عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لَيْس هَذا تَكْرِيرًا، ولَكِنّ أحَد العِلْمَينِ لِوُقُوعِها، والآخَر لِكُنْهِها (١).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - الْمَعْنَى: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ بالْمَسْألة عنها.
٢ - على التَّقْدِيم والتَّأخِير: والْمَعْنَى: يَسْألُونك عَنها كَأنك حَفِيّ بهم.
٣ - ليس في الآية تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها.
مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال قتادة: قَالَتْ قُريش للنَّبِيِّ ﷺ : نَحْن أقْرِباؤك فأسِرَّ إِلَيْنَا مَتَى السَّاعَة، فأنْزَل الله جَلَّ وَعَزَّ: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: حَفِيّ بهم. والْمَعْنَى عَلى هذا: التَّقْدِيم والتَّأخِير، أي: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيَّ لهم، أي: فَرِحٌ لِسُؤالِهم (٢).
قال ابن جرير: يَقول تَعالى ذِكْرُه: يَسألُك هَؤلاء القَوم عن السَّاعَة كَأنك حَفِيّ عنها.
فقال بَعضهم: يَسْألُونَك عنها كَأنك حَفِيّ بهم، وقَالُوا: مَعْنى قَوله: (عَنْهَا) التَّقْدِيم، وإن كَان مُؤَخَّرًا.
وقال آخَرُون: بل مَعْنى ذَلك كَأنك قَدْ اسْتَحْفَيْتَ الْمَسألة عَنها، فَعَلِمْتَها.
стр. 177
ثم قال: وأوْلى القَولين في ذلك بالصَّواب قَول مَنْ قَال: مَعْنَاه كَأنك حَفِيّ بالْمَسْأَلَة عنها، فَتَعْلَمها. فإن قَال قَائل: وكَيف قِيل: (حَفِيٌّ عَنْهَا) ولم يَقُل: حَفِيّ بها، إنْ كَان ذلك تَأوِيل الكَلام؟ قِيل: إنَّ ذَلك قِيل كَذلك، لأنَّ الْحَفَاوة إنما تَكُون في الْمَسْألة، وهي البَشَاشَة للمَسْؤول عِند الْمَسْألة، والإكْثَار مِنْ السُّؤال عنه، والسُّؤال يُوصِل بـ (عن) مُرّة وبـ (الباء) مَرّة، فيُقَال: سَألْتُ عنه، وسَألْتُ به، فَلَمَّا وَضِع قَوله حَفِيّ مَوْضِع السُّؤال وُصِل بأغْلَب الْحَرْفَين اللَّذَين يُوصَل بِهِما السُّؤال، وهْو (عن) كما قال الشَّاعر:
سُؤال حَفِيّ عن أخِيه كَأنه بِذِكْرَتِه وَسْنَانُ أوْ مُتَوَاسِنُ
وأمَّا قَوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإنَّ مَعْنَاه: قُلْ يا مُحَمَّد لِسَائلِيك عَنْ وَقْت السَّاعَة، وحِين مَجِيئها: لا عِلْمَ لي بِذَلك، ولا يَعْلَم بِه إلَّا الله الذي يَعْلَم غَيْب السَّمَاوات والأرْض (١).
وقال السمرقندي: قَوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) يَعني عَنْ قِيام السَّاعة. (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يَعني مَتى حِينها وقِيامها. ويُقال: هَذا الكَلام على الاخْتِصَار، وَمَعْنَاه: أي أَوَان قيامها. ثم قال: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) يَعني علْم قيَام السَّاعَة عند رَبي، ومَا لِي بِها مِنْ عِلْم .... ثم قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قال مُقاتل: كَأنك اسْتَخْفَيْتَ عنها السُّؤال حتى عَلِمْتَها.
وقال القَتَبي: أي كَأنك حَفِيّ تَطْلُب عِلْمها، ومِنه يُقَال: تَحَفّى فُلان بالقَوم، إذا بَالَغ في البِرّ. ويُقَال: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) يَعْني كَأنك جَاهِل بها. ويُقال: في الآية تَقْدِيم، ومَعْنَاه: يَسْألُونَك عَنْها كَأنك عَالِم بها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) .... ثم قال:
стр. 178
(قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) يَعني عِلْم قِيامِها عِنْد الله، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أنها كَائنَة، ولا يُصَدِّقُون بها (١).
وقال السمعاني: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي: كَأنك مَسْرُور بِسُؤالِهِم عنها.
يُقَال: تَحَفَّيْتُ فُلانًا في الْمَسْألة، إذا سَألْته وأظْهَرْت السُّرُور في سُؤالِك، فَعَلَى هَذا تَقْدير الآية: يَسْأَلُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِسُؤالِهِم. وقِيل: مَعْنَاه: يَسْألُونَك كَأنك حَفِيّ عَنها، أي عَالِم بها. يُقال: أحْفَيْت فُلانًا، إذا مَا بَالَغْتُ في الْمَسْألة عَنه حَتَّى عَلِمْتَ، فَعَلى هذا مَعْنى الآية: كَأنك حَفِيّ عَنها، أي: كَأنك بَالَغْتَ في السُّؤال عَنها حتى عَلِمْتَ (٢).
وبالقَول بالتَّقْدِيم والتَّأخِير قال الثعلبي، فإنه قال: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) قَال أهْل التَّفْسِير: في الآية تَقْدِيم وتَأخِير، تَقْدِيرُها: يَسْألُونَك عَنها كَأنك حَفِيّ، أي بَارّ فِيهم، صَدِيق لَهُمْ قَرِيب، قاله ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد والضحاك: كَأنك عَالِم بِهَا. وقد يُوضع (عن) موضع مع (٣) الياء (٤).
واخْتَار ابن عَطِيَّة أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد، فَقَال: أمَرَهُ ثَانِية بأن يُسْلِم العِلْم تَأكِيدًا للأمْر وتَهَمُّمًا به .... وقِيل: العِلْم الأوَّل عِلْم قِيَامِهَا، والثَّاني عِلْم كُنْهِها وحَالِها (٥).
стр. 179
وبِمِثْل ذَلك قال النَّسَفيّ: وكَرَّرَ (يَسْأَلُونَكَ) و (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) للتَّأكِيد، ولِزِيَادَة (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا)، وعَلى هذا تَكْرِير العُلَمَاء في كُتُبِهم لا يَخْلُوَنَّ الْمُكَرَّرُ مِنْ فَائدَة (١).
وبِمِثْلِه قال الشوكاني: أمَرَه اللهُ سُبحانه بأن يُكَرِّر مَا أجَاب بِه عَليهم سَابِقا، لِتَقْرِير الْحُكْمِ وتَأكِيدِه. وقِيل: لَيْس بِتَكْرِير، بَلْ أحَدُهُما مَعْنَاه الاسْتِئْثَار بِوُقُوعِها، والآخَر الاسْتِئْثَار بِكُنْهِها نَفْسِها (٢).
ورَجَّح ابن كثير أنَّ مَعْنى الآيَة: كَأنك بِها عَالِم.
فإنه ذَكَر الأقْوَال في الآية ثم قَال: وقال عَبد الرحمن بن زَيد بن أسْلم: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا): كَأنك بِهَا عَالِم، وقَد أخْفَى الله عِلْمَها عَلى خَلْقِه، وقَرأ (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤] الآيَة. وهَذا القَول أرْجَح في الْمَعْنى مِنْ الأوَّل (٣).
رأي الباحث:
لَيْس في الآيَة تِكْرَار، لأنَّ قَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لِوُقُوعِها، وقَولَه: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لكُنْهِها وحَقِيقَتِها.
أوْ أنَّ التِّكْرَار في الآية للتَّأكِيد.
وأنَّ في الآية تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا: والْمَعْنَى: يَسْأَلونَك عَنها كَأنك حَفِيّ بِهِمْ.
стр. 180
المبحث الرابع: اختلاف المناسبة
"الْمُنَاسَبَة في اللُّغَة: الْمُشَاكَلَة والْمُقَارَبَة، ومَرْجِعُها في الآيات ونَحْوها إلى مَعْنَى رابِط بَيْنَهما عَامّ أوْ خَاصّ، عَقليّ، أوْ حِسِّيّ، أوْ خَيَالِيّ، أوْ غَير ذلك مِنْ أنْوَاع عِلاقَات التَّلازُم الذِّهْني، كالسَّبَب والْمُسَبَّب، والْعِلّة والمعلُول، والنَّظِيرين والضِّدّين ونحوه" (١).
"وفَائدَته: جَعْل أجْزَاء الكَلام بَعْضها آخِذًا بأعْنَاق بَعْض، فَيَقْوَى بذلك الارْتِبَاط ويَصِير التَّألِيف حَاله حَال البِنَاء الْمُحْكَم الْمُتَلائم الأجْزَاء" (٢)، فَنَقُول: ذِكْر الآيَة بَعْد الأخْرَى إمَّا أن يَكُون ظَاهِر الارْتِبَاط لِتَعَلّق الكَلِم بَعْضه بِبَعْض وعَدَم تَمَامه بِالأُولى؛ فَوَاضِح، وكَذلك إذا كَانت الثَّانية للأولى عَلى وَجْه التَّأكِيد، أوْ التَّفْسِير، أوْ الاعْتِراض، أوْ البَدَل، وهَذا القِسْم لا كَلام فِيه" (٣).
"وعِلْم الْمُنَاسَبَة عِلْم شَرِيف قَلّ اعْتِنَاء الْمُفَسِّرِين بِه لِدِقَّتِه، ومِمَّن أكْثر مِنْه الإمَام فَخْر الدِّين، وقال في تَفْسِيره: أكْثر لَطَائف القُرآن مُودَعَة في التَّرْتِيبَات والرَّوَابط" (٤).
"وقَال الشَّيخ عِزّ الدِّين بن عبد السلام: الْمُنَاسَبة عِلْم حَسَن، لَكِن يُشتَرَط في حُسْن ارْتِبَاط الكَلام أن يَقَع في أمْر مُتَّحِد أوّله بآخِره، فإن وَقَع على أسْبَاب مُخْتَلِفَة لَم يَقَع فيه ارْتِبَاط، ومَن رَبَط ذَلك فَهو مُتَكَلِّف بِمَا لا يَقْدِر عليه إلَّا بِربْطٍ رَكيك، يُصَان
стр. 181
عن مِثْله حَسَن الْحَدِيث، فَضْلًا عن أحْسَنه، فإنَّ القُرآن نَزَل في نَيِّف وعِشْرِين سَنَة، في أحْكَام مُختلِفَة، ومَا كان كَذلك لا يَتَأتّى رَبْط بَعْضِه بِبَعْض" (١).
وقال الشيخ وليّ الدين الملوي: قَدْ وَهِم مَنْ قَال: لا يُطلَب للآية الكَرِيمة مُناسَبَة؛ لأنها على حَسَب الوَقَائع الْمُتَفَرِّقَة، وفَصْل الْخِطَاب أنها على حَسَب الوَقَائع تَنْزِيلًا، وعلى حَسَب الْحِكْمَة تَرْتِيبًا وتَأصِيلًا (٢).
وتقدَّم في الْمَبْحَث السَّابِق أنَّ مِنْ أسْبَاب التَّقْدِيم والتَّأخِر: الْمُنَاسَبَة؛ وهي إمَّا مُنَاسَبة الْمُتَقَدِّم لِسِيَاق الكَلام، وإمَّا مُنَاسَبة لَفْظ هُو مِنْ التَّقَدُّم أوْ التَّأخُّر (٣).
والذي يَظْهَر أنه يُقْصَد بـ (الْمُنَاسَبَة) أمْرَان:
الأول: مُناسَبة الآي والسُّوَر، وهو ما يُعَبَّر عنه - أحيانًا - بـ (التَّنَاسُب) (٤).
الثاني: مُناسَبة ذلك اللَّفْظ، أوْ تِلك العِبَارة لِذَلك الْمَوْضِع دُون غيره (٥)، وهو مَا يَعْنِي البَاحِث في هَذا الْمَبْحَث.
وقد يُتوَهَّم التَّعَارُض بِسَبَب اخْتِلاف الْمُنَاسَبة، وقد أشْكَلَتْ مَواضِع منها على بَعْض التَّابِعين - كما سَيأتي في هَذا الْمَبْحَث -.
جمع القرطبي:
قال القرطبي:
رَوَى البُخَاري (١) عن سَعيد بن جُبير قَال: قَال رَجُل (٢) لابْنِ عباس: إني أجِدُ في القُرْآن أشْيَاء تَخْتَلِف عَليَّ. قال: مَا هُو؟ (٣) قال: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) [المؤمنون: ١٠١]، وقال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]، وقال: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: ٤٢]، وقال: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣] فَقَد كَتَمُوا في هَذه الآية. وفي "النازعات": (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) إلى قوله: (دَحَاهَا)، فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاء قَبْل الأرْض، ثم قال: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى (طَائِعِينَ)، فَذَكَرَ في هذا خَلْقَ الأرْض قَبْل خَلْق السَّمَاء … فقال ابن عباس: - وَذَكَر أجْوِبَة (٤) - قال: وخَلَقَ اللهُ الأرْض في يَومَين، ثُمّ اسْتَوى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنّ سَبْع سَمَاوَات في يَومَين، ثُمّ دَحَا الأرْض، أي بَسَطَها، فأخْرَج مِنْها الْمَاء والْمَرْعَى، وخَلَق فيها الْجِبَال والأشْجَار والآكَام ومَا بَيْنَها في يَومَين آخَرَين، فَذَلك قَوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، فَخُلِقَتِ الأرْض ومَا فِيها في أرْبَعة أيام، وخُلِقَتِ السَّمَاء في يَومَين (٥).
وقال في تَفْسير "فُصِّلتْ": (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) في تَتِمَّة أرْبَعة أيام، ومِثَاله قَول القائل: خَرَجْتُ مِنْ البصْرة إلى بَغْدَاد في عَشرَة أيام، وإلى الكُوفة في خَمْسَةَ عَشَر يَومًا، أي: في تَتِمَّة خَمْسَةَ عَشَرَ يَومًا. قال مَعْنَاه ابن الأنباري وغيره (٦) … وظَاهِر هَذه الآية يَدُلّ
стр. 184
على أنَّ الأرْض خُلِقَتْ قَبْل السَّمَاء. وقال في آية أخرى: (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) ثُمّ قَال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، وهَذا يَدُلّ على خَلْق السَّمَاء أوَّلًا. وقال قَوم: خُلِقَتِ الأرْض قَبْل السَّمَاء. فأمَّا قَوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، فالدَّحْو غير الْخَلْق، فاللهُ خَلَق الأرْض، ثُمّ خَلَق السَّمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض، أي مَدَّها وبَسَطَها. قاله ابن عباس (١).
وقال في تفسير "النَّازِعَات": وَذَكَر بَعض أهْل العِلْم أنَّ بَعْد في مَوضِع (مَعَ)، كَأنّه قال: والأرْضَ مَع ذلك دَحَاهَا، كَمَا قَال تَعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) [القلم: ١٣] .... وقِيل: (بَعْد) بِمَعْنى (قَبْل)، كَقَوله تَعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) [الأنبياء: ١٠٥] أي: مِنْ قَبْل الفُرْقَان.
وقيل: (دَحَاهَا) حَرَثها وشَقّها. قاله ابن زيد.
وقيل: (دَحَاهَا) مَهّدَها للأقْوَات. والْمَعْنى مُتَقَارِب (٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - خَلَق اللهُ الأَرض في يَومَين، ثم اسْتَوى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنّ سَبْع سَمَاوَات في يَومَين، ثُمّ دَحَا الأرْض في يَومَين؛ فَهذِه سِتَّة أيام.
٢ - قوله تعالى: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) ثُمّ قَال: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)، أي: في تَتِمَّة أرْبَعَة أيام.
٣ - أنَّ الدَّحْو غَير الْخَلْق، فالله خَلَق الأرْض، ثم خَلَق السَّمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض.
٤ - أنَّ بَعْد بِمَعْنى مَع، أي: مَع ذلك دَحَاهَا.
٥ - نَقَل قَولًا لم يُعوِّل عليه، وهو أنَّ السَّمَاء خُلِقَتِ قَبْل الأرْض.
стр. 185
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
الإجْمَاع مُنعقِد بين المفسِّرِين عَلى أنَّ السَّمَاوات والأرْض خُلِقَتْ في سِتَّة أيام.
قال السَّمعاني: وأجْمَعُوا عَلى أنَّ خَلْق الكُلّ كَان في سِتَّة أيام لا في ثَمَانِية أيام، بل أرَاد به أرْبَعة أيام مَع اليَومَين (١).
ورَوى ابنُ جَرير بإسْناده إلى عليّ عن ابْنِ عباس في قَوله (٢) حَيث ذَكَرَ خَلْق الأرْض قَبْل السَّماء، ثم ذَكَر السَّمَاء قَبْل الأرْض، وذَلك أنَّ الله خَلَق الأرْض بأقْوَاتِهَا مِنْ غَير أنْ يَدْحُوها قَبْل السَّمَاء، ثم اسْتَوى إلى السَّمَاء فَسَوّاهن سَبْع سَمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض بَعْد ذلك؛ فَذلك قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا).
وتَسَاءَل ابنُ جرير فَقال: فإن قَال لَنا قَائل: فما صِفَة تَسْوية الله جل ثناؤه السَّمَاوات التي ذَكَرَها في قوله: (فَسَوَّاهُنَّ)، إذْ كُنَّ قد خُلقْنَ سَبْعًا قَبْل تَسْوِيَتِه إياهُنّ؟ ومَا وَجْه ذِكْرِ خَلْقِهن بَعْد ذِكْر خَلْق الأرْض؟ أَلَانها خُلِقَتْ قَبْلها أمْ بمعنى غير ذلك؟ (٣)
ثم قال بَعْد أنْ سَاق الرِّوَايات في هذا البَاب: فَمَعْنَى الكَلام إذًا: هُو الذي أنْعَم عَليكم، فَخَلَقَ لَكُمْ مَا في الأرْض جَمِيعًا، وسَخَّرَه لَكُمْ تَفَضُّلًا مِنه بِذلك عَليكم، ليكون لَكُمْ بَلاغًا في دُنْياكُم، ومَتَاعًا إلى مُوَافاة آجَالِكم، ودَلِيلًا لَكُمْ عَلى وَحْدَانِيَّة رَبّكم، ثم عَلا إلى السَّمَاوات السَّبْع وهي دُخَان، فَسَوّاهن وحَبَكَهُنّ، وأجْرَى في بَعْضِهن شَمْسَه وقَمَرَه ونُجُومَه، وقَدَّر في كُلّ وَاحِدة مِنْهُنّ مَا قَدَّر مِنْ خَلْقِه (٤).
стр. 186
وأمَّا في تَفْسِير "فُصِّلت" فَقال: وقَال بَعْض نَحْويي البَصْرَة: قال: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)، ثم قَال: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)؛ لأنه يَعني أنَّ هَذا مَع الأوَّل أرْبَعَة أيام، كَمَا تَقُول: تزوّجْت أمسِ امْرَأة، واليَوم اثْنَتَين، وإحْدَاهُما التي تَزَوّجْتها أمْس (١).
وذَكَر الاخْتِلاف في مَعْنَى "الدّحْو"، فَقَال في قَوله تَعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا): اخْتَلَف أهْل التَّأويل في مَعْنَى قَوله: (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ فَقَال بَعْضُهم: دُحِيَت الأرْض مِنْ بَعْد خَلْق السَّمَاء - ثم ذَكَر مَنْ قَال ذَلك -.
وقال آخَرُون: بل مَعْنَى ذَلك: والأرْض مَع ذَلك دَحَاهَا. وقَالُوا: الأرْض خُلِقت ودُحِيَت قَبْل السَّمَاء، وذلك أنَّ الله قَال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)، قَالوا: فأخْبَر الله أنه سَوّى السَّمَاوات بَعْد أنْ خَلَق مَا في الأرْض جَمِيعًا. قَالوا: فَإذا كَان ذَلك كَذلك، فَلا وَجْه لِقَوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) إلَّا مَا ذَكَرْنا مِنْ أنه: مَع ذَلك دَحَاهَا. قَالوا: وذَلك كَقَول الله : (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)، بِمَعْنى: مَع ذَلك زَنِيم … وكَمَا قَال جلّ ثَناؤه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي: مِنْ قَبْلِ الذِّكْر - ثم ذَكَر مَنْ قال ذلك -
ورَجَّح قَول ابن عباس، فقال: والقَول الذي ذَكَرْناه عَنْ ابن عباس مِنْ أنّ الله تَعالى خَلَق الأرْض، وقَدَّر فِيها أقْوَاتَها، ولم يَدْحُها، ثم اسْتَوى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنّ سَبْع سَمَاوَات، ثم دَحَا الأرْض بَعْد ذَلك؛ فأخْرَجَ منها مَاءها ومَرْعَاهَا، وأرْسَى جِبَالَهَا؛ أشْبَه بِمَا دَلّ عليه ظَاهِر التَّنْزِيل، لأنه جَلّ ثَناؤه قَال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، والْمَعْرُوف مِنْ مَعْنى (بَعْدَ) أنه خِلاف مَعْنَى (قَبْل)، ولَيس في دَحوِّ الله الأرْض بَعْد تَسْوِيَتِه السَّمَاوَات السَّبْع، وإغْطَاشِه لَيْلها، وإخْرَاجِه ضُحَاهَا، ما يُوجِب أنْ تَكُون
стр. 187
الأرْض خُلِقَت بَعْد خَلْق السَّمَاوَات، لأنَّ الدَّحْوّ إنَّمَا هُو البَسْط في كَلام العَرَب والْمَدّ، يُقال مِنه: دَحَا يَدْحُو دَحْوا، ودَحيْتُ أدْحى دَحْيا، لغتان.
وبِنَحْوِ الذي قُلْنَا في مَعْنى قَوله: (دَحَاهَا) قال أكْثَر أهْل التَّأويل (١).
وأما السمرقندي فَقال في قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ):
اللفظ لَفْظ الاسْتفْهَام، والْمُرَاد به الزَّجْر، يَعني: أئنكُم لَتُكَذِّبُون بالْخَالِق الذي خَلَق الأرْض في يَومَين، يَعْني في يَوم الأحَد ويَوم الاثْنين؛ فَبَدَأ خَلْقَها في يَوم الأحَد، وبَسَطَها في يَوم الاثْنين.
ثم قال: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) يَعْني: مِنْ أيام الآخِرة. ويُقَال: مِنْ أيام الدُّنيا. (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) يَعْنِي: لِمَنْ سَأل الرِّزْق، ومَن لَم يَسْأل (٢).
وقال الثعلبي: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) يَعْني: أنَّ هَذا مَع الأوَّل أرْبَعة أيام، كَمَا يَقول (٣): تَزَوّجْتُ أمْس امْرَأة واليَوم اثْنَتَين، وأحَدُهما التي تَزَوَّجْتها أمْس. ويُقال: أتَيت وَاسِط في خَمْسَة والبَصْرَة في عَشَرة، فالْخَمْسَة مِنْ جُمْلَة العَشَرة، فَرَدّ الله سبحانه الآخِر على الأوَّل، وأجْمَلَه في الذِّكْر (٤).
وقال في مَوْضِع آخَر: و (بَعْد) بِمَعْنى (قَبْل)، كَقَولِه: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) [الكهف: ٧٩] أي: أمَامَهم، وقوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) أي: قَبْل ذلك (٥).
وفي صحيح البخاري (١) أنَّ ابنَ عَباس سُئل عَنْ هَذا بِعَيْنِه فأجَاب بِأنَّ الأرْض خُلِقَت قَبْل السَّمَاء، وأنَّ الأرض إنما دُحِيتْ بَعْد خَلْق السَّمَاء، وكَذلك أجَاب غَير واحِد مِنْ عُلَمَاء التَّفْسِير قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقد حَرَّرْنا ذلك في سُورة النازعات، وحَاصِل ذلك أن الدَّحْي مُفَسَّرٌ بِقَولِه تَعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا)، فَفَسَّر الدَّحْي بإخْرَاج مَا كَان مُودَعًا فِيها بالقُوَّة إلى الفِعْل لَمَّا أُكْمِلَت صُورَة الْمَخْلُوقَات الأرْضِيَّة، ثمّ السَّمَاوِيَّة، دَحَا بَعْد ذَلك الأرْض، فأخْرَجَتْ مَا كَان مُودَعًا فِيها مِنْ الْمِيَاه، فَنَبَتَتْ النَّبَاتَات عَلى اخْتِلاف أصْنَافِها وصِفَاتِها وألْوَانِها وأشْكَالِها، وكَذلك جَرَتْ هَذه الأفْلاك فَدَارَتْ بِمَا فِيها مِنْ الكَواكِب الثَّوابِت والسَّيَّارَة، والله أعلم (٢).
وقال القاسمي: وقَد اسْتُدِلّ بِقَوله: (ثُمَّ اسْتَوَى) على أنَّ خَلْق الأرْض مُتَقَدِّم على خَلْق السَّمَاء، وكَذلك الآية التي في "حم السجدة"، وقَوله تَعالى في سُورة النازعات: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) إنما يُفِيد تَأخُّر دَحْوها، لا خَلْق السَّمَاء، فإنَّ خَلْق الأرْض وتَهْيئتِها - لِما يُرَاد مِنها - قَبْل خَلْق السَّمَاء، ودَحْوها بَعْد خَلْق السَّمَاء. الدَّحْو هُو البَسْط، وإنْبَات العُشْب مِنها، وغَير ذَلك، مما فَسَّرَه قَوله تَعالى: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا)، وكَانت قَبْل ذلك خَرِبَة وخَالِيَة، على أنَّ (بَعْد) تَأتي بِمَعْنى (مَع)، كَقَولِه: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) أي: مَع ذَلك. فَلا إشْكَال، وتَقْدِيم الأرض - هُنا - لأنها أدَلّ لِشِدّة الْمُلابَسَة والْمُبَاشَرة (٣).
стр. 191
رأي الباحث:
لا خلَاف - يُذْكَر - أنَّ خَلْق الأرض قَبْل خَلْق السَّمَاوات، إلَّا أنَّ الأغْلَب في الْخِطَاب القُرآني تَقْدِيم ذِكْر السَّمَاوات على ذِكْر الأرْض، لِعِظَم السَّمَاوات ومَا فِيها، ولِكَونها أعْلى مِنْ الأرْض، وهَذا جَارٍ على عَادَة وأسْلُوب العَرَب في تَقْدِيم الأهَمّ.
ولِلْجَمْع بين الآيات يُقال:
إن دَحْو الأرْض كَان بَعْد خَلْق السَّمَاوات، وخَلْق الأرْض كَان في أربعة أيام؛ يَومَين قَبْل خَلْق السَّمَاوات، ويَومين بَعْد خَلْق السَّمَاوات، وهُمَا مَا يَتَعَلَّق بِبَسْط الأرْض ودَحْوِها.
وأمَّا قَوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٩]، فهذا ذِكْرٌ على سَبِيل الإجْمَال، لا عَلى سَبِيل التَّفْصِيل، ومَا في سُورة فُصِّلت و "النازعات" هو على سَبِيل التَّفْصِيل، وهَذا أيضًا جَارٍ على عَادَة العَرَب في تَقْدِيم الإجْمَال على التَّفْصِيل، ألَا تَرى أنَّ سُورة الفاتحة جاءت مُجْمَلة مُتَضَمِّنَة لِمَا في الكِتَاب العَزِيز، ثم جَاء تَفْصِيل ذَلك فِيما بَعْد، فالْهِدَاية - مَثَلًا - جَاءت مُجْمَلة في "الفَاتحة" ثم جَاءت مُفَصَّلَة فيما بَعْد في التَّنْزِيل.
رَوَى الشَّعبي عن ابنِ عباس أنه سَمَّاهَا أسَاس القُرآن. قال: وأسَاسُها بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم (١).
قال ابن جرير عن "الفَاتحة": وإنما قِيل لها - بِكونها كَذلك - أمَّ القُرآن، لِتَسْمِيَة العَرَب كُلّ جَامِع أمْرًا، أوْ مُقَدِّمٍ لأمْر - إذا كَانَتْ لَه تَوابِعُ تَتْبَعُه، هُو لَها إمَام جَامِع - "أمًّا" (٢).
وقِيل: إنما سُمِّيَتْ بِذلك لِرُجُوع مَعَاني القُرآن كُلّه إلى مَا تَضَمَّنَتْه (٣).
стр. 192
وجَوَاب آخَر أنَّ " (ثم) هنا لِتَرْتِيب الأخْبَار، لا لِتَرْتِيب الوُقُوع، ولا يَلْزَم مِنْ تَرتِيب الأخْبَار تَرْتِيب الوُقُوع، كَقَولِه تَعالى: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) [الأنعام: ١٥٣، ١٥٤]، ولا رَيْب في تَقَدُّم إيتَاء مُوسى الكِتَاب عَلى وَصِيَّتِه لِهَذه الأُمَّة (١).
وقد أشْكَل عَلى بَعْض الْمُفَسِّرين مَا رَواه مُسْلِم مِنْ حَدِيث أبي هُرَيرة قال: أخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِي فَقال: خَلَق اللهُ التُّرْبَة يَوم السَّبْت، وخَلَق فِيها الْجِبَال يَوم الأحَد، وخَلَق الشَّجَر يَوْم الاثْنِين، وخَلَق الْمَكْرُوه يَوم الثُّلاثَاء، وخَلَق النُّور يَوم الأربعاء، وبَثَّ فِيها الدَّوَاب يَوْم الْخَمِيس، وخَلَق آدَم ﵇ بَعْد العَصْر مِنْ يَوم الْجُمُعة في آخِر الْخَلْق في آخِر سَاعَة مِنْ سَاعَات الْجُمُعة، فيما بَين العَصْر إلى الليل (٢).
حَيث يُوهِم ظَاهِر الْحَدِيث أنَّ خَلْق الأرْض كَان في سبعة أيام، وليس كَذلك، لأنه لَيْس فِيه التَّصْرِيح بِخَلْق الأرْض في سِتَّة أيام، بل فِيه ذِكْر تَفَاصِيل خَلْق أجْزاء الأرْض وبَعْض مَا عَلَيها؛ مِنْ خَلْقِ التُّرْبة والْجِبَال والشَّجَر والْمَكْرُوه والنُّور والدَّوَاب وخلْق آدم؛ في سِتَّة أيام.
والذي يَظْهَر أنَّ هَذه الأيام غَير الْمَذْكُورَة في الآيَات مِنْ خَلْق الأرْض في أرْبَعَةِ أيام، بِدَلِيل أنَّ آدَم ﵊ خُلِق في اليوم الذي يَلِي هَذه الأيَّام، وهو اليَوم السَّابِع، وخَلْق آدَم مُتأخِّر عَنْ خَلْق الأرْض، بِدَلالة قَوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٣٠]، فذُكِرت الأرْض قَبْل خَلْق آدَم، مِمَّا دَلَّ على تقدُّم خَلْق الأرْض.
стр. 193
فإن قِيل: قَال تَعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) [النازعات: ٣٠، ٣١]، وقال : (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت: ١٠]، فَالْجَوَاب أنَّ إخْرَاج الْمَرْعَى وإرْسَاء الْجِبَال كَان بَعْد خَلْق الأرْض، ولا تَعَارُض بَيْنَها وبَيْن الْحَدِيث، لأنَّ مَا في الْحَدِيث تَفصِيل دَقِيق، ومَا في الآيَات عَلى سَبِيل الإجْمَال.
المثال الثاني:
كِتْمَان الكافِرين:
في الْمِثَال الأوَّل ذَكَر القرطبي مَوْضِعَين آخَرَين:
أحدهما: قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: ٤٢]، مع قَوله تَعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣].
صورة التعارض:
أنَّ الآيَة الأُولى تَدُلّ عَلى أنَّ الكُفَّار لا يَكْتَمُون الله حَدِيثًا يَوم القِيَامَة، والثَّانِيَة تَدُلّ على أنهم كَتَمُوا.
رَوى البُخاري مِنْ طَرِيق سَعيد بن جُبير قال: قَال رَجُل لابْن عَباس: أني أَجدُ في القُرآن أشْيَاء تَخْتَلِف عَليَّ - فَذَكَر مِنْها هَذَين الْمَوْضِعَين - قالك فَقَد كَتَمُوا في هَذه الآيَة (١).
стр. 194
جمع القرطبي:
قال القرطبي:
(وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قَال الزَّجَّاج: قال بَعضُهم: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مُسْتَأنَف؛ لأنَّ مَا عَمِلُوه ظَاهِر عِنْد الله لا يَقْدِرُون عَلى كِتْمَانِه.
وقال بَعْضُهم: هو مَعْطُوف، والْمَعْنَى: يَوَدّ لَو أنَّ الأرْض سُوِّيتْ بِهِمْ وأنهم لَم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا؛ لأنه ظَهَر كَذِبهم.
وسُئل ابن عباس عن هَذه الآية، وعَن قَوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَقال: لَمَّا رَأوا أنه لا يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا أهْل الإسْلام قَالُوا: والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين، فَخَتَم الله على أفْوَاهِهم، وتَكَلَّمَتْ أيدِيهم وأرْجُلهم، فلا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا.
وقال الْحَسَن وقَتَادَة: الآخِرَة مَوَاطِن؛ يَكُون هَذا في بَعْضِها وهَذا في بَعْضِها.
ومَعْنَاه: أنهم لَمَّا تَبَيَّن لَهُمْ وحُوسِبُوا لم يَكْتُموا (١).
وقال في تَفْسِير سُورة الأنْعَام مَا نَصّه:
قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) [الأنعام: ٢٣] الْفِتْنَة الاخْتِبَار، أي: لَم يَكُنْ جَوَابهم حِين اخْتُبِرُوا بِهَذا السُّؤال ورَأوا الْحَقَائق وارْتَفَعَتِ الدَّوَاعِي (إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، تَبَرّءوا مِنْ الشِّرْك وانْتَفَوا مِنه لِمَا رَأوا مِنْ تَجَاوُزِه ومَغْفِرَتِه للمُؤمِنِين.
قال ابن عباس: يَغفر الله تَعالى لأهْل الإخْلاص ذُنُوبَهم ولا يَتَعَاظُم عليه ذَنْب أن يَغْفِرَه، فإذا رَأى الْمُشْرِكُون ذلك قَالوا: إنَّ رَبَّنَا يَغْفِر الذُّنُوب ولا يَغْفِر الشِّرْك، فَتَعَالَوا نَقُول: إنا كُنّا أهْل ذُنُوب ولم نَكُنْ مُشْرِكِين! فَقال الله تعالى: أَما إذْ كَتَمُوا الشّرْك فَاخْتِمُوا عَلى أفواههم، فَيُخْتَم على أفْوَاهِهم، فَتَنْطِق أَيدِيهم وتَشْهَد أرْجُلُهم بِمَا
стр. 195
كَانُوا يَكْسِبُون، فَعِنْد ذَلك يَعْرِف الْمُشْرِكُون أنَّ الله لا يُكْتَم حَدِيثًا، فَذلك قَوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: ٤٢] (١).
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: تَأوِيل هَذه الآية لَطِيف جِدًّا؛ أخْبَر الله بِقَصَص الْمُشْرِكِين وافْتِتَانِهم بِشِرْكِهم، ثم أخْبَر أن فِتْنَتَهم لم تَكُنْ حِين رَأوا الْحَقَائق إلَّا أن انْتَفَوا مِنْ الشِّرْك، ونَظِير هَذا في اللُّغَة أنْ تَرَى إنْسَانًا يُحِبّ غَاويًا فإذا وَقَع في هَلَكَة تَبَرَّأ مِنه، فيُقَال: مَا كَانَتْ مَحَبَّتُك إياه إلَّا أن تَبَرَّأت مِنه (٢).
وقال الْحَسَن: هذا خَاصَّ بالْمُنَافِقِين جَرَوا على عَادَتِهم في الدُّنيا، ومَعْنَى (فِتْنَتُهُمْ) عَاقِبَة فِتْنَتِهم، أي: كُفْرِهم.
وفي صحيح مسلم (٣) من حَدِيث أبي هُريرة قَال: فَيَلْقَى (٤) العَبدَ فيَقُول: أي فُل! (٥) أَلَمْ أُكْرِمْك وأُسَوّدْك وأُزَوِّجْك، وأُسَخِّرْ لك الخيل والإبل، وأَذَرْك تَرْأس وتَرْبَع؟ فَيَقُول: بَلى، أيْ رَبّ. فَيَقُول: أفَظَنَنْتَ أنك مُلاقِيّ؟ فَيَقُول: لا. فَيَقُول: إني أنْسَاك كَمَا نَسِيتَنِي. ثم يَلْقَى الثَّاني [فَيَقُول له، ويَقُول هُو مِثْل ذَلك بِعَينِه] (٦)، ثم يَلْقَى الثَّالِث له مِثْل ذلك، فَيَقُول: يَا رَبّ آمَنْتُ بِك وبِكِتَابِك وبِرُسُلِك (٧)
стр. 196
وصَلّيت وصُمْتُ وتَصَدّقتُ، ويُثْنِي بِخَير مَا اسْتَطَاع. قَال فَيُقَال: هَا هُنَا إذًا (١). ثم يُقَال له: الآن نَبْعَث شَاهِدًا عَليك. ويَتَفَكّر في نَفْسِه: مَنْ ذَا الذي يَشْهَد عَليّ؟ فَيُخْتَم عَلى فِيه، ويُقَال لِفَخذِهِ ولَحْمِه وعِظَامِه: انْطِقِي، فَخِذُه ولَحْمُه وعِظَامُه بِعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِر مِنْ نَفْسِه. وذَلك الْمُنَافِق، وذَلك الذي سَخِطَ الله عليه.
وقال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: ٢٤]:
(كَذَبُوا) بِمَعْنى يَكذِبُون، فَعَبَّر عَنْ الْمُسْتَقْبَل بالْمَاضِي، وجَاز أن يُكَذِّبُوا في الآخِرَة لأنه مَوْضِع دَهَش وحَيْرة وذُهُول عَقْل.
وقيل: لا يَجُوز أن يَقع مِنْهم كَذِب في الآخِرة؛ لأنها دَار جَزاء عَلى مَا كَان في الدُّنيا، وَعَلى ذلك أكْثَر أهْل النَّظَر، وإنما ذلك في الدُّنيا؛ فَمَعْنى (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) عَلى هَذا: مَا كُنَّا مُشْرِكِين عِنْد أنْفُسِنَا. وعَلى جَواز أن يَكْذِبوا في الآخِرة يُعَارِضُه قَوله: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، ولا مُعَارَضة ولا تَنَاقُض؛ لا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا في بَعض الْمَواطِن إذا شَهِدَتْ عَليهم ألْسِنَتُهم وأيْدِيهم وأرْجُلُهم بِعَمَلِهم، ويَكْذِبون على أنْفُسِهم في بَعض الْمَواطِن قَبْل شَهَادَة الْجَوارِح عَلى ما تَقَدّم. والله أعلم.
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، أي عَلِمْنَا أنَّ الأحْجَار لا تَضُرّ ولا تَنْفَع. وهَذَا وإن كَان صَحِيحًا مِنْ القَول فَقَد صَدَقُوا ولم يَكْتُموا، ولَكِن لا يُعْذَرُون بِهَذا، فإنَّ الْمُعَانِد كَافِر غَير مَعْذُور (٢).
стр. 197
ملخص جواب القرطبي:
١ - أنَّ الْمُشْرِكِين تَبَرَّءُوا مِنْ الشِّرْك وانْتَفَوا مِنه لَمَّا رَأُوا مِنْ تَجَاوُزِ الله ومَغْفِرَتِه للمُؤمِنِين.
٢ - أنَّ الْمُشْرِكِين كَتَموا الشِّرْك واعْتَرَفُوا بالذُّنُوب فِيما دُون الشِّرْك، فَقَالُوا: إنا كُنَّا أهْل ذُنُوب ولم نَكُنْ مُشْرِكِين!
٣ - أن ذلك بِحسَب مَواطِن الآخِرَة، فَيَكُون هَذا في بَعْضِها وهَذا في بَعْضِها.
٤ - أنَّ هَذا خَاصّ بالْمُنَافِقِين جَرَوا عَلى عَادَتِهم في الدُّنيا في الْخِداع والكَذِب.
٥ - أنَّ ذلك يَكُون مِنْ بَعض الْمُشْرِكِين دُون بَعْض، فَبَعْضُهم يَعْتَرِف، فيُنْسَى، وبَعْضُهم يَجْحَد شِرْكَه، فيُشْهَد عَليه.
٦ - أنَّ مَعْنَى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) أي: ما كُنّا مُشْرِكِين عِند أنْفُسِنَا.
٧ - أنَّ مَعْنى قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) عَلِمْنَا أنَّ الأحْجَار لا تَضُرّ ولا تَنْفَع.
وهذا ضَعَّفَه القرطبي.
مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال ابن جرير: وأمَّا قُوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، فإنَّ أهْل التَّأويل تَأوَّلُوه بِمَعْنَى: ولا تَكْتُم الله جَوَارِحُهم حَدِيثًا وإنْ جَحَدَتْ ذلك أفْوَاهُهم (١).
ثم رَوى بإسْنَاده إلى سعيد بن جبير قال: أتَى رَجُلٌ ابنَ عباس فَقَال: سَمِعْتُ الله يقول: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقَال في آيَة أخْرى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا).
стр. 198
فَقال ابن عباس: أمَّا قَوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؛ فإنهم لَمَّا رَأوا أنه لا يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا أهْل الإسْلام قَالوا: تَعَالَوا فَلنَجحَد، فَقَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَخَتَم الله على أفْوَاهِهم وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم، فَلا يَكْتُمُون الله حَديثًا (١).
ورَوى بإسْناده أيضًا (٢) إلى سعيد بن جبير قال: جَاء رَجُلٌ إلى ابنِ عباس، فقال: أشْيَاء تَخْتَلِف عَليّ في القُرآن. فَقَال: مَا هُو؟ أشَكّ في القُرآن؟ ليس بالشَّكّ، ولَكِنَّه اخْتِلاف.
قال: فَهَات ما اخْتَلَف عَليك.
قال: أسْمَع الله يَقُول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقَال: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، وقَد كَتَمُوا، فَقَال ابنُ عباس: أمَّا قَوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَإنهم لَمَّا رَأوا يَوم القِيَامَة أنَّ الله يَغْفِر لأهْل الإسْلام ويَغْفِر الذُّنُوب ولا يَغْفِر شِرْكًا، ولا يَتَعَاظَمُه ذَنْب أنْ يَغْفِرَه؛ جَحَدَ الْمُشْرِكُون فَقَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) رَجَاء أنْ يَغْفر لهم، فَخَتَم عَلى أفْوَاهِهم وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون، فَعِنْد ذَلك: (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) (٣).
ثم قال: فَتأوِيل الآية على هذا القَول الذي حَكَيْنَاه عَنْ ابنِ عباس: يَومَئذٍ يَوَدّ الذين كَفَرُوا وعَصَوا الرَّسُول لَو تُسَوَّى بِهم الأرْض ولَم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا. كَأنهم تَمَنّوا أنهم سُوُّوا مَع الأرْض، وأنهم لم يَكُونُوا كَتَمُوا الله حَدِيثًا.
ونَقَل عن آخَرِين قَولهم: مَعْنى ذَلك: يَومَئذٍ لا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا، ويَودُّون لَو تُسَوى بهم الأرْض.
стр. 199
ولَيْس بِمُنْكَتِم عن الله شَيء مِنْ حَديثهم، لِعِلْمِه جَلَّ ذِكْرُهُ بِجَميع حَدِيثِهم وأمْرِهم وإنْ هُمْ كَتَمُوه بألْسِنَتِهم فَجَحَدُوه، لا يَخْفَى عَليه شَيء منه (١).
وأثبَتَ ابنُ جَرير أنَّ الكُفَّار يَكْذِبُون في الآخِرَة، فَقَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: ٢٤] مَا نَصّه: يَقول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : انْظُر يا مُحَمَّد، فاعْلَم كَيْف كَذَب هَؤلاء الْمُشْركُون العَادلُون بِرَبِّهم الأوْثَان والأصْنَام في الآخِرَة عِند لِقَاء الله على أنْفُسِهم بِقِيلِهم: والله يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين. واسْتَعْمَلُوا هُنالِك الأخْلاق التي كَانوا بِهَا مُتَخَلِّقِين في الدُّنيا مِنْ الكَذب والفِرْيَة (٢).
ثم رَوَى ما تقدّم عن ابن عباس ﵄.
وأوْرَد أبُو جَعفر النَّحَّاس أجْوِبَة، فَقَال في قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا): فيُقَال ألَيس قَدْ قَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَفِي هَذا أجْوِبَة، مِنْها:
أن يَكُون دَاخِلًا في التَّمَنِّي، فَيَكُون الْمَعْنَى: أنهم يَتَمَنَّون ألَّا يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا، فَيَكُون مِثْل قَولك: لَيْتَنِي ألْقَى فُلانًا وأكَلِّمه.
وقال قتادة: هي مَواطِن في القِيامَة؛ يَقَع هذا في بَعْضِها.
وقال بَعْض أهْل اللُّغَة: هُمْ لا يَقْدِرُون على أن يَكْتُمُوا؛ لأنَّ الله عَالِم بِمَا يُسِرُّون وقيل: قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) عِنْدَهم أنهم قَدْ صَدَقُوا في هَذا، فَيَكُون عَلى هذا (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مُسْتَأنَفا (٣).
وفي تَفْسِير سُورة الأنْعَام أوْرَد قول الزجّاج، ثم قَال: فأمَّا مَعْنَى قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقَال في مَوضِع آخَر: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، مَعْطُوف عَلى مَا قَبْلَه،
стр. 200
والمعنى وَوَدّوا أن لا يَكْتُمُوا الله حديثًا. والدليل على صحة هذا القول أنه روي عن سعيد بن جبير في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قال: اعْتَذَرُوا وحَلَفُوا. وكَذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة. ورُوي عن مُجاهد أنه قَال: لَمَّا رَأوا الذُّنُوب تُغْفَر إلَّا الشِّرك، والنَّاس يُخْرَجُون مِنْ النَّار إلَّا الْمُشْرِكِين قال (١) (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٢).
وقال السمعاني في قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) فإن قِيل: قَدْ أَخْبَر هَاهُنا أنهم لا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا، وذَكَرَ في مَوْضِع آخَر قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَقَد كَتَمُوا فَكَيف وَجْه الْجَمْع؟
قِيل: قَال الْحَسَن البَصْري: وهَذا في مَوْطِن وذَاك في مَوْطِن آخَر، وفي القِيَامَة مَوَاطِن، وهَذا جَواب مَعْرُوف أوْرَدَه القَتيبي في مُشْكِل القُرآن.
وقِيل: مَعْنَاه يَوَدُّون ألا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا، وذَلك أنهم يَقُولُون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، ونَحْو ذَلك، فَيَخْتِم اللهُ عَلى أفْوَاهِهم ويُنْطِق جَوَارِحَهم فَيَودُّون أنهم لم يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا، فَهو رَاجِع إلى قَوله: (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وقِيل: مَعْناه: لا يَقْدِرُون أن يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا (٣).
وقال في قَوله تَعالى: (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا) [الأنعام: ٣٠]، فَيُقِرُّون بها. قال ابن عباس: هذا في مَوْقِف، وقَوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) في مَوقِف آخَر، وفي القِيَامَة مَوَاقِف، فَفِي مَوْقِف يُنْكِرُون، وفي مَوْقِف يُقِرُّون (٤).
стр. 201
وأوْرَد الثعلبي في الآية أقْوالًا، منها:
قَول عَطاء: وَدُّوا لو تُسَوَّى بهم الأرْض وإنهم لَم يَكُونُوا كَتَمُوا أمْرَ محمدٍ ﷺ ولا نَعْتَه.
وقَول آخَرِين: بَلْ هو كَلام مُسْتَأنَف، يَعْنِي: ويَكْتُمُون الله حَدِيثًا (١)؛ لأنَّ مَا عَمِلُوا لا يَخْفَى على الله ، ولا يَقْدِرُون عَلى كِتْمَانِه.
ثم أورَد قَول ابن عباس في الآية.
وقَول الْحَسَن عن الآخِرَة: إنها مَوَاطِن؛ فَفِي مَوْطِن لا يَتَكَلَّمُون ولا يُسْمَع إلَّا هَمْسًا، وفي مَوَاطِن يَتَكَلَّمُون ويَكْذِبُون، ويَقُولُون: مَا كُنَّا مُشْرِكِين، ومَا كُنَّا نَعْمَل مِنْ سُوء، وفي مَوْطِن يَعْتَرِفُون عَلى أنْفُسِهم، وهو قوله : (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ) [الملك: ١١]، وفي مَوْضِع آخَر يَسْأَلُون الرَّحْمَة، وإنَّ آخِر تِلك الْمَوَاطِن أنَّ أفْوَاهَهم تُخْتَم وجَوَارِحُهم تَتَكَلَّم، وهو قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) (٢).
ورَبَط الزمخشري بَين أوَّل الآية وبَين آخِرِها، فَقَال: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا): ولا يَقْدِرُون عَلى كِتْمَانِه، لأنَّ جَوَارِحَهم تَشْهَد عَليهم.
وقِيل: الوَاو للحَال، أي: يَوَدُّون أن يُدْفَنُوا تَحْتَ الأرْض وأنهم لا يَكْتُمُون الله حَدِيثًا ولا يَكْذِبُون في قَولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؛ لأنهم إذا قَالُوا ذلك وَجَحَدُوا شِرْكَهم خَتَم الله على أفْوَاهِهم عِند أفْوَاهِهم عِند ذلك وتَكَلَّمَت أيْدِيهم وأرْجُلُهم بِتَكْذِيبِهم، والشَّهَادة عليهم بالشَّرك، فَلِشِدّة الأمْر عليهم يَتَمَنَّون أنْ تُسَوّى بهم الأرْضِ (٣).
стр. 202
وقَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: ٢٤] ما نصّه:
فإن قُلْت: كَيف يَصِحّ أن يَكْذِبوا حِين يَطَّلِعُون عَلى حَقَائق الأُمُور، على أنَّ الكَذِب والْجُحُود لا وَجْه لِمَنْفَعَتِه؟ قُلْت: الْمُمْتَحَن يَنْطِق بِمَا يَنْفَعُه وبِمَا لا يَنْفَعُه مِنْ غَير تَمْيِيز بَيْنَهُما حَيْرَة ودَهَشًا، ألَا تَرَاهُم يَقُولُون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) [المؤمنون: ١٠٧]، وقَد أيْقَنُوا بالْخُلُود ولَم يَشُكُّوا فِيه: (وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، وقَد عَلِمُوا أنه لا يُقْضَى عَليهم؟
وأمَّا قَول مَنْ يَقول: مَعْنَاه: مَا كُنَّا مُشْرِكِين عِند أنْفُسِنَا، ومَا عَلِمْنا أنا عَلى خَطَأ في مُعْتَقَدِنا. وحَمَلَ قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الأنعام: ٢٤] يَعْني في الدُّنيا، فَتَمَحُّل وتَعَسُّف وتَحْرِيف لأفْصَح الكَلام إلى مَا هُو عِيّ وإقْحَام؛ لأنَّ الْمَعْنَى الذي ذَهَبُوا إليه لَيس هَذا الكَلام بِمُتَرْجِم عَنه، ولا مُنْطَبِق عَليه، وهو نَابٍ (١) عَنه أشَدّ النّبْو ومَا أدْرِي مَا يَصْنَع مِنْ ذَلك تَفْسِيره بِقَوله تَعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: ١٨] بَعْد قَوله: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) [المجادلة: ١٤]، فَشَبَّ كَذِبهم في الآخِرَة بِكَذِبهم في الدُّنيا؟ (٢)
وقَال في تَفْسير قَوله تَعالى: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) [الأنعام: ١٣٠]: فإن قُلت: مَا لَهُمْ مُقِرِّين في هَذه الآية جَاحِدِين في قَوله:
стр. 203
(وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؟ قُلت: تَتَفَاوَت الأحْوَال والْمَوَاطِن في ذلك اليَوم الْمُتَطَاوِل، فَيُقِرُّون في بَعْضِها ويَجْحَدُون في بَعْضِها، أو أُرِيد شَهَادَة أيْدِيهم وأرْجُلِهم وجُلُودِهم حين يُخْتَم على أفْوَاهِهم (١).
وقال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: ١٨]: وقَد اخْتَلَف العُلَمَاء في كَذِبِهم في الآخِرة، والقُرآن نَاطِق بِثَبَاتِه نُطْقًا مَكْشُوفًا، كَمَا تَرى في هذه الآية، وفي قوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: ٢٣، ٢٤] (٢).
وقال ابن عطية في تَفْسِير آية "النِّسَاء": قَالت طَائفَة: مَعْنَى الآية: أنَّ الكُفَّار لِمَا يَرَونَه مِنْ الْهَول وشِدَّة الْمَخَاوَف يَوَدُّون أن تُسَوَّى بِهم الأرْض، فلا يَنَالُهم ذَلك الْخَوف، ثم اسْتَأنَف الكَلام فأَخْبَر أنهم لا يَكْتُمُون حَدِيثًا لِنُطْقِ جَوَارِحِهم بِذلك كُلّه، حِين يَقول بَعضهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَيَقُول الله: كَذَبْتُم، ثم يُنْطِق جَوَارِحَهم فَلا تَكْتُم حَدِيثًا؛ وهذا قَول ابن عباس، وقَال فِيه: إنَّ الله إذا جَمَعَ الأوَّلِين والآخِرِين ظَنَّ بَعْض الكُفَّار أنَّ الإنْكَار يُنْجِي، فَقَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فَيَقُول الله: كَذَبْتُم، ثم يُنْطِق جَوَارِحَم فلا تَكْتُم حَدِيثًا. وهَكذا فَتَحَ ابن عباس على سَائل أشْكَلَ عليه الأمْر وقَالَتْ طَائفَة مِثْل القَول الأوَّل، إلَّا أنها قَالَتْ: إنما اسْتَأنَفَ الكَلام بِقَولِه: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، لِيُخْبِر عَنْ أنَّ الكَتْم لا يَنْفَع وإنْ كَتَمُوا؛ لأنَّ الله تَعالى يَعْلَم جَمِيع أسْرَارَهم وأحَادِيثهم، فَمَعْنى ذَلك: ولَيس ذَلك الْمَقَام الْهَائل مَقَامًا يَنْفَع فِيه الكَتْم.
стр. 204
ثم ذَكَر ابن عطية الفَرْق بَين القَولَين، فَقَال: الفَرْق بَين هَذين القَولَين: أنَّ الأوَّل يَقْتَضِي أنَّ الكَتْم لا يَنْفَع بِوَجْه، والآخَر يَقْتَضِي أنَّ الْكَتْم لا يَنْفَع، وَقَع أوْ لَم يَقَع، كَمَا تَقُول: هَذا مَجْلِس لا يُقَال فِيه بَاطِل، وأنْتَ تُرِيد لا يُنْتَفَع بِه ولا يُسْتَمع إلَيه.
ثم ذَكَر أقوالًا أخرى في الآية، فَقَال: وقَالَتْ طَائفَة: الكَلام كُلّه مُتَّصِل، ومَعْنَاه: يَوَدّ الذين كَفَرُوا لو تُسَوّى بهم الأرْض ويَوَدُّون أن لا يَكْتُمُوا الله حَدِيثًا، وَوِدُّهم لِذلك إنما هو نَدَم على كَذِبِهم حِين قَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).
وقَالَتْ طَائفَة: هِي مَواطِن وفِرَق.
وقَالَتْ طَائفَة: مَعْنَى الآية: يَوَدّ الذين كَفَرُوا أن تُسَوّى بِهم الأرْض وأنهم لَم يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا؛ وهَذا على جِهة الفِدَاء، أي يَفْدُون كِتْمَانَهم بأن تُسَوَّى بِهم الأرْض (١).
وقال في تَفْسِير سُورة الأنْعَام: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) مَعْنَاه: جُحُود إشْرَاكِهم في الدُّنيا. فَرُوي أنهم إذا رَأوا إخْرَاج مَنْ في النَّار مِنْ أهْل الإيمان ضَجُّوا فَيُوقَفُون، ويُقَال لهم: أينَ شُرَكَاؤكُم: فيُنكِرُون طَمَاعِيَة مِنْهم أن يُفْعَل بِهِمْ ما فُعِلَ بأهْل الإيمان (٢).
ثم أوْرَد السُّؤال الذي وَرَد على ابن عباس ﵄، وأوْرَد جَوَاب ابن عباس.
وقال في تَفْسِير سُورة الأعْراف: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) [الأعراف: ٣٧]: وهَذه الآية ومَا شَاكَلَها تُعَارِض في الظَّاهِر قَوله تعالى حِكَاية عنهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)
стр. 205
واجْتِمَاعهما، إمَّا أن يَكُون في طَوائف مُخْتَلِفَة، أوْ في أوْقَات مُخْتَلِفَة؛ يَقُولُون في حَالٍ كَذا، وحَالٍ كَذا (١).
أمَّا الرَّازي فَقد أورَد قَول الزجّاج الْمُتَقَدِّم، ثم أوْرَد قَول الْمُعْتَزِلَة مُتمثِّلًا بِقَول القَاضي وأبي عليّ الجبائي، - وهو القَول الأوَّل في الْمَسْألَة - ثُمَّ خَتَمَه بِقَولِه: هَذا جُمْلَة كلام القاضي في تَقْرِير القَول الذي اخْتَارَه أبو علي الجبائي (٢).
ثم أعْقَبَه بِالقَول الثَّاني وعَزَاه إلى جُمْهُور الْمُفَسِّرين، فقال: والقَول الثَّاني، وهو قَول جُمْهُور الْمُفَسِّرِين: أنَّ الكُفَّار يَكْذِبُون في هَذا القَول، قَالُوا: والدَّلِيل عَلى أنَّ الكُفَّار قَدْ يَكْذِبُون في القِيَامَة وُجُوه:
الأوَّل: أنه تَعالى حَكَى عَنهم أنهم يَقُولُون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) [المؤمنون: ١٠٧]، مَع أنه تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِقَولِه: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٨].
والثَّاني: قَوله تَعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [المجادلة: ١٨]، بَعْد قَولِه: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) [المجادلة: ١٤]، فَشَبَّه كَذِبَهم في الآخِرَة بِكَذِبِهِم في الدُّنيا.
والثَّالِث: قَوله تَعالى حِكَاية عَنهم: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) [الكهف: ١٩]، وكُلّ ذَلك يَدُلّ عَلى إقْدَامِهم في بَعْض الأوْقَات عَلى الكَذِب.
والرَّابِع: قَوله حِكَاية عَنهم: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، وقَد عَلِمُوا أنه تَعَالى لا يَقْضِي عَليهم بالْخَلاص.
стр. 206
والْخَامِس: أنه تَعالى في هَذه الآية حَكَى عنهم أنهم قَالُوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣].
وَحَمْلُ هَذا عَلى أن الْمُرَاد: مَا كُنَّا مُشْرِكِين في ظُنُونِنَا وعَقَائدِنا مُخَالفة للظَّاهِر، ثم حَمْل قَوله بَعد ذلك: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الأنعام: ٢٤] على أنهم كَذَبُوا في الدُّنيا يُوجِب فَكَّ نَظْم الآية، وصَرْف أوَّل الآيَة إلى أحْوال القِيَامَة، وصَرْف آخِرها إلى أحْوال الدُّنيا، وهو في غَاية البُعْد (١).
ثم نَقَض ما حكاه عن أبي عليّ الجبائي.
وأوْرَد ابنُ جُزَيّ الإشْكَال، وأجَاب عنه مِنْ وَجْهَين، فَقَال: فإن قِيل: كَيف هَذا مَع قَولِهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)؟
فالْجَوَاب مِنْ وَجْهَين:
أحَدُهُما: أنَّ الْكَتْم لا يَنْفَعُهم، لأنهم إذا كَتَمُوا تَنْطِق جَوَارِحُهم فَكَأنهم لَم يَكْتُمُوا والآخَر: أنهم طَوَائف مُخْتَلِفَة، ولَهُم أوْقَات مُخْتَلِفَة.
وقِيل: إنَّ قَوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) عَطْف على (تُسَوَّى) [النساء: ٤٢]، أي يَتَمَنّون أن لا يَكْتُمُوا، لأنهم إذا كَتَمُوا افْتَضَحُوا (٢).
وأوْرَد الإشْكال نَفْسه في تفسير سُورة الأنْعام، وزَاد في الْجَواب، فَقَال: فإن قيل: كَيف يَجْحَدُونه، وقَد قَال الله: (وَلَا يَكْتَمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)؟
فالْجَوَاب: أنَّ ذَلك يَخْتَلِف باخْتِلاف طَوَائف النَّاس، واخْتِلاف الْمَواطِن، فَيَكْتُم قَوْم، ويُقِرُّ آخَرُون، ويَكْتُمُون في مَوْطِن، ويُقِرُّون في مَوْطِن آخَر؛ لأنَّ يَوْم القِيَامَة
стр. 207
طَويل. وقَد قَال ابن عباس - لما سُئل عَنْ هَذا السُّؤال -: إنهم جَحَدوا طَمَعًا في النَّجَاة فَخَتَم الله على أفْوَاهِهم وتَكَلَّمَتْ جَوَارِحُهم، فَلا يَكْتُمُون اللهَ حَدِيثًا (١).
وقَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) [النحل: ٢٨]، أي: قَالُوا ذَلك، ويَحْتَمِل قَولهم لِذلك أن يَكُونُوا قَصَدُوا الكَذِب اعْتِصَامًا بِه، كَقَولِهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، أوْ يَكُونُوا أخْبَرُوا على حَسب اعْتِقَادِهم في أنْفُسِهم، فَلَم يَقْصِدُوا الكَذِب، ولَكِنَّه كَذِب في نَفْس الأمْر (٢).
ويَرَى ابن كثير أنَّ قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا): إخْبَار عَنهم بأنهم يَعْتَرِفُون بِجَمِيع مَا فَعَلُوه ولا يَكْتُمُون مِنه شَيئًا (٣).
ثم أورَد ما رُوي عن ابن عباس ﵄.
وقال في قَوله تَعالى: (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) [غافر: ٧٣، ٧٤]: أي: جَحَدُوا عِبَادَتَهم، كَقَولِه جَلَّتْ عَظَمَتُه: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٤).
وفي تَفْسِير سُورة فُصِّلت (٥) أوْرَد الْحَدِيث الْمَرْفُوع في شَهَادَة الْجَوَارِح، كمَا أوْرَد مَا أجَاب بِه ابن عباس مما تقدّم ذِكْرُه.
ونَقَل الثعالبي أقْوالًا في الآية، فَقال: وقَوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا):
стр. 208
قالت فِرقة: معناه تنشق الأرض فيحصلون فيها، ثم تَتَسَوّى هي في نفسها عليهم وبِهِم.
وقالت فِرقة: معناه لو تَستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم.
وقوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) معناه عند طائفة: أن الكفار لِمَا يرونه من الهول وشدة المخاوف يَوَدّون لو تُسوى بهم الأرض فلا ينالهم ذلك الخوف.
ثم اسْتَأنَف الكلام، فأخْبَر أنهم لا يَكتمون الله حديثًا لِنُطْقِ جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فيقول الله سبحانه: كَذَبْتُم، ثم تَنْطِق جوارحهم فلا تَكْتُم حديثًا؛ وهذا قول ابن عباس.
وقالت طائفة: الكلام كلّه مُتَّصِل؛ وودّهم أن لا يَكتموا الله حديثًا؛ إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (١).
واقتصر القاسمي على القول بأنهم "يَعترفون بِجميع ما فعلوه، لا يَقدِرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم. أو (الواو) للحال: أي يَودّون أن يُدْفَنوا في الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا، ولا يَكْذِبونه بقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) (٢).
واختار ابن سعدي قولًا واحدًا، وجَمَع بين الأقوال بأن الكفّار "يَعترفون له بما عَمِلُوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دِينهم: جزاءهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين (٣). فأما ما وَرَدَ مِنْ أن الكفار
стр. 209
يَكْتُمُون كُفْرَهم وجُحُودَهم، فإنَّ ذلك يَكون في بَعْض مَوَاضِع القِيَامَة حِين يَظُنُّون أنْ جُحُودَهم يَنْفَعُهم مِنْ عَذَاب الله، فإذا عَرَفُوا الْحَقَائق وشَهِدَتْ عليهم جَوَارِحُهم حِينَئذٍ يَنْجَلِي الأمْر، ولا يَبْقَى للكِتْمَان مَوْضِع، ولا نَفْع ولا فَائدَة" (١).
رأي الباحث:
لا تَعَارُض بَين الآيَات، وذَلك أنَّ الكُفَّار إنما يَقُولُون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) عِند مُعَايَنَة فَضْل الله ورَحْمَته ولُطْفه بأهْل الإيمان طَمَعًا في السَّلامَة والنَّجَاة، وإلَّا فإنهم قَدْ أيقَنُوا بِصِدْق الرُّسُل، وعَلِمُوا أنَّ الله لا تَخْفَى عَليه خَافِية، ولِذَا يَتَمَنَّى الكُفّار أنَّ تُسَوَّى بِهم الأرْض ولا يَكْتُمُون اللهَ حَدِيثًا، ويَزِيد هَذا اليَقِين عِند إنْكَار بَعْضِهم لِمَا كَان مِنهم في الدُّنيا - رَغْبَة في النَّجَاة - فَيَخْتِم الله عَلى ألْسِنَتِهِم ويُشْهِد عَلَيهم جَوَارِحَهم.
فهذا يَدُلّ عَلى أنَّ الكَذِب والكِتْمَان وَاقِع مِنْ الكَافِرِين والْمُنَافِقِين في بَعْض الأحْوَال دُونَ بَعض، ومِن بَعْض الأشْخَاص دُونَ بَعض.
ونُكْتَة الْمَسْأَلَة التي قَلَّ مَنْ نَبَّه عَليها أنَّ قَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) لا يَنْفَكَّ عن السِّياق، وذلك أنَّ مَا قَبل هَذه الآية في الْخَبَر عَنْ قِيَام الأشْهَاد، وشُهُود الرُّسُل على أُمَمِهم، وذَلك قَوله تَعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، ثم قَال : (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: ٤٢]؛ فَهَذا حين مَجيء الرُّسُل، وحين يَشْهَدُون عَلى أُمَمِهم فَكَيف يَكُون الْحَال حِينَئذٍ؟ "كَيْف تَكُون تِلك الأحْوَال، وكَيْف يَكُون ذَلك الْحُكْم العَظِيم الذي جَمَع أنَّ مَنْ حَكَمَ به كَامِل العِلْم، كَامِل العَدْل، كَامِل الْحِكْمَة، بِشَهَادَة أزْكَى الْخَلْق، وهُم الرُّسُل على أُمَمِهم، مَع إقْرَار الْمَحْكُوم عَليه؛ فَهَذا - والله - الْحُكْم الذي هو أعَمّ الأحْكَام وأعْدَلِها وأعْظَمِها، وهُناك يَبْقَى الْمَحْكُوم عَليهم مُقِرِّين
стр. 210
لَه لِكَمَال الفَضْل والعَدْل والْحَمْد والثَّنَاء، وهُناك يَسْعَد أقْوَام بالفَوْز والفَلاح والعِزّ والنَّجَاح، ويَشْقَى أقْوَام بالْخِزْي والفَضِيحَة والعَذَاب الْمُبِين" (١).
وقَد جَاء في صَحِيح السُّنَّة الاسْتِدْلال بِقَوله تَعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) عَلى أنَّ ذَلك في يَوم القِيامة في حَال الْجَزَاء والْمُسَاءَلة.
رَوَى مُسْلِم (٢) مِنْ حَدِيث حُذَيفة قال: أُتِيَ الله بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِه آتَاه الله مَالًا، فَقَال لَه: مَاذَا عَمِلْتَ في الدُّنيا؟ قَال: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا). قَال: يَا رَبّ آتَيْتَنِي مَالَك، فَكُنْتُ أُبَايِعِ النَّاس، وكَان مِنْ خُلُقِي الْجَوَاز، فَكُنْتُ أتَيَسَّر (٣) على الْمُوسِر، وأُنْظِر الْمُعْسِر. فَقَال الله: أنا أحَقّ بِذَا مِنْك، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي. فقال عُقْبَة بن عَامِر الْجُهْنَي وأبُو مَسْعُود الأنْصَارِي: هكذا سَمِعْنَاه مِنْ فِيِّ رَسُول الله ﷺ .
ورَوَى (٤) مِنْ حدِيثِ أنس بن مَالِك قَال: كُنَّا عِنْد رَسُولِ الله ﷺ فَضَحِك، فَقَال: هَلْ تَدْرُون مِمَّ أضْحَك؟ قَال: قُلْنا: الله ورَسُولُه أعْلَم. قَال: مِنْ مُخَاطبة العَبْدِ رَبِّه، يَقول: يا رَب! ألم تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْم؟ قَال: يَقُول: بَلَى. قَال: فَيَقُول: فَأنِّي لا أُجِيزُ عَلى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي. قَال: فَيَقُول: كَفَى بِنَفْسِك اليَوم عَلَيك شَهِيدًا، وبالكِرَام الكَاتِبِين شُهُودًا. قال: فيُخْتَم عَلى فِيهِ، فيُقَال لأرْكَانِه: انطِقِي. قَال: فَتَنْطِق بأعْمَالِه. قَال: ثم يُخَلَّى بَيْنَه وبَيْن الكَلام. قال: فَيَقُول بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِل.
فَفِيه أنَّ العَبْد قَدْ يَقُول خِلاف الْحَقِّ وخِلاف مَا يَعْلَم دِفَاعًا عَنْ نَفْسِه، ومُدَافَعَة للعَذَاب، فإذا شَهِدَتْ عَليه جَوَارِحُه أقَرَّ بِمَا جَحَد، وشَهِد بما كَتَم، وعَرَف أنَّ اللهَ لا يُكْتَم حَدِيثًا.