← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومِن ذلكَ مَا أخْبَر اللهُ بِه عَنْ الكُفَّار أنهم يَقُولُون عِند مُعَايَنَة العَذَاب: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) [الدخان: ١٢] أي: يَقُول الكَافِرُون إذا عَايَنُوا عَذَاب الله وعِقَابه سَائِلين رَفْعَه وكَشْفَه عَنهم" (١). "وعَلَم الله تعالى أنَّ قَوْلَهم في حَال الشِّدَّة (إِنَّا مُؤْمِنُونَ)، إنما هُو عَنْ غَيْر حَقِيقَة مِنْهُم" (٢). المثال الثالث: ذِكْر اليَهُود والنَّصَارَى والْمَجُوس والصَّابِئة: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: ٦٢] (٣) مع قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج: ١٧]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى تَدُل عَلى أنَّ الطَوائف الْمَذْكُورَة لَهُمْ أجْرُهم عِنْد رَبِّهم، والآيَة الثَّانِيَة تَدُلّ عَلى أنَّ الله يَفْصِل بَيْنَهُم يَوْم القِيَامَة.

стр. 212

جمع القرطبي: قال القُرطبي: قَوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: صَدّقُوا بِمُحَمَّد ﷺ . وقَال سُفْيان: الْمُرَاد الْمُنَافِقُون، كَأنه قَال: الذين آمَنُوا في ظَاهِر أمْرِهِم، فَلِذَلِكَ قَرَنَهم باليَهُود والنَّصَارَى والصَّابِئين، ثم بَيَّن حُكْم مَنْ آمَن بالله واليَوم الآخِر مِنْ جَمِيعِهم (١). وقال القُرطبي أيضًا: قَوله تَعَالى: (مَنْ آمَنَ) أي: صَدَّق (٢). كما قال: رُوي عن ابن عباس أنَّ قَولَه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا) [الحج: ١٧] الآية، مَنْسُوخ بِقَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥] الآية. وقال غَيره: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَة، وهِي فِيمَن ثَبَتَ على إيمانِه مِنْ الْمُؤمِنِين بالنَّبِيِّ ﵇ (٣). وقال في تَفْسِير سُورة الحج: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يَقْضِي ويَحْكُم؛ فللكَافِرِين النَّار، وللمُؤمِنين الْجَنَّة. وقيل: هذا الفَصْل بأن يُعَرِّفهم الْمُحِقّ مِنْ الْمُبْطِل بِمَعْرِفَةٍ ضَرُورِيَّة، واليَوْم يَتَمَيَّز الْمُحِقّ عَنْ الْمُبْطِل بالنَّظَر والاسْتِدْلال (٤). مُلخص جواب القرطبي: ١ - آيَة "البَقَرة" في حَقّ مَنْ آمَن بالله واليَوم الآخِر، فَلا خَوْف عَليهم وَلا هُمْ يَحْزَنُون.

стр. 213

٢ - آيَة "الْحَجّ" في حَقّ مَنْ لم يُؤمِن بالله ولا باليَوم الآخِر، وحِينَئذٍ يَكُون الفَصْل بَيْن الْخَلائق. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قال ابن جرير: أمَّا الذين آمَنُوا فَهُمْ الْمُصَدِّقُون رَسُولَ الله فِيمَا أَتَاهُم بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْد الله، وإيمانهم بِذلك تَصْدِيقُهم بِه (١). ثم ذَكَر مَعَانِي الطَّوَائف الْمَذْكُورَة في الآية، ثم قَال: تَأويل قَوله تَعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ): يَعْنِي بِقَولِه: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) مَنْ صَدَّق بِالله وأقَرَّ بالبَعْثِ بَعْد الْمَمَات يَوْم القِيَامَة، وعَمِلَ صَالِحًا فَأطَاع الله (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَعْنِي بِقَولِه: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فَلَهُم ثَوَاب عَمَلَهُم الصَّالِح عِند رَبِّهم (٢). ثم أوْرَد سُؤالًا، وهْو: إنْ قَال قَائل: "ومَا مَعْنَى هَذا الكَلام؟ قِيل: إنَّ مَعْنَاه: إنَّ الذين آمَنُوا والذين هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئين مَنْ يُؤمِن بِالله واليَوْم الآخِر فَلَهُم أجْرُهُم عِنْد رَبِّهم. فإن قَال: وَكَيْف يُؤمِن الْمُؤمِن؟ قِيل: لَيس الْمَعْنَى في الْمُؤمِن الْمَعْنَى الذي ظَنَنْتَه مِنْ انْتِقَالٍ مِنْ دِين إلى دِين، كَانْتِقَال اليَهُودِي والنَّصْرَاني إلى الإيمان، وإن كَان قَدْ قِيل: إنَّ الذين عُنُوا بِذلك مَنْ كَان مِنْ أهْل الكِتَاب عَلى إيمانه بِعِيسَى وبِمَا جَاء بِه حَتى أدْرَك مُحَمَّدًا فآمَن بِه وصَدَّقَه؛ فَقِيل لأولئك الذين كَانُوا مُؤمِنِين بِعِيسَى وبِمَا جَاء بِه إذْ أدْرَكُوا مُحمدًا ﷺ : آمِنُوا بِمُحَمَّد وبِمَا جَاء بِه، ولَكِن مَعْنَى إيمان الْمُؤمِن في هَذا الْمَوْضِع ثَبَاتُه عَلَى إيمانِه وتَرْكه تَبْدِيله.

стр. 214

وأمَّا إيمان اليَهُود والنَّصَارَى والصَّابئين فَالتَّصْدِيق بِمُحَمَّد وبِمَا جَاء بِه، فَمَنْ يُؤمِن مِنْهم بِمُحَمّد وبِمَا جَاء بِه واليَوْم الآخِر ويَعْمَل صَالِحًا فَلَم يُبَدِّل ولَم يُغَيّر حَتى تُوفِّي عَلى ذَلك كُلّه، فَلَه ثَوَاب عَمَلِه وأجْرُه عِنْد رَبِّه، كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤه (١). ثم ذَكَر مَنْ قَال: عُنِي بِقَولِه: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ): مُؤمِنُو أهْل الكِتَاب الذين أدْرَكُوا رَسُولَ الله. كما ذَكَر ابن جرير سَبَب نُزُول الآية. ورَوَى بإسْنَادِه إلى ابن عباس ﵄ القَول بالنَّسْخ، ورَجَّح القَول الأوَّل فَقَال: والذي قُلْنَا مِنْ التَّأوِيل الأوَّل أشْبَه بِظَاهِر التَّنْزِيل؛ لأنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤه لم يَخْصُص بالأجْر عَلى العَمَل الصَّالِح مَع الإيمان بَعْض خَلْقِه دُون بَعْضٍ مِنْهُم، والْخَبَر بِقَولِه: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) عن جَمِيع مَا ذُكِرَ في أوَّل الآية (٢). وذَكَر السمرقندي أقْوالًا في الآيَة، فَقَال: (مَنْ آمَنَ) مِنْ هَؤلاء. (بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَعْنِي ثَوَابهم. وقال مُقَاتِل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) يَعْنِي: صَدَّقُوا بِتَوحِيد الله، ومَن آمَن مِنْ الذين هَادُوا ومِن النَّصَارى والصَّابِئين فَلَهُم أجْرُهم. وقال القَتبي: قَوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هُمْ قَوْم آمَنُوا بألْسِنَتِهِم ولَم يُؤمِنُوا بِقُلُوبِهِم، فَكَأنه قَال: إنَّ الْمُنَافِقِين والَّذين هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئين (٣). ثم ذَكَر السمرقندي الْمَعْنَى العَام، فَقَال: وقَوله تَعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ولم يَذْكُر في الآية الإيمان بِمُحَمَّد ﷺ ؛ لأنه لَمَّا ذَكَر الإيمان بالله تعالى فَقَد

стр. 215

دَخَل فِيه الإيمان بِمُحَمَّد ﷺ ؛ لأنه لا يَكُون مُؤمِنًا بِالله تَعالى مَا لَم يُؤمِن بِجَمِيع مَا أنْزَل اللهُ تَعالى عَلى مُحَمَّد ﷺ وعَلى جَمِيع أنْبِيَائه عَليهم الصلاة والسلام، فَكَأنه قَال: مَنْ آمَن بِالله وبِمَا أنْزِل عَلى جَمِيع أنْبِيَائه وصَدَّق بِاليَوم الآخِر وعَمِل صَالِحًا، أي: أدَّى الفَرَائض، فَلَهم أجْرُهم عِنْد رَبِّهم، يَعْنِي: لَهُمْ ثَوَاب أعْمَالِهم في الآخِرَة (١). ونَقَل السَّمعاني عن سِيبويه قَوله: في الآيَة تَقْدِيم وتَأخِير، وتَقْدِيرُه: إنَّ الذين آمَنُوا والَّذين هَادُوا والنَّصَارَى مَنْ آمَن بِالله والَّذين هَادُوا والنَّصَارَى مَنْ آمَن بِالله واليَوْم الآخِر وعَمِل صَالِحًا فَلا خَوْف عَليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، والصَّابِئون كَذلك. ثم قال السمعاني: قَوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ): يَعْنِي: الذين آمَنُوا باللِّسَان، مَنْ آمَن مِنْهم بالقَلْب. قال: وقِيل: إنَّ الذين آمَنُوا عَلى حَقِيقَة الإيمان. وقَوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) أي: مَنْ ثَبَت عَلى الإيمان بِالله، وأمَّا في حَقِّ اليَهُود والنَّصَارَى والصَّابِئين فَهو مَحْمُول عَلى حَقِيقَة الإيمان (٢). ونَقَل الثعلبي الاخْتِلاف في حُكْم الآيَة، ومَعْنَى قَوله تَعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، فَقَال: ولَهُم فِيها طَرِيقَان: أحَدُهما: إنه أرَادَ بقَولِه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) على التّحْقِيق وعَقْد التَّصْدِيق، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَؤلاء الْمُؤمِنِين مَنْ هُم؟ فَقَال قَوْم: هُمْ الذين آمَنُوا بِعِيسَى ثُمَّ لَم يَتَهَوَّدُوا ولَم يَتَنَصَّرُوا ولم يصْبِئوا، وانْتَظِرُوا خُرُوج مُحَمَّد ﷺ .

стр. 216

وقال آخَرُون: هُمْ طُلَّاب الدِّين مِنْهم حَبِيب النَّجَّار وقَيس (١) بن ساعدة وزَيد بن عَمرو بن نُفيل ووَرَقَة بن نَوفل والبَراء السندي وأبو ذَرّ الغِفَاري وسَلْمان الفَارِسي ويَحْيى (٢) الرَّاهب ووَفْد النَّجَاشي؛ آمَنُوا بالنَّبي ﷺ ، بَلْ مَبْعَثِه، فَمِنْهُم مَنْ أدْرَكَه وتَابَعه، ومِنْهُم مَنْ لَم يُدْرِكْه. وقِيل: هُمْ مُؤمِنُو الأُمَم الْمَاضِيَة. وقِيل: الْمُؤمِنُون مِنْ هَذه الأمَّة. والذين هَادُوا: يَعْنِي الذين كَانُوا عَلى دِين مُوسى ﵇، ولم يُبَدِّلُوا ولَم يُغَيِّرُوا. والنَّصَارَى: الذين كَانُوا عَلى دِين عِيسَى ﵇ ولم يُبَدِّلُوا ومَاتُوا عَلى ذلك والطَّرِيق الآخَر (٣): إن الْمَذْكُورِين في أوَّل الآية بالإيمان إنما هُو عَلَى طَرِيق الْمَجَاز والتَّسْمِيَة دُون الْحُكْم والْحَقِيقَة، ثُم اخْتَلَفُوا فِيه: فَقَال بَعْضُهم: إنَّ الذين آمَنُوا بالأنْبِيَاء الْمَاضِين والكُتُب الْمُتَقَدِّمَة ولَم يُؤمِنُوا بكَ ولا بِكِتَابِك. وقال آخَرُون: يَعْنِي بِه الْمُنَافِقِين، أرَادَ: إنَّ الذين آمَنُوا بِألْسِنَتِهِم ولَم يُؤمِنُوا بِقُلُوبِهم، ونَظِير هَذه الآية قَوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦]. ثم خَتَمَ ذَلك بِقَولِه: وفِيه اخْتِصَار وإضْمَار، تَقْدِيرُه: مَنْ آمَن مِنْهُم بِالله واليَوم الآخِر؛ لأنَّ لَفْظ (مَنْ) يَصْلُح للوَاحِد والاثْنَين والْجَمْع والْمُذَكَّر والْمُؤنَّث … (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فِيمَا قَدَّمُوا.

стр. 217

(وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) عَلى مَا خَلَّفُوا. وقيل: لا خَوْف عَليهم بالْخُلُود في النَّار، ولا يَحْزَنُون بِقَطِيعَة الْمَلِك الْجَبَّار. ولا خَوْف عَليهم مِنْ الكَبَائر وإني أغْفِرُها، ولا هُمْ يَحْزَنُون عَلى الصَّغَائر فَأني أُكَفِّرُها. وقِيل: لا خَوف عَليهم فِيمَا تَعَاطَوا مِنْ الإجْرَام، ولا هُمْ يَحْزَنُون عَلى مَا اقْتَرَفُوا مِنْ الآثَام لِمَا سَبَق لَهم مِنْ الإسْلام (١). واخْتَار الزمخشري أنَّ الْمُرَاد بـ (الَّذِينَ آمَنُوا) في آية "البقرة" هُمْ الْمُنَافِقُون، فَقَال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بأَلْسِنَتِهِم مِنْ غَير مُوَاطَأة القُلُوب، وهُم الْمُنَافِقُون (٢). ومَعْنَى (مَنْ آمَنَ) عِنْدَه: مِنْ هَؤلاء الكَفَرة إيمانًا خَالِصًا، وَدَخَل في مِلّة الإسْلام دُخُولًا أصِيلًا (٣). وأمَّا الرَّازي فَقد ذَكَر غَير وَجْه في الْجَوَاب عن الإشْكَال الْمُتَوهَّم في آية "البقرة"، حيث ذَكَر ثَلاثَة أوْجُه في مَعْنى الآيَة، وذَكَر سَبَب الاخْتِلاف، فَقَال: واخْتَلَف الْمُفَسِّرُون في الْمُرَاد مِنْه، وسَبَب هَذا الاخْتِلاف قَوله تَعالى في آخر الآية: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ)، فإنَّ ذَلك يَقْتَضِي أن يَكُون الْمُرَاد مِنْ الإيمان في قَوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) غَير الْمُرَاد مِنْه في قَولِه تَعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، ونَظِيرُه في الإشْكَال قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) [النساء: ١٣٦]، فَلأجْل هَذا الإشْكَال ذَكَرُوا وُجُوهًا:

стр. 218

أحَدُها - وهو قَول ابن عباس -: الْمُرَاد: الذين آمَنُوا قَبل مَبْعَث مُحَمَّد بِعِيسَى ﵉، مَع البَرَاءة عَنْ أبَاطيل اليَهُود والنَّصَارَى، مِثل قُسّ بن ساعدة وبُحَيْرَى الرَّاهب وحَبِيب النَّجَّار وزَيد بن عَمرو بن نُفيل ووَرَقَة بن نَوفل وسَلمان الفَارِسي وأَبي ذَرّ الغِفَارِي ووَفْد النَّجَاشي، فَكأنه تَعالى قَال: إنَّ الذين آمَنُوا قَبْل مَبْعَث مُحَمَّد، والذين كَانوا عَلى الدِّين البَاطِل الذين لليَهُود، والذين كَانُوا عَلى الدِّين البَاطِل الذي للنَّصَارَى؛ كُلّ مَنْ آمَن مِنهم بَعْد مَبْعَث مُحَمَّد ﵇ بِالله واليَوم الآخِر وبِمُحَمَّد فَلَهُم أجْرُهُم عِنْد رَبِّهِمْ. وثَانِيها: أنه تَعالى ذَكَر في أوَّل هَذه السُّورة طَرِيقَة الْمُنَافِقِين، ثُم طَرِيقَة اليَهُود؛ فَالْمُرَاد مِنْ قَوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هُمْ الذين يُؤمِنون باللِّسان دُون القَلْب، وهُم الْمُنَافِقُون، فَذَكَر الْمُنَافِقِين ثُم اليَهُود والنَّصَارَى والصَّابِئين؛ فَكَأنه تَعالى قَال: هَؤلاء الْمُبْطِلُون كُلّ مَنْ أتَى مِنْهُم بالإيمان الْحَقِيقِي صَارَ مِنْ الْمُؤمِنِين عِنْد الله، وهُو قَول سُفْيان الثَّورِي. وثَالِثها: الْمُرَاد مِنْ قَوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هُمْ الْمُؤمِنُون بِمُحَمَّد ﵊ في الْحَقِيقَة، وهو عَائد إلى الْمَاضِي، ثُم قَوله تَعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) يَقْتَضِي الْمُسْتَقْبَل، فَالْمُرَاد: الذين آمَنُوا في الْمَاضِي وثَبَتُوا عَلى ذَلك، واسْتَمَرُّوا عَليه في الْمُسْتَقْبَل، وهُو قَول الْمُتَكَلِّمِين. ثم خَم الرازي الْمَبْحَث بِقَولِه: ثُم إنه سُبْحَانه بَيَّن في هَذه الفِرَق الأرْبَعَة أنهم إذا آمَنُوا بِالله فَلَهُم الثَّواب في الآخِرَة، لِيُعْرَف أنَّ جَمِيع أرْبَاب الضَّلال إذا رَجَعُوا عَنْ ضَلالِهم وآمَنُوا بالدِّين الْحَقّ فإنَّ الله يَقْبَل إيمانَهم وطَاعَتهم ولا يَرُدّهم عَنْ حَضْرَتِه ألبتة. واعْلَم أنه قَدْ دَخَل في الإيمان بِالله الإيمان بِمَا أوْجَبَه، أعْنِي: الإيمان بِرُسُلِه، ودَخَل في الإيمان باليَوْم الآخِر جَمِيع أحْكَام الآخِرَة، فَهَذَان القَولان قَدْ جَمَعا كُلّ مَا يَتَّصِل بالأدْيَان في حَال التَّكْلِيف، وفي حَال الآخِرَة مِنْ ثَوَاب وعِقَاب (١).

стр. 219

وذَكَر ابن جُزي القَول بالنَّسْخ، وأقْوَالًا أخْزَى، ضَعَّف بَعْضَهَا بِقَولِه: وقِيل: مَعْنَاهَا أنَّ هَؤلاء الطَوَائف مَنْ آمَن مِنْهم إيمانًا صَحِيحًا فَلَه أجْرُه؛ فَيَكُون في حَقِّ الْمُؤْمِنِين الثَّبَات إلى الْمَوْت، وفي حَقّ غَيْرِهم الدُّخُول في الإسْلام، فلا نَسْخ. وقِيل: إنها فِيمَن كَان قَبْل بَعْث النَّبِيّ ﷺ ، فلا نَسْخ (١). بَيْنَمَا قَال في تَفْسِير سُورة الْحَجّ: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هَذه الْجُمْلَة هي خَبَر (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا) الآية، وكُرِّرَتْ مَع الْخَبَر للتَّأكِيد، وفَصْل الله بَيْنهم بأن يُبَيِّنْ لَهُمْ أنَّ الإيمان هُو الْحَقّ وسَائر الأدْيان بَاطِلَة، وبأن يُدْخِل الذين آمَنُوا الْجَنَّة، ويُدْخِل غَيْرَهم النَّار (٢). وأشَارَ ابنُ كَثير إلى السِّيَاق في آيَات "البقرة"، فقال: لَمَّا بَيَّن تَعالى حَال مَنْ خَالَف أوامِرَه، وارْتَكَب زَوَاجِرَه، وتَعَدَّى في فِعْل مَا لا إذْنَ فِيه، وانْتَهَك الْمَحَارِم، ومَا أحَلَّ بِهم مِنْ النَّكَال، نَبَّه تَعالى عَلى أنَّ مَنْ أحْسَن مِنْ الأُمَم السَّالِفَة وأطَاع، فإنَّ لَه جَزَاء الْحُسْنَى، وكَذَلك الأمْر إلى قِيَام السَّاعَة؛ كُلّ مَنْ اتَّبَع الرَّسُول النَّبِيّ الأُمِّي فَلَه السَّعَادَة الأبَدِيَّة، ولا خَوْف عَليهم فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَه، ولا هُمْ يَحْزَنُون عَلى مَا يَتْرُكُونَه ويُخَلِّفُونَه (٣). ثم ذَكَر سَبَب نُزُول الآيَة، وذَكَر مَا جَاء عن ابنِ عَباس مِنْ القَول بالنَّسْخ، ثم عَرَّف بِتلك الأصْنَاف الْمَذْكُورَة في الآيَة، ثم قَال: فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتِمًا للنَّبِيِّين، ورَسُولًا إلى بَني آدَم على الإطْلاق، وَجَبَ عَليهم تَصْدِيقُه فِيمَا أخْبَر، وطَاعَتُه فِيمَا أمَر، والانْكِفَاف عَمَّا عَنه زَجَر؛ وهَؤلاء هُمْ الْمُؤمِنُون حَقًّا (٤).

стр. 220

وقَال في تَفْسِير آيَة الْحَجّ: يُخْبِر تَعالى عَنْ أهْل هَذِه الأدْيَان الْمُخْتَلِفَة مِنْ الْمُؤمِنِين ومَن سِوَاهم مِنْ اليَهُود والصَّابِئين … والنَّصَارَى والْمَجُوس والذين أشْرَكُوا، فَعَبَدُوا غَيْر الله مَعَه، فَإنَّه تَعالى (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ويَحْكُم بَيْنَهم بِالعَدْل؛ فيُدْخِل مَنْ آمَن به الْجَنَّة، ومَن كَفَرَ بِهِ النَّار، فَإنه تَعالى شَهِيد عَلى أفْعَالِهم، حَفِيظ لأقْوَالِهم، عَلِيم بِسَرَائِرِهِم، ومَا تُكِنّ ضَمَائرُهم (١). ونَقَل الثعالبي الْخِلاف في الآيَة، فقال: اخْتُلِف في الْمُرَاد بـ (الَّذِينَ آمَنُوا) في هَذه الآية؛ فَقَالتْ فِرْقَة: (الَّذِينَ آمَنُوا) هُمْ الْمُؤمِنُون حَقًّا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّد ﷺ ، وقَوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) يَكون فِيهم بِمَعْنى: مَنْ ثَبَت ودَام، وفِي سَائر الفِرَق بِمَعْنَى: مَنْ دَخَل فِيه. وقال السّدي: هُمْ أهْل الْحَنِيفِيَّة مِمَّنْ لَم يَلْحَق مُحَمَّدًا ﷺ . والذين هَادُوا ومَن عُطِف عَليهم كَذلك مِمَّنْ لَم يَلْحَق مُحَمَّدًا ﷺ (٢). وقال في تَفْسِير سُورَة المائدة: (الَّذِينَ آمَنُوا) لَفْظ عَامّ لِكُلّ مُؤمِن مِنْ مِلَّة نَبِيِّنَا مُحَمَّد ﷺ ومِن غَيرها مِنْ الْمِلَل، فَكَأن ألْفَاظ الآية حُصِر بِها النَّاس كُلّهم وبُيِّنَتِ الطَّوَائف عَلى اخْتِلافِها، وهَذا هو تَأوِيل الْجُمْهُور (٣). ويَرَى القاسمي أنَّ مَعْنَى (الَّذِينَ آمَنُوا) "أي: الذين آمَنُوا بِمُحَمَّد ﷺ ، وصَارُوا مِنْ جُمْلَة أتْبَاعِه. قَال في "فَتْح البَيَان": كَأنه سُبْحَانه أرَاد أن يُبَيِّنْ أنَّ حَال هَذه الْملَّة الإسْلامِيَّة، وحَال مَنْ قَبْلها مِنْ سَائر الْمِلَل، يَرجِع إلى شَيء وَاحِد، وهو أنَّ مَنْ آمَن مِنْهم بِالله واليَوْم الآخِر وعَمِل صَالِحًا اسْتَحَقّ مَا ذَكَرَه الله مِنْ الأجْر، ومَن فَاتَه ذلِك فَاتَه الْخَيْر كُلّه، والأجْر دِقّه وجِلّه. والْمُرَاد بالإيمان هَهُنَا هُو مَا بَيَّنَه

стр. 221

رَسُول الله ﷺ مِنْ قَولِه لِمَّا سَألَه جِبْرِيل ﵇ عَنْ الإيمان فَقَال: "أن تُؤمِن بِالله ومَلائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه (١) والقَدَر (٢) خَيْرِه وشَرِّه" (٣). ولا يَتّصِف بِهَذا الإيمان إلَّا مَنْ دَخَل في الْمِلَّة الإسْلامِيَّة، فَمَنْ لَم يُؤمِن بِمُحَمَّد ﷺ ، ولا بِالقُرآن؛ فَلَيْس بِمُؤمِن. ومَن آمَن بِهِما صَار مُسْلِمًا مُؤمِنًا، ولم يَبْق يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا. انتهى (٤). ثم نَقَل القاسمي عن الرَّاغِب تَوْجِيه قَول ابنِ عَباس في النَّسْخ، وأقَرَّه، فَقَال: وقَول ابنِ عباس: إنَّ هَذا مَنْسُوخ بِقَولِه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥] يَعْنُون أنَّ هَذه الأدْيَان كُلّها مَنْسُوخَة بِدِين الإسْلام، وأنَّ الله جَعَل لَهُمْ الأجْر قَبْل وَقْت النَّبِيّ ﷺ ، فأمَّا في وَقْتِه فالأدْيَان كُلّها مَنْسُوخَة بِدِينِه (٥). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَات، فآيَة "البَقَرة" في حَقّ مَنْ آمَن بِالله واليَوْم الآخِر وعَمِل صَالِحًا، فَلَه أجْرُه عِند رَبِّه، وهَذا أمْر مُتَكَرِّر في القُرْآن، كَما في قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف: ٣٠]. وأمَّا عَطْف (مَنْ آمَنَ) عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) فَهو مِنْ بَاب التَّأكِيد في حَقّ الْمُؤمِنِين، كَقَولِه تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦].

стр. 222

أوْ هُو في حَقّ الْمُنَافِقِين، فإنَّ اللهَ أخْبَر أنه يَقْبَل تَوْبَة الْمُنَافِق إذا تَاب، فَقَال : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. وأمَّا مَا في آية "الْحَجّ" فهو في الفَصْل بَيْن الأُمَم يَوْم القِيَامَة، وهو في حَقّ مَنْ لَم يُؤمِن، أمَّا مَنْ آَمَن فَلا يَبْقَى لَه نِسْبَة ولا انْتِسَاب إلى تِلك الْمِلَل. ألَا تَرَاهُم إذا ذَكَرُوا مَنْ كَان مَجُوسِيًّا ثم أسْلَم قَالُوا: كَان مَجُوسِيًّا. ومِثْله يُقَال في حَقّ مَنْ كَان عَلى مِلّة غَيْر الإسْلام ثُمّ أسْلَم، فإنه لا يَبْقَى لَه إلَّا أنه "كَان كَذَا". المثال الرابع: التَّسَاؤل يَوْم القِيَامَة بين الإثبات والنَّفْي: قَوله تَعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) [المؤمنون: ١٠١]، مَع قَوله تَعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]. صورة التعارض: قَوله تَعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) هَذه الآيَة الكَرِيمة تَدُلّ عَلى أنهم لا أنْسَاب بَيْنَهم يَومَئذٍ، وأنهم لا يَتَسَاءَلُون يَوْم القِيَامة؛ وقَد جَاءَت آيَات أُخَر تَدُلّ على ثُبُوت الأنْسَاب بَيْنَهم، كَقَولِه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: ٣٤] الآية .... وآيَات أُخَر تَدُلّ عَلى أنهم يَتَسَاءَلُون، كَقَولِه تَعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (١).

стр. 223

جمع القرطبي: نَقَل القرطبي عَنْ ابن عباس قَوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) في النَّفْخَة الأُولَى، ثم يُنْفَخ في الصُّوْر فَصَعِق مَنْ في السَّمَاوَات ومَن في الأرْض ومَن في الأرْض إلَّا مَنْ شَاء الله. فلا أنْسَاب بَيْنَهم عِند ذَلك ولا يَتَسَاءَلُون، ثُمّ في النَّفْخَة الآخِرَة أقْبَل بَعْضُهم عَلى بَعْض يَتَسَاءَلُون (١). وقَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [يونس: ٤٥]: وهَذا التَّعَارُف تَعَارُف تَوبِيخ وافْتِضَاح، يَقُول بَعْضُهم لِبَعْض: أنْتَ أضْلَلْتَنِي وأغْوَيْتَنِي وحَمَلْتَنِي عَلى الكُفْر، ولَيْس تَعَارُف شَفَقَة ورَأفَة وعَطْف، ثم تَنْقَطِع الْمَعْرِفَة إذَا عَايَنُوا أهْوَال يَوْم القِيَامَة، كَما قَال: (وَلَا يَسْأَلٌ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: ١٠]. وقِيل: يَبْقَى تَعَارُف التَّوبِيخ، وهو الصَّحِيح، لِقَولِه تَعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ) إلى قَوله: (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [سبأ: ٣١ - ٣٣]، وقَوله: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) [الأحزاب: ٦٧] الآية. فأمَّا قَوله: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: ١٠]، وقَوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، فَمَعْناه: لا يَسْألُه سُؤَال رَحْمَة وشَفَقَة. والله أعلم. وقِيل: القِيَامَة مَوَاطِن. وقِيل: مَعْنَى (يَتَعَارَفُونَ) يَتَسَاءَلُون، أي: يَتَسَاءَلُون كَمْ لَبِثْتُم؟ كَمَا قَال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، وهَذا حَسَن. وقَال الضَّحَّاك: ذَلك تَعَارُف تَعَاطُف الْمُؤْمِنِين، والكَافِرُون لا تَعَاطُف عَليهم، كَما قَال: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ)، والأوَّل أظْهَر، والله أعلم (٢).

стр. 224

وذَكَر أقْوالًا في الآيَة، وأشَارَ إلى الْجَمْع بَيْن الآيَات، وذلك في تَفْسِير سُورة الْمُؤْمِنُون، فَقَال: قَوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) الْمُرَاد بِهَذا النَّفْخ النَّفْخَة الثَّانِيَة (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ). قال ابن عباس: لا يَفْتَخِرُون بالأنْسَاب في الآخِرَة كَمَا يَفْتَخِرُون بِها في الدُّنيا، ولا يَتَسَاءَلُون فِيها كَمَا يَتَسَاءَلُون في الدُّنيا، مِنْ أيّ قَبِيلَة أنْت؟ ولا مِنْ أيّ نَسَب؟ ولا يَتَعَارَفُون لِهَوْل مَا أذْهَلَهم. وعن ابن عباس: أنَّ ذَلك في النَّفْخَة الأُولى حِين يُصْعَق مَنْ في السَّمَاوات وَمَنْ في الأرْض إلَّا مَنْ شَاء الله (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: ٦٨]، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الطور: ٢٥] (١). وسَألَ رَجُلٌ ابنَ عَباس عَنْ هذه الآيَة (٢)، وقَولِه: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، فَقَال: لا يَتَسَاءَلُون في النَّفْخَة الأُولى، لأنه لا يَبْقَى عَلى وَجْه الأرْض حَيّ، فلا أنْسَابَ ولا تَسَاؤل، وأمَّا قَوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) فَإنهم إذا دَخَلُوا الْجَنَّة تَسَاءَلُوا. وقَال ابنُ مسعود: إنما عَنى في هَذه الآية النَّفْخَة الثَّانِيَة. وأورَد القرطبي قَولًا آخَر عن ابن مسعود ﵁، وهو أنه "يُؤخَذ بِيَدِ العَبْد أوْ الأمَة يَوْم القِيَامَة فيُنْضَب على رُؤوس الأوَّلِين والآخِرِين، ثم يُنادِي مُنَادٍ: هذا فُلان بن فُلان، مَنْ كَان لَه حَقّ فَلْيَأتِ إلى حَقِّه؛ فَتَفْرَح الْمَرْأة أن يَدُور لَهَا الْحَقّ عَلى أبِيهَا، أوْ عَلى زَوْجِها، أوْ عَلى أخِيهَا، أوْ على ابْنِهَا، ثُمّ قَرأ ابنُ مَسْعُود: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) (٣).

стр. 225

وأمَّا في تَفْسِير "الصَّافَّات"، فَقَال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يَعْنِي: الرُّؤَسَاء والأتْبَاع (يَتَسَاءَلُونَ) يَتَخَاصَمُون (١). وذَكَر فِيها وَجْهًا آخَر في الْجَمْع، فَقَال في قَوله تَعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ): إنما هُو لا يَتَسَاءَلُون بالأرْحَام، فَيَقُول أحَدُهم (٢): أسْألُك بالرَّحِم الذي بَيْن وبَيْنَك لَمَا نَفَعْتَنِي، أوْ أسْقَطْت لِي حَقًّا لَك عَليّ، أوْ وَهَبْتَ لي حَسَنَة؛ وهَذا بَيِّن لأنَّ قَبْلَه: (فَلَا أَنْسَابَ)، أي: لَيس يَنْتَفِعُون بالأنْسَاب التي بَيْنَهم … و (يَتَسَاءَلُونَ) هَا هُنا إنما هَو أن يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا ويُوَبِّخَه في أنه أضَلَّه، أوْ فَتَح لَه بَابًا مِنْ الْمَعْصِيَة، يُبَيِّنْ ذلك أنَّ بَعْدَه (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) [الصافات: ٢٨]. قال مجاهد: هو قَول الكُفَّار للشَّيَاطِين. قتادة: هو قُول الإنْس للجِنّ. وقيل: هُو مِنْ قَول الأتْبَاع للمَتْبُوعِين. دَلِيله قَوله تَعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) [سبأ: ٣١] الآية (٣). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - لا يَتَسَاءَلُون إذا نُفِخ في الصُّور النَّفْخَة الأُولى، وأمَّا بَعْد النَّفْخَة الآخِرَة فيُقْبِل بَعْضُهم عَلى بَعْض يَتَسَاءَلُون. ٢ - لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا رَحْمَة وشَفَقَة، بل سُؤال تَوبِيخ.

стр. 226

٣ - أنَّ القِيَامَة مَوَاطِن، فَفِي بَعْضِها يَكُون السُّؤال، وفي بعضها لا يَكون. ٤ - يَتَسَاءَلُون كَمْ لَبِثْتُم؟ ٥ - لا يَفْتَخِرُون بالأنْسَاب في الآخِرَة كَمَا يَفْتَخِرُون بِهَا في الدُّنيا. ٦ - لا يَتَسَاءَلُون بالأنْسَاب كَمَا يَتَسَاءَلُون بِهَا في الدُّنيا. ٧ - لا يَتَسَاءلون في حَال النَّفْخَة الأُولى، فإذا دَخَلُوا الْجَنَّة تَسَاءَلُوا. ٨ - هو قُول الكُفَّار للشَّيَاطِين. ٩ - هو قَول الإنْس للجِنّ. ١٠ - هو مِنْ قَول الأتْبَاع للمَتْبُوعِين. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: أشَار ابنُ جَرير إلى الاخْتِلاف في تَفْسِير الآيَة، فَقَال: اخْتَلَف أهْل التَّأويل في الْمَعْنِيّ بِقَولِه: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) مِنْ النَّفْخَتَين أيتُهما عُنِيَ بِها. فَقَال بَعْضُهم: عُني بِهَا النَّفْخَة الأُولى - ثم ذَكَر مَنْ قَال بِهَذا القَول - وأسْنَد إلى ابن عباس جَوابه لِمَنْ سَألَه عَمَّا أشْكَل عَليه - مِمَّا تَقَدَّم - ورَوَى بإسْنَادِه عن ابن عباس في قَولِه: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ): فَذَلكَ حِين يُنْفَخ في الصُّور، فلا حَيّ يَبْقَى إلَّا الله، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧] فَذَلِك إذا بُعِثُوا في النَّفْخَة الثَّانِيَة. قَال: فَمَعْنَى ذَلك عَلى هَذا التَّأويل: فإذا نُفِخ في الصُّور، فَصَعِق مَنْ في السَّمَاوات وَمَنْ في الأرْض إلَّا مَنْ شَاء الله، فَلا أنْسَاب بَيْنَهم يَومَئذٍ يَتَواصَلُون بِهَا، ولا يَتَسَاءَلُون، ولا يَتَزَاوَرُون؛ فَيَتَسَاءَلُون عَنْ أحْوَالِهم وأنْسَابِهم. وقال آخَرُون: بَلْ عُنِي بِذلك النَّفْخَة الثَّانِيَة (١). ثم أسْنَد الأقْوَال إلى قَائِليها.

стр. 227

ورَوَى مِنْ طَرِيق الْحُسَين قَال: ثَنِي حَجَّاج: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) قَال: لا يَسْأل أحَد يَومئِذ بِنَسَبٍ شيئًا، ولا يَتَسَاءَلُون، ولا يَمُتُّ إلَيه بِرَحِم (١). وفي قَوله تَعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ): اقْتَصَر عَلى قَول وَاحِد، حَيث قَال: قِيل: مَعْنَى ذَلك: وأقْبَل الإنْس عَلى الْجِنّ يَتَسَاءَلُون. ثم ذَكَرَ مَنْ قَال بِذلك (٢). وقَال النَّحَّاس: وَهَذه الآية مُشْكِلَة، لأنه قَال جَلَّ وَعَزّ: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، وقَال في مَوْضِع آخَر: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]. والْجَوَاب عَنْ هَذا - وهو مَعْنَى قَول عبد الله بن عباس وإن خَالَف بَعْض لَفْظِه، والْمَعْنَى واحِد - أنه إذا نُفِخَ في الصُّور أوَّل نَفْخَة تَقَطَّعتِ الأرْحَام وصُعِقَ مَنْ في السَّمَاوات ومَن في الأرْض وشُغِل بَعْض النَّاس عَنْ بَعْض بأنْفُسِهم، فَعِنْد ذَلك لا أنْسَاب بَيْنَهم يَومَئذٍ ولا يَتَسَاءَلُون. قال: ومَعْنَى (يَوْمَئِذٍ) في قَوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) كَمَا تَقُول: أنا اليَوْم كَذا. أي في هَذا الوَقْت، لا تُريد وَقْتًا بِعَيْنِه (٣). واقْتَصَر السمرقندي على قَوله: قَولُه : (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) [المؤمنون: ١٠١] يَعْنِي: النَّفْخَة الأخِيرَة. (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ)، يَعْنِي: لا يَنْفَعُهم يَومَئذٍ

стр. 228

النَّسَب، ولا يَتَسَاءَلُون عَنْ ذلك؛ فَهَذِه حَالات لا يَتَسَاءَلُون في مَوْضِع، ويَتَسَاءَلُون في مَوْضِع آخَر (١). وأوْضَح السمعاني الْمُرَاد بانْقِطَاع الأنْسَاب، فَقَال: قَوله تَعالى: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي: لا أنْسَاب يَتَفَاخَرُون ويَتَوَاصَلُون بِهَا، وأمَّا أصْل الأنْسَاب فَبَاقِيَة. وأمَّا قَوله ﵊: كُلّ سَبَبٍ ونَسَبٍ يَنْقَطِع إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي (٢). أي: لا يَنْفَع سَبَب ولا نَسَب يَوم القِيَامَة إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي. ويُقَال: سَبَبُه القُرْآن، ونَسَبه الإيمان (٣). وقَوله: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، أي: لا يَسْأَل بَعْضُهم بَعْضًا سُؤَال تَوَاصُل. فإن قِيل: ألَيْس أنَّ الله تَعالى قَال: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) (٤)؟ الْجَوَاب: مَا رُوي عن ابنِ عباس أنه قَال: يَوْم القِيَامَة مَوَاطِن وتَارَات، فَفِي مَوْطِن يَشْتَدّ عَليهم الْخَوْف فَتَذْهَل عُقُولُهم فَلا يَتَسَاءَلُون، وفي مَوْضِع يُفِيقُون إفَاقَة فَيَتَسَاءَلُون (٥).

стр. 229

وذَكَر الثعلبي قَول ابن عباس: "لا يَفْتَخِرُون بالأنْسَاب في الآخِرَة كَمَا كَانُوا يَفْتَخِرُون"، وقَول أبي العالية: هو كَقَولِه: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: ١٠]، وقَوْل ابن جُريج: مَعْنَى الآيَة: لا يَسْأل أحَد يَوْمَئذٍ شَيئًا بِنَسَبٍ، (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) لا يَمُتّ إليه بِرَحِم. ثم قال الثعلبي: واخْتَلَف الْمُفَسِّرُون في الْمُرَاد بِقَولِه: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) أي النَّفْخَتَين عَنَى؟ فقال ابن عباس: هي النَّفْخَة الأُولى (١). وقال ابن مسعود: هي النَّفْخَة الثَّانِيَة (٢). واقتصر الزمخشري على ذِكر جَوَابَيْن، فَقَال مُتَسَائلًا: فإن قُلْتَ: قَدْ نَاقَضَ (٣) هَذا ونَحو قَوله: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمَا) [المعارج: ١٠] قَوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]، وقَوله: (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [يونس: ٤٥] فَكَيف التَّوْفِيق بَيْنَهُما؟ قُلْتُ: فِيه جَوَابَان: أحَدُهما: أنَّ يَوْم القِيَامَة مِقْدَارُه خَمْسُون ألْفَ سَنَة، فَفِيه أزْمِنَة وأحْوَال مُخْتَلِفَة؛ يَتَسَاءَلُون ويَتَعَارَفُون في بَعْضِها، وفي بَعْضِها لا يَفْطُنُون لِذلك لِشِدَّة الْهَول والفَزَع. والثَّاني: أن التَّنَاكُر يَكُون عِنْد النَّفْخَة الأُولى، فَإذا كَانَتِ الثَّانِيَة قَامُوا فَتَعَارَفُوا وتَسَاءَلُوا (٤).

стр. 230

وأوْجَز ابنُ عَطية الأقْوَال، فَقَال: اخْتَلَف الْمُتَأَوِّلُون في صِفَة ارْتِفَاع الأنْسَاب؛ فَقَال ابن عباس وغيره: هَذا في النَّفْخَة الأُولى. وذَلك أنَّ النَّاس بأجْمَعِهم يَمُوتُون فَلا يَكُون بَيْنَهم نَسَب في ذَلك الوَقْت وهُم أمْوَات. ثم قَال: وهَذا التَّأوِيل يُزِيل مَا في الآيَة مِنْ ذِكْر هَوْل الْحَشْر. وقال ابن مسعود وغَيره: إنَّما الْمَعْنَى: أنه عِنْد النَّفْخَة الثَّانِيَة وقِيَام النَّاس مِنْ القُبُور فَهُمْ حِينَئذٍ لِهَول الْمَطْلَع واشْتِغَال كُلّ امْرِئ بِنَفْسِه قَدْ انْقَطَعَت بَيْنَهم الوَسَائل، وزَال انْتِفَاع الأنْسَاب؛ فَلِذَلك نَفَاها. فَالْمَعْنَى: فَلا أنْسَاب. ورُوي عن قَتادة أنه قَال: لَيْس أحَد أبْغَض إلى الإنْسَان في ذَلك اليَوْم مِمَّنْ يَعْرِف، لأنه يَخَاف أنْ تَكُون لَه عِنْدَه مَظْلَمَة. وفي ذَلك اليَوم يَفِرّ الْمَرْء مِنْ أخِيه وأُمِّه وأبِيه وصَاحِبَتِه وبَنِيه، ويَفْرَح كُلّ أحَدٍ يومَئذٍ أنْ يَكُون لَه حَقّ عَلى ابْنِه وأَبِيه، وقد وَرَدَ بِهَذَا حَدِيث. وكَذلك ارْتِفَاع التَّسَاؤل والتَّعَارُف لِهَذِه الوُجُوه التي ذَكَرْنَاهَا، ثم تَأتِي في القِيَامَة مَوَاطِن يَكُون فِيها السُّؤَال والتَّعَارُف. واسْتَحْسَن ابنُ عَطية هذا القول بقَوله: وهَذا التَّأوِيل حَسَن، وهو مَرْوِيّ الْمَعْنَى عن ابنِ عباس (١). وذَكَر الرازي وُجُوهًا في الْجَمْع بَيْن الآيَات، فَقَال في قَوله تَعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]: الآيَة تَدُلّ عَلى أنَّ الْمَسْألَة الْحَاصِلَة بَيْنَهم إنّما كَانَتْ عَلى سَبِيل أنَّ بَعْضَهم يَلُوم بَعْضًا، والدَّلِيل عَليه قَوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [القلم: ٣٠] (٢)، وقَوله: (فَلا

стр. 231

أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) [المؤمنون: ١٠١]، مَعْنَاه: أنه لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيل الشَّفَقَة واللُّطْف؛ لأنَّ النَّسَب يُوجِب الْمَيْل والرَّحْمَة والإكْرَام (١). ولَه جَوَاب آخَر، وهو "أنَّ يَوْم القِيَامَة يَوْم طَوِيل ومَوَاقِفها كَثِيرَة، فأخْبَر عَنْ بَعْض الأوْقَات بِحُصُول السُّؤَال، وعَن بَعْضِها بِعَدم السُّؤَال" (٢). كَمَا ذَكَر وُجُوهًا أُخَر في تَفْسِير سُورة الْمُؤمِنُون، فَقَال: أمَّا قَوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، فَمِنْ الْمَعْلُوم أنه سُبْحَانه إذَا أعَادَهم فَالأنْسَاب ثَابِتَة؛ لأنَّ الْمُعَاد هُو الوَلَد والوَالِد، فَلا يَجُوز أن يَكُون الْمُرَاد نَفْي النَّسَب في الْحَقِيقَة، بَلْ الْمُرَاد نَفْي حُكْمه وذَلك مِنْ وُجُوه: أحَدها: أنَّ مِنْ حَقّ النَّسَب أن يَقَع بِه التَّعَاطُف والتَّرَاحُم، كَما يُقَال في الدُّنيا: أسْألُك بِالله والرَّحِم أن تَفْعَل كَذا، فَنَفَى سُبْحَانه ذَلك مِنْ حَيث إنَّ كُلّ أحَد مِنْ أهْل النَّار يَكُون مَشْغُولًا بِنَفْسِه، وذَلك يَمْنَعه مِنْ الالْتِفَات إلى النَّسَب. وثَانِيها: أن يَحْصُل بِه التَّفَاخُر في الدُّنيا، وأن يَسْأل بَعْضُهم عَنْ كَيْفِيَّة نَسَب البَعْض، وفي الآخِرَة لا يَتَفَرَّغُون لِذلك. وثَالِثها: أن يُجْعَل ذَلك اسْتَعَارَة عَنْ الْخَوف الشَّدِيد، فَكُلّ امْرِئ مَشْغُول بِنَفْسِه عَنْ بَنِيه وأخِيه وفَصِيلَتِه التي تُؤويه، فَكَيف بِسَائر الأُمُور؟ (٣) ثم أوْرَد مَا جَاء عَنْ ابنِ مسعود ﵁، وقَولَ قتادة: لا شَيء أبْغَض إلى الإنْسَان يَوْم القِيَامَة مِنْ أن يَرى مَنْ يَعرفه مَخَافَة أن يَثْبُت لَه عَليه شَيء (٤). كما اسْتَشْهَد بِمَا في الْحَدِيث الْمَرْفُوع، وهو مَا جَاء عَنْ عَائشة ﵂ حَيْث سَأَلَتْ: يا رَسُول الله! أمَا نَتَعَارَف يَوْم القِيَامَة؟ أسْمَع الله تعالى يَقُول: (فَلَا أَنْسَابَ

стр. 232

بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ). فَقال ﵊: ثَلاث مَوَاطِن تَذْهَل فِيها كُلّ نَفْس: حِين يُرمَى إلى كُلّ إنْسَان كِتَابه، وعِنْد الْمَوَازِين، وعَلى جِسْر جَهَنَّم (١). وَرَدًّا عَلى الْمَلاحِدَة الذين طَعَنُوا في القُرْآن، وزَعَمُوا فِيه التَّنَاقُض بَيْن هَذه الآيَات فَقَال في الْجَمْع بَينها: مِنْ وُجُوه (٢): أحَدها: أنَّ يَوْم القِيَامة مِقْدَاره خَمْسُون ألْفَ سَنَة، فَفِيه أزْمِنَة وأحْوَال مُخْتَلِفَة، فَيَتَعَارَفُون ويَتَسَاءَلُون في بَعْضِها، ويَتَحَيَّرون في بَعْضِها لِشِدَّة الفَزَع. وثَانِيها: أنه إذا نُفِخَ في الصُّور نَفْخَة وَاحِدَة شُغِلُوا بأنْفُسِهم عَنْ التَّسَاؤل، فَإذا نُفِخَ فيه أُخْرَى أقْبَل بَعْضُهم عَلى بَعْض، وقَالُوا: (يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) [يس: ٥٢]. وثَالِثها: الْمُرَاد: لا يَتَسَاءَلُون بِحُقُوق النَّسَب. ورَابِعها: أنَّ قَوله: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، صِفَة للكُفَّار، وذَلك لِشِدَّة خَوْفِهم. أمَّا قوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، فهو صِفة أهْل الْجَنَّة إذا دَخَلُوها (٣). واخْتَار ابن جُزيّ أنَّ مَعْنَى الآيَة (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ): أنه يَنْقَطِع يَومئِذٍ التَّعَاطُف والشَّفَقَة التي بَيْن القَرَابَة؛ لاشْتِغَال كُلّ أحَدٍ بِنَفْسِه، كَقَولِه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس: ٣٤، ٣٥]، فَتَكُون الأنْسَاب كَأنّها مَعْدُومَة. (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، أي: لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا، لاشْتِغَال كُلّ أحَدٍ بِنَفْسِه. ثم أوْرَد سُؤالًا قال فيه:

стр. 233

فَإن قِيل: كَيف الْجَمْع بَيْن هَذا وبَيْن قَوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]؟ فالْجَوَاب: أنَّ تَرْك التَّسَاؤل عِنْد النَّفْخَة الأُولى ثُمَّ يَتَسَاءَلُون بَعْد ذَلك، فَإنَّ يَوْم القِيَامَة يَوْم طَوِيل، فِيه مَوَاقِف كَثِيرَة (١). وفي تَفْسِير سُورَة النِّساء أوْرَد ابنُ كَثير قَول ابن مسعود ﵁ (٢). وقَال في تَفْسِير سُورَة الْمُؤمِنُون: يُخْبِر تعالى أنه إذا نُفِخَ في الصُّور نَفْخَة النُّشُور وقَام النَّاس مِنْ القُبُور (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، أي لا تَنْفَع الإنْسَان يَومئِذ ولا يَرْثِي وَالِد لِولَده ولا يَلوي عَليه. قَال الله تَعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: ١٠]، أي: لا يَسْأل القَرِيب قَرِيبَه وهو يُبْصِره، ولَو كَان عَليه مِنْ الأوْزَار مَا قَدْ أثْقَل ظَهْرَه، وهو كَان أعَزّ النَّاس عَليه في الدُّنيا مَا الْتَفَتَ إليه، ولا حَمَل عَنه وَزْن جَنَاح بَعُوضَة. قَال الله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤، ٣٧] (٣). ثم أورَد ابن كثير قَول ابن مسعود ﵁ في فَرَح القَرِيب أن يَكُون لَه الْحَقّ على قَرِيبِه، وأورَد أحَادِيث مَرْفُوعَة، مِنها: قوله ﵊: مَا بالُ رِجَال يَقُولُونَ: إنَّ رَحِم رَسُول الله ﷺ لا تَنْفَع قَومَه؟ بَلَى والله، إنَّ رَحِمِي مَوْصُولَة في الدُّنيا والآخِرَة، وإني أيها

стр. 234

النَّاس فَرَط لَكُمْ (١) إذا جِئتُم قَال رَجُل: يَا رَسُول الله أنا فُلان بن فُلان، فأَقول لَهم: أمَّا النَّسَب فَقَد عَرَفْتُ، ولَكِنَّكُم أحْدَثْتُم بَعْدِي، وارْتَدَدْتم القَهْقَرى (٢). وقوله ﵊: كُلّ سَبَب ونَسَب فإنّه مَنْقَطِع يَوْم القِيَامَة إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي (٣). رواه الطبراني (٤) والبزار (٥) والهيثم بن كليب (٦) والبيهقي (٧) والحافظ الضياء في ((المختارة)) (٨) (٩). وفي "مَحَاسِن التَّأوِيل": (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) أي: لِشِدَّة الْهَوْل مِنْ هُجُوم مَا شَغَل البَال حَتى زَال بِه (١٠) التَّعَاطُف والتَّآلُف، إذ (يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ

стр. 235

مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ - ٣٧]، ونَفْي نَفْع السَّبَب إذا دَهَم مِثْل هَذا مَعْرُوف (١). ثم أورَد القَاسمي مَعْنَى (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، فَقَال: لا يَسْأل بَعْضُهم بَعْضًا، لِعِظَم الْفَزَع، وشِدَّة مَا بِهِمْ مِنْ الأهْوَال، وذُهُولِهم عَمَّا كَان بَيْنَهم مِنْ الأحْوَال، فَتَنْقَطِع العَلائق والوُصَل التي كَانَتْ بَيْنَهم، وجَلِيّ أن نَفْي التَّسَاؤل إنّما هو وَقْت النَّفْخ، كَمَا دَلّ عَليه قَوله: (فَإِذَا) أي: فَوَقْت القِيَام مِنْ القُبُور، وهَوْل الْمَطْلَع، يَشْتَغِل كُلٌّ بِنَفْسِه. وأمَّا مَا بَعْدَه فَقَد يَقَع التَّسَاؤل، كَمَا قَال تَعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) [الصافات: ٢٧]؛ لأنَّ يَوْم القِيَامة يَوْم مُمْتَدّ، فَفِيه مَشَاهِد ومَوَاقِف، فَيَقَع في بَعْضِها تَسَاؤل، وفي بَعْضِها دَهْشَة تَمْنَع مِنه (٢). واخْتَار الشنقيطي "أنَّ الْمُرَاد بِنَفْي الأنْسَاب انْقِطَاع فَوَائِدها وآثَارِها التي كَانت مُتَرَتِّبَة عَليها في الدُّنيا مِنْ العَوَاطِف والنَّفْع، والصِّلات والتَّفَاخُر بالآبَاء، لا نَفْي حَقِيقَتِها" (٣). وأمَّا نَفْي السُّؤال عَنه مِنْ ثَلاثَة أوْجُه، هي: الأوَّل: أنّ نَفْي السُّؤَال بَعْد النَّفْخَة الأُولى وقَبْل الثَّانِيَة، وإثْبَاته بَعْدَهما مَعًا. الثَّاني: أنَّ نَفْي السُّؤال عِنْد اشْتِغَالِهم بِالصَّعْق والْمُحَاسَبَة والْجَوَاز عَلى الصِّرَاط، وإثْبَاته فِيما عَدا ذَلك. الثَّالِث: أنَّ السُّؤال الْمَنْفِي سُؤال خَاصّ، وهو سُؤَال بَعْضِهم العَفْو مِنْ بَعْض فِيمَا بَيْنَهم مِنْ الْحُقُوق لِقُنُوطِهم مِنْ الإعْطَاء، ولَو كَان الْمَسْؤول أبًا أوْ ابْنًا أوْ أمًا أوْ زَوْجَة.

стр. 236

قَال: ذَكَرَ هذِه الأوْجُه الثَّلاثَة أَيضًا صَاحِب الإتْقَان (١). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَات، ومَا تُوهِّم مِنْ تَعارض يُجَاب عَنه بأنَّ نَفْي السُّؤال في قَوله تَعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) "جَلِيّ أنَّ نَفْي التَّسَاؤل إنّمَا هو وَقْت النَّفْخ" (٢) يَعني في الصُّور. ووَقْت النَّفْخ في الصُّور - النَّفْخَة الأُولى - هو وَقْت الزَّلْزَلَة، وذَلك حِين (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ٢]. "قَال تَعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: ١] أي: أمْرٌ كَبِير، وخَطْبٌ جَلِيل، وطارِق مُفْظِع، وحَادِث هَائل، وكَائن عَجِيب. والزِّلْزَال هُو مَا يَحْصُل للنُّفُوس مِنْ الرُّعْب والفَزَع" (٣). وذَلك الذُّهُول وانْقِطَاع السُّؤال حِين "يَقُول الله: يَا آدَم، فَيَقُول: لَبَّيْك وسَعْدَيك، والْخَيْر في يَدَيك. قَال: يَقُول: أخْرِج بَعْثَ النَّار. قَال: ومَا بَعْثُ النَّار؟ قَال: مِنْ كُلّ ألف تِسْعُمائة وتِسْعَة وتِسْعِين؛ فَذَاك حِين يَشِيب الصَّغِير، وتَضَع كُلّ ذَاتِ حَمْل حَمْلها، وتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، ولَكِنَّ عَذَاب الله شَدِيد" (٤). وفي أخْبَار آخِر الزَّمَان: "ثم يُنْفخ في الصُّور فَلا يَسْمَعه أحَد إلَّا أصْغَى لَيْتًا ورَفَع لَيْتًا (٥). قَال: وأوَّل مَنْ يَسْمَعه رَجُل يَلُوط حَوْض إبِلِه. قَال: فيُصْعَق ويُصْعَق النَّاس،

стр. 237

ثم يُرْسِل الله - أوْ قَال: يُنْزِل الله - مَطَرًا كَأنّه الطَّلّ - أوْ الظِّل - فَتَنْبُت مِنه أجْسَاد النَّاس، ثم يُنْفَخُ فِيه أُخْرى، فَإذَا هُمْ قِيَام يَنْظُرُون، ثم يُقَال: يَا أيّها النَّاس هَلُمّ إلى رَبِّكُم، (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) [الصافات: ٢٤]. قَال: ثم يُقَال: أخْرِجُوا بَعْثَ النَّار. فيُقال: مِنْ كَم؟ فيُقَال: مِنْ كُل ألْف تِسْعُمِائة وتِسْعَة وتِسْعِين. قَال: فَذَاك يَومَ يَجْعَلُ الوِلْدَان شِيْبًا، وذَلك يَومَ يُكْشَف عن سَاق" (١). وقد الْتَقَم إسْرَافِيل القَرْن، وأحْنَى جَبْهَتَه؛ يَنْتَظِر مَتَى يُؤمَر بالنَّفْخ، وهذا مِمَّا أهَمّ رَسُول الله ﷺ في الدُّنيا، حَيْث قَال ﵊: كَيف أنْعَم وصَاحِب القَرْن قَدْ الْتَقَم القَرْن، واسْتَمَع الإذْن مَتَى يُؤمَر بِالنَّفْخ، فَيَنْفُخ (٢). ويَكون انْشِغَال كُلّ إنْسَان بِنَفْسِه في مَوَاطِن في يَوْم القِيَامَة، وقَد دَلَّتِ السُّنَّة عَلى ذَلك. فَعَن عَائشة أنّها ذَكَرَتِ النَّار فَبَكَتْ، فَقَال رَسُول الله ﷺ : مَا يُبْكِيك؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّار فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرون أهْلِيكُم يَوْم القِيَامَة؟ فَقَال رَسُول الله ﷺ : أمَّا في ثَلاثَة مَوَاطِن فَلا يَذْكُر أحَدٌ أحَدا: عِنْد الْمِيزَان حَتَّى يَعْلَم أيخِفّ مِيزَانه أوْ يَثْقُل، وعِنْد الكِتَاب حِين يُقَال: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) [الحاقة: ١٩] حتى يَعْلَم أين يَقَع كِتَابه، أفِي يَمِينه أمْ في شِمَاله أمْ مِنْ وَرَاء ظَهْره؟ وعِنْد الصِّرَاط إذا وُضِعَ بَيْن ظَهْرَي جَهَنَّم (٣).

стр. 238

وفي رِوَاية مُخْتَصَرَة: قَالَتْ عَائشة: يَا رَسول الله هَلْ تَذْكُرُون أهْلِيكُم يَوْم القِيَامَة؟ قَال: أمَّا في مَوَاطِن ثَلاثَة فَلا: الكِتَاب، والْمِيزَان، والصِّرَاط (١). وفي رواية: قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُول الله هل يَذْكُر الْحَبِيب حَبِيبَه يَوْم القِيَامَة؟ قَال: يَا عَائشة أمَّا عِنْد ثَلاث فَلا: أمَّا عِنْد الْمِيزَان حَتى يَثْقُل أوْ يَخِفّ؛ فَلا، وأمَّا عِنْد تَطَايُر الكُتُب، فَإمَّا أن يُعْطَى بِيَمِينِه أوْ يُعْطَى بِشِمَاله؛ فَلا، وحِين يَخْرُج عُنُق مِنْ النَّار فَيَنْطَوي عَلَيهم ويَتَغَيَّظ عَليهم (٢). فَهذه مَوَاطِن لا يَذكُر فيها أَحَدٌ أحَدًا، ولا يَسْأل فِيها حَمِيم عَنْ حَمِيمِه، ولا وَالِد عَنْ وَلَده. وأمَّا قَوله تَعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) [طه: ١٠٢ - ١٠٤] فَهَذا مَحْمُول عَلى مَا بَعْد النَّفْخَة الثَّانِيَة، لأنَّ الْحَشْر يَكُون بَعْد النَّفْخَة الثَّانِيَة، وتَهَامُس القَوْم ومُخافَتَتهم في الْمَحْشَر، وهو في الْمَوَاطِن التي يَكُون فيها سُؤَال ومُرَاجَعَة. ويَتَسَاءَل أهْل الْجَنَّة في الْجَنَّة عَمَّا كَان في الدُّنيا، ويَسْألُون عَنْ أقْوَام كَادُوا أن يُضِلُّوهُم، وهَذا يَدُلّ عَليه قَوْلُه تَعالى حِكَايَة عن تَحَاوُر أهْل الْجَنَّة: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا

стр. 239

أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات: ٥٠ - ٥٧]. وأمَّا قوله ﵊: "كُلّ سَبَبٍ ونَسَبٍ يَنْقَطِع إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي" فهو لا يَتَعَارَض مَع مَا تَقَدَّم من نَفْي نَفْع النَّسَب في الآخِرَة، ولا مَع قَوْلِه ﷺ : يا بَنِي عَبْد مَنَاف لا أُغْنِي عَنْكم مِنْ الله شَيْئا، يَا عَبَّاس بن عبد المطلب لا أُغْنِي عَنْك مِنْ الله شَيْئا، ويَا صَفِيَّة عَمَّة رَسُول الله لا أُغْنِي عَنْك مِنْ الله شَيْئًا، ويَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد سَلِينِي مَا شِئتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْك مِنْ الله شَيئا (١). فإنَّ النَّسَب لا يَنْفَع وحْدَه، فإذا لَم يَكُنْ ثَمَّت عَمَل صَالِح لَم يَنتَفِع صَاحِب النَّسَب الشَّرِيف بِنَسَبِه. ويَدُلّ عَلى هَذا قَولُه ﷺ : مَنْ بَطَّأ بِه عَمَله لَم يُسْرِع بِه نسَبه (٢). "فَلَو كَان الله نَافِعًا أحَدًا بِقَرَابَتِه مِنْ رسول الله ﷺ بِغَيْر طَاعَة لَنَفَع أبَاه وأمَّه" (٣). وأمَّا إذا وُجِد النَّسَب الشَّرِيف مَع الْعَمَل الصَّالِح فَهَذا يَنْفَع، ولا يَنْقَطِع مَعَه النَّسَب ولا السَّبَب، وهذا مَا حَمَل عُمر ﵁ على التَّزوُّج بابنَة عليّ ﵁، مُعلِّلًا ذلك بما سَمِعَه مِنْ النبي ﷺ مِنْ قَوْلِه: "كُلّ سَبَبٍ ونَسَبٍ يَنْقَطِع إلَّا سَبَبِي ونَسَبِي" (٤).

стр. 240

المثال الخامس: اسْتِبْعَاد زَكَريا ﵊ أن يُرْزَق بِوَلَد: قَوله تَعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران: ٣٨]، مَع قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران: ٤٠] وقَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: ٨]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى: تَدُلّ عَلى أنَّ زَكَرِيَّا - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لَيْس لَه شَك في قُدْرَة الله عَلى أن يَرْزُقه الوَلَد عَلى مَا كَان مِنه مِنْ كِبَر السِّن، وقَد جَاء في آيَة أُخْرَى مَا يُوهِم خِلاف ذَلك، وهي قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) الآيَة (١). جمع القرطبي: قال القرطبي في مُبتَدَأ ذلك، وهو سَبَب الدُّعَاء، ومَا كَان مِنْ كَفَالة زَكَرِيّا ﵊ لِمَرْيَم ﵍: وكَان زَكَرِيّا إذا دَخَل عليها يَجِدْ عِنْدَها فَاكِهَة الشِّتَاء في القَيْظ، وفَاكِهَة القَيْظ في الشِّتَاء، فَقَال: يَا مَرْيم أنَّى لَكِ هَذا؟ فَقَالَتْ: هُو مِنْ عِنْد الله، فَعِنْد ذَلك طَمِع زَكَرِيّا في الوَلَد، وقَال: إنَّ الذي يَأتِيها بِهَذا قَادِر أن يَرْزُقني وَلَدًا (٢). وقَال: دَلَّتْ هَذه الآيَة على طَلَب الوَلَد، وهي سُنَّة الْمُرْسَلِين والصِّدِّيقِين. قَال الله تَعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) [الرعد: ٣٨].

стр. 241

وفي صَحِيح مُسْلِم (١) عن سَعد بن أبي وَقَّاص قال: أرَادَ عُثْمَان (٢) أن يَتَبَتَّل، فَنَهَاه رَسُولُ الله ﷺ ، ولَو أجَازَ لَه ذَلك لاخْتَصَينَا. وخَرَّج ابنُ مَاجَه (٣) عن عَائشة قالَت: قَال رَسُول الله ﷺ : النِّكَاح مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَم يَعْمَل بِسُنَّتِي فَلَيْس مِنِّي، وتَزَوَّجُوا فَإني مُكَاثِر بِكُمْ الأُمَم، ومَن كَان ذَا طَوْل فَلْيَنْكِح، ومَن لَم يَجِد فَعَلَيْه بالصَّوْم، فَإنه لَه وِجَاء. وفي هَذا رَدّ عَلى بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة، حَيْث قَال: الذي يَطْلُب الوَلَد أحْمَق، ومَا عَرَفَ أنه هُو الغَبِيّ الأخْرَق! قَال الله تَعالى مُخْبِرًا عن إبْراهيم الْخَلِيل: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤]، وقَال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان: ٧٤]. وقَد تَرْجَم البُخاري (٤) على هذا: بَاب طَلَب الوَلَد. وقَال في قَوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ): وفي مَعْنَى هَذَا الاسْتِفْهَام وَجْهَان: أحَدُهما: أنّه سَأل هَلْ يَكُون لَه الوَلَد وهو وامْرَأته عَلى حَالَيْهِما أوْ يُرَدَّان إلى حَال مَنْ يَلِد؟ الثَّاني: سَأل هَلْ يُرْزَق الوَلَد مِنْ امْرَأته العَاقِر، أوْ مِنْ غَيْرِها؟ وقِيل: الْمَعْنَى: بِأيّ مَنْزِلة أسْتَوْجِب هَذا، وأنا وامْرَأتي عَلى هَذه الْحَال؟ عَلى وَجْه التَّوَاضُع. ويُرْوَى أنه كَان بَيْن دُعَائه والوَقْت الذي بُشِّرَ فِيه أرْبَعُون سَنَة، وكَان يَوْم بُشِّرَ ابن تِسْعِين سَنَة، وامْرَأته قَرِيبَة في السِّنّ مِنْه.

стр. 242

وقال ابن عباس والضحاك: كَان يَوْم بُشِّرَ ابن عِشْرِين ومِائة سَنَة، وكَانت امْرَأته بِنْت ثَمَان وتِسْعِين سَنَة؛ فَذَلك قَوله: (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) أي: عَقِيم لا تَلِد (١). وقال في تَفْسِير سُورَة مَرْيم: لَيْس عَلى مَعْنَى الإنْكَارِ لِمَا أخْبَر الله تَعالى بِه، بَلْ على سَبِيل التَّعَجُّب مِنْ قُدْرَة الله تَعالى أن يُخْرِج وَلَدًا مِنْ امْرَأة عَاقِر وشَيْخ كَبِير (٢). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - مَشْرُوعِيَّة طَلَب الوَلَد، وأنَّ زَكَرِيّا ﵇ سَأل الله ذُرِّيَّة طَيِّبَة قَبْل أن يُبَشَّر بِمُدّة طَويلَة. ٢ - في مَعْنَى هَذا الاسْتِفْهَام في قوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) وجْهَان: أحَدَهما: سَأل هَلْ يَكُون لَه الوَلَد وهو وامْرَأته عَلى حَالَيْهِمَا أوْ يُرَدَّان إلى حَال مَنْ يَلِد؟ الثَّاني: سَأل هَلْ يُرْزَق الوَلَد مِنْ امْرأته العَاقِر، أوْ مِنْ غَيْرِها؟ فلا يَكُون الاسْتِفْهَام عَلى الشَّكّ في القُدْرَة. ٣ - الْمَعْنَى: بأيّ مَنْزِلة أسْتَوْجِب هَذا، وأنا وامْرَأتي عَلى هَذه الْحَال؟ ٤ - لَيْس عَلى مَعْنَى الإنْكَار لِمَا أَخْبَر الله تَعالى بِه، بَلْ عَلى سَبِيل التَّعَجُّب مِنْ قُدْرَة الله. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: أوْرَد ابن جرير الإشْكَال على صِيغَة سُؤَال، فَقَال: فَإن قَال قَائل: وكَيف قَال زَكَرِيّا - وهو نَبِيّ الله -: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)، وقَد بَشَّرَتْه

стр. 243

الْمَلائكَة بِمَا بَشَّرَتْه بِه عَنْ أمْر الله إيَّاها بِه؟ أشَكّ في صِدْقِهِم؛ فَذَلك مَا لا يَجُوز أن يُوصَف بِه أهْل الإيمان بالله، فَكَيف الأنْبِيَاء والْمُرْسَلُون؟ أمْ كَان ذَلك مِنه اسْتِنْكَارًا لِقُدْرَة رَبِّه؛ فَذَلك أعْظَم في البَلِيَّة؟ قِيل: كَان ذَلك مِنه ﷺ على غَير مَا ظَنَنْتَ، بَلْ كَان قِيلِه مَا قَال مِنْ ذَلك (١). ثم رَوى بإسْناده إلى السُّدّي أنه قَال: لَمَّا سَمِع نِدَاء الْمَلائكَة بالبِشَارَة بِيَحْيَى جَاءَه الشَّيْطَان، فَقَال لَه: يَا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوت الذي سَمِعْت لَيْس هو مِنْ الله، إنّما هُو مِنْ الشَّيْطَان يَسْخَرُ بِك، ولَو كَان مِنْ الله أوْحَاه كَمَا يُوحِي إلَيك في غَيْرِه مِنْ الأمْر، فَشَكّ مَكَانَه، وقَال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) ذَكَر، يَقُول: ومِن أين: (وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)؟ ورَوَى بإسْنَادِه إلى عِكْرِمَة أنّه قَال: فَأتَاه الشَّيْطَان فأرَاد أن يُكَدِّر عَليه نِعْمَة رَبِّه، فَقَال: هَلْ تَدْرِي مَنْ نَادَاك؟ قَال: نَعَم، نَادَتْنِي مَلائكَة رَبِّي. قَال: بَلْ ذَلك الشَّيْطَان لَو كَان هذا من ربك لأخْفَاه إلَيك كَمَا أخْفَيتَ نِدَاءك. فَقَال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) [آل عمران: ٤١]، [مريم: ١٠]. فَكَان قَوله مَا قَال مِنْ ذَلك، ومُرَاجَعَته رَبِّه فِيمَا رَاجَع فِيه بِقَولِه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) للوَسْوَسَة التي خَالَطَتْ قَلْبَه مِنْ الشَّيْطَان حَتَّى خَيَّلَتْ إلَيه أنَّ النِّدَاء الذي سَمِعَه كَان نِدَاء مِنْ غَير الْمَلائكَة، فَقَال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) مُسْتَثْبِتًا في أمْرِه لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَه بآيَةٍ يُرِيه الله في ذَلك أنّه بِشَارَة مِنْ الله عَلى ألْسُن مَلائكَته، ولِذَلك قَال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً). وقَد يَجُوز أن يَكُون قِيلُه ذَلك مَسْألة مِنْه رَبَّه، مِنْ أيّ وَجْه يَكُون الوَلَد الذي بُشّرَ بِه، أمِن زَوْجَتِه؟ فَهي عَاقِر، أمْ مِنْ غَيْرِها مِنْ النِّسَاء؟ فَيَكُون ذَلك عَلى غَيْر الوَجْه الذي قَاله عِكْرِمة والسُّدّي، ومَن قَال مِثْل قَوْلهما (٢).

стр. 244

واخْتَار السمرقندي أنَّ زَكَرِيا ﵇ قَال ذَلك عَلى وَجْه التَّعَجُّب لا عَلى وَجْه الشَّك (١). وفي تَفْسِير سُورَة مَرْيم قَال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ): يَعْنِي: مِنْ أيْن يَكُون لِي وَلَد؟ ويُقَال: إنّمَا قَال ذَلك عَلى وَجْه الدُّعَاء لله تَعالى، فَقَال: يَا رَبّ مِنْ أيْن يَكُون لِي وَلَد وكَانَت امْرَأتِي عَاقِرا مِنْ الوَلَد، وقَد بَلَغْتُ مِنْ الكِبَر عِتِيّا؟ يَقُول: تَحَوَّل العَظْم مِنِّي يَابِسًا … ولم يَكُنْ زَكَرِيّا شَاكًّا في بِشَارَة الله ، ولَكِن أحَبّ أن يَعْلَم مِنْ أيّ وَجْهَ يَكُون؟ (٢) واقتصر السمعاني في تَفْسِير "آل عمران" عَلى جَوَاب مُخْتَصَر، فَقَال: فَإن قِيل: كَان شَاكًّا في وَعْد الله تَعالى حِين قَال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ)؟ قِيل: إنّمَا قَالَه عَلى سَبِيل التَّوَاضُع، يَعْني: مِثْلِي عَلَى هَذا الكِبَر مِنْ مِثْل هَذِه العَجُوز يَكُون لَه الوَلَد؟ وقِيل: مَعْنَاه: كَيف يَكُون لي هَذا الغُلام؟ أتَرُدّني لِحَالَة الشَّبَاب، أمْ يَكُون الغُلام عَلى حَال الكِبَر؟ (٣) وأمَّا في سُورة مَرْيم فأوْرَد قَوْلَين في الآيَة، وضَعَّف أحَدَهما، فَقَال: وقِيل: كَيف سَأل الله الوَلَد، فَلَمَّا أُجِيب قَال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ)؟ والْجَوَاب عَنه مِنْ وَجْهَين: أحَدهما: أنّه كَان قَال حَال الشَّبَاب، ثُمّ إنّه أُجِيب في حَال الكِبَر، وهَذا قَوْل ضَعِيف.

стр. 245

القَول الثَّاني: أنَّ مَعْنَاه: أَنّى يَكُون لي غُلام؟ يَعْنِي: كَيف يَكُون لي غُلام، أفَتَرُدّني إلى حَال الشَّبَاب، أوْ تَهَب لي الغُلام وأنا شَيْخ؟ وقِيل: إنه سَأل الوَلَد مُطْلَقًا لا مِنْ هَذه الْمَرْأة، فَقَال: كَيف يَكُون لي الغُلام أمِن هَذِه الْمَرْأة أوْ مِنْ غَيْرها؟ (١) وأورَد الثعلبي إشْكَالًا، ثم أجَاب عَنه، فَقَال: فَإن قِيل: لِمَ تَنَكّر زَكَرِيّا ذَلك، وسَأل الآيَة بَعْدَمَا بَشَّرَتْه بِه الْمَلائكَة؟ أكَان ذَلك شَكّ في صِدْقِهم، أمْ أنَّ ذَلك مِنْه اسْتِنْكَارًا لِقُدْرَة رَبّه؟ وهَذا لا يَجُوز أن يُوصَف بِه أهْل الإيمان، فَكَيف الأنْبِيَاء ﵈؟ قِيل: إنَّ الْجَواب عَنه مَا رَوَى عِكْرِمَة والسُّدّي أنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا سَمِع نِدَاء الْمَلائكَة جَاءه الشَّيْطَان، فَقَال: يَا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوت الذي سَمِعْتَه لَيْس مِنْ الله، إنّما هُو مِنْ الشَّيْطَان يَسْخَرُ بِك، ولَو كَان مِنْ الله لأوْحَاه إليك خَفِيّا، كَمَا نَادَاك خَفِيّا (٢)، وكمَا يُوحِي إليك في سَائر الأمُور. فَقَال ذَلك دَفْعًا للوَسْوَسَة. والْجَوَاب الثَّاني: إنه لَم يَشُكّ في الوَلَد، وإنّمَا شَكّ في كَيْفِيَّتِه، والوَجْه الذي يَكُون مِنه الوَلَد، فَقَال: أنَّى يَكُون لي وَلَد؟ أي: فَكَيْف يَكُون لي وَلَد؟ أتَجْعَلني وامْرَأتي شَابَّيْن؟ أم تَرْزُقنا وَلَدًا عَلى كِبَرِنا؟ أمْ تَرْزُقني مِنْ امْرَأتي أوْ غَيْرها مِنْ النِّسَاء؟ قَال ذَلك مُسْتَفْهِمًا لا مُنْكِرًا؛ وهَذا قَول الْحَسَن وابن كَيْسَان (٣). واقْتَصَر الزمخشري على قَولِه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ): اسْتِبْعَاد مِنْ حَيْث العَادَة، كمَا قَالَتْ مَرْيم. (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) كَقَولِهم: أدْرَكَتْه السِّن العَالِية.

стр. 246

والْمَعْنَى: أثَّر فيَّ الكِبَر فأضْعَفَني، وكَانَت لَه تِسْع وتِسْعُون سَنَة، ولامْرَأته ثَمَان وتِسْعُون (١). وذَكَرَ ابنُ عطية الْخِلاف بَيْن الْمُفَسِّرِين، فأوْرَد قَول عكرمة والسدي في قَول الشَّيْطان لِزَكَرِيّا ﵇، ورَجَّح مَا ذَهب إليه ابن جرير، فَقَال: وذَهَب الطَّبَرِي وغَيره إلى أنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأى حَال نَفْسِه وحَال امْرَأته، وأنَّهَا لَيْسَت بِحَال نَسْل، سَأل عَنْ الوَجْه الذي بِه يَكُون الغُلام: أتُبَدَّل الْمَرْأة خِلْقَتها، أم كَيف يَكُون؟ واسْتَحْسَن هذا بِقَولِه: وهَذا تَأوِيل حَسَن يَلِيق بِزَكَرِيَّا ﵇. وقَال مَكّي: وقِيل: إنَّمَا سَأل لأنَّه نَسِي دَعَاءه لِطُول الْمُدَّة بَيْن الدُّعَاء والبِشَارَة، وذَلك أرْبَعُون سَنَة. وضَعَّف ابن عطية هذا بقولِه: وهَذا قَول ضَعِيف الْمَعْنَى (٢). وكَرَّر هذه الأقْوَال في تَفْسِير سُورَة مَرْيم. وأوْرَد الرازي في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) سُؤالات: السُّؤال الثَّاني (٣): لَمَّا كَان زَكَرِيّا ﵇ هُو الذي سَأل الوَلَد ثُم أجَابَه الله تَعالى إليه، فَلِمَ تَعَجَّب مِنه، ولِمَ اسْتَبْعَده؟ الْجَوَاب: لمَ يَكُنْ هَذا الكَلام لأجْل أنّه كَان شَاكًّا في قُدْرَة الله تَعالى عَلى ذلك، والدَّلِيل عَليه وَجْهَان: الأوَّل: أنَّ كُلّ أحَد يَعْلَم أنَّ خَلْق الوَلَد مِنْ النُّطْفَة إنّمَا كَان عَلى سَبِيل العَادَة.

стр. 247

والوَجْه الثَّاني: أنَّ زَكَرِيا ﵇ طَلَب ذَلك مِنْ الله تَعالى، فَلَو كَان ذَلك مُحَالًا مُمْتَنِعًا لَمَا طَلَبَه مِنْ الله تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذين الوَجْهَين أنَّ قَولَه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) لَيْس للاسْتِبْعَاد، بَلْ ذَكَر العُلَمَاء فِيه وُجُوهًا: الأوَّل: أنَّ قَوله: (أَنَّى) مَعْنَاه: مِنْ أين؟ ويُحْتَمَل أن يَكُون مَعْنَاه: كَيف تُعْطِي وَلَدًا على القِسْم الأوَّل، أمْ على القِسْم الثَّاني؟ (١) وذلك لأنَّ حُدُوث الوَلَد يحتمل وجهين: أحدهما: أن يُعِيد الله شبابه ثم يُعْطِيه الولد مع شيخوخته. والثاني: أنَّ مَنْ كَان آيِسًا مِنْ الشيء مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِه ووقُوعِه إذا اتّفَق أنْ حَصَل لَه ذلك الْمَقْصُود فَرُبّمَا صَار كالْمَدْهُوش مِنْ شِدّة الفرح، فَيَقُول: كَيف حَصَل هَذا؟ ومِن أين وَقَع هذا؟ (٢) الثَّالِث: أنَّ الْمَلائكَة لَمَّا بَشَّرُوه بـ (يَحْيَى) لَم يَعْلَم أنه يُرْزَق الوَلَد مِنْ جِهَة أُنْثَى أوْ مِنْ صُلْبِه، فَذَكَر هَذا الكَلام لِذَلك. الاحْتِمَال الرَّابِع: أنَّ العَبْد إذا كَان في غَايَة الاشْتِيَاق إلى شَيء فَطَلَبَه مِنْ السَّيِّد ثُم إنَّ السَّيِّد يَعِدُه بأنّه سَيُعْطِيه بَعْد ذَلك فالْتَذّ السَّائل بِسَماع ذَلك الكَلام فَرُبَّمَا أعَاد السُّؤَال لِيُعِيد ذَلك الْجَوَاب، فَحِينَئذ يَلْتَذّ بِسَمَاع تِلك الإجَابَة مَرَّة أُخْرَى؛ فَالسَّبَبَ في إعَادَة زَكَرِيّا هَذا الكَلام يُحْتَمل أن يَكُون مِنْ هَذا البَاب. الْخَامِس: نَقَل (٣) سُفيان بن عُيينة أنه قَال: كَان دُعَاؤه قَبْل البِشَارَة بِسِتِّين سَنَة حَتَّى كَان قد نَسِي ذلك السُّؤال وَقْت البِشَارَة، فَلَمَّا سَمِع البِشَارَة زَمَان الشَّيْخُوخَة لا جَرَم اسْتَبْعَد ذلك عَلى مَجْرَى العَادَة لا شَكًّا في قُدْرَة الله تَعالى، فَقَال مَا قَال.

стр. 248

السَّادِس: نُقِل أنَّ زَكَريا ﵇ جَاءه الشَّيْطَان عِنْد سَمَاع البِشَارَة، فَقَال: إنَّ هَذا الصَّوْت مِنْ الشَّيْطَان، وقَد سَخِر مِنْك، فَاشْتَبَه الأمْر عَلَى زَكَرِيّا ﵇ فَقَال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ)، وكَان مَقْصُوده مِنْ هَذا الكَلام أن يُرِيه الله تَعالى آيةً تدُلّ عَلى أنَّ ذَلك الكَلام مِنْ الوَحْي والْمَلائكَة لا مِنْ إلْقَاء الشَّيْطَان. قال القاضي: لا يَجُوز أن يَشْتَبِه كَلام الْمَلائكَة بِكَلام الشَّيْطَان عِنْد الوَحْي (١) عَلى الأنْبِيَاء عَليهم الصَّلاة والسَّلام، إذْ لَو جَوَّزْنا ذَلك لارْتَفَع الوُثُوق عَنْ كُلّ الشَّرَائع ويُمْكِن أن يُقَال: لَمَّا قَامَت الْمُعْجِزَات عَلى صِدْق الوَحْي في كُلّ مَا يَتَعَلَّق بالدِّين لا جَرَم حَصَل الوُثُوق هُنَاك بِأنَّ الوَحْي مِنْ اللهِ تَعالى بِوَاسِطَة الْمَلائكَة، ولا مَدْخَل للشَّيْطَان فِيه، أمَّا مَا يَتَعَلَّق بِمَصَالِح الدُّنْيا وبِالوَلَد (٢) فَرُبَّمَا لَم يَتَأكَّد ذَلك الْمُعْجِز فَلا جَرم بَقِي احْتِمَال كَوْن ذَلك مِنْ الشَّيْطَان، فَلا جَرَم رَجَع إلى اللهِ تَعالى في أن يُزِيل عَنْ خَاطِرِه ذَلك الاحْتِمَال (٣). ويَرَى ابنُ جُزَيّ أن الاسْتِفْهَام في قَولِه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) تَعجُّبٌ واسْتِبْعَاد أن يَكُون لَه وَلَد مَع شَيْخُوخَتِه وعِقَم امْرَأته. ويُقَال: كَان لَه تِسْع وتِسْعُون سَنَة، ولامْرَأته ثَمَان وتِسْعُون سَنَة؛ فاسْتَبْعَد ذَلك في العَادة، مَع عِلْمِه بِقُدْرَة الله تَعالى عَلى ذَلك، فَسَألَه مع عِلْمِه بِقُدْرَة الله واسْتَبْعَدَه لأنَّه نَادِر في العَادَة، وقِيل: سَأله وهو شَاب، وأُجِيب وهو شَيخ، ولِذَلك اسْتَبْعَده (٤).

стр. 249

في حِين اقْتَصَر ابن كَثير في تَفْسِير "آل عمران" عَلى بَيَان الْمَعْنَى إلَّا أنّه وَقَف مَع الإشْكَال في تَفْسِير سُورَة مَرْيم، حَيْث قَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): هذا تَعَجُّب مِنْ زَكَرِيَّا ﵇ حِين أُجِيب إلى مَا سَأل، وبُشِّرَ بِالوَلَد، فَفَرِح فَرَحًا شَدِيدًا، وسَأل عَنْ كَيْفِيَّة مَا يُولَد لَه، والوَجْه الذي يَأتيه مِنْه الوَلَد، مَع أنَّ امْرَأته كَانَتْ عَاقِرًا لَم تَلِد مِنْ أوَّل عُمُرها مَع كِبَرِها، ومَع أنَّه قَدْ كَبُر وَعَتَا - أي عَسَا (١) عَظْمُه ونَحُل، ولَم يَبْق فِيه لِقَاح ولا جِمَاع (٢). وقال الثعالبي في تَفْسِير قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): الآيَة. ذَهَبَ الطَّبَري وغَيره إلى أنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأى حَال نَفْسِه وحَال امْرَأته وأنّها لَيْسَت بِحَالِ نَسْل، سَأل عَنْ الوَجْه الذي بِه يَكُون الغُلام؛ أتُبَدَّل الْمَرْأة خِلْقَتها؟ أمْ كَيف يَكُون؟ قال ع (٣): وهذا تَأويل حَسَن لائق بِزَكَرِيَّا ﵇: و (أَنَّى) مَعْنَاهَا: كَيْف، ومِن أيْن؟ وحَسن في الآيَة (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) مِنْ حَيْث هِي عِبَارَة وَاهِن مُنْفَعِل (٤). واخْتَصَر القاسمي الْجَوَاب، فَقَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): أي: حَالَة لا سَبِيل إلى إصْلاحِها ومُدَاوَاتِها. وقِيل: إلى رِيَاضَتِه (٥).

стр. 250

أمَّا الشَّنْقِيطي فَقَد ذَكَر ثَلاثَة أوْجُه في الْجَمْع بَيْن الآيَات، فَقَال: الْجَوَاب عن هَذا بِأمُور: الأوَّل: مَا أخْرَجَه ابنُ جَرير عن عِكرمة والسُّدّي مِنْ أنَّ زَكَرِيّا نَادَتْه الْمَلائكَة وهو قَائم يُصَلِّي في الْمِحْرَاب: أنَّ الله يُبَشِّرُك بِيَحْيَى، قَال لَه الشَّيْطَان: لَيْس هَذا نِدَاء الْمَلائكَة، وإنّمَا هُو نِدَاء الشَّيْطَان، فَدَاخَل زَكَرِيّا الشَّك في أنَّ النِّدَاء مِنْ الشَّيْطَان، فَقَال عنْد ذَلك الشَّك النَّاشئ عَنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان قَبْل أن يَتَيَقّن أنّه من الله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) ولِذَا طَلَب الآيَة (١) مِنْ الله عَلى ذَلك بِقَولِه: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) الآية. الثاني: أنّ اسْتِفْهَامَه اسْتِفْهَام اسْتِعْلام واسْتِخْبَار؛ لأنّه لا يَدْرِي هَلْ الله يَأتِيه بالوَلَد مِنْ زَوْجِه العَجُوز، أوْ يَأْمُرَه أن يَتَزَوَّج شَابَّة، أوْ يَرُدّهما شَابَّيْن؟ الثالث: أنَّه اسْتِفْهَام اسْتِعْظَام وتَعَجُّب مِنْ كَمَال قُدْرَةِ الله تعالى (٢). رأي الباحث: لا تَعَارُضَ بَيْن الآيَات، فَزَكَرِيّا ﵊ لَم يَشُكّ في قُدْرَة الله تَعالى، كَمَا لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم ﵊ حِينَمَا سَأل الله أن يُرِيَه كَيف يُحْيِي الْمَوْتَى. وسُؤال زَكَرِيّا سُؤال تَعجُّب، وهو سُؤَالٌ عن الكَيْفِيَّة - ورُبّمَا والزَّمَان -. والسُّؤال كَان في مُنَاسَبَتِه حِينَمَا رَأى فَضْل الله وعَطَاءه ورِزْقَه لِمَرْيم ﵍، والبُشْرَى كَانَتْ بَعْد ذَلك. ولا إشْكَال في تَأخُّر إجَابَة دَعَوَات الأنْبِيَاء. قَال ابنُ جُريج عَنْ دَعْوَة مُوسَى ﵊ على فِرْعَون: يَقُولُون: إنَّ فِرْعَون مَكَثَ بعد هَذه الدَّعْوة أرْبَعِين سَنَة. وقال محمد بن كَعب وعلي بن الحسين: أرْبَعِين يَوْمًا (٣).
следующие страницы →