والوَجْه الثَّاني: أنَّ زَكَرِيا ﵇ طَلَب ذَلك مِنْ الله تَعالى، فَلَو كَان ذَلك مُحَالًا مُمْتَنِعًا لَمَا طَلَبَه مِنْ الله تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذين الوَجْهَين أنَّ قَولَه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) لَيْس للاسْتِبْعَاد، بَلْ ذَكَر العُلَمَاء فِيه وُجُوهًا:
الأوَّل: أنَّ قَوله: (أَنَّى) مَعْنَاه: مِنْ أين؟ ويُحْتَمَل أن يَكُون مَعْنَاه: كَيف تُعْطِي وَلَدًا على القِسْم الأوَّل، أمْ على القِسْم الثَّاني؟ (١)
وذلك لأنَّ حُدُوث الوَلَد يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يُعِيد الله شبابه ثم يُعْطِيه الولد مع شيخوخته.
والثاني: أنَّ مَنْ كَان آيِسًا مِنْ الشيء مُسْتَبْعِدًا لِحُصُولِه ووقُوعِه إذا اتّفَق أنْ حَصَل لَه ذلك الْمَقْصُود فَرُبّمَا صَار كالْمَدْهُوش مِنْ شِدّة الفرح، فَيَقُول: كَيف حَصَل هَذا؟ ومِن أين وَقَع هذا؟ (٢)
الثَّالِث: أنَّ الْمَلائكَة لَمَّا بَشَّرُوه بـ (يَحْيَى) لَم يَعْلَم أنه يُرْزَق الوَلَد مِنْ جِهَة أُنْثَى أوْ مِنْ صُلْبِه، فَذَكَر هَذا الكَلام لِذَلك.
الاحْتِمَال الرَّابِع: أنَّ العَبْد إذا كَان في غَايَة الاشْتِيَاق إلى شَيء فَطَلَبَه مِنْ السَّيِّد ثُم إنَّ السَّيِّد يَعِدُه بأنّه سَيُعْطِيه بَعْد ذَلك فالْتَذّ السَّائل بِسَماع ذَلك الكَلام فَرُبَّمَا أعَاد السُّؤَال لِيُعِيد ذَلك الْجَوَاب، فَحِينَئذ يَلْتَذّ بِسَمَاع تِلك الإجَابَة مَرَّة أُخْرَى؛ فَالسَّبَبَ في إعَادَة زَكَرِيّا هَذا الكَلام يُحْتَمل أن يَكُون مِنْ هَذا البَاب.
الْخَامِس: نَقَل (٣) سُفيان بن عُيينة أنه قَال: كَان دُعَاؤه قَبْل البِشَارَة بِسِتِّين سَنَة حَتَّى كَان قد نَسِي ذلك السُّؤال وَقْت البِشَارَة، فَلَمَّا سَمِع البِشَارَة زَمَان الشَّيْخُوخَة لا جَرَم اسْتَبْعَد ذلك عَلى مَجْرَى العَادَة لا شَكًّا في قُدْرَة الله تَعالى، فَقَال مَا قَال.
стр. 248
السَّادِس: نُقِل أنَّ زَكَريا ﵇ جَاءه الشَّيْطَان عِنْد سَمَاع البِشَارَة، فَقَال: إنَّ هَذا الصَّوْت مِنْ الشَّيْطَان، وقَد سَخِر مِنْك، فَاشْتَبَه الأمْر عَلَى زَكَرِيّا ﵇ فَقَال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ)، وكَان مَقْصُوده مِنْ هَذا الكَلام أن يُرِيه الله تَعالى آيةً تدُلّ عَلى أنَّ ذَلك الكَلام مِنْ الوَحْي والْمَلائكَة لا مِنْ إلْقَاء الشَّيْطَان.
قال القاضي: لا يَجُوز أن يَشْتَبِه كَلام الْمَلائكَة بِكَلام الشَّيْطَان عِنْد الوَحْي (١) عَلى الأنْبِيَاء عَليهم الصَّلاة والسَّلام، إذْ لَو جَوَّزْنا ذَلك لارْتَفَع الوُثُوق عَنْ كُلّ الشَّرَائع ويُمْكِن أن يُقَال: لَمَّا قَامَت الْمُعْجِزَات عَلى صِدْق الوَحْي في كُلّ مَا يَتَعَلَّق بالدِّين لا جَرَم حَصَل الوُثُوق هُنَاك بِأنَّ الوَحْي مِنْ اللهِ تَعالى بِوَاسِطَة الْمَلائكَة، ولا مَدْخَل للشَّيْطَان فِيه، أمَّا مَا يَتَعَلَّق بِمَصَالِح الدُّنْيا وبِالوَلَد (٢) فَرُبَّمَا لَم يَتَأكَّد ذَلك الْمُعْجِز فَلا جَرم بَقِي احْتِمَال كَوْن ذَلك مِنْ الشَّيْطَان، فَلا جَرَم رَجَع إلى اللهِ تَعالى في أن يُزِيل عَنْ خَاطِرِه ذَلك الاحْتِمَال (٣).
ويَرَى ابنُ جُزَيّ أن الاسْتِفْهَام في قَولِه: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) تَعجُّبٌ واسْتِبْعَاد أن يَكُون لَه وَلَد مَع شَيْخُوخَتِه وعِقَم امْرَأته. ويُقَال: كَان لَه تِسْع وتِسْعُون سَنَة، ولامْرَأته ثَمَان وتِسْعُون سَنَة؛ فاسْتَبْعَد ذَلك في العَادة، مَع عِلْمِه بِقُدْرَة الله تَعالى عَلى ذَلك، فَسَألَه مع عِلْمِه بِقُدْرَة الله واسْتَبْعَدَه لأنَّه نَادِر في العَادَة، وقِيل: سَأله وهو شَاب، وأُجِيب وهو شَيخ، ولِذَلك اسْتَبْعَده (٤).
стр. 249
في حِين اقْتَصَر ابن كَثير في تَفْسِير "آل عمران" عَلى بَيَان الْمَعْنَى إلَّا أنّه وَقَف مَع الإشْكَال في تَفْسِير سُورَة مَرْيم، حَيْث قَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): هذا تَعَجُّب مِنْ زَكَرِيَّا ﵇ حِين أُجِيب إلى مَا سَأل، وبُشِّرَ بِالوَلَد، فَفَرِح فَرَحًا شَدِيدًا، وسَأل عَنْ كَيْفِيَّة مَا يُولَد لَه، والوَجْه الذي يَأتيه مِنْه الوَلَد، مَع أنَّ امْرَأته كَانَتْ عَاقِرًا لَم تَلِد مِنْ أوَّل عُمُرها مَع كِبَرِها، ومَع أنَّه قَدْ كَبُر وَعَتَا - أي عَسَا (١) عَظْمُه ونَحُل، ولَم يَبْق فِيه لِقَاح ولا جِمَاع (٢).
وقال الثعالبي في تَفْسِير قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ): الآيَة.
ذَهَبَ الطَّبَري وغَيره إلى أنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأى حَال نَفْسِه وحَال امْرَأته وأنّها لَيْسَت بِحَالِ نَسْل، سَأل عَنْ الوَجْه الذي بِه يَكُون الغُلام؛ أتُبَدَّل الْمَرْأة خِلْقَتها؟ أمْ كَيف يَكُون؟ قال ع (٣): وهذا تَأويل حَسَن لائق بِزَكَرِيَّا ﵇: و (أَنَّى) مَعْنَاهَا: كَيْف، ومِن أيْن؟ وحَسن في الآيَة (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) مِنْ حَيْث هِي عِبَارَة وَاهِن مُنْفَعِل (٤).
واخْتَصَر القاسمي الْجَوَاب، فَقَال في قَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا): أي: حَالَة لا سَبِيل إلى إصْلاحِها ومُدَاوَاتِها. وقِيل: إلى رِيَاضَتِه (٥).
стр. 250
أمَّا الشَّنْقِيطي فَقَد ذَكَر ثَلاثَة أوْجُه في الْجَمْع بَيْن الآيَات، فَقَال:
الْجَوَاب عن هَذا بِأمُور:
الأوَّل: مَا أخْرَجَه ابنُ جَرير عن عِكرمة والسُّدّي مِنْ أنَّ زَكَرِيّا نَادَتْه الْمَلائكَة وهو قَائم يُصَلِّي في الْمِحْرَاب: أنَّ الله يُبَشِّرُك بِيَحْيَى، قَال لَه الشَّيْطَان: لَيْس هَذا نِدَاء الْمَلائكَة، وإنّمَا هُو نِدَاء الشَّيْطَان، فَدَاخَل زَكَرِيّا الشَّك في أنَّ النِّدَاء مِنْ الشَّيْطَان، فَقَال عنْد ذَلك الشَّك النَّاشئ عَنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان قَبْل أن يَتَيَقّن أنّه من الله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) ولِذَا طَلَب الآيَة (١) مِنْ الله عَلى ذَلك بِقَولِه: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) الآية.
الثاني: أنّ اسْتِفْهَامَه اسْتِفْهَام اسْتِعْلام واسْتِخْبَار؛ لأنّه لا يَدْرِي هَلْ الله يَأتِيه بالوَلَد مِنْ زَوْجِه العَجُوز، أوْ يَأْمُرَه أن يَتَزَوَّج شَابَّة، أوْ يَرُدّهما شَابَّيْن؟
الثالث: أنَّه اسْتِفْهَام اسْتِعْظَام وتَعَجُّب مِنْ كَمَال قُدْرَةِ الله تعالى (٢).
رأي الباحث:
لا تَعَارُضَ بَيْن الآيَات، فَزَكَرِيّا ﵊ لَم يَشُكّ في قُدْرَة الله تَعالى، كَمَا لَم يَشُكّ إبْرَاهِيم ﵊ حِينَمَا سَأل الله أن يُرِيَه كَيف يُحْيِي الْمَوْتَى.
وسُؤال زَكَرِيّا سُؤال تَعجُّب، وهو سُؤَالٌ عن الكَيْفِيَّة - ورُبّمَا والزَّمَان -.
والسُّؤال كَان في مُنَاسَبَتِه حِينَمَا رَأى فَضْل الله وعَطَاءه ورِزْقَه لِمَرْيم ﵍، والبُشْرَى كَانَتْ بَعْد ذَلك.
ولا إشْكَال في تَأخُّر إجَابَة دَعَوَات الأنْبِيَاء. قَال ابنُ جُريج عَنْ دَعْوَة مُوسَى ﵊ على فِرْعَون: يَقُولُون: إنَّ فِرْعَون مَكَثَ بعد هَذه الدَّعْوة أرْبَعِين سَنَة.
وقال محمد بن كَعب وعلي بن الحسين: أرْبَعِين يَوْمًا (٣).
стр. 251
ودَعَا إبراهيم ﵊ فَكَانَت إجَابَة دَعْوتَه بِمَبْعَث نَبِيِّنَا مُحَمَّد ﷺ .
سُئل ﵊: مَا كَان أوَّل بَدْء أمْرِك؟ قال: دَعْوَة أَبِي إبْرَاهِيم وبُشْرَى عِيسَى (١).
وقَد أشْكَل عَلى بَعْض الْمُتَكَلِّمِين "أنَّ دُعَاء الأنْبِيَاء والرُّسُل عليهم الصلاة والسلام لا يَكُون إلَّا بَعْد الإذْن لاحْتِمَال ألا تَكُون الإجَابَة مَصْلَحَة، فَحِينَئذٍ تَصِير دَعْوتُه مَرْدُودَة، وذَلك نُقْصَان في مَنْصِب الأنْبيَاء عليهم الصَّلاة والسَّلام" (٢).
وقد أذن تَعَالى في الدُّعَاء مُطْلَقًا، وبَيَّن أنّه تَارَة يُجِيب وأُخْرَى لا يُجِيب، فَلِلرَّسُول أن يَدْعُو كُلَّمَا شَاء وأرَادَ مِمَّا لا يَكُون مَعْصِيَة، ثُم إنّه تَعَالى تَارَة يُجِيب وأُخْرَى لا يُجِيب، وذَلك لا يَكُون نُقْصَانًا بِمَنْصِب الأنْبِيَاء عَليهم الصَّلاة والسَّلام (٣).
وفي صَحيح مُسْلِم (٤) قَوله ﵊: سَألْتُ رَبِّي ثَلاثًا، فَأعْطَاني ثِنْتَين ومَنَعَنِي واحِدَة: سَألْتُ رَبِّي ألا يُهْلِك أُمَّتِي بالسَّنَة، فَأَعْطَانِيها، وسَألتُهُ ألا يُهْلِك أُمَّتِي بالغَرق، فَأعْطَانِيها، وسَألْتُه ألا يَجْعَل بأَسهَم بَيْنَهم، فَمَنَعَنِيها.
والذي يَظْهَر ضَعْف القَوْل بِأنَّ الشَّيْطَان خَاطَب زَكَرِيّا ﵊، وأنه أدْخَل الشَّكّ إلى نَفْسِه؛ لأنَّ إثْبَات مِثل هَذا يَحْتَاج إلى إسْنَاد عَنْ الْمَعْصُوم ﷺ ، وهو مُتَعَذِّر هُنا.
كَمَا أنه مُتَضَمِّن للتَّقْلِيل مِنْ شَأن الأنبِيَاء عَليهم الصَّلاة والسَّلام.
والأَوْلى الإعْرَاض عَنْ مِثْل هَذه الرِّوَايات التي لم تَصِحّ، ولَعَلَّها مِمَّا يُتَنَاقَل عَنْ بَنِي إسْرَائيل. والله تعالى أعلم.
стр. 252
الفصل الثاني منهج الإمام القرطبي في دفع التعارض
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الجمع بين الآيات بالاستدلال بالأحاديث المرفوعة
المبحث الثاني: الجمع بين الآيات من خلال إيراد أقوال السلف
المبحث الثالث: الاحتكام إلى اللغة العربية وقواعدها لدفع التعارض المتوهم
المبحث الرابع: منجه في إيراد الآية وما يتوهم تعارضه معها، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الجمع بين الآيات بإيراد الآية وما يُعارضها في الظاهر
المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابلة
стр. 253
منهج الإمام القرطبي دفع التعارض:
تَقَدَّم في الفَصْل الأوَّل بَيَان طَرِيقَة الإمام القُرْطُبي في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض مِنْ خِلال أرْبَعَة مَبَاحِث، تَضَمَّنَتْ أرْبع طُرُق، ومِن خِلال هَذا الفَصْل نَتَبَيَّن مَنْهَجه أيضًا مِنْ خلال طُرُق أُخْرَى، وإن كان بَيْن تِلك الطُّرُق وهَذه الطُّرُق تَدَاخُل، إلَّا أنَّ بَعضها أخَصّ ببعض الْجَوَانِب مِنْ بَعضها الآخَر.
وأوَّل هَذه الطُّرُق الْجَمْع بَيْن الآيَات بالإكْثَار مِنْ الأحَادِيث الْمَرْفُوعة، وهو:
المبحث الأول: الجمع بين الآيات بالإكثار من الأحاديث المرفوعة
مِمَّا يَعْتَمِد عَليه الْمُفَسِّر في الْجَمْع بَيْن الآيَات: الأحَادِيث النَّبَوِيَّة، إذْ هي الْمَصْدَر الثَّاني مِنْ مَصَادِر التَّفْسِير بَعد تَفْسِير القُرْآن بِالقُرْآن، و "لأنَّ قَولَه ﵇ مُقَدَّم على أقْوَال النَّاس" (١).
وقد اعْتَنَى القرطبي بهذا الْجَانِب فَأوْرَد "مَا يَزِيد عَلى (٦٥٠٠) رِوَاية، وهَذا العَدَد غَيْر يَسِر، مِمَّا يَدُلّ عَلى اهْتِمَامِه بِالْحَدِيث الشَّرِيف، وقَد تَكَلَّم في بَعض الأحْيان عَلى بَعض الأحَادِيث بالضَّعْف، تارَة مِنْ قِبَل نَفْسِه، وتَارَة نَقْلًا عَنْ غَيْره" (٢).
وقد عَقَد القرطبي في مُقَدِّمَة تَفْسِيره بَابًا بِعُنْوان: تَبْيِين الكِتَاب بالسُّنَّة ومَا جَاء في ذَلك (٣).
و "سُنَّة الرَّسُول ﷺ هي الْمَرْتَبَة الثَّانِيَة بَعْد القُرآن الكريم مِنْ حَيث السَّنَد والْمَتْن" (٤).
стр. 254
"وأصَحّ الطُّرُق أن يُفَسَّر القُرآن بالقُرآن فَمَا أُجْمِل في مَكان فإنَّه قد بُسِطَ في مَوضع آخَر، فإن أعْيَاك ذَلك فَعَليك بالسُّنَّة، فإنّها شَارِحَةٌ للقُرآن ومُوَضِّحَةٌ له … والغَرَض أنك تَطْلُب تفسير القرآن مِنه، فإن لم تَجِدْه فَمِنْ السُّنَّة" (١).
وجَمَع فيها القرطبي بين الآيات بهذه الطريقة، فـ:
المثال الأول:
وَسْوَسَة إبْلِيس لآدم في الْجَنَّة:
قَوله تَعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: ٣٦] وقوله تعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٢١]، مَع قَوله تَعالى: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأعراف: ١٨].
صورة التعارض:
آية "الأعْراف" تَدُلّ على أنَّ إبليس قد طُرِد مِنْ الْجَنَّة، وأُخْرِج مِنها، بَينما يُفهَم مِنْ آيَة "البقرة" وآية الأعراف أن إبْليس دَخَل الْجَنَّة، فَوَسْوَس لآدم.
وإشْكَال آخَر، وهو أنَّه "لا شَكّ أنَّ الله طَرَد إبليس حِين امْتَنَع مِنْ السُّجُود عَنْ الْحَضْرة الإلَهِيَّة، وَأمَرَه بالْخُرُوج عَنها والْهُبُوط مِنها، وهَذا الأمْر ليس مِنْ الأوَامِر الشَّرْعِيَّة بِحَيث يُمْكن مُخَالَفَته، وإنّما هو أمْر قَدَرِيّ لا يُخَالَف ولا يُمَانَع" (٢).
стр. 255
جمع القرطبي:
قال القرطبي في الوَسْوَسَة:
واخْتُلِف في الكَيْفِيَّة؛ فَقال ابن مسعود وابن عباس وجُمهور العُلَمَاء: أغْوَاهُما مُشَافَهة، ودَلِيل ذَلك قَوله تَعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، والْمُقَاسَمَة ظَاهِرُها الْمُشَافَهَة.
وقال بَعضهم - وذَكَرَه عبد الرزاق عن وَهْب بن مُنَبّه (١) -: دَخَل الْجَنَّة في فَمِ الْحَيَّة وهي ذَات أرْبع كالبُخْتِيّة، مِنْ أحْسَن دَابَّةٍ خَلَقَها الله تعالى، بَعْد أن عَرَضَ نَفْسَه على كَثِير مِنْ الْحَيَوان فَلم يُدْخِلْه إلَّا الْحَيَّة، فَلَمَّا دَخَلَتْ به الْجَنَّة خَرَجَ مِنْ جَوفِها إبليس (٢)، فَأخَذ مِنْ الشَّجَرة التي نَهَى الله آدَم وزَوْجَه عَنها، فَجَاء بِها إلى حَوّاء، فَقَال: انْظُري إلى هذه الشَّجَرة مَا أطْيَب طَعْمها وأحْسَن لَوْنها، فَلم يَزَل يُغْويها حتى أخَذَتْها حَوَّاء فأكَلَتْها، ثم أغْوى آدَم، وقَالَت له حَوَاء: كُلْ، فإني قَدْ أكَلْتُ فَلم يَضُرّني (٣)، فأكَلَ مِنها، فَبَدَتْ لَهُما سَوءاتهما، وحَصَلا في حُكْم الذَّنْب، فَدَخَل آدَم في جَوْف الشَّجَرة فَنَادَاه رَبّه: أين أنت؟ فَقَال: أنا هَذا يَا رَبّ. قال: ألا تَخْرُج؟ قالك أسْتَحْي منْك يَا رَبّ. قال: اهْبط إلى الأرْض التي خُلقْتَ منها. ولُعِنَتِ الْحَيَّة وَرُدّتْ قَوَائمها في جَوْفِها، وجُعِلَتِ العَدَاوة بَيْنَها وبَيْن بَنِي آدَم، ولذلك أُمِرْنا بِقَتْلِها - على ما يأتي بيانه -.
وقِيل لِحَوَّاء: كَمَا أدْمَيْتِ الشَّجَرَة فَكَذلك يُصِيبُك الدَّم كُل شَهْر وتَحْمِلِين وتَضَعِين كُرْها تُشْرِفِين بِه على الْمَوْت مِرَارًا - زاد الطبري والنقاش -: وتَكُون سَفِيهَة وقَد كُنْتِ حَلِيمَة.
стр. 256
وقَالَت طَائفَة: إنَّ إبْليس لم يَدْخُل الْجَنَّة إلى آدَم بَعْدَ مَا أُخْرِج منها، وإنّما أغْوَى بِشَيْطَانِه وسُلْطَانه ووُسْوَاسِه التي (١) أعْطَاه الله تَعالى، كما قَال ﷺ : إنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ ابن آدَم مَجْرَى الدَّم (٢).
ثم قَال: يُذْكَر أنَّ الْحَيَّة كَانت خَادِم آدَم ﵇ في الْجَنَّة فَخَانَتْه بأن مَكَّنَتْ عَدُوّ الله مِنْ نَفْسِها، وأظْهَرَت العَدَاوَة لَه هُنَاك، فَلَمَّا أُهْبِطُوا تَأكَّدَت العَدَاوة وجُعِل رِزْقُها التُّرَاب، وقِيل لَها: أنتِ عَدُو بَني آدَم، وهُم أعْدَاؤك، وحَيث لَقِيَكِ منهم أحَد شَدَخَ رَأسَك (٣).
رَوَى ابنُ عمر عن رَسول الله ﷺ قال: خَمْسٌ يَقْتُلُهن الْمُحْرِم - فَذَكَرَ الْحَيَّة فِيهِنّ (٤).
ورُوي أنَّ إبليس قال لَها: أدْخِلِيني الْجَنَّة وأنْتِ في ذِمَّتِي، فَكان ابن عباس يَقُول: أخْفِرُوا ذِمَّة إبليس!
ورَوَتْ سَاكِنَة بنت الْجَعْد عن سَرَّاء بنت نَبهان الغَنوية (٥) قالت: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقول:
стр. 257
اقْتُلُوا الْحَيَّات صَغِيرها وكَبِيرها، وأسْوَدها وأبْيَضها، فإنَّ مَنْ قَتَلَها كَانت له فِدَاء مِنْ النَّار، ومَن قَتَلَتْه كَان شَهِيدًا (١).
قال عُلَمَاؤنا: وإنّما كَانت له فِدَاء مِنْ النَّار لِمُشَارَكَتِها إبْليس وإعَانَتَه على ضَرَر آدَم وولَده؛ فَلِذَلك كان مَنْ قَتَل حَيَّة فَكأنّما قَتَل كَافِرًا، وقد قَال رسول الله ﷺ : لا يَجْتَمِع كافرٌ وقَاتِله في النَّار أبَدا. أخْرَجه مُسلم (٢) وغيره (٣).
ثم عَزَز القُرطبي هَذا الاسْتِدْلال بالأحَادِيث الوَارِدَة في قَتْل الْحَيَّات، فأوْرَد حديث ابن مسعود ﵁ قال: كُنّا مع النبي ﷺ في غارٍ وقَد أُنْزِلَت عَليه (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) [المرسلات: ١]، فَنَحْن نَأخُذُها مِنْ فِيه رَطِبَة، إذ خَرَجَتْ علينا حَيَّة، فَقال: اقْتُلُوها. فأبْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَها، فَسَبَقَتتْنا، فَقَال رسول الله ﷺ : وَقَاهَا الله شَرّكُم كَمَا وَقَاكُم شَرَّها (٤). أي لَسْعَها (٥).
ثم قال: الأمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّات مِنْ بَاب الإرْشَاد إلى دَفْع الْمَضَرّة الْمَخُوفَة مِنْ الْحَيَّات فَما كَان مِنها مُتَحَقّق الضَّرَر وَجَبَتِ الْمُبَادَرَة إلى قَتْلِه، لِقَولِه: اقْتُلُوا الحيات، واقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَين (٦) والأبْتَر، فإنَّهما يَخْطِفان البَصَر، ويُسْقِطَان الْحَبَل (٧). فَخَصَّهما بالذِّكْر مَع أنّهما دَخَلا في العُمُوم، ونَبَّه على ذَلك بِسَبَب عِظَم ضَرَرِهما، ومَا لَم يَتَحَقَّق ضَرَره فَمَا كَان مِنها في غَير البُيُوت قُتِل أيْضًا لِظَاهِر الأمْر العَامّ، ولأنَّ نَوْع
стр. 258
الْحَيَّات غَالِبُه الضَّرَر فيُسْتَصْحَب ذَلك فِيه، ولأنَّه كُلّه مُرَوِّع بِصُورَتِه وبِمَا في النُّفُوس مِنْ النُّفْرَة عَنه (١).
وقال: فَالْحَيَّة أبْدَتْ جَوهَرها الْخَبِيث حَيْث خَانَتْ آدَم بأنْ أدْخَلَتْ إبْلِيس الْجَنَّة بَيْن فَكَّيْها، ولَو كَانَتْ تُبْرِزُه ما تَرَكَها رِضْوَان (٢) تَدْخُل بِه، وقَال لَها إبْليس: أنْتِ في ذِمّتي، فَأمَر رَسُول الله ﷺ بِقَتْلِها، وقَال: اقْتُلُوها ولَو كُنْتُم في الصَّلاة (٣). يَعْني الْحَيَّة والعَقْرَب. والوَزَغَة نَفَخَتِ على نَارِ إبراهيم ﵇ مِنْ بَيْن سَائر الدَّوَاب (٤)، فَلُعْنَتْ.
وهذا مِنْ نَوع مَا يُرْوى في الْحَيَّة.
ورُوي (٥) عن رَسول الله ﷺ أنه قَال: مَنْ قَتَل وَزَغَة فَكَأنما قَتَل كَافِرًا (٦).
стр. 259
وفي صَحِيح مُسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : مَنْ قَتَل وَزَغة في أوَّل ضَرْبة كُتِبَتْ له مِائة حَسَنَة، وفي الثَّانِية دُون ذلك، وفي الثَّالثة دُون ذلك (١). وفي رِوَاية أنه قال: في أوَّل ضَرْبَة سَبْعُون حَسَنَة (٢).
والفأرَة أبْدَت جَوْهَرَها بأنْ عَمِدَتْ إلى حِبَال سَفِينَة نُوح ﵇ فَقَطَعَتْها (٣) واسْتَيْقَظ رَسُول الله ﷺ وقَد أخَذَتْ فَتِيلة لِتُحرِق البَيْت، فأمَرَ رَسُول الله ﷺ بِقَتْلِها (٤).
والغُرَاب أبْدَى جَوْهَرَه حَيْث بَعَثَه نَبِيّ الله نُوح ﵇ مِنْ السَّفِينَة لِيَأتِيه بِخَبَر الأرْض، فَتَرَك أمْرَه وأقْبَل عَلى جِيفَة (٥).
هذا كُلّه في مَعْنَى الْحَيَّة؛ فَلذلك ذَكَرْنَاه (٦).
ملخص جواب القرطبي:
١ - أغْوَاهُما مُشَافَهَة، وتَوَصَّل إلَيهما عن طَرِيق الْحَيَّة.
٢ - أغْوَى بِشَيْطَانِه وسُلْطَانه وَوسْوَاسِه مِنْ غَير دُخُول إلى الْجَنَّة.
وقد أورَد في هَذا الْمَبْحَث والاسْتِدْلال ثَلاثة وعِشْرِين حَدِيثًا، كَرَّر بَعْضَها.
стр. 260
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
دَافَع ابنُ جرير عن قَول وَهْب بن مُنبِّه، فَقَال: فأمَّا سَبَب وُصُولِه (١) إلى الْجَنَّة حَتى كَلَّم آدَم بَعْد أن أخْرَجَه الله منها وطَرَدَه عَنها، فَلَيس فيما رُوي عن ابن عباس ووَهْب بن مُنَبِّه في ذلك مَعْنَى يَجوز لِذي فَهْم مُدَافَعَته إذْ كَان ذلك قَولًا لا يَدْفَعه عَقُل ولا خَبر يَلزَم تَصْدِيقه مِنْ حُجَّة بِخِلافِه، وهو مِنْ الأمُور الْمُمكِنَة.
والقَول في ذلك أنه قَدْ وَصَل إلى خِطَابِهما على ما أخْبَرَنا الله جَلّ ثَناؤه. ومُمْكِن أن يَكُون وَصَل إلى ذلك بنَحْو الذي قَالَه الْمُتَأوِّلُون - بَلْ ذلك إن شَاء الله كَذلك - لِتَتَابُع أقْوَال أهْل التَّأويل عَلى تَصْحِيح ذلك - وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك -: الله أعْلَمُ أكَمَا قال ابن عباس وأهْل التَّوْرَاة، أمْ خَلص إلى آدَم وزَوْجَته بِسُلْطَانِه الذي جَعَل الله لَه لِيَبْتَلِي به آدَم وذُرِّيَّتَه؟ وأنه يَأتي ابن آدَم في نَوْمَته وفي يَقَظَتِه، وفي كُلّ حَال مِنْ أحْوَاله حتى يَخْلُص إلى مَا أرَاد مِنه حتى يَدْعُوه إلى الْمَعْصِيَة، ويُوقِع في نَفْسِه الشَّهوَة وهو لا يَرَاه، وقد قال الله: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) [الأعراف: ٢٠]، (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: ٣٦] … قال ابن إسحاق: وإنما أمْرُ ابن آدم فِيمَا بَيْنَه وبَيْن عَدُوّ الله كأمْرِه فِيمَا بَيْنَه وبَيْن آدم.
قال ابن جرير: ولَيْس في يَقِين ابن إسحاق - لَو كَان قَدْ أيْقَن في نَفْسِه - أن إبْليس لم يَخْلُص إلى آدَم وزَوْجَته بالْمُخَاطَبَة بِمَا أخْبَر الله عنه أنه قَال لَهُما وخَاطَبَهُمَا بِهِ - مَا يَجُوز لذي فَهْم الاعْتِرَاض بِه عَلى مَا وَرَد مِنْ القَول مُسْتَفِيضًا مِنْ أهْل العِلْم مَع دَلالَة الكِتَاب عَلى صِحَّة مَا اسْتَفَاض مِنْ ذَلك بَيْنَهم، فَكَيف بِشَكّه؟ والله نَسأل التَّوفيق (٢).
стр. 261
وكان ابن جرير أوْرَد رِوَايَات (١) في كَوْن إبليس دَخَل الْجَنَّة في فَمِ الْحَيَّة، ثم قال: وقد رُوِيَت هَذه الأخْبَار عَمَّن رَوَيْناها عَنه مِنْ الصَّحَابة والتَّابِعين وغَيرهم في صِفَة اسْتِزْلال إبْليس - عَدُوّ الله - آدمَ وزَوْجَته حتى أخْرَجَهما مِنْ الْجَنَّة.
وأوْلى ذلك بِالْحَقّ عِنْدنَا مَا كَان لِكِتَاب الله مُوَافِقًا (٢).
وذَكَر السمعاني الْخِلاف، وأوْرَد في الْمَسْألَة ثَلاثَة أقْوَال، فَقَال: الوَسْوَسَة حَدِيث يُلْقِيه الشَّيْطَان في قَلْب الإنْسَان.
واخْتَلَفُوا كَيف وَسْوَس لَهُما وهُمَا في الْجَنَّة وهو في الأرض؟
فَقِيل: وَسْوَس لَهُما مِنْ الأرض، لأنَّ الله تعالى أعْطَاه قُوَّة بِذلك حتى وَسْوَس لَهُما بِتِلْك القُوَّة مِنْ الأرْض إلى الْجَنَّة.
وقِيل: حِين وَسْوَس لَهُما كَان في السَّمَاء، فالْتَقَيا على بَاب الْجَنَّة هو وآدَم، فَوَسْوَس.
وقيل: إنَّ الْحَيَّة خَبَّأته في أنْيَابِها وأدْخَلَتْه الْجَنَّة، فَوَسْوَس مِنْ بَيْن أنْيَابِها، فَمُسِحَتْ (٣) الْحَيَّة، وأُخْرِجَتْ مِنْ الْجَنَّة (٤).
وأوْرَد الثعلبي إشْكَالًا آخَر أوْرَدته القَدَرِيَّة حَيث "احْتَجُّوا بأنَّ مَنْ دَخَل الْجَنَّة يَسْتَحِيل الْخُرُوج مِنها، قَال الله تعالى: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) [الحجر: ٤٨].
قال: والْجَوَاب عنه:
стр. 262
أنَّ مَنْ دَخَلَها للثَّواب لا يَخْرُج مِنها أبَدا، وآدَم لم يَدْخُلْها للثَّوَاب، ألَا تَرَى أنَّ رِضْوَان (١) خَازِن الْجَنَّة ثم يَخْرُج مِنها، وإبْليس أيضًا كان دَاخِل الْجَنَّة وأُخْرِج مِنها" (٢).
وقَالَت القَدَرِيَّة: إنَّ الْجَنَّة التي أَسْكَنَها الله آدَم وحَوَّاء لم تكُن جَنَّة الْخُلْد، وإنَّما كَان بُسْتَانا مِنْ بَسَاتِين الدُّنيا، واحْتَجُّوا بأنَّ الْجَنَّة لا يَكون فيها ابْتِلاء وتَكْلِيف (٣).
والْجَوَاب: إنا قَدْ أجْمَعْنَا على أنَّ أهْل الْجَنَّة مَأمُورُون فِيها بالْمَعْرِفة ومُكَلَّفُون بِذلك.
وجَوَاب آخَر: إنَّ الله تَعالى قَادِر على الْجَمْع بَيْن الأضْدَاد، فأَرَى آدَم الْمِحْنَة في الْجَنَّة، وأرَى إبْراهيم النِّعْمَة في النَّار؛ لئلا يَأمَن العَبْد رَبّه، ولا يَقْنَط مِنْ رَحْمَتِه، ولِيَعْلَم أنَّ له (٤) أن يَفْعَل مَا يَشَاء (٥).
ثم أوْرَد ما رُوي مِنْ دُخُول إبْليس في فَمِ الْحَيَّة (٦).
وأوْرَد الزمخشري الإشْكال - كَعَادَتِه - على صِيْغَة سُؤال، فَقَال: فإنْ قُلْتَ: كَيف تَوَصَّل إلى إزْلالِهما وَوَسْوَسَتِه لَهُمَا بَعْدَمَا قِيل لَه: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) [الحجر: ٣٤]، [ص: ٧٧]؟
قُلْتَ:
يَجُوز أن يُمْنَع دُخُولَها عَلى جِهَة التَّقْرِيب والتَّكْرِمَة كَدُخُول الْمَلائكَة، ولا يُمْنَع أن يَدْخُل على جِهَة الوَسْوَسَة ابْتِلاء لآدَم وحَوَّاء.
стр. 263
وقيل: كَان يَدنُو مِنْ السَّمَاء فَيُكَلِّمهما.
وقيل: قَام عِند البَاب فَنَادَى.
ورُوي أنّه أرَاد الدُّخُول فَمَنَعَتْه الْخَزَنة، فَدَخَل في فَمِ الْحَيَّة حتى دَخَلَتْ بِه وَهُمْ لا يَشْعُرُون (١).
ورَجَّح ابنُ عطية كَوْن الوَسْوَسَة مُشَافَهَة، فَقَال: واخْتُلِف في الكَيْفِيَّة؛ فَقَال ابن عباس وابن مسعود وجُمهور العُلَمَاء: أغْوَاهُمَا مُشَافَهَة، ودَلِيل ذَلك قَوله تَعالى: (وَقَاسَمَهُمَا)، والْمُقَاسَمَة ظَاهِرُها الْمُشَافَهَة.
وقال بَعْضُهم: إنَّ إبْليس لَمَّا دَخَل إلى آدَم كَلَّمَه في حَالِه، فَقَال (٢) آدَم: مَا أحْسَن هَذا لو أنَّ خُلْدًا كَان، فَوَجَد إبْلِيس السَّبِيل إلى إغْوائه، فقال: هَلْ أدُلُّك على شَجَرَة الْخُلْد؟
وقال بَعضهم: دَخَل الْجَنَّة في فَمِ الْحَيَّة .... - فَذَكَر القصة -.
وقالتْ طَائفة إنَّ إبْليس لَم يَدْخُل الْجَنَّة إلى آدَم بَعد أن أُخْرِج مِنها، وإنّما أغْوَى آدَم بِشَيْطَانِه وسُلْطَانِه وَوَسَاوسِه التي أعْطَاه الله تَعالى، كما قال النبي ﷺ : إنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ ابن آدَم مَجْرَى الدَّم (٣)، (٤).
وعَدّ الرَّازي قَول وَهْب بن مُنبّه من أقْوال القُصّاص، واعْتَبَره فَاسِدًا: فَقَال حَاكِيًا الْخِلاف في الْمَسْألَة: اخْتَلَفُوا في أنه كَيف تَمَكَّن إبْليس مِنْ وَسْوَسَة آدَم ﵇، مَع أن إبليس كَان خَارِج الْجَنَّة وآدَم كَان في الْجَنَّة؟
وذَكَرُوا فيه وُجُوهًا:
стр. 264
أحَدُها - قَول القُصَّاص - وهُو الذي رَوَوه عن وَهْب بن مُنَبِّه اليَمَاني والسُّدي عن ابن عباس ﵄ وغيره - فَذَكَر مَا تَقَدَّم مِنْ دُخُول إبْليس في فَمِ الْحَيَّة - وثَانِيها: أنَّ إبْليس دَخَل الْجَنَّة في صُورَة دَابَّة، وهَذا القَول أقَلَّ فَسَادًا مِنْ الأوَّل.
وثَالِثها: قَال بَعْض أهْل الأُصُول: إنَّ آدَم وحَوَّاء ﵉ لَعَلَّهُما كَانَا يَخْرُجَان إلى بَاب الْجَنَّة، وإبليس كان بِقُرْب البَاب ويُوَسْوس إلَيْهِما.
ورَابِعها: هُو قَول الْحَسَن - أنَّ إبْليس كَان في الأرْض وأوْصَل الوَسْوَسَة إليهما في الْجَنَّة. قَال بَعضهم: هذا بَعِيد لأنَّ الوَسْوَسَة كَلام خَفِيّ، والكَلام الْخَفِيّ لا يُمْكِن إيصَاله مِنْ الأرْض إلى السَّمَاء.
واخْتَلَفُوا مِنْ وَجْه آخَر: وهو أنَّ إبْليس هل بَاشَر خِطَابَهما، أوْ يُقَال: إنه أوْصَل الوَسْوَسَة إليهما على لِسَان بَعض أتْبَاعِه؟
فَذَكَر حُجَج الفَرِيقَين، ثم قَال:
حُجَّة القَول الأوَّل: قَوله تَعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٢١]، وذلك يَقْتَضِي الْمُشَافَهَة، وكَذا قَوله: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) [الأعراف: ٢٢].
وحُجَّة القَول الثَّاني: أنَّ آدَم وحَوَّاء ﵉ كانا يَعْرِفَانِه ويَعْرِفَان مَا عِنْدَه مِنْ الْحَسَد والعَدَاوة، فَيَسْتَحِيل في العَادَة أن يَقْبَلا قَوله (١)، وأن يَلْتَفِتَا إليه، فلا بُدّ وأن يَكُون الْمُبَاشِر للوَسْوَسَة مِنْ بَعض أتْبَاع إبْليس (٢).
стр. 265
وقَال الرازي في قَوله تَعَالى: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) [الأعراف: ٢٠]: يُمْكِن أن يَكُون هَذا الكَلام ذَكَره إبْليس بِحَيث خَاطَبَ بِه آدَم وحَوَّاء، ويُمْكِن أيضًا أن يَكُون وَسْوَسَة أوْقَعَها في قُلُوبِهما. والأمْرَان مَرْوِيَّان إلَّا أنَّ الأغْلَب أنه كان ذلك على سَبِيل الْمُخَاطَبَة (١).
وقال في جَواب عن سُؤال طَرَحه: كَيف وَسْوَس إليه وآدَم كَان في الْجَنَّة وإبْلِيس أُخْرِج منها؟
والْجَوَاب:
قال الْحَسَن: كَان يُوَسْوِس مِنْ الأرْض إلى السَّمَاء، وإلى الْجَنَّة بالقُوَّة الفَوقِيَّة التي جَعَلها الله تَعالى له.
وقال أبو مُسلم الأصْفهاني: بَلْ كَان آدَم وإبليس في الْجَنَّة؛ لأنَّ هَذه الْجَنَّة كَانَتْ بَعض جَنَّات الأرْض (٢)، والذي يَقُولُه بَعْض النَّاس مِنْ أنَّ إبْليس دَخَل في جَوْف الْحَيَّة ودَخَلَت الْحَيَّة في الْجَنَّة، فَتِلْك القِصَّة الرَّكِيكَة مَشْهُورَة (٣).
وقال آخَرُون: إنَّ آدَم وحَوَّاء رُبَّمَا قَرُبا مِنْ بَاب الْجَنَّة وكَان إبليس واقِفًا مِنْ خَارِج الْجَنَّة عَلى بَابِهَا فَيَقْرُب أحَدُهما مِنْ الآخَر، وتَحْصُل الوَسْوَسَة هُناك (٤).
وقال ابن كثير في تَفْسير سُورة البقرة: وقد ذَكَر الْمُفَسِّرُون مِنْ السَّلَف كالسُّدّي بأسَانِيده وأبي العالية ووَهْب بن مُنَبِّه وغيرهم هاهنا أخْبَارًا إسْرَائيلِيَّة عن قِصَّة الْحَيَّة
стр. 266
وإبليس، وكَيف جَرَى مِنْ دُخُول إبْليس إلى الْجَنَّة وَوَسْوَسَتِه، وسَنَبْسُط ذلك إن شاء الله في سُورة الأعراف، فَهُناك القِصَّة أبْسَط منها هَا هنا، والله الموفق (١).
إلَّا أنه لَم يَتَطَرَّق إلى مَا يُتَوهَّم مِنْ إشْكال أوْ تَعارُض في تَفسير سورة الأعراف (٢).
وكذلك القاسمي لم يَتَطَرَّق إلى مَا يُتَوهَّم مِنْ إشْكَال أوْ تَعَارُض بَيْن الآيات (٣).
ومِثْله الشنقيطي في "أضواء البيان" (٤).
ومِمَّن رَجَّح أنَّ الْمُقَاسَمَة مُشَافَهة الثعالبي، حيث قَال: والْمُقَاسَمَة ظَاهِرُها الْمُشَافَهَة.
وقال طائفة: إنَّ إبليس لَم يَدْخُل الْجَنَّة بَعْد أن أُخْرِج مِنها، وإنّما أغْوَى آدَم بِشَيْطَانِه وسُلْطَانِه ووَسَاوسِه التي أعْطَاه الله تَعالى، كما قال النبي ﷺ : أنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ ابن آدَم مَجْرَى الدَّم (٥). وإلى هَذا القَول نَحَا الْمَازِري في بعض أجْوِبَتِه (٦).
وعَرَّف الوَسْوَسَة فَقَال: الوَسْوَسَة الْحَدِيث في إخْفَاء، هَمْسًا وإسْرَارًا مِنْ الصَّوت والوُسْوَاس صَوْت الْحُلِيّ، فَشُبِّه الْهَمْس به، وسُمِّي إلْقَاء الشَّيْطَان في نَفْس ابن آدَم وسْوَسَة، إذْ هي أبْلَغ الإسْرَار وأخْفَاه، هَذا في حَال الشَّيْطَان مَعَنا الآن، وأمَّا مَع آدَم فمُمْكِن أن تَكُون وَسْوَسَة بِمُحَاورة خَفِيَّة، أوْ بإلْقَاء في نَفْس (٧).
стр. 267
رأي الباحث:
لم يَتَطَرَّق القُرطبي إلى إشْكَال قد يَرِد، وهو: إذا كان إبْليس قد طُرِد مِنْ الْجَنَّة، وأُخْرِج منها مَذمُومًا صَاغِرًا، فَكَيْف دَخَلها؟
والْجَوَاب "مِنْ وُجُوه:
أحَدها: أنه أُخْرِجَ مِنها ومُنِع مِنْ دُخُولِها عَلى وَجْه السُّكْنَى والكَرَامَة واتِّخَاذِها دَارًا .... ويَكُون هَذا دُخُولًا عَارِضًا كَما يَدْخُل الشُّرَط دَار مَنْ أُمِرُوا بِابْتِلائه ومِحْنَتِه، وإن لم يَكُونُوا أهْلًا لِسُكْنَى تِلك الدَّار.
الثَّاني: أنه كَان يَدْنُو مِنْ السَّمَاء فيُكَلِّمُهما ولا يَدْخُل عَليهما دَارَهما.
الثَّالِث: أنه لَعَلَّه قَام عَلى البَاب فَنَادَاهُما وقَاسَمَهُمَا ولم يَلِج الْجَنَّة.
الرَّابِع: أنه قد رُوي أنه أرَاد الدُّخُول عَليهما فَمَنَعَتْه الْخَزَنَة، فَدَخَل في فَمِ الْحَيَّة حتى دَخَلَتْ بِه عَليهما، ولا يَشْعُر الْخَزَنَة بذلكَ" (١).
وكَون إبْليس دَخَل الْجَنَّة لا يَتَعَارَض هَذا مَع طَرْدِه وإبْعَادِه، لأنه لم يَدْخُل الْجَنَّة دُخُول الْمُكْرَمِين، ولا دَخَلَها دُخُولًا يُخِلّ بِوَعْد الله، فلَم يَدْخُل الْجَنَّة دُخُول خَالِدٍ فِيها، ولا دُخُول مُكَرَّم.
وهذا كَما قَال العُلَمَاء في مثل قوله ﵊: لا يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع (٢) ومثل قَوله ﵊: لا يَدْخُل الْجَنَّة قَتَّات (٣).
وكَقَولِه ﷺ : لا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ لا يَأمَن جَارُه بَوَائقَه (٤).
стр. 268
فإنَّهم حَمَلوه - فِيما حَمَلُوه عَليه - على أنَّ "مَعْنَاه: جَزَاؤه أنْ لا يَدْخُلَها وَقْت دُخُول الفَائزِين إذا فُتِحَتْ أبْوَابُها لَهُم، بَلْ يُؤَخَّر" (١)، وأنّه لا يَدْخُلَها دُخُول الفَائزِين (٢).
وفَات القُرطبي أيضًا الاسْتِدْلال بِحَدِيث: مَنْ تَرَك الْحَيّات مَخَافة طَلبهن فَلَيس مِنَّا؛ مَا سَالَمْنَاهُنّ مُنْذ حَارَبْنَاهُنّ (٣).
وهذه العَدَاوة مَحْمُولَة على ذلك الأمْر الأوَّل.
قال يَحيى بن أيُّوب: سُئل أحْمد بن صالح عن تَفْسِير: "مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذ عَادَينَاهُنّ" فَقِيل له: مَتَى كَانَتْ العَدَاوة؟ قال: حين أُخْرِج آدَم مِنْ الْجَنَّة (٤).
المثال الثاني:
بَيْن الْمُسَارَعة والْمُسَابَقَة:
قَوله تَعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) [البقرة: ١٤٨]، مع قَوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: ١١٣، ١١٤] وقَوله تَعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: ٩٠].
стр. 269
صورة التعارض:
آية "البقرة" مَعْنَاها" أي: بَادِرُوا مَا أمَرَكُم الله مِنْ اسْتِقْبَال البَيْت الْحَرَام" (١)، وهو خَاصَّ بِهَذه الأُمَّة، بَيْنَما آية "آل عمران" في مُسَارَعة أهْل الكِتَاب إلى الْخَيْرَات، وآيَة الأنْبِيَاء في الثَّنَاء على مَنْ ذُكِر مِنْ الأنْبِيَاء بِالْمُسَارَعَة في الْخَيْرَات.
فَهل الْمُسَارَعة مِنْ جِنْس الْمُسَارَعَة؟
وهل هُنَاك فَرْق بَيْن الْمُسَارَعَة والْمُسَابَقَة؟
جمع القرطبي:
ذَكَر القرطبي أنَّ مَعْنَى الآيَة "أي: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات لِكُلّ وِجْهَة ولاكُمُوهَا ولا تَعْتَرِضُوا فِيمَا أمَرَكم بَيْنَ هَذه وهَذه، أي: إنّمَا عَليكم الطَّاعَة في الْجَمِيع".
وقَال: قَوله تَعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: إلى الْخَيْرَات - فَحَذَف الْحَرْف - أي: بَادِرُوا مَا أمَرَكم الله مِنْ اسْتِقْبَال البَيْت الْحَرَام، وإن كان يَتَضَمَّن الْحَثّ عَلى الْمُبَادَرَة والاسْتِعْجَال إلى جَمِيع الطَّاعَات بِالعُمُوم، فَالْمُرَاد مَا ذُكِر مِنْ الاسْتِقْبَال لِسِياقِ الآي، والْمَعْنى الْمُرَاد الْمُبَادَرَة بِالصَّلاة أوَّل وَقْتِها. والله تعالى أعلم (٢).
ثم ذَكَر مِنْ الأحَادِيث مَا يَدُلّ عَلى فَضْل الْمُبَادَرَة إلى الصَّلاة، فأوْرَد أحَد عَشَر حَدِيثًا في ذَلك (٣).
وقَال في قَوله تَعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) [آل عمران: ١٣٣] مَعْنَاه إلى تَكْبِيرَة الإحْرَام.
وقال عَليّ بن أبي طَالب: إلى أدَاء الفَرَائض. عثمان بن عفان: إلى الإخْلاص. الكَلبي: إلى التَّوبة من الرِّبا. وقيل: إلى
стр. 270
الثَّبَات في القِتَال. وقِيل: غير هذا. والآيَة عَامَّة في الْجَمِيع، ومَعْنَاها مَعْنَى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (١).
وقال في تَفسير قَوله تَعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: ٤٨]: أي: سَارِعُوا إلى الطَّاعَات، وهَذا يَدُلّ على أنَّ تَقْدِيم الوَاجِبَات أفْضَل مِنْ تَأخِيرِها، وذَلك لا اخْتِلاف فِيه في العِبَادَات كُلّها إلَّا في الصَّلاة في أوَّل الوَقْت، فإنَّ أبا حنيفة يَرَى أنَّ الأَوْلى تَأخِيرها، وعُمُوم الآيَة دَلِيل عَليه. قَالَه الكيَا. وَفيه دَلِيل عَلى أنَّ الصَّوم في السَّفَر أَوْلَى مِنْ الفِطْر (٢).
وقال في تَفْسير سُورة الأنبياء مَا نَصّه: (إِنَّهُمْ) يَعْنِي: الأنْبِيَاء الْمُسَمَّيْن في هَذه السُّورَة (كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) قِيل: الكِنَايَة رَاجِعَة إلى زَكَرِيا وامْرَأته ويَحْيَى (٣).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - أنَّ مَعْنَى آيَة "البقرة" فاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات لِكُلّ وِجْهَة ولَّاكُمُوها رَبُّكم .
٢ - أنَّ الْمُرَاد الْمُبَادَرَة إلى اسْتِقْبَال الكَعْبَة.
٣ - سَارِعُوا إلى الطَّاعَات.
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال ابن جرير في تَفْسير آية "البقرة": يَعْنِي بِقَولِه تَعالى ذِكْرُه: (وَلِكُلٍّ) ولِكُلّ أهْل مِلَّة، فَحَذَف "أهْل الْمِلَّة" واكْتَفَى بِدَلالَة الكَلام عَليه.
بِقَاع الأرْض، حتى يوفِّيَ الْمُحْسِنَ مِنْكم جَزَاءه بإحْسَانِه، والْمُسِيء عِقَابه بِإسَاءَتِه، أوْ يَتَفَضَّل فَيَصْفَح (١).
وقال: وقَوله: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يَقُول تَعالى ذِكْرُه: هَؤلاء الذين هَذه الصِّفَات صِفَاتُهم يُبادِرُون في الأعْمَال الصَّالِحَة ويَطْلُبُون الزُّلْفَة عِنْد الله بِطَاعَتِه.
وقال: وقَوله: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) كَان بَعْضُهم يَقول: مَعْنَاه: سَبَقَتْ لهم مِنْ الله السَّعَادَة، فَذَلك سُبُوقُهم الْخَيْرَات التي يَعْمَلُونَها.
وَعَزا هَذا القَول إلى ابن عباس ﵄.
ثم قال: وكان بَعْضُهم يَتَأوَّل ذَلك بِمَعْنى وهُم إلَيها سَابِقُون.
وتَأوَّله آخَرُون: وهُم مِنْ أجْلِها سَابِقُون.
وأَوْلى الأقْوَال في ذَلك عِنْدي بالصَّوَاب القَول الذي قاله ابن عباس مِنْ أنّه سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ الله السَّعَادَة قَبْل مُسَارَعَتْهم في الْخَيْرَات، ولِمَا سَبَق لهم مِنْ ذَلك سَارَعُوا فِيها.
قَال: وإنّما قُلْتُ ذَلك أَوْلَى التَّأوِيلَين بالكَلام لأنَّ ذَلك أظْهَر مَعْنَيَيه، وأنّه لا حَاجَة بِنَا إذَا وَجَّهْنَا تَأوِيل الكَلام إلى ذلك إلى تَحْوِيل مَعْنى اللام التي في قوله: (وَهُمْ لَهَا) إلى غَير مَعْنَاها الأغْلَب عَليها (٢).
وقَال في مَوْضِع آخَر: وقَوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يَقُول الله: إنَّ الذين سَمّيْنَاهُم - يَعْني زَكَريّا وزَوْجَه ويَحْيى - كَانُوا يُسَارعُون في الْخَيْرَات في طَاعَتِنَا، والعَمَل بِمَا يُقَرِّبُهم إلَينا (٣).
стр. 273
واخْتَار السمرقندي أنَّ مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يَعْنِي: يُبادِرُون في الطَّاعَات - يَعْنِي زَكَرِيا وامْرَأته ويَحْيَى ﵉ ويُقَال: الأنْبِيَاء الذين سَبَقَ ذِكْرُهم (١).
وقال: قَوله : (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يَعْنِي: يُبادِرُون في الطَّاعَات مِنْ الأعْمَال الصَّالِحَة. (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) يَعْنِي: هُمْ لَها عَامِلُون، يَعْنِي: الْخَيْرَات.
وقال الزَّجَّاج: فيه قَوْلان:
أحدَهما: مَعْنَاه: هُمْ إلَيها سَابِقُون، كَقَولِه : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) [الزلزلة: ٥] يَعْنِي: إليها. ويَجُوز: هُمْ لَهَا سَابِقُون، أي: لأجْلِها، أي: مِنْ أجْل اكْتِسَابِها، كَقَولِك: أنا أُكْرِم فلانًا لَك: أي: مِنْ أجْلِك (٢).
واخْتَار السَّمعاني أنَّ قَوله تَعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يَنْصَرِف إلى جَمِيع الأنْبِيَاء الذين ذَكَرَهم (٣).
وَرَجَّحَ أنَّ مَعْنَى (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) أي: إلَيها سَابِقُون (٤).
وبيَّن الثعلبي مَعْنى مُولِّيها، فَقَال: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) أي: وَلِكُلِّ أهْل مِلَّة قِبْلَة، و (هُوَ مُوَلِّيهَا) مُسْتَقْبِلها ومُقْبِل إلَيها. يُقَال: وَلَيْته ووَلَيْت إليه: إذا أقْبَلْت إليه، وَولَّيْت عنه إذا أدْبَرْت عَنه. وأصْل التَّولِية الانْصِرَاف. وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك: هو مُوَلَّاهَا. أي: مَصْرُوف إلَيها (٥).
стр. 274
وقال في تَفْسير قَوله تَعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا): يَعْني إلَيها سَابِقُون، كَقَولِه: (لِمَا نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٨] و (لِمَا قَالُوا) [المجادلة: ٣] ونَحوهما. وكان ابن عباس يقول في مَعْنَى هَذه الآيَة: سَبَقَتْ لهم مِنْ الله السَّعَادَة، ولِذلك سَارَعُوا في الْخَيْرَات (١).
وفي تَفْسير قَوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) قال: (إِنَّهُمْ) يَعْنِي الأنْبِيَاء الذين سَمَّاهُم في هذه السُّورَة كَانوا يُسَارِعُون في الْخَيْرَات، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) خَوْفًا وطَمَعًا، رَغَبًا في رَحْمَة الله، ورَهَبًا مِنْ عَذَاب الله (٢).
وأمَّا الرَّازي فَقَد أشَار إلى مَعْنَى (وَلِكُلٍّ)، وعَلَّلَ ذَلك بِأنه "مَعْرُوف الْمَعْنَى عِنْدَهم فَلَم يَضُرّ حَذْف الْمُضَاف إليه، وهو كَثير في كَلامِهم (٣).
ثم ذَكَر مَنْ يَتناوله لَفْظ العُمُوم في (كلّ)، فَقَال: فِيه أرْبَعة أوْجُه:
أحَدها: أنه يَتَناول جَمِيع الفِرَق، أعْنِي الْمُسْلِمِين واليَهُود والنَّصَارى والْمُشْرِكِين وهو قَول الأصَمّ. قال: لأنَّ في الْمُشْرِكِين مَنْ كَان يَعْبُد الأصْنَام، ويَتَقَرّب بِذلك إلى الله تعالى، كَمَا حَكَى الله تَعالى عَنهم في قَوله: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨].
وثَانِيها: - وهو قَول أكْثر عُلَمَاء التَّابِعِين - أنَّ الْمُرَاد أهْل الكِتَاب، وهُم الْمُسْلِمُون واليَهُود والنَّصَارَى، والْمُشْرِكُون غَير دَاخِلِين فِيه.
وثَالِثها: قال بَعْضُهم: الْمُرَاد لِكُلّ قَوم مِنْ الْمُسْلِمِين وِجْهَة، أي: جِهَة مِنْ الكَعْبَة يُصَلِّي إلَيها؛ جَنُوبِيَّة، أوْ شَمَالِيَّة، أوْ شَرْقِيَّة، أوْ غَرْبِيَّة.
ورَابعُها: قال آخَرُون: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) أي: لِكُلّ وَاحِد مِنْ الرُّسُل وأصْحَاب الشَّرَائع جِهَة قِبْلَة.
стр. 275
فَقِبْلَة الْمُقَرَّبِين العَرْش، وقِبْلَة الرَّوحَانِيِّين الكُرْسِي، وقِبْلَة الكَرُوبِيِّين (١) البَيْت الْمَعْمُور، وقِبْلَة الأنْبِيَاء الذين قَبْلَك بَيْت الْمَقْدِس، وقِبْلَتُك الكَعْبَة (٢).
ومَعْنَى (هُوَ مُوَلِّيهَا) عِنْد الرَّازي: أي: هُو مُوَلِّيها وَجْهَه، فاسْتَغْنَى عن ذِكْرِ الوَجْه.
قال الفَرَّاء: أي: مُسْتَقْبِلها. وقال أبو معاذ: مُوَلِّيها على مَعْنَى مُتَوَلِّيها، يُقال: قد تَولَّاها ورَضِيَها واتَّبَعَها.
ثم قال الرازي: أمَا قَوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) فَمَعْنَاه: الأمْر بالبِدَار إلى الطَّاعَة في وَقْتِها (٣).
واكْتَفَى في تَفسير سُورة الأنْبياء بالإشَارَة إلى الْمَعْنَى العَامّ، فَقَال: والْمُسَارَعَة في طَاعَة الله تَعالى مِنْ أكْبَر مَا يُمْدَح الْمَرْء بِه؛ لأنه يَدُلّ على حِرصٍ عَظِيم عَلى الطَّاعَة (٤).
وقال ابنُ جُزي: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) والضَّمِير للأنْبِياء الْمَذْكُورِين.
стр. 276
وقال في مَوْضِع آخَر: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) فيه مَعْنَيانِ:
أحَدهما: أنّهم يُبَادِرُون إلى فِعْل الطَّاعَات.
والآخَر: أنّهم يَتَعَجَّلُون ثَوَاب الْخَيْرَات، وهَذا مُطَابِق للآية الْمُتَقَدِّمَة (١)، لأنه أثْبَت فيهم مَا نُفِيَ عَنْ الكُفَّار مِنْ الْمُسَارَعَة. (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) فِيه الْمَعْنَيَان الْمَذْكُورَان في (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).
وقِيل: مَعْنَاه: سَبَقَتْ لَهم السَّعَادة في الأزَل (٢).
وبَيَّن القَاسِمي مَعْنى "لِكلّ وِجْهَة"، ثم نَبَّه إلى أنَّ الآيَة تُشِير إلى "أنَّ النَّاس على مَذَاهِب عَدِيدَة وأدْيَان مُتَنَوِّعَة، وأنَّ عَلى العَاقِل أن يَسْتَبِق إلى مَا كَان خَيْرها وأرْقَاها.
وقد اتَّفَق العُقَلاء قَاطِبَة والفَلاسِفَة أنَّ دِين الإسْلام أرْقَى الأدْيَان كُلّها لِما حَوى مِنْ حَاجِيَّات الكَمَال البَشَرِي، وَوَفَّى بشُؤون الاجْتِمَاع، وأسْبَاب العُمْرَان، وذَرَائع الرُّقيّ وطُرُق السَّعَادَتَين" (٣).
كَمَا بَيَّن أنَّ قَوله تَعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) تَعْلِيل لِمَا فَصَّل مِنْ فُنُون إحْسَانِه تَعالى، الْمُتَعَلِّقَة بالأنْبِيَاء الْمَذْكُورِين، أي: كَانُوا يُبَادِرُون في كُلّ بَاب مِنْ الْخَيْر، وإيثَار (في) عَلى (إلى) للإشارَة إلى ثَبَاتِهم واسْتِقْرَارِهم في أصْل الْخَيْر؛ لأنَّ (إلى) تَدُلّ على الْخُرُوج عَنْ الشَّيء والتَّوَجُّه إلَيه (٤).
وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) قال: أي: في نَيْل الْخَيْرَات التِي مِنْ جُمْلَتِها الْخَيْرَات العَاجِلَة الْمَوْعُودَة عَلى الأعْمَال الصَّالِحَة (٥).
стр. 277
رأي الباحث:
الاسْتِبَاق هُو الْمُبَادَرَة والإسْراع، كَما قَال ابن جرير (١).
والأمْر بالْمُسَارَعَة إلى الْخيْرَات والاسْتِبَاق إليها - كَمَا في سُورة البقرة - أمْر لِهَذه الأُمَّة، وهو أَخَصّ بِالصَّلاة، إذ هو في سِياق آياتٍ الْحَدِيث فِيها عن اسْتِقْبَال الكَعْبَة.
والأمْر بِالْمُسَارَعَة في الْخَيْرَات في حَقّ الأُمَم الْمَاضِيَة والأنْبِيَاء السَّابِقِين؛ هو في عُمُوم أبْوَاب الْخَيْر.
المثال الثالث:
صَرْف الصَّدَقَات لِلكُفَّار:
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: ٢٧٢] وقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨]، مع قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٦٠].
صورة التعارض:
آيَة "البقرة" مَع آيَة "الْمُمتحنة" تُفِيد جَوَاز صَرْف الصَّدَقَات إلى الكُفَّار جُمْلَة، وآية "التوبة" تَدلّ على حَصْر الصَّدَقَات في الْمُؤْمِنِين بِدَلالة سِياق الآيات، وبِدَلالة تَخْصِيص "الْمُؤلَّفَة قُلوبهم" من جُمْلَة الكُفَّار.
стр. 278
جمع القرطبي:
قال القرطبي: قَوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) هَذا الكَلام مُتَّصِل بِذِكْرِ الصَّدَقَات؛ فكأنه بَيَّن فِيه جَوَاز الصَّدَقة على الْمُشْرِكِين.
رَوَى سَعيد بن جبير مُرْسَلا (١) عن النبي ﷺ في سَبَب نُزُول هذه الآيَة أنَّ الْمُسْلمين كَانُا يَتَصَدَّقُون على فُقَرَاء أهْل الذِّمَّة، فَلَمَّا كَثُر فُقَرَاء الْمُسْلمين قال رسول الله ﷺ : لا تَتَصَدّقوا إلَّا عَلى أهْل دِينِكم. فَنَزَلَتْ هذه الآية مُبِيْحَة للصَّدَقة على مَنْ لَيس مِنْ دِين الإسْلام.
وذكر النَّقَّاش أن النبي ﷺ أُتِي بِصَدَقات فَجَاءَه يَهُودِي فَقَال: اعْطِنِي. فقال النبي ﷺ : لَيس لكَ مِنْ صَدَقة الْمُسْلِمِين شَيء. فَذَهَب اليَهُودِي غَير بَعيد، فَنَزَلَتْ (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، فَدَعَاه رَسُول الله ﷺ فأعْطَاه، ثم نَسَخَ الله ذلك بآيَة الصَّدَقَات (٢).
ورَوَى ابن عباس أنه قال: كَان نَاس مِنْ الأنْصَار لهم قَرَابَات مِنْ بَنِي قُرَيظَة والنَّضير، وكَانُوا لا يَتَصَدَّقُون عَليهم رَغْبَة مِنْهم في أن يُسْلِمُوا إذا احْتَاجُوا، فَنَزَلَتْ الآيَة بسَبَب أولئك (٣).
وحَكى بَعْض الْمُفَسِّرِين أنَّ أسْمَاء ابنة أبي بَكر الصِّدِّيق أرَادَتْ أن تَصِلَ جَدّها أبا قُحَافَة ثم امْتَنَعَتْ مِنْ ذلك لِكَوْنِه كَافِرًا (٤)، فَنَزَلَتْ الآيَة في ذَلك.
стр. 279
وحَكى الطَّبَري (١) أن مَقْصد النبي ﷺ بِمَنْع الصَّدقة إنّما كَان ليُسْلِمُوا ويَدْخُلوا في الدِّين، فَقَال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ).
وقيل: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) ليس مُتَّصِلًا بِمَا قَبْل فَيكُون ظَاهِرًا في الصَّدَقَات وصَرْفها إلى الكُفَّار، بل يَحْتَمِل أن يَكُون مَعْناه ابْتدَاء كَلام (٢).
قال القرطبي:
قال عُلَمَاؤنا: هذه الصَّدَقة التي أُبِيحَتْ لهم حَسب مَا تَضَمَّنَتْه هَذه الآثار هي صَدَقَة التَّطَوُّع، وأمَّا الْمَفْرُوضَة فَلا يُجْزِئ دَفعها لِكَافِر، لقَوله ﵇: أُمِرْت أن آخُذ الصَّدَقة مِنْ أغْنيائكم وأرُدّها في فُقَرَائكم (٣).
قال ابن المنذر: أجْمَع (٤) كُل مَنْ أحْفَظ عَنه مِنْ أهْل العِلْم أنَّ الذَّمِّي لا يُعْطَى من زَكَاة الأمْوال شَيئا.
وقال المهدوي: رُخِّص للمُسْلِمِين أن يُعْطُوا الْمُشْرِكِين مِنْ قَرَابَاتهم مِنْ صَدَقَة الفَرِيضَة لِهَذه الآيَة.
قال ابن عطية (٥): وهذا مَرْدُود بالإجْمَاع، والله أعلم.
стр. 280
واسْتَدَلّ القرطبي بِقولِه تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: ٨] قال: والأسير في دَار الإسْلام لا يَكُون إلَّا مُشْرِكًا.
وقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [الممتحنة: ٨] فَظَوَاهِر هذه الآيَات تَقْتَضِي جَوَاز صَرْف الصَّدَقات إليهم جُمْلَة إلَّا أنَّ النبي ﷺ خَصّ منها الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، لِقوله ﵇ لِمُعاذ: خُذْ الصَّدَقَة مِنْ أغْنيائهم ورُدّها على فُقَرَائهم (١). واتَّفَق العُلَمَاء على ذَلك عَلى مَا تَقَدم فَيُدْفَع إليهم مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع إذا احْتَاجُوا. والله أعلم.
قال ابن العربي: فأمَّا الْمُسْلِم العَاصِي فلا خِلاف أنَّ صَدقَة الفِطْر تُصْرَف إليه إلَّا إذا كَان يَتْرُك أرْكَان الإسْلام مِنْ الصَّلاة والصِّيام فلا تُدْفَع إليه الصَّدقة حتى يَتُوب، وسَائر أهْل الْمَعَاصِي تُصْرَف الصَّدَقَة إلى مُرْتَكِبِيها لِدُخُولِهم في اسْم الْمُسْلِمِين. وفي صَحِيح مُسْلِم (٢) أنّ رَجُلًا تَصَدَّق على غَنِيّ وسَارِق وزَانِية، وتُقُبِّلَتْ صَدَقَته (٣).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - آية "البقرة" الكَلام فيها مُتَّصِل بِذِكْر الصَّدَقَات؛ فكأنه بَيَّن فيه جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْرِكِين.
٢ - الصَّدَقَة التي أُبِيْحَ دَفْعها إلى الكُفَّار هي صَدَقَة التَّطَوّع، وأمَّا الْمَفْرُوضَة فَلا يُجْزئ دَفْعها لِكَافِر.
٣ - أنَّ مَنْع الصَّدَقَة على الكُفَّار ابْتِدَاء كان رَغْبَة في إسْلامِهم، وقَد أذِن الله فيها.
стр. 281
٤ - ظَواهِر الآيَات تَقْتَضِي جَوَاز صَرْف الصَّدَقَات إلى الكُفَّار جُمْلَة إلَّا أن النبي ﷺ خَصّ مِنها الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة فلا تُدْفَع إليهم.
مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
ابْتَدَأ ابن جرير بِذِكْر مَعْنَى آيَة "البقرة"، فَقَال: يَعْنِي تَعالى ذِكْرُه بذلك: لَيس عَليك يا محمد هُدى المشركين إلى الإسلام فتمنعهم صدقة التطوع ولا تُعطيهم منها ليَدْخُلوا في الإسْلام حَاجَة مِنهم إلَيها، ولَكِنَّ الله هو يَهدي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقِه إلى الإسْلام فيُوفِّقهم له، فلا تَمْنَعهم الصَّدَقَة.
ثم روى بإسْناده إلى شُعبة قال: كَان النبي ﷺ لا يَتَصَدّق على الْمُشرِكِين، فَنَزَلَتْ: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ)، فَتَصَدَّق عليهم.
وروى بإسْناده إلى ابن عباس قال: كَانُوا لا يَرْضَخُون (١) لِقَرَابَاتهم مِنْ الْمُشْرِكين فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وروى آثارًا عن ابن عباس وغيره في هذا الْمَعْنَى (٢).
وقد بيَّن السمعاني نَوع الْهِدَاية الْمَنْفِيّة هنا، فَقال: قَوله تَعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) ليس الْمُرَاد به هِدَاية الدَّعْوة فَإنّها عَليه حَتْم، وإنّمَا الْمُرَاد به هِدَاية التَّوْفِيق (٣).
ثم ذَكَر ما رُوي عن سعيد بن جبير - مما تقدّم - واخْتَار أنَّ مْعَنى الآيَة "لَيْس عَليك هُدَاهُم بِأن تُلْجِئهم وتَحْمِلْهم عَلى الدُّخُول في الإسْلام (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: يُوفِّق مَنْ يَشَاء ويَخْذُل مَنْ يَشَاء" (٤).
стр. 282
وأوْرَد السمرقندي سَبَب النُّزُول، فَقال: قَوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) وذلك أنَّ النبي ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكة لِعُمْرَة القَضَاء، وخَرَجَتْ مَعه أسْمَاء بنت أبي بكر، فَجَاءتْها أمُّها وَجَدَّها أبو قُحَافة فَسألا مِنها حَاجَة، فقالت: لا أُعْطِيكُما شَيئًا حتى أسْتَأمِر رسول الله ﷺ ، فإنَّكُمَا لَسْتُمَا عَلى دِيني، فاسْتَأمَرَتْ رسول الله ﷺ فَنَزَلَتْ هذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) يَعْنِي: يُوفِّق مَنْ يَشَاء لِدِينِه (١).
فإن قِيل: قَدْ قَال في آية أُخْرَى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢] وقال هاهنا: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)؟
قِيل لَه: إنّما أرَاد بِه هُناك الدَّعْوة، وهَاهنا أرَاد بِه الْهُدَى خَاصَّة، وهو التَّوْفِيق إلى الْهُدَى (٢).
стр. 283
ثم قَال تَعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) يَعْنِي مَا تُنْفِقُوا مِنْ مَالٍ فَثَوابُه لأنْفُسِكم إذا تَصَدَّقْتُم على الكُفَّار أوْ عَلى الْمُسْلِمِين.
ورُوي عن عُمر بن الخطاب أنه رَأى رَجُلًا مِنْ أهْل الذِّمَّة يَسأل على أبْوَاب الْمُسْلِمِين، فَقَال: مَا أنْصَفْنَاك، أخَذْنا مِنْك الْجِزْيَة مَا دُمْتَ شَابًا ثُم ضَيَّعْنَاك بَعْد مَا كَبِرْت وَضَعُفْت، فأمَر بِأن يُجْرَى عليه قُوته مِنْ بَيْت الْمَال (١).
في حين ذَكَر الزمخشري سبب النُّزُول بِصِيغَة تَمرِيض، فَقال: وقِيل: حَجَّتْ أسْمَاء بنت أبي بكر ﵄ فأتَتْهَا أُمُّها تَسْألها وهي مُشْرِكَة، فأبَتْ أن تُعْطِيها، فَنَزَلَتْ.
وذَكَر الزمخشري مَا جَاء عن سعيد بن جبير. ثم قال: ورُوي أنَّ نَاسًا مِنْ المسلمين كانَت لَهم أصْهَار في اليَهُود ورضَاع، وقَد كَانوا يُنْفقُون عليهم قَبل الإسْلام فَلَمَّا أسْلَمُوا كَرِهُوا أن يُنْفِقُوهم (٢).
وعن بعض العُلَمَاء: لَو كان شَرّ خَلْق الله لَكَان لك ثَوَاب نَفقَتِك (٣).
وأمَّا ابن عطية فأكْثر نَقْل القرطبي الْمُتَقَدِّم عنه، إلَّا أن ابن عطية زاد بِقوله: والْهُدَى الذي لَيس على مُحمد ﷺ هو خَلْق الإيمان (٤) في قُلُوبِهم،
стр. 284
وأمَّا الْهُدى الذي هُو الدُّعَاء فَهو عَليه، وليس بِمُرَادٍ في هَذه الآيَة. ثم أخْبَر تَعالى أنه هو يَهدي مَنْ يَشَاء، أي: يُرْشده .... ثم بَيَّن تعالى أنَّ النَّفَقَة الْمُعْتَدّ بِها الْمَقْبُولة إنّما هِي مَا كَان ابْتِغَاء وَجْه الله؛ هذا أحَد التَّأويلات في قَوله تَعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ).
وفِيه تَأويل آخَر، وهو أنّها شَهَادَة مِنْ الله تَعالى للصَّحَابة أنّهم إنّما يُنْفِقُون ابْتِغَاء وَجْه الله، فهو خَبَر مِنْه لَهُمْ فِيه تَفْصِيل، وعلى التَّأويل الآخَر هو اشْتِرَاط عَليهم، ويَتَنَاول الاشْتِراط غَيرهم مِنْ الأُمَّة (١).
وقال الرازي: هذا هُو الْحُكْم الرَّابِع مِنْ أحْكَام الإنْفَاق، وهو بَيَان أنَّ الذي يَجُوز الإنْفَاق عَليه مَنْ هُو؟
ثم ذَكَر في سبب النُّزُول ثَلاث رِوايات (٢).
وأشَار إلى حِرصِه ﷺ على هِدَاية النَّاس، فَقال: أنه ﷺ كَان شَدِيد الْحِرْص عَلى إيمانهم .... فأعْلَمَه الله تعالى أنه بَعثه بَشِيرًا ونَذِيرًا، ودَاعِيًا إلى الله بإذْنه وسِرَاجًا مُنِيرا، ومُبَيِّنًا للدَّلائل، فأمَّا كَونهم مُهْتَدِين فليس ذلك مِنْك ولا بِك؛ فالْهُدَى هاهنا بِمَعْنَى الاهْتِدَاء، فَسَواء اهْتَدَوا أوْ لَم يَهْتَدُوا فلا تَقْطَع مَعُونَتك وبِرَّك وصَدَقَتك عَنهم.
وفيه وَجْه آخَر: ليس عَليك أن تُلْجِئهم إلى الاهْتِدَاء بِوَاسِطة أن تُوقِف صَدَقَتك عَنهم على إيمانهم، فإنَّ مِثْل هَذا الإيمان لا يَنْتَفِعُون بِه، بل الإيمان الْمَطْلُوب مِنهم الإيمان على سَبيل التَّطَوُّع والاخْتِيَار (٣).
واخْتَار أنَّ "ظَاهِر قَوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) خِطَاب مَع النبي ﷺ ، ولَكِنَّ الْمُراد بِه هُو وأُمّته، ألَا تَرَاه قَال: (إِنْ تُبْدُو الصَّدَقَاتِ) [البقرة: ٢٧١]، وهَذا خِطَاب
стр. 285
عَامّ، ثم قال: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، وهُو في الظَّاهِر خَاصّ، ثم قال بَعْدَه: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) وهذا عَامَّ، فَيُفْهَم مِنْ عُمُوم مَا قَبْل الآية وعُمُوم مَا بَعْدَها عُمُومها أيضا" (١).
وَرَجَّح أنَّ "الْمَنْفِي بِقَولِه: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) هو حُصُول الاهْتِدَاء على سَبِيل الاخْتِيَار" (٢).
وصَدّر ابن جُزي تَفْسير آية "البقرة" بِقَولِه: قِيل: إنَّ الْمُسْلِمِين كَانُوا لا يَتَصَدّقون على أهْل الذِّمَّة، فَنَزَلَتْ الآية مُبِيحَة للصَّدَقَة على مَنْ لَيس عَلى دِين الإسْلام، وذلك في التَّطَوُّع، وأمَّا الزَّكَاة فلا تُدْفَع لِكَافِرٍ أصْلا. فالضَّمِير في (هُدَاهُمْ) على هَذا القَوْل للكَافِر.
وقِيل: لَيس عَليك أن تَهْدِيهم لِمَا أُمِرُوا بِه مِنْ الإنْفَاق وتَرْك الْمَنّ والأذَى والرِّيَاء والإنْفَاق مِنْ الْخَبِيث، إنّما عَليك أن تُبَلِّغهم، والْهُدَى بِيَدِ الله، فَالضَّمِير على هذا للمُسْلِمِين (٣).
وأوْرَد ابن كَثير مَا رَواه النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في سَبب النُّزُول، وأوْرَد أيضًا مَا رَوَاه ابن أبي حاتم مِنْ حَديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كَان يَأمُر بأن لا يُتَصَدّق إلَّا عَلى أهْل الإسْلام حتى نَزَلَتْ هَذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) إلى آخِرِها، فأمَرَ بالصَّدَقَة بَعْدَها عَلى كُلّ مَنْ سَألَك مِنْ كُلِّ دِين (٤).