← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٤ - ظَواهِر الآيَات تَقْتَضِي جَوَاز صَرْف الصَّدَقَات إلى الكُفَّار جُمْلَة إلَّا أن النبي ﷺ خَصّ مِنها الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة فلا تُدْفَع إليهم. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: ابْتَدَأ ابن جرير بِذِكْر مَعْنَى آيَة "البقرة"، فَقَال: يَعْنِي تَعالى ذِكْرُه بذلك: لَيس عَليك يا محمد هُدى المشركين إلى الإسلام فتمنعهم صدقة التطوع ولا تُعطيهم منها ليَدْخُلوا في الإسْلام حَاجَة مِنهم إلَيها، ولَكِنَّ الله هو يَهدي مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقِه إلى الإسْلام فيُوفِّقهم له، فلا تَمْنَعهم الصَّدَقَة. ثم روى بإسْناده إلى شُعبة قال: كَان النبي ﷺ لا يَتَصَدّق على الْمُشرِكِين، فَنَزَلَتْ: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ)، فَتَصَدَّق عليهم. وروى بإسْناده إلى ابن عباس قال: كَانُوا لا يَرْضَخُون (١) لِقَرَابَاتهم مِنْ الْمُشْرِكين فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). وروى آثارًا عن ابن عباس وغيره في هذا الْمَعْنَى (٢). وقد بيَّن السمعاني نَوع الْهِدَاية الْمَنْفِيّة هنا، فَقال: قَوله تَعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) ليس الْمُرَاد به هِدَاية الدَّعْوة فَإنّها عَليه حَتْم، وإنّمَا الْمُرَاد به هِدَاية التَّوْفِيق (٣). ثم ذَكَر ما رُوي عن سعيد بن جبير - مما تقدّم - واخْتَار أنَّ مْعَنى الآيَة "لَيْس عَليك هُدَاهُم بِأن تُلْجِئهم وتَحْمِلْهم عَلى الدُّخُول في الإسْلام (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: يُوفِّق مَنْ يَشَاء ويَخْذُل مَنْ يَشَاء" (٤).

стр. 282

وأوْرَد السمرقندي سَبَب النُّزُول، فَقال: قَوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) وذلك أنَّ النبي ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكة لِعُمْرَة القَضَاء، وخَرَجَتْ مَعه أسْمَاء بنت أبي بكر، فَجَاءتْها أمُّها وَجَدَّها أبو قُحَافة فَسألا مِنها حَاجَة، فقالت: لا أُعْطِيكُما شَيئًا حتى أسْتَأمِر رسول الله ﷺ ، فإنَّكُمَا لَسْتُمَا عَلى دِيني، فاسْتَأمَرَتْ رسول الله ﷺ فَنَزَلَتْ هذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) يَعْنِي: يُوفِّق مَنْ يَشَاء لِدِينِه (١). فإن قِيل: قَدْ قَال في آية أُخْرَى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢] وقال هاهنا: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)؟ قِيل لَه: إنّما أرَاد بِه هُناك الدَّعْوة، وهَاهنا أرَاد بِه الْهُدَى خَاصَّة، وهو التَّوْفِيق إلى الْهُدَى (٢).

стр. 283

ثم قَال تَعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) يَعْنِي مَا تُنْفِقُوا مِنْ مَالٍ فَثَوابُه لأنْفُسِكم إذا تَصَدَّقْتُم على الكُفَّار أوْ عَلى الْمُسْلِمِين. ورُوي عن عُمر بن الخطاب أنه رَأى رَجُلًا مِنْ أهْل الذِّمَّة يَسأل على أبْوَاب الْمُسْلِمِين، فَقَال: مَا أنْصَفْنَاك، أخَذْنا مِنْك الْجِزْيَة مَا دُمْتَ شَابًا ثُم ضَيَّعْنَاك بَعْد مَا كَبِرْت وَضَعُفْت، فأمَر بِأن يُجْرَى عليه قُوته مِنْ بَيْت الْمَال (١). في حين ذَكَر الزمخشري سبب النُّزُول بِصِيغَة تَمرِيض، فَقال: وقِيل: حَجَّتْ أسْمَاء بنت أبي بكر ﵄ فأتَتْهَا أُمُّها تَسْألها وهي مُشْرِكَة، فأبَتْ أن تُعْطِيها، فَنَزَلَتْ. وذَكَر الزمخشري مَا جَاء عن سعيد بن جبير. ثم قال: ورُوي أنَّ نَاسًا مِنْ المسلمين كانَت لَهم أصْهَار في اليَهُود ورضَاع، وقَد كَانوا يُنْفقُون عليهم قَبل الإسْلام فَلَمَّا أسْلَمُوا كَرِهُوا أن يُنْفِقُوهم (٢). وعن بعض العُلَمَاء: لَو كان شَرّ خَلْق الله لَكَان لك ثَوَاب نَفقَتِك (٣). وأمَّا ابن عطية فأكْثر نَقْل القرطبي الْمُتَقَدِّم عنه، إلَّا أن ابن عطية زاد بِقوله: والْهُدَى الذي لَيس على مُحمد ﷺ هو خَلْق الإيمان (٤) في قُلُوبِهم،

стр. 284

وأمَّا الْهُدى الذي هُو الدُّعَاء فَهو عَليه، وليس بِمُرَادٍ في هَذه الآيَة. ثم أخْبَر تَعالى أنه هو يَهدي مَنْ يَشَاء، أي: يُرْشده .... ثم بَيَّن تعالى أنَّ النَّفَقَة الْمُعْتَدّ بِها الْمَقْبُولة إنّما هِي مَا كَان ابْتِغَاء وَجْه الله؛ هذا أحَد التَّأويلات في قَوله تَعالى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ). وفِيه تَأويل آخَر، وهو أنّها شَهَادَة مِنْ الله تَعالى للصَّحَابة أنّهم إنّما يُنْفِقُون ابْتِغَاء وَجْه الله، فهو خَبَر مِنْه لَهُمْ فِيه تَفْصِيل، وعلى التَّأويل الآخَر هو اشْتِرَاط عَليهم، ويَتَنَاول الاشْتِراط غَيرهم مِنْ الأُمَّة (١). وقال الرازي: هذا هُو الْحُكْم الرَّابِع مِنْ أحْكَام الإنْفَاق، وهو بَيَان أنَّ الذي يَجُوز الإنْفَاق عَليه مَنْ هُو؟ ثم ذَكَر في سبب النُّزُول ثَلاث رِوايات (٢). وأشَار إلى حِرصِه ﷺ على هِدَاية النَّاس، فَقال: أنه ﷺ كَان شَدِيد الْحِرْص عَلى إيمانهم .... فأعْلَمَه الله تعالى أنه بَعثه بَشِيرًا ونَذِيرًا، ودَاعِيًا إلى الله بإذْنه وسِرَاجًا مُنِيرا، ومُبَيِّنًا للدَّلائل، فأمَّا كَونهم مُهْتَدِين فليس ذلك مِنْك ولا بِك؛ فالْهُدَى هاهنا بِمَعْنَى الاهْتِدَاء، فَسَواء اهْتَدَوا أوْ لَم يَهْتَدُوا فلا تَقْطَع مَعُونَتك وبِرَّك وصَدَقَتك عَنهم. وفيه وَجْه آخَر: ليس عَليك أن تُلْجِئهم إلى الاهْتِدَاء بِوَاسِطة أن تُوقِف صَدَقَتك عَنهم على إيمانهم، فإنَّ مِثْل هَذا الإيمان لا يَنْتَفِعُون بِه، بل الإيمان الْمَطْلُوب مِنهم الإيمان على سَبيل التَّطَوُّع والاخْتِيَار (٣). واخْتَار أنَّ "ظَاهِر قَوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) خِطَاب مَع النبي ﷺ ، ولَكِنَّ الْمُراد بِه هُو وأُمّته، ألَا تَرَاه قَال: (إِنْ تُبْدُو الصَّدَقَاتِ) [البقرة: ٢٧١]، وهَذا خِطَاب

стр. 285

عَامّ، ثم قال: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، وهُو في الظَّاهِر خَاصّ، ثم قال بَعْدَه: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) وهذا عَامَّ، فَيُفْهَم مِنْ عُمُوم مَا قَبْل الآية وعُمُوم مَا بَعْدَها عُمُومها أيضا" (١). وَرَجَّح أنَّ "الْمَنْفِي بِقَولِه: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) هو حُصُول الاهْتِدَاء على سَبِيل الاخْتِيَار" (٢). وصَدّر ابن جُزي تَفْسير آية "البقرة" بِقَولِه: قِيل: إنَّ الْمُسْلِمِين كَانُوا لا يَتَصَدّقون على أهْل الذِّمَّة، فَنَزَلَتْ الآية مُبِيحَة للصَّدَقَة على مَنْ لَيس عَلى دِين الإسْلام، وذلك في التَّطَوُّع، وأمَّا الزَّكَاة فلا تُدْفَع لِكَافِرٍ أصْلا. فالضَّمِير في (هُدَاهُمْ) على هَذا القَوْل للكَافِر. وقِيل: لَيس عَليك أن تَهْدِيهم لِمَا أُمِرُوا بِه مِنْ الإنْفَاق وتَرْك الْمَنّ والأذَى والرِّيَاء والإنْفَاق مِنْ الْخَبِيث، إنّما عَليك أن تُبَلِّغهم، والْهُدَى بِيَدِ الله، فَالضَّمِير على هذا للمُسْلِمِين (٣). وأوْرَد ابن كَثير مَا رَواه النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في سَبب النُّزُول، وأوْرَد أيضًا مَا رَوَاه ابن أبي حاتم مِنْ حَديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كَان يَأمُر بأن لا يُتَصَدّق إلَّا عَلى أهْل الإسْلام حتى نَزَلَتْ هَذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) إلى آخِرِها، فأمَرَ بالصَّدَقَة بَعْدَها عَلى كُلّ مَنْ سَألَك مِنْ كُلِّ دِين (٤).

стр. 286

وفي تَفْسير سورة الممتحنة ذَكَر حَدِيث أسْمَاء (١)، وقَد ذَكَر رِوايات للإمام أحمد ولابن جَرير، ولم يُشِر إلى تَخْريج الْحَدِيث في الصحيحين. وقال الثعالبي: وقَوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) الآية. وَرَدَتْ آثَار أنَّ النبي ﷺ مَنَعَ فُقَرَاء أهْل الذِّمَّة مِنْ الصَّدَقَة، فَنَزَلَتْ الآية مُبِيحَة لهم. قال: وذَكَر الطَّبري أنَّ مَقْصِد النبي ﷺ بِمَنْع الصَّدَقَة إنّما كَان ليسْلِمُوا لِيَدْخُلُوا في الدِّين، فَقَال الله سُبحانه: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) (٢). ثم نَقَل ما ذَكَره ابن عطية مما تَقَدَّم. واخْتَار أبو السعود أنَّ مَعْنَى قَوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي لا يَجِب عَليك أن تَجْعَلهم مَهْدِيِّين إلى الإتْيَان بِمَا أُمِرُوا بِه مِنْ الْمَحَاسِن، والانْتِهَاء عَمَّا نُهُوا عَنْه مِنْ القَبَائح الْمَعْدُودَة، وإنّما الوَاجِب عَليك الإرْشَاد إلى الْخَير والْحَثّ عليه، والنَّهْي عن الشَّرّ والرَّدْع عَنه بِمَا أُوحِي إليك مِنْ الآيَات والذِّكْر الْحَكِيم (٣). ونَقَل القاسمي عن أبي السّعود قَوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ): والْجُمْلَة مُعْتَرِضَة جِيء بِها عَلى تَلْوين الْخِطَاب وتَوْجِيهه إلى رَسول الله ﷺ مَع الالْتِفَات (٤) إلى الغَيْبَة فِيمَا بَيْن الْخِطَابَات الْمُتَعَلِّقَة بِالْمُكَلَّفِين مُبَالَغَة في حَمْلِهم على الامْتِثَال، فَإنَّ

стр. 287

الإخْبَار بِعَدَم وُجُوب تَدَارُك أمْرِهم على النبي ﷺ مُؤذِن بِوُجُوبِه عليهم حَسْبَما يَنْطِق بِه مَا بَعْدَه مِنْ الشَّرْطِيَّة (١). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَات، إذْ أنّ آية "البقرة" في عُمُوم الصَّدَقَات، وجَوَازِها على الكُفَّار، ويُسْتَثْنَى مِنْ ذَلك الزَّكَاة الوَاجِبة، لِمَا جَاء في السُّنَّة. وآية "الممتحنة" في جَوَاز صِلَة وبِرّ مَنْ لَم يَكن مُحَارِبا مِنْ الكُفَّار، ومَن لم يَكُنْ مُعَادِيا، وصِلَته أيضًا لا تَكون مِنْ الزَّكَاة الوَاجِبَة. وهذا يَكَاد يَكون إجْمَاعا، ومِمَّن حَكَى الإجْمَاع ابن عبد البر، حَيث قَال: ولَم يَخْتَلِف العُلَماء في الصَّدَقة التَّطَوُّع أنّها جَائزة مِنْ الْمُسْلِم على الْمُشْرِك قَرِيبًا كَان أوْ غَيره … وإنّمَا اخْتَلَفُوا في كَفَّارَة الأيْمَان وزكاة الفِطْر؛ فَجُمْهور العُلَماء على انه لا تَجُوز لِغير الْمُسْلِمِين، لقَوله ﷺ : أُمِرْتُ أن آخذ الصدقة مِنْ أغنيائكم وأرُدّها على فُقَرائكم. وكَذلك كُل مَا يَجِب أن يُؤخَذ منهم فَواجِب أن يُرَدّ على فُقَرَائهم. وأجْمَعُوا أنَّ الزَّكاة الْمَفْرُوضَة لا تَحِلّ لِغَير الْمُسْلِمين، فَسَائر مَا يَجِب أدَاؤه عَليهم مِنْ زَكاة الفِطْر وكَفَّارَة الأيْمَان والظِّهار، فَقِياس على الزَّكاة عِندنا، وأمَّا التَّطَوع بالصَّدَقَة فَجَائز على أهْل الكُفْر مِنْ القَرَابات وغَيرهم، لا أعْلم في ذَلك خِلافًا. والله أعلم (٢). والقرطبي جَمَع بين الآيَات بِما جَاء في السُّنّة. وفَاتَ القرطبي الاسْتِدْلال بِمَا جَاء في الصحيحين (٣) أنَّ عُمر بن الخطاب رَأى حُلّة سِيَرَاء عِند بَاب الْمَسْجِد، فَقَال: يا رسول الله لو اشْتَرَيْت هَذه فَلَبِسْتَها يَوْم الْجُمُعَة

стр. 288

وللوَفْد إذا قَدِمُوا عَليك، فقال رسول الله ﷺ : إنّما يَلْبَس هَذه مَنْ لا خَلاق لَه في الآخِرَة، ثم جَاءت رسول الله ﷺ مِنْها حُلَل فَأعْطَى عُمر بن الخطاب ﵁ مِنها حُلّة، فقال عُمر: يا رسول الله كَسَوْتَنِيها وقَد قُلْتَ في حُلّة عَطَارِد مَا قُلْت؟ قال رسول الله ﷺ : إني لَم أكْسُكَها لِتَلْبَسها، فَكَسَاها عُمر بن الخطاب ﵁ أَخًا لَه بِمَكَّة مُشْرِكًا. المثال الرابع: الدِّين هو الإسلام: قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: ١٩]، مع قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: ٨٥]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى يُفْهَم مِنها أنَّ الدِّين الْمَقْبُول هو الذي بَعث الله به رُسُلَه وهُو الإسْلام، بَيْنَما الآيَة الثَّانية يُفْهَم مِنها أنه لا يُقْبَل إلَّا دِين الإسْلام الذي جَاء به مُحمد ﷺ ، بِدَلالَة سِيَاق الآيَات. جَمع القرطبي: قال القرطبي في الْمَوضِع الأَوَّل: الدِّين في هذه الآيَة الطَّاعَة والْمِلّة، والإسْلام بِمَعْنَى الإيمان والطَّاعَات، قاله أبو العالية، وعليه جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِين.

стр. 289

والأصْل في مُسَمَّى الإيمان والإسْلام التَّغَايُر لِحَدِيث جِبْرِيل (١)، وقد يَكُون بِمَعْنَى الْمُرَادَفَة، فيُسَمّى كُلّ واحِد مِنهما باسْمِ الآخَر، كَمَا في حَديث وَفْدِ عَبد القَيس (٢)، وأنَّه أمَرَهم بالإيمان بِالله وَحْدَه، وقَال: هَلْ تَدْرُون مَا الإيمان؟ قَالوا: الله ورَسوله أعْلم قال: شَهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رَسول الله، وإقَام الصَّلاة، وإيتَاء الزَّكاة، وصَوْم رَمَضَان، وأن تُؤَدُّوا خُمْسًا مِنْ الْمَغْنَم … الْحَديث. وكذلك قَوله ﷺ : الإيمان بِضْع وسَبْعُون بَابًا، فأدْنَاها إمَاطَة الأذَى، وأرْفَعها قَول لا إله إلا الله. أخْرَجَه الترمذي (٣)، وزاد مسلم (٤): والْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الإيمان. ويَكُون أيضًا بِمَعْنَى التَّدَاخُل، وهو أن يُطْلَق أحَدُهما ويُرَاد به مُسَمَّاه في الأصْل ومُسَمَّى الآخَر كَمَا في هذه الآية (٥)، إذ قد دَخَلَ فيها التَّصْدِيق والأعْمَال.

стр. 290

ومِنه قَوله ﵇: الإيمان مَعْرِفَة بِالقَلْب، وقَوْل بِاللسَان، وعَمَل بِالأرْكَان. أخْرَجَه ابن مَاجه (١). والْحَقِيقَة هُو الأوَّل وَضْعًا وشَرْعًا، ومَا عَدَاه مِنْ بَاب التَّوسُّع. والله أعلم (٢). وأمَّا في تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ): فَاقتَصَر على ذِكْر سَبَب النُّزُول، فَنَقَل عَنْ مجاهد والسّدي: نَزَلَتْ هذه الآيَة في الْحَارِث بن سُويد أخو الْجُلاس بن سُويد، وكان مِنْ الأنْصَار، ارْتَدَّ عن الإسْلام هو واثْنا عَشَر معه ولَحِقُوا بِمَكَّة كُفَّارًا، فَنَزَلَتْ هذه الآيَة، ثم أرْسَل إلى أَخِيه يَطْلُب التَّوْبَة. ونَقَل عن ابن عباس قوله في الْحَارِث: وأسْلم بَعْد نُزُول الآيَات (٣). وأشَار إلى أنَّ هَذه الآية نَاسِخَة لِقَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا) [البقرة: ٦٢] الآيَة. مَنْسُوخ بِقَولِه تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية. وقَال غيره: لَيْسَت بِمَنْسُوخَة، وهي فِيمَن ثَبَت على إيمانه مِنْ الْمؤمِنين بِالنَّبِيّ ﵇ (٤). ملخص جواب القرطبي: ١ - الدِّين في الآيَة الأُولى الطَّاعة والْمِلّة، والإسْلام بِمعناه العَامّ، وهو دِين الرُّسُل.

стр. 291

٢ - أشَار إلى أنَّ مَعْنَى الإسْلام في الآيَة الثَّانِية هو الْمَعْنَى الْخَاصّ، وهو مَا بَعَث الله به نَبِيَّه مُحَمَّدًا ﷺ ، وذلك بإيْرَاد سبَبَ النُّزُول. ٣ - أنَّ الآيَة الثَّانِية نَاسِخَة لِما جَاء في قَبُول الأدْيان إلَّا لِمَنْ آمَن بالنبي ﷺ . مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: ابْتَدَأ ابنُ جرير تَفْسِير قَوله تَعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) بِبَيَان مَعْنَى الدِّين في هذا الْمَوْضِع، وأنّه الطَّاعة والذِّلَّة (١). قال: وكَذلك الإسْلام، وهو الانْقِيَاد بِالتَّذَلُّل والْخُشُوع، والفِعْل مِنه: أسْلَم، بِمَعْنَى دَخَل في السِّلْم، كَمَا يُقَال: أقْحَط القَوم إذا دَخَلُوا في القَحْط، وأرْبَعُوا إذا دَخَلُوا في الرَّبِيع، فَكذلك أسْلَمُوا إذا دَخَلُوا في السِّلْم، وهو الانْقِيَاد بِالْخُضُوع وتَرْك الْمُمَانَعة، فإذا كان ذلك كَذلك فَتَأوِيل قَوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) بِبَيَان مَعْنَى الدِّين في هذا الْمَوْضِع، وأنّه الطَّاعة لله - التي هي الطَّاعَة عِنْدَه - الطَّاعَة لَه، وإقْرَار الألْسُن والقُلُوب لَه بِالعُبُودِيَّة والذِّلَّة، وانْقِيَادها لَه بِالطَّاعَة فيما أمَرَ ونَهَى، وتَذَلُّلها لَه بِذلك مِنْ غَير اسْتِكْبَار عَليه، ولا انْحِرَاف عَنه، دُون إشْرَاك غَيره مِنْ خَلْقِه مَعَه في العُبُودِيَّة والأُلُوهِيَّة (٢). ثم روى ابن جرير بأسَانِيدِه مَنْ قَال بذلك. وروى عن ابن جُريج قَوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) [آل عمران: ٧٠] أن الدِّين عِند الله الإسْلام لَيس لله دِين غَيره (٣).

стр. 292

وفي تَفسير قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) قال: يَعْنِي بِذلك جَلّ ثَناؤه: ومَن يَطْلُب دِينًا غير دِين الإسْلام ليَدِين بِه فَلَنْ يَقْبَل اللهُ مِنه … وذُكِرَ أنَّ أهْل كُلّ مِلَّة ادَّعَوا أنّهم هم الْمُسْلِمُون لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة، فَأمَرَهم الله بِالْحَجّ إن كَانوا صَادِقِين؛ لأنَّ مِنْ سُنَّة الإسْلام الْحَجّ، فَامْتَنَعُوا، فأدْحَض الله بذلك حُجَّتَهم (١). ثم ذَكَر مَنْ قَال بذلك، وذَكَر مَا قِيل سَبب نُزُول هذه الآية. وبيَّن السمرقندي أنَّ مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) أنَّ الدِّين الْمَرْضِيّ عنْد الله الإسْلام (٢). وذَكَر سَبَب النُّزُول، ونَقَل عن الضَّحَّاك قَوله: يَعْنِي: لا يَقْبَل الله مِنْ جَميع الْخَلْق مِنْ أهْل الأدْيان دِينا غير الإسْلام، ومَن تَدَيّن بِدِين غَير الإسْلام فَلن يُقْبَل مِنه (٣). وقال السمعاني: وحُقّ لِمن يَبْتَغِي غَير دِين الإسْلام أن يُصْبِح غَدًا مِنْ الخاسرين (٤) وكذلك ذَكَر الثعلبي سَبَب النُّزُول (٥)، وذَكَر مَعْنَى الدِّين، وأنه الطَّاعَة والْمِلّة. ونَقَل عن قَتادة قولَه في قولِه تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ). قال: شَهادَة أن لا إله إلَّا الله، والإقْرَار بِأنّها مِنْ عِند الله، وهو دِين الله الذي شَرَع لِنَفْسِه، وبَعَث بِه رُسُلَه، ودَلّ عَليه أوْلَياءَه، ولا يَقْبَل غَيره، ولا جَزى إلَّا بِهِ (٦).

стр. 293

وفي قَوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) أشَار الزمخشري إلى صِلَة هَذه الآيَة بِمَا قَبْلَها، وأنَّ التَّأكِيد بـ (إنَّ) في أوَّل هَذه الآيَة مُؤكِّد للجُمْلَة الأُولى، "آذَنَ أنَّ الإسْلام هو العَدل والتَّوحِيد (١)، وهو الدِّين عِند الله، ومَا عَدَاه فليس عِنده في شَيء مِنْ الدِّين" (٢). وفي قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) قال: يَعني: التَّوْحِيد وإسْلام الوَجْه لله تَعالى (٣). وبيَّن ابن عَطية مَعْنَى الدِّين في الآيَة، فَقَال: الدِّين في هذه الآية الطَّاعَة والْمِلَّة، والْمَعْنَى: أنَّ الدِّين الْمَقْبُول، أوْ النَّافِع، أوْ الْمُقَرَّر. والإسْلام في هذه الآيَة هو الإيمان والطَّاعَة. قَاله أبو العالية، وعليه جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِين، وعَبّر عنه قتادة ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان. قال أبو محمد ﵀: ومُرَادُهما أنه مَع الأعْمَال (٤).

стр. 294

وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: ٣] قال: والإسْلام في هذه الآيَة هو الذي في قَوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، هو الذي تَفَسَّر في سُؤال جِبريل النبيَّ ﷺ ، وهو الإيمان والأعْمال والشُّعَب (١). وقال في تَفْسِير سُورة الحجرات: والإسْلام يُقال بِمَعْنَيين: أحَدُهما: الدِّين يَعُمّ الإيمان والأعْمَال، وهو الذي في قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) والْمَعْنى الثَّاني لِلَفْظ الإسْلام: هو الاسْتِسْلام والإظْهَار الذي يُسْتَعْصَم به ويَحْقِن الدَّم، وهذا هو الإسْلام في قَوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) [الحجرات: ١٤] (٢). ثم ذَكَر ابن عطية سَبَب النُّزُول، وأشَار إلى النَّسْخ (٣). وقد نَفَى الرازي التَّغَاير بَين الإيمان والإسْلام، فَقال: فالإسْلام مَعْنَاه إخْلاص الدِّين والعَقِيدة لله تعالى، هَذا ما يَتَعَلق بِتَفْسِير لَفْظ الإسْلام في أصْل اللغة، أمَّا في عُرْف الشَّرع فالإسْلام هو الإيمان، والدليل عليه وجهان: الأول: هَذه الآية، فإنَّ قَوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) يَقْتَضِي أن يَكُون الدِّين الْمَقْبُول عند الله ليس إلَّا الإسْلام، فلو كان الإيمان غير الإسلام وَجَبَ ألا يَكُون الإيمان دِينًا مَقْبُولًا عند الله، ولا شَك في أنه بَاطِل. الثاني: قَوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) فَلو كان الإيمان غَير الإسْلام لَوَجَبَ ألا يَكُون الإيمان دينا مَقْبُولًا عند الله تعالى (٤).

стр. 295

وقَال في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ): بَيَّن في هَذه الآيَة أنَّ الدِّين لَيس إلَّا الإسْلام، وأنَّ كُل دِين سِوى الإسْلام غَير مَقْبُول عِنْد الله؛ لأنَّ القَبُول للعَمَل هو أن يَرْضَى الله ذلك العَمَل، ويَرْضَى عَنْ فَاعِلِه، ويُثِيبه عَليه (١). وفي قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) قال ابنُ كَثير: إخْبَارٌ مِنه تَعالى بأنّه لا دِين عِنده يَقْبَله مِنْ أحَدٍ سِوى الإسْلام، وهو اتِّبَاع الرُّسُل فِيمَا بَعَثَهم الله بِه في كُلّ حِين حَتى خُتِمُوا بمحمد ﷺ الذي سَدّ جَمِيع الطُّرُق إليه إلَّا مِنْ جِهَة محمد ﷺ ، فمن لَقِيَ الله بَعْد بِعْثَة محمد ﷺ بِدِين على غَير شَرِيعَتِه فَلَيس بِمُتَقَبَّل، كَمَا قَال تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية. وقَال في هَذه الآية مُخْبِرًا بانْحِصَار الدِّين الْمُتَقَبّل مِنه عِنده في الإسْلام: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (٢). وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) قال: يَقول تعالى مُنْكِرًا على مَنْ أرَاد دِينًا سِوى دِين الله الذي أنْزَل به كُتُبه، وأرْسَل به رُسُله؛ وهو عِبادَة الله وحْده لا شَريك له، الذي له أسْلَم مَنْ في السَّمَاوات والأرْض، أي: اسْتَسْلَم له مَنْ فِيهمَا طَوْعا وكَرْها … فالْمُؤمِن مُسْتَسْلِم بِقَلْبِه وقَالَبِه لله، والكَافِر مُسْتَسْلِم لله كَرْها، فإنه تَحْت التَّسْخِير والقَهْر والسُّلْطَان العَظِيم الذي لا يُخَالَف ولا يُمَانَع (٣). وقال الثعالبي: ثم حَكَمَ تعالى في قَوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا) الآية. بأنّه لا يَقْبَل مِنْ آدَمي دِينا غَير دِين الإسْلام، وهو الذي وَافَق في مُعْتَقَدَاته دِين كُلّ مَنْ سَمَّى مَنْ الأنْبِيَاء ﵈، وهو الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة (٤).

стр. 296

ثم ذَكَرَ سَبب النّزول عازيًا إيَّاه إلى بَعض الْمُفَسِّرِين. واخْتَار القاسمي أنَّ جُمْلَة (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) مُؤكِّدَة للأوْلى، ومَعْنَاها عِنْده - كَمَا عند أبي السعود -: أي: لا دِين مَرْضِيًّا لله سِوى الإسْلام، الذي هو التَّوحِيد، والتَّدَرُّع بالشَّرِيعَة الشَّرِيفَة. قال: وفي الآيَة الأُخْرى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا) (١). وقال في تَفْسِيرها: (وَمَنْ يَبْتَغِ) أي: يَطْلُب (غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا) أي: غَير التَّوحِيد والانْقِياد لِحُكْم الله تَعالى، كَدَأب الْمُشْرِكِين صَرِيحًا (٢)، والْمُدَّعِين للتَّوحِيد مَع إشْرَاكِهم، كأهْل الكِتَابَيْن (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)؛ لأنه لم يَنْقَد لأمْرِ الله (٣). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، فالإسْلام يُطلَق على مَعْنَيَيْن: أحَدهما: مَعْنَاه العَامّ، ويُطلَق على الدِّين الْمُتَقَبَّل عِند الله، وهو الذي بَعَث الله بِه رُسُلَه، "وقَد دَلّ قَوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) على أنه دِين جَمِيع أنْبِيَائه ورُسُلِه وأتْبَاعِهم مِنْ أوَّلِهم إلى آخِرِهم، وأنّه لم يَكُنْ لله قَطّ ولا يَكُون له دِين سِواه" (٤).

стр. 297

والثاني: يُطلَق ويُرَاد بِه الدِّين الْخَاتَم، الذي بَعَث الله به محمدًا ﷺ ، وهو الذي نُسِخَتْ به الأدْيان والشَّرَائع السَّابِقَة، فلا يَقْبَل اللهُ غَيره بَعد بِعْثَة محمد ﷺ . وأمَّا نَفْي التَّغَايُر بَيْن الإسْلَام والإيمان الذي ادَّعاه الرازي، فهو مُتَعَقّب بأنَّ التَّفْرِيق بَيْنَهما جَاء في نُصُوص الوَحْيَيْن، مِنْ ذلك قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وقَوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) [الحجرات: ١٤]، ومِن السُّنّة: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه: أنَّ رَسول الله ﷺ أعْطَى رَهْطًا وسَعْدٌ جَالِس، فَتَرَك رَسول الله ﷺ رَجُلًا هو أعْجُبُهم إليّ، فقلت: يا رسول الله مَالَكَ عن فلان؟ فوالله إني لأَرَاه مُؤمِنا. فقال: أوْ مُسْلِمًا؟ فَسَكَت قليلًا، ثم غَلَبني ما أعلم منه فَعُدْتُ لمقالتي، فقلت: مَالَكَ عن فلان؟ فَوالله إني لأَرَاه مُؤمِنا. فَقَال: أوْ مُسْلِمًا؟ .... الحديث (١). المثال الخامس: الاقْتِرَاع عَلى كَفَالَة مَرْيم: قَوله تعالى: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) [آل عمران: ٣٧]، مَع قَوله تَعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران: ٤٤].

стр. 298

صورة التعارض: الآيَة الأُولى يُفهَم مِنها أنَّ الله كَفَّل زَكَريا بِمريم، والثَّانِية يُفْهَم مِنْها أنّهم عَمِلُوا بالقُرْعَة في كَفَالَة مَرْيم. جمع القرطبي: ذَكَر القرطبي الْمَعْنَى أوَّلًا، فَقَال: أي: ومَا كُنْتَ يَا محمد لَدَيهم، أي: بِحَضْرَتِهم وعِنْدَهم. (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) جَمْع قَلَم. وقِيل: قِدَاحهم وسِهَامهم. وقِيل: أقْلامهم التي كَانوا يَكْتُبُون بها التَّوْرَاة، وهُو أَجْوَد، لأنَّ الأزْلام قد نَهَى الله عنها. إلَّا أنه يَجُوز أن يَكُونُوا فَعَلُوا ذلك على غَير الْجِهَة التي كانت عليها الجاهلية تَفْعَلها. (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي يَحْضنها، فقال زَكَرِيّا: أنا أحَقّ بِهَا، خَالَتها عِنْدي. وقال بَنو إسْرائيل: نَحْن أحَقّ بِها، بِنْت عَالِمِنا، فاقْتَرَعُوا عَليها، وجَاء كُلّ واحِد بِقَلَمِه، واتَّفَقُوا أن يَجْعَلُوا الأقْلام في الْمَاء الْجَارِي، فَمَنْ وَقَفَ قَلَمُه ولَم يُجْرِه الْمَاء فهو حَاضِنُها. قال النبي ﷺ : فَجَرَتِ الأقلام وعَالَ قَلَمُ زكريا (١). وكَانَت آيَة له لأنّه نَبِيّ تَجْرِي الآيَات عَلى يَدَيه. وقِيل غَير هَذا. ونَقَل القرطبي عن أبي عبيد قَوله: وقَد عَمِلَ بالقُرْعَة ثَلاثَة مِنْ الأنْبِيَاء: يُونُس وزَكَرِيّا ونَبِيّنا محمد ﷺ . كما نَقَل عن ابن المنذر قَوله: واسْتِعْمَال القُرْعَة كَالإجْمَاع مِنْ أهْل العِلْم فِيمَا يُقْسَم بَيْن الشُّرَكَاء، فلا مَعْنَى لِقَول مَنْ رَدَّها.

стр. 299

ثم أوْرَد مِنْ الأحَادِيث الْمَرْفُوعَة مَا يَدلّ على مَشْرُوعِيَّة القُرْعَة (١). وفي قَوله تعالى: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) قال: أي ضَمّها إليه. أبو عبيدة: ضَمِنَ القِيَام بِهَا. والتَّقْدِير: وكَفّلها رَبُّها زَكَرِيَّا، أي ألْزَمَه كَفَالَتها، وقَدَّر ذَلك عَليه ويَسَّرَه لَه (٢). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - ذَكَرَ الْمَقْصُود بالأقْلام، ورَجَّح أنّها أقْلامهم التي كَانوا يَكْتُبُون بِها التَّورَاة. ٢ - مَعْنَى الكَفَالَة، وأنّها الْحَضَانَة. ٣ - اقْتَرَعُوا، أيّهم يَكفُل مَريم، وكَانَت الكَفَالة مِنْ نَصِيب زَكَرِيّا ﵊. ٤ - أن كَفَالة زَكَرِيا لِمَرْيم كَانَتْ بعد إلْقَاء الأقْلام. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: أشَار ابن جرير الطَّبري إلى مَا لَم يُشِر إليه القرطبي مِنْ حَيث مَعْنَى (أَقْلَامَهُمْ)، فَرَوى عن الرَّبِيع قَوله: ألْقَوا أقْلامهم، يَقول: عِصِيَّهم (٣). كما ذَكَر ابن جرير قَوْلًا آخَر في كَفَالَة مَريم، وأنّها كَانَتْ بِغَير اسْتِهام ولا اقْتِراع بَادِئ الأمْر، ومُلَخَّص القَوْل: كَان زَكَرِيّا بَعْد وِلادَة حَنّة ابْنَتها مَرْيم كَفَلها بِغَير اقْتِراع ولا اسْتِهَام عَليها، ولا مُنَازَعَة أحَدٍ إياه فِيها، وإنّما كَفَلها لأنَّ أُمّها مَاتت بَعْد مَوْت أبِيها وهي طِفْلَة، وعِنْد زَكَرِيّا خَالَتها.

стр. 300

ونَقَل عن أصْحَاب هَذا القَوْل أنَّ "الاقْتِراع فِيها بالأقْلام إنّما كَان بَعْد ذَلك بِمُدَّة طَوِيلَة؛ لِشِدَّة أصَابَتْهم، ضَعُفَ زَكَرِيّا عَنْ حَمْل مُؤنَتِها، فَتَدَافَعُوا حَمْل مُؤْنَتِها، لا رَغْبَة مِنهم، ولا تَنافُسًا عَليها وعَلى احْتِمَال مُؤْنَتِها" (١). ورَجَّح القَوْل الأوَّل بِقَوله: غير أنَّ القَوْل مُتَظَاهِر مِنْ أهْل التَّأْوِيل بالقَول الأوَّل، أنَّ اسْتِهَام القَوْم فِيها كَان قَبْل كَفَالَة زَكَرِيّا إيّاها، وأنَّ زَكَرِيا إنّما كَفَلَها بإخْرَاج سَهْمه منها فالِجًا عَلى سِهَام خُصُومه فِيها (٢). وذَكَر ابنُ جَرير في الْمَوْضِعِ الثَّاني عَنْ قَتَادة أنَّ بَني إسرائيل تَشَاحُّوا (٣) عَلى مَريم، فاقْتَرَعُوا فِيها بِسِهَامِهِم أيّهم يَكْفُلها، فَقَرَعَهم زَكَرِيّا فَكَفَلها (٤). وذَكَر السمرقندي سَبَب ذَلك التَّشَاحّ في حِين كَان زَكَرِيّا أحَقّ بِكَفَالَتِها؛ لأنَّ خَالَتَها عِنْده؛ فقال: إنَّ حَنّة لَفُّتْها في خِرَق ثم وَضَعَتْها في بَيْت الْمَقْدِس عِند الْمِحْرَاب، واجْتَمَعَتِ القُرَّاء - أي الزُّهَّاد - فَقَال زَكَرِيَّا: أنَا أحَقّ بِهَا لأنَّ خَالَتَها عِنْدي، فَقَال القُرَّاء: إنَّ هَذِه مُحَرَّرَة، فلو تُرِكَتْ لِخَالَتِها لَكَانَت أمّها أحَقّ بِها، ولَكِن نَتَسَاهَم (٥). أما السمعاني فَقد ذَكَر سَبَبْ اخْتِصَاص زَكَرِيّا بِكَفَالَة مَرْيم، فَقَال: ومِن الأسْبَاب التي خُصّ بِهَا زَكَرِيّا بِكَفَالَة مَرْيم أنَّ خَالَتَها كَانت تحته، وهي أخْت حَنَّة امْرأة عِمران (٦).

стр. 301

ورَجَّح أنَّ الْمَقْصُود بِالسِّهَام هي الأقْلام، فَقَال: فالأقْلام السِّهَام، وإنّما سُمِّي قَلَمًا لأنه يُقْطَع ويُبْرَى، وأصْل القَلْم القَطْع، ومِنه قَلْم الظِّفر (١). وذَكَر الثعلبي ما ذكره قبله السمرقندي مِنْ تشاحّ بني إسرائيل على كفالة مريم، وزاد أنهم كانوا تسعة وعشرين رجلًا (٢). وقال في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ): في كَفَالَتِها (٣). واقْتَصَر الزمخشري على بَيَان الْمَعْنَى في كِلْتَا الآيَتَين (٤). ونَقَل ابن عطية عن قتادة وغَير واحِد مِنْ أهْل العِلْم: أنهم كَانُوا في ذَلك الزَّمَان يَتَشَاحّون في الْمُحَرَّر عِند مَنْ يَكُون مِنْ القَائِمِين بأمْرِ الْمَسْجِد، فَيَتَسَاهَمُون عَليه، وأنهم فَعلوا في مَريم ذلك. فَرُوي أنّهم ألْقَوا أقْلامَهم التي كَانُوا يَكْتُبُون بِها التَّوْرَاة في النَّهْر. وقيل: أقْلامًا بَرَوهَا مِنْ عُود كالسِّهام والقِدَاح. وقيل: عِصِيًّا لهم، وهَذه كُلا تُقْلم (٥). ثم أشَار إلى ما ذَكَره ابن جرير عن ابن إسْحَاق مِنْ الاسْتِهَام، وفَرَّق بيْن الاسْتَهامِين بِقَولِه: وهذا الاسْتِهَام غَير الأوَّل، هَذا الْمُرَاد مِنه دَفْعها، والأوَّل الْمُرَاد مِنْه أخْذها، ومُضُمَّن هَذه الرِّوَاية أن زَكَرِيّا كَفَلها مِنْ لَدُن طُفُولَتِها دُون اسْتِهَام، لَكِن أمّها هَلَكَت، وقَد كَان أبُوها هَلَك وهي في بَطْن أمّها، فَضَمّها زَكَرِيا إلى نَفْسِه لِقَرَابَتِها

стр. 302

مِنْ امْرَأته، وهَكذا قال ابن إسحاق، والذي عليه النَّاس أنَّ زَكَرِيّا إنّما كَفَل بالاسْتِهَام لِتَشَاحّهم حِينَئذٍ فِيمن يَكْفُل الْمُحَرَّر (١). وقال في قَوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ): وجُمْهُور العُلَمَاء عَلى أنه اسْتِهام لأخْذِها والْمُنَافَسَة فِيها. وقال ابن إسحاق: إنّما كَان اسْتِهَامهم حِين نَالَتْهم الْمَجَاعَة دَفْعًا مِنها (٢) لِتَحَمّل مَؤونَتِها. و (يَخْتَصِمُونَ) مَعْنَاه: يَتَرَاجَعُون القَوْل الْجَهِير في أمْرِها. وفي هَذه الآيَة اسْتِعْمَال القُرْعَة، والقُرْعَة سُنّة (٣). وذَكَر الرَّازِي في الآيَة مَسَائل، مِنْها: الْمُرَاد بالأقْلام، وأنّها التي كَانُوا يَكْتُبُون بِها التَّوْرَاة، وعَزَا هَذا القَوْل إلى الأكْثَرِين. وبَيَّن أنَّ "ظَاهِر الآيَة يَدُلّ على أنّهم كَانُوا يُلْقُون أقْلامَهم في شَيء عَلى وَجْه يَظْهَر بِه امْتِيَاز بَعْضِهم عن البَعْض في اسْتِحْقَاق ذَلك الْمَطْلُوب، وإنّمَا (٤) ليس فِيه دَلالة عَلى كَيفِيَّة ذَلك الإلْقَاء، إلَّا أنّه رُوي في الْخَبَر أنّهم كَانُوا يُلْقُونَها في الْمَاء". وذَكَر الرَّازي سَبَب الاخْتِصَام، فَقَال: اخْتَلَفُوا في السَّبَب الذي لأجْلِه رَغِبُوا في كَفَالَتِها حَتى أدَّتْهُم تِلك الرَّغْبَة إلى الْمُنَازَعَة. فقال بعضهم: إنَّ عِمران أبَاها كَان رَئيسًا لَهم ومُقَدَّما عَليهم، فلأجْل حَقِّ أبِيها رَغِبُوا في كَفَالَتِها. وقال بَعْضُهم: إنَّ أمَّها حَرَّرَتْها لِعِبَادَة الله تَعالى ولِخِدْمَة بَيْت الله تَعالى، ولأجْل ذَلك حَرصُوا على التَّكَفُّل بِها.

стр. 303

وقَال آخَرُون: بل لأنَّ في الكُتُب الإلَهِيَّة كان بَيَان أمْرِها وأمْر عِيسى ﵇ حَاصِلًا، فَتَقَرَّبُوا لِهَذا السَّبَب حتى اخْتَصَمُوا. كما ذَكَر الْخِلاف في "أولئك الْمُخْتَصِمِين مَنْ كانُوا؟ " (١) وعَرّف الكَافِل "بأنّه الذي يُنْفِق على إنْسَان ويَهْتَمّ بإصْلاح مَصَالِحِه" (٢). وأوْرَد الْخِلاف حَول "كَفَالَة زَكَرِيَّا ﵇ إيّاها، مَتى كَانت؟ فقال الأكْثَرُون: كَان ذلك حَال طُفُولِيَّتِها، وبِه جَاءَت الرِّوَايَات. وقَال بَعْضهم: بل إنّما كَفَلَها بَعد أن فُطِمَتْ" (٣). ومِمن ذَكَر الْمُرَاد بالأقْلام: ابن جُزيّ، فَقَال: (أَقْلَامَهُمْ): أي أزْلامَهم، وهي قِدَاحُهم. وقِيل: الأقْلام التي كانوا يَكْتُبُون بِها التَّوْرَاة، اقْتَرَعُوا بِها على كَفَالَة مَريم حِرْصًا عَليها، وتَنَافُسًا في كَفَالَتها. وتَدُلّ الآيَة على جَوَاز القُرْعَة، وقد ثَبَتَت أيضًا مِنْ السُّنَّة (٤). وقال في قَوله تَعالى: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا): أي ضَمّها إلى إنْفَاقِه وحَضَانَته، والكَافِل هُو الْحَاضِن، وكَان زَكَرِيا زَوْج خَالَتِها (٥). ونَسَب ابن كَثير القَول باليُتْم إلى ابن إسحاق، ونَسَب قَوله إلى غَيره! فَقال: جَعَله كَافِلًا لَها. قال ابن إسحاق: ومَا ذَلك إلَّا أنّها كَانت يَتِيمَة. وذَكَر غَيره أنَّ بَنِي إسْرَائيل أصَابَتْهُم سَنَة جَدْب، فَكَفَل زَكَرِيّا مَرْيم لِذلك. ولا مُنَافَاة بَيْن القَوْلَين (٦).

стр. 304

وهذا خِلاف مَا رَواه ابن جَرير عن ابن إسحاق، وما ذَكَره غَير واحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِين عَنه، ولَعَلَّه وَهْم. وحَكَى الثعالبي عن الْجُمْهُور أنَّ الاسْتِهَام للمُنَافَسَة، فَقَال: وقَوله تَعالى: (يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) الآيَة. جُمْهُور العُلَمَاء على أنه اسْتِهَام لأخْذِها والْمُنَافَسَة فيها (١). وصَدّر القاسمي قَوله بِصِيغَة تَمْرِيض، فَقَال: رُوي أنَّ أمّها أخَذَتْها وحَمَلَتْها إلى الْمَسْجِد، ووَضَعَتْها عِند الأحْبَار، وقَالَت: دُونَكم هَذه النَّذِيرَة، فَتَنَافَسُوا فِيها إذ كَانت بِنْت إمَامِهم، وصَاحِب قُرْبَانِهم، وأحَبّ كُلُّ أن يَحْظَى بِتَرْبِيَتِها، فَقَال لَهم زَكَرِيّا: أنَا أحَقّ بِها، عِندي خَالَتها، فأبَوا إلَّا القُرْعَة (٢). وقال في الْمَوْضِع الثَّاني: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) بِسَبَبِهَا تَنَافُسًا في كَفَالَتها (٣). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، فالآيَة الأُولى في نَسَق سِياقها تُفِيد أنَّ امْرَأة عِمران نَذَرَتْ مَا في بَطْنِها مُحَرَّرًا للكَنِيسَة، وابْتَهَلَت إلى الله أن يَتَقَبَّل مِنها، فَلَمَّا وَضَعَتْها أعَاذَتْها مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم، فتَقَبَّلها رَبُّها بِقَبُول حَسَن، وأنْبَتَها نَبَاتًا حَسَنًا، وكَفَّلَها زَكَرِيّا. ثم جَاء سِيَاق الآيَات والْتِفَاتِ الْخِطَاب لِنَبِيِّنَا محمد ﷺ بأنَّ (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) و (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)،

стр. 305

وهذا خَبَر عَمَّا مَضَى مِمَّا سَبَقَت الإشَارَة إليه في كَفَالَة زَكَرِيَّا ﵊ لِمَرْيم ﵍، فَذُكِر في آخِر السِّيَاق كَيْفِيَّة الكَفَالَة، وأُجْمِل ذلك في أوَّل الآيَات

стр. 306

المبحث الثاني: الجمع بين الآيات من خلال إيراد أقوال السلف أوْلى جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِين أقْوَال السَّلَف عِنَاية بَالِغَة في بَيَان الْمَعْنَى الْمُرَاد في كَثير مِنْ الآيَات، ذلك أنَّ أصْحَاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم - عَايَشُوا التَّنْزِيل، وكَانُوا أهْل فَصَاحَة، مع بُعْدِهم عن التَّكَلُّف "كَانُوا خَيْر هَذه الأمَّة؛ أبَرّها قُلُوبًا، وأعْمَقها عِلْما، وأقَلّها تَكَلّفًا" (١). وقد أثْنَى الله على أصحاب نَبِيِّه ﷺ ، وأثْنَى عَليهم رَسُوله ﷺ ، بل وأثْنَى على تِلك القُرُون الفَاضِلَة بِقَولِه ﵊: خَيْر النَّاس قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم (٢). فـ "إذا لم نَجِد التَّفْسِير في القُرآن ولا في السُّنَّة رَجَعْنا في ذَلك إلى أقْوَال الصَّحَابَة فإنّهم أدْرَى بِذلك لِمَا شَاهَدُوا مِنْ القَرَائن والأحْوَال التي اخْتصُّوا بِها، ولِمَا لَهم مِنْ الفَهْم التامّ، والعِلْم الصَّحِيح، والعَمَل الصَالِح، لا سِيَّمَا عُلَمَاؤهم وكُبَرَاؤهم كالأئمَة الأرْبَعة الْخُلَفَاء الرَّاشِدِين، والأئمّة الْمُهْتدِين الْمَهْدِيِّين، وعبد الله بن مسعود ﵃ (٣). ولَمَّا كَانوا كَذلك فَقد اعْتَنَى الْمُفَسِّرُون بأقْوَال الصَّحَابَة والتَّابِعِين ومَن بَعْدَهم مِنْ أئمَة التَّفْسِير. فـ "إذا لم تَجِد التَّفْسِير في القُرآن ولا في السُّنّة ولا وَجَدته عن الصَّحَابة، فَقَد رَجَع كَثِير مِنْ الأئمَة في ذَلك إلى أقْوَال التَّابِعِين، كَمُجَاهِد بن جَبْر، فإنه كان آيَة في التَّفْسِير … وكَسَعيد بن جبير، وعِكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح،

стр. 307

والحسن البصري، ومَسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومَن بَعْدَهم؛ فَتُذْكَر أقْوَالهم في الآية، فَيَقَع في عِبَارَتِهم تَبَايُن في الألْفَاظ يَحْسَبها مَنْ لا عِلْم عنده اخْتِلافًا فَيَحْكِيها أقْوَالًا، وليس كَذلك، فإنَّ مِنهم مَنْ يُعَبِّر عَنْ الشيء بِلازِمِه أو بِنَظِيرِه ومِنهم مَنْ يَنُصّ على الشَّيء بِعَيْنِه، والكُلّ بِمَعْنى واحِد في أكْثَر الأمَاكِن. فَلْيَتَفَطّن اللبِيب لِذلك. والله الْهَادي" (١). وأقْوَال الصَّحَابة ﵃ والتابعين مما يُدْفَع به التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم بَيْن الآيَات وقَد أوْلى القُرْطبي هذا الْجَانِب عِنَايَة، وكان يُورِد أقْوَال السَّلَف، ويُرَجِّح بَيْنَها. ومِن المواضِع التي بَرَزَ فيها هذا الْجَانِب في تَفْسِير القرطبي مَا يَلي: المثال الأول: توْلِيَة الوُجْه حَيث مَا كَان الْمُصَلِّي: قَوله تَعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]، مَع قَوله تَعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) [البقرة: ١٥٠]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى يُفهَم مِنها أنَّ الْمُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّه في صَلاتِه جَاز، وفي الآية الثَّانِية أنَّ على الْمُصَلِّي أن يَتَوجَّه إلى الْمَسْجِد الْحَرَام.

стр. 308

جمع القرطبي: قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في الْمَعْنَى الذي نَزَلَتْ فيه (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) على خَمْسَة أقْوَال: فَقَال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نَزَلَتْ فِيمَن صَلَّى إلى غَير القِبْلَة في لَيْلَة مُظْلِمَة. أخْرَجَه الترمذي عنه عن أبيه قال: كُنَّا مَع النبي ﷺ في سَفَر في لَيْلَة مُظْلِمَة فَلم نَدْرِ أين القِبْلَة، فَصَلَّى كُلّ رَجُل مِنّا عَلى حِيَالِه، فَلَمَّا أصْبَحْنَا ذَكَرْنا ذلك للنبي ﷺ ، فَنَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (١). وقال ابن عمر: نَزَلَتْ في الْمُسَافِر يَتَنَفَّل حَيثُمَا تَوَجَّهَتْ به رَاحِلَته. أخْرَجَه مسلم عنه (٢). قال: كَان رَسول الله ﷺ يُصَلِّي وهو مُقْبِل مِنْ مَكَّة إلى الْمَدِينَة على رَاحِلَتِه حَيْث كَان وَجْهه. قال: وفِيه نَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). ولا خِلاف (٣) بَيْن العُلَمَاء في جَوَاز النَّافِلَة على الرَّاحِلَة لِهذا الْحَدِيث ومَا كَان مِثْله، ولا يَجُوز لأحَدِ أن يَدَع القِبْلَة (٤) عامِدًا بِوَجْهٍ من الوُجُوه إلَّا في شِدَّة الْخَوْف ..... وقال قتادة: نَزَلَتْ في النَّجَاشِي، وذَلك إنه لَمَّا مَات دَعَا النبي ﷺ الْمُسْلِمِين إلى الصَّلاة عَليه خَارِج الْمَدِينَة، فَقَالُوا: كيف نُصَلِّي على رَجُل مَات

стр. 309

وهو يُصَلِّي لِغَير قِبْلَتِنا؟ وكان النَّجَاشِي مَلِك الْحَبَشَة - واسْمُه أصْحَمَة (١) - يُصَلِّي إلى بَيْت الْمَقْدِس حَتى مَات. وقد صُرِفَتِ القِبْلَة إلى الكَعْبَة، فَنَزَلَتْ الآيَة. القَول الرابع: قال ابن زيد: كَانت اليَهُود قَدْ اسْتَحْسَنَتْ صَلاة النبي ﷺ إلى بَيْت الْمَقْدِس، وقَالُوا: مَا اهْتَدَى إلَّا بِنَا، فَلَمَّا حُوِّل إلى الكَعْبَة قَالَتْ اليَهُود: مَا وَلَّاهُم عن قِبْلَتِهم التي كَانُوا عَليها؟ فَنَزَلَتْ: (وِلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ). فَوَجْهُ النَّظْم على هَذا القَوْل: أنَّ اليَهُود لَمَّا أنْكَرُوا أمْرَ القِبْلَة بَيَّن الله تعالى أنَّ له يَتَعَبّد عِبَادَه بِمَا شَاء، فإن شَاء أمَرَهم بالتَّوَجُّه إلى بَيْتِ الْمَقْدِس، وإن شَاء أمَرَهم بالتَّوَجُّه إلى الكَعْبَة فَعَل، لا حُجَّة عَليه، ولا يُسْأل عَمَّا يَفْعَل وهُم يُسألون. القَول الْخَامِس: أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة بِقَولِه: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٤٤] ذَكَرَه ابن عباس. فَكَأنه كَن يَجُوز في الابْتِدَاء أن يُصَلِّي الْمَرْء كَيف شَاء ثم نُسِخَ ذلك. وقال قتادة: النَّاسِخ قَوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٤٩] أي: تلقاءه؛ حَكاه أبو عيسى الترمذي. وقَوْل سَادِس: رُوي عن مجاهد والضحاك أنها مُحْكَمَة. الْمَعْنَى: أيْنَمَا كُنْتُم مِنْ شَرْق وغَرْب فَثَمّ وَجْه الله الذي أَمَرَنا بِاسْتِقْبَالِه، وهو الكَعْبَة (٢). وعن مجاهد أيضًا وابن جبير: لَمَّا نَزَلَتْ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] قَالُوا: إلى أيْن؟ فَنَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). وعن ابن عمر والنخعي: أيْنَمَا تُوَلُّوا في أسْفَارِكم ومُنْصَرَفَاتِكم فَثَمّ وَجْه الله.

стр. 310

وقيل: هي مُتَّصِلَة بِقَولِه تَعَالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [البقرة: ١١٤] الآية. فالْمَعْنَى: أنَّ بِلاد الله أيها الْمُؤْمِنُون تَسَعُكم فلا يَمْنَعْكم تَخْرِيب مَنْ خَرَّب مَسَاجِد الله أن تُوَلُّوا وُجُوهَكم نَحْو قِبْلَة الله أينَمَا كُنْتُم مِنْ أرْضِه. وقيل: نَزَلَتْ حين صُدّ النبي ﷺ عن البَيْت عَام الْحُدَيْبِيَة، فاغْتَمّ الْمُسْلِمُون لِذَلك. فَهَذِه عَشَرَة أقْوَال، ومَن جَعَلَها مَنْسُوخَة فَلا اعْتِرَاض عَليه مِنْ جِهَة كَونِها خَبرًا؛ لأنها مُحْتَمِلة لمَعْنَى الأمْر، يُحْتَمل أن يَكُون مَعْنَى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ): وَلُّوا وجُوهَكم نَحْو وَجْه الله. وهذه الآيَة هي التي تَلا سَعيد بن جُبير ﵀ لَمَّا أمَرَ الْحَجَّاج بِذَبْحِه إلى الأرْض (١). ملخص جواب القرطبي: قَوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ): ١ - نَزَلَ فِيمَن صَلَّى إلى غَير القِبْلَة في لَيْلَة مُظْلِمَة. قَاله عبد الله بن عامر، وَرَوَاه عن أبِيه. ٢ - نَزَلَ في صَلاة النَّافِلَة خَاصَّة. ٣ - نَزَلَ في النَّجَاشي، وقَد صَلَّى إلى غَير القِبْلَة، قَاله قَتادة. ٤ - نَزَل رَدًّا على اليَهُود حِين قَالُوا: مَا وَلَّاهم عَنْ قِبْلَتِهم التي كَانوا عَليها. قَالَه ابن زيد. ٥ - أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة، وحَكاه عن ابن عباس. ٦ - أيْنَمَا كُنْتم في شَرْق وغَرْب فَثَمَ وَجْه الله. ٧ - أنّها في قِبْلَة الدُّعَاء، وحكاه عن مجاهد وابن جبير. ٨ - أيْنَمَا تُولُّوا في أسْفَارِكم ومُنْصَرَفَاتِكم؛ فَثَمّ وَجْه الله.

стр. 311

٩ - مُتَّصِلَة بِمَا قَبْلَها، والْمَعْنَى: لا يُصدَّنَّكُم تَخْرِيب الْمَسَاجِد، فَالأرْض كُلّها مَسْجِد. ١٠ - نَزَل حين صُدّ النبي ﷺ عَام الْحُدَيْبِيَة. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: ذَكَر ابنُ جَرير مَعْنَى قَولِه: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، فَقَال: يَعْنِي جَلّ ثناؤه: لله مِلْكُهُمَا وتَدْبِيرُهُمَا … فَذَلك قَوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) يَعْنِي: أنّهُمَا لَه مِلْكًا وخَلْقًا. ثم أجَاب عن إشْكَال مَضْمُونه: "كيف خَصّ الْمَشَارِق والْمَغَارِب بِالْخَبَر عَنها أنّها لَه في هَذا الْمَوْضِع دُون سَائر الأشْيَاء غَيْرَها"؟ وذَكَر مَا جَاء عن اليَهُود حِكَاية عن بَعْضِهم. فَقَالُوا: مَا وَلَّاهم عن قِبْلَتِهِم التي كَانُوا عَليها؟ فَقَال الله ﵎ لهم: الْمَشَارِق والْمَغَارِب كُلّها لي أصْرِف وُجُوه عِبَادِي كَيف أشَاء مِنْها فَحَيْثُمَا تُولُّوا فَثَمّ وَجْه الله. وحَكَى عَنْ آخَرين قَولهم: بل أنْزَل الله هَذه الآيَة قَبْل أن يَفْرِض على نَبِيِّه ﷺ وعلى الْمُؤمِنِين به التَّوَجّه شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام. وإنما أنْزَلَها عليه مُعْلِمًا نَبِيَّه ﵊ بذلك وأصْحَابه أنَّ لَهم التَّوَجَّه بِوُجُوهِهم للصَّلاة حَيْث شَاءُوا مِنْ نَواحِي الْمَشْرِق والْمَغْرِب، لأنّهم لا يُوَجِّهُون وُجُوهَهم وَجْهًا مِنْ ذلك ونَاحِية إلَّا كَان جَلّ ثَنَاؤه في ذَلك الوَجْه وتِلك النَّاحِية؛ لأنَّ لَه الْمَشَارِق والْمَغَارِب، وأنه لا يَخْلُو مِنه مَكَان (١)، كَمَا قَال جَلَّ وَعَزَّ: (وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ

стр. 312

وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: ٧] قَالوا: ثم نُسِخَ ذلك بالفَرْض الذي فُرِضَ عليهم في التَّوَجُّه شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام. وقال آخَرُون: نَزَلَتْ هَذه الآيَة على النبي ﷺ إذْنًا مِنْ الله لَه أن يُصَلِّي التَّطَوُّع حَيث تَوَجَّه وَجْهَه مِنْ شَرْق أوْ غَرْب في مَسِيرِه في سَفَرِه، وفي حَالِ الْمُسَايَفَة (١) وفي شِدَّة الْخَوف والْتِقَاء الزُّحُوف في الفَرَائض. والقَول الرَّابع عند ابن جرير: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في قُوْم عُمِّيَتْ عَلَيهم القِبْلَة فَلَم يَعْرِفُوا شَطْرَها، فَصَلَّوا عَلى أنْحَاء مُخْتَلِفَة، فَقَال الله لَهم: لي الْمَشَارِق والْمَغَارِب، فإن وَلّيتُم وُجُوهَكم فَهُنالِك وَجْهي وهو قِبْلَتُكُم، معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية. والقَول الْخَامِس عنده مَا جَاء في قِصّة النَّجَاشِي. يَعْنِي بِذلك أنَّ النَّجَاشي وإن لَم يَكُنْ صَلّى إلى القِبْلَة، فإنه قد كان يُوَجِّه إلى بعض وُجُوه الْمَشَارِق والْمَغَارِب وَجْهَه يَبْتَغِي بِذلك رِضَا الله في صَلاتِه. والراجِح عِنده: أن الله تعالى ذِكْرُه إنّما خَصّ الْخَبَر عن الْمَشْرِق والْمَغْرِب في هذه الآيَة بأنّهُمَا لَه مِلْكًا، وإنْ كَان لا شَيء إلَّا وَهو لَه مِلْك؛ إعْلامًا منه لِعِبَادِه الْمُؤْمِنين أنَّ له مِلْكَهما ومُلك مَا بَيْنَهُما مِنْ الْخَلْق، وأنَّ على جَمِيعِهم - إذْ كَان لَه

стр. 313

مِلْكُهم - طَاعَتَه فِيمَا أمَرَهُم ونَهَاهُم، وفِيمَا فَرَضَ عَليهم مِنْ الفَرَائض والتَّوجِيه نَحْو الوَجْه الذي وُجِّهُوا إليه إذْ كان مِنْ حُكْم الْمَمَالِيك طَاعَة مَالِكهم. ومَعْنَى الآيَة إذًا: ولله مُلْك الْخَلْق الذي بين الْمَشْرِق والْمَغْرِب يَسْتَعْبِدُهم بِمَا يَشَاء، ويَحْكُم فِيهم مَا يُرِيد، عليهم طَاعَتُه، فَوَلُّوا وُجُوهَكُم أيها الْمُؤمِنُون نَحْو وَجْهي، فإنَّكم أيْنَمَا تُوَلُّوا وُجُوهَكُم فَهُنالِك وجْهِي. فأمَّا القَول في هَذه الآيَة نَاسِخَة أم مَنْسُوخَة، أم لا هي نَاسِخَة ولا مَنْسُوخَة؟ فَالصَّوَاب فِيه مِنْ القَول أن يُقَال: إنّها جَاءت مَجِيء العُمُوم والْمُرَاد الْخَاصّ. وعَلَّل ذلك بِمَا تَحْتَمِله الآيَة. ثم قال: فإذ كان قَوله : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) مُحْتَملًا مَا ذَكَرْنا مِنْ الأوْجُه لَم يَكُنْ لأحد أن يَزْعُم أنّها نَاسِخَة أوْ مَنْسُوخَة إلَّا بِحُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَها، لأنَّ النَّاسِخ لا يَكُون إلَّا بِمَنْسُوخ. ونَفَى وُجُود حُجّة يَجِب التَّسْلِيم لَها بِأنَّ قَولَه: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) مَعْنِيّ بِه: فأيْنَمَا تُوُجِّهُوا وُجُوهَكُم في صَلاتِكُم فَثَمّ قِبْلَتكم. ولا أنّها نَزَلَتْ بَعْد صَلاة رسول الله ﷺ وأصْحَابه نَحْو بَيْت الْمَقْدِس أمْرًا مِنْ الله لَهم بِها أن يَتَوَجّهوا نَحْو الكَعْبَة (١)؛ فيَجُوز أن يُقَال:

стр. 314

هي نَاسِخَة الصَّلاة نَحو بَيْت الْمَقْدِس، إذْ كان مِنْ أهْل العِلْم مِنْ أصْحَاب رسول الله ﷺ وأئمة التَّابِعِين مَنْ يُنْكِر أن تَكون نَزَلَتْ في ذَلك الْمَعْنَى. ثم أطَال في الكَلام على النَّسْخ والتَّخْصِيص، وفي معنى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، ومَعْنَى الْوَجْه في الآية. كَما بيَّن صِلَة هذه الآية بِمَا قَبْلَها مِنْ قَوله تَعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) [البقرة: ١١٤] (١). وأشَار السمرقندي إلى الْخِلاف في سَبَب نُزُول قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، حيث قال: اخْتَلَفُوا في سَبَب نُزُول هَذه الآيَة: رُوي عن ابن عباس أنه قال: خَرَج رَهْط مِنْ أصْحَاب رسول الله ﷺ في سَفَر فأصَابَهم الضَّبَاب، فَمِنْهم مَنْ صَلَّى إلى الْمَشْرِق، ومِنْهُم مَنْ صَلَّى إلى الْمَغْرِب، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْس وذَهَب الضَّبَاب اسْتَبَان لَهم ذَلك، فَلَمَّا قَدِمُوا على النبي ﷺ سَألُوه عن ذلك، فَنَزَلَتْ هَذه الآيَة. ورَوى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنَّ قَومًا خَرَجُوا إلى السَّفَر، وذَكَر القِصَة نَحو هَذا. وقَال بَعْضُهم: الْمُرَاد بِه الصَّلاة على الدَّابَة. وذَكَر قول ابن عُمر في سَبَب نُزُول الآيَة.

стр. 315

وقَال بَعْضُهم: لِنُزُول هَذه الآيَة سَبَب آخَر - ثم ذَكَر مَا جَاء عن اليَهُود، وأنّ الآية نَزَلتْ في الردّ عليهم - (١). وأما السَّمْعَاني فَذَكَر في الآيَة أرْبَعَة أقْوَال: أحَدُهما: أنها نَزَلَتْ في نَسْخ القِبْلَة. والقَول الثَّاني: ما رَوَى عُمر (٢) أنَّ رسول الله كان يُصَلِّي على رَاحِلَتِه أيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِه رَاحِلَتُه، فَنَزَلَتْ الآيَة في إبَاحَة النَّافِلَة على الرَّاحِلَة أيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِه الرَّاحِلَة. والقَول الثَّالِث: عن جَابر ﵁ أنه قَال: كُنَّا في سَفَر فاشْتَبَهَتْ علينا القِبْلَة، فَصَلّى كُلّ وَاحِد مِنَّا إلى جِهَة، وخَط بَيْن يَدَيه خَطًّا، فَلَمَّا أصْبَحْنَا فإذا الْخُطُوط إلى غَيْر القِبْلَة، فَسَألْنَا عن ذلك رَسُول الله فَلَم يَأْمُرْنا بِالإعَادَة، وَنَزَلَتْ الآيَة في مَعْنَاه. والقَول الرَّابِع: أنّها نَزَلَتْ في ابْتِدَاء الإسْلام حين لم تَكُنْ القِبْلَة مَعْلُومَة، وجَازَتِ الصَّلاة إلى أي جِهَة شَاءوا؛ فَعَلى هَذا تَكُون الآيَة مَنْسُوخَة بِآية القِبْلَة، وهَذا قَول غَرِيب. ثم بيَّن السمعاني الْمَقْصُود بِالوَجْه في الآيَة، وأنه صِفَة لله (٣). وحَكى ابن عبد البَرّ الْخِلاف في سَبَب النُّزُول، حَيث قال: واخْتَلَف أهْل العِلْم في الْمَعْنَى الذي فيه نَزَلَتْ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). فَقَال ابن عمر وطَائفة: نَزَلَتْ في الصَّلاة على الرَّاحِلَة. وقيل: نَزَلَتْ في قَول اليَهُود في القِبْلَة.

стр. 316

وقيل: نَزَلَتْ في قَوْم كَانوا في سَفَر على عَهْد رَسُول الله ﷺ في لَيْلَة ظَلْمَاء .... واسْتَحْسَن قَول مَنْ قَال: إنها نَزَلَتْ في الصَّلاة على الرَّاحِلَة، فَقَال: وقَول مَنْ قَال: إنّها نَزَلَتْ في الصَّلاة على الرَّاحِلَة؛ قَولٌ حَسَنٌ أيضًا تَعْضُده السُّنَّة في ذَلك (١). وذَكَر الزمخشري مَعْنَى قَوله تَعالى: (وِلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، ثم قَال في قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا): فَفِي أيّ مَكَان فَعَلْتُم التَّوْلِية، يَعْنِي تَولِيَة وُجُوهِكم شَطْر القِبْلَة، بِدَلِيل قَوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). (فَثَمَّ وَجْهُ): أي جِهَته التي أمَرَ بِها ورَضِيها. والْمَعْنَى: أنكم إذا مُنِعْتُم أن تُصَلّوا في الْمَسْجِد الْحَرَام وفي بَيْت الْمَقْدِس فَقَد جُعِلَتْ لكم الأرْض مَسْجِدًا، فَصَلّوا في أيّ بُقْعَة شِئْتُم مِنْ بِقَاعِها، وافْعَلُوا التَّولِيَة فِيها، فإنَّ التَّوْلِيَة مُمْكِنَة في كُل مَكَان، لا يَخْتَصّ إمْكَانها في مَسْجِد دُون مَسْجِد، ولا في مَكان دُون مَكان (٢). وحَكى ابن عَطية الْخِلاف في سَبَب نُزُول قَوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فَقَال: واخْتَلَف الْمُفَسِّرُون في سَبَب هَذه الآيَة: فَقَال قَتادة: أبَاح الله لِنَبِيِّه ﷺ بِهَذِه الآيَة أن يُصَلِّي الْمُسْلِمُون حَيْث شَاءُوا، فاخْتَار النبي ﷺ بَيْت الْمَقْدِس حِينَئذٍ، ثم نُسِخَ ذلك كُلّه بِالتَّحَوّل إلى الكَعْبَة.

стр. 317

وقال مجاهد والضحاك: مَعْنَاه: إشَارَة إلى الكَعْبَة، أي: حَيْث كُنْتُم مِنْ الْمَشْرِق والْمَغْرِب فَأنتُم قَادِرُون على التَّوَجُّه إلى الكَعْبَة التي هي وَجْه الله الذي وَجّهَكُم إليه. قال القاضي أبو محمد: وعلى هَذا فَهي نَاسِخَة لِبَيْت الْمَقْدِس. وذَكَر ما قاله ابن زيد في قَول اليَهُود وسَبَب النُّزُول. ومَا قَاله ابن عمر في سَبَب نُزُول الآية، وقَد تَقَدَّم. وما جاء عن عبد الله بن عامر، مِمَّا تَقَدَّم أيضًا. ومَا جَاء عن قتادة وقَوله: إنها نَزَلت في النَّجَاشِي. وقول ابن جبير: إنّها نَزَلَتْ في الدُّعَاء. ونَقَل عن المهدوي قَوله: هَذه الآيَة مُنْتَظِمة في مَعْنَى التي قَبْلَها، أي: لا يَمْنَعكم تَخْرِيب مَسْجِد مِنْ أدَاء العِبَادَات، فإنَّ الْمَسْجِد الْمَخْصُوص للصَّلاة إن خُرِّبَ فَثَمّ وَجْه الله مَوْجُود حَيْث تَوَلَّيْتُم. وقَوله أيضًا: قيل نَزَلَتْ الآية حِين صُدّ رَسول الله ﷺ عَنْ البَيْت (١). وفي تَفْسير آخِر سورة آل عمران زاد ابن عطية حِكاية قَوْل الْمُنَافِقِين في الصَّلاة على النَّجَاشِي، حَيْث قَالوا: انْظُرُوا إلى هذا يُصَلِّي على عِلْج نَصْرَاني لم يَرَه قَطّ، فَنَزَلَتْ هذه الآية (٢). وأشار الرَّازي إلى الْخِلاف في سَبَب نُزُول قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وعَزَا إلى الأكْثَرِين، أنّها إنّما نَزَلَتْ في أمْرٍ يَخْتَصّ بالصَّلاة. ومِنْهم مَنْ زَعَم أنّها إنّما نَزَلَتْ في أمْرٍ لا يَتَعَلَّق بالصَّلاة. قال: أمَّا القَوْل الأوَّل، فَهو أقْوى لِوَجْهَين: أحَدها: أنه هو الْمَرْوي عَنْ كَافَّة الصَّحَابة والتَّابِعين وقَولُهم حُجَّة.

стр. 318

وثَانِيهما: أنَّ ظَاهر قَوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) يُفِيد التَّوَجُّه إلى القِبْلَة في الصَّلاة، ولهذا لا يُعْقَل مِنْ قَوله: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) إلَّا هَذا الْمَعْنَى. إذا ثَبَتَ هذا فَنَقُول: القَائلُون بِهَذا القَوْل اخْتَلَفُوا على وُجُوه - ثم ذَكَر الرّازي لِهَذَا القَول سَبْعة وُجُوه -. أمَّا الرَّاجِح عِنده فأبَانَ عنه بقَولِه: فإن قِيل: فأيّ هَذه الأقَاويل أقْرَب إلى الصَّوَاب؟ قُلْنَا: إنَّ قَوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) مُشْعِر بالتَّخْيِير، لا يَثْبُتُ إلَّا في صُورَتَين: أحَدهما: في التَّطَوُّع على الرَّاحِلَة. وثَانِيهما: في السَّفر عِنْد تَعَذُّر الاجْتِهَاد للظُّلْمَة أوْ لِغَيرها؛ لأنَّ في هَذَين الوَجْهَين الْمُصَلِّي مُخَيَّر، فأمَّا على غَير هَذين الوَجْهَين فَلا تَخْيِير (١). ثم نَاقَش الأقْوَال التي أوْرَدَها بَعْد تَرْجِيحِه لِهَذا القَول. واعْتَبَر ابنُ كثير قَوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) تَسْلِيَة لِرَسُول الله ﷺ ولأصْحَابه الذين أُخْرجُوا مِنْ مَكَّة، وفَارَقُوا مَسْجِدَهم ومُصَلّاهم. ثم أوْرَد أسْبَاب النُّزُول التي قِيلَتْ في هذه الآيَة، ونَقَل عن ابن عباس قوله: قِبْلَة الله أينَمَا تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أوْ غَرْبًا. وعن مجاهدٍ قَوله: حَيْثُمَا كُنْتُم فَلَكُم قِبْلَة تَسْتَقْبِلُونها: الكَعْبَة (٢). ونَقَل ما حَكاه ابن جرير في الْمَسْألَة. وقد تَقدَّم النَّقْل عن ابن جرير.

стр. 319

وضَعَّف ابن كثير مَا رَواه الترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه في سَبَب نُزُول هذه الآيَة (١). كَمَا ضَعَّف مَا رَواه الترمذي (٢) أيضًا مِنْ حَدِيث أبي هريرة مَرْفُوعًا: مَا بَيْن الْمَشْرِق والْمَغْرِب قِبْلَة. ورجَّح ابن كثير وَقْف الْحَدِيث تَبَعًا للدارقطني والبيهقي. وأوْرَد أيضًا ما حكاه ابن جرير في سبب النّزول، وأنّها نَزَلتْ في شَأن النَّجَاشي. ومَا قَاله ابن جرير في احْتِمَال أن يَكون الْمَقْصُود قِبْلَة الدُّعَاء، فأيْنَمَا تُولُّوا وُجُوهَكُم في دُعائِكم لي فَهُناك وَجْهِي (٣). وحَكى الثعالبي الْخِلاف، فَقَال: واخْتُلِف في سَبَب نُزُول هذه الآيَة، فقال ابن عمر: نَزَلَتْ هذه الآية في صَلاة النَّافِلَة في السَّفر حَيْث تَوَجَّهَتْ بالإنْسَان دَابَّتُه (٤). وقال النخعي: الآيَة عَامَّة: أيْنَمَا تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفَاتِكم (٥) ومَسَاعِيكُم فَثَمّ وَجْه الله، أي: مَوضِع رِضَاه وثَوابه وَجِهَة رَحْمَته التي يُوصَل إليها بِالطَّاعَة (٦). وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نَزَلَتْ فِيمَن اجْتَهَد في القِبْلَة فأخْطَأ. وقيل: نَزَلَتْ الآية حين صُدّ رسول الله ﷺ عن البيت (٧).

стр. 320

رأي الباحث: مَا في الصَّحِيح أصَحّ، فَقَول ابن عمر: إنّها نَزَلَتْ في صَلاة النَّافِلَة مُخَرَّج في صَحِيح مُسْلم - كما تقدَّم -. واسْتَحْسَن ابن عبد البر قَول ابن عمر، فَقَال: وهو تَأوِيل حَسَن للآية، تَعْضُده السُّنَّة (١). وفي السُّنَّة صَلاته ﷺ إلى غَيْر القِبْلَة في النَّافِلَة، ومِن ذلك: حَدِيث جَابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: رَأيت النبي ﷺ في غَزْوة أنْمَار يُصَلّي على رَاحِلَتِه مُتَوَجِّهًا قِبَل الْمَشْرِق مُتَطَوِّعًا (٢). وحَديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ كَان يُسَبِّح (٣) على ظَهْر رَاحِلَته حَيْث كَان وَجْهُه يُومِئ بِرَأسِه. وكان ابن عمر يَفْعَله (٤). قال الْمُهَلَّب: هَذه الأحَاديث تَخُصّ قَوله تَعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٤٤]، وتُبَيِّن أنَّ قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) في النَّافِلَة (٥). وحديث عامر بن ربيعة ﵁ (٦). وحديث أنَس ﵁ (٧).
следующие страницы →