رأي الباحث:
أن الآية عَامَّة يُرَاد بها الْخُصُوص في حَق مَنْ سَبَق في عِلْم الله أنه لا يُؤمِن، كَأَبِي لَهَب، وقد أنْزَل الله فيه ما أنْزَل.
ومَن ذَكَر أمْثِلَة أو أشْخَاصًا بأعْيَانِهم، فهم لا يَخْرُجُون عن هذا القيد.
قال الشنقيطي: هذه الآية تَدُلّ بِظاهرها على عَدم إيمان الكُفَّار، وقد جاء في آيات أُخَر ما يَدُلّ على أن بعض الكفار يُؤمن بالله ورَسوله، كَقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، الآية [الأنفال: ٣٨]. وكَقوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٩٤] وكَقوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) [العنكبوت: ٤٧]. وَوَجْه الْجَمْع ظَاهِر وهو أنّ الآية مِنْ العَامّ الْمَخْصُوص؛ لأنه في خُصُوص الأشْقِياء الذين سَبَقَت لهم في عِلْم الله الشَّقَاوة، الْمُشَار إليهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) [يونس: ٩٦، ٩٧]. ويَدُلّ لهذا التَّخْصِيص قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية. وأجَاب البعض بأن الْمَعْنَى: لا يُؤمنون ما دَام الطَّبْع على قُلُوبهم وأسْمَاعِهم، والغِشاوة على أَبْصَارِهم، فإن أزَال الله عنهم ذلك بِفَضْلِه آمَنُوا (١).
المثال الثالث:
نِكاح الكتابية بين الجواز والْمَنْع:
قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: ٢٢١] مع قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥].
стр. 107
صورة التعارض:
الآية الأولى في تَحْرِيم نِكَاح الْمُشْرِكَات، والآية الثانية تُبيح نِكَاح الْمُحْصَنَات مِنْ نِساء أهْل الكِتَاب، مع كَونِهنّ مُشْرِكَات. وكان ابن عمر إذا سُئل عن نِكَاح النَّصْرانيَّة واليهودية قال: إن الله حَرّم الْمُشْرِكات على المؤمنين، ولا أعْلَم مِنْ الإشْراك شيئًا أكْبر مِنْ أن تَقول الْمَرْأة: رَبها عيسى. وهو عَبْدٌ مِنْ عِباد الله (١).
جَمْع القرطبي:
قال القرطبي في آية "البقرة":
اخْتَلَف العُلَماء في تَأويل هذه الآية؛ فقالت طَائفَة: حَرّم الله نِكَاح الْمُشْرِكَات في سورة البقرة، ثم نَسَخ مِنْ هذه الجملة نِساء أهل الكتاب فأحَلَّهن في سُورة المائدة، ورُوي هذا القول عن ابن عباس … وقال قتادة وسعيد بن جبير: لَفْظ الآية العُموم في كُلّ كَافِرة، والمرَاد بها الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات، وبَيَّنَتِ الْخُصُوص آية "المائدة"، ولم يَتناول العُموم قط الكِتابيات … وعلى القول الأول يَتَناوَلهن العُمُوم ثم نَسَخَتْ آية "المائدة" بعض العموم … وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذَهَب قَوم فَجَعَلُوا الآية التي في "البقرة" هي النَّاسِخَة، والتي في "المائدة" هي الْمَنْسُوخَة؛ فَحَرَّمُوا نِكاح كُل مُشْرِكة كِتابية أو غير كِتابية (٢).
ثم نقل عن النحّاس قوله: وهذا قول خارِج عن قول الجماعة الذين تَقُوم بهم الْحُجَّة؛ لأنه قد قال بِتَحْلِيل نِكَاح نِسَاء أهل الكِتَاب مِنْ الصَّحَابة والتابعين جَمَاعة … وفُقَهاء الأمْصَار عَلَيْه، وأيضًا فَيَمْتَنِع أن تَكون هذه الآية من سُورة "البَقَرة" نَاسِخَة للآية التي في سُورة "المائدة""؛ لأن "البقرة" مِنْ أوَّل ما نَزَل بالمدينة "والمائدة" مِنْ آخِر مَا نَزَل وإنما الآخِر يَنْسَخ الأول (٣). وأما حديث ابن عمر فلا حُجة فيه لأن ابن عمر ﵀
стр. 108
كان رَجُلًا مُتَوَقِّفًا، فلمَّا سَمع الآيتين في واحدة التَّحْلِيل، وفي أخْرى التَّحْرِيم، ولم يَبلغه النَّسْخ تَوقَّف، ولم يؤخذ عنه ذِكْر النَّسْخ، وإنما تُؤوِّل عليه، وليس يُؤخَذ الناسِخ والْمَنْسُوخ بالتأويل … وقال ابن عباس في بعض ما رُوي عنه: إن الآية عَامَّة في الوَثَنيات والْمَجُوسِيات والكِتَابِيَّات، وكلّ مَنْ على غَير الإسْلام - حَرَام؛ فَعَلَى هذا هي نَاسِخَة للآية التي في "المائدة".
ونَقَل القرطبي عن ابن المنذر قَوله: ولا يَصِحّ عن أحَد مِنْ الأوائل أنه حَرَّم ذلك.
وقال بعض العلماء: وأمّا الآيتان فلا تَعَارُض بينهما، فإن ظَاهِر لَفْظ الشِّرْك لا يَتَنَاول أهْل الكِتَاب، لقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البينة: ١] فَفَرَّق بينهم في اللفظ، وظَاهِر العَطْف يَقْتَضِي مُغَايرة بين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه، وأيضًا فَاسْمُ الشِّرْك عُمُوم وليس بِنَصّ، وقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلِكم وأسْلَمُوا، كقوله: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [آل عمران: ١٩٩] الآية، وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) [آل عمران: ١١٣] الآية.
قيل له: هذا خِلاف نَصّ الآية في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وخِلاف ما قَالَه الجمهور، فإنه لا يُشْكِل على أحَد جَواز التَّزْوِيج ممن أسْلَم وصَار مِنْ أعْيان الْمُسْلِمين. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) فَجَعَل العِلَّة في تَحْرِيم نِكَاحِهنّ الدُّعَاء إلى النَّار. والجواب أن ذلك عِلة لِقوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، لأن الْمُشْرِك يَدعو إلى النَّار، وهذه العِلَّة مُطَّرِدَة في جَميع الكُفَّار، فالْمُسْلِم خَير مِنْ الكافِر مُطْلَقًا، وهذا بَيِّن.
стр. 109
وأما نِكَاح أهْل الكِتَاب إذا كَانُوا حَرْبًا (١) فلا يَحِلّ، وسُئل ابن عباس عن ذلك، فقال: لا يَحِلّ، وتَلا قَول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (صَاغِرُون) [التوبة: ٢٩] … وكَرِه مالك تَزَوّج الْحَرْبِيَّات لِعِلَّة تَرْك الوَلَد في دار الحرْب، ولِتَصَرُّفِها في الْخَمْر والْخِنْزير (٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - تَحْرِيم نِكَاح الْمُشْرِكَات في أوّل الأمْر في سُورة البقرة ثم نُسِخ منه تَحْرِيم نِكَاح نِساء أهل الكِتاب، وذلك في سورة المائدة، وهذا مِنْ باب الْخُصُوص والعُمُوم.
فيكون لفظ آية "البقرة" العُمُوم ويُرَاد به الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات.
٢ - عَكْس القَول الأوّل؛ فَجَعلوا آية "المائدة" هي المنْسُوخَة، وآية "البقرة" هي النَّاسِخَة.
وهذا رَدَّه القرطبي مُعلِّلًا ردّه بِتَأخُّر نُزُول المائدة، وإنما الآخِر يَنْسَخ الأول.
٣ - للجَمْع بين الآيتين: فَرَّق بين إطلا لفظ "المشرِكين" ولفظ "أهل الكِتاب".
٤ - لفظ "الشِّرْك" عُمُوم وليس بِنَصّ، والآية في حِلّ نِساء أهْل الكِتاب نَصّ.
مُقارنة جوابه وجَمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
أطال ابن جرير النّفَس في تفسير آية "البقرة"، فَكَان مما قَاله: اخْتَلَف أهْل التَّأويل في هذه الآية هل نَزَلَتْ مُرَادًا بها كل مُشْرِكَة، أم مُرَاد بِحُكْمها بعض الْمُشْرِكات دُون بعض؟ وهل نُسِخ منها بَعد وُجُوب الْحُكم بها شَيء أم لا؟
стр. 110
فقال بعضهم: نَزَلَتْ مُرَادًا بها تَحْريم نِكَاح كُلّ مُشْرِكَة على كل مُسْلِم مِنْ أيّ (١) أجْنَاس الشِّرك؛ كانت عَابِدة وَثَن، أو كانت يَهودية، أو نَصرانية، أو مَجوسية، أو مِنْ غيرهم مِنْ أصْناف الشِّرك، ثم نُسِخ تَحْرِيم نِكَاح أهْل الكِتَاب بِقولِه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
وقال آخرون: بل أُنْزِلَتْ هذه الآية مُرَادًا بِحُكْمِها مُشْرِكَات العَرَب، لم يُنْسَخ منها شيء، ولم يُسْتَثْنَ، إنما هي آية عامٌّ ظَاهِرها، خَاصٌّ تأويلها.
وقال آخرون: بل أُنْزِلَت هذه الآية مُرَادًا بها كل مُشْرِكة من أي أصْناف الشِّرك كانت، غير مَخصوص منها مُشْركة دون مُشْرِكة، وثَنية كانت، أو مَجوسية، أو كِتابية، ولا نُسِخَ منها شيء.
ثم رجّح ابن جرير أنه لا نَسْخ، وأنّ الآيتين بَينهما عُمُوم وخُصُوص، فقال: وأوْلى هذه الأقْوال بِتأويل الآية مَا قَاله قَتادة مِنْ أنّ الله تعالى ذِكْرُه عَنَى بِقولِه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) مَنْ لم يكن مِنْ أهل الكِتاب مِنْ الْمُشْرِكات، وأنّ الآية عامٌّ ظاهرها، خَاصٌّ باطِنها، لم يُنْسَخ منها شيء، وأن نِسَاء أهْل الكِتاب غَير دَاخِلات فيها، وذلك أن الله تعالى ذِكْرُه أحَلَّ بِقَولِه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) للمؤمنين مِنْ نِكاح مُحْصَنَاتِهِنّ مثل الذي أبَاحَ لهم مِنْ نِسَاء المؤمِنَات (٢).
стр. 111
في حين اقْتَصَر البغوي على ذِكْر سَبب النُّزول، وعلى قولَه: وقِيل: الآية مَنْسُوخَة في حَقّ الكِتابيَّات، لِقولِه تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وبِخَبَرِ رسول الله ﷺ ، وبإجْمَاع الأمَّة (١).
ولم يَذْكُر السمرقندي في هذه الآية سِوى سَبَب النُّزول والْمَعْنَى العَامّ (٢).
أما السمعاني فَنَقل عن ابن عباس قوله: لا يَجُوز نِكَاح الكَوافِر أبَدًا إلى يوم القيامة بِحُكْم هذه الآية.
وقَرَّر السَّمْعاني أن "سَائر الْمُفَسِّرين والعُلَماء مِنْ الصَّحَابة وغيرهم على أنَّ الآية مَنْسُوخَة في الكِتابِيَّات بقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) " (٣).
وأما الزمخشري فيُفهَم مِنْ كَلامِه أنَّ الآية مُحْكَمَة لم يُنْسَخ منها شيء، وبأن آية "البقرة" في حقّ الْمُشْرِكَات الْحَرْبِيَّات. وعَضَد قَوْله بأنَّ "سُورة المائدة كُلها ثَابِتَة لم يُنْسَخ منها شَيء قَطّ" (٤).
ونَقَل ابن عطية عن قتادة وسعيد بن جبير قولهما: لَفْظ الآية العُمُوم في كُلّ كَافِرَة والْمُرَاد بها الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات. ثم قال: وبَيَّنَت الْخُصُوص آية "المائدة"، ولم يَتَنَاول قَطّ الكِتابيَّات.
كما نَقَل عن ابن عباس والحسن قولهما: تَنَاولَهنّ العُمُوم ثم نَسَخَت آية سُورة المائدة بَعض العُمُوم في الكِتَابيَّات.
стр. 112
ثم أورَد قول ابن عباس - في بعض ما رُوي عنه -: إن الآية عَامَّة في الوَثَنِيَّات والْمَجُوسِيَّات والكِتَابِيَّات، وكُلّ مَنْ كَان على غَير الإسْلام حَرَام.
ورجّح ابن عطية النَّسْخ، فقال: فَعَلى هذا هي نَاسِخَة للآية التي في سُورة المائدة.
ورُوي عن عُمر أنه فَرَّق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كِتَابِيَّتَين، وقالا: نُطَلِّق يا أمير المؤمنين ولا تَغْضَب! فقال: لو جَاز طَلاقكما لَجَاز نِكَاحَكما، ولكن أُفَرِّق بينكما صُغْرة قمأة (١).
ثم عَقّب عليه بِقولِه: وهذا لا يَسْتَنِد جَيِّدًا، وأسْنَد مِنه أنَّ عُمَر أرَاد التَّفْرِيق بَينهما، فقال له حُذيفة: أتَزْعُم أنها حَرَام؟ فأُخْلِي سَبيلها يا أمير المؤمنين. فقال: لا أزْعُم أنَّها حَرَام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوا المومِسَات مِنْهُنّ. ورُوي عن ابن عباس نحو هذا (٢).
أما الرازي فقال: واعْلَم أنَّ الْمُفَسِّرين اخْتَلَفُوا في أنّ هذه الآية ابْتِدَاء حُكْم وَشَرْع، أوْ هُو مُتَعَلِّق بِمَا تَقَدَّم؛ فالأكْثَرُون على أنه ابْتِدَاء شَرْع في بَيَان مَا يَحِلّ ويَحْرُم.
ثم قال: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَفْظ الْمُشْرِك هل يَتَنَاول الكُفَّار مِنْ أهْل الكِتَاب؟ فأنْكَر بعضهم ذلك، والأكْثَرُون مِنْ العُلَمَاء على أنَّ لَفْظ الْمُشْرِك يَنْدَرِج فيه الكُفَّار مِنْ أهْل الكِتَاب، وهو الْمُخْتَار، ويَدُلّ عليه وُجُوه - ثم ذَكَرَها - (٣).
كما قال: واحْتَجّ مَنْ أبَاه بأنَّ الله تعالى فَصَل بين أهْل الكِتَاب وبين الْمُشْرِكِين في الذِّكْر (٤).
стр. 113
وذلك يَدُلّ على أنَّ أهْل الكِتَاب لا يَدْخُلون تَحْت اسْم الْمُشْرِك (١).
وقال في تَفْسِير قَوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] ما نَصّه:
مِنْ النَّاس مَنْ قَال: إنه لا يَجُوز التَّزَوّج بالكِتَابيَّات ألبتة، واحْتَجُّوا بهذه الآيات فَقَالُوا: إنه تَعالى بَيَّن أنَّ عند العَجْز عن نِكَاح الْحُرَّة الْمُسْلِمَة يَتَعَيَّن له نِكَاح الأمَة الْمُسْلِمَة، ولو كان التَّزَوّج بالْحُرَّة الكِتَابيَّة جَائزًا لَكَان عند العَجْز عن الْحُرَّة الْمُسْلِمَة لم تَكُنْ الأمَة الْمُسْلِمَة مُتَعَيِّنَة، وذلك يَنْفِي دَلالة الآية، ثم أكَّدُوا هذه الدَّلالة بِقولِه تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، وقد بَيَّنَّا بالدَّلائل الكَثِيرَة في تَفْسير هذه الآية أنَّ الكِابية مُشْرِكَة (٢).
وخَلص إلى تَرْجِيح قَول الأكْثَرين مِنْ الأئمة الذين قَالُوا: إنه يَجُوز للرَّجُل أن يَتَزَوّج بالكِتَابِيَّة، وحُجّة الْجُمْهُور قوله تعالى في سورة المائدة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وسُورة المائدة كُلّها ثابِتة لم يُنْسَخ مِنها شَيء قَطّ (٣).
ونَفَى ابن جُزي التَّعارُض فَقَال: ولا تَعَارُض بَين هَذه الآية وبَين قَولِه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)؛ لأنَّ هَذه في الكِتَابِيَّات، والأخْرى في الْمُشْرِكَات. وقد جَعَلَ بَعض النَّاس هذه نَاسِخَة لِتِلْك، وقيل: بالعكس (٤).
ورَجَّح ابن كثير أنَّ آية "البقرة" عَامَّة مَخْصُوصَة بآية "المائدة"، فقال: هَذا تَحْرِيم مِنْ الله على الْمُؤْمنين أنْ يَتَزَوَّجُوا الْمُشْرِكَات من عَبَدَة الأوْثَان، ثم إنْ
стр. 114
كان عُمُومها مُرَادًا، وأنه يَدخل فيها كُلّ مُشْرِكَة مِنْ كِتَابِيَّة ووَثَنِيَّة، فَقَد خَصّ مِنْ ذلك نِسَاء أهْل الكِتَاب بِقولِه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).
وقيل: بل الْمُرَاد بذلك الْمُشْرِكُون مِنْ عَبَدة الأوْثَان، ولم يُرِد أهْل الكِتَاب بالكُلِّيَّة، والْمَعْنى قَرِيب مِنْ الأوَّل (١).
وقد تَزَوَّج جَمَاعة مِنْ الصَّحَابة مِنْ نِسَاء النَّصَارى ولم يَرَوا بذلك بَأسًا، أَخْذًا بِهَذِه الآية الكَرِيمة: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، فَجَعَلُوا هذه مُخَصِّصَة للتي في سورة البقرة: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، إن قِيل بِدُخُول الكِتَابِيَّات في عُمُومِها، وإلَّا فلا مُعَارَضَة بَينها وبَينها؛ لأن أهْل الكِتَاب قد انْفَصَلُوا في ذِكْرِهم عن الْمُشْرِكِين في غير مَوْضِع (٢).
في حين ذَكَر الثَّعَالبي ثَلاثَة أقْوَال اخْتَصَرها بقوله: قالتْ طَائفة: الْمُشْرِكَات هُنا مَنْ يُشْرِك مَع الله إلَهًا آخَر.
وقال قتادة وابن جبير: الآية عَامَّة في كُلّ كَافِرة، وخَصَّصَتْها آية "المائدة"، لم يَتَنَاول العُمُوم قَطّ الكِتَابِيَّات.
وقال ابن عباس والحسن: تَنَاوَلهن العُمُوم، ثم نَسَخَتْ آية المائدة بَعضَ العُمُوم في الكِتَابِيَّات (٣).
ونَقَل القاسمي قَول ابن كثير، وأشَار إلى تَفصيل الرَّازي ثم قال: والتَّحْقِيق أنَّ الْمُشْرِك لا يَتَنَاول الكِتَابِيّ، لأنَّ آيات القُرآن صَرِيحَة في التَّفْرِقة بينهما، وعَطْف أحدِهِما
стр. 115
على الآخَر في مثل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [البينة: ٦]، وسِرّ ذلك أنَّ الْمُشْرِك هو مَنْ يَتَدَيَّن بالشِّرك، أي يَكُون أصْل دِينه الإشْراك، والكِتَابي - وإنْ طَرَأ في دِينه الشِّرْك - فلم يَكن مِنْ أصْله وجَوهَرِه (١).
رأي الباحث:
١ - آية "البقرة" جَاءت في تَحريم نِكَاح الْمُشْرِكَات، وهي عَامَّة.
٢ - آية "المائدة" جَاءت في جَواز نِكَاح الكِتَابِيَّات الْمُحْصَنَات.
فلا تَعَارُض بين الآيات، فالآية الأولى عامّة في كل كافِرة ومُشْرِكة، والثانية مُخصِّصَة للكِتابِيَّات.
قال الشنقيطي:
قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الآية، هذه الآية تَدُلّ بِظَاهِرِها على تَحْرِيم نِكَاح كُلّ كَافِرَة، ويَدُلّ لِذلك أيضًا قَوله تَعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، وقد جَاءت آية أُخْرى تَدُلّ على جَواز نِكَاح بَعض الكَافِرَات؛ وهُنّ الْحَرَائر الكِتَابِيَّات، وهي قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).
والجواب: أن هذه الآية الكَرِيمة تُخَصِّص قَوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، أي: مَا لَمْ يَكُنَّ كِتَابِيَّات، بِدَلِيل قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وحَكَى ابن جرير الإجْماع على هذا، وأمَّا مَا رُوي عن عُمر مِنْ إنْكَارِه على طلحة تَزويج يَهودية، وعلى حُذيفة
стр. 116
تَزويج نَصرانية؛ فإنه إنّمَا كَرِهَ نِكَاح الكِتَابِيَّات لئلا يَزْهَد النَّاس في الْمُسْلِمَات، أوْ لِغير ذلك مِنْ الْمَعَاني، قاله ابن جرير (١).
ولِمعنى آخر، وهو خَشْية عُمر تَعَاطِي البَغَايا مِنْهُنّ، وقد تَقَدَّم هذا الْمَعْنَى.
المثال الرابع:
عِدَد الْمُطَلَّقَات:
قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] مع قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: ٤٩] وقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].
صورة التعارض:
قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، هَذه الآية الكَرِيمة تَدُلّ بِظَاهِرِها على أنَّ كُلّ مُطَلَّقَة تَعْتَدّ بالأقْرَاء، وقد جَاء في آيات أُخَر أنَّ بعض الْمُطَلَّقَات يَعْتَدّ بِغير الأقْرَاء؛ كالعَجَائز والصَّغائر الْمَنْصُوص عليها بِقولِه: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) إلى قوله: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)، وكالْحَوامِل الْمَنْصُوص عليها بِقولِه: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٢).
جمع القرطبي:
قال القرطبي: والْمُطَلَّقَات لَفْظُ عُمُوم، والْمُرَاد به الْخُصُوص في الْمَدْخُول بِهِنّ، وخَرَجَتِ المطَلَّقَة قَبْل البِنَاء بآية الأحْزاب: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)، وكذلك
стр. 117
الْحَامِل بِقولِه: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، والْمَقْصُود مِنْ الأقْرَاء الاسْتِبْرَاء، بِخِلاف عِدَّة الوَفَاة التي هي عِبادَة، وجَعَل الله عِدّة الصَّغِيرة التي لم تَحِض والكبيرة التي قد يَئِسَتْ: الشُّهور. وقال قَوم: إنَّ العُمُوم في الْمُطَلَّقَات يَتناول هؤلاء ثم نُسِخْنَ، وهو ضَعيف، وإنما الآية فيمن تَحِيض خَاصَّة، وهو عُرْف النِّسَاء، وعليه مُعْظَمُهنّ (١).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - الْمُطَلَّقَات لَفْظ عَام، ويُرَاد به في هذه الآية الْخُصُوص في الْمَدْخُول بهن.
٢ - أن الآيسَة والصَّغيرة والْحَامِل والْمُتَوفَّى عنها زوجها غير دَاخِلة في آية "البقرة".
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال ابن جرير: القَول في تأويل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) يَعني تعالى ذِكْرُه: والْمُطَلَّقَات اللواتي طُلِّقْنَ بعد ابْتِنَاء أزْوَاجِهن بهن وإفْضَائهم إليهن إذا كُنَّ ذَوات حَيض وطُهْر؛ يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهنَّ عن نِكَاح الأزْواج ثَلاثة قُرُوء (٢).
وأورَدَ البَغوي أنْواع العِدَد، فقال: وجُمْلَة الْحُكْم في العِدَد أنَّ الْمَرْأة إذا كانت حَامِلًا فَعِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينها وبَين الزَّوج بالطَّلاق أو بِالْمَوت، لِقوله تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
فإن لم تكن حَامِلا نُظِر إن وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينهما بِمَوت الزَّوج، فَعَلَيها أنْ تَعْتَدّ بأرْبعة أشْهر وعَشْر، سَواء مَات الزَّوج قَبْل الدّخُول أو بَعْدَه، وسَواء كَانَتِ الْمَرْأة
стр. 118
مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، لِقول الله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
وإن وَقَعَتِ الفُرْقَة بَينهما بالطَّلاق في الْحَياة نُظِر إنْ كان قَبْل الدّخُول بها فلا عِدَّة عليها، لِقول الله تعالى: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)، وإنْ كان بَعْد الدُّخُول نُظِر إن كانت الْمَرْأة لم تَحِض قَطّ، أوْ بَلَغَتْ في الكِبَر سِنّ الآيسَات؛ فَعِدّتُها ثَلاثة أشْهر، لِقول الله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)، وإن كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيض فَعِدَّتُها ثَلاثة أقْرؤ، لِقولِه تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) (١).
ثم قال: وهذا كُلّه في عِدَّة الطَّلاق، أمَّا الْمُتَوفَّى عنها زَوجُها فَعِدّتُها أرْبَعة أشهر وعشر، سَواء كَانت مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، وأمَّا الْحَامِل فَعِدّتُها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء طَلَّقَها زَوجُها، أوْ مَات عنها، لِقوله تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٢).
وقال الزمخشري: والْمُطَلَّقَات: أرَاد الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَواتِ الأقْرَاء. فإن قُلْت: كيف جَازَتْ إرَادَتهن خَاصَّة، واللفْظ يَقْتَضِي العُمُوم؟ قُلْت: بل اللفظ مُطْلَق في تَنَاول الْجِنْس، صَالِح لِكُلِّه وبَعْضِه، فَجَاء في أحَدِ مَا يَصْلُح له كَالاسْمِ الْمُشْتَرَك. فإن قُلْت: فما مَعْنى الإخْبَار عَنْهُنّ بالتَّربُّص؟ قُلْت: هوَ خِبْر في مَعْنى الأمْر، وأصْل الكَلام: لِيَتَرَبَّص الْمُطَلَّقَات. وإخْرَاج الأمْر في صُورة الْخَبَر تَأكِيد للأمْر، وإشْعَار بأنه مِمَّا يَجب أن يُتَلَقَّى بِالْمُسَارَعَة إلى امْتِثَالِه.
стр. 119
وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)، فَأقَام الأشْهُر مَقَام الْحَيض دُون الأطْهَار، ولأنَّ الغَرَض الأصِيل في العِدَّة اسْتِبْرَاء الرَّحِم، والْحَيض هو الذي تُسْتَبْرَأ بِه الأرْحَام دُون الطُّهْر (١).
وصرّح ابن عطية بأنَّ آية "الأحزاب" خَصَّصَت آيتي "البقرة" و"الطلاق"، فقال في آية الأحزاب: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا):
وهذه الآية خَصَّصَتْ آيَتَين: إحْدَاهما: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فَخَصَّصَتْ هذه الآية مَنْ لم يُدْخَل بها، وكذلك خَصَّصَت مِنْ ذَواتِ الثَّلاثة الأشْهُر، وهُنّ مَنْ قَعَدْنَ عن الْمَحِيض، ومَن لَم يَحِضْن مِنْ صِغَر (٢).
وعقد ابن الجوزي فَصْلًا قال فيه: اخْتَلَف العُلَمَاء في هذه الآية هَلْ تَدْخُل في الآيات الْمَنْسُوخَات أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها تَدْخُل في ذلك.
والقول الثاني: أن الآية كُلّها مُحْكَمة؛ فأوَّلها عَامّ، والآيات الوَارِدَة في العِدَد خَصَّتْ ذلك مِنْ العُمُوم، وليس بِنَسْخ (٣).
وأطال الرازي النَّفس في هذه الآية، وما يَتَعَلَّق بها مِنْ أحْكَام، فكان مما قَالَه عن الْمَدْخُول بها:
стр. 120
فهي إمَّا أنْ تَكون حَائلًا أو حَامِلًا؛ فإن كانت حَامِلًا فَعِدَّتُها بِوضْع الْحَمْل لا بالأقْرَاء، قال الله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، وأمَّا إنْ كَانت حَائلًا، فأمَّا أن يَكون الْحَيض مُمْكِنًا في حَقِّها، أوْ لا يَكُون، فإن امْتَنَع الْحَيض في حَقِّها إمَّا للصِّغَر الْمُفْرط، أو للكِبَر الْمُفْرِط، كَانَتْ عِدَّتُها بالأشْهُر لا بالأقْرَاء، قال الله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ)، وأمَّا إذا كَان الْحَيْض في حَقِّها مُمْكِنًا، فإمَّا أنْ تَكون رَقِيقَة، وإما أنْ تَكُون حُرّة .... أمَّا إذا كَانَتْ الْمَرْأة مَنْكُوحَة، وكانَت مُطَلَّقة بَعد الدُّخُول، وكَانت حَائلًا، وكَانَت مِنْ ذَوات الْحَيض، وكَانت حُرّة، فَعِنْد اجْتِمَاع هذه الصِّفَات كانت عِدَّتها بالأقْراء الثَّلاثة، على مَا بَيَّن الله حُكْمَها في هذه الآية.
ثم بيَّن أن:
غير الْمَدْخُول بها تُخْرِجُها القَرينَة؛ لأنَّ الْمَقْصُود مِنْ العِدّة بَرَاءة الرَّحِم، والْحَاجَة إلى البَرَاءة لا تَحْصُل إلَّا عِند سَبْق الشّغْل، وأمَّا الْحَامِل والآيسَة فَهُما خَارِجَتَان عن اللفْظ، لأن إيجَاب الاعْتِدَاد بالأقْرَاء إنّمَا يَكُون حَيث تَحْصُل الأقْرَاء، وهَذان القِسْمَان لم تَحْصُل الأقْرَاء في حَقِّهما، وأمَّا الرَّقِيقَة (١) فَتَزْويجها كالنَّادِر؛ فَثَبَتَ أنَّ الأعَمّ الأغْلَب بَاقٍ تَحْت هذا العُمُوم (٢).
وبَيَّنَ ابنُ كَثير ما خَرَج عن عُمُوم قَولِه تَعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) فقال: هَذا أمْر مِنْ الله للمُطَلَّقَات الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَوات الأقْرَاء، بأنْ يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهِنّ ثَلاثة قُرُوء، أي: بأن تَمْكُث إحْدَاهُنّ بَعد طَلاق زَوجِها لها ثَلاثة قُرُوء ثم تَتَزَوَّج إنْ شَاءت، وقَد أخْرَج الأئمة الأرْبَعة مِنْ هَذا العُمُوم الأمَة إذا طُلِّقَتْ، فإنها
стр. 121
تَعْتَدّ عِندهم بِقُرْءين، لأنها على النّصْف مِنْ الْحُرَّة، والقُرْء لا يَتَبَعَّض، فَكَمُل لها قُرْءان (١).
وقال القاسمي في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ): هَذا أمْر للْمُطَلَّقات بأن يَتَرَبَّصْن بأنْفُسِهِنَّ ثَلاثة قُرُوء، أي: بأن تَمْكُث إحْدَاهن بَعد طِلاق زَوجِها لها ثَلاثة قُروء، ثم تَتَزَوَّج إن شَاءت (٢)، وأُريد بالْمُطَلَّقَات: الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَوات الأقْرَاء، لِما دَلَّتْ الآيات والأخْبَار أنَّ حُكْم غَيرهن خِلاف ما ذُكِر.
أمَّا غَيْر الْمَدْخُولَة فلا عِدَّة عَليها، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ)، وأمَّا التي لم تَحِض فَعِدَّتها ثَلاثة أشْهُر، لِقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)
وأمَّا الْحَامِل فَعِدَّتها وَضْع الْحَمْل، لقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) فَهذه الآية مِنْ العَامِّ الْمَخْصُوص (٣).
رأي الباحث:
آية "البقرة" في الْمُطَلَّقَات الْمَدْخُول بِهِنّ مِنْ ذَواتِ الأقْرَاء، ولَيْسَتْ عَامَّة في كُلّ مُطَلَّقَة، فَقد جَاءت آيات أُخْرى في الْمُطَلَّقَات مِنْ غَير ذَوات الأقْرَاء. وهذه الآية لَفْظُها عَامّ إلَّا أنه يُرَاد به الْخُصُوص.
стр. 122
قال الشنقيطي:
قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن كل مطلقة تعتد بالأقراء، وقد جاء في آيات أُخر أن بعض المطلقات يعتد بغير الأقراء؛ كالعجائز والصغائر المنصوص عليها بقوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) إلى قوله: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)، وكالحوامل المنصوص عليها بقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، على أنه جاء في آية أخرى أن بعض المطلقات لا عدة عليهن أصلا، وهن المطلقات قبل الدخول، وهي قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّنَهَا) الآية.
والجواب عن هذا ظاهر، وهو: أن آية المطلقات عامة، وهذه الآيات المذكورة أخص منها، فهي مُخَصِّصَة لها، فهي إذًا من العام المخصوص (١).
المثال الخامس:
عدة المتوفى عنها زوجها:
قوله تعالى: (وَالًّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] مع قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: ٤].
صورة التعارض:
أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، بينما في الآية الثانية أن أجل الحوامل إلى وضع الحمل من غير تحديد بمدة معينة.
стр. 123
جَمْع القرطبي:
قال القرطبي في آية "البقرة":
هذه الآية في عِدَّة المتوفَّى عنها زَوجها، وظَاهِرها العُمُوم ومَعْنَاها الْخُصُوص.
وحَكى المهدوي عن بَعض العُلَماء أنَّ الآية تَنَاولَت الْحَوامِل ثم نُسِخَ ذلك بقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١).
ثم ذَكَر الخِلاف في عِدّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عنها زَوجُها، فقال: عِدَّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها وَضْع حَمْلِها عند جُمْهُور العُلَماء. ورُوي عن علي بن أبي طالب وابن عباس (٢) أنَّ تَمَام عِدّتِها آخِر الأجْلَين … وقد روي عن ابن عباس أنه رَجَع عن هذا. والْحُجَّة لِمَا رُوي عن علي وابن عباس رَوْم (٣) الْجَمْع بَين قَولِه تَعَالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) وبين قَوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، وذلك أنَّها إذا قَعَدَتْ أقْصَى الأجَلَين فَقَد عَمِلَتْ بِمُقْتَضَى الآيتين، وإنْ اعْتَدَّتْ بِوَضْع الْحَمْل فَقَد تَرَكَتِ العَمَل بآية عِدَّة الوَفَاة، والْجَمْع أوْلى مِنْ التَّرْجِيح باتِّفَاق أهْل الأصُول، وهذا نَظَر حَسَن لَولا مَا يُعَكِّر عليه مِنْ حَديث سُبيعة الأسلمية، وأنَّها نُفِسَتْ (٤) بَعْد وَفَاة زَوجها بِلَيَال، وأنَّها ذَكَرَتْ ذلك لِرَسُولِ الله ﷺ فأمَرَها أنْ تَتَزَوَّج. أخْرَجه في الصَّحِيح (٥)، فَبَيَّنَ الْحَدِيث أنَّ قَولَه تعالى:
стр. 124
(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) مَحْمُول على عُمُومِه في الْمُطَلَّقَات والْمُتَوفَّى عَنهن أزْواجهن، وأنَّ عِدّة الوَفَاة مُخْتَصَّة بالْحَائل مِنْ الصِّنْفَيْن (١).
ثم ذَكَر خُلاصَة القَول، فَقال: وقَد أجْمَع الْجَمِيع بِلا خِلاف بَينهم أنَّ رَجُلًا لَو تُوفِّي وتَرَك امْرَأة حَامِلًا فانْقَضَتْ أرْبَعة أشْهر وعَشر، أنها لا تَحِلّ حتى تَلِد، فَعُلِم أنَّ الْمَقْصُود الوِلادَة (٢).
وقال في تَفْسِير سُورة الطَّلاق مَا نَصّه: وَضْعِ الْحَمْل - وإن كان ظَاهِرًا في الْمُطَلَّقَة، لأنه عليها عُطِف وإليها رَجَع عَقب الكَلام - فإنه في الْمُتَوفَّى عنها زَوجها كذلك، لِعُمُوم الآية، وحَدِيث سُبَيْعَة (٣).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - أن ظَاهِر الآية العُمُوم في كُلّ مُعتدَّة عِدَّة وَفَاة، ومَعْنَاها الْخُصُوص في غير الْحَوامِل.
٢ - أنه وَرَد الْخِلاف عن بعض الصحابة، والْحُجَّة لِذلك هو قَصْد الْجَمْع بَين الآيتين، والْجَمْع بَين الآيَتَين، أنَّ آية "البقرة" في غَيْر الْحَوامِل، وآية "الطَّلاق" في الْحَوامِل.
٣ - أنَّ الْحَامِل لَو مَرَّ عليها أربعة أشهر وعشر، لا تَحِلّ حتى تَلِد.
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال ابن جرير: وأمَّا قوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأُنْفُسِهِنَّ) [البقرة: ٢٣٤] فإنَّه يَعْني بِه يَحْتَبِسْن بأنْفُسِهِنّ مُعْتَدَّات عَنْ الأزْوَاج والطِّيب والزِّينة والنُّقْلَة عن الْمَسْكَن الذي كُنَّ يَسْكُنَّه في
стр. 125
حَياة أزْوَاجِهن، أرْبعة أشْهر وعَشرا، إلَّا أن يَكُنّ حَوامِل، فَيَكُون عَليهن مِنْ التَّرَبّص كَذلك إلى حِين وَضْع حَمْلِهن، فإذا وَضَعْن حَمْلَهُن انْقَضَت عِدَدهن حِينئذ (١).
وقال السمعاني: وقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) هذا الْحُكْم مُتَّفَق عليه في الْمُطَلَّقَات الْحَوامِل، فأمَّا المتوفَّى عنها زَوجها [فقد] (٢) اخْتَلَف الصَّحَابة في ذلك، فقال علي وابن عباس: إنّ عِدّتها أبْعَد الأجَلَين. وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة: إنّ عِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، وهذا هو القَول الْمُخْتَار (٣).
وأوْجَز الثعلبي وأوْضَح أنَّ: عِدَّة الْمُتَوفَّى عنها زَوجها ضَرْبَان: إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدّتها أنْ تَضَع حَمْلها، وإلَّا فَعِدّتها أرْبَعة أشْهُر وعَشرة (٤).
وقال في التَّرَبُّص: إلَّا أن يَكُنْ حَوامِل فَيَتَرَبَّصْن إلى أنْ يَضَعْن حَمْلَهن، فإذا وَلَدْن انْقَضَتْ عِدّتُهنّ (٥).
وقال في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ): في الْمُطَلَّقَات والْمُتَوفَّى عنهن أزْواجُهنّ (٦).
وقال البغوي: وجُمْلَة الْحُكم في العِدَد أنّ الْمَرْأة إذا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء وَقَعَتِ الفُرْقَة بينها وبين الزّوج بالطَّلاق أوْ بِالْمَوت، لِقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٧).
стр. 126
كما قال في تَفسير سُورة الطلاق: أمَّا الْمُتَوفَّى عنها زَوجها فَعِدَّتها أرْبعة أشْهر وعَشر، سَواء كانَت مِمَّنْ تَحِيض أوْ لا تَحِيض، وأمَّا الْحَامِل فَعِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل، سَواء طَلَّقَها زَوجها، أوْ مَاتَ عنها، لقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (١).
في حين قال ابن الجوزي في آية "البقرة": فأمَّا التي نَحن في تَفْسِيرها فقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتها (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، والصَّحِيح أنها عَامَّة دَخَلَها التَّخْصِيص؛ لأنَّ ظَاهِرَها يَقْتَضِي وُجُوب العِدَّة على الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها أرْبعة أشْهر وعَشرا، سَواء كانت حَامِلًا أوْ غَير حَامِل، غَيْر أنَّ قَوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) خَصّ أوْلات الْحَمْل، وهي خَاصَّة أيضًا في الْحَرَائر، فإنَّ الأمَة عِدّتها شَهْرَان وخَمْسَة أيَّام؛ فَبَان أَنَّها مِنْ العَامِّ الذي دَخَلَه التَّخْصِيص (٢).
وهذا الذي قَالَه القُرْطُبي قَال بِه مِنْ قَبله ابن عطية، فإنه قال ما نَصّه: وهذه الآية هي في عِدَّة الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها، وظَاهِرُها العُمُوم ومَعْنَاها الْخُصُوص في الْحَرَائر غَير الْحَوامِل، ولم تَعْنِ الآية لِمَا يَشِذّ مِنْ مُرْتَابَة ونحوها.
قال: وحَكَى الْمَهْدَوي عن بَعض العُلَمَاء أنَّ الآية تَنَاوَلَتِ الْحَوامِل ثم نُسِخ ذلك بِقَولِه: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، وعِدَّة الْحَامِل وَضْع حَمْلها عند جُمْهُور العُلَمَاء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما أنَّ تَمَام عِدَّتِها آخِر الأجَلين (٣).
стр. 127
وبِقَول ابن عطية والقُرطبي قال ابن جُزي أيضًا، فإنه قال: الآية عُمُوم في كُلّ مُتَوفَّى عنها، سَواء تُوفِّي زَوجها قَبْل الدّخُول أوْ بَعْدَه إلَّا الْحَامِل فَعِدَّتُها وَضْع حَمْلها، سَواء وَضَعَتْه قَبْل الأَرْبَعة الأشْهر والعَشْر أو بَعْدَها؛ عند مالك والشافعي وجُمْهُور العُلَمَاء. وقال علي بن أبي طالب: عِدّتُها أبْعَد الأجَلَين (١).
وقال ابن كثير: وهذا الْحُكْم يَشْمَل الزَّوجَات الْمَدْخُول بِهِنّ وغَير الْمَدْخُول بِهِنّ بالإجْمَاع … ولا يَخْرُج مِنْ ذَلك إلَّا المُتَوفَّى عَنها زَوجها وهي حَامِل، فإنَّ عِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل، ولو لَمْ تَمْكُث بَعْده سِوى لَحْظَة، لِعُمُوم قوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ). وكان ابن عباس يَرى أنَّ عَليها أن تَتَرَبَّص بأبْعَد الأجَلَين مِنْ الوَضْع، أو أرْبَعة أشْهر وعَشر للجَمْع بَين الآيَتين، وهذا مأخَذ جَيِّد ومَسْلَك قَوي، لولا مَا ثَبَتَتْ بِه السُّنَّة في حَديث سُبَيْعة الأسلمية الْمُخَرَّج في الصحيحين (٢).
وقال في تَفْسِير سُورة الطَّلاق: وقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) يقول تعالى: ومَن كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتها بِوَضْعِه ولو كَان بَعْد الطَّلاق أوْ الْمَوت بِفَوَاق نَاقَة (٣) في قَول جُمْهُور العُلَمَاء مِنْ السَّلَف والْخَلَف، كما هو نَصّ هذه الآية الكريمة، وكما وَرَدَتْ به السُّنَّة النَّبَويَّة (٤).
وقال الثعالبي في قَوله تعَالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ): وهو لَفْظ يَعُمّ الْحَوامِل الْمُطَلَّقَات والْمُعْتَدَّات مِنْ الوَفَاة (٥).
стр. 128
وممن قال بِتَخْصِيص الْحَامِل مِنْ عُمُوم الآية: القاسمي، فإنه قَال في آية "البقرة" ما نَصّه: خُصّ مِنْ عُمُوم الآية الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنها زَوجها، فإنَّ عِدَّتها بِوَضْع الْحَمْل لِقَولِه تَعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، ولِمَا في الصَّحِيحَين (١) عَنْ سُبَيعَة الأسْلَمِية (٢).
رأي الباحث:
لَفْظ آية "البقرة عَامّ يُرَاد بِه الْخُصُوص في الْمُطَلَّقَات ذَوَاتِ الأقْرَاء، وخُصَّ مِنه الْحَامِل، فإنَّها تَعْتَدّ بِوَضْعِ الْحَمْل، سواء كانت مُطلّقة أو مُعْتَدة عِدّة وفاة.
فآية "البقرة" عَامَّة، وآية "الطَّلاق" خَاصَّة، والعَامَّ يُحْمَل على الْخَاصَّ، فلا تَعَارُض بَين الآيَات.
وقد دَلَّتِ السُّنَّة على ذلك.
قالت سُبيعة: جَمَعْتُ عَليّ ثِيابي حِين أمْسَيْتُ فَأتَيتُ رسول الله ﷺ فَسَألْتُه عن ذلك، فأفْتَانِي بأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِين وَضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَنِي بالتَّزَوّج إنْ بَدَا لي. قال ابن شهاب: فلا أرَى بأسًا أنْ تَتَزَوَّج حِين وَضَعَتْ، وإنْ كَانَتْ في دَمِها غَير أنْ لا يَقْرَبها زَوجها حَتى تَطْهُر (٣).
وهذا الْحُكم وإن كان في خُصوص الْمُتوفَّى عنها زوجها، إلَّا أنه عام في كلّ حامل، فتَعْتَدّ بِوضْع حَمْلها، "ولا خِلاف في ذلك إلَّا ما رُوي عن علي وابن عباس في الْمُتَوفَّى عنها زوجها أنه لا يُبْرأها مِنْ عِدّتها إلَّا آخر الأجلين. وقالت به فِرقة ليست مَعدودة في أهل السنة" (٤).
стр. 129
المبحث الثالث: من خلال القول بالتقديم والتأخير
التَّقْدِيم والتَّأخِير "هُو أحَدُ أسَالِيب البَلاغَة؛ فَإنَّهُم أتَوا بِه دَلالة عَلى تَمَكُّنِهم في الفَصَاحَة، ومَلَكَتِهم في الكَلام وانْقِيادِه لهم. ولَه في القُلُوب أحْسَن مَوقِع، وأعْذَب مَذَاق" (١).
و "هو بَاب كَثير الفَوائد، جَمّ الْمَحَاسِن، واسِع التَّصَرَّف، بَعِيد الغَاية لا يَزال يَفتر لك عن بَدِيعَة، ويُفْضِي بك إلى لَطِيفة، ولا تَزال تَرى شِعْرًا يَرَوقُك مَسْمَعه، ويَلْطُف لَدَيك مَوقِعه، ثم تَنْظُر فَتَجِد سَبَب أنْ رَاقَكَ ولَطُفَ عندك أن قُدِّم فيه شيء وحُوِّل اللفظ عن مَكَان إلى مَكَان" (٢).
ولقد خَاطَب الله "العَرَب بِلُغَتِها ومَا تَعْرِف مِنْ أفَانِين خِطَابها ومُحَاوَرَتها، فَلَمَّا كَانَ فَنّ مِنْ كَلامِهم مَبْنِيًّا على تَقْدِيم الْمُؤخَّر وتأخِير الْمُقَدَّم؛ خُوطِبُوا بِهَذا الْمَعْنَى في كِتَابِ الله تَعالى، الذي لو فَقَدُوه مِنْ القُرآن لَقَالُوا مَا بَاله عَرِي مِنْ هَذا البَاب الْمَوْجُود في كَلامِنا الْمُسْتَحْلَى مِنْ نِظَامِنا" (٣).
والقاعِدَة في التَّقْدِيم والتَّأخِير: "أنَّ كُلّ فِعْلَين تَقَارَبا في الْمَعْنَى جَاز تَقْدِيم أيهما شِئت" (٤).
وسَبَب التَّقْدِيم والتَّأخِير "إمَّا لِكَون السِّيَاق في كُلّ مَوْضِع يَقْتَضِي مَا وَقَع … وإمَّا لِقَصْد البَدَاءة بِه والْخَتْم بِه للاعْتِنَاء بِشَأنِه .... وإمَّا لِقَصْد التَّفَنُّن في الفَصَاحَة، وإخْرَاج الكَلام عَلى عِدَّة أسَالِيب" (٥).
стр. 130
والتَّقْدِيم والتَّأخِير قِسْمَان:
الأوَّل: ما أشْكَل مَعْنَاه بِحَسب الظَّاهِر، فَلَمّا عُرِف أنه مِنْ بَاب التَّأخِير والتَّقْدِيم اتّضَح.
وقد تَعَرَّض السَّلَف لِذلك في آيات، فأخْرَج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [التوبة: ٥٥] قال: هذا مِنْ تَقَادِيم الكَلام، يَقول: لا تُعجِبك أمْوالهم ولا أوْلادهم في الْحَياة الدُّنيا، إنما يُرِيد الله ليُعذِّبَهم بها في الآخِرَة.
الثاني: ما لَيْس كَذلِك. وقد ألَّف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كِتَابه "المقدِّمَة في سِرّ الألْفَاظ الْمُتَقَدِّمة" (١)، قال فيه: الْحِكْمَة الشَّائعَة الذَّائعَة في ذَلك الاهْتِمَام كما قال سِيبَويه في كِتَابِه، كأنَّهم يُقدِّمون الذي بَيَانه أهَمّ، وهُم بِبَيَانِه أعْنَى (٢)
أمَّا أسْبَاب التَّقْدِيم والتَّأخِير فَيَرَى ابن الصَّائغ أنها تَدُور عَلى عَشَرة أسْبَاب:
١ - التَّبَرُّك، كَتَقْدِيم اسْم الله في الأمُور ذَوات الشَّأن.
٢ - التَّعظِيم.
٣ - التَّشْرِيف.
٤ - الْمُنَاسَبَة؛ وهي إمَّا مُنَاسَبة الْمُتَقَدِّم لِسِيَاق الكَلام، وإمَّا مُنَاسَبَة لَفْظ هو مِنْ التَّقدّم أو التَّأخُّر.
٥ - الْحَثّ عليه والْحَضّ على القِيام بِه حَذَرًا مِنْ التَّهَاون به، كَتَقْدِيم الوَصِيَّة على الدَّين.
٦ - السَّبْق، وهو إمَّا في الزَّمَان باعْتِبَار الإيجاد، كَتَقْدِيم الليل على النَّهار، والظُّلُمَات على النُّور، وآدَم على نُوح … أَوْ باعْتِبَار الإنْزَال، أو بِاعْتِبَار الوُجُوب والتَّكْلِيف، أو بالذَّات.
стр. 131
٧ - السَّبَبِيَّة؛ كَتَقْدِيم "العَزِيز" عَلى "الْحَكِيم"، لأنه عَزَّ فَحَكَم. و"العليم" عليه (١) لأن الإحْكَام والإتْقَان نَاشِئ عَنْ العِلْم. وأمَّا تَقْدِيم "الْحَكِيم" عليه في سورة الأنْعَام؛ فلأنَّه مَقَام تَشْرِيع الأحْكَام.
٨ - الكَثْرَة. قِيل: ولهذا قُدِّم السَّارِق على السَّارِقة؛ لأن السَّرِقة في الذُّكُور أكْثَر. والزَّانِيَة على الزَّاني؛ لأنَّ الزِّنا فيهن أكْثَر.
ومنه تَقْدِيم الرَّحْمَة على العَذَاب، حيث وَقَع في القُرآن غَالبًا.
٩ - التَّرَقِّي مِنْ الأدْنى إلى الأعْلَى، ومِن هَذا النَّوع تَأخِير الأبْلَغ، وقد خُرِّج عليه تَقْدِيم "الرَّحمن" عَلى "الرَّحيم"، و"الرَّءوف" على "الرَّحيم"، و"الرَّسُول" على "النبيّ".
١٠ - التَّدَلِّي مِنْ الأعْلى إلى الأدْنى.
"هذا مَا ذَكَره ابن الصَّائغ، وزَاد غَيره أسْبابًا أُخَر؛ مِنها كَوْنه أدَلّ عَلى القُدْرَة وأعْجَب .... ومنها رِعَاية الفَواصِل" (٢).
وأمَّا أنْواعُه فـ "إمَّا أنْ يُقَدَّم والْمَعْنَى عَلَيه، أو يُقَدَّم وهو في الْمَعْنَى مُؤَخَّر، أو بالعَكْس" (٣).
ومِن أمْثِلَة دَفْع تَوَهّم التَّعَارُض بِالقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير عند القرطبي ما يلي:
стр. 132
المثال الأول:
الْمَلَكين بِبابِل:
قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) [البقرة: ١٠٢] مع قوله تعالى في الآية نفسها: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ومع قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) [الإسراء: ٩٥] ومع قوله تعالى عن الملائكة: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: ٢٦، ٢٧].
صورة التعارض:
وَصْف السِّحْر بأنه كُفْر، وأنَّ الشَّياطِين هي التي تُعلِّمه، ثم وَصْفُه بأنه مِمَّا أُنْزِل على الْمَلَكَين، مَع كَون الملائكة عِبَاد مُكْرَمُون، وهُم مِنْ العَالَم العُلْوي.
ولذلك قال الْحَسَن: عِلْجَان، لأنَّ الملائكة لا يُعَلِّمُون السِّحْر (١).
جمع القرطبي:
قال القرطبي:
قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) "مَا" نَفِي، والوَاو للعَطْف على قَولِه: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)، وذلك أنَّ اليَهُود قَالُوا: إنَّ الله أنْزَل جِبْرِيل ومِيكَائيل بالسِّحْر؛ فَنَفَى الله ذلك، وفي الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير، التَّقْدِير: ومَا كَفَر سُلَيمَان ومَا أُنْزِل على الْمَلَكَين، ولكِنَّ الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمون النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت؛ فَهَارُوت
стр. 133
ومَارُوت بَدَل مِنْ الشَّياطين في قَوله: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) هذا أوْلَى ما حُمِلَتْ عليه الآية من التَّأويل، وأصَحّ ما قِيل فيها، ولا يُلْتفَت إلى سِواه؛ فالسِّحْر مِنْ اسْتِخْرَاج الشَّياطِين لِلَطَافَة جَوْهَرِهم ودِقّة أفْهَامِهم (١).
مُلخَّص جواب القرطبي:
أن اليَهود زَعَمتْ أن الله أنْزَل جِبريل وميكَائيل بالسِّحْر. فَرَدّ الله ذلك.
وتَقْدِير الآية: وما كَفَر سُلَيمَان وما أُنْزِل على الملكين مِنْ سِحْرٍ.
مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
روى ابن جرير - بإسناده - إلى ابن إسْحَاق أنَّ رَسُول الله لما ذَكَر سُلَيمَان بن دَاود في الْمُرْسَلِين. قال بعض أحْبَار اليَهود: ألَا تَعْجَبُون مِنْ مُحَمد يَزْعُم أنَّ ابن دَاود كان نَبِيًّا، والله ما كان إلَّا سَاحِرًا؛ فأنْزَل الله في ذلك مِنْ قَولهم: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)، أي: باتِّبَاعِهم السِّحْر وعَمَلِهم بِه، وما أُنْزِل على الْمَلَكَين بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت.
ثم قال ابن جرير: فإذا كان الأمْر في ذَلك على مَا وَصَفْنا وتَأويل قَوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) مَا ذَكَرْنا، فَبَيِّنٌ أنَّ في الكَلام مَتْرُوكًا تُرِك ذِكْره اكْتِفَاء بما ذُكِر مِنه، وأنَّ مَعْنَى الكَلام: واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِين مِنْ السِّحْر على مُلْك سُلَيمَان، فتُضِيفه إلى سُلَيمان، ومَا كَفَر سُلَيمَان فَيَعْمَل بالسِّحْر، ولكن الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمون النَّاس السِّحْر.
стр. 134
وقد كان قتادة يتأوَّل قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) على ما قُلْنا (١).
كما رَوى ابن جرير - بإسْناده - إلى ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ). قال: لم يُنْزِل الله السِّحْر.
وروى أيضًا عن الربيع بن أنس (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال: ما أنْزَل الله عليهما السِّحْر (٢).
ثم قال ابن جرير: فَتَأويل الآيَة عَلى هَذا الْمَعْنَى الذي ذَكَرْنَاه عن ابن عباس والرَّبِيع مِنْ تَوجِيهِهما مَعْنَى قَوله: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) إلى: "ولم يُنْزِل على الْمَلَكَين".
واتَّبَعُوا الذي تَتْلُوا الشَّياطِين عَلى مُلْك سُلَيمَان مِنْ السِّحْر، وما كَفَر سُلَيمَان ولا أَنْزَل الله السِّحْر على الْمَلَكَين، ولكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت، فَيَكُون حِينئذ قوله: (بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) مِنْ الْمُؤخَّر الذي مَعْنَاه التَّقْدِيم.
فإن قَال لنا قائل: وكَيف وَجْه تَقْديم ذَلك؟ قيل: وَجْه تَقْدِيمه أن يُقَال: واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِين عَلى مُلْك سُلَيمَان، ومَا كَفَر سُلَيمَان، وما أُنْزِل على الْمَلَكَين، ولكن الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر بِبَابِلَ هَارُوت ومَارُوت؛ فيكون مَعنيًا بـ (الْمَلَكَيْنِ) جِبْرِيل ومِيكَائيل؛ لأن سَحَرَة اليَهود - فيما ذُكِر - كانت تَزْعُم أنَّ الله أنْزَل السِّحْر على لِسَان جِبْرِيل ومِيكَائيل إلى سُلَيمَان بن دَاود، فأكْذَبها الله بِذلك، وأخْبَر نَبِيَّه مُحَمَّدًا ﷺ أنَّ جِبْرِيل ومِيكَائيل لم يَنْزِلا بِسِحْرٍ قَطّ، وبَرّأ سُلَيمَان مما نَحَلُوه مِنْ السِّحْر، فأخْبَرَهم أنَّ السِّحْر مِنْ عَمَل الشَّياطين، وأنها تُعَلِّم النَّاس ذَلك بِبَابِل، وأنَّ الذين يُعَلِّمُونهم ذلك رَجُلان؛ اسْمُ أحَدِهما هَارُوت، واسْم الآخَر مَارُوت؛ فيكن هَارُوت ومَارُوت على هذا التَّأويل تَرْجَمَةً على النَّاس ورَدًّا عَليهم (٣).
стр. 135
ثم ذَكَر بَقِيَّة الأقْوال في مَعْنَى الآية، ورَجَّح قَول مَنْ وَجَّه "مَا" في الآية إلى مَعْنَى "الذي" دُون مَعْنى "مَا" التي هِي بِمَعْنَى الْجَحْد (١).
وهذا التّرْجِيح لم يَرْتَضِه ابن كثير حَيث قال: ثم شَرَع ابن جرير في رَدِّ هَذا القَول وأنَّ "مَا" بِمَعْنَى "الذي"، وأطَال القَول في ذَلك، وادَّعَى أن هَارُوت ومَارُوت مَلَكَان أنْزَلَهُما الله إلى الأرض، وأذِن لهما في تَعْلِيم السِّحْر اخْتِبَارًا لِعِبَادِهِ وامْتِحَانًا بَعْد أن بَيَّن لِعِبَادِه أنَّ ذلك مِمَّا يَنْهَى عنه على ألْسِنَة الرُّسُل، وادَّعَى أنَّ هَارُوت ومَارُوت مُطِيعَان في تَعْلِيم ذلك؛ لأنَّهُما امْتَثَلا مَا أُمِرَا بِهِ. وهَذا الذي سَلَكَه غَرِيب جِدًّا! وأغْرَب مِنه قَول مَنْ زَعَم أنَّ هَارُوت ومَارُوت قَبِيلان مِنْ الْجِنّ، كَمَا زَعَمَه ابن حَزْم (٢).
وأما السمرقندي فقد أطَال في ذِكْر الرِّوَايات في سَبَب نُزُول الْمَلَكَين، وفِتْنَتهما بالزّهْرَة (٣).
стр. 136
ثم أشَار إلى مَا قِيل في قَوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) حيث قال: قال بعضهم: "مَا" للنَّفْي، فَكَأنه يَقول: ولم يُنْزِل على الْمَلَكَين السِّحْر (١).
وذَكَر السَّمعاني القَولين في الآية، ورَجَّح مَا رَجَّحَه ابن جرير، فقال: قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قُرِئ على النَّفْي، وهو مَحْكِيّ عن عَطية بن عوف. فَعَلَى هذا في الآية تَقْدِيم وتَأخِير، تَقْدِيره: ومَا كَفَرَ سُلَيمَان ومَا أُنْزِل على الْمَلَكَين بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت، ولكِنَّ الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر ومَا يُعَلِّمَان مِنْ أحَد. وهَذا قَول غَريب. والصحيح أن "ما" بمعنى "الذي" يَعني: والذي أُنْزِل على الْمَلَكَين (٢).
وكذلك قال الثعلبي، فإنه ذَكَر القولين، ثم رجَّح ما رجَّحه ابن جرير والسمعاني قبلَه (٣).
وهذا القَول هو الذي رَجَّحه البغوي أيضًا، فإنه قال: فإن قيل: كيف يَجُوز تَعْلِيم السِّحْر مِنْ الْمَلائكَة؟ قيل: له تأويلان:
أحَدُهما: أنهما لا يَتَعَمّدان التَّعْلِيم لَكِن يَصِفَان السِّحْر، ويَذْكُران بُطْلانِه، ويأمُرَان باجْتِنَابِه. والتَّعْلِيم بِمَعْنى الإعْلام، فالشَّقِي يَتْرُك نَصِيحَتهما ويَتَعَلَّم السِّحْر مِنْ صَنْعَتهما.
стр. 137
والتأويل الثاني - هو الأصحّ -: أنَّ الله تعالى امْتَحَن النَّاس بالْمَلَكَين في ذَلك الوَقْت، فَمَنْ شَقِي يَتَعَلَّم السِّحْر مِنْهُما فَيَكْفُر بِهِ، ومَن سَعُد يَتْرُكْه فَيَبْقَى على الإيمان، ويَزْدَاد الْمُعَلِّمَان بالتَّعْلِيم عَذَابًا، فَفِيه ابْتِلاء للمُعَلِّم والْمُتَعَلِّم، ولله أنْ يَمْتَحِن عِبَادَه بِمَا شَاء، فَلَه الأمْر والْحُكْم (١).
ولابن عطية تَفْصِيل آخَر، فإنه قال: "ما" عُطِف على السِّحْر، فَهْي مَفْعُولَة، وهذا على القَول بأنَّ الله تَعالى أنْزَل السِّحْر عَلى الْمَلَكَين فِتْنَة للنَّاس؛ لِيَكْفُر مَنْ اتَّبَعَه، ويُؤمِن مَنْ تَرَكَه، أوْ على قَول مُجاهِد وغَيره: إنَّ الله تعالى أنْزَل على الْمَلَكَين الشيء الذي يُفَرَّق بِه بَين الْمَرْء وَزَوْجِه دُون السِّحْر، أوْ على القَول: إنه تعالى أنْزَل السِّحْر عَليهما ليُعْلَم على جِهَة التَّحْذِير مِنه، والنَّهْي عنه.
ثم قال: والتَّعْلِيم عَلى هَذا القَول إنّما هو تَعْرِيف يَسِيرٌ بِمَبَادِئه.
وقيل: إن "ما" عُطِف على "ما" في قوله: (مَا تَتْلُو).
وقيل: "ما" نافية، رَدّ على قوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)، وذَلك أنَّ اليَهود قَالوا: إنّ الله أنْزَل جِبْرِيل ومِيكَائيل بالسِّحْر؛ فَنَفَى الله ذلك (٢).
وأطال الرازي في معنى "ما"، وفَرّع عليه تَفْرِيعَات، فَذَكَر في قَوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) مَسَائل، منها:
الأولى: "ما" في قوله: (وَمَا أُنْزِلَ)، وفِيه وَجْهَان:
الأول: أنه بِمَعْنَى "الذي". وذَكَر أنَّ الذين قَالوا بهذا القَول اخْتَلَفُوا فيه على ثلاثة أقوال، وذَكَر ضِمنها احتجاج أبي مُسلم، وأطَال في رَدّ احْتِجَاجِه.
الثاني: أن يكون "ما" بِمَعْنَى الْجَحْد.
стр. 138
وخَتَم ذلك بِقَولِه: واعْلَم أنَّ هَذه الأقْوال وإنْ كانَتْ حَسَنَة، إلَّا أنَّ القَول الأول أحْسَن منها؛ وذلك لأن عطف قوله: (وَمَا أُنْزِلَ) على ما يَلِيه أوْلى مِنْ عَطْفِه عَلى ما بَعُدَ عنه إلَّا لِدَلِيل مُنْفَصِل (١).
وأطال أيضًا في تَقْرِير مَسْأَلة مَا إذا كان هَارُوت ومَارُوت مَلَكَين، وفي الاخْتِلاف في سَبَب نُزُولِهِما (٢).
وقال ابن جُزي: (وَمَا أُنْزِلَ) نَفْي، أو عَطْف على السِّحْر عَلَيهما، إلَّا أنَّ ذلك يَرُدّه آخِر الآية، وإنْ كانت مَعْطُوفَة بِمَعْنَى "الذي"، فالْمَعْنَى أنَّهُما أُنْزِل عَلَيهما ضَرْب مِنْ السِّحْر ابْتِلاء مِنْ الله لِعِبَادِه، أوْ لِيُعْرَف فيُحْذَر. وقُرئ الْمَلِكِين بِكَسْر اللام، وقال الْحَسَن: هُمَا عِلْجَان؛ فَعَلَى هَذا يَتَعَيَّن أنْ تَكون "ما" غير نافِيَة (٣).
وقد أطال ابن كثير في ذِكْر الرّوايات في نُزُول الْمَلَكَين، ونَقَل عن ابن جرير قوله ورِوايته، ثم قال: وذَهَب كَثير مِنْ السَّلَف إلى أنهما كانا مَلَكَين مِنْ السَّمَاء، وأنَّهُمَا أُنْزِلا إلى الأرْض، فَكَان مِنْ أمْرِهما مَا كَان (٤).
ثم أجَاب عَمَّا يَرِد مِنْ إشْكَال، فقال: وعلى هذا فَيَكُون الْجَمْع بَيْن هَذا وبَيْن مَا وَرَد مِنْ الدَّلائل على عِصْمَة الْمَلائكَة - أنَّ هَذَين سَبَق في عِلْم اله لَهُما هَذا، فيَكُون تَخْصِيصًا لهما، فلا تَعَارُض حِينئذ، كما سَبَق في عِلْمِه مِنْ أمْر إبْليس مَا سَبَق، وفي قولٍ: إنه كَان مِنْ الْمَلائكَة، لقَوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)
стр. 139
[البقرة: ٣٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدَّالّة على ذلك، مَع أنّ شَأن هَارُوت ومَارُوت على ما ذُكِر أخَفّ مما وَقَع مِنْ إبْلِيس لَعَنَه اللهُ تعالى (١).
ورجّح القاسمي كون "ما" نافية، وأنَّ هَارُوت ومَارُوت كَانا رَجُلَين مُتَظَاهِرَين بالصَّلاح. فقال: اعْلَم أنَّ للعُلَمَاء في هذه الآية وُجُوهًا كَثيرة، وأقْوالًا عَديدة؛ فمنهم مَنْ ذَهَب فيها مَذْهب الأخْبَارِيين نَقَله الغَثّ والسَّمِين، ومِنهم مَنْ وَقَفَ مَع ظَاهِرِها البَحْت وتَمَحَّل لِمَا اعْتَرَضَه بِمَا الْمَعْنَى الصَّحِيح في غِنى عَنه، ومِنهم مَنْ ادَّعَى فِيها التَّقْدِيم والتَّأخِير، ورَدّ آخِرَها على أوّلها، بِمَا جَعَلها أشبَه بالألْغَاز والْمُعَمَّيَات، التي يَتَنَزَّه عنها بَيان أبْلَغ كَلامِهم، إلى غير ذلك مما يَرَاه المُتَتَبِّع لِمَا كُتِب فيها.
والذي ذَهَب إليه الْمُحَقِّقُون أنَّ هَارُوت ومَارُوت كَانا رَجُلَين مُتَظَاهِرَين بالصَّلاح والتَّقْوى في بَابِل .... وكانا يُعلِّمان النَّاس السِّحْر. وبَلَغ حُسْن اعْتِقَاد النَّاس بِهِما أنْ ظَنُّوا أنَّهُما مَلَكَان مِنْ السَّمَاء، وما يُعلِّمَانِه للنَّاس هو بِوحْي مِنْ الله، وبَلَغ مَكْر هَذَين الرَّجُلَين ومُحَافَظتهما على اعْتِقَاد النَّاس الْحَسَن فِيهما أنهما صَارَا يَقُولان لِكُلّ مَنْ أرَاد أن يَتَعَلَّم مِنهما: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)، أي: إنما نَحْن أُولو فِتْنَة نَبْلُوك ونَخْتَبِرُك، أتَشْكُر أمْ تَكْفُر، ونَنْصَح لَك ألَّا تَكْفُر. يقولان ذلك لِيُوهِما النَّاس أنَّ عُلومَهما إلَهِيَّة، وصِنَاعَتهما رَوْحَانِيَّة، وأنهما لا يَقْصِدَان إلَّا الْخَير …
فـ "ما" هنا نافية على أصَحَّ الأقْوال، ولفظ (الْمَلَكَيْنِ) هنا وارِد حَسب العُرْف الْجَارِي بَيْن النَّاس في ذلك الوَقْت.
ثم خَلَص القاسمي إلى: "أنَّ مَعْنَى الآية مِنْ أوَّلها إلى آخِرها هكذا:
أن اليَهود كَذَّبُوا القُرآن ونَبَذُوه وَرَاء ظُهورِهم، واعْتَاضُوا عَنه بالأقَاصِيص والْخُرَافَات التي يَسْمَعُونَها مِنْ خُبَثَائهم عن سُلَيمَان ومُلْكِه، وزَعَمُوا أنه كَفَر، وهُو لَمْ
стр. 140
يَكْفُر، ولكن شَياطِينهم هُمْ الذين كَفَرُوا، وصَارُوا يُعَلِّمُون النَّاس السِّحْر، ويَدّعُون أنه أُنْزِل على هَارُوت ومَارُوت، اللذين سَمَّوهما مَلَكَين، ولم يَنْزِل عَليهما شَيء … فأنْتَ تَرَى أنَّ هَذا المقَام كُله ذَمّ، فلا يَصِحّ أن يَرِد فيه مَدْح هَارُوت ومَارُوت. والذي يَدُلّ على صِحَّة مَا قُلْنَاه فِيهما أنَّ القُرآن أنكَر نُزُول أيّ مَلَك إلى الأرْض لِيُعَلِّم النَّاس شَيئًا مِنْ عِند الله، غَير الوَحْي إلى الأنْبِيَاء، ونَصَّ نَصًّا صَرِيحًا أنّ الله لَم يُرْسِل إلَّا الإنْس لِتَعْلِيم بَنِي نَوْعِهم، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧]، وقال مُنكِرًا طَلَب إنْزَال الْمَلَك: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ) [الأنعام: ٨]، وقال في سورة الفرقان: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) إلى قَولِه: (فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) [الآيات: ٧ - ٩] (١).
رأي الباحث:
الآية تَحْتَمِل أكْثَر مِنْ وَجْه:
فالوَجْه الأوّل: أنَّ "ما" نافية، وهو مَا رجَّحَه القُرطبي دُون غيره مِنْ الأقْوال، وهو مَا ذَهَبَ إليه القاسمي.
فيكون مَعنى قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ):
ومَا كَفَر سُلَيمَان ومَا أُنزِل على الْمَلَكَين، فَتَكُون جُمْلَة (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) جُملة مُعْتَرِضَة، وبهذا يَسْتَقِيم الْمَعْنى، ولا يَكُون هُناك تَكَلُّف في القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير.
стр. 141
وهذا القَول لا يَحْتَاج إلى تَكَلُّف الْجَوَاب في إنْزَال الْمَلائكَة، ولا في إنْزَال السِّحْر وتَعْلِيمه.
وعلى قول القاسمي في حَمْل الْمَلَكين على أنه "وارِد حَسب العُرْف الْجَارِي بَيْن النَّاس في ذلك الوَقْت" يَزُول الإشْكَال في ذِكْر الْمَلَكَين.
وعلى القَول بأنَّ الْمَقْصُود بـ (الْمَلَكَيْنِ) جِبْرِيل ومِيكَائيل، فإنه تَأكِيد للنَّفْي، أي: ولم يُنَزِّل الله على جِبْرِيل ومِيكَائيل مِنْ سِحْر.
وقد أخْرَج سعيد بن منصور من طريق الأعمش عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ: وجِبْرِيل ومِيكَايِيل (١).
وأخرج البخاري في تاريخه (٢) وابن المنذر (٣) عن ابن عباس: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): جِبْرِيل ومِيكَائيل.
وما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ (٤) والرَّبيع بن أنس (٥)؛ مِنْ أنَّ الله لم يُنَزِل السِّحْر (٦)؛ فيه ضَعْف، إلَّا أنَّ مَجموع الرِّوايات يَدُل على أنَّ لها أصْلًا.
والوَجْه الثاني: أنَّ هَارُوت ومَارُوت كانا مَلَكَين مِنْ مَلائكَة السَّمَاء، وأنهما أُنْزِلا إلى الأرْض، وهذا عزاه ابن كثير إلى كثير مِنْ السَّلَف.
وعلى هذا القول لا يَلزَم أن يَكون السِّحر أُنزِل عَليهما.
стр. 142
وكَونهما أُنزِلا إلى الأرْض لا يَتَعَارَض مَع إنْكَار نُزُول الْمَلائكَة، ذلك أنَّ مَا جَاء في الآيات التي أوْرَدَها القاسمي مِنْ نَفْي إنْزَال الْمَلائكَة لِتَعْلِيم النَّاس، أي لإنْذَارِهم ودَعْوَتِهم.
ويَدُلّ على هذا أنَّ الله أنْزَل الملائكة بالوَحي، وبالعَذَاب، وهي تَنْزِل لِحُضُور مَجَالِس الذِّكْر، ولِكِتَابَة أعْمَال بَني آدَم، كما في صحيح السنة النبوية (١).
المثال الثاني:
هل ماتَ عيسى ابن مريم؟
قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَّفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: ٥٥] مع قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: ١٥٩].
صورة التعارض:
"هذه الآية الكريمة يُتَوَهَّم مِنْ ظَاهِرها وَفَاة عِيسَى ﵇، وقد جَاء في بَعض الآيَات ما يَدُلّ على خِلاف ذلك، كقوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) " (٢).
стр. 143
جَمع القرطبي:
قال القرطبي:
وقال جَمَاعة مِنْ أهْل الْمَعَاني - منهم الضَّحَّاك والفَرَّاء - في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) على التَّقْدِيم والتَّأخِير؛ لأنَّ الواو لا تُوجِب الرُّتْبَة، والْمَعْنى: إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرك مِنْ الذِين كَفَرُوا ومُتَوفِّيك بعد أن تَنْزِل مِنْ السَّمَاء، كَقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [طه: ١٠٩]، والتَّقْدِير: ولَولا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبِّك وأجَل مُسَمّى لَكَانِ لِزَامًا. قال الشاعر:
ألا يا نَخْلَة مِنْ ذَات عِرق عليكِ ورَحمة الله السَّلام
أي: عليك السَّلام ورحمة الله.
وقال الْحَسَن وابن جريج: معنى (مُتَوَفِّيكَ) قَابِضُك ورَافِعُك إلى السَّمَاء مِنْ غَيْر مَوت، مثل: تَوفَّيتُ مَالِي مِنْ فُلان: أي قَبَضْته.
وقال وَه بن مُنَبِّه: تَوَفَّى الله عِيسى ﵇ ثَلاث سَاعَات مِنْ نَهَار، ثم رَفَعَه إلى السَّمَاء. وهذا فيه بُعْد، فإنه صَحّ في الأخْبَار عن النبي ﷺ نُزولُه وقَتْلُه الدَّجال (١) ......
وقال ابن زيد: (مُتَوَفِّيكَ) قَابِضُك، ومُتَوَفِّيك ورَافِعُك واحِد، ولم يَمُتْ بَعْد.
ورَوى ابن طلحة (٢) عن ابن عباس: معنى (مُتَوَفِّيكَ) مُمِيتُك. الرَّبِيع بن أنس: وهي وَفَاة نَوم. قال الله تعالى: ٠ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠] أي: يُنِيمكم، لأنَّ
стр. 144
النَّوم أخُو الْمَوت، كما قال ﷺ لما سئل: أَفِي الْجَنَّة نَوم؟ قال: لا، النَّوم أخُو الْمَوت، والْجَنَّة لا مَوْت فيها (١) أخرجه الدارقطني (٢).
والصَّحِيح أنَّ الله تعالى رَفَعَه إلى السَّمَاء مِنْ غير وَفَاة ولا نَوم، كما قال الْحَسَن وابن زيد، وهو اخْتِيَار الطَّبري، وهو الصَّحِيح عن ابن عباس، وقَاله الضَّحَّاك (٣).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - أنَّ في الآية تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا، ومَعناها: إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرك مِنْ الذين كَفَرُوا ومُتَوَفِّيك بَعد أنْ تَنْزِل مِنْ السَّمَاء.
٢ - أن الله تَعالى رَفَعَه إلى السَّمَاء مِنْ غَير وَفَاة ولا نَوم. وهذا لا يَتَعَارَض مَع القَول بالتَّقْدِم والتَّأخِير.
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
حَكَى ابن جرير اخْتِلاف أهْل التأويل في مَعنى الوَفَاة التي ذَكَرَها الله في آية "آل عمران"؛ فَحَكى قول بعضهم: هي وَفَاة نَوم، وكان مَعنى الكَلام على مَذهبهم: إني مُنِيمُك ورَافِعُك في نَومِك.
وقَول آخَرِين: مَعنى ذلك إني قَابِضُك مِنْ الأرْض فَرَافِعُك إِلَيّ. قالوا: وَمَعْنى الوَفَاة القَبْض، كما يُقال: تَوَفَّيتُ مِنْ فُلان مَا لِيَ عليه، بمعنى: قَبَضْته واسْتَوْفَيته.
стр. 145
قَالوا: فَمَعْنَى قَوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: قَابِضُك مِنْ الأرْض حَيًّا إلى جِوارِي، وآخِذُك إلى مَا عِنْدِي بِغَير مَوت، ورَافِعُك مِنْ بَين الْمُشْرِكِين وأهْل الكُفْرِ بك.
وقَول آخَرين: مَعْنَى ذلك: إنِّي مُتَوفِّيك وَفَاة مَوْت.
وقَول آخَرِين: مَعْنَى ذلك: إذْ قَال الله يا عِيسى إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرُك مِنْ الذين كَفَرُوا، ومُتَوَفِّيك بَعد إنْزَالي إيّاك إلى الدُّنْيا.
وقَالوا: هَذا مِنْ الْمُقَدَّم الذي مَعْناه التَّأخِير، والْمُؤخَّر الذي مَعْناه التَّقْدِيم.
ثم ذَكَر ابن جرير القَول الرَّاجِح عنده، فقال:
وأوْلى هذه الأقْوال بالصِّحَّة عِنْدَنا قَول مَنْ قَال: مَعْنَى ذلك: إني قَابِضُك مِنْ الأرْض ورَافِعُك إليَّ؛ لِتَواتُر الأخْبَار (١) عن رَسول الله ﷺ أنه قَال: يَنْزِل عِسى ابن مَريم فيَقتُلُ الدَّجَّال، ثم يَمْكُث في الأرْض مُدَّة - ذَكَرَها، اخْتَلَفَتِ الرِّواية في مَبْلَغِها - ثم يَمُوت، فيُصَلِّي عليه الْمُسْلِمُون ويَدْفُنُونَه (٢).
وممن قال بالتقديم والتأخير: أبو الليث السمرقندي، فإنه قال: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه: إني رافعك من الدنيا إلى السماء ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء على عهد الدجال (٣).