قال ابن القيم: ((الإلحاد في أسمائه العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت، وهو أنواع: (أحدها) أن يسمي الأصنام بها كتسمية اللات من الإله. (الثانية) تسميته بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبا والفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة. (الثالثة) وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ ، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (الرابع) تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول الجهمية: إنها =

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ألفاظ مجردة، لا تتضمن صفات ولا معان، فيطلقون اسم السميع ويقولون: لا سمع له، ونحو ذلك. (الخامس) تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله وتقدس عن قولهم علوا كبيرا، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه اهـ. والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات أسماء الله تعالى وصفاته على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. والكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ومثاله، فكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتا حقيقة، لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك له صفات حقيقة، لا تشبه صفات المخلوقين، فمن جحد ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فقد كفر، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أوله على غير مما ظهر من معناه فهو جهمي، قد اتبع غير سبيل المؤمنين. وقال ﵀: ما يجري - صفة أو خبرا - على الرب تعالى أقسام: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك: ذات وموجود، وما يرجع إلى أفعاله كالخالق والرازق، والتنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتا، إذ لا كمال في العدم المحض، كالقدوس السلام، والاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا يختص بصفة معينة، بل دال على معان نحو المجيد العظيم الصمد، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، وصفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو الغني الحميد، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك الحميد المجيد العزيز الحكيم.

стр. 338

ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: يشركون (١) . وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز (٢) وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها (٣) . ــ (١) صوابه عن قتادة كما تقدم. (٢) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وكذلك أثر الأعمش. وعن مجاهد: اشتقوا اللات من الله، واشتقوا العزى من العزيز. (٣) أي يدخلون في أسماء الله ما لم يسم بها نفسه، ولم يسمه بها رسوله ﷺ كتسمية اللات من الإله ونحوه. والأعمش اسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي الفقيه، ثقة حافظ ورع، ولد سنة ٦١ هـ، ومات سنة ١٤٧ هـ.

стр. 339

باب لا يقال السلام على الله (١) في الصحيح عن " ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده (٢) السلام على فلان وفلان (٣) . ــ (١) لما كان حقيقة لفظ "السلام" السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشرور والعيوب، فإذا قال المسلم: السلام عليكم، فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يسلم من الشر كله، ومرجع السلامة إلى حظ العبد مما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك، والله هو المطلوب منه، لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، وهو السالم من كل تمثيل ونقص، وكل سلامة ورحمة له ومنه، وهو مالكها ومعطيها، استحال أن يسلم عليه سبحانه، بل هو المسلم على عباده، فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره. ولا رب سواه. (٢) أي يقولون ذلك في التشهد بألفاظ، منها: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، وفي رواية: قبل عباده. وكذا رواه مسلم وأهل السنن وغيرهم. (٣) وفي رواية يعنون الملائكة. وفي رواية: فنعد من الملائكة ما شاء الله. وفي رواية: على جبرائيل وميكائيل، وفلان وفلان.

стр. 340

فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام (١) "١ ــ (١) وفي رواية: ((ومنه السلام)) . وكان النبي ﷺ إذا انصرف من الصلاة المكتوبة استغفر ثلاثاً. وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) . وفيه "إن هذه تحية أهل الجنة ربهم ﵎". وقد قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٢ وقوله: " فإن الله هو السلام " أي إن الله سالم من كل نقص ومن كل تمثيل، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص، قال ابن القيم: السلام مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبرية فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية، وفيه قولان: الأول: السلام هنا هو الله ، ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم، ونحو ذلك، فاختير في هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء. الثاني: السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية، قال: وفصل الخطاب أن يقال: الحق في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما، وإنما يتبين بقاعدة: وهي أن حق من دعا الله بأسمائه الحسنى أن يسأل في كل مطلوب ويتوسل بالاسم المقتضي ذلك المطلوب، المناسب لحصوله حتى إن الداعي مستشفع إلى الله متوسل به إليه، والمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل، أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله تعالى، وهو السلام الذي تطلب منه السلامة، فتضمن معنيين أحدهما ذكر الله، والثاني طلب السلامة، وهو مقصود المسلم.

стр. 341

باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت (١) في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ ليعزم المسألة (٢) فإن الله لا مكره له "١ (٣) . ــ (١) أي أنه لا يجوز، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب، وينبئ عن قلة اكتراثه بذنوبه ورحمة ربه، وذلك مضاد للتوحيد. (٢) أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة، قال القرطبي: نهى عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب، فإن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حالته الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، ودليل على قلة معرفته بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة، وفي الحديث: " ادعوا وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل "٢. (٣) ولفظ مسلم " ليعزم على المسألة في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له "٣. أي: لا فائدة في تقييده الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ فإن الله لا يضطره دعاء ولا غيره إلى فعل شيء، بل يفعل ما يريد بخلاف العبد، فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق بالسائل =

стр. 342

ولمسلم " وليعظم الرغبة (١) ، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " ١ (٢) . ــ = للمخلوق أن يعلق حصول مسألته على مشيئة المسئول، مخافة أن يعطيه وهو كاره بخلاف رب العالمين؛ فإنه لا يليق به أن يعلق مسألته له بشيء، لسعة فضله وإحسانه وكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وليعزم المسألة؛ فإنه لا يعطي عبده شيئا عن كراهة، ولا عن عظم مسألة، بل إعطاؤه دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال،: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وقد يمنع لحكمة، فهو أعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخره لوقته المقدر، أو ليعطيه أكثر، فتبارك الله رب العالمين. (١) بتشديد الظاء أي الطلبة والحاجة التي يريد في سؤاله ربه، فإنه سبحانه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا، وليلح في السؤال، فإن الله يحب الملحين في الدعاء. (٢) يقال: تعاظم زيد هذا الأمر أي كبر عليه وعسر، أي ليس شيء عند الله بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق لكمال فضله وجوده؛ فإن إعطاءه كلام: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣

стр. 343

باب لا يقول عبدي وأمتي (١) في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك (٢) ، وليقل: سيدي ومولاي (٣) . ــ (١) لما في ذلك من إيهام المشاركة في الربوبية. (٢) لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، منهي عن المضاهاة بهذا الاسم، لما فيه من التشريك في اللفظ، وإن كان يطلق لغة، فالنبي ﷺ نهى عنه تحقيقا للتوحيد، وسدا لذرائع الشرك، والله تعالى رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم، فنهى عن ذلك لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فنهى عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقا للتوحيد، وبعدا عن الشرك حتى في اللفظ، وأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجماد فلا يمنع منه كقوله: رب الدار، ورب الدابة. (٣) لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة على ما تحت يده، ولذلك يسمى الزوج سيدا، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ١. وقال ﵊: " إن ابني هذا سيد "٢. والمولى كثير التصرف من ولي وناصر وابن عم وحليف وعتيق، وأصله من ولاية أمره وإصلاحه، فلا يمنع منه أن يوصف به مالك الرقبة، على أنه جاء في رواية: "ولا يقل العبد: مولاي ". والفرق بين الرب والسيد أن الرب من أسماء الله بالاتفاق واختلف في السيد، فإن قيل: ليس من أسمائه تعالى، فواضح، وإلا فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الرب، ويأتي قوله: "السيد الله ﵎ ". ولمسلم أيضا: "ولا مولاي فمولاكم الله ". ولكن قد بين مسلم الاختلاف فيه عن الأعمش، =

стр. 344

ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي (١) ، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي (٢) "١ ــ = وأن منهم من حذفها. وقال عياض: حذفها أصح، وقال الشارح: الجمع ممكن بحمل النهي على الكراهة، أو على خلاف الأولى. وقال النحاس: لا نعلم بين العلماء خلافا أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين مولاي، وإن كان مملوكا، قد حظر ذلك رسول الله ﷺ على المملوكين، فكيف بالأحرار. (١) لأن هذا الاسم من باب المضاف، ومقتضاه العبودية له، وصاحبه عبد لله متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوكه تحت هذا الاسم يوهم التشريك؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى، ولأن فيها تعظيما لا يليق بالمخلوق. وعن أبي هريرة مرفوعا: " لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، ولا يقول المملوك: رب وربتي، وليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي؛ فإنكم المملوكون والرب الله "٢. رواه أبو داود بإسناد صحيح. والعبيد عبيد الله والإماء إماء الله، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٣ ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ، فنهاهم عن ذلك تعظيما لله وأدبا معه، وبعدا عن الشرك، وتحقيقا للتوحيد. (٢) لأنها ليست دالة على الملك كدلالة عبدي وأمتي، وإن كان قد ملكه امتحانا وابتلاء من الله لخلقه، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ٤. وقد امتحن الله يوسف بالرق ودانيال حين سباه بختنصر، وله الحكمة البالغة في ذلك، فأرشد ﵊ إلى ما يؤدي المعنى مع السلامة من الإيهام والتعاظم، مع أنها تطلق على الحر والمملوك، لكن إضافته تدل على الإخلاص، ومن أحسن مقاصد الشريعة ما نهى عنه من هذه التسمية، لما فيها من رائحة الشرك، وإن كان لفظا لم يقصد معناه، وما أرشد إليه مما يقوم مقام تلك الألفاظ، حماية لجناب التوحيد، فلا خير إلا دل الأمة عليه خصوصا في تحقيق التوحيد، ولا شر إلا حذرها عنه خصوصا ما يقرب من الشرك، فصلوات الله وسلامه عليه، قال المصنف: ((وفيه التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ)) .

стр. 345

باب لا يرد من سأل بالله (١) عن ابن عمر ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : " من استعاذ بالله فأعيذوه (٢) ، ومن سأل بالله فأعطوه (٣) ، ــ (١) لأن منع من سأل بالله أو بوجه الله من عدم إعظام الله وإجلاله، وقد جاء الوعيد على ذلك، فروى الطبراني عن أبي موسى مرفوعا: " ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجرا ". وله عن أبي عبيدة مولى رفاعة بن رافع مرفوعا: " ملعون من يسأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ". (٢) تعظيما لله وتقربا إليه بذلك، فإذا قال: أعوذ بالله من شرك، أو شر فلان، فامنعوا الشر منه وكفوا عنه؛ لتعظيم اسم الله. ولما قالت الجونية لرسول الله ﷺ أعوذ بالله منك. قال: " لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك "١. (٣) أى إذا قال: أسألك بالله أو بوجه الله، كما في حديث ابن عباس: " من سألكم بوجه الله فأعطوه "٢. رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية له: "من سألكم بالله ". وله عن ابن عمر: " من سألكم بالله فأجيبوه إلى ما سأل "٣ فيكون بمعنى أعطوه، وعن ابن عباس مرفوعا: " ألا أخبركم بشرار الناس؟ رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي ". رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. وجاء من حديث أبي هريرة: " ألا أخبركم بشر البرية"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يسأل بوجه الله ولا يعطي " ٤. ويدخل فيه القسم عليه بالله أن يفعل كذا، ويجب إعطاء السائل مما له فيه حق كبيت المال، أو من في ماله فضل على حسب حاله ومسألته، أو يكون السائل =

стр. 346

ومن دعاكم فأجيبوه (١) ، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه (٢) . ــ = مضطرا فيجب دفع ضرورته، ويحتمل أن يكون المراد فيما لا مشقة فيه ولا ضرر، وقد حث الله على الإنفاق لعظم نفعه وتعديه وكثرة ثوابه، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ١، وغيرها. وذكره في الأعمال التي أمر بها عباده وتعبدهم بها، ووعدهم عليها الأجر العظيم، في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٢ إلى قوله ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ ٣ وحث النبي ﷺ على الصدقة ورغب فيها في أحاديث كثيرة، فإذا سئل بوجه الله صار آكد وأوجب، إعظاما لله وهيبة منه، أن يرد من سأل به. (١) أي من دعاكم إلى طعام فأجيبوه، والحديث أعم من الوليمة وغيرها، وهو يدل على الوجوب إلى وليمة العرس وغيرها، وإن كانت وليمة العرس أؤكد وأوجب، وإن كان يقصد إلزامه بالقسم وجبت إجابتها، أو إكرامه فلا تجب عليه، حكاه الشيخ وغيره. وقال ﵊: " لو دعيت إلى كراع لأجبت "٤. ومن حقوق المسلمين بعضهم على بعض إجابة دعوة المسلم، وتلك من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين، وإكرام الداعي ما لم يكن منكر أو يجر إلى منكر. (٢) المعروف اسم جامع للخير، أي من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه على إحسانه بمثله أو خير منه، لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله، وفيها السلامة من البخل ومذمته، ولا يهملها إلا اللئام، وبعضهم يكافئ على الإحسان بالإساءة، بخلاف أهل التقوى والمروءة، فإنهم يدفعون السيئة بالحسنة، طاعة لله ومحبة لما يحبه لهم ويرضاه، والمكافأة تخلص القلب من رق إحسان الخلق، ولا شك أنك إذا لم تكافئ من صنع إليك معروفا بقي في قلبك له نوع تأله، فشرع قطع ذلك بالمكافأة ولو كافرا، وهو أولى من مكافأة المسلم، إذ منة المسلم أسلم من منة الكافر، ويدل له قوله: " من أحسن إليكم فأحسنوا إليه ".

стр. 347

فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه (١) " ١ رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح (٢) . ــ (١) أي فإن لم تقدروا على مكافأته فادعوا له، أي بالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المكافأة، أرشدهم ﷺ إلى أن الدعاء في حق من لم يجد المكافأة يقوم مقام المكافأة للمعروف، فيدعو له على حسب معروفه، ووجه المبالغة أنه رأى في نفسه تقصيرا في المجازاة لعدم القدرة عليها فأحالها إلى الله، ونعم المجازي ، وروى الترمذي وغيره وصححه النسائي وابن حبان عن أسامة مرفوعا: " من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء " ٢. قال الطيبي: وحذفت النون من "تكافئوه" إما تخفيفا، أو سهوا من النساخ، "وتروا" بضم التاء تظنوا، ويحتمل أنها مفتوحة، لما في أبي داود "حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". (٢) ورواه أحمد بإسناد صحيح وابن حبان والحاكم، وصححه النووي وغيره.

стр. 348

باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة (١) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة "١. رواه أبو داود (٢) . ــ (١) أي لا يجوز ذلك، إجلالا لله وإكراما وإعظاما له أن يسأل بوجهه العظيم ما هو حقير لديه من حوائج الدنيا، ما لم يرد به غاية المطالب وهي الجنة، أو الإعانة على أعمال الآخرة الموصلة إلى الجنة، وأما سؤال المخلوق بوجه الله، فتقدم النهي عنه في الباب قبله. (٢) روي بالنفي والنهي، وبالبناء للمجهول، وهو الذي في الأصل، وروي بالخطاب للمفرد أي لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة، وذكر الجنة إنما هو للتنبيه على الأمور العظام، لا للتخصيص، فقد قال ﷺ في دعائه منصرفه من الطائف حين كذبوه: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي "، وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ". وحديث: " اللهم أنت أحق من ذكر "٢، وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض ". وحديث: " أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم، وبكلماته التامة "٣. وأمثال ذلك مما هو ثابت عن النبي ﷺ وهو سؤال ما يقرب إلى الجنة، أو يمنع من الأعمال التي تمنع منها، فيكون السائل قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يقرب إلى الجنة، كما في الصحيح: " اللهم إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول =

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وعمل، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل "١. بخلاف ما يختص بالدنيا، كسؤال المال، والسعة في المعيشة رغبة في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة، فلا ريب أن الحديث يدل على المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله، إعظاما لله وإجلالا له، وفيه إثبات الوجه لله كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو صفة كمال لله يجب إثباته لله على ما يليق بعظمته وجلاله، من غير تكييف ولا تمثيل. وتأويل الجهمية له بالذات باطل، إذ لا يسمى ذات الشيء وحقيقته وجها.

стр. 350

باب ما جاء في "لو " ... باب ما جاء في (اللو) (١) وقول الله تعالى: ﴿قُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١. الآية (٢) . وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢ الآية (٣) . ــ (١) أي من الوعيد والنهي عنه، والذم لمن عارض به عند الأمور المكروهة كالمصائب إذا جرى بها القدر، لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه، والمضادة لكمال التوحيد، فالممنوع في (لو) التلهف على أمور الدنيا طلبا أو هربا، لا تمني القربات. (٢) أي يسر بعض المنافقين هذه المقالة في أنفسهم يوم أحد، معارضة للقدر. وروى ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف، أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، قال فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير - ما أسمعه إلا كالحلم -: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٣ فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله هذه الآية، لقول معتب، ورد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٤. أي هذا قدر مقدر من الله، حتم لازم لا محيد عنه، والتلهف وقول " لو " لا يجدي إلا الحزن والتحسر، مع ما يخالط التوحيد من المعاندة للقدر الذي لا يكاد يسلم منها من وقع منه إلا من شاء الله. (٣) وهذه أيضا معارضة للقدر من المنافقين بقولهم لمن خرج مع رسول الله ﷺ يوم أحد: لو سمعوا مشاورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ ٥ أي إذا كان القعود =

стр. 351

في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " احرص على ما ينفعك (١) واستعن بالله (٢) ــ = يسلم به الشخص من القتل أو الموت فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم،: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ١ فادفعوا عن أنفسكم الموت، إن كنتم صادقين فيما تدعونه. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، يعني أنه هو الذي قال ذلك. قال شيخ الإسلام - لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال -: فلما انخزل يوم أحد وقال: يدع رأيي ورأيه، ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال انخزل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك، فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، وهذا كثير في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحنة التي يتضعضع فيها أهل الإيمان نقص إيمانهم كثيرا، وينافق كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا، وقد رأينا مثل هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. قال الشارح: ونحن رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو من إعانتهم العدو على المسلمين، وإظهار العداوة لهم والطعن في الدين. (١) الحديث في صحيح مسلم، وأوله: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص "٢ بالكسر والفتح من باب ضرب وسمع، بذل الجد واستفراغ الوسع على ما ينفعك يعني في معاشك ومعادك، وذلك هو سعادة الإنسان، وكماله كله في هذين الأمرين أن يكون حريصا، وأن يكون على ما ينتفع به، والمراد الحرص على فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وأخراه، مما شرعه الله لعباده من الأسباب الواجبة أو المستحبة أو المباحة. (٢) لأنه لا يحصل له ذلك إلا إذا كان مستعينا بالله، فإذا كان حريصا على ما ينفعه، وكان في حالة السبب مستعينا بالله وحده، معتمدا عليه، تم مراده بإذن الله وحرصه على ما ينفعه عبادة لله واستعانة به وتوكلا عليه: توحيد، فهو مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣.

стр. 352

ولا تعجزن (١) ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن " لو " تفتح عمل الشيطان " ١ (٢) . ــ (١) بفتح الجيم وكسرها ونون التوكيد مخففة، والعجز ينافي الحرص على ما ينفع، وينافي الاستعانة بالله، فنهاه عن العجز وذمه، والعجز مذموم عقلا وشرعا، وأرشده قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بالله، وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " ٢. (٢) أي وإن غلبك أمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجد والاستطاعة فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإنه لا يجدي عليك شيئا، ولكن قل: قدر الله ; لأن ما قدره لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء فعل، لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمه. قال ابن القيم: والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى (لو) ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والحزن، وهذا من عمل الشيطان، فنهاه عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح، وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فقال: " وإن أصابك " إلخ، فأرشده إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول " لو "، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان، لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان. وما ذاك لمجرد لفظ (لو) ، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية لكمال الإيمان، الفاتحة لعمل الشيطان، وأرشده إلى الإيمان بالقدر، والتفويض والتسليم للمشيئة، فهذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية. وقال شيخ الإسلام في معنى الحديث: لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي ﷺ =

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = بالحرص على النافع، والاستعانة بالله، والأمر يقتضي الوجوب وإلا فالاستحباب، ونهي عن العجز، وقال: " إن الله يلوم على العجز "١. فعلى العبد أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس ويأمر به، والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها، النافعة للعبد في معاشه ومعاده. وورد الأمر بالصبر والنهي عن العجز في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الإنسان بين أمرين: أمر أمر بفعله، فعليه أن يفعله ويحرص عليه، ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله، فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه. قال: والصبر واجب، والرضى درجة عالية، والإيمان بالقدر فرض، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٢. وليس العبد مأمورا أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٣. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ولما قال آدم لموسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة. حاجه لأن موسى قال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونها ذنبا، وأما كونه لأجل الذنب فليس مرادا له؛ فإن آدم قد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه بالاتفاق. وأما قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك "٤. ونحو ذلك فمستقبل، لا اعتراض فيه على قدر ولا كراهة فيه; لأنه إنما أخبر عن مراده فيما كان يفعل لولا المانع، وكذلك قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "٥. ونحوه فهو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عما هو في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور.

стр. 354

باب النهي عن سب الريح (١) عن أبي بن كعب ﵁ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسبوا الريح (٣) ، فإذا رأيتم ما تكرهون (٤) ــ (١) لكونها إنما تهب عن إيجاد الله لها وأمره إياها، فلا تأثير لها إلا بأمر الله، فمسبتها مسبة لله تعالى واعتراض عليه، وهو قدح في التوحيد. (٢) هو ابن قيس بن عبيد بن مريد بن معاوية بن النجار، أبو المنذر الأنصاري، سيد القراء، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، قال له النبي ﷺ : " ليهنك العلم أبا المنذر "١. وقال له: " أمرني ربي أن أقرأ عليك " ٢. وكان عمر يسميه سيد العرب. قيل: إنه مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان سنة ٣٠ هـ. (٣) أي لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها، فإنها خلق من خلق الله مقهور مدبر، وإنما تهب بمشيئة الله وقدرته، فلا يجوز سبها فيرجع السب إلى من خلقها وسخرها. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا: " الريح من روح الله، تأتي بالنعمة وبالعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها "٣." وروى الترمذي عن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي ﷺ فقال: " لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه ". (٤) أي من الريح إما شدة حرها أو بردها أو قوتها، فارجعوا إلى ربكم بالتوحيد.

стр. 355

فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها وشر ما أمرت به "١. صححه الترمذي (١) . ــ (١) أرشدهم ﷺ بالرجوع إلى خالقها وآمرها الذي أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها عن قضائه أن يسألوه خيرها وخير ما فيها، والاستعاذة به من شرها وشر ما فيها، فما استجلبت نعمه بمثل طاعته وشكره، ولا استدفعت نقمه بمثل الالتجاء إليه والتعوذ به والاضطرار إليه ودعائه. وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به "٢. فشرع الله لعباده أن يسألوه ما ينفعهم، ويستعيذوا به من شر ما يضرهم، ففيه عبودية الله وحده، والطاعة له، والإيمان به، واستدفاع الشرور به، والتعرض لفضله ونعمته، وهذه حال أهل التوحيد.
следующие страницы →