← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقيل: نَزَلَتْ في قَوْم كَانوا في سَفَر على عَهْد رَسُول الله ﷺ في لَيْلَة ظَلْمَاء .... واسْتَحْسَن قَول مَنْ قَال: إنها نَزَلَتْ في الصَّلاة على الرَّاحِلَة، فَقَال: وقَول مَنْ قَال: إنّها نَزَلَتْ في الصَّلاة على الرَّاحِلَة؛ قَولٌ حَسَنٌ أيضًا تَعْضُده السُّنَّة في ذَلك (١). وذَكَر الزمخشري مَعْنَى قَوله تَعالى: (وِلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، ثم قَال في قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا): فَفِي أيّ مَكَان فَعَلْتُم التَّوْلِية، يَعْنِي تَولِيَة وُجُوهِكم شَطْر القِبْلَة، بِدَلِيل قَوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). (فَثَمَّ وَجْهُ): أي جِهَته التي أمَرَ بِها ورَضِيها. والْمَعْنَى: أنكم إذا مُنِعْتُم أن تُصَلّوا في الْمَسْجِد الْحَرَام وفي بَيْت الْمَقْدِس فَقَد جُعِلَتْ لكم الأرْض مَسْجِدًا، فَصَلّوا في أيّ بُقْعَة شِئْتُم مِنْ بِقَاعِها، وافْعَلُوا التَّولِيَة فِيها، فإنَّ التَّوْلِيَة مُمْكِنَة في كُل مَكَان، لا يَخْتَصّ إمْكَانها في مَسْجِد دُون مَسْجِد، ولا في مَكان دُون مَكان (٢). وحَكى ابن عَطية الْخِلاف في سَبَب نُزُول قَوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فَقَال: واخْتَلَف الْمُفَسِّرُون في سَبَب هَذه الآيَة: فَقَال قَتادة: أبَاح الله لِنَبِيِّه ﷺ بِهَذِه الآيَة أن يُصَلِّي الْمُسْلِمُون حَيْث شَاءُوا، فاخْتَار النبي ﷺ بَيْت الْمَقْدِس حِينَئذٍ، ثم نُسِخَ ذلك كُلّه بِالتَّحَوّل إلى الكَعْبَة.

стр. 317

وقال مجاهد والضحاك: مَعْنَاه: إشَارَة إلى الكَعْبَة، أي: حَيْث كُنْتُم مِنْ الْمَشْرِق والْمَغْرِب فَأنتُم قَادِرُون على التَّوَجُّه إلى الكَعْبَة التي هي وَجْه الله الذي وَجّهَكُم إليه. قال القاضي أبو محمد: وعلى هَذا فَهي نَاسِخَة لِبَيْت الْمَقْدِس. وذَكَر ما قاله ابن زيد في قَول اليَهُود وسَبَب النُّزُول. ومَا قَاله ابن عمر في سَبَب نُزُول الآية، وقَد تَقَدَّم. وما جاء عن عبد الله بن عامر، مِمَّا تَقَدَّم أيضًا. ومَا جَاء عن قتادة وقَوله: إنها نَزَلت في النَّجَاشِي. وقول ابن جبير: إنّها نَزَلَتْ في الدُّعَاء. ونَقَل عن المهدوي قَوله: هَذه الآيَة مُنْتَظِمة في مَعْنَى التي قَبْلَها، أي: لا يَمْنَعكم تَخْرِيب مَسْجِد مِنْ أدَاء العِبَادَات، فإنَّ الْمَسْجِد الْمَخْصُوص للصَّلاة إن خُرِّبَ فَثَمّ وَجْه الله مَوْجُود حَيْث تَوَلَّيْتُم. وقَوله أيضًا: قيل نَزَلَتْ الآية حِين صُدّ رَسول الله ﷺ عَنْ البَيْت (١). وفي تَفْسير آخِر سورة آل عمران زاد ابن عطية حِكاية قَوْل الْمُنَافِقِين في الصَّلاة على النَّجَاشِي، حَيْث قَالوا: انْظُرُوا إلى هذا يُصَلِّي على عِلْج نَصْرَاني لم يَرَه قَطّ، فَنَزَلَتْ هذه الآية (٢). وأشار الرَّازي إلى الْخِلاف في سَبَب نُزُول قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وعَزَا إلى الأكْثَرِين، أنّها إنّما نَزَلَتْ في أمْرٍ يَخْتَصّ بالصَّلاة. ومِنْهم مَنْ زَعَم أنّها إنّما نَزَلَتْ في أمْرٍ لا يَتَعَلَّق بالصَّلاة. قال: أمَّا القَوْل الأوَّل، فَهو أقْوى لِوَجْهَين: أحَدها: أنه هو الْمَرْوي عَنْ كَافَّة الصَّحَابة والتَّابِعين وقَولُهم حُجَّة.

стр. 318

وثَانِيهما: أنَّ ظَاهر قَوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) يُفِيد التَّوَجُّه إلى القِبْلَة في الصَّلاة، ولهذا لا يُعْقَل مِنْ قَوله: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) إلَّا هَذا الْمَعْنَى. إذا ثَبَتَ هذا فَنَقُول: القَائلُون بِهَذا القَوْل اخْتَلَفُوا على وُجُوه - ثم ذَكَر الرّازي لِهَذَا القَول سَبْعة وُجُوه -. أمَّا الرَّاجِح عِنده فأبَانَ عنه بقَولِه: فإن قِيل: فأيّ هَذه الأقَاويل أقْرَب إلى الصَّوَاب؟ قُلْنَا: إنَّ قَوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) مُشْعِر بالتَّخْيِير، لا يَثْبُتُ إلَّا في صُورَتَين: أحَدهما: في التَّطَوُّع على الرَّاحِلَة. وثَانِيهما: في السَّفر عِنْد تَعَذُّر الاجْتِهَاد للظُّلْمَة أوْ لِغَيرها؛ لأنَّ في هَذَين الوَجْهَين الْمُصَلِّي مُخَيَّر، فأمَّا على غَير هَذين الوَجْهَين فَلا تَخْيِير (١). ثم نَاقَش الأقْوَال التي أوْرَدَها بَعْد تَرْجِيحِه لِهَذا القَول. واعْتَبَر ابنُ كثير قَوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) تَسْلِيَة لِرَسُول الله ﷺ ولأصْحَابه الذين أُخْرجُوا مِنْ مَكَّة، وفَارَقُوا مَسْجِدَهم ومُصَلّاهم. ثم أوْرَد أسْبَاب النُّزُول التي قِيلَتْ في هذه الآيَة، ونَقَل عن ابن عباس قوله: قِبْلَة الله أينَمَا تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أوْ غَرْبًا. وعن مجاهدٍ قَوله: حَيْثُمَا كُنْتُم فَلَكُم قِبْلَة تَسْتَقْبِلُونها: الكَعْبَة (٢). ونَقَل ما حَكاه ابن جرير في الْمَسْألَة. وقد تَقدَّم النَّقْل عن ابن جرير.

стр. 319

وضَعَّف ابن كثير مَا رَواه الترمذي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه في سَبَب نُزُول هذه الآيَة (١). كَمَا ضَعَّف مَا رَواه الترمذي (٢) أيضًا مِنْ حَدِيث أبي هريرة مَرْفُوعًا: مَا بَيْن الْمَشْرِق والْمَغْرِب قِبْلَة. ورجَّح ابن كثير وَقْف الْحَدِيث تَبَعًا للدارقطني والبيهقي. وأوْرَد أيضًا ما حكاه ابن جرير في سبب النّزول، وأنّها نَزَلتْ في شَأن النَّجَاشي. ومَا قَاله ابن جرير في احْتِمَال أن يَكون الْمَقْصُود قِبْلَة الدُّعَاء، فأيْنَمَا تُولُّوا وُجُوهَكُم في دُعائِكم لي فَهُناك وَجْهِي (٣). وحَكى الثعالبي الْخِلاف، فَقَال: واخْتُلِف في سَبَب نُزُول هذه الآيَة، فقال ابن عمر: نَزَلَتْ هذه الآية في صَلاة النَّافِلَة في السَّفر حَيْث تَوَجَّهَتْ بالإنْسَان دَابَّتُه (٤). وقال النخعي: الآيَة عَامَّة: أيْنَمَا تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفَاتِكم (٥) ومَسَاعِيكُم فَثَمّ وَجْه الله، أي: مَوضِع رِضَاه وثَوابه وَجِهَة رَحْمَته التي يُوصَل إليها بِالطَّاعَة (٦). وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نَزَلَتْ فِيمَن اجْتَهَد في القِبْلَة فأخْطَأ. وقيل: نَزَلَتْ الآية حين صُدّ رسول الله ﷺ عن البيت (٧).

стр. 320

رأي الباحث: مَا في الصَّحِيح أصَحّ، فَقَول ابن عمر: إنّها نَزَلَتْ في صَلاة النَّافِلَة مُخَرَّج في صَحِيح مُسْلم - كما تقدَّم -. واسْتَحْسَن ابن عبد البر قَول ابن عمر، فَقَال: وهو تَأوِيل حَسَن للآية، تَعْضُده السُّنَّة (١). وفي السُّنَّة صَلاته ﷺ إلى غَيْر القِبْلَة في النَّافِلَة، ومِن ذلك: حَدِيث جَابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: رَأيت النبي ﷺ في غَزْوة أنْمَار يُصَلّي على رَاحِلَتِه مُتَوَجِّهًا قِبَل الْمَشْرِق مُتَطَوِّعًا (٢). وحَديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ كَان يُسَبِّح (٣) على ظَهْر رَاحِلَته حَيْث كَان وَجْهُه يُومِئ بِرَأسِه. وكان ابن عمر يَفْعَله (٤). قال الْمُهَلَّب: هَذه الأحَاديث تَخُصّ قَوله تَعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٤٤]، وتُبَيِّن أنَّ قَوله تَعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) في النَّافِلَة (٥). وحديث عامر بن ربيعة ﵁ (٦). وحديث أنَس ﵁ (٧).

стр. 321

ويُمْكِن حَمْل الآيَة (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) على حَال الاضْطِرَار، وقَد اسْتَدَلّ بِها سعيد بن جُبير لَمَّا أمَرَ الْحَجَّاج بِقَتْلِه إلى قِبلَة النَّصَارَى! فَقال سَعيد: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (١). وقد نَصّ الفُقَهَاء على ذلك. قال الْحَسَن: في الرَّجُل يُقَال له: اسْجُد لِصَنَم وإلَّا قَتَلْنَاك. قال: إنْ كَان الصَّنَم مُقَابِل القِبْلَة فلْيَسْجُد ويَجْعَل نِيَّتَه لله، فإن كان إلى غَير القِبْلَة فَلا، وإن قَتَلُوه. قال ابن حبيب: وهَذا قَوْلٌ حَسَن (٢). وتَعَقَّبَه ابن عطية بِقَوله: وما يَمْنَعُه أن يَجْعَل نِيّتَه لله وإن كَان لِغَير قِبْلَة؟ وفي كِتَاب الله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (٣). وقال ابن حَزم: ومَن أُكْرِه على سُجُود لِصَنَم أوْ لِصَلِيب فلْيَسْجُد لله تعالى مُبَادرًا إلى ذلك، ولا يُبَالِي في أيّ جِهَة كَان ذَلك الصَّنَم والصَّلِيب. قال الله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (٤). فَمَنْ اضْطُرّ إلى الصَّلاة إلى غَيْر القِبْلَة، كالأسِير يُمنَع مِنْ اسْتِقْبَال القِبْلَة، والْمُصَافّ للعَدُو، والْمُسَافِر في الطَّائرَة إذا لم يَسْتَطِع التَّوجُّه إلى القِبْلَة، ونَحْوهم؛ ففي الآية رُخْصَة لهم بالصَّلاة على أيّ حَال، وإلى أي وِجْهَة. وإذا حُمِلَتِ الآية على حَال الاضْطِرَار فلا يَحْتَاج الْجَمْع إلى تَخْصِيص ولا إلى نَسْخ، وفي الآيَة ثَلاثة أقْوَال أنّها مُحْكَمَة.

стр. 322

قال ابن أبي حاتم في قَوله تَعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ): اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِه عَلى أرْبعة أوْجُه: فأحَدُ ذلك: مَنْ جَعَلَها مُحْكَمَة، وصَرَفها إلى حَدّ الضَّرُورَة. والقَول الثَّاني: بأنَّ الآية مُحْكَمَة، وتَفْسِيرُها في صَلاة السَّفَر تَطَوّعًا. والقَول الرَّابع: إنّها مَنْسُوخَة (١). المثال الثاني: قَبُول التَّوبَة: قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) [آل عمران: ٩٠]، مع قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) [الشورى: ٢٥]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى تُفِيد أنَّ مَنْ كَفَر بَعْد إيمانِه لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُه، بَيْنَمَا يُفهَم مِنْ الآيَة الثَّانِيَة قَبُول تَوْبَة مَنْ تَاب. جمع القرطبي: نَقَل القرطبي عن قتادة وعطاء الخراساني والْحَسن قولهم: نَزَلَتْ في اليَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى والإنْجِيل، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد ﷺ والقُرْآن. كَمَا نَقَل عن أبي العَالِية قَوله: نَزَلَتْ في اليَهُود والنَّصارى كَفَرُوا بمحمد ﷺ بعد إيمانِهم بِنَعْتِه وصِفَتِه، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بإقَامَتِهم عَلى كُفْرِهم.

стр. 323

وقِيل: (ازْدَادُوا كُفْرًا) بالذُّنُوب التي اكْتَسَبُوها، وهذا اخْتِيَار الطبري، وهي عِنْدَه في اليَهُود. ثم قَال في قَولِه: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ): مُشْكِل لِقَوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)؛ فَقِيل: الْمَعْنَى: لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم عِنْد الْمَوْت. قال النحاس: وهذا قَول حَسَن، كَمَا قَال : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) [النساء: ١٨]. وقَد قَال ﷺ : إنَّ الله يَقْبَل تَوْبَة العَبْد مَا لَم يُغَرْغِر (١). وقِيل: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم التي كَانُوا عَليها قَبْل أن يَكْفُرُوا؛ لأنَّ الكُفْر قد أحْبَطَها. وقِيل: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا مِنْ كُفْرِهم إلى كُفْرٍ آخَر، وإنّمَا تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا إلى الإسْلام. وقال قُطْرب: هَذه الآية نَزَلَتْ في قَوم من أهْل مَكَّة قَالُوا: نَتَرَبّص بِمُحَمَّد رَيْب الْمَنُون، فَإن بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنا إلى قَوْمِنَا، فَأنْزَل الله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي: لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم وهُم مُقِيمُون عَلى الكُفْر، فَسَمَّاها تَوبَة غَير مَقْبُولَة؛ لأنه لم يَصِحّ مِنْ القَوم عَزْم، والله يَقْبَل التَّوْبَة كُلّها إذا صَحَّ العَزْم (٢). وقال في تَفْسير قَوله تَعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: ١٧]: قِيل: هَذه الآيَة عَامَّة لِكُلّ مَنْ عَمِل ذَنْبا. قال: وإذَا تَابَ العَبْد فالله سُبْحَانه بالْخِيَار إن شَاء قَبِلَها، وإن شَاء لَم يَقْبَلْها، ولَيْس قَبُول التَّوبَة وَاجِبًا عَلى الله مِنْ طَرِيق العَقْل، كَما قَال الْمَخَالِف، لأنَّ مِنْ شَرْط

стр. 324

الوَاجِب أن يَكُون أعْلَى رُتْبة مِنْ الْمُوجِب عَليه (١) والْحَقّ سُبحانه خَالِق الْخَلق ومَالِكُهم والْمُكَلِّف لَهم، فلا يَصِحّ أن يُوصَف بِوُجُوب شَيء عليه تَعالى عن ذلك، غير أنه قد أخْبَر سبحانه وهو الصَّادق في وَعْدِه بأنه يَقْبَل التَّوْبة عن العَاصِين مِنْ عِبَادِه، بِقوله تَعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ)، وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [التوبة: ١٠٤]، وقَوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ) [طه: ٨٢]. فأمَّا السَّمْع فَظَاهِره قَبُول تَوبَة التَّائب. قال أبو المعالي وغيره: وهَذه الظَّوَاهِر إنّما تُعْطِي غلبة ظَن لا قَطْعًا عَلى الله تَعالى بِقَبُول التَّوْبَة. قال ابن عطية: وقد خُولِف أبو الْمَعَالي وغيره في هَذا الْمَعْنَى، فإذا فَرَضْنا رَجُلًا قد تَاب تَوْبَة نَصُوحًا تَامَّة الشُّرُوط، فَقَال أبو المعالي: يَغْلِب على الظَّن قَبُول تَوْبَتِه، وقال غيره: يُقْطَع على الله تَعالى بِقَبُول تَوْبَتِه، كَمَا أخْبَر عَنْ نَفْسِه جَلَّ وَعَزّ.

стр. 325

قال ابن عطية: وكَان أبي ﵀ يَمِيل إلى هَذا القَول ويُرَجِّحه، وبه أقُول والله تعالى أرْحَم بِعِبَادِه مِنْ أن يَنْخَرِم في هذا التَّائب الْمَفْرُوض (١) مَعْنَى قَوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) وقَوله تَعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ). ورَجَّح القرطبي "أنَّ اللمْسَة والنَّظْرَة تُكَفَّر بِاجْتِنَاب الكَبَائر قَطْعًا بِوعْدِه الصِّدْق وقَولِه الحقّ، لا أنه يَجِب عَليه ذَلك" (٢). ثم قَال في قَوله تَعالى: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النساء: ١٧]: السُّوء في هَذه الآيَة و "الأنْعَام" (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) يَعُمّ الكُفْر والْمَعَاصِي، فَكُلّ مَنْ عَصَى رَبَّه فهو جَاهِل حتى يَنْزَع عن مَعْصِيَتِه. قال قتادة: أجْمَع أصحاب النبي ﷺ على أنَّ كُل مَعْصيَة فَهي بِجَهالة عَمْدًا كَانَتْ أو جَهْلًا. وقاله ابن عباس وقتادة، والضحاك، ومجاهد، والسّدي. ورُوي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا: الْجَهَالَة هُنا العَمْد. وقَال عكرمة: أمُور الدُّنْيا كُلّها جَهَالَة. يُرِيد الْخَاصَّة بِها الْخَارِجَة عن طَاعَة الله. وهذا القَول جَارٍ مَع قَوله تَعالى: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) [محمد: ٣٦]، [الحديد: ٢٠]. وقَال الزَّجاج: يَعني قَولَه: (بِجَهَالَةٍ): اخْتِيَارهم اللذَّة الفَانِيَة على اللذَّة البَاقِية (٣). وقَال: قَوله تَعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: ١٨] قال ابن عباس والسدي: مَعْنَاه قَبْل الْمَرَضَ والْمَوْت. ورُوي عن الضحاك أنه قال: كُلّ مَا كَان قَبْل الْمَوْت فَهو قَرِيب. وقال أبو مجلز والضحاك أيضًا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قَبْل الْمُعَايَنَة للمَلائكَة والسَّوْق، وأن يُغْلَب الْمَرْء على نَفْسِه (٤).

стр. 326

وقال أبو مجلز والضحاك أيضًا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قَبْل الْمُعَايَنَة للمَلائكَة والسَّوْق، وأن يُغْلَب الْمَرْء على نَفْسِه (١). وفي قَوله تَعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ) [النساء: ١٨] قال: نَفَى سبحانه أن يَدْخُل في حُكْم التَّائبِين مَنْ حَضَرَه الْمَوْت، وصَارَ في حِين اليَأس، كَمَا كَان فِرْعَون حِين صَار في غَمْرَة الْمَاء والغَرَق، فَلَم يَنْفَعه مَا أظْهَر مِنْ الإيمان، لأنَّ التَّوبَة في ذَلك الوَقْت لا تَنْفَع، لأنّها حَال زَوَال التَّكْلِيف. وبِهَذا قال ابن عباس وابن زيد وجُمْهُور الْمُفَسِّرِين. وأمَّا الكُفَّار يَمُوتُون على كُفْرِهم فلا تَوبَة لَهم في الآخِرَة (٢). وفي قَوله تَعالى: (وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) [الشورى: ٢٥]: أي: الشِّرْك قَبل الإسْلام (٣). ملخص جواب القرطبي: ١ - نَزَلَتْ في اليَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى والإنْجِيل، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد ﷺ والقُرآن. ٢ - نَزَلَتْ في اليَهُود والنَّصَارَى كَفَرُوا بمحمد ﷺ بعد إيمانِهم بِنَعْتِه وصِفَتِه، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بإقَامَتِهم على كُفْرِهم. ٣ - في اليَهُود حَيث (ازْدَادُوا كُفْرًا) بالذّنوب التي اكْتَسَبُوهَا، وهو اختيار الطبري. ٤ - لن تُقْبَل تَوْبَتُهم إذا عايَنُوا الْمَوْت، كَمَا كَان مِنْ فِرْعَون. ٥ - لن تُقبل تَوبَتُهم التي كَانُوا عَليها قَبْل أن يَكْفُرُوا؛ لأنَّ الكُفْر قد أحْبَطَها. ٦ - لن تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا مِنْ كُفْرِهم إلى كُفْرٍ آخَر، وإنما تُقْبَل تَوبَتُهم إذا تَابُوا إلى الإسْلام.

стр. 327

مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: حَكَى ابن جرير الْخِلاف، ومُختَصَرُه: ١ - عَنَى الله بِقَولِه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بِبَعْضِ أنْبِيَائه الذين بُعِثُوا قَبْل محمد ﷺ بعد إيمانهم، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهم بمحمد. ٢ - لن تُقْبَل تَوبَتُهم عِند حُضُور الْمَوْت وحَشْرَجَتِه بِنَفْسِه. ٣ - اليَهُود والنَّصَارَى لَنْ تُقْبَل تَوبَتُهم عِند الْمَوْت. ٤ - ازْدَادُوا كُفْرًا حَتى حَضَرَهم الْمَوْت فَلَم تُقْبَل تَوبَتُهم حِين حَضَرَهم الْمَوْت. ٥ - (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) يَعْنِي بِزِيَادَتِهم الكُفْر بِمَا هُمْ عليه حتى هَلَكُوا وهُم عليه مُقِيمُون. (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ): لن تَنْفَعهم تَوْبَتُهم الأُولى وإيمانهم لِكُفْرِهم الآخَر ومَوتِهم عليه. ٦ - مَاتُوا كُفارًا، فَكَان ذَلك هُو زِيَادَتهم مِنْ كُفْرِهم. والراجِح عِنْده: قَول مَنْ قَال: عَنَى بِها اليَهُود، وأن يَكُون تَأويله: إنَّ الذين كَفَرُوا مِنْ اليَهُود بمحمد ﷺ عند مَبْعَثِه بَعْد إيمانِهم به قَبْل مَبْعَثِه ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أصَابُوا مِنْ الذُّنُوب في كُفْرِهم ومُقَامِهم على ضَلَالَتِهم لَنْ تُقْبَل تَوبَتهم مِنْ ذُنُوبِهم التي أصَابُوها في كُفْرِهم حتى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرِهم بِمُحَمّد ﷺ ويُرَاجِعُوا التَّوْبة مِنه بِتَصْدِيق مَا جَاء بِه مِنْ عِند الله. ثم عَلّل اخْتِيَارَه بِقَولِه: وإنّما قُلْنَا ذَلك أوْلى الأقْوَال في هَذه الآيَة بالصَّوَاب؛ لأنَّ الآيَات قَبْلَها وبَعْدَها فِيهم (١) نَزَلَتْ، فأوْلى أن تَكُون هي في مَعْنَى مَا قَبْلَها وبَعْدَها إذْ كَانَتْ في سِيَاق وَاحِد. وجَمَع ابن جرير بَين آية "آل عمران" وآيَة "الشورى" بِقَولِه:

стр. 328

وإنما قُلْنَا: مَعْنَى ازْدِيَادِهم الكُفْر: مَا أصَابُوا في كُفْرِهم مِنْ الْمَعَاصِي؛ لأنه جَلَّ ثَنَاؤه قَال: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)، فَكَان مَعْلُومًا أنَّ مَعْنَى قَوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) إنّما هُوَ مَعْنِيّ به: لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم مِمَّا ازْدَادُوا مِنْ الكُفْر على كُفْرِهم بَعْد إيمانِهم لا مِنْ كُفْرِهم، لأنَّ الله تَعالى ذِكْرُه وَعَدَ أن يَقْبَل التَّوبَة مِنْ عِبَادِه، فَقَال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)، فَمُحَال أن يَقُول : أقْبَل ولا أقْبَل، في شَيء واحِد. وإذْ كَان ذلك كَذلك، وكَان مِنْ حُكْم الله في عِبَادِه أنه قَابِل تَوْبَة كُلّ تَائب مِنْ كُل ذَنْب، وكَان الكُفْر بَعْد الإيمان أحَد تِلك الذُّنُوب التي وَعَد قَبُول التَّوْبَة مِنها بِقَولِه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: ٨٩] عُلِمَ أنّ الْمَعْنَى الذي لا تُقْبَل التَّوبة مِنه غَير الْمَعْنَى الذي تُقْبَل التَّوبَة مِنه. وإذْ كَان ذلك كَذلك فالذي لا تُقْبَل مِنه التَّوْبَة هو الازْدِيَاد على الكُفْر بَعْد الكُفْر لا يَقْبَل الله تَوبَة صَاحِبه مَا أقَام على كُفْرِه، لأنَّ الله لا يَقْبَل مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا مَا أقَام على شِرْكِه وضَلاله، فأمَّا إنْ تَاب مِنْ شِرْكِه وكُفْرِه وأصْلَح فإنَّ الله كَمَا وَصَفَ بِه نَفسَه: غَفُورٌ رَحِيم (١). واعْتَبَر ابن جرير آيَة "الشورى" عَامّة في قَبُول تَوْبَة مَنْ تَاب و "راجَع تَوحِيد الله وطَاعَته مِنْ بَعد كُفْرِه" (٢) كَما اعْتَبَر آيَة "التوبة" في شَأن الْمُنَافِقِين خَاصَّة (٣). وذَكَر السمرقندي سَبَب قَول أهْل مَكَّة في النبي ﷺ : نَتَرَبَّص بِه رَيْب الْمَنُون، فَحَكى عن الكلبي ومُقاتل قولهما: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة (٤) - أي الرُّخْصَة بِالتَّوبَة - كَتَبَ أُخْوة الحارث بن سويد إلى الحارث: إنَّ الله قد عَرَضَ عَليكم

стр. 329

التَّوبَة، فَرَجَع وتَاب وبَلَغ ذلك إلى أصْحَابه الذين بِمَكَّة، فَقَالُوا: إن محمدًا تَتَرَبَّص به رَيب الْمَنُون، فَقَالُوا: نُقِيم بِمَكَّة على الكُفْر مَتى بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنَا، فَيَنْزِل فِينا مَا نَزَل في الحارث، فَيَقْبَل تَوْبَتَنا، فأنْزَل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) يَعْنِي: ثَبَتُوا على كُفْرِهم بِقَولِهم: نُقِيم بِمَكَّة مَا بَدَا لَنَا. (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) مَا أقَامُوا على الكُفْر. ونَقَل عن الزجاج قَوله: كَانُوا كُلّما نَزَلَتْ آيَة كَفَرُوا بِها، فَكان ذَلك زِيَادَة كُفْرِهم. وقَوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي: تَوبَتُهم الأُولى، وحَبِطَ أجْر عَمَلِهم. ويُقَال: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) مَعْنَاه: أنَّهُم لَم يَتُوبُوا، كَمَا قَال: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨] أي: لا يَشْفَع لَها أحَد (١). ويَرى السمعاني أنَّ آيَة "آل عمران" في قَوْمٍ بِخُصُوصِهم، حَيْث قَال: هَذا في قَوم كَانُوا مع الحارث بن أوس وارْتَدّوا، فَلَما رَجَعَ هو إلى الإسْلام أمْسَكُوا عن الإسْلام أولئك القَوْم، وقَالوا: نَتَرَبّص الدَّهْر بمحمد، فإن سَاعَده الزَّمَان ونَفَذ أمْرُه نَرْجِع إلى دِينِه، فَنَزَلَتْ الآيَة. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) أي: ارْتَدُّوا عن الإسْلام بَعْد إيمانِهم (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) بِقَوْلِهم: إنا نَتَرَبّص بِمُحَمّد رَيب الْمَنُون (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ). قال أبو العالية: لأنّهم لَم يَكُونُوا مُحَقِّقِين للتَّوْبَة، بل كَانُوا مُتَرَبِّصِين (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ). وقِيل: أرَاد به الذين كَفَرُوا بَعد إيمانِهم بِعِيسَى ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) عند النَّاس (٢).

стр. 330

وذَكَر الثعلبي مِنْ أسْبَاب النُّزُول: ١ - مَا جَاء عن الحارث بن سُويد - مِمَّا تَقَدَّم -. ٢ - مَا جَاء عن مُجاهِد أنّها نَزَلَتْ في رَجل من بني عمرو بن عوف كَفَر بَعْد إيمانِه، ولَحِق بالرُّوم فَتَنَصّر. ٣ - مَا قَالَه الحسن وقَتادة وعطاء الخراساني: نَزَلَتْ في اليَهُود، كَفَرُوا بِعِيسَى ﵇ والإنْجِيل بَعْد إيمانِهم بِأنْبِيائهم وكُتُبهم، ثم ازْدَادُوا كُفْرا بِكُفْرهم بمحمد ﷺ والقُرْآن. ٤ - قولَ أبي العالية: نَزَلَتْ في اليَهُود والنَّصَارَى، كَفَرُوا بمحمد ﷺ لَمَّا رَأوه وعَرَفُوه بَعد إيمانهم بِنَعْتِه وصِفَتِه في كُتُبهم، ثم ازْدَادُوا ذُنُوبًا في حَال كُفْرِهم. ٥ - وقَول مجاهد (١): نَزَلَتْ في الكُفَّار كُلّهم أشْرَكُوا بَعْد إقْرَارِهم بِأنَّ الله خَالِقَهم، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا، أي: أقَامُوا على كُفْرِهم حتى هَلَكُوا عليه. ونَقَل عن الْحسن قَوله: كُلَّما نَزَلَتْ عليهم آيَة كَفَرُوا بِها فازْدَادُوا كُفْرًا. وعن قطرب قَوله: كَما ازْدَادُوا كُفْرًا بِقَولِهم: نَتَرَبّص بِمُحَمّد رَيب الْمَنُون. ثم أشَار الثعلبي إلى إشْكَال قَدْ يَرِد على بَعض الأذْهَان، فَقَال: فإن قِيل: فَمَا مَعْنَى قَوله تَعالى: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)، وقد سَبَقَتْ حِكْمَة الله تَعالى في قَبُول تَوْبَة مَنْ تَاب؟ قُلنا: اخْتَلَفَ العُلَمَاء فِيه: فَقَال بَعْضَهم: لن يَقْبَل تَوْبَتهم عِند الغَرْغَرَة والْحَشْرَجَة. قال الحسن وقتادة وعطاء: لن يَقْبَل تَوبَتهم لأنّهم لا يُؤمِنون إلَّا عند حُضُور الْمَوْت. قَال الله تَعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) [النساء: ١٨] الآيَة. مجاهد: لن يَقبل تَوبَتهم بَعْد الْمَوْت إذا مَاتُوا على الكُفْر. ابن عباس وأبو العالية: لن يَقْبَل تَوبَتهم مَا أقَامُوا على كُفْرِهم (٢).

стр. 331

وأمَّا في تَفسير سُورة الشُّورى، فَقد أطَال في بَيَان حَقِيقَة التَّوبَة (١). ورَجَّح الزمخشري أنَّ الذين ازْدَادُوا كُفْرًا هُمْ اليَهُود، وأشَار بِصِيغَة تَضْعِيف إلى أنّها نَزَلَتْ في الذين ارْتَدُّوا ولَحِقُوا بِمَكَّة. ثم أوْرَد سُؤَالات في هَذه الآيَة، حَيث قَال: فإن قُلْت: قَدْ عُلِمَ أنَّ الْمُرْتَدّ كَيفَمَا ازْدَادَ كُفْرًا فإنه مَقْبُول التَّوبَة إذا تَاب. فَمَا مَعْنَى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؟ وأجَاب عنه بِقَولِهِ: جُعِلَتْ عِبَارَة عن الْمَوْت على الكُفْر، لأنَّ الذي لا تُقْبَل تَوبَتُه مِنْ الكُفَار هو الذي يَمُوت على الكُفْر. كَأنه قِيل: إنَّ اليَهُود أوْ المُرْتَدّين الذين فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مَائتُون على الكُفْر، دَاخِلُون في جُمْلَةِ مَنْ لا تَقْبَل تَوبَتهم. وقَال: فإن قُلْت: فَحِين كان الْمَعْنَى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) بِمَعْنَى الْمَوْت على الكُفْر؛ فَهَلّا جَعَل الْمَوْت على الكُفْر مُسَبَّبًا عن ارْتِدَادِهم الكُفْر لِمَا في ذلك مِنْ قَسَاوَة القُلُوب ورُكُوب الرَّين وجَرِّه إلى الْمَوْت على الكُفْر؟ قُلتُ: لأنه كَمْ مِنْ مُرْتَد مُزْدَاد للكُفْر يَرْجِع إلى الإسْلام ولا يَمُوت على الكُفْر. فإن قُلْتَ: فأيّ فَائدَة في هَذِه الكِنَايَة؟ أعْنِي أنَّ كَنَى عَنْ الْمَوْت على الكُفْر بامْتِنَاع قَبُول التَّوبَة. قُلْتُ: الفَائدَة فِيها جَلِيلَة، وهي التَّغْلِيظ في شَأن الفَرِيق مِنْ الكُفَّار، وإبْراز حَالِهم في صُورَة حَالَة الآيسِين مِنْ الرَّحْمَة التي هي أغْلَظ الأحْوَال وأشَدّها؛ ألا تَرَى أنَّ الْمَوْت على الكفر إنما يُخَاف مِنْ أجْل اليأس مِنْ الرحمة (٢). وأوْرَد ابن عطية الإشْكَال والْخِلاف، فَقَال: اخْتَلَف الْمُتَأَوِّلُون في كَيْف يَتَرتَّب كُفْر بَعْد إيمان ثُم زِيَادَة كُفْر؟

стр. 332

فقال الحسن وقتادة وغيرهما: الآيَة في اليَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى بَعْد الإيمان بِمُوسَى ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد ﷺ . وفي هذا القَوْل اضْطِرَاب، لأنَّ الذي كَفَر بِعِيسَى بعد الإيمان بِمُوسَى لَيس بالذي كَفَر بمحمد ﷺ (١)، فالآيَة على هَذا التَّأوِيل تَخلِط الأسْلاف بالْمُخَاطَبِين (٢). وقال أبو العالية رُفَيْع (٣): الآيَة في اليَهُود، كَفَرُوا بمحمد ﷺ بعد إيمانِهم بِصِفَاتِه، وإقْرَارهم أنّها في التَّورَاة، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بالذُّنُوب التي أصَابُوهَا في خِلاف النبي ﷺ مِنْ الافْتِرَاء والبُهْت والسَّعْي على الإسْلام وغَير ذَلك. قال ابن عطية: وعلى هذا التَّرْتِيب يَدْخُل في الآيَة الْمُرْتَدّون اللاحِقُون بِقُرَيش وغَيرهم. وقال مجاهد: مَعْنَى قَوله: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) أي تَمُّوا على كُفْرِهم، وبَلَغُوا الْمَوْت بِه؛ فَيَدْخُل في هذا القَوْل اليَهُود والْمُرْتَدّون. وقال السدي نحوه. ثم أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَة هَؤلاء لَنْ تُقْبَل، وقد قَرَّرَتِ الشَّرِيعَة أنَّ تَوْبَة كُلّ كَافِر تُقْبَل سَوَاء كَفَر بَعْد إيمان وازْدَادَ كُفْرًا، أوْ كَان كَافِرًا مِنْ أوَّل أمْرِه، فلا بُدّ في هَذه الآيَة مِنْ تَخْصِيص تُحْمَل عَليه، ويَصِحّ به نَفْي قَبُول التَّوْبَة. فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: نَفْي قَبُول تَوْبَتِهم مُخْتَصّ بِوَقْتِ الْحَشْرَجَة والغَرْغَرَة والْمُعَايَنة؛ فالْمَعْنَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم عِنْد الْمُعَايَنَة.

стр. 333

وقَال أبو العالية: مَعْنَى الآيَة لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم مِنْ تِلك الذُّنُوب التي أصَابُوهَا مَع إقَامَتِهم عَلى الكُفْر بمحمد ﷺ ، فإنّهم كَانُوا يَقُولُون في بَعْض الأحْيَان: نَحن نَتُوب مِنْ هذه الأفْعَال. وهُم مُقِيمُون على كُفْرِهم، فأخْبَر الله تعالى أنه لا يَقْبَل تِلك التَّوْبَة. قال ابن عطية: وتَحْتَمِل الآيَة عِندي أن تَكُون إشَارة إلى قَوْم بِأعْيَانِهم مِنْ الْمُرْتَدِّين خَتَم الله عَليهم بِالكُفْر، وجَعَل ذلك جَزاء لِجَرِيمتِهم ونِكَايَتِهِم في الدِّين، وهُم الذين أشَار إليهم بِقَولِه: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا) [آل عمران: ٨٦] فأخْبَر عنهم أنّهم لا تَكُون لَهُمْ تَوبة فيُتَصَوَّر قَبُولُها (١). وبيَّن الرَّازي مَعْنَى الزِّيَادَة في الكُفْر، بأنَّ "الْمُرْتَدّ يَكُون فَاعِلًا للزِّيَادَة بِأن يُقِيم ويُصِرّ، فَيَكُون الإصْرَار كَالزِّيَادَة، وقد يَكُون فَاعِلًا للزِّيَادَة بِأن يَضُمّ إلى ذلك الكُفْر كُفْرًا آخَر". ثم ذَكَر مَا قِيل في سَبَب نُزُول الآيَة. وأشَار إلى تَوَهُّم التَّعَارُض فَقَال: "إنَّ الله تَعالى حَكَم في الآيَة (٢) بقَبُول تَوبَة الْمُرْتَدِّين، وحَكَم في هَذه الآيَة بِعَدَم قَبُولِها، وهو يُوهَم التَّنَاقُض. وأيضًا ثَبتَ بِالدَّلِيل أنه مَتى وُجِدَت التَّوبَة بِشُرُوطِها فإنّها تَكُون مَقْبُولَة لا مَحَالَة؛ فَلِهَذا اخْتَلَف الْمُفَسِّرُون في تَفْسِير قَوله تَعالى: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) على وُجُوه"، وهي باختصار: ١ - السَّبَب أنّهم لا يَتُوبُون إلَّا عند حُضُور الْمَوْت. ٢ - أن يُحْمَل هَذا على مَا إذا تَابُوا باللسَان ولم يَحْصُل في قُلُوبِهم إخْلاص.

стр. 334

٣ - أنه تعالى لَمّا قَدَّم ذِكْر مَنْ كَفَر بعد الإيمان، وبَيَّن أنه أهْل اللعَنَة إلَّا أن يَتُوب؛ ذَكَرَ في هذه الآية أنه لو كَفَر مَرّة أُخْرى بَعد تِلك التَّوبَة فإنَّ التَّوْبَة الأُولى تَصِير غَير مَقْبُولَة، وتَصِير كَأنّها لَم تَكُنْ. قال: وهَذا الوجْه ألْيق بالآيَة مِنْ سَائر الوُجُوه، لأنَّ التَّقْدِير: إلَّا الذين تَابُوا وأصْلَحُوا فإنَّ الله غَفُور رَحِيم، فإن كَانُوا كَذلك ثم ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم. ٤ - كِنَاية عن الْمَوْت على الكُفْر؛ لأنَّ الذي لا تُقْبَل تَوبَته مِنْ الكُفَّار هو الذي يَمُوت على الكُفْر، وهو قول الزمخشري. ٥ - لَعَلَّ الْمُرَاد مَا إذا تَابُوا عَنْ تِلك الزِّيَادة فَقَط، فإنَّ التَّوْبَة عَنْ تِلك الزِّيَادَة لا تَصِير مَقْبُولَة مَا لَم تَحْصُل التَّوْبة عن الأصْل. ثم قال الرازي: جُمْلَة هَذه الْجَوَابَات إنّما تَتَمَشّى على مَا إذا حَمَلْنا قَولَه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) على الْمَعْهُود السَّابِق لا على الاسْتِغْرَاق، وإلَّا فَكَم مِنْ مُرْتَدّ تَاب عَنْ ارْتِداده تَوْبَة صَحِيحَة مَقْرُونَة بِالإخْلاص في زَمَان التَّكْلِيف. فأمَّا الْجَوَاب الذي حَكَيْنَاه عن القفّال والقَاضي (١) فهو جَوَاب مُطَّرِد، سَوَاء حَمَلَنا اللفْظ عَلى الْمَعْهُود السَّابِق، أوْ عَلى الاسْتِغْرَاق (٢). وذَكَر ابن جُزيّ الأقوال في سَبَب نُزُول الآيَة، وذَكَر مَا قِيل في مَعنَى قَوله تَعالى: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا)، فَقَال: ١ - قِيل: هُمْ اليَهُود، كَفَرُوا بِعِيسَى بَعد إيمانِهم بِمُوسَى، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهم بمحمد ﷺ . ٢ - وقيل: كَفَرُوا بمحمد ﷺ بَعْد أن كَانُوا مُؤمِنين قَبْل مَبْعَثِه، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بِعَدَاوَتِهم لَه وطَعْنِهم عَليه.

стр. 335

٣ - وقِيل: هُمْ الذين ارْتَدُّوا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم. ٤ - قِيل: ذَلك عِبَارَة عَنْ مَوْتِهم على الكُفْر، أي: لَيْس لَهم تَوْبَة فَتُقْبَل، وذلك في قَوْم بِأعْيَانِهم خَتَمَ الله لَهم بِالكُفْر. ٥ - وقِيل: لن تُقْبَل تَوْبَتُهم مَع إقَامَتِهم على الكُفْر؛ فَذَلك عَامَّ (١). وافْتَتَح ابن كَثير تَفْسِير الآيَة بِذِكْر الْمَعْنَى، فَقَال: يَقول تَعالى مُتَوَعِّدًا ومُهَدِّدًا لِمَنْ كَفَر بَعْد إيمانِه ثم ازْدَادَ كُفْرًا، أي: اسْتَمِرّ عَليه إلى الْمَمَات، ومُخْبِرًا بِأنّهم لَنْ تُقْبَل لَهم تَوْبَة عِند الْمَمَات، كَمَا قَال تَعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) [النساء: ١٨] الآية. ولِهَذا قَال هَا هنا: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) أي: الْخَارِجُون عن الْمَنْهَج الْحَقّ إلى طَرِيق الغَيّ. ثم أوْرَد مَا رَواه البزّار عن ابن عباس أنَّ قَومًا أسْلَمُوا، ثم ارْتَدّوا، ثم أسْلَمُوا، ثم ارْتَدّوا، فأرْسَلُوا إلى قَومِهم يَسْألُون لَهم، فَذَكَرُوا ذَلك لِرَسُول الله ﷺ ، فَنَزَلَتْ هَذه الآيَة. ثم قَال ابن كثير: هَكذا رَواه (٢)، وإسْنَادُه جَيِّد (٣). وفي تَفْسِير سُورة الشُّورى قَال: يَقُول تَعالى مُمْتَنّا على عِبَادِه بِقَبُول تَوْبَتِهم إليه إذا تَابُوا وَرَجَعُوا إليه إنه مِنْ كَرَمِه وحِلْمِه أنه يَعفو ويَصْفَح ويَسْتُر ويَغْفِر، كَقَولِه : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ١١٠] (٤).

стр. 336

رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآيَات فآيَة "آل عمران" مُرتَبِطة بِمَا قَبْلَها، وهو قَوله تَعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) [آل عمران: ٨٦]. وهو مَا أشَار إليه ابن عطية بِقَولِه: وتَحْتَمِل الآيَة عِنْدي أن تَكُون إشَارَة إلى قَوْم بِأعْيَانِهم مِنْ الْمُرْتَدِّين خَتَم الله عليهم بِالْكُفْر، وجَعَل ذلك جَزاءً لِجَرِيمتهم ونِكَايَتِهم في الدِّين، وهُم الذين أشَار إليهم بِقَولِه: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا) [آل عمران: ٨٦]، فأخْبَر عنهم أنّهم لا تَكُون لَهم تَوبة فيُتَصَوَّر قَبُولها (١). ويُحْتَمَل أنَّ الْمُرَاد عَدَم التَّوفِيق للتَّوبَة؛ لأنَّ مَنْ كَان شَأنه الإيمان، ثم الكُفر، ثم الإيمان، ثم الْكُفْر، فهو الْمُتَذَبْذِب، وهو الذي شَهِد أنَّ الرَّسُول حَقّ، ثم كَفَر بَعْدَ مَا جَاءتْه البَيِّنَات. وهذا عَائد إلى مَعْنى الآية التي قَبْلَها. وهذا كَقَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) [النساء: ١٣٧]. أي أنَّ رِدَّتَهم مَرَّة بَعْد أُخْرى كَانَتْ سَبَبًا في عَدَم التَّوفِيق للتَّوبَة. فَمَنْ كَان هذا شأنه فَعادَة لا يُوفّق للتوبة، وهذا كَمَا قَال العُلَمَاء في قَول رَسُول الله ﷺ : إنَّ الله أَبَى عَليَّ مَنْ قَتَلَ مُؤمِنًا (٢). مَع مَا أخْبَر بِه رسول الله ﷺ عن قَبول تَوبة قَاتِل الْمِائة (٣)، ومِثْلُه مَا أَخْبَر بِه

стр. 337

رَسُول الله ﷺ مِنْ ضَحِك رَبّ العِزَّة مِنْ رَجُلَين يَقتُل أحَدُهما صَاحِبه، يَدخُلان الْجَنَّة، فَسُئِل: كَيْف يَا رَسُول الله؟ قال: يُقَاتِل هَذا في سَبِيل الله فيُسْتَشْهَد، ثم يَتُوب الله عَلى القَاتِل فيُسْلِم، فيُقَاتِل في سَبِيل الله فيُسْتَشْهَد (١). فَقَاتِل الْمُؤمِن غَالِبًا لا يُوفّق للتَّوْبَة، ومِثْله مَنْ اتَّخَذ دِينَه غَرَضًا ولَهْوًا ولَعِبًا، فَهَذا غَالِبًا لا يُوفَّق للتَّوبَة. وقَوْل مَنْ قَال بِاخْتِصَاص اليَهُود بِذَلك لَه وَجْه قَويّ، إذ أنَّ اليَهُود أهْل عِلْم وعِنَاد، ولِذا قَال رسول الله ﷺ : لَو آمَن بِي عَشَرة مِنْ اليَهُود لآمَن بي اليَهُود (٢). وقد عَرَض الله التَّوْبة على مَنْ زَعَمُوا لَه الصَّاحِبَة والوَلَد، فَقال : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: ٧٣، ٧٤]. وعَرَضَها على الْمُنَافِقِين، فأخْبر أنه يَقبَل تَوْبَة مَنْ تَاب مِنهم بِقَوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. وقال تَعالى في عُمُوم قَبُول التَّوبَة حَتى مِمَّنْ أشْرَك به: (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: ١٥٣]، وقَد "نَبَّه تَعَالى عِبَادَه

стр. 338

وأرْشَدَهم إلى أنه يَقْبَل تَوبَة عِبَادِه مِنْ أيّ ذَنْب كَان، حتى ولو كَان مِنْ كُفْر، أوْ شِرْك، أوْ نِفَاق، أوْ شِقَاق" (١). المثال الثالث: الْمُجَازَاة على السَّيئات: قَوله تَعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء: ٣١]، وقَوله تَعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤]، مَع قَوله تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: ١٢٣]. صورة التعارض: الآيَة الأُولى تُفِيد تَكْفِير الصَّغَائر بِاجْتِنَاب الكَبَائر، وآيَة "هود" تُفِيد ذَهَاب السَّيِّئَات بِالْحَسَنَات، بَيْنَمَا يُفهَم مِنْ الآية "الثالثة" أنَّ الإنْسَان يُجْزَى بِمَا عَمِل مِنْ سُوء. جمع القرطبي: قال القرطبي: لَمّا نَهَى تَعالى في هَذه السُّورَة عَنْ آثَام هي كَبَائر، وَعَدَ عَلى اجْتِنَابِها التَّخْفِيف مِنْ الصَّغَائر، ودَلّ هَذا عَلى أنَّ في الذُّنُوب كَبَائر وصَغَائر. وعلى هذا جَمَاعَة أهْل التَّأويل وجَمَاعَة الفُقَهَاء، وأنَّ اللمْسَة والنَّظْرَة تُكَفِّر بِاجْتِنَاب قَطْعًا بِوعْدِه الصِّدْق وقولِه الحقّ، لا أنه يَجِب عَليه ذَلك. ونَظِير الكَلام في هَذا مَا تَقَدَّم بَيَانه في قَبُول التَّوبَة في قَوله تَعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) [النساء: ١٧]، فَالله تَعالى يَغْفِر الصَّغَائر بِاجْتِنَاب الكَبَائر، لَكن بضَمِيمَة أُخْرَى إلى الاجْتِنَاب وهي إقَامَة الفَرَائض.

стр. 339

ثم أوْرَد مَا رَواه مُسْلِم (١) مِنْ حَدِيث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كَان يَقُول: الصَّلَوَات الْخَمْس، والْجُمْعَة إلى الْجُمْعَة، ورَمَضَان إلى رَمَضَان؛ مُكَفِّرَات مَا بَيْنَهنّ إذا اجْتَنَبَ الكَبَائر. ومَا رَوَاه ابن حِبان (٢) مِنْ حَدِيث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَا مِنْ عَبْد يُؤدِّي الصَّلَوَات الْخَمْس ويَصُوم رَمَضَان ويَجْتَنِب الكَبَائر السَّبْع إلَّا فُتِحَتْ له أبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة يَوْم القِيَامَة حَتى إنّها لَتَصْطَفِق (٣)، ثم تَلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). فَقَد تَعَاضَد الكِتَاب وصَحِيح السُّنَّة بِتَكْفِير الصَّغَائر قَطْعًا كَالنَّظَر وشِبْهِه، وبَيّنَتِ السُّنَّة أنَّ الْمُرَاد بـ (تَجْتَنِبُوا) ليس كُلّ الاجْتِنَاب لِجَمِيع الكَبَائر، والله أعلم. ثم ذَكَر احْتِجَاج طائفَة بِمَا رَواه مُسلم (٤) وغيره (٥) عن أبي أمامة أنّ رسول الله ﷺ قَال: مَنْ اقْتَطَع حَقّ امْرِئ مُسْلم بِيَمِينِه فَقَد أوْجَب الله له النَّار، وحَرَّم عليه الْجَنَّة. فَقَال له رَجُل: يا رسول الله وإن كان شَيئًا يَسِيرًا؟ قَال: وإن كان قَضِيبًا مِنْ أرَاك. فقد جَاء الوَعِيد الشَّدِيد على اليَسِير كَمَا جَاء على الكَثِير. ونَقَل عن ابن عباس قَوله: الكَبِيرة كُلّ ذَنْب خَتَمَه الله بِنَارٍ، أوْ غَضَب، أوْ لَعنة، أوْ عَذَاب (٦).

стр. 340

وعن ابن مسعود قَوله: الكَبائر مَا نَهَى الله عنه في هذه السُّورَة إلى ثَلاث وثَلاثِين آية، وتَصْدِيقُه قَوله تَعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) (١). وقال طاوس: قيل لابن عباس: الكَبَائر سَبْع؟ قال: هي إلى السَّبْعِين أقْرَب (٢). وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكَبائر سَبْع؟ قال: هي إلى السَّبْعِمِائة أقْرَب مِنها إلى السَّبْع، غَير أنه لا كَبيرة مَع اسْتِغْفَار، ولا صَغِيرة مَع إصْرَار (٣). ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: الكَبَائر أرْبَعة: اليَأس مِنْ رَوح الله، والقُنُوط مِنْ رَحْمَة الله، والأمْن مِنْ مَكْر الله، والشِّرك بِالله. دَلّ عَليها القُرْآن (٤). ورُوي عن ابن عمر: هي تِسْع: قَتْل النَّفْس، وأكْل الرِّبَا، وأكْل مَال اليَتِيم، ورَمْي الْمُحْصَنَة، وشَهَادَة الزُّور، وعُقُوق الوَالِدَين، والفِرَار مِنْ الزَّحْف، والسِّحْر، والإلْحَاد في البَيْت الْحَرَام (٥). ومِن الكَبَائر عِند العُلَمَاء: القِمَار، والسَّرِقَة، وشُرْب الْخَمْر، وسَبّ السَّلَف الصَّالِح، وعُدُول الْحُكَّام عَنْ الْحَقّ، واتِّبَاع الْهَوى، واليَمِين الفَاجِرَة، والقُنُوط مِنْ رَحْمَة الله، وسَبّ الإنْسَان أبَويه بِأن يَسُبّ رَجُلًا فيَسُبّ ذلك الرَّجُل أبَويه، والسَّعْي في

стр. 341

الأرْض فَسَادًا، إلى غير ذلك مما يَكْثُر تِعْدَاده حَسَب مَا جَاء بَيَانُها في القُرْآن، وفي أحَادِيث خَرَّجَها الأئمَة. وقد ذَكَر مُسْلِم في كِتاب الإيمان مِنْها جُمْلَة وَافِرَة، وقد اخْتَلَف النَّاس في تِعْدَادِها وحَصْرِها لاخْتِلاف الآثَار فِيها. والذي أقُول: إنه قَدْ جَاءت فِيها أحَادِيث كَثِيرَة صِحَاح وحِسَان لَم يُقْصَد بِهَا الْحَصْر، ولكِن بَعْضا أكْبَر مِنْ بَعض بالنِّسْبَة إلى مَا يَكْثُر ضَرَره، فالشِّرْك أكْبَر ذلك كُلّه، وهو الذي لا يُغْفَر لِنَصّ الله تَعالى على ذَلك، وبَعْده اليَأس مِنْ رَحْمَة الله، وبَعْده القُنُوط، وبَعْده الأمْن مِنْ مَكْر الله، وبَعْده القَتْل … إلى غير ذلك مما هو بَيّن الضَّرَر؛ فَكُلّ ذَنْب عَظَّم الشَّرْع التَّوَعُّد عَليه بالعِقَاب وشَدَّده، أوْ عَظُم ضَرَرُه في الوُجُود كَما ذَكَرْنا فهو كَبِيرَة، ومَا عَداه صَغِيرة؛ فهذا يَربط لك هذا البَاب ويَضْبِطه، والله أعلم (١). وبيَّن القرطبي في تفسير قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) أنَّ الْمُرَاد بالسُّوء الشِّرْك، ونَقَل عن الحسن قَوله: هَذه الآيَة في الكَافِر، وقَرأ: (وهل يُجَازَى إلا الكَفُور) (٢)، وعنه أيضًا: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قال: ذلك لِمَنْ أرَاد الله هَوانَه، فأمَّا مَنْ أرَاد كَرَامَته فَلا، قَدْ ذَكَر الله قَوْمًا فَقَال: (أولئك الذين يُتَقَبّلُ (٣) عنهم أحْسَنُ ما عَمِلُوا ويُتَجَاوزُ عن سيئاتهم في أصْحَابِ الْجَنَّة وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: ١٦]. وقال الضحاك: يَعني اليَهُود والنَّصَارَى والْمَجُوس وكُفَّار العَرَب. وقال الْجُمْهُور: لَفْظ الآيَة عَامّ، والكَافِر والْمُؤمِن مُجَاز (٤) بِعَمَلِه السُّوء؛ فأما مُجَازَاة الكَافِر، فالنَّار، لأنَّ كُفْرَه أوْبَقَه، وأمَّا الْمُؤمِن فَبِنَكَبَات الدُّنيا، كَمَا رَوى

стр. 342

مُسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة قال: لَمَّا نَزَلَتْ: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِين مَبْلَغًا شَدِيدًا، فقال رسول الله ﷺ : قَارِبوا وسَدِّدُوا فَفِي كُلّ مَا يُصَاب بِه الْمُسْلِم كَفَّارَةٌ حتى النَّكْبَةِ يُنْكَبُها، أو الشَّوكَةِ يُشَاكُها. ثم ذَكَر آثارًا في الآيَة، وأوْرَد قول أبي بكر ﵁ لَمَّا نَزَلَتْ: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قال: كَيْف الصَّلاح يا رسول الله مَع هذا؟ كُلّ شَيء عَمِلْنَاه جُزِينَا بِه. فَقَال: غَفَرَ الله لك يَا أبَا بَكر! ألَسْتَ تَنْصَب؟ ألَسْتَ تَحْزَن؟ ألَسْتَ تُصِيبُك اللأوَاء؟ قال: بلى. قال: فَذَلك مِمَّا تُجْزَون بِه (٢). فَفَسَّر رسول الله ﷺ ما أَجْمَلَه التَّنْزِيل مِنْ قَوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ). ورَوى الترمذي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنها لَمَّا نَزَلَتْ قال له النبي ﷺ : أمَّا أنْت يا أبَا بَكر والْمُؤمِنُون فَتُجْزَون بِذلك في الدُّنْيا حَتى تَلْقُوا الله ولَيس لَكم ذُنُوب، وأمَّا الآخرون فيُجْمَع ذلك لهم حتى يُجْزَوا به يَوم القيَامَة (٣).

стр. 343

وقِيل الْمَعْنَى: لَيس ثَوَاب الله بِأمَانِيكم إذْ قد تَقَدَّم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ) [النساء: ٥٧]. وقال القرطبي: قَوله تَعالى: (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: ١٢٣] يَعْنِي الْمُشْرِكِين، لِقَولِه تَعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: ٥١]. وقِيل: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) إلَّا أن يَتُوب. ثم قال: فإنْ حُمِلَتْ الآيَة على الكَافِر فَلَيس لَه غَدًا (١) وَلِيّ ولا نَصِير، وإنْ حُمِلَتْ على الْمُؤمِن فَلَيس لَه وَلِيّ ولا نَصِير دُون الله (٢). مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: رَوى ابن جرير بإسْناده إلى عَائشة ﵂ في قَوله تَعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) [البقرة: ٢٨٤] أنّها قَالتْ: مَنْ هَمّ بِسَيِّئَة فَلَم يَعْمَلها أرْسَل الله عليه مِنْ الْهَمّ والْحُزْن - مِثْل الذي هَمّ بِه مِنْ السَّيِّئَة فَلم يَعْمِلها - فَكَانَت كَفّارَته. ورَوى عنها قَولها: كلّ عَبد يَهُمّ بِمَعْصِيَة أوْ يُحَدِّث بِها نَفْسَه حَاسَبَه الله بِهَا في الدُّنْيا يَخَاف ويَحْزَن ويَهْتَمّ.

стр. 344

فَمَعْنَى الآيَة على هَذا القَول: "أنَّ الله مُحَاسِب جَمِيع خَلْقِه بِجَمِيع مَا أبْدَوا مِنْ سَيئ أعْمَالِهم، وجَمِيع مَا أسَرُّوه ومُعَاقِبهم عليه، غير أنَّ عُقُوبَته إيّاهم على مَا أَخْفَوه مِمَّا لَم يَعْمَلُوه مَا يَحْدُث لَهم في الدُّنيا مِنْ الْمَصَائب والأمُور التي يَحْزَنون عليها ويَألَمُون مِنها". وعلى قَول آخَرِين تَكون الآيَة مُحْكَمة غَير مَنْسُوخَة ويَكُون مَعْنَاهَا: أنَّ "الله مُحَاسِب خَلْقَه على مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل وعَلى مَا لَم يَعْمَلُوه مِمَّا أضْمَرُوه في أنْفُسِهِم ونَوَوه وأرَادُوه؛ فَيَغْفِره للمُؤمِنين، ويُؤاخِذ بِه أهْل الكُفْر والنِّفَاق". وأَوْلى الأقْوال بِالصَّواب عند ابن جرير في هَذه الآيَة أنّها "مُحْكَمَة ولَيْسَت بِمَنْسُوخَة، وذلك أنَّ النَّسْخ لا يَكُون في حُكْم إلَّا يَنْفِيه بآخَر لَه نَافٍ مِنْ كُلّ وُجُوهِه ولَيس في قَوله جَلّ وَعَزّ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: ٢٨٤]؛ لأنَّ الْمُحَاسَبَة (١) لَيْسَت بِمُوجِبة عُقُوبَة الله، ولا مُؤاخَذة بِمَا حُوسِب عَليه العَبْد مِنْ ذُنُوبِه" (٢). وفي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء ذَكَر الْخِلاف في الذين عُنُوا بِقَولِه: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ فَقَال بَعْضُهم: عُنِي بِقَولِه: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ): أهْل الإسْلام. والقَول الثَّاني: الْمَعْنِيّ بِه: أهْل الشِّرْك مِنْ عَبَدَة الأوْثَان. والقَول الثَّالِث: الْمَعْنِيّ بِه: أهْل الكِتَاب خَاصَّة. وذَكَر ابن جرير الْخِلاف في مَعْنَى قَولِه تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ):

стр. 345

فَقَال بَعْضُهم: عُنِي بالسُّوء كُلّ مَعْصِيَة لله. وقَالُوا: مَعْنَى الآيَة: مَنْ يَرْتَكِب صَغِيرة أوْ كَبِيرَة مِنْ مُؤمِن أوْ كَافِر مِنْ مَعَاصِي الله يُجَازِه الله بِها. وقال آخَرُون: مَعْنَى ذَلك: مَنْ يَعْمَل سُوءًا مِنْ أهْل الكُفْر يُجْزَ بِه. وقال آخَرُون: مَعْنَى السُّوء في هَذا الْمَوْضِع: الشِّرْك. قالوا: وتأويل قوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) مَنْ يُشْرِك بالله يُجْزَ بِشِرْكِه، ولا يَجِد لَه مِنْ دُون الله وَلِيًّا ولا نَصِيرًا. وأوْلى التَّأوِيلات عند ابن جرير: التَّأويل الذي ذَكَرَه عن أُبَيّ بن كَعب وعائشة؛ وهو أنَّ كُلّ مَنْ عَمِل سُوءًا صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا مِنْ مُؤمِن أوْ كَافِر جُوزِي بِه. وعَلّل اخْتِيَارَه بِأنّه إجراء "لِعُموم الآيَة: كُلّ عَامِل سُوء مِنْ غَيْر أن يَخُص أوْ يَسْتَثْني مِنهم أحَد، فهي عَلى عُمُومِها إذْ لَم يَكُنْ في الآيَة دَلالة عَلى خُصُوصِها ولا قَامَت حُجَّة بِذَلك مِنْ خَبَرٍ عن الرَّسُول ﷺ ". فإن قَال قَائل: وأيْن ذَلك مِنْ قَول الله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)؟ وكَيف يَجُوز أن يُجَازِي على مَا قَدْ وَعَد تَكْفِيرِه؟ قِيل: إنّه لَم يَعِد بِقَوله: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)؟ تَرْك الْمُجَازَاة عَليها، وإنّما وَعَد التَّكْفِير بِتَرْكِ الفَضِيحَة مِنه لأهْلِها في مَعَادِهم، كَمَا فَضَحَ أهْل الشِّرك والنِّفَاق، فأمَّا إذا جَازَاهم في الدُّنْيا عَليها بِالْمَصَائب ليُكَفِّرَها عَنهم بِها لِيُوافُوه ولا ذَنْب لَهم يَسْتَحِقُّون الْمُجَازَاة عَليه فَإنَّمَا وَفَى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهم بِقَولِه: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وأنْجَزَ لَهُمْ مَا ضَمِنَ لَهُمْ بِقَولِه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [النساء: ١٢٢]. وبِنَحْو الذي قُلْنَا في ذَلك تَظَاهَرَت الأخْبَار عن رسول الله ﷺ (١) وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أطَال في ذِكْر الكَبَائر وتَعْرِيفِها، ومَن قَال بِعَدَدِها، ثم قال: وأوْلَى مَا قِيل في تَأوِيل الكَبَائر بِالصِّحَّة مَا

стр. 346

صَحَّ بِه الْخَبَر عَنْ رسول الله ﷺ دُون مَا قَاله غَيره، وإن كَان كُلّ قَائل فِيها قَولًا مِنْ الذين ذَكَرنَا أقْوَالَهم قد اجْتَهَد وبَالَغ في نَفْسِه. ولِقَولِه في الصِّحَّة مَذْهَبٌ. ورَجَّح أنَّ "مَنْ اجْتَنِبَ الكَبَائر التي وَعَد الله مُجْتَنِبها تَكْفِير مَا عَدَاها مِنْ سَيِّئاتِه، وإدْخَالِه مُدْخَلًا كَرِيما، وأدَّى فَرَائضه التي فَرَضَها الله عَليه، وَجَد الله لِمَا وَعَده مِنْ وَعْدٍ مُنْجِزًا، وعَلى الوَفَاء له ثَابِتًا". وأمَّا قَوله: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فإنه يَعْنِي به: نُكَفِّر عَنْكُم أيّها الْمُؤمِنُون بِاجْتِنَابِكُم كَبَائر مَا يَنْهَاكُم عَنه رَبُّكُمْ صَغَائر سَيِّئَاتِكُم، يَعْنِي: صَغَائر ذُنُوبِكُم" (١). وصَدّر السمرقندي تفسير الآية بِذِكْر مَعْنَى قَوله تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، فقال: يَعْنِي: مَنْ يَعْمَل مَعْصِيَة دُون الشِّرْك يُعَاقَب بِه. وقال الزجاج: مَعْنَاه: لَيْس ثَوَاب الله بأمَانِيكم ولا أمَاني أهْل الكِتَاب. وقَد جَرى مَا يَدُلّ على إضْمَار الثَّوَاب، وهو قَوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: إنّمَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ آمَن وعَمِل صَالِحًا، لَيس كَمَا تَمَنَّيتُم. (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) أي: لا يَنْفَعُه تَمَنَّيه. وأشَار إلى تَضْعِيف مَا رُوي فِيها، حيث قَال: ويُقَال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) شَقّ ذَلك على الْمُسْلِمِين. وقال أبو بَكْر: كَيْف الفَلاح بَعْد هَذه الآيَة يَا رسول الله؟ فقال ﷺ : ألَسْتَ تَمْرَض؟ ألَسْتَ تَحْزَن؟ ألَسْتَ تُصِيبك اللأواء؟ أي الشِّدَّة. فَذَلك كُلّه جَزَاؤه (٢).

стр. 347

وفي قَوله تَعالى: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) قال السمرقندي: يَقُول: نَمْحُو عَنْكم ذُنُوبَكُم مَا دُون الكَبَائر (١). واخْتَار السمعاني عُمُوم قَوله تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) في الْجَزَاء، فَقَال: قَال ابن عباس وسعيد بن جبير وقادة وجَمَاعَة الْمفَسِّرِين: إنَّ الآيَة على العُمُوم في حَقّ كلّ عَامِل. وقال الْحَسَن: أرَاد بِه أهْل الشَّرْك (٢). ويَرَى أن مَغْفِرَة الذُّنُوب تحت الْمَشِيئة، إذ يَقُول في قوله تعالى: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ): إنْ شِئتُ؛ فَالْمَشِيئَة مُضْمَرَة فِيه. وذَكَر أنَّ "مَذْهَب أهْل السُّنَّة أنَّ تَكْفِير الصَّغَائر مُعَلَّقَة بِالْمَشِيئَة، فَيَجُوز أن يَعْفُو الله عن الكَبَائر ويَأخُذ بِالصَّغَائر، ويَجُوز أن يَجْتَنِب الرَّجُل الكَبَائر فيُؤخَذ بِالصَّغَائر" (٣). وذَكَر الثعلبي الاخْتِلاف "في الكَبَائر التي جَعَل الله اجْتِنَابَها تَكْفِيرًا للصَّغَائر" ثم أطَال في النَّقْل عن السَّلَف في ذلك. وعَقَد فَصْلًا "في تَفْصِيل أقَاويل أهْل التَّأويل في عَدَد الكَبَائر مَجْمُوعَة مِنْ الكِتَاب والسُّنَّة مَقْرُونَة بِالدَّلِيل والْحُجَّة" وقد أوْصَلها إلى خَمْس وعِشْرِين كَبِيرَة (٤). وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ذَكَر مَا رُوي في الآية مِنْ أنّها شَقَّتْ على الْمُسْلِمِين، وأوْرَد قَوْل الْحَسَن في الآيَة، حيث قال: هو الكَافِر، لا يَجْزِي الله

стр. 348

الْمُؤمِن يَوْم القِيَامَة، ولكِن الْمُؤمِن يُجْزَى بأحْسَن عَمَلِه، ويُتَجَاوز عن سَيِّئَاتِه، ثم قَرَأ: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ) [الزمر: ٣٥] الآيَة، وقَرأ أيضًا: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) [سبأ: ١٧]. قال الثعلبي: وقُلْتَ: لَولا السَّيِّئَة لأُتِي الْجَزَاء في الكُفَّار، لِقَولِه في سِيَاق الآيَة، (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)، ومَن لَم يَكُنْ له في القِيَامة نَصِير ولا وَلِيّ كَان كَافِرًا، فإنَّ الله قَدْ ضَمِن بِنُصْرَة الْمُؤمِنِين في الدَّارَين بِقَولِه: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) [غافر: ٥١] الآية. ولَكِن الْخِطَاب مَتَى وَرَدَ مُجْمَلًا وبَيَّن الرَّسُول ذلك على لِسَانِه ثم بَيَّن الله تَعالى فَضْل الْمُؤمِنِين على مُخَالِفِيهم، فَقَال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء: ١٢٤] (١). وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) [البقرة: ٢٨٤] ذَكَر الثعلبي مَا ذَكَره ابن جرير من أقْوَال في الآيَة، ولم يُرجِّح شَيئًا (٢). ويَرى ابن عطية أن قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ابتداء، أي أنه لا تَعلّق له بما قَبْلَه. قال ابن عطية: وجَاء هذا اللفْظ عَامًّا في كُلِّ سُوء، فانْدَرَج تَحْت عُمُومِه الفَرِيقَان الْمَذْكُورَان، واخْتَلَف الْمُتَأَوِّلُون في تَعْمِيم لَفْظ هَذا الْخَبَر. ثم قَال بَعد أنْ حَكَى الْخِلاف والتَّخْصِيص: وقَال جُمْهُور النَّاس: لَفْظ الآيَة عَامّ، والكَافِر والْمُؤمِن مُجَازَى بالسُّوء يَعْمَله، فأمَّا مُجَازاة الكَافِر فَالنَّار، لأنَّ كُفْرَه أوْبَقَه، وأمَّا الْمُؤمِن فَبِنَكَبَات الدُّنيا … فَالعَقِيدَة في هَذا أنَّ الكَافِر مُجَازَى، والْمُؤمِن يُجَازَى

стр. 349

في الدُّنْيا غَالِبًا، فَمَنْ بَقِي له سُوء إلى الآخِرَة فَهو في الْمَشِيئَة، يَغْفِر الله لِمَنْ يَشَاء، ويُجَازِي مَنْ يَشَاء (١). وفي تَفْسِير قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) قال: واخْتَلَف العُلَمَاء في هَذه الْمَسْألَة؛ فَجَمَاعةٌ مِنْ الفُقَهاء وأهل الحديث يَرون أنَّ الرَّجُل إذا اجْتَنَب الكَبَائر وامْتَثَل الفرائض كُفِّرَتْ صَغَائره، كالنَّظَر وشِبْهِه قَطْعًا بِظَاهِر هَذه الآيَة وظَاهِر الْحَدِيث (٢). وأمَّا الزمخشري فَقَال في مَعْنَى قَوله تَعالى: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ): نُمِيط مَا تَسْتَحِقُّونَه مِنْ العِقَاب في كُلّ وَقْت على صَغَائرِكُم ونَجْعَلها كَأن لم تَكُنْ لِزِيادَة الثَّوَاب الْمُسْتَحَق على اجْتِنَابِكُم الكَبَائر وصَبْرِكُم عنها عَلى عِقَاب السَّيئَات. والكَبِيرَة والصَّغِيرَة إنّما وُصِفَتَا بالكِبَر والصِّغَر بإضَافَتِهما؛ إمَّا إلى طَاعَة، أوْ مَعْصِيَة، أوْ ثَوَاب فَاعِلِهما (٣). والتَّكْفِير إمَاطَة الْمُسْتَحَق مِنْ العِقَاب بِثَوَاب أزْيَد أوْ بِتَوْبَة، والإحْبَاط (٤) نَقِيضُه، وهُو إمَاطَة الثَّوَاب الْمُسْتَحَقّ بِعِقَاب أزْيَد أوْ بِنَدَم عَلى الطَّاعَة (٥).

стр. 350

وأطَال الرَّازي النَّفَس في تَقْرِير ومُنَاقَشَة الأقْوَال في تَعْيِين الكَبَائر والتَّفْرِيق بَيْنَها وبَيْن الصَّغَائر، كَمَا أطَال في رَدّ قَوْل الْمُعْتَزِلَة في "القَوْل بالإحْبَاط". واخْتَار الرَّازِي أنَّ الله لَم يُميِّز الكَبَائر عن الصَّغَائر، وعَزَاه إلى الأكْثَرِين، وعَلل ذلك: بأنه تَعَالى لَمَّا بَيَّن في هَذه الآيَة أنَّ الاجْتِنَاب عن الكَبَائر يُوجِب تَكْفِير الصَّغَائر، فإذا عَرَف العَبْد أنَّ الكَبَائر لَيْسَت إلَّا هَذه الأصْنَاف الْمَخْصُوصَة عَرَف أنه مَتَى احْتَرَز عَنها صَارَتْ صَغَائره مُكَفَّرة، فَكَان ذَلك إغْرَاءًا لَه بالإقْدَام على تِلك الصَّغَائر، والإغْرَاء بِالقَبِيح لا يَلِيق بِالْجُمْلَة، أمَّا إذا لم يُمَيِّز الله تعالى كُلّ الكَبَائر عن كُلّ الصَّغَائر ولم يُعْرَف في شَيء مِنْ الذُّنُوب أنه صَغِيرة ولا ذَنْب يُقْدِم عَليه إلَّا ويَجُوز كَونه كَبِيرَة فيَكُون ذَلك زَاجِرًا لَه عن الإقْدَام عَليه. قَالُوا: ونَظِير هَذا في الشَّرِيعَة: إخْفَاء الصَّلاة الوُسْطَى في الصَّلَوات (١)، ولَيْلَة القَدْر في لَيَالِي رَمَضَان (٢). وسَاعَة الإجَابَة في سَاعَات الْجُمُعَة (٣)، ووَقْت الْمَوْت في جَمِيع الأوْقَات (٤). والْحَاصِل أنَّ هَذه القَاعِدة تَقْتَضِي ألا يُبَيّن الله تعالى في شيء مِنْ الذُّنُوب أنه صَغِيرة، وأنْ لا يُبَيِّنْ أنَّ الكَبَائر لَيْسَت إلَّا كَذا وكَذا، فإنه لو بَيّن ذلك لَكَان مَا عَدَاهَا صَغِيرَة، فَحِينَئذٍ تَصِير الصَّغِيرة مَعْلُومَة، ولكن يَجُوز أن يُبَيَّن في بَعْض الذُّنُوب أنه كَبِيرَة (٥).

стр. 351

وَقَرَّر الرَّازي "أنَّ مُجَرَّد الاجْتِنَاب عن الكَبَائر لا يُوجِب دُخُول الْجَنَّة بل لا بُدّ مَعَه مِنْ الطَّاعَات؛ فَالتَّقْدير: إنْ أتَيْتُم بِجَمِيع الوَاجِبَات، واجْتَنَبْتُم عن جَمِيع الكَبَائر كَفَّرْنا عَنْكم بَقِيَّة السَّيئَات، وأدْخَلْنَاكُم الْجَنَّة، فَهذا أحَد مَا يُوجِب الدُّخُول في الْجَنَّة (١)، ومِن الْمَعْلُوم أنَّ عَدَم السَّبَب الوَاحِد لا يُوجِب عَدَم الْمُسَبِّب، بَلْ هَهنا سَبَب آخَر هو السَّبَب الأصْلي القَوي، وهو فَضل الله وكَرَمه ورَحْمَته، كَمَا قَال: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨] والله أعلم" (٢). واقْتَصر ابن جُزي على قَوله في الآيَة الأُولى: وَعْدٌ بِغُفْران الذُّنُوب الصَّغَائر إذا اجْتُنِبَتْ الكَبَائر (٣). وفي الثانية على قَولِه: وَعِيد حَتْمٍ في الكُفَّار، ومُقَيَّد بِمَشِيئة الله في الْمُسْلِمِين (٤).

стр. 352

وافْتَتَحَ ابن كَثِير تَفْسِير قَوله تَعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) بِقَولِه: أي: إذا اجْتَنَبْتُم كَبَائر الآثَام التي نُهِيتُم عَنها كَفَّرْنا عَنْكُم صَغَائر الذُّنُوب وأدْخَلْنَاكُم الْجَنَّة، ولِهَذا قَال: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). ثم أطال في ذِكر الرِّوَايَات الْمَرْفُوعَة في ذِكْر الكَبَائر والْمُكَفِّرَات، ثم ذَكَر أقْوَال الصَّحَابَة وأقْوَال التَّابِعِين في عَدّ الكَبَائر، وفي تَعْرِيفِها (١). ويَرى ابن كثير أنَّ قَوله تَعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) مُرتَبِط بِمَا قَبْلَه خِلافًا لابن عَطِيّة، حيث قال في قَوله تَعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ): والْمَعْنَى في هَذه الآيَة: أنَّ الدِّين لَيْس بالتَّحَلِّي ولا بِالتَّمَنِّي، ولكن مَا وَقَر في القُلُوب وصَدَّقَتْه الأعْمَال، ولَيْس كُلّ مَنْ ادَّعَى شَيئًا حَصَل له بِمُجَرّد دَعْواه، ولا كُلّ مَنْ قَال إنه هو عَلى الْحَقّ سُمِعَ قَوله بِمُجَرّد ذلك، حَتى يَكُون له مِنْ الله بُرْهَان، ولِهَذا قَال تَعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)، أي: لَيس لَكُمْ ولا لَهم النَّجاة بِمُجَرّد التَّمَنِّي، بَلْ العِبْرَة بِطَاعَة الله سبحانه واتِّباع مَا شَرَعَه على ألْسِنَة رُسُلِه الْكِرَام، ولِهَذا قَال بَعْدَه: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) (٢). كَمَا أطَال في ذِكر الرِّوايات أيضًا في الْمُكَفِّرَات. واخْتَار مَا اخْتَاره ابن جرير مِنْ أنَّ ذلك عَامّ في جَمِيع الأعْمَال (٣).

стр. 353

رأي الباحث: أمَّا آيَة "البقرة" (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فَهي مَنْسُوخَة، للحَدِيث الصَّحِيح (١) الْمُصَرِّح بِنَسْخِها، ففي الْحَدِيث: لَمَّا نَزَلَتْ على رسول الله ﷺ : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال أبو هريرة: فاشْتَدّ ذلك على أصْحَاب رَسول الله ﷺ ، فأَتَوا رسول الله ﷺ ثم بَرَكُوا على الرُّكَب، فَقَالُوا: أيْ رسول الله! كُلِّفْنَا مِنْ الأعْمَال ما نُطِيق: الصَّلاة والصِّيَام والْجِهَاد والصَّدَقة، وقد أُنْزِلَتْ عَليك هَذه الآَية ولا نُطِيقُها. قال رسول الله ﷺ : أتُرِيدُون أن تَقُولُوا كَمَا قال أهْل الكِتَابَين مِنْ قَبْلِكم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)؟ بل قُولوا: سَمِعْنَا وأطَعْنا غُفْرَانَك رَبَّنا وإلَيك الْمَصِير، قَالُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وإلَيك الْمَصِير. فَلَمَّا اقْتَرَأهَا القَوْم ذَلَّتْ بِهَا ألْسِنَتُهم، فأنْزَل الله في إثْرِها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلك نَسَخَها الله تعالى، فأنْزَل الله : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال (٢): نَعَم. (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا). قال: نَعَم. (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ). قال: نَعَم. (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). قال: نَعَم.

стр. 354

فهذا صَرِيح في نَسْخَ الْمُحَاسَبَة والْمُؤاخَذَة على مَا يُكتَم في الصّدُور - خِلافًا لابن جرير -، ولأنَّ مَا في الصُّدْر مِمَّا عُفِي عنه، لِقوله ﵊: إنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمّتي مَا حَدَّثَتْ به أنْفُسَها مَا لَم تَعْمَل أوْ تَتَكَلَّم (١). وأمَّا الاخْتِلاف في الكَبَائر "فاخْتَلَفَ السَّلَف فِيها اخْتلافًا لا يَرجِع إلى تباين وتَضاد وأقْوَالهم مُتَقَارِبَة" (٢). وأمَّا قَوله تَعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فاجْتِنَاب الكَبَائر مِنْ أسْبَاب تَكْفِير الصَّغَائر، إذْ الصَّغَائر تُكَفَّر وتَزُول عُقُوبَتُها بِنَحْو عَشَرَة أسْباب بالإضَافَة إلى الإتْيَان بِالفَرَائض. قال ابن تيمية: دَلَّتْ نُصُوص الكِتَاب والسُّنَّة على أنَّ عُقُوبَة الذُّنُوب تَزُول عَنْ العَبْد بِنَحْو عَشَرَة أسْبَاب (٣). وذَكَرَها ابن القيم ثم قَال: فَهَذِه عَشَرَة أسْبَاب تَمْحَق أثَر الذُّنُوب، فإنْ عَجِزَتْ هذه الأسْبَاب عَنها فَلا بُدّ مِنْ دُخُول النَّار ثُم يُخْرَجون مِنها (٤). "وهَهنا أمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّن لَه، وهو أنَّ الكَبِيرَة قَدْ يَقْتَرِن بِهَا مِنْ الْحَيَاء والْخَوْف والاسْتِعْظَام لَهَا مَا يُلْحِقها بِالصَّغَائر، وقد يَقْتَرِن بِالصَّغِيرَة مِنْ قِلَّة الْحَيَاء وعَدم الْمَبَالاة وتَرْك الْخَوْف والاسْتِهَانَة بِهَا مَا يُلْحِقها بِالكَبَائر، بَلْ يَجْعَلها في أعْلى رُتَبِها، وهَذا أمْرٌ مَرْجِعُه إلى مَا يَقُوم بِالقَلْب، وهو قَدْر زَائد عَلى مُجَرَّد الفِعْل، والإنْسَان يَعْرِف ذَلك مِنْ نَفْسِه ومِن غَيرِه" (٥).

стр. 355

فإن قِيل: الصَّغَائر مُكَفَّرَة باجْتِنَاب الكَبَائر، فَمَا الذي تُكَفِّرُه الفَرَائض في مِثْل قَوله ﵊: الصَّلَوَات الْخَمْس، والْجُمُعَة إلى الْجُمُعَة، ورَمَضَان إلى رَمَضَان، مُكَفِّرَات مَا بَيْنَهُنّ إذا اجْتَنَبَ الكَبَائر (١)؟ فالْجَوَاب: أنَّ الصَّغَائر كَثيرَة، وقَد تُكَفِّر الصَّلَوات الْخَمْس بَعْضَها، فإذا بَقِي مِنها شَيء كَفَّرَتْها الْجُمُعَة، فَرَمَضان، فَالْعُمْرَة، فإن لَم يَبْقَ مِنْها شَيء، أوْ كَانت مُكَفّرَة باجْتِنَاب الكَبَائر؛ كَانَتْ هَذه الأعْمَال لَه فَضْلًا وزِيَادَة أجْر. كما أن "بَعْض السَّيئَات قَدْ لا يُعاقَب عَليها، وقد تَقَع مُكَفَّرَة بِاجْتِنَاب الكَبَائر ولكِن زَمَانها قَدْ خَسِرَه صَاحِبُها حَيث ذَهَبَتْ بَاطِلًا، فَيَحْصُل له بِذلك حَسْرَة في القِيَامَة وأسَف عَليه، وهو نَوْع عُقُوبَة" (٢). قال ابن حجر: ودَلّ التَّقْيِيد بِعَدَم غِشْيَان الكَبَائر على أنَّ الذي يُكَفّر مِنْ الذُّنُوب هو الصَّغَائر، فَتُحْمَل الْمُطْلَقَات كَلّها عَلى هذا الْمُقَيّد، وذَلك أنَّ مَعْنَى قَوله: "مَا لَم تُغْشَ الكَبَائر" إي: فَإنّهَا إذا غُشِيَتْ لا تُكَفَّر، وليس الْمُرَاد أن تَكْفِير الصَّغَائر شَرْطه اجْتِنَاب الكَبَائر، إذ اجْتِنَاب الكَبَائر بِمُجَرَّدِه يُكَفِّرُها، كَمَا نَطَق بِه القُرْآن، ولا يَلْزَم مِنْ ذَلك أن لا يُكَفّرها إلَّا اجْتِنَاب الكَبَائر، وإذا لَم يَكُنْ للمَرْء صَغَائر تُكَفَّر رُجِي له أن يُكَفّر عنه بِمِقْدار ذَلك مِنْ الكَبَائر، وإلّا أُعْطِي مِنْ الثَّوَاب بِمِقْدَار ذَلك (٣). واخْتلِف في تَكْفِيرِ الكَبَائر. قال ابن رَجب: وأمَّا الكَبَائر فَلا بُدّ لَهَا مِنْ التَّوْبَة؛ لأنَّ الله أمَرَ العِبَاد بِالتَّوْبة، وجَعَل مَنْ لَم يَتُبْ ظَالِمًا، واتَّفَقَتِ الأُمَّة على أنَّ التَّوْبة فَرْض، والفَرَائض لا تُؤدَّى إلَّا
следующие страницы →