← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا القَول لا يَحْتَاج إلى تَكَلُّف الْجَوَاب في إنْزَال الْمَلائكَة، ولا في إنْزَال السِّحْر وتَعْلِيمه. وعلى قول القاسمي في حَمْل الْمَلَكين على أنه "وارِد حَسب العُرْف الْجَارِي بَيْن النَّاس في ذلك الوَقْت" يَزُول الإشْكَال في ذِكْر الْمَلَكَين. وعلى القَول بأنَّ الْمَقْصُود بـ (الْمَلَكَيْنِ) جِبْرِيل ومِيكَائيل، فإنه تَأكِيد للنَّفْي، أي: ولم يُنَزِّل الله على جِبْرِيل ومِيكَائيل مِنْ سِحْر. وقد أخْرَج سعيد بن منصور من طريق الأعمش عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ: وجِبْرِيل ومِيكَايِيل (١). وأخرج البخاري في تاريخه (٢) وابن المنذر (٣) عن ابن عباس: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): جِبْرِيل ومِيكَائيل. وما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ (٤) والرَّبيع بن أنس (٥)؛ مِنْ أنَّ الله لم يُنَزِل السِّحْر (٦)؛ فيه ضَعْف، إلَّا أنَّ مَجموع الرِّوايات يَدُل على أنَّ لها أصْلًا. والوَجْه الثاني: أنَّ هَارُوت ومَارُوت كانا مَلَكَين مِنْ مَلائكَة السَّمَاء، وأنهما أُنْزِلا إلى الأرْض، وهذا عزاه ابن كثير إلى كثير مِنْ السَّلَف. وعلى هذا القول لا يَلزَم أن يَكون السِّحر أُنزِل عَليهما.

стр. 142

وكَونهما أُنزِلا إلى الأرْض لا يَتَعَارَض مَع إنْكَار نُزُول الْمَلائكَة، ذلك أنَّ مَا جَاء في الآيات التي أوْرَدَها القاسمي مِنْ نَفْي إنْزَال الْمَلائكَة لِتَعْلِيم النَّاس، أي لإنْذَارِهم ودَعْوَتِهم. ويَدُلّ على هذا أنَّ الله أنْزَل الملائكة بالوَحي، وبالعَذَاب، وهي تَنْزِل لِحُضُور مَجَالِس الذِّكْر، ولِكِتَابَة أعْمَال بَني آدَم، كما في صحيح السنة النبوية (١). المثال الثاني: هل ماتَ عيسى ابن مريم؟ قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَّفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: ٥٥] مع قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: ١٥٩]. صورة التعارض: "هذه الآية الكريمة يُتَوَهَّم مِنْ ظَاهِرها وَفَاة عِيسَى ﵇، وقد جَاء في بَعض الآيَات ما يَدُلّ على خِلاف ذلك، كقوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) " (٢).

стр. 143

جَمع القرطبي: قال القرطبي: وقال جَمَاعة مِنْ أهْل الْمَعَاني - منهم الضَّحَّاك والفَرَّاء - في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) على التَّقْدِيم والتَّأخِير؛ لأنَّ الواو لا تُوجِب الرُّتْبَة، والْمَعْنى: إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرك مِنْ الذِين كَفَرُوا ومُتَوفِّيك بعد أن تَنْزِل مِنْ السَّمَاء، كَقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [طه: ١٠٩]، والتَّقْدِير: ولَولا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبِّك وأجَل مُسَمّى لَكَانِ لِزَامًا. قال الشاعر: ألا يا نَخْلَة مِنْ ذَات عِرق عليكِ ورَحمة الله السَّلام أي: عليك السَّلام ورحمة الله. وقال الْحَسَن وابن جريج: معنى (مُتَوَفِّيكَ) قَابِضُك ورَافِعُك إلى السَّمَاء مِنْ غَيْر مَوت، مثل: تَوفَّيتُ مَالِي مِنْ فُلان: أي قَبَضْته. وقال وَه بن مُنَبِّه: تَوَفَّى الله عِيسى ﵇ ثَلاث سَاعَات مِنْ نَهَار، ثم رَفَعَه إلى السَّمَاء. وهذا فيه بُعْد، فإنه صَحّ في الأخْبَار عن النبي ﷺ نُزولُه وقَتْلُه الدَّجال (١) ...... وقال ابن زيد: (مُتَوَفِّيكَ) قَابِضُك، ومُتَوَفِّيك ورَافِعُك واحِد، ولم يَمُتْ بَعْد. ورَوى ابن طلحة (٢) عن ابن عباس: معنى (مُتَوَفِّيكَ) مُمِيتُك. الرَّبِيع بن أنس: وهي وَفَاة نَوم. قال الله تعالى: ٠ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠] أي: يُنِيمكم، لأنَّ

стр. 144

النَّوم أخُو الْمَوت، كما قال ﷺ لما سئل: أَفِي الْجَنَّة نَوم؟ قال: لا، النَّوم أخُو الْمَوت، والْجَنَّة لا مَوْت فيها (١) أخرجه الدارقطني (٢). والصَّحِيح أنَّ الله تعالى رَفَعَه إلى السَّمَاء مِنْ غير وَفَاة ولا نَوم، كما قال الْحَسَن وابن زيد، وهو اخْتِيَار الطَّبري، وهو الصَّحِيح عن ابن عباس، وقَاله الضَّحَّاك (٣). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ في الآية تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا، ومَعناها: إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرك مِنْ الذين كَفَرُوا ومُتَوَفِّيك بَعد أنْ تَنْزِل مِنْ السَّمَاء. ٢ - أن الله تَعالى رَفَعَه إلى السَّمَاء مِنْ غَير وَفَاة ولا نَوم. وهذا لا يَتَعَارَض مَع القَول بالتَّقْدِم والتَّأخِير. مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: حَكَى ابن جرير اخْتِلاف أهْل التأويل في مَعنى الوَفَاة التي ذَكَرَها الله في آية "آل عمران"؛ فَحَكى قول بعضهم: هي وَفَاة نَوم، وكان مَعنى الكَلام على مَذهبهم: إني مُنِيمُك ورَافِعُك في نَومِك. وقَول آخَرِين: مَعنى ذلك إني قَابِضُك مِنْ الأرْض فَرَافِعُك إِلَيّ. قالوا: وَمَعْنى الوَفَاة القَبْض، كما يُقال: تَوَفَّيتُ مِنْ فُلان مَا لِيَ عليه، بمعنى: قَبَضْته واسْتَوْفَيته.

стр. 145

قَالوا: فَمَعْنَى قَوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: قَابِضُك مِنْ الأرْض حَيًّا إلى جِوارِي، وآخِذُك إلى مَا عِنْدِي بِغَير مَوت، ورَافِعُك مِنْ بَين الْمُشْرِكِين وأهْل الكُفْرِ بك. وقَول آخَرين: مَعْنَى ذلك: إنِّي مُتَوفِّيك وَفَاة مَوْت. وقَول آخَرِين: مَعْنَى ذلك: إذْ قَال الله يا عِيسى إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرُك مِنْ الذين كَفَرُوا، ومُتَوَفِّيك بَعد إنْزَالي إيّاك إلى الدُّنْيا. وقَالوا: هَذا مِنْ الْمُقَدَّم الذي مَعْناه التَّأخِير، والْمُؤخَّر الذي مَعْناه التَّقْدِيم. ثم ذَكَر ابن جرير القَول الرَّاجِح عنده، فقال: وأوْلى هذه الأقْوال بالصِّحَّة عِنْدَنا قَول مَنْ قَال: مَعْنَى ذلك: إني قَابِضُك مِنْ الأرْض ورَافِعُك إليَّ؛ لِتَواتُر الأخْبَار (١) عن رَسول الله ﷺ أنه قَال: يَنْزِل عِسى ابن مَريم فيَقتُلُ الدَّجَّال، ثم يَمْكُث في الأرْض مُدَّة - ذَكَرَها، اخْتَلَفَتِ الرِّواية في مَبْلَغِها - ثم يَمُوت، فيُصَلِّي عليه الْمُسْلِمُون ويَدْفُنُونَه (٢). وممن قال بالتقديم والتأخير: أبو الليث السمرقندي، فإنه قال: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه: إني رافعك من الدنيا إلى السماء ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء على عهد الدجال (٣).

стр. 146

وأجَاب السمعاني عن سُؤال قد يَنْشَأ: ما مَعْنى التَّوَفِّي وعِيسى في الأحْيَاء؟ فَقال: فيه أقْوال: قال الْحَسَن البَصْري: مَعْنَاه: إني قَابِضُك مِنْ الأرْض. وهو صَحِيح عند أهْل اللغَة فيُقَال: تَوَفّيتُ حَقّي مِنْ فُلان، أي قَبَضْتُ. وقال الفرّاء: فِيه تَقْدِيم وتَأخِير، وتَقْدِيره: إن رَافِعُك إليّ ومُتَوفِيك، أي بَعْد النُّزُول مِنْ السَّمَاء. ثم قال: وهذا التَّقْدِيم والتَّأخِير الذي ذَكَرْنا في الآية مَحْكِيّ عن ابن عباس، ولَه قَول آخَر: أنَّ الآية على حَقِيقَة الْمَوت، وأنَّ عِيسى قد مَات، ثم أحْيَاه الله تَعالى ورَفَعَه إلى السَّمَاء. قال وهب بن منبه: أمَاتَه الله ثَلاث سَاعات مِنْ النَّهَار ثم أحْيَاه الله ورَفَعه إليه. وقال الرَّبيع بن أنس: التَّوَفِّي هو النَّوم، وكان عِيسى قد نَام فَرَفَعَه الله نَائمًا إلى السَّمَاء. ثم أشَار إلى الرَّاجِح فَقَال: والْمَعْرُوف القَولان الأوّلان (١). واسْتَدَلّ الثعلبي بآيات أُخَر على مَعْنَى التَّوَفِّي، فَقَال: اخْتَلَفُوا في مَعْنَى التَّوَفِّي ههنا: فقال كعب والْحَسَن والكَلبي ومَطر الورَّاق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريج وابن زيد: مَعْنَاه: إني قَابِضُك ورَافِعُك مِنْ الدُّنيا إليَّ مَنْ غَيْر مَوت. يَدُلّ عليه قَوله: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) [المائدة: ١١٧]، أي: قَبَضْتَنِي إلى السَّمَاء وأنا حَيّ؛ لأنَّ قَومَه إنَّمَا تَنَصَّرُوا بَعْد رَفْعه لا بَعْد مَوتِه. وعلى هذا القول للتَّوَفِّي تَأويلان:

стр. 147

أحَدُهما: إني رَافِعُك إليَّ وَافِيًا لن يَنَالُوا مِنك. مِنْ قَولِهم: تَوَفَّيتُ كذا واسْتَوفَيته، أي أخَذْته تَامًّا. والآخر: إني مُسَلِّمُك. مِنْ قَولِهم: تَوَفَّيت مِنه كَذا أي سَلَّمْته. وقال الرَّبيع بن أنس: مَعْنَاه أني مُنِيمُك ورَافِعُك إليّ مِنْ قَومِك. يَدُلّ عليه قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠]، أي: يُنِيمكم؛ لأنَّ النَّوم أَخو الْمَوت، وقوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) [الزمر: ٤٢]. ورَوى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إني مُمِيتُكم، يَدُلّ عليه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة: ١١] وقوله: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) [يونس: ٤٦]، وله على هذا القول تأويلان: أحَدهما: ما قال وَهْب (١) تَوَفَّى الله عِيسى ثَلاث سَاعَات مِنْ النَّهار، ثم أحْيَاه ورَفَعَه. والآخَر: ما قَاله الضَّحَّاك وجَمَاعَة مِنْ أهْل الْمَعَاني: إنّ في الكلام تَقْديمًا وتَأخِيرًا. مَعْنَاه: إني رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرُك مِنْ الذين كَفَرُوا ومُتَوفِّيك بَعْد إنْزَالِك مِنْ السَّمَاء، كَقَوله : (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [طه: ١٠٩] وقال الشاعر: ألا يا نَخْلَة مِنْ ذاتِ عِرْق عَليك ورَحمة الله السَّلام أي عليك السلام ورحمة الله وقال آخر: جَمَعْتَ وَعَيْبًا نَخْوَة ونَمِيمَة ثلاث خِصَال لَسْن من تَرعوي أي: جَمَعْتَ: نَخْوة ونَميمة وعيبًا (٢).

стр. 148

وذَهَب الزمخشري إلى أنَّ التَّوفِّي مِنْ اسْتِيفَاء الأجَل، فقال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: مُسْتَوفِي أجَلَك. مَعْنَاه: إني عَاصِمُك مِنْ أنْ يَقْتُلَك الكُفَّار، ومُؤَخِّرك إلى أجَل كَتَبْتُه لَك، ومُمِيتُك حَتْف أنْفِك لا قَتِيلًا بأيدِيهم. وقيل: (مُتَوَفِّيكَ) قَابِضُك مِنْ الأرْض، مِنْ تَوَفَّيتُ مَا لِي عَلى فُلان إذا اسْتَوفَيته. وقيل: مُميتُك في وَقْتك بَعد النُّزُول مِنْ السَّمَاء، ورَافِعُك الآن. وقيل: مُتَوَفِّي نَفْسك بالنَّوم (١). ونَقَل ابن عَطية عن الفَرّاء قَوله: هي وَفَاة مَوْت، ولكِنّ الْمَعْنَى: إني مُتَوَفِّيك في آخِرِ أمْرِك عِند نُزُولِك وقَتْلِك الدَّجَال؛ فَفِي الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير. وضَعّف قَول من قال: إنَّ مَعْنَى مُتَوفِّيك: مُتَقَبِّل عَمَلك، فقال: وهذا ضَعيف مِنْ جِهة اللَّفْظ. ثم وَجّه ابن عطية قَول ابن عباس الْمَرْوي في أنَّ الوَفَاة هي الْمَوت، فقَال: فَقَول ابن عباس ﵁: هي وَفَاة مَوت. لا بُدّ أن يُتَمَّم؛ إمَّا على قَول وَهْب بن مُنبه (٢)، وإمَّا على قَول الفرّاء (٣). وقال الرَّازي في قَوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)، وفي قَوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) [المائدة: ١١٧]: واخْتَلَف أهْل التأويل في هاتين الآيتين على طَريقَين: أحَدُهما: إجْراء الآية على ظَاهِرها مِنْ غَير تَقْدِيم ولا تَأخِير فيها. والثاني: فَرْض التَّقْدِيم والتَّأخِير فيها.

стр. 149

ثم ذَكَر في بَيان الطَّرِيق الأوْلى - إجْراء الآية على ظَاهِرها - تِسْعَة أوْجه، منها على سَبيل الاخْتِصَار: ١ - مُتَمِّم عُمُرك، فحينئذ أتَوَفَّاك فَلا أتْرُكُهم حتى يَقْتلوك، بل أنا رَافِعُك إلى سَمَائي. قال: وهذا تَأويل حَسَن. ٢ - مُمِيتُك، وهو مَروي عن ابن عباس ومحمد بن إسْحاق. ٣ - الوَاو في قوله: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) تُفِيد التَّرْتِيب، فالآية تَدُلّ على أنه تعالى يَفْعَل به هذه الأفْعال، فأمَّا كَيف يَفْعَل؟ ومَتَى يَفْعَل؟ فالأمْر فيه مَوقُوف على الدَّلِيل، وقد ثَبَت الدَّلِيل أنه حَيّ. ٤ - أنَّ التَّوفِّي أخْذ الشَّيء وَافِيًا، وهُو دَالّ عَلى أنه رُفِع بِرُوحِه وجَسَده، أي تَامًّا. ٥ - أجْعَلُك كَالْمُتَوفَّى؛ لأنه إذا رُفِع إلى السَّمَاء وانْقَطَع خَبَرُه وأثَرُه عن الأرْض، كان كَالْمُتَوفَّى. ٦ - أنَّ التَّوفِّي هو القَبْض. وقال في الطريق الثاني: "وهُوَ قَول مَنْ قَال: لا بُدّ في الآية مِنْ تَقْدِيم وتَأخِير مِنْ غير أن يَحْتَاج فيها إلى تَقْدِيم أوْ تَأخِير. قالوا: إنَّ قَوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) يَقْتَضِي أنه رَفَعَه حَيًّا، والواو لا تَقْتَضي التَّرْتيب، فلم يَبْقَ إلَّا أن يَقول فيها تَقْديم وتَأخير، والْمَعْنى: إنِّي رَافِعُك إليَّ ومُطَهِّرُك مِنْ الذين كَفَرُوا، ومُتَوفِّيك بَعد إنْزَالي إياك في الدّنيا، ومِثْله في التَّقْدِيم والتَّأخِير كَثير في القُرآن. ثم أشَار إلى الرَّاجِح، فقال: واعْلَم أنَّ الوُجُوه الكَثيرة التي قَدَّمْنَاها تَغْنِي عن الْتِزَام مُخَالَفَة الظَّاهِر (١).

стр. 150

وذَكَر ابن تيمية مَعَاني التَّوَفِّي وزَاد مَعْنَى آخَر، وفَائدة أُخْرى، فَقَال: وَلَفْظُ التَّوَفِّي في لُغَة العَرَب مَعْنَاه: الاسْتِيفَاء والقَبْض، وذلك ثَلاثة أنْوَاع: أحَدُها: توفِّي النَّوم. والثاني: توفِّي الْمَوْت. والثالث: توفِّي الرَّوح والبَدَن جَمِيعًا، فإنه بِذلك خَرَج عن حَال أهْل الأرْض الذين يَحْتَاجُون إلى الأكْل والشُّرْب واللِّبَاس والنَّوم، ويَخْرُج منهم الغَائط والبَول، والْمَسِح ﵇ توفّاه الله وهُو في السَّمَاء الثَّانِية إلى أن يَنْزِل إلى الأرْض، لَيْسَتْ حَاله كَحَالَة أهْل الأرْض في الأكْل والشُّرْب واللِّبَاس والنَّوم والغَائط والبَول، ونَحْو ذلك (١). ولم يُرجِّح ابن جُزَي في الآية شَيئا، فإنه ذَكَر الأقْوال في الآية وصَدَّرَها كُلها بـ: قِيل (٢). إلَّا أنه قَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر: ٤٢] الآية: ومَعْنَاها: إن الله يَتوفَّى النُّفُوس على وَجْهين: أحَدها: وَفَاة كَامِلَة حَقِيقِيَّة، وهْي الْمَوْت. والآخَر: وَفَاة النَّوم؛ لأنَّ النَّائم كَالْمَيِّت في كَونِه لا يُبْصِر ولا يَسْمَع، ومِنْه قَوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠] (٣). وذَكَر ابن كثير القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير، ونَسَبه إلى قتادة، وذَكَر القَول الْمَرْويّ عن ابن عباس في أنها حَقِيقَة الوَفَاة، وذَكَر القَول بأنه رَفْع، ثم قَال:

стр. 151

وقال الأكْثَرُون: الْمُرَاد بِالوَفَاة ها هُنا النَّوم، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠]، وقَال تَعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) [الزمر: ٤٢] الآية (١). وممن نَقَل القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير: الثعالبي، فإنه أوْرَد قَول الفَرَّاء: هِي وَفَاة مَوْت، ولكنَّ الْمَعْنَى: إِنِّي مُتَوَفِّيك في آخِر أمْرِك عِند نُزُولِك وقَتْلِك الدَّجَّال. فَفِي الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير (٢). واخْتَار القَاسمي أنَّ مَعْنى (مُتَوَفِّيكَ) أي: مُسْتَوفِي مُدّة إقَامَتك بَين قَومِك. والتَّوفِّي كما يُطلَق على الإمَاتة، كَذلك يُطْلَق على اسْتِيفَاء الشَّيء. كما في كُتُب اللُّغَة (٣). وأشَارَ إلى الأقْوال الأُخْرَى، وذَكَر تَرْجِيحَه، فَقَال: في قَوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) وُجُوه في التَّأويل كَثِيرة، إلَّا أنَّ الذي فَتَح الْمَولَى بِه مما أسْلَفْنا هُو أرْجَح التَّأويلات (٤). رأي الباحث: الآية تَحْتَمِل أكْثَر مِنْ وَجْه، فـ: الوَجْه الأوَّل: القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير، وهو مَرويّ عن ابن عباس، وبِه قال غَير واحِد مِنْ الْمُفَسِّرِين. والْمَعْنَى عَلى هَذا القَول: إنِّي رَافِعُك إليّ ومُتَوفِّيك بَعْد إنْزَالِك إلى الأرْض، أي في آخِر الزَّمَان.

стр. 152

والوَجْه الثَّانِي: إنِّي مُسْتَوفٍ مُدَّة إقَامَتِك، وقَابِضُك مِنْ الأرْض، ورَافِعُك إليّ. والوَجْه الثَّالِث: أنَّ عِيسى ﵇ رُفِع حَال كَونه نَائمًا، فَعَلَى هَذا تَكُون الوَفَاة بِمَعْنَى النَّوم، إذْ النَّوم وَفَاة صُغْرَى، والنَّوْم أخوْ الْمَوْت، كَمَا في الْحَدِيث. ولا تَعَارُض بَين هَذه الأوْجُه، إذْ يَجُوز أن يَكُون رُفِع حَال كَونه نائمًا، ويَكون قَدْ اسْتَوفَى أجَلَه عَلى الأرْض في دَعْوَة مَنْ بُعِثَ إلَيهِم، ثم إنَّ الله سَوف يَتَوفَّاه بَعْد نُزُولِه وقَتْلِه الدَّجَّال في آخِر الزَّمَان؛ وبِهَذا يَزُول التَّعَارُض، وتَجْتَمِع الأقْوال في الآية. والذي رَجَّحَه غَير واحِد من المفسِّرين، كابْن جَرير والثعلبي والقرطبي وغيرهم: أنه قُبِض مِنْ غير نَوْم ولا وَفَاة. "والصحيح أنَّ الله تعالى رَفَعَه إلى السَّماء مِنْ غَير وَفَاة ولا نَوم، كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله الضحاك" (١). أمَّا عَلى القَول بأنّ الْمَقْصُود بِالوَفَاة هنا: الْمَوْت، فلا بُدّ مِنْ حَمْلِه على الوَفَاة بَعد نُزُولِه إلى الأرْض، لأنَّ الْمَرْوي عن ابن عباس في ذلك مُحْتَمِل لِذَلك، فَقد رَوى ابن جرير - بإسناده - إلى ابن عباس في قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) يقول: إني مُمِيتُك (٢)، وليس فيه التَّصْرِيح بالإمَاتة عِند رَفْعِه، فإنَّ الفِعْل الْمُضَارِع يَدُلّ "على التّجَدّد والْحُدُوث، وهو الْمَشْهُور عِند البَيَانِيين" (٣)، وقول ابن عباس: "مُمِيتُك" مُحْتَمِل للتَّأخِير، أي بَعْد إنْزَالِه في آخر الزَّمان.

стр. 153

أمَّا قَول وَهْب بن مُنبِّه فهو صَريح في ذلك، إلَّا أنه لا حُجَّة فيه، لأنه مِمَّا تَلَقَّاه عَنْ أهْل الكِتَاب، ووهب بن مُنبِّه ممن عُرِف عنه ذلك، كما أنَّ الرِّواية عن وَهْب فيها ضَعْف (١). ولِذلك فإنَّ ابن جرير لَمَّا رَوى قول وهب بن مُنبِّه أعقَبَه بالرواية عن ابن إسحاق مِنْ أنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُون أنَّ الله تَوفَّاه سَبْع سَاعَات مِنْ النَّهَار (٢). ومما يُضعِّف هذا القول أيضًا أنَّ "في إنْجِيل مُرْقس في الفصل السادس عشر التَّصْرِيح بِرَفْع الْمَسِيح ﵇ إلى السَّمَاء" (٣). والآية الثانية: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه) تُضَعِّفه، فَهْي دَالَّة على أنَّ هُناك مَنْ يُؤمِن بِه قَبْل مَوْتِه، وهَذا دَالّ عَلى أنه لَم يَمُت، إذْ أنَّ مَنْ مَات لا يَرجِع إلى الدُّنيا، ويَدلّ عليه قَوله تعالى عن الحياة الدنيا: (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) [يس: ٣١]، وقوله ﵎: إنه سَبَق مِنِّي أنَّهم إليها لا يَرْجِعُون (٤). وفي رواية: إني قَضَيْتُ الْحُكْم أنَّهُم إليها لا يَرْجِعُون (٥). ولَولا هذه الأدِلَّة والبَرَاهِين لأمْكَن تَكَلُّف حَمْل الوَفَاة عَلى حَقِيقَتِها، وذلك بأن يُقَال: هذه الوَفَاة لَيْسَتْ هي وَفَاة الْمَوْت بانْتِهَاء الأجَلَ التي مَنْ قُضِيَتْ عَليه لا يَرْجِع إلى الدُّنيا، بل هِي وَفَاة ما دُون الأجَل، ونَظِيرُها وَفَاة عُزَير، ووفَاة مَنْ تَوَفَّاه اللهُ مِنْ بَني إسْرائيل؛ فَفِي خَبَر عُزَير: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ

стр. 154

عَامٍ) [البقرة: ٢٥٩]، وفي خَبَر بَنِي إسرائيل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: ٢٤٣]. قال ابن العربي: أمَاتَهم الله تَعالى مُدّةً عُقُوبَة لَهُم، ثم أحْيَاهُم، ومِيتَةُ العُقُوبَة بَعْدَها حَيَاة، ومِيتَة الأجَل لا حَيَاة بَعْدَها (١). المثال الثالث: الْخَتْم على القُلُوب والأسْمَاع: قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: ١١٠] مع قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [البقرة: ٧]. صورة التعارض: آية البقرة "تَدُلّ بِظَاهِرِها على أنهم مَجْبُورُون، لأنَّ مَنْ خُتِمَ على قَلْبِه وجُعِلَتْ الغِشَاوَة على بَصَرِه؛ سُلِبَتْ مِنه القُدْرَة على الإيمان. وقد جَاء في آيَات أُخَر ما يَدُلّ على أنَّ كُفْرَهم واقِع بِمَشِيئتِهم وإرَادَتِهِم" (٢). واعتَبَر القرطبي آية "الأنعام" آية مُشْكِلة (٣). جمع القرطبي: قال القرطبي: هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيَّما وفيها: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).

стр. 155

قِيل الْمَعْنَى: ونُقَلِّبُ أفْئدَتَهم وأنْظَارَهم يَوْم القِيامَة عَلى لَهَب النَّار وحَرِّ الْجَمْر، كَمَا لَم يُؤمِنُوا في الدُّنْيا، (وَنَذَرُهُمْ) في الدُّنْيا، أيْ: نُمْهِلُهم وَلا نُعَاقِبهم، فَبَعْض الآية في الآخِرة وبَعْضها في الدُّنيا، ونَظِيرُها: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) [الغاشية: ٢]، فَهذا في الآخِرة. (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) [الغاشية: ٣] في الدُّنيا. وقيل: (وَنُقَلِّبُ) في الدُّنيا، أي نَحُولُ بَيْنَهم وبَين الإيمان لَو جَاءتهم تلك الآية، كما حُلْنَا بَيْنَهم وبَين الإيمان أوَّل مَرَّة لَمَّا دَعَوتَهُم وأظْهَرْتَ الْمُعْجِزَة، وفي التَّنْزِيل: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: ٢٤]، والْمَعْنَى: كَان يَنْبَغِي أن يُؤمِنُوا إذا جَاءتهم الآية فَرَأوها بأبْصَارِهم وعَرَفُوهَا بِقُلُوبِهم، فإذا لَم يُؤمِنُوا كَان ذَلك بِتَقْلِيبِ الله قُلُوبَهم وأبْصَارَهم (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ). وَدَخَلَتِ الكَاف على محذوف، أي: فَلا يُؤمِنُون كَمَا لَم يُؤمِنُوا بِه أوَّل مَرَّة، أي: أوَّل مَرَّة أتَتْهُم الآيَات التي عَجِزُوا عَنْ مُعَارَضَتِها مِثْل القُرآن وغيره. وقيل: ونُقَلِّبُ أفْئدَة هَؤلاء كَيْلًا يُؤمِنُوا، كَمَا لم تُؤمِن كُفَّار الأُمَم السَّالِفَة لَمَّا رَأوا ما اقْتَرَحُوا مِنْ الآيَات. وقِيل: في الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير، أي: أنَّها إذا جَاءتْ لا يُؤمِنُون كَمَا لَم يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة، ونُقَلِّبُ أفْئدَتَهم وأبْصَارَهم. (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يَتَحَيَّرُون (١). وقال في تَفْسِير سُورة البَقَرة مَا نَصّه: فالْخَتْمُ على القُلُوب عَدَم الوَعْي عَنْ الْحَقّ سُبْحَانه مُخَاطَبَاتِه والفِكْر في آيَاتِه، وعَلى السَّمْعِ عَدَم فَهْمِهم للقُرْآن إذا تُلِيَ عَلَيهم، أوْ دُعُوا إلى وَحْدَانِيَّتِه، وعَلى الأبْصَار عَدَم هِدَايَتِها للنَّظَر في مَخْلُوقَاتِه وعَجَائب مَصْنُوعَاتِه. هَذا مَعْنَى قَول ابن عباس وابن مَسعود وقادة وغيرهم … وكان فِعْل الله ذَلك عَدْلًا فِيمَن أضَلَّه وخَذَلَه، إذْ لَم

стр. 156

يَمْنَعْه حَقًّا وَجَب له فَتَزُول صِفَة العَدْل، وإنّما مَنَعَهُم مَا كَان لَه أن يَتفَضَّل به عَليهم لا مَا وَجَبَ لهم (١). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ بَعض الآية في الآخِرة، وبَعْضَها في الدُّنيا، أي: نَذَرهم في الدُّنيا في طُغْيانهم ويوم القيامة نُقَلِّبُ أفئدتهم وأبْصَارَهم على حَرِّ النَّار. ٢ - نَحُولُ بَينهم وبَين الإيمان لو جَاءتهم تلك الآية، كما حُلْنَا بَينهم وبَين الإيمان أوَّل مَرّة لَمَّا دَعَاهُم النَّبي ﷺ وأظْهَر لهم الْمُعْجِزَة. ٣ - ونُقَلِّبُ أفْئدَة هَؤلاء كَيلا يُؤمِنوا. ٤ - في الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير، أي: أنها إذا جَاءتْ لا يُؤمنون كَمَا لم يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: ذَكَر ابن جرير الأقْوال في مَعْنَى قوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة: ١٥] ثم قال: وأوْلى هَذه الأقْوال بالصَّواب في قَوله: (وَيَمُدُّهُمْ) أن يَكُون بِمَعْنى يَزِيدهم عَلى وَجْهِ الإمْلاء والتَّرْك لهم في عُتُوِّهم وتَمَرُّدِهم، كَمَا وَصَف رَبّنا أنه فَعَل بِنُظَرَائهم في قَولِه: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، يَعْنِي نَذَرُهم ونَتْرُكهم فِيه، ونُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا إلى إثْمِهم (٢). وقال في آية "الأنعام":

стр. 157

وأوْلى التَّأوِيلات في ذلك عِندي بالصَّواب أن يُقَال: إنَّ الله جَلّ ثَناؤه أخْبَر عَنْ هَؤلاء الذين أقْسَمُوا بالله جَهْد أيْمَانِهم لئن جَاءَتْهُم آيَة لَيُؤمِنن بها؛ أنه يُقَلِّبُ أفْئدَتهم وأبْصَارَهم ويُصَرِّفُها كَيف شَاء، وأنَّ ذلك بِيَدِه يُقِيمُه إذا شَاء، ويُزِيغُه إذا أرَاد، وأنَّ قَولَه: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) دَليل على مَحْذُوف مِنْ الكَلام، وأنَّ قَولَه: (كَمَا) تَشْبِيه مَا بَعْدَه بِشَيء قَبْلَه. وإذْ كان ذلك كَذلك، فالوَاجِب أن يَكُون مَعْنى الكَلام: ونُقَلِّبُ أفْئدَتهم فَنُزِيغُها عن الإيمان، وأبْصَارَهم عن رُؤية الْحَقّ ومَعْرِفَة مَوْضِع الْحُجَّة، وإن جَاءتْهم الآية التي سَألُوها فلا يُؤمِنُوا بالله ورَسُولِه ومَا جَاء بِه مِنْ عِنْد الله، كَمَا لم يُؤمِنُوا بِتَقْلِيبِنا إياها قَبل مَجِيئها مَرَّة قَبْل ذلك. وإذا كان ذلك تأويله، كانت "الهاء" مِنْ قَولِه: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ) كنايةَ ذِكْرِ التَّقْلِيب (١). وقال السمرقندي: قال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) يعني نَتْرُك قُلُوبَهم وأبْصَارَهم مُعَلَّقَة كَما هِي ولا نُوفِّقهم كَمَا لم يُؤمِنُوا بِه أوَّل مَرَّة قَبْل نُزُول الآيات. ويُقال: عِند انْشِقَاق القَمَر (٢) لَمَّا لم يَعْتَبِرُوا به ولم يُؤمِنُوا فَعَاقَبَهم الله تَعالى وَخَتَم عَلى قُلُوبِهم، فَثَبَتُوا على كُفْرِهم. (وَنَذَرُهُمْ) يَقول: ونَدَعُهم في طُغْيَانِهم، يَعْنِي في ضَلالٍ. (يَعْمَهُونَ)، يَعْني: يَتَرَدَّدُون ويَتَحَيَّرُون فِيه. ويُقال: كما لم يُؤمِنوا به أوَّل مَرَّة، يَعْنِي: كَمَا لم يُؤمِن بِه أوَائلُهم مِنْ الأُمَم الْخَالِية لَمَّا سَألُوا الآية مِنْ أنْبِيائهم ﵈ (٣).

стр. 158

واختار الثعلبي أنَّ مَعْنى آية "البقرة": طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهم وأغْلَقَها وأقْفَلَها فَلَيْستْ تَعِي خَبرًا ولا تَفْهَمه. يَدُلّ عَليه قوله: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤] (١). وفي تَفسير آية "الأنعام" ذَكَرَ قَول ابن عباس وابن زَيد: يَعْنِي: نَحُول بَيْنه وبَين الإيمان ولَو جِئنَاهُم بالآيات التي سَألُوا مَا آمَنُوا بِها كَمَا لم يُؤمِنُوا بالتي قَبْلَها مِثل انْشِقَاق القَمَر وغيره؛ عُقُوبَة لهم على ذلك. وقِيل: كَما لم يُؤمِنُوا به في الدُّنيا قَبْلَ مَمَاتهم، نَظِيره قَوله تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٣] (٢). ونَفَى الزمخشري - جريا على عقيدته - كَوْن الْخَتْم والتَّغْشِيَة على الحقيقة! فأوْرَد سؤالًا قال فيه: فإن قُلْت: مَا مَعْنَى الْخَتْم على القُلُوب والأسْمَاع وتَغْشِيَة الأبْصَار؟ قلت: لا خَتْم ولا تَغْشِيَة ثَمَّ على الْحَقِيقَة، وإنما هُوَ مِنْ بَاب الْمَجَاز، ويُحْتَمَل أن يَكُون مِنْ كِلا نَوْعَيه، وهما: الاسْتِعَارَة والتَّمْثِيل (٣). كما أوْرَد سؤالًا آخر قال فيه: فإن قُلْت: فَلِم أسْنَد الْخَتْم إلى الله تَعالى وإسْنَادُه إليه يَدُلّ على الْمَنْع مِنْ قَبُول الْحَقّ والتَّوَصّل إليه بِطُرُقِه، وهو قَبِيح، والله يَتَعالى عَنْ فِعْل القَبِيح عُلُوًّا كَبِيرًا، لِعِلْمِه بِقُبْحِه وعِلْمِه بِغِنَاه عنه. وقد نَصَّ على تَنْزِيه ذَاتِه .... إمَّا إسْنَاد الْخَتْم إلى الله فَليُنَبِّه على أنَّ هَذه الصِّفَة في فَرْط تَمَكُّنِها وثَبَات قَدَمِها، كالشَّيء الْخَلْقِي غَير العَرَضِيّ .... وكَيف يَتَخَيّل مَا خُيِّل إليك، وقَد وَرَدَت الآية نَاعِيَة على الكُفَّار شَنَاعَة صِفَتِهم وسَمَاجَة حَالِهم، ونِيطَ بِذلك الوَعِيد بِعَذابٍ عَظِيم؟ (٤)

стр. 159

وقد تَعَقّبَه ابن المنيِّر في قوله هذا، فقال: هذا أوّل عَشْواء خَبَطَها! في مَهْوَاة هَبَطَها، حيث نَزَل مِنْ منصَّة النَّصّ إلى حَضِيض تَأويلِه ابتغاء الفِتْنَة اسْتِبْقَاء لِمَا كُتِب عليه مِنْ الْمِحْنَة، فنْطَوَى كَلامُه هذا على ضَلالاتٍ أعُدّها وأرُدّها (١). ثم شَرَع في ذِكْرِها ورَدّ قول الزمخشري وتأويله. وأطال ابن عطية النَّفَس في هَذه الآية، فَقال: الْمَعْنى على مَا قَالتْ فِرْقَة: ونُقَلِّب أفْئِدَتهم وأبْصَارَهم في النَّار وفي لَهِيبِها في الآخِرَة لَمّا لَم يُؤمِنُوا في الدُّنيا، ثم استأنف على هذا: (وَنَذَرُهُمْ) في الدنيا (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (٢). وقَالَتْ فِرْقَة: إنما الْمُرَاد بالتَّقْلِيب: التَّحْويل عَنْ الْحَقّ والْهُدَى، والتَّرْك في الضَّلالَة والكُفْر. ومَعْنى الآية: أنَّ هَؤلاء الذين أقْسَموا أنَّهُم يُؤمِنُون إنْ جَاءت آيَة، نَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتهم وأبْصَارَهم أنْ لَو جَاءت فلا يُؤمِنُون بِها كَمَا لَو يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة بِمَا دُعُوا إليه مِنْ عِبَادَة الله؛ فأخْبر الله تَعالى على هذا التَّأويل بِصُورة فِعْلِه بهم. وقَالَتْ فِرْقَة: قَوله: (كَمَا) في هَذه الآية إنما هي بِمَعْنى الْمُجَازَاة، أي: لَمّا لَمْ يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة نُجَازِيهم بأن نُقَلِّب أفْئِدَتهم عن الْهُدَى ونَطْبَع على قُلُوبِهم، فَكَأنه قَال: ونَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصَارَهم جَزَاء لما لَم يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة بما دُعُوا إليه مِنْ الشَّرع، والضَّمير في: (بِهِ) يُحْتَمَل أن يَعُود على الله ، أوْ على القُرآن، أوْ على النَّبيّ ﷺ . (وَنَذَرُهُمْ) مَعْنَاه: نَتْرُكُهم (٣).

стр. 160

واستدلّ الرازي بالآية على أنَّ "الكُفْر والإيمان بِقَضَاءِ الله وقَدَرِه" (١)، وضَعَّف القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير، فقال: ومَعْنى تَقْلِيب الأفْئدَة والأبْصَار: هو أنه إذا جاءتهم الآيات القَاهِرَة التي اقْتَرَحُوها وعَرَفُوا كَيْفِيَّة دَلالَتها على صِدْق الرَّسُول - إلَّا أنه تَعالى إذا قَلّب قُلُوبَهم وأبْصَارَهم عن ذلك الوَجْه الصَّحِيح - بَقُوا على الكُفْر، ولَم يَنْتَفِعُوا بِتِلْك الآيات. والْمَقْصُود مِنْ هذه الآية تَقْرير مَا ذَكَرْنَاه في الآية الأولى مِنْ أنَّ تِلك الآيات القَاهِرة لَو جَاءتهم لَمَا آمَنُوا بها، ولَمَا انْتَفَعُوا بِظُهُورِها البتة. وأوْرَد أجْوِبَة الْمُعْتَزِلَة وضَعَّفَها (٢). ثم اخْتَارَ أنَّ قَوله تَعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) "مَحْمُول على هذا الْمَعْنى الظَّاهِر الْجَلِيّ الذي يَشْهَد بِصِحَّتِه كُلّ طَبْع سَلِيم وعَقْل مُسْتَقِيم، فلا حَاجَة البتة إلى ما ذَكَرُوه منَ التَّأوِيلات الْمُسْتَكْرَهَة، وإنما قَدَّم الله تَعالى ذِكْرَ تَقْلِيب الأفْئدَة عَلى تَقْلِيب الأبْصَار لأنَّ مَوضِع الدَّواعِي والصَّوَارِف هوَ القَلْب، فإذا حَصَلَتِ الدَّاعِية في القَلْب انْصَرَف البَصَر إليه شَاء أم أبَى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوَارِف في القَلْبِ انْصَرَف البَصَر عنه، فَهو وإن كان يُبْصِرُه في الظَّاهِر إلَّا أنه لا يَصير ذلك الإبْصَار سَببًا للوُقُوف عَلى الفَوائد الْمَطْلُوبة. وهذا هو الْمُرَاد مِنْ قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) [الأنعام: ٢٥]، فَلَمَّا كَان الْمَعْدِن هو القَلْب وأمَّا السَّمْع والبَصَر فَهُمَا آلَتَان للقَلْب كَانَا لا مَحَالة تابِعَين لأحْوال القَلْب؛ فَلِهَذا السَّبَب وَقَع الابْتِدَاء بِذِكْرِ تَقْلِيب القُلُوب في هذه الآية، ثم أتْبَعَه بِذِكْرِ تَقْلِيب البَصَر، وفي الآية الأخْرَى وَقَع الابْتِدَاء بِذِكْرِ تَحْصِيل الكِنَان (٣) في القَلْب ثم أتْبَعَه بِذِكْر السَّمْع، فَهذا هُو الكَلام

стр. 161

القَوي العَقْلِيّ البُرْهَاني الذي يَنْطَبِق عليه لَفْظ القُرآن. فَكَيف يَحْسُن مَع ذلك حَمْل هَذا اللَّفْظ على التَّكَلُّفَات التي ذَكَرُوها" (١). ثم شَرَع في إبطال الأقوال الضعيفة وَرَدّها. واخْتَار ابنُ جُزي أنَّ مَعْنى قَوله تَعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) أنه الطَّبْع على الأفْئدَة، والصَّدّ عَنْ الْفَهْم فلا يَفْهَمُون. (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا): الكَاف للتَّعْلِيل، أي: نَطْبَع على أفْئدَتهم وأبْصَارِهم عُقُوبة لهم على أنَّهم لا يُؤمِنُون بِه أوَّل مَرَّة، ويُحْتَمل أن تَكُون للتَّشْبِيه، أي: نَطْبَع عليها إذا رَأوا الآيات مِثْل طَبْعِنا عَليها أوَّل مَرَّة (٢). وضَعَّف ابن كثير ما ذَهَب إليه الزَّمَخْشَري مِنْ تَكَلُّف تَأوُّل الطَّبْع والْخَتْم عَلى القُلُوب، فَقَال ابنُ كَثير: وتأوّل (٣) الآية مِنْ خَمْسَة أوْجُه (٤) وكُلّها ضَعِيفَة جِدًّا، وَمَا جَرّأه على ذلك إلَّا اعْتِزَاله، لأنَّ الْخَتْمَ على قُلُوبِهم ومَنْعها مِنْ وُصُول الْحَقّ إليها قَبِيح عِنده - يَتَعَالى الله عنه في اعْتِقَادِه - ولَو فَهِم قَوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف: ٥]، وقوله: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، وما أشْبَه ذَلك مِنْ الآيات الدَّالَّة عَلى أنه تعالى إنما خَتَم عَلى قُلُوبِهم وحَالَ بَيْنَهم وبَيْن الْهُدَى جَزاءً وِفَاقًا على تَمَادِيهم في البَاطِل وتَرْكِهم الْحَقّ؛ وهَذا عَدْلٌ مِنْه تعالى حَسَن ولَيْس بِقَبِيح، فلو أحَاط عِلْمًا بِهَذا لَمَا قَال مَا قَال، والله أعلم. قال

стр. 162

القرطبي (١): وأجْمَعَتِ الأُمَّة على أن الله قَدْ وَصَفَ نَفْسَه بِالْخَتْم والطَّبْع عَلى قُلُوب الكَافِرين مُجَازَاة لِكُفْرِهم (٢). وأطال في ذِكْر الأقْوال في مَعْنَى آية "الأنعام" (٣). واخْتَار القاسمي أنَّ الْمُرَاد: إحْدَاث حَالَة تَجْعَل القُلُوب - بِسَبَب تَمَادِيهم في الْغَيّ وانْهِمَاكِهم في التَّقْلِيد، وإعْرَاضِهم عن مَنْهَج النَّظَر الصَّحِيح - بِحَيث لا يُؤثِّر فِيها الإنْذَار، ولا يَنْفُذ فِيها الْحَقّ أصْلًا (٤). رأي الباحث: أنَّ الْخَتْم والطَّبْع إنما هُو بِسَبَب مَا كَسَبَتْه أيْدِيهم، لا أنه خُتِم عليها ابْتِدَاء، وقد دَلَّتْ آية "الأنعام" على أن تَقْلِيب أفْئدَة هَؤلاء الْمُعَانِدِين كَيلا يُؤمِنُوا. وهَذا مِنْ بَاب الْجَزَاء عَلى كُفْرِهم عِنَادًا، كَما قَال تَعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: ٨٦]. وكما قَال الله تَعالى عن اليَهُود: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [الأنعام: ١٤٦]. وكَما قَال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [الصف: ٥]. فيَكُون قَوله تَعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) مِنْ بَاب العُقُوبَة، "أي: ونُعَاقِبهم إذا لم يُؤمِنُوا أوَّل مَرَّة يَأتيهم فِيها الدَّاعِي، وتَقُوم عليهم الْحُجَّة بِتَقْلِيب القُلُوب والْحَيْلُولَة بَيْنَهم وبَيْن الإيمان، وعَدَم التَّوفِيق لِسُلُوك

стр. 163

الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم، وهَذَا مِنْ عَدْل الله وحِكْمَتِه بِعِبَادِه، فَإنَّهُم الذين جَنَوا على أنْفُسِهم وفَتَح لهم البَاب فَلم يَدْخُلُوا، وبَيَّن لهم الطَّرِيق فَلَم يَسْلُكُوا؛ فَبَعْدَ ذَلك إذا حُرِمُوا التَّوفِيق كَان مُنَاسِبًا لأحْوَالِهم، وكَذَلك تَعْلِيقُهم الإيمان بإرَادَتِهم ومَشِيئتِهم وحْدَهم وعَدَم الاعْتِمَاد على الله مِنْ أكْبَر الغَلَط؛ فإنَّهم لَو جَاءتْهم الآيات العَظِيمَة مِنْ تَنْزِيل الْمَلائكَة غليهم يَشْهَدُون للرَّسُول بالرِّسَالة، وتَكْلِيم الْمَوتى، وبَعْثِهم بَعْد مَوْتِهم (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ) حتى يُكَلِّمَهم (قُبُلًا) وَمُشَاهَدَة ومُبَاشَرَة بِصِدْق مَا جَاء به الرَّسُول؛ مَا حَصَل لَهم الإيمان إذا لَم يَشَأ الله إيمانهم" (١). ويَدلّ عليه قَوله تعالى بَعد هذه الآية: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام: ١١١]. وقَوله تَعالى: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأعراف: ١٨٦]. كما أنَّ هذا الفِعْل بهم مِنْ بَاب الْمُقَابَلَة على فِعْلِهم، كَما قَال تَعالى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ) [السجدة: ١٤]. وكَمَا قَال ﷻ : (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [الجاثية: ٣٤]. فإن هذا ليس نِسْيَانًا مِنْ الله، فإنَّ النَّاسِي غَير مُؤاخَذ، "والنِّسْيَان هُنا بِمَعْنَى التَّرْك" (٢)، وفي الحديث أنّ الله يقول لِعبْدِه: إني أنْسَاك كَمَا نَسِيتَنِي (٣). والطَّبْع والْخَتْم والتَّغْلِيف عُقُوبَات تَقَع على القُلُوب القَاسِيَة (٤).

стр. 164

رَوى ابنُ جَرير بإسْنَادِه إلى أبي هُرَيرة قَالك قَال رَسُول الله ﷺ : إنَّ الْمُؤمِن إذا أذْنَب ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَة سَوْدَاء في قَلْبِه، فإن تَابَ ونَزَع واسْتَغْفَر صُقِلَ قَلْبُه، فإن زَاد زَادَت حَتى تُغْلِق (١) قَلْبَه؛ فَذلك الرَّان الذي قال الله جل ثناؤه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤] (٢). فأخْبَرَ ﷺ أنَّ الذُّنُوب إذا تَتَابَعَتْ عَلى القُلُوب أغْلَقَتْها (٣)، وإذا أغْلَقَتْها أتَاها حِينئذٍ الْخَتْم مِنْ قِبَلِ الله والطَّبْع، فلا يَكُون للإيمان إليها مَسْلَك، ولا للكُفْرِ مِنْها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبْع والْخَتْم الذي ذَكَرَه الله ﵎ في قَوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧] نَظِير الطَّبْع والْخَتْم عَلى مَا تُدْرِكه الأبْصَار مِنْ الأوْعِية والظُّرُوف التي لا يُوصَل إلى مَا فِيها إلَّا بِفَضّ ذلك عَنها ثم حَلّها، فَكَذَلك لا يَصِل الإيمان إلى قُلُوب مَنْ وَصَفَ الله أنه خَتَم على قُلُوبِهم إلَّا بَعْد فَضّه خَاتَمه، وحَلّه رِباطَه عنها (٤). أوْ يَكُون مِنْ بَاب التَّقْدِيم والتَّأخِير، فَيَكُون تَقْلِيب الوُجُوه في النَّار، وتَرْكُهم في الدُّنيا يَعْمَهُون، وهذا يَدُلّ عَليه قوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) [الأحزاب: ٦٦] فإن وُجُوه الكُفَّار تُقَلَّب في النَّار، والتَّوبِيخ وَارِد فِيها أيضًا. قال جلّ ثناؤه في تَوبِيخ أهْل النَّار في النَّار: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: ١٠٥ - ١٠٨].

стр. 165

"ولَو عَذَّب الله عِبَادَه أجْمَعِين كَان غَيْر ظَالِم لَهُم، كَمَا أنه إذا هَدَى ووَفَّق مَنْ شَاء مِنْهم، وأضَلّ وخَذَل مَنْ شَاء مِنْهم، كَان غَير ظَالِم لَهُم، وإنّمَا الظَّالَم مَنْ فَعَل غَير مَا أُمِرَ بِه، والله تَعالى غَيْر مَأمُور لا شَرِيك لَه" (١). كَمَا أنَّ الله لا يُعَذِّب أحَدًا حَتى يُقِيم عَليه الْحُجَج والبَرَاهِين والآيَات البَيِّنَات. روى الأئمة: أحمد (٢) وعبدُ بن حُميد (٣) وأبو داود (٤) وابن ماجه (٥) وابن حبان (٦) والبيهقي (٧) من طريق ابن الديلمي قال: أتيت أُبيّ بن كَعْب، فَقُلْتُ له: وَقَعَ في نَفْسِي شَيء مِنْ القَدَر، فَحَدِّثْنِي بِشَيء لَعَلَّه أن يَذْهَبَ مِنْ قَلْبِي، فَقَال: إنَّ الله لَو عَذَّب أهْل سَمَاواته وأهْل أرْضِه عَذَّبهم غَير ظَالِم لَهم، ولَو رَحِمَهم كَانَتْ رَحْمَته خَيرًا لهم مِنْ أعْمَالِهم. قال: ثم أتَيتُ عبد الله بن مسعود فَقَال مِثْل قَوله، ثم أتَيتُ حذيفة بن اليمان فَقَال مِثْل قَوله، ثم أتَيتُ زَيد بن ثابت فَحَدَّثَني عن النَّبِيّ ﷺ مِثْل ذلك. "فإن قِيل: كَيف تَقُوم حُجَّتُه عَليهم وقَد مَنَعَهم مِنْ الْهُدَى، وحَال بَيْنَهم وبَيْنَه؟ قِيل: حُجَّتُه قَائمَة عَليهم بِتَخْلِيَتِه بَيْنَهم وبَيْن الْهُدَى، وبَيَان الرُّسُل لَهُم، وإرَاءَتِهِم الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم حَتَّى كَأَنَّهُمْ يُشَاهِدُونه عَيَانا، وأقَام لَهُمْ أسْبَاب الْهِدَاية ظَاهِرًا وبَاطِنًا، ولم يَحُل بَيْنَهم وبَيْن تِلك الأسْبَاب، وَمَنْ حَالَ بَيْنَه وبَيْنَها مِنْهم بِزَوَال عَقْل، أوْ صِغَر لا تَمْيِيزَ مَعه، أوْ كَوْنه بِنَاحِيَة مِنْ الأرْض لَم تَبْلُغْه دَعْوة رُسلِهِ، فإنه لا يُعَذِّبه حتى يُقِيم عَليه حُجَّتَه، فَلَم يَمْنَعْهم مِنْ هَذا الْهُدَى، ولم يَحُل بَيْنَهم وبَيْنَه" (٨).

стр. 166

المثال الرابع: الْخَلْق بين الطِّين والْمَاء: قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) [الأعراف: ١١] مع قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: ٣٤] وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) [الأنعام: ٢] وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) [المؤمنون: ١٢، ١٣] الآيات. صورة التعارض: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) بِلَفْظِ الْجَمْع، أي أنَّ الْخَلْق خُلِقُوا جَمِيعًا، في حِين تَدُلّ الآيات الأخْرَى عَلى أنَّ آدَم خُلِق وَحِيدًا مُفرَدًا، ثم جَعَل لَه زَوجة وذُرِيَّة. وخُلِق آدم من طين، وجُعِل نَسْله مِنْ مَاء مَهين. جَمع القرطبي: قال القرطبي: (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) أي: خَلَقْنَاكُم نُطَفًا، ثم صَوَّرْنَاكُم، ثم إنا نُخْبِرُكم أنا قُلْنا للمَلائكَة: اسْجُدُوا لآدَم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: الْمَعْنى: خَلَقنا آدَم ثم صَوَّرْنَاكُم في ظَهْرِه. قال الأخفش: "ثُمَّ" بمعنى "الواو".

стр. 167

وقيل: الْمَعْنَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) يَعْني آدَم ﵇، ثم قُلْنا للمَلائكَة: اسْجُدُوا لآدَم، ثم صَوَّرْنَاكُم على التَّقْدِيم والتَّأخِير. وقيل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ)، يعني آدَم، ذُكِر بِلَفْظ الْجَمْع لأنه أبو البَشَر، ثم صَوَّرْناكُم رَاجِع إليه أيضًا، كَمَا يُقَال: نَحْن قَتَلْنَاكُم، قَتَلْنَا سَيِّدَكُم. (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) وعلى هذا لا تَقْدِيم ولا تَأخِير، عن ابن عباس أيضًا. وقِيل: الْمَعْنَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) يُرِيد آدَم وحَواء، فآدَم مِنْ التُّرَاب وحَوَّاء مِنْ ضِلع مِنْ أضْلاعِه، ثم وَقَع التَّصْوير بَعْد ذَلك، فَالْمَعْنَى: ولَقَد خَلَقْنَا أبَويكُم ثُمّ صَوَّرْنَاهُما، قَالَه الْحَسَن. وقِيل: الْمَعْنَى: خَلَقْنَاكُم في ظَهْر آدَم ثُمّ صَوَّرْناكُم حِين أخَذْنَا عَليكُم الْمِيثَاق. هذا قَول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحْسَن الأقْوال: يَذهب مُجَاهِد إلى أنه خَلَقَهم في ظَهْر آدم، ثم صَوَّرَهم حين أخَذ عَليم الْمِيثَاق، ثم كَان السُّجُود [لآدَم] (١) بَعْدُ. ويُقَوِّي هذا: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: ١٧٢] والْحَدِيث: أنه أخْرَجَهم أمْثَال الذَّر فَأخَذَ عليهم الْمِيثَاق (٢).

стр. 168

وقيل: ثُمّ للإخْبَار، أي: ولَقَد خَلَقْنَاكُم، يَعني في ظَهْر آدَم ﷺ ثم صَوَّرْناكُم، أي: في الأرْحَام. قال النحاس: هذا صَحِيح عن ابن عباس. قلت: كُل هَذه الأقْوال مُحْتَمَل، والصَّحِيح مِنها ما يَعْضده التَّنْزِيل، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون: ١٢] يَعني آدَم، وقال: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [النساء: ١]، ثُم قال: (جَعَلْنَاهُ) [المؤمنون: ١٣]، أي جَعَلْنا نَسْلَه وذُرِّيَّتَه (نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) [المؤمنون: ١٣] الآية، فآدَم خُلِقَ مِنْ طِين، ثم صُوِّرَ وأُكْرِم بالسُّجُود، وذُرّيِتَه صُوِّرُوا في أرْحَام الأُمَّهَات بَعد أن خُلِقُوا فِيها، وفي أصْلاب الآبَاء (١). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - خَلَقْنَاكُم نُطَفًا، ثم صَوَّرْنَاكُم. ٢ - خَلَقنا آدَم ثم صَوَّرْنَاكُم في ظَهْرِه. ٣ - خَلَقْنا آدَم ﵇، ثم قُلْنا للمَلائكَة اسْجُدُوا لآدَم، ثُمّ صَوَّرْنَاكُم؛ على التَّقْدِيم والتَّأخِير. ٤ - الْخَلْق ذُكِر بلَفْظ الْجَمْع لأن آدَم أبُو البَشَر. ٥ - خَلَقْنَاكُم في ظَهْر آدَم ثُمّ صَوَّرْناكُم حِين أخَذْنا عَليكم الْمِيثَاق، وهَذا قَول مُجاهِد. ٦ - أنَّ الله خلَق آدَم مِنْ سُلالَة مِنْ طِين، وجَعَل نَسْلَه وذُرِّيَتَه مِنْ نُطَف. وهذا مَا رَجَّحَه القُرطبي.

стр. 169

مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قال ابن جرير: اخْتَلَفَ أهْل التَّأويل في تَأويل ذلك؛ فقال بعضهم: تَأويل ذلك: ولَقَد خَلَقْنَاكُم في ظَهْر آدَم أيها النَّاس، ثم صَوَّرْنَاكُم في أرْحَام النِّسَاء خَلْقًا مَخْلُوقًا، ومِثَالًا مُمَثَّلًا في صُورَة آدَم. ثم رَوى - بإسْنَادِه - عن ابن عباس في قَولِه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) قَولَه: (خَلَقْنَاكُمْ) يَعني آدَم، وأمَّا (صَوَّرْنَاكُمْ) فَذُرِّيَّتَه. ورَوى - بإسْنَادِه - عن الرَّبيع بن أنس في قَوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) يَقول: (خَلَقْنَاكُمْ) خَلْق آدَم، (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) في بُطُون أمَّهَاتِكُم. وقال آخَرُون: بل مَعْنَى ذلك: ولَقَد خَلَقْنَاكُم في أصْلاب آبائكُم، ثم صَوَّرْناكُم في بُطُونِ أمَّهَاتِكُم. وقال آخَرُون: بل مَعْنَى ذلك: (خَلَقْنَاكُمْ)، يَعْني، آدَم. (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، يَعْني في ظَهْرِه. وقال آخَرُون: مَعْنى ذلك: ولَقَد خَلَقْناكُم في بُطُون أمَّهَاتِكُم، ثُمّ صَوَّرْناكُم فِيها ثم ذَكَر ابن جرير اخْتِيَارَه فَقَال: وأوْلَى الأقْوَال بالصَّواب قَول مَنْ قَال: تَأوِيله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) ولَقَد خَلَقْنا آدَم، (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) بِتَصْوِيرِنا آدَم، فَقَوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) مَعْنَاه: ولَقَد خَلَقْنا أبَاكُم آدَم ثُمَّ صَوَّرْناه. ثم عَلَّل اخْتِيَارَه بِقَولِه: وإنما قُلنا هَذا القَول أوْلى الأقْوال في ذلك بالصَّواب لأنَّ الذي يَتْلُو ذلك قَوله: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) [الأعراف: ١١]، ومَعْلُوم أنَّ الله ﵎ قَدْ أمَرَ الْمَلائكَة بالسُّجُود لآدَم قَبْل أنْ يُصَوِّر ذُرِّيَتَه في بُطُون أُمَّهَاتِهم، بَلْ قَبْل أنْ يَخْلُق أُمَّهَاتِهم، و (ثُمَّ)

стр. 170

في كَلام العَرَب لا تَأتي إلَّا بإيذَان انْقِطَاع مَا بَعْدَها عَمَّا قَبْلَها، وذَلك كَقَول القَائل: قُمْتُ ثم قَعَدّتُ، لا يَكُون القُعُود إذْ عُطِف به بِـ (ثُمّ) عَلى قَوله: قُمْتُ، إلَّا بَعْد القِيَام وكَذلك ذَلك في جَمِيع الكَلام. ثم رَدّ ابنُ جرير القَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير، بِقَولِه: وقَد وَجَّه بَعْض مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَته بِكَلام العَرَب ذَلك إلى أنه مِنْ الْمُؤخَّر الذي مَعْنَاه التَّقْدِيم، وزَعَم أنَّ مَعْنى ذَلك ولَقَد خَلَقْنَاكُم ثُم قُلْنا للمَلائكَة اسْجُدُوا لآدَم ثُمَّ صَوَّرْناكُم. وذَلك غَير جَائز في كَلام العَرَب، لأنها لا تُدْخِل (ثُمَّ) في الكَلام وهِي مُرَاد بِهَا التَّقْدِيم عَلى مَا قَبْلها مِنْ الْخَبر، وإن كَانُوا قَدْ يُقَدِّمُونها في الكَلام إذا كان فيه دَليل عَلى أنَّ مَعْنَاها التَّأخِير .... غَير جائز أن يَكُون أمْر الله الْمَلائكَة بالسُّجُود لآدَم كَان إلَّا بَعْد الْخَلْق والتَّصْوير لِمَا وَصَفْنَا قَبْل (١). وبالتَّقدِيم والتَّأخِير قال السمرقندي، إذْ يَقول: قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) يَعْني خَلَقْنَا آدَم وأنْتُم مِنْ ذُرِّيَّتِه، ثم (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) يَعْنِي ذُرِّيَّتِه. ويُقال: (خَلَقْنَاكُمْ) يَعْني آدَم خَلَقَه مِنْ تُرَاب (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، يَعْنِي آدَم صَوَّرَه بَعْد مَا خَلَقَه من طين. ويُقَال: (خَلَقْنَاكُمْ) نُطَفًا في أصْلاب الآبَاء (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، يَعْنِي في أرْحَام الأمَّهَات. (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ) على وَجْه التَّقْدِيم، يَعْنِي: وقُلْنا للمَلائكَة: اسْجُدُوا لآدَم، (ثم) بمعنى (الواو)، ويُقَال: مَعْنَاه خَلَقْنَاكُم وَصَوَّرْناكُم، وَقُلْنا للمَلائكَة اسْجُدُوا لآدَم (٢). أما السمعاني فإنه أوْرَد في الآية قَول أهْل التَّفْسِير وقَول أهْل اللُّغَة، وجَعَل القَول بالتَّقْديم والتَّأخِير وَجْهًا في إزَالَة الإشْكَال، فَقال:

стр. 171

قَوله تَعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) قال ابن عباس: خَلَقْنَاكُم في صُلْب آدَم، ثُمّ صَوَّرْناكُم في أرْحَام الأمَّهَات. وقال مجاهد: خَلَقْناكُم في ظَهْر آدَم، ثُمّ صَوَّرْناكُم يَوم الْمِيثَاق حِين أخْرَجَهم كالذَّرِّ (١). وقِيل: هَذا في حَقّ آدَم - صلوات الله عليه - يَعْني: خَلَقْنَا أصْلَكُم آدَم ثُمّ صَوَّرْناه، فَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْع والْمُرَاد به الوَاحِد. وقال الأخْفَش - وهو أحَد قَولي قُطْرب -: إنَّ (ثُم) بمعنى (الواو)، أي وَصَوَّرْناكُم، (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ). فإن قال قائل: الأمْر بِسُجُود الْمَلائكَة كَان قَبْل خَلْقِ بَنِي آدَم، فَمَا مَعْنى قَوله: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ) عَقيب ذِكْر الْخَلْق والتَّصْوير؟ والْجَوَاب: أمَّا على قول مجاهد وقَول مَنْ صَرَفَه إلى آدَم يَسْتَقِيم الكَلام. وأما على قول ابن عباس يَرِدُ هَذا الإشْكَال. والْجَوَاب عنه مِنْ وُجُوه: أحَدُها (٢): أنَّ الْمُرَاد به: ثم أُخْبِرُكُم أنا قُلْنا للمَلائكَة اسْجُدُوا لآدَم. وقِيل: فِيه تَقْدِيم وتَأخِير، وتَقْدِيرُه: ولَقَد خَلَقْنَاكُم، ثُمّ قُلْنَا للمَلائكَة اسْجُدُوا، ثُمّ صَوَّرْناكُم. وقِيل: (ثم) بمعنى (الواو)، أي: وَقُلْنا للمَلائكَة اسْجُدُوا، و (الواو) لا تُوجِبُ التَّرْتِيب، وهْو قَول الأخْفَش وأحَد قَولي قُطْرب، ولم يَرْضَوا (٣) مِنْهم ذَلك، فإنَّ كَلِمَة (ثُم) لا تَرِد بِمَعْنى (الواو)، وهي للتَّعْقِيب (٤).

стр. 172

وبِنحو ذلك قال الثعلبي (١). ونَقَل الثعالبي الْخِلاف في الآية، فَقَال: واخْتَلَف العُلَمَاء في تَرْتِيب هَذه الآية، لأنَّ ظَاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الْخَلْق والتَّصْوير لِبَنِي آدَم قَبْل القَول للمَلائكَة أنْ يَسْجُدُوا، وقَد صَحَّحَتِ الشَّرِيعَة أنَّ الأمْر لَم يَكُنْ كَذلك. فَقَالَتْ فِرْقَة: الْمُرَاد بِقَولِه سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) آدَم، وإنْ كَان الْخِطَاب لِبَنِيه. وقال مجاهد: الْمَعْنى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) في صُلْبِ آدَم، وفي وَقْت اسْتِخْرَاج ذُرِّيَّة آدَم مِنْ ظَهْره أمْثَال الذَّرِّ في صُورَة البَشَر. ويَتَرتَّب في هَذَين القَولَين أنْ تَكُون (ثُمّ) على بَابِهَا في التَّرْتِيب والْمُهْلَة. وقال ابن عباس والرَّبيع بن أنس: أمَّا (خَلَقْنَاكُمْ) فآدَم، وأمَّا (صَوَّرْنَاكُمْ) فَذُرِّيَّته في بُطُون الأمَّهَات. وقال قَتادة وغَيره: بَلْ ذَلك كُلّه في بُطُون الأمَّهَات مِنْ خَلْقٍ وتَصْوير. وخَلص الثعالبي إلى أنَّ " (ثُمَّ) لِتَرْتِيب الإخْبَار بِهَذه الْجُمَل، لا لِتَرْتِيب الْجُمَل في أنْفُسِها" (٢). واكْتَفَى القاسمي بِنقْل قَول أبي السُّعود، فإنه قال: وإنما نُسِبَ الْخَلْق والتَّصْوير إلى الْمُخَاطَبِين مَع أنَّ الْمُرَاد بِهِما خَلْق آدَم ﵇ وتَصْويره حَتْمًا، تَوْفِيةً لِمَقَام الامْتِنَان حَقَّه، وتَأكِيدًا لِوُجُوب الشُّكْر عَليهم، بالرَّمْزِ إلى أنَّ لهم حَظًّا مِنْ خَلْقِه ﵇ وتَصْويره، لِمَا أنهما لَيْسَا مِنْ الْخَصَائص الْمَقْصُورَة عَليه ﵇

стр. 173

كَسُجُود الْمَلائكَة لَه ﵇ بل مِنْ الأمُور السَّارِية إلى ذُرِّيَّتِه جَمِيعًا، إذْ الكُلّ مَخْلُوق في ضِمْن خَلْقِه عَلى نَمَطِه، ومَصْنُوع عَلى شَاكِلَتِه، فَكَأنهم الذي تَعَلَّق به خَلْقه وتَصْويره، أي: خَلَقْنا أَبَاكُم آدَم طِينًا غَير مُصَوَّر، ثم صَوَّرْناه أبْدَع تَصْوير وأحْسَن تَقْويم؛ سَارَ إليكُم جَمِيعًا (١). رأي الباحث: آدَم خُلِق مِنْ طِين - كما هو معلوم - ثم صُوِّرَ وأُكْرِم بالسُّجُود، وذُرِّيَّته صُوِّرُوا في أرْحَام الأمَّهَات. وأمَّا إخْرَاج ذُرِّيَّة آدم مِنْ ظَهْرِه أمْثَال الذَّرّ، فهذا بَعْد خَلْقِه، وبعد سُجُود الملائكة، ويَدُلّ عليه قوله ﷺ : لَمَّا خَلَق اللهُ آدَم مَسَحَ ظَهْرَه فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِه كُلّ نَسَمَة هُو خَالِقُها مِنْ ذُرِّيَّتِه إلى يَوم القِيامَة، وجَعَل بَيْن عَيْنَيّ كُلّ إنْسَان مِنْهم وَبِيصًا مِنْ نُور، ثم عَرضَهم على آدَم، فقال: أيْ رَبّ! مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذُرِّيَّتُك، فَرَأى رَجُلًا منهم فأعْجَبَه وَبِيص مَا بَين عَينَيه، فقال: أيْ رَبّ! مَنْ هَذا؟ فقال: هذا رَجُل مِنْ آخِر الأمُم مِنْ ذُرِّيَّتِك يُقَال له: دَاود، فقال: رَبّ كَمْ جَعَلْتَ عُمُرَه؟ قال: سِتِّين سَنَة. قال: أيّ رَبّ! زِدْه مِنْ عُمُري أرْبَعين سَنَة، فلما قَضَى عُمُر آدَم جَاءه مَلَك الْمَوْت، فقال: أوَ لَم يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أرْبَعُون سَنَة؟ قال: أوَ لَم تُعْطِها ابْنَك دَاود؟ قال: فَجَحَد آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُه، ونَسِي آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُه، وخَطِئ آدَم فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُه (٢).

стр. 174

ويَدُلّ على أنَّ هَذا كَان بَعْد خَلْق آدَم ما جَاء في الرِّوَاية الثَّانِية، وفيها: لَمَّا خَلَق اللهُ آدَم ونَفَخَ فِيه الرُّوح عَطَس، فقال: الْحَمْد لله، فَحَمِد الله بإذْنِه، فقال له رَبُّه: رَحِمَك الله يا آدَم. اذْهَب إلى أولَئك الْمَلائكَة - إلى مَلإٍ مِنْهم جُلُوس - فَقُلْ السَّلام عَليكم، قَالُوا: وعَليك السَّلام ورَحْمَة الله، ثم رَجَع إلى رَبِّه، فَقال: إنَّ هَذِه تَحِيَّتُك وتَحِيَّة بَنِيك بَيْنَهم، فَقَال اللهُ لَه، ويَدَاه مَقْبُوضَتَان: اخْتَر أيهُمَا شِئت. قال: اخْتَرْتُ يَمِين رَبِّي، وكِلْتا يَدَيّ رَبِّي يَمِين مُبَارَكة، ثم بَسَطَها فإذا فِيها آدَم وذُرِّيَّتُه، فقال: أيْ رَبّ! ما هؤلاء؟ فقال: هَؤلاء ذُرِّيَّتُك (١). والقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير مُتَّجِه، أي أنَّ الْمَعْنى: أنَّ الله خَلَق آدَم ﵇، ثُمَّ قَال للمَلائكَة: اسْجُدُوا لآدَم، ثُمّ صَوَّر بَنِي آدَم. والقول بأنَّ (ثُم) تَأتي بِمَعْنى (الواو) لَه حَظّ مِنْ النَّظَر. قال الفَيّومي: (ثم) حَرْف عَطْف، وهي في الْمُفْرَدَات للتَّرْتِيب بِمُهْلَة. وقَال الأخْفَش: هي بِمَعْنى (الواو)، لأنها اسْتُعْمِلَتْ فيما لا تَرْتِيب فِيه، نَحو: وَالله ثُمَّ وَالله لأفْعَلَنّ .... وأمَّا في الْجُمَل فلا يَلْزَم التَّرْتِيب، بَلْ قَدْ تَأتي بِمَعْنى (الواو)، نَحْو قَوله تَعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس: ٤٦] أي: والله شَاهِد عَلى تَكْذِيبِهم وعِنَادِهم، فإنَّ شَهادَة الله تعالى غير حَادِثة، ومِثْله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: ١٧] (٢).

стр. 175

المثال الخامس: تِكْرَار السُّؤَال عن السَّاعة: قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف: ١٨٧]. صورة التعارض: في نَفْس الآية، حَيث زُعِم أنَّ فِيها تِكْرَارًا، والتِّكْرَار يُعَارِض الفَصَاحَة. في الْمَوْضِعِ الأوَّل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ)، وفي الْمَوْضِع الثَّاني: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا). وفي الْمَوْضِع الأوَّل: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، وفي الْمَوْضِع الثَّاني: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ). جمع القرطبي: قال القرطبي: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أيْ: عَالِم بها كَثير السُّؤال عنها. قال ابن فارِس: الْحَفِيّ العَالِم بِالشَّيء، والْحَفِيّ الْمَسْتَقْصِي في السُّؤال. قال الأعشى: فإن تَسْألي عَنِّي فيا رُبّ سَائل حَفِيّ عن الأعْشى به حَيث أصْعَدَا يُقال: أحْفَى في الْمَسْألة وفي الطَّلَب فَهو مُحْفٍ، وحَفِيّ على التَّكْثِير، مِثْل مُخْصِب وخَصِيب. قال محمد بن يزيد: الْمَعْنى: يَسْألُونَك كَأنَّك حَفِي بالْمَسْألة عَنها، أي مُلِحّ. يَذْهَب إلى أنه لَيس في الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير. وقال ابن عباس وغيره: هُو عَل التَّقْدِيم والتَّأخِير. والْمَعْنى: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بهم، أي حَفِيّ بِبِرّهم، وفَرِحٌ بِسُؤالِهِم، وذَلك لأنهم قَالُوا: بَيْنَنا وبَيْنَك قَرَابة فأسِرَّ إلَيْنَا بِوَقْتِ السَّاعَة. (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا

стр. 176

عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لَيْس هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنّ أحَد العِلْمَينِ لِوُقُوعِها، والآخَر لِكُنْهِها (١). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - الْمَعْنَى: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ بالْمَسْألة عنها. ٢ - على التَّقْدِيم والتَّأخِير: والْمَعْنَى: يَسْألُونك عَنها كَأنك حَفِيّ بهم. ٣ - ليس في الآية تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قال قتادة: قَالَتْ قُريش للنَّبِيِّ ﷺ : نَحْن أقْرِباؤك فأسِرَّ إِلَيْنَا مَتَى السَّاعَة، فأنْزَل الله جَلَّ وَعَزَّ: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: حَفِيّ بهم. والْمَعْنَى عَلى هذا: التَّقْدِيم والتَّأخِير، أي: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيَّ لهم، أي: فَرِحٌ لِسُؤالِهم (٢). قال ابن جرير: يَقول تَعالى ذِكْرُه: يَسألُك هَؤلاء القَوم عن السَّاعَة كَأنك حَفِيّ عنها. فقال بَعضهم: يَسْألُونَك عنها كَأنك حَفِيّ بهم، وقَالُوا: مَعْنى قَوله: (عَنْهَا) التَّقْدِيم، وإن كَان مُؤَخَّرًا. وقال آخَرُون: بل مَعْنى ذَلك كَأنك قَدْ اسْتَحْفَيْتَ الْمَسألة عَنها، فَعَلِمْتَها.

стр. 177

ثم قال: وأوْلى القَولين في ذلك بالصَّواب قَول مَنْ قَال: مَعْنَاه كَأنك حَفِيّ بالْمَسْأَلَة عنها، فَتَعْلَمها. فإن قَال قَائل: وكَيف قِيل: (حَفِيٌّ عَنْهَا) ولم يَقُل: حَفِيّ بها، إنْ كَان ذلك تَأوِيل الكَلام؟ قِيل: إنَّ ذَلك قِيل كَذلك، لأنَّ الْحَفَاوة إنما تَكُون في الْمَسْألة، وهي البَشَاشَة للمَسْؤول عِند الْمَسْألة، والإكْثَار مِنْ السُّؤال عنه، والسُّؤال يُوصِل بـ (عن) مُرّة وبـ (الباء) مَرّة، فيُقَال: سَألْتُ عنه، وسَألْتُ به، فَلَمَّا وَضِع قَوله حَفِيّ مَوْضِع السُّؤال وُصِل بأغْلَب الْحَرْفَين اللَّذَين يُوصَل بِهِما السُّؤال، وهْو (عن) كما قال الشَّاعر: سُؤال حَفِيّ عن أخِيه كَأنه بِذِكْرَتِه وَسْنَانُ أوْ مُتَوَاسِنُ وأمَّا قَوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإنَّ مَعْنَاه: قُلْ يا مُحَمَّد لِسَائلِيك عَنْ وَقْت السَّاعَة، وحِين مَجِيئها: لا عِلْمَ لي بِذَلك، ولا يَعْلَم بِه إلَّا الله الذي يَعْلَم غَيْب السَّمَاوات والأرْض (١). وقال السمرقندي: قَوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) يَعني عَنْ قِيام السَّاعة. (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يَعني مَتى حِينها وقِيامها. ويُقال: هَذا الكَلام على الاخْتِصَار، وَمَعْنَاه: أي أَوَان قيامها. ثم قال: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) يَعني علْم قيَام السَّاعَة عند رَبي، ومَا لِي بِها مِنْ عِلْم .... ثم قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قال مُقاتل: كَأنك اسْتَخْفَيْتَ عنها السُّؤال حتى عَلِمْتَها. وقال القَتَبي: أي كَأنك حَفِيّ تَطْلُب عِلْمها، ومِنه يُقَال: تَحَفّى فُلان بالقَوم، إذا بَالَغ في البِرّ. ويُقَال: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يَعْني كَأنك جَاهِل بها. ويُقال: في الآية تَقْدِيم، ومَعْنَاه: يَسْألُونَك عَنْها كَأنك عَالِم بها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) .... ثم قال:

стр. 178

(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) يَعني عِلْم قِيامِها عِنْد الله، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أنها كَائنَة، ولا يُصَدِّقُون بها (١). وقال السمعاني: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: كَأنك مَسْرُور بِسُؤالِهِم عنها. يُقَال: تَحَفَّيْتُ فُلانًا في الْمَسْألة، إذا سَألْته وأظْهَرْت السُّرُور في سُؤالِك، فَعَلَى هَذا تَقْدير الآية: يَسْأَلُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِسُؤالِهِم. وقِيل: مَعْنَاه: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ عَنها، أي عَالِم بها. يُقال: أحْفَيْت فُلانًا، إذا مَا بَالَغْتُ في الْمَسْألة عَنه حَتَّى عَلِمْتَ، فَعَلى هذا مَعْنى الآية: كَأنك حَفِيّ عَنها، أي: كَأنك بَالَغْتَ في السُّؤال عَنها حتى عَلِمْتَ (٢). وبالقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير قال الثعلبي، فإنه قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قَال أهْل التَّفْسِير: في الآية تَقْدِيم وتَأخِير، تَقْدِيرُها: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ، أي بَارّ فِيهم، صَدِيق لَهُمْ قَرِيب، قاله ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد والضحاك: كَأنك عَالِم بِهَا. وقد يُوضع (عن) موضع مع (٣) الياء (٤). واخْتَار ابن عَطِيَّة أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد، فَقَال: أمَرَهُ ثَانِية بأن يُسْلِم العِلْم تَأكِيدًا للأمْر وتَهَمُّمًا به .... وقِيل: العِلْم الأوَّل عِلْم قِيَامِهَا، والثَّاني عِلْم كُنْهِها وحَالِها (٥).

стр. 179

وبِمِثْل ذَلك قال النَّسَفيّ: وكَرَّرَ (يَسْأَلُونَكَ) و (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) للتَّأكِيد، ولِزِيَادَة (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا)، وعَلى هذا تَكْرِير العُلَمَاء في كُتُبِهم لا يَخْلُوَنَّ الْمُكَرَّرُ مِنْ فَائدَة (١). وبِمِثْلِه قال الشوكاني: أمَرَه اللهُ سُبحانه بأن يُكَرِّر مَا أجَاب بِه عَليهم سَابِقا، لِتَقْرِير الْحُكْمِ وتَأكِيدِه. وقِيل: لَيْس بِتَكْرِير، بَلْ أحَدُهُما مَعْنَاه الاسْتِئْثَار بِوُقُوعِها، والآخَر الاسْتِئْثَار بِكُنْهِها نَفْسِها (٢). ورَجَّح ابن كثير أنَّ مَعْنى الآيَة: كَأنك بِها عَالِم. فإنه ذَكَر الأقْوَال في الآية ثم قَال: وقال عَبد الرحمن بن زَيد بن أسْلم: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا): كَأنك بِهَا عَالِم، وقَد أخْفَى الله عِلْمَها عَلى خَلْقِه، وقَرأ (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤] الآيَة. وهَذا القَول أرْجَح في الْمَعْنى مِنْ الأوَّل (٣). رأي الباحث: لَيْس في الآيَة تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها. أوْ أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد. وأنَّ في الآية تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا: والْمَعْنَى: يَسْأَلونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِهِمْ.

стр. 180

المبحث الرابع: اختلاف المناسبة "الْمُنَاسَبَة في اللُّغَة: الْمُشَاكَلَة والْمُقَارَبَة، ومَرْجِعُها في الآيات ونَحْوها إلى مَعْنَى رابِط بَيْنَهما عَامّ أوْ خَاصّ، عَقليّ، أوْ حِسِّيّ، أوْ خَيَالِيّ، أوْ غَير ذلك مِنْ أنْوَاع عِلاقَات التَّلازُم الذِّهْني، كالسَّبَب والْمُسَبَّب، والْعِلّة والمعلُول، والنَّظِيرين والضِّدّين ونحوه" (١). "وفَائدَته: جَعْل أجْزَاء الكَلام بَعْضها آخِذًا بأعْنَاق بَعْض، فَيَقْوَى بذلك الارْتِبَاط ويَصِير التَّألِيف حَاله حَال البِنَاء الْمُحْكَم الْمُتَلائم الأجْزَاء" (٢)، فَنَقُول: ذِكْر الآيَة بَعْد الأخْرَى إمَّا أن يَكُون ظَاهِر الارْتِبَاط لِتَعَلّق الكَلِم بَعْضه بِبَعْض وعَدَم تَمَامه بِالأُولى؛ فَوَاضِح، وكَذلك إذا كَانت الثَّانية للأولى عَلى وَجْه التَّأكِيد، أوْ التَّفْسِير، أوْ الاعْتِراض، أوْ البَدَل، وهَذا القِسْم لا كَلام فِيه" (٣). "وعِلْم الْمُنَاسَبَة عِلْم شَرِيف قَلّ اعْتِنَاء الْمُفَسِّرِين بِه لِدِقَّتِه، ومِمَّن أكْثر مِنْه الإمَام فَخْر الدِّين، وقال في تَفْسِيره: أكْثر لَطَائف القُرآن مُودَعَة في التَّرْتِيبَات والرَّوَابط" (٤). "وقَال الشَّيخ عِزّ الدِّين بن عبد السلام: الْمُنَاسَبة عِلْم حَسَن، لَكِن يُشتَرَط في حُسْن ارْتِبَاط الكَلام أن يَقَع في أمْر مُتَّحِد أوّله بآخِره، فإن وَقَع على أسْبَاب مُخْتَلِفَة لَم يَقَع فيه ارْتِبَاط، ومَن رَبَط ذَلك فَهو مُتَكَلِّف بِمَا لا يَقْدِر عليه إلَّا بِربْطٍ رَكيك، يُصَان
следующие страницы →