صورة التعارض:
في صَدْر آيتي "النساء" أخْبَر الله أنه لا يَغْفِر أن يُشْرَك به، وفي آيَات "الفُرْقَان" أخْبَر أنه يَغْفِر لِمن تَاب مِنْ شرْكه، وفي آية "الزُّمَر" أخْبَر أنه يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا، ويَدْخُل في هَذا العُمُوم الشِّرْك وغَيره.
جمع القرطبي:
قال القرطبي:
رُوي أنَّ النبي ﷺ تَلا: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فَقَال لَه رَجُل: يا رَسول الله والشِّرْك؟ فَنَزَل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (١).
وهذا مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَليه الذي لا اخْتِلاف فِيه بَيْن الأمَّة.
(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) مِنْ الْمُتَشَابِه الذي قَدْ تَكَلَّم العُلَمَاء فيه؛ فَقال محمد بن جرير الطبري: قد أبَانَتْ هَذه الآيَة أنَّ كُلَّ صَاحِب كَبِيرَة فَفِي مَشِيئَة الله تعالى، إن شَاء عَفَا عَنه ذَنْبه، وإن شَاء عَاقَبه عَليه مَا لَم تَكُنْ كَبِيرَته شِرْكًا بِالله تَعالى.
وقال بعضهم: قد بَيَّن الله تعالى ذلك بِقَوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [النساء: ٣١]، فاعْلَم أنه يَشَاء أن يَغْفِر الصَّغَائر لِمَنْ اجْتَنَب الكَبَائر ولا يَغْفِرْهَا لِمَنْ أَتَى الكَبَائر، وذَهَب بَعْض أهْل التَّأوِيل إلى أنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة للتي في آخِر الفُرْقَان، قال زيد بن ثابت: نَزَلَتْ سُورة النِّسَاء بَعْد الفُرْقَان بِسِتَّة أشْهُر.
стр. 359
والصَّحِيح أنْ لا نَسْخ، لأنَّ النَّسْخ في الأخْبَار يَسْتَحِيل (١) - وسَيَأتي بَيَان الْجَمْع بَيْن الآي في هذه السُّورَة وفي الفرقان إن شاء الله تعالى -.
وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: مَا في القُرْآن آيَة أحَبّ إليَّ مِنْ هَذه الآيَة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). قال (٢): هذا حديث حسن غريب (٣).
وفي تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا):
قال: هَاتَان الآيَتَان نَزَلَتَا بِسَبَب ابن أُبَيْرِق السَّارِق لَمَّا حَكَم النبي ﷺ عليه بِالقَطْع وهَرَب إلى مَكَّة وارْتَدّ.
قال سعيد بن جبير: لَمَّا صَار إلى مَكة نَقَب بَيْتًا بِمَكَّة فَلَحِقه الْمُشْرِكُون فَقَتَلُوه، فأنْزَل الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) إلى قوله: (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا).
وقال الضحاك: قَدِم نَفَرٌ مِنْ قُرَيش الْمَدِينَةَ وأسْلَمُوا ثم انْقَلَبُوا إلى مَكَّة مُرْتَدّين، فَنَزَلَتْ هَذه الآيَة.
وقال الكلبي: نَزَل قَوله تَعالى: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) في ابن أُبَيرق لَمَّا ظَهَرَتْ حَاله وسَرِقَته هَرَب إلى مَكَّة وارْتَدّ، ونَقَب حَائطًا لِرَجُلٍ بِمَكَّة، يُقَال له: حَجاج بن عِلاط فَسَقَط فَبَقِي
стр. 360
في النَّقْب حَتى وُجِد على حَاله، وأخْرَجُوه مِنْ مَكَّة، فَخَرَج إلى الشَّام فَسَرَق بَعض أمْوَال القَافِلَة فَرَجَمُوه وقَتَلُوه، فَنَزَلَتْ: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
ونَقَل عن ابن فورك قَوله: وأجْمَع أصْحَابُا على أنه لا تَخْلِيد إلَّا للكَافِر، وأنَّ الفَاسِق مِنْ أهْل القِبْلَة إذا مَات غَير تَائب فإنه إنْ عُذِّب بِالنَّار فَلا مَحَالَة أنّه يَخْرُج مِنْها بِشَفَاعَة الرَّسُول، أوْ بابْتدَاء رَحْمَة من الله تعالى.
وقال الضحاك (١): إنَّ شَيْخًا مِنْ الأعْرَاب جَاء إلى رسول الله ﷺ فَقَال: يا رسول الله إني شَيْخ مُنْهَمِك في الذُّنُوب والْخَطَايا إلَّا أني لَم أُشْرِك بِالله شَيئا مُنْذ عَرَفْتُه وآمَنْت بِه، فَمَا حَالِي عِند الله؟ فأنْزَل الله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) الآية (٢).
وقال القرطبي في قَوله تَعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) [الكهف: ٥٨] أي: للذّنُوب، وهَذا يَخْتَصّ به أهْل الإيمان دُون الكَفَرَة، بِدَلِيل قَوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (٣).
وقال في قَوله تَعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) [الفرقان: ٧٠]: لا خِلاف بَيْن العُلَمَاء أنَّ الاسْتِثْنَاء عَامِل في الكَافِر والزَّانِي (٤).
وفي آيَة "الزمر" قال القرطبي: ومِن أجَلّ مَا رُوي فيه مَا رَواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن عُمر قال: لَمَّا اجْتَمَعْنا على الْهِجْرة اتَّعَدْتُ أنا وهِشَام بن
стр. 361
العاص بن وائل السهمي وعَيَّاش بن أبي ربيعة بن عتبة، فَقُلْنَا: الْمَوعِد أضَاة بنِي غِفار، وقُلْنَا: مَنْ تَأخَّر مِنَّا فَقَد حُبِس فلْيَمْضِ صَاحِبه، فأصْبَحْتُ أنا وعَيَّاش بن عتبة حُبِس عَنَّا هِشام، وإذا به قَدْ فُتِن فافْتَتَن، فَكُنَّا نَقُول بِالْمَدِينَة: هَؤلاء قد عَرَفُوا الله وآمَنُوا بِرَسُولِه ﷺ ثم افْتُتِنُوا لِبَلاء لحِقَهم، لا نَرَى لَهُمْ تَوْبَة، وكَانُوا هُمْ أيضًا يَقُولُون هَذا في أنْفُسِهم، فأنْزَل الله في كِتَابِه: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٣] إلى قَوله تَعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: ٦٠] قال عُمر: فَكَتَبْتُها بِيَدِي ثم بَعَثْتُها إلى هِشام. قال هِشام: فَلَمَّا قَدِمَتْ عَليّ خَرَجْتُ بِهَا إلى ذِي طُوى، فَقُلْتُ: اللهُم فَهّمْنِيهَا، فَعَرَفْتُ أنّها نَزَلَتْ فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ على بَعِيرِي فَلَحِقْتُ بِرَسُول الله ﷺ .
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِين قَتَلُوا فأكْثَرُوا، وزَنَوا فأكْثَرُوا، فَقَالُوا للنبي ﷺ أو بَعَثُوا إليه - (١): إنَّ مَا تَدْعُو إليه لَحَسَن لَو (٢) تُخْبِرنا أنَّ لَنَا تَوْبَة (٣). فأنْزَل الله هَذه الآيَة: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ). ذَكَرَه البُخاري بِمَعْنَاه (٤).
وعن ابن عباس أيضًا: نَزَلَتْ في أهْل مَكَّة، قَالوا: بِزَعْم محمد أنَّ مَنْ عَبد الأوثان وقَتَل النَّفْس التي حَرَّم الله لَم يُغْفَر له، وكيف نُهَاجِر ونُسْلِم وقَد عَبَدْنا مَع الله إِلهًا آخَر، وقَتَلْنَا النَّفْس التي حَرَّم الله؟ فأنْزَل الله هَذه الآيَة (٥).
стр. 362
وقيل: إنها نَزَلَتْ في قَوم مِنْ الْمُسْلِمِين أسْرَفُوا على أنْفُسِهم في العِبَادَة وخَافُوا ألَّا يُتَقَبّل مِنهم لِذُنُوب سَبَقَت لَهم في الْجَاهِلِيَّة.
وقال ابن عباس أيضًا وعطاء: نَزَلَتْ في وَحْشِيّ قَاتِل حَمْزَة؛ لأنه ظَنَّ أنَّ الله لا يَقْبَل إسْلامَه.
ثم ذَكَر القرطبي أنَّ "في مُصْحَف ابن مسعود: إنَّ الله يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاء.
ونَقَل عن النَّحَّاس أنها قِرَاءة تَفْسِيرِيَّة. والْمَعْنَى: يَغْفِر الله لِمَنْ يَشَاء. وقد عَرَف الله مَنْ شَاء أن يَغْفِر لَه، وهو التَّائب، أوْ مَنْ عَمِل صَغِيرَة ولَم تَكُنْ لَه كَبِيرَة، ودَلّ على أنه يُريد التَّائب مَا بَعْده: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٤]، فَالتَّائب مَغْفُور لَه ذُنُوبه جَمِيعًا، يَدُلّ على ذلك: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ) [طه: ٨٢]، فَهذا لا إشْكَال فِيه.
وقال علي بن أبي طالب: مَا في القُرْآن آيَة أوْسَع مِنْ هَذه الآيَة: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٣].
وقال عبد الله بن عمر: وهَذه أرْجَى آيَة في القُرْآن، فَرَدّ عليهم ابن عباس وقال: أرْجَى آيَة في القُرْآن قَوله تَعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) [الرعد: ٦] (١).
ملخص جواب القرطبي:
١ - أنَّ الله يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ تَاب، ولا يَغْفِر الشِّرْك لِمَنْ يَتُب مِنه، وهذا مُحْكَم مُتَّفَق عَليه.
٢ - أنَّ آيَة "النِّسَاء" نَاسِخَة لآيَة الفرقان.
٣ - آيَة "النساء" الثانية مُرْتَبِطَة بِسَبَب النُّزُول، ومَعْرِفَة السَّبَب تُعِين على فَهْم الآيَة.
стр. 363
٤ - لا تَخْلِيد إلَّا للكَافِر، وأنَّ الفَاسِق مِنْ أهْل القِبْلَة إذا مَات غَير تَائب فَإنه إنْ عُذِّب بِالنَّار فَلا مَحَالَة أنه يَخْرُج مِنها.
٥ - أنَّ الْمَغْفِرَة مُختَصَّة بأهْل الإيمان دُون الكَفَرَة.
٦ - أنَّ آيَة "الزمر" نَزَلَتْ في شَأن أقْوَام مِنْ الْمُشْرِكِين قَتَلُوا فأكْثَرُوا، وزَنَوا فأكْثَرُوا، وسَأَلُوا: هَلْ لَهم مِنْ تَوْبَة؟
٧ - اخْتِلاف أسْبَاب النُّزُول في آيَة "الزمر".
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
قال ابن جرير في آيَة "النِّسَاء" الأُولى: فإنَّ الله لا يَغْفِر الشِّرْك بِه والكُفْر (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) الشِّرْكَ (لِمَنْ يَشَاءُ) من أهْل الذُّنُوب والآثَام.
ثم أشَار إلى سَبَب النُّزُول بِقَولِه: وذُكِر أنَّ هَذه الآيَة نَزَلَتْ في أقْوَام ارْتَابُوا في أمْرِ الْمُشْرِكِين حِين نَزَلَتْ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
ثم رَوى بإسْنَادِه إلى ابن عمر أنه قال: كُنَّا مَعْشَر أصْحَاب النبي ﷺ لا نَشُكّ في قَاتِل الْمُؤمِن، وآكِل مَالِ اليَتِيم، وشَاهِد الزُّور، وقَاطِع الرَّحِم، حتى نَزَلَتْ هَذه الآيَة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فأمْسَكْنَا عَنْ الشَّهَادَة (١).
стр. 364
ثم قال ابن جرير: وقد أبَانَتْ هَذه الآيَة أنَّ كُلّ صَاحِب كَبِيرَة فَفِي مَشِيئَة الله، إنْ شَاء عَفَا عنه، وإن شَاء عاقَبه عَليه مَا لَم تَكن كَبيرته شِرْكًا بِالله (١).
وفي آية "الفرقان" قال: وقد ذُكِرَ أنَّ هَذه الآيَة نَزَلَتْ على رسول الله ﷺ مِنْ أجْلِ قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِين أرَادُوا الدُّخُول في الإسْلام، مِمَّنْ كَان مِنه في شِرْكِه هَذه الذُّنُوب، فَخَافُوا ألا يَنْفَعهم مَع مَا سَلَف مِنهم من ذلك إسلام، فاسْتَفْتَوا رسول الله ﷺ في ذلك، فأنْزَل الله ﵎ هذه الآية، يُعْلِمُهم أن الله قابِل توبةَ مَنْ تابَ منهم.
ثم روى ما جاء عن ابن عباس ﵄ في أنّها نَزَلَتْ في قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِين قَتَلُوا فأكْثَرُوا (٢).
ونَقَل ابن جرير عن آخَرِين قَولَهم: هَذه الآيَة مَنْسُوخَة بالتي في "النِّسَاء".
ثم رَوى ذلك عن زيد بن ثابت وابن عباس.
ورَوى بإسْنَاده إلى القَاسم بن أبي بَزَّة أنه سَأل سعيد بن جبير: هَلْ لِمَنْ قَتَل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوبَة؟ فَقال: لا. فَقَرأ عليه هذه الآية كُلّها. فقال سعيد بن جبير: قَرأتُها على ابن عباس كَمَا قَرأتها عَليّ، فَقال: هذه مَكية نَسَخَتها آية مَدنية التي في سورة النِّسَاء (٣).
وقال في قَوله تعالى: (وَمَنْ تَابَ) [الفرقان: ٧١]: يَقول: ومَن تَاب مِنْ الْمُشْرِكِين فآمَن بِالله ورَسُوله. (وَعَمِلَ صَالِحًا) يَقُول: وعَمِل بِمَا أمَرَه الله فأطَاعَه، فإنَّ الله فَاعِلٌ بِه مِنْ إبْدَالِه سَيئ أعْمَاله في الشِّرْك بِحَسَنِها في الإسْلام، مثلَ الذي فَعَل مِنْ ذَلك بِمَنْ تَاب وآمَن وعَمِل صَالحًا قَبْل نُزُول هَذه الآيَة مِنْ أصْحَاب رسول الله ﷺ (٤).
стр. 365
ونَقَل الْخِلاف في الذين عُنُوا بِآيَة "الزُّمَر"، فَقَال: قَال بَعْضُهم: عُنِي بِها قَوْم مِنْ أهْل الشِّرْك، قَالُوا لَمَّا دُعُوا إلى الإيمان بالله: كَيف نُؤمِن وقَد أشْرَكنا وزَنَينا وقَتَلْنا النفس التي حَرّم الله، والله يَعِدُ فاعِل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سَلَف مِنّا الإيمان؟ فَنَزَلت هذه الآية.
ونَقَل عن آخَرِين قَوْلَهم: عُنِي بذلك أهْل الإسْلام .... وقَالُوا: إنما نَزَلَتْ هَذه الآيَة في قَوْم صَدَّهم الْمُشْرِكُون عَنْ الْهِجْرَة وفَتَنُوهُم، فأشْفَقُوا ألا يَكُون لَهم تَوبَة.
وعن آخَرين قَولَهم: نَزَلَ ذلك في قَوْم كَانوا يَرَون أهْل الكَبَائر مِنْ أهْل النَّار، فأعْلَمَهم الله بِذلك أنّه يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاء.
وأوْلَى الأقْوَال بِالصَّوَاب عند ابن جرير قَول مَنْ قَال: عَنى تَعالى ذِكره بذلك جَمِيع مَنْ أسْرَف على نَفْسِه مِنْ أهْل الإيمان والشِّرْك؛ لأنَّ الله عَمّ بِقَوله: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) جَمِيع الْمُسْرِفِين، فلم يَخْصُص بِه مُسْرِفًا دُون مُسْرِف.
ثم أورَد ابن جرير هذا السؤال: فإن قَال قَائل: فَيَغْفِر الله الشِّرْك؟
فأجاب بـ: نَعم، إذا تَاب مِنه الْمُشْرِك.
وإنما عُنِي بِقَوله: (إن الله يَغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء) كَمَا قد ذَكَرْنا قَبل أن ابن مسعود كان يَقْرَؤه، وأنَّ الله قَدْ اسْتَثْنَى مِنه الشِّرْك إذا لَم يَتُب مِنه صَاحِبُه، فَقَال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فأخْبَر أنه لا يَغْفِر الشِّرْك إلَّا بَعْد تَوبة بِقَولِه: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلِ عَمَلًا صَالِحًا)، فأمَّا مَا عَداه فإنَّ صَاحِبَه في مَشِيئَة رَبِّه؛ إن شَاء تفَضَّل عليه، فَعَفَا لَه عنه (١)، وإن شَاء عَدَل عَليه (٢) فَجَازَاه به (٣).
стр. 366
ومَالَ السمرقندي إلى كَون الآيَة نَزَلَتْ في شَأن وَحْشِي (١)، حَيث قَال: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ) يَعني دُون الشّرْك.
(لِمَنْ يَشَاءُ) يَعْنِي: لِمَنْ مَات مُوَحِّدًا؛ نَزَلَتْ الآيَة في شَأن وَحْشِي قَاتِل حَمْزَة.
وذَكَر مَا تَقَدَّم عن ابن عمر قولَه: كُنَّا إذا مَات الرَّجُل مِنَّا على كَبِيرَة شَهِدْنا أنَّه مِنْ أهْل النَّار حَتى نَزَلَتْ هَذه الآيَة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فأمْسَكْنَا عن الشَّهَادَة. وهَذه الآيَة رَدّ على مَنْ يَقُول: إنَّ مَنْ مَات على كَبِيرَة يُخَلَّد في النَّار؛ لأنَّ الله تَعالى قَدْ ذَكَر في آيَة أخْرَى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤] يَعْنِي مَا دُون الكَبَائر، فلم يَبْقَ لِهَذِه الْمَشِيئَة مَوْضِع سِوى الكَبَائر (٢).
وفي آية "النِّسَاء" الثَّانِيَة أوْرَد قول الضحاك في سَبَب النُّزُول (٣).
وفي تَفسير سُورة مريم قال: اسْتَثْنَى فَقَال تَعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ) [مريم: ٦٠] يَعني: رَجَع عن الكُفْر (وَآمَنَ) يَعْنِي صَدَّق بِتَوحِيد الله (وَعَمِلَ صَالِحًا) بَعْد التَّوبَة (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) يَعْنِي: لا يُنْقَصُون شَيئا مِنْ ثَوَاب أعْمَالِهم (٤).
وفي آية "الفرقان"، قَال السمرقندي: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) يَعْنِي: تَاب مِنْ الشِّرْك والزِّنا والقَتْل، وصَدَّق بِتَوحِيد الله تَعالى (٥).
وفي تَفْسِير سُورة الزمر أوْرَد مَا رَواه عبد الرَّزاق عن معمر عن قتادة قال: أصَاب قَوْم في الشِّرْك ذُنُوبا عِظَامًا، وكَانُوا يَخافُون ألا يَغْفِر الله لَهم، فَدَعَاهم الله تَعالى بِهذه الآيَة.
стр. 367
وقَول مجاهد: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) بِقَتْلِ الأنْفُس في الْجَاهِلِيَّة (١).
وأوْرَد السمعاني قَول ابن عمر بَعد قَوله: قِيل: هَذه أرْجَى آيَة في القُرْآن. قال ابن عمر: كُنا نُطْلِق القَول فِيمَن ارْتَكَب الكَبَائر بِالْخُلُود في النَّار حَتى نَزَلَتْ هَذه الآيَة فَتَوقَّفْنَا.
ثم أوْرَد سُؤالًا فيه: فإن قَال قَائل: قَدْ قَال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)، وقال في مَوْضِع آخَر: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، فَكَيف وَجْه الْجَمْع؟
قيل: أرَادَ بِه: يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا سِوى الشِّرْك (٢).
وأوْرَد السمعاني قَول ابن عباس ﵄ في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣]، وأنّ الآيَة مَدَنِيَّة لَم يَنْسَخْها شَيء، ثم قَال: والأصَحّ والذي عليه الأكْثَرُون - وهُو مَذْهَب أهْل السُّنَّة - أنَّ لِقَاتِل الْمُؤمِن عَمْدًا تَوْبَة، والدَّلِيل عَليه قَولَه تَعَالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ) [طه: ٨٢] وقَوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)؛ ولأنَّ القَتْل العَمْد لَيْس بِأشَدّ مِنْ الكُفْر، ومِن الْكُفْر تَوْبَة، فَمِنْ القَتْل أوْلى. وأمَّا الذي رُوي عن ابن عباس فَعلى سَبِيل التَّشْدِيد والْمُبَالَغَة في الزَّجْر عن القَتْل (٣)، وهو مِثْل مَا رُوي عن سُفيان بن عُيينة أنّه قال: إن لم يَقْتُل يُقَال له: لا تَوْبة لَك مَنْعًا له عَنْ القَتْل، وإن قَتَل يُقَال له: لكَ تَوْبَة حَتى يَتُوب. ورُوي أنَّ رَجُلًا جَاء إلى ابن عباس وسَأله هَلْ لِقَاتِل الْمُؤمِن تَوْبَة؟ قال: لا. فَجَاءَه آخَر وسَألَه عن ذَلك، فَقَال: نَعم له تَوْبَة. فَقِيل له في ذلك، فَقَال: إنَّ الأوَّل لم يَكُنْ قَتَل، فَمَنَعْتُه عَنْ القَتْل، وإنَّ الثَّاني قَتَل، فأرْشَدْتُه إلى التَّوْبَة.
стр. 368
واسْتَبْعَد السماني أن تَكُون آية "الفرقان" نَزَلَتْ في شَأن وَحْشي، وذلك "لأنَّ هَذه الآيَة مَكِيَّة، ووَحْشِيّ إنّما أسْلَم بَعْد غَزْوة حُنَين والطَّائف في آخِر عَهْد النبي ﷺ " (١).
وسَاق مَا جَاء عن ابن عباس أنَّ قَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) يَنْصَرِف إلى الشِّرك والزِّنا، فأمَّا قَتْل النَّفْس فَقد أنْزَل الله تَعالى فيه: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) الآيَة. قال ابن عباس: وهَذه الآيَة مَدَنِيَّة، وقَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) مَكِّيَّة؛ فالْحُكْم في القَتْل على هَذه الآيَة، ولا تَوْبة لِقَاتِل النَّفْس.
قال السمعاني: وأمَّا عِند غَيره مِنْ أهْل العِلْم فَالتَّوبَة مِنْ الكُلّ مَقْبُولَة، وقَد بَيَّنَّا هَذا مِنْ قَبل، وظَاهِر هَذه الآيَة، وهو قَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) يَدُلّ على هَذا لأنه قد سَبَق قَتْل النَّفْس (٢).
وفي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر قال: وقَوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ظاهِر الْمَعْنَى. قال أهل التفسير: يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا إن شَاء.
ورُوي أنه لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية قال رجل: يا رسول الله، ومَن أشْرَك؟ فَسَكَتَ النبي ﷺ ، ثم قال: ومَن أشْرَك؟ قال: إلَّا مَنْ أشْرَك (٣).
وذَكَر الثعلبي الْخِلاف في أسْبَاب النُّزُول، فذَكَر مَا قَاله الكَلبي: نَزَلَتْ في الْمُشْرِكِين، وَحْشِيّ بن حَرب وأصْحَابه.
وقَول مُقاتِل: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في اليَهُود: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فَمَشِيئتُه لأهْل التَّوحِيد.
стр. 369
وقَول ابن عمر: نَزَلَتْ في الْمُؤمِنِين، وذَلك أنه لَمَّا نَزَلَتْ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآيَة. قَام رسول الله ﷺ على الْمِنْبَر فَتلاهَا على النَّاس، فَقَام إليه رَجُل فَقَال: والشِّرْك بالله. فَسَكَتْ، ثم قَام إليه مَرتين أو ثَلاثا، فَنَزَلَتْ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. فأُثْبِتَتْ هَذه في "الزُّمر" وهذه في "النساء" (١).
وفي آية "النِّسَاء" الثَّانِيَة أوْرَد الثعلبي مَا قاله الضحاك في سَبَب النُّزُول، إلَّا أنّه جَعَلَه مِنْ قَول ابن عباس.
واسْتَدَلّ بالآية على فَسَاد قَوْل الْخَوَارِج حِين زَعَمُوا أنَّ مُرْتَكِب الكَبِيرة كَافِر.
وذلك قَوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فَفَرَّق بَيْن الشِّرْك وسَائر الذُّنُوب، وحَتَّم على نَفْسِه بِأن لا يَغْفِر الشِّرْك. [و] (٢) لو كَان الكَبِيرَة كُفْرًا لَكَان قَوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) مُسْتَوعِبا. فَلَمَّا فَرَّق بَيْن الشِّرْك وسَائر الذُّنُوب بَانَ فَسَاد قَوْلهم (٣).
وفي تَفْسِير سُورة الفرقان أسْنَد الثعلبي عن ابن عباس مَا جَاء في سَبَب نُزُول الآيَة، وذلك أنَّ نَاسًا مِنْ أهْل الشِّرْك كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فأكْثَرُوا، وزَنَوا فَأكْثَرُوا - ثم ذَكَرَه - وأشَار بِصِيغَة تَمْرِيض إلى كَونها نَزَلَتْ في شَأن وَحْشِي.
كَمَا أسْنَد إلى ابن عباس أنّها مَنْسُوخَة، ورَجَّح كَونها مُحْكَمَة (٤).
وفي آية "الزمر" ذَكَر أيضًا أسْبَاب النُّزُول، وذكَر الْخِلاف في الْمَعْنِيِّين بالآيَة، فَذَكَر مَا ذَكَره ابن جرير مِنْ قَبْل (٥).
стр. 370
وأمَّا الزمخشري فَجَرى على أصُولِه! وتَكَلَّف تَأوِيل الآيَة، حَيث قَال: فإن قُلْتَ: قد ثَبَتَ أنَّ الله يَغْفِر الشِّرْك لِمَنْ تَاب مِنه، وأنه لا يَغْفِر مَا دُون الشِّرْك مِنْ الكَبَائر إلَّا بِالتَّوبَة. فما وَجْه قَول الله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)؟
قُلْتُ الوَجْه: أن يَكُون الفِعْل الْمَنْفِي والْمُثْبَت جَمِيعًا مُوَجَّهِين إلى قَوله تَعالى: (لِمَنْ يَشَاءُ). كَأنه قِيل: إنَّ الله لا يَغْفِر لِمَنْ يَشَاء الشِّرْك، ويَغْفِر لِمَنْ يَشَاء مَا دُون الشِّرْك، على أنَّ الْمُرَاد بالأوَّل مَنْ لَم يَتُب، وبِالثَّاني مَنْ تَاب (١).
ويَرى أنَّ آيَة "النِّسَاء" الثَّانِية تِكْرَار للتَّأكِيد (٢).
وقيَّد الزمخشري الْمَغْفِرَة في آيَة "الزمر" بِالتَّوْبَة، فَقَال: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) يَعني: بِشَرْط التَّوْبَة (٣).
وقد تعقّب ابنُ عطية قَول الْمُعْتَزِلَة هَذا، فَقَال: فإن قَالَتِ الْمُعْتَزِلَة: (لِمَنْ يَشَاءُ) يَعْنِي التَّائِبين. رُدّ عليهم بأنَّ الفَائدَة في التَّفْصِيل كَانَتْ تَنْفَسِد، إذْ الشِّرْك أيضًا يُغْفَر للتَّائب، وهَذا قَاطِع بِحُكم قَوله: (لِمَنْ يَشَاءُ)، بأنَّ ثَمَّ مَغْفُورًا لَه وغَير مَغْفُور، واسْتَقَام الْمَذْهَب السُّنِّي (٤).
وقال في مَوضِع آخِر: ورَامَتِ الْمُعْتَزِلَة أنْ تَرُدّ هَذه الآيَة إلى قَوْلِها، بِأن قَالُوا: مَنْ يَشَاء هو التَّائب، ومَا أرَادُوه فَاسِد؛ لأنَّ فَائدة التَّقْسِيم في الآيَة كَانَتْ تَبْطُل إذْ التَّائب مِنْ الشِّرْك يُغْفَر لَه (٥).
стр. 371
واخْتَار ابن عطية أنَّ آيَة "النِّسَاء" الأُولى في مَسْأَلَة الوَعْد والوَعِيد، وتَلْخِيص الكَلام فِيهَا أن يُقَال: النَّاس أرْبَعَة أصْنَاف:
كَافِر مَاتَ عَلى كُفْرِه؛ فَهَذا مُخَلَّد في النَّار بِإجْمَاع.
ومُؤمِن مُحْسِن لم يُذْنِب قَط، ومَاتَ على ذلك؛ فَهذا في الْجَنَّة مَحْتُوم عليه حَسَب الْخَبَر مِنْ الله تعالى بِإجْمَاع.
وتَائب مَاتَ على تَوْبَتِه، فَهو عِنْد أهْل السُّنَّة وجُمْهُور فُقَهَاء الأُمَّة لاحِقٌ بالْمُؤمِن الْمُحْسِن إلَّا أنَّ قَانون الْمُتَكَلِّمِين أنه في الْمَشِيئَة.
ومُذْنِب مَاتَ قَبْل تَوْبَتِه؛ فَهَذا مَوْضِع الْخِلاف.
ثم حَكَى الْخِلاف بَيْن الفِرَق في هذا الْمُعْتَرَك (١).
وقال في الفَصْل في هَذه الْمَسْألَة: وهَذه الآيَة (٢) هي الْحَاكِمَة بِبَيَان مَا تَعَارَض مِنْ آيَات الوَعْد والوَعِيد، وقَوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [الجن: ٢٣]، فَلا بُدّ أن نَقُول: إنَّ آيَات الوَعْد لَفْظُها لَفْظ عُمُوم والْمُرَاد بِهَا الْخُصُوص في الْمُؤمِن الْمُحْسِن وفي التَّائب، وفِيمَن سَبَق في عِلْمِه تَعَالى العَفْو عَنه دُون تَعْذِيب مِنْ العُصَاة، وأنَّ آيَات الوَعِيد لَفْظُها عُمُوم والْمُرَاد بِهَا الْخُصُوص في الكَفَرَة، وفِيمَن سَبَق في عِلْمِه تَعالى أنّه يُعَذِّبُه مِنْ العُصَاة، وتَحْكُم بِقَولِنا هَذه الآيَة النَّصّ في مَوْضِع النِّزَاع، وهي قَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فَإنّهَا جَلَتِ الشَّك، ورَدَّت على الطَّائفَتَين الْمُرْجِئَة والْمُعْتَزِلَة، وذَلك أنَّ قَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فَصْل مُجْمَع عَليه، وقَوله: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) فَصْل قَاطِع بِالْمُعْتَزِلَة، رَادّ عَلى قَوْلِهم رَدًّا لا مَحِيدَ عنه، ولَو وَقَفْنَا في هَذا الْمَوْضِع مِنْ الكَلام لَصَحّ قَوْل الْمُرْجِئَة، فَجَاء قَوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) رَادًّا
стр. 372
عَليهم مُوجِبًا أنّ غُفْرَان مَا دُون الشِّرْك إنّمَا هُو لِقَوْم دُون قَوْم، بِخِلاف مَا زَعَمُوه مِنْ أنه مَغْفُور لِكُلّ مُؤمِن (١).
وقَال في آيَة "الفرقان": (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا): لا خِلاف بَيْن العُلَمَاء أنَّ الاسْتِثْنَاء عَامِل في الكَافِر والزَّانِي، واخْتَلَفُوا في القَاتِل مِنْ الْمُسْلِمِين؛ فَقَال جُمْهُور العُلَمَاء: لَه التَّوْبَة.
وَجَعَلَتْ هَذه الفِرْقَة قَاعِدَتها قَوله تَعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، فَجَعِل القَاتِل في الْمَشِيئَة كَسَائر التَّائبين مِنْ الذُّنُوب، ويَتَأوَّلُون الْخُلُود الذي في آيَة القَتْل في سُورة النِّسَاء بِمَعْنَى الدَّوَام إلى مُدَّة، كَخُلْدِ الدُّول ونَحوه (٢)، ورَوى أبو هريرة في أنَّ التَّوبَة لِمَنْ قَتَلَ، حَدِيثًا عن النبي ﷺ (٣).
ثم ذَكَر الْخِلاف في ذلك (٤).
ونَصّ في أوَّل تَفْسِير سُورة الزّمر على أنَّ "السُّورَة مَكِيَّة بإِجْمَاع غَير ثَلاث آيَات نَزَلَتْ في شَأن وَحْشِي قَاتِل حَمْزَة بن عبد المطلب: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآيَات … وقِيل: فِيها مَدَنِيّ سَبْع آيَات" (٥).
ويَرى ابن عطية عُمُوم آية "الزمر"، فإنه قَال فيها:
стр. 373
هَذه الآيَة عَامَّة في جَمِيع النَّاس إلى يَوم القِيَامَة في كَافِر ومُؤمِن، أي: أنَّ تَوْبَة الكَافِر تَمْحُو ذُنُوبَه، وتَوْبَة العَاصِي تَمْحُو ذَنْبَه (١).
واخْتُلِف: هَلْ يَكُون في الْمَشِيئَة أوْ هُو مَغْفُور لَه ولا بُدّ؟
فَقَالَتْ فِرْقَة مِنْ أهْل السُّنَّة: هو مَغْفُور لَه ولا بُدّ، وهذا مُقْتَضَى ظَوَاهِر القُرْآن وقَالت فِرْقَة: التَّائب في الْمَشِيئَة، لكِن يُغَلَّب الرَّجَاء في نَاحِيَتِه، والعَاصِي في الْمَشِيئَة، لكن يُغَلَّب الْخَوْف في نَاحِيَتِه (٢).
ثم ذَكَر سَبَب نُزُول الآيَة.
واخْتَار "الرَّازي" أنَّ آيَة "النِّسَاء" الأُولَى نَزَلتْ في اليَهُود، وقَال: هَذِه الآيَة دَالَّة على أنَّ اليَهُودِي يُسَمَّى مُشْرِكًا في عُرْف الشَّرْع، ويَدُلّ عليه وَجْهَان:
الأوَّل: أنَّ الآيَة دَالَّة على أنَّ مَا سِوى الشِّرْك مَغْفُور، فلو كَانَتْ اليَهُودِيَّة مُغَايِرَة للشِّرْك لَوَجَب أن تَكون مَغْفُورَة بِحُكْم هَذه الآيَة، وبالإجْمَاع هي غَير مَغْفُورَة، فَدَلّ على أنّها دَاخِلَة تَحْت اسْم الشِّرْك.
الثَّاني: أنَّ اتِّصَال هَذه الآيَة بِمَا قَبْلَها إنّمَا كَان لأنّهَا تَتَضَمَّن تَهْدِيد اليَهُود، فَلَولا أنَّ اليَهُوديَّة دَاخِلَة تَحْت اسْم الشِّرْك وإلَّا لَم يَكُنْ الأمْر كَذَلك.
فَقَد أعْمَل الرَّازي سِيَاق الآيَات، فاسْتَدَلّ بِمَا قَبْلَها وبِمَا بَعْدَها، حَيْث قَال في الآيَة التي بَعْدَها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٩]: اعْلَم أنّه تَعالى لَمَّا هَدَّد اليَهُود بِقَولِه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فَعِنْد هَذا قَالُوا: لَسْنا مِنْ الْمُشْرِكِين بَلْ نَحْن خَوَاصّ الله تَعالى (٣).
فاعْتَبَر هَذه الْمَقُولَة مِنْ اليَهُود وأمْثَالها مِنْ التَّزْكِيَة.
стр. 374
ورَجَّح الرَّازي أنَّ "هَذه الآيَة مِنْ أقْوَى الدَّلائل لَنَا عَلى العَفْو عَنْ أصْحَاب الكَبَائر" (١).
كَمَا رَدّ على الْمُعْتَزِلَة قَوْلَهم في هَذه الآيَة (٢)، وضَعَّف قَوْل الزمخشري (٣).
ورَجَّح في آيَة "الفرقان" قَبُول التَّوْبَة مِمَّنْ تَاب (٤).
ويَرَى الرَّازي أنَّ آيَة "الزمر" مُخْتَصَّة بِالْمُؤمِنِين، فَقَال: احْتَجّ أصْحَابُنَا بِهَذِه الآيَة على أنه تَعالى يَعْفُو عن الكَبَائر، فَقَالُوا: إنّا بَيَّنَّا في هَذا الكِتَاب أنَّ عُرْف القُرْآن جَارٍ بِتَخْصِيص العِبَاد بِالْمُؤمِنِين، قَال تَعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: ٦٣]، وقَال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) [الإنسان: ٦]؛ ولأنَّ لَفْظ العِبَاد مَذْكُور في مَعْرِض التَّعْظِيم فَوَجَب أن لا يَقَع إلَّا على الْمُؤمِنِين.
إذا ثَبَتَ هذا ظَهَر أنَّ قَوله: (يَا عِبَادِيَ) مُخْتَصّ بِالْمُؤمِنِين (٥)، ولأنَّ الْمُؤمِن هو الذي يَعْتَرِف بِكَونِه عَبْد الله، أمَّا الْمُشْرِكُون فَإنَّهم يُسَمُّون أنْفُسَهم بـ "عَبْد اللات والعُزَّى، وعَبْد الْمَسِيح" فَثَبَتَ أنَّ قَوله: (يَا عِبَادِيَ) لا يَلِيق إلَّا بِالْمُؤمِنِين.
إذا ثَبَت هَذا فَنَقُول: إنه تَعالى قَال: (الَّذِين أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)، وهَذا عَامّ في حَقّ جَمِيع الْمُسْرِفِين.
стр. 375
ثم قَال تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، وهَذا يَقْتَضِي كَونه غَافِرًا لِجَمِيع الذُّنُوب الصَّادِرَة عن الْمُؤمِنِين، وذَلك هُو الْمَقْصُود.
ثم أطال الرّازي في مُنَاقَشَة مَغْفِرَة الذُّنُوب لِغَيْر التَّائب، وأنَّ ذلك حَاصِل إمَّا بِعَفْوٍ ابْتِدَاءًا، أوْ بَعْد تَطْهِيرٍ بِالنَّار (١).
وحَكَى ابن جُزيّ الْخِلاف في سَبَب نُزُول آيَة "الزمر" على النَّحْو التَّالِي:
فَقِيل: نَزَلَتْ في وحْشِيّ قَاتِل حَمْزة.
وقِيل: نَزَلَتْ في قَوْم آمَنُوا ولَم يُهَاجِرُوا، فَفُتِنُوا فَافْتَتَنُوا، ثم نَدِمُوا وظَنُّوا أنّهم لا تَوْبَة لَهم.
وقِيل: نَزَلَتْ في قَوْم مِنْ أهْل الْجَاهِلِيَّة، قَالُوا: مَا يَنْفَعُنَا الإسْلام، لأنَّنَا قَدْ زَنَيْنَا وقَتَلْنَا النُّفُوس، فَنَزَلَتْ الآيَة فِيهم.
ثم قال ابن جُزيّ: ومَعْنَاهَا مَع ذلك على العُمُوم في جَمِيع النَّاس إلى يَوْم القِيَامَة (٢).
واخْتَار ابنُ كثير أنَّ مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: لا يَغْفِر لِعَبْدٍ لَقِيَه وهو مُشْرِك به (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: مِنْ الذُّنُوب (لِمَنْ يَشَاءُ) أي: مِنْ عِبَادِه.
واسْتَدَلّ عَلى هَذا بأحَادِيث، مِنها:
حَدِيث أبي ذر ﵁ وفيه -: ثم إني سَمِعْتُه (٣) وهو مُقْبِل وهو يَقُول: وإن زَنَى وإنْ سَرق. قال: فَلَمَّا جَاء لَم أصْبِر حتى قُلْتُ: يا نَبِي الله جَعَلَنِي الله فِدَاك مَنْ تُكلِّم في جَانِب الْحَرَّة، مَا سَمِعْتُ أحَدًا يَرْجِع إليك شَيئا؟ قال: ذاك جِبريل عَرَضَ لي مِنْ جَانِب الْحَرَّة، فَقال: بَشِّر أُمَّتَك أنه مَنْ مَات لا يُشْرِك بِالله شَيئًا دَخَلَ الْجَنَّة.
стр. 376
قُلْتُ: يا جِبْرِيل وإنْ سَرَق وإنْ زَنَى؟ قال: نعم. قُلْتُ: وإنْ سَرَق وإنْ زَنَى؟ قال: نَعَم. قُلْتُ: وإنْ سَرَق وإن زَنَى؟ قَال: نَعم، وإن شَرِبَ الْخَمْر. وعَزَاه ابن كثير إلى الصحيحين (١).
وقال في شَأن آيَة "الزمر": وهَذِه الآيَة التي في سُورَة "تَنْزِيل" مَشْرُوطَة بِالتَّوبَة، فَمَنْ تَاب مِنْ أيِّ ذَنْب وإنْ تَكَرَّر مِنْه تَاب اللهُ عَليه، ولِهَذا قَال: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، أي: بِشَرْط التَّوْبَة، ولَو لَم يَكُنْ كَذَلك لَدَخَل الشِّرْك فِيه، ولا يَصِحّ ذلك؛ لأنه تَعالى قد حَكَم هَا هنا (٢) بأنه لا يَغْفِر الشِّرْك، وحَكَم بأنه يَغْفِر مَا عَدَاه لِمَنْ يَشَاء، أي: وإنْ لَم يَتُب صَاحِبه، فَهَذِه أرْجَى مِنْ تِلك مِنْ هَذا الوَجْه. والله أعلم (٣).
وبَيَّن ابنُ كثير أنه لا تَعَارُض بَيْن آية "النساء" في القَتْل وبين آية "الفرقان" في قَبُول تَوْبَة القَاتِل، فَقَال: (إِلَّا مَنْ تَابَ) أي: في الدُّنْيا إلى الله مِنْ جَمِيع ذَلك، فإنَّ الله يَتُوب عليه، وفي ذَلك دَلالة على صِحَّة تَوْبَة القَاتِل، ولا تَعَارُض بَيْن هَذِه وبَيْن آيَة "النساء" (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا) الآيَة. فإنّ هَذه وإنْ كَانت مَدَنِيَّة إلّا أنّهَا مُطْلَقَة فَتُحْمَل عَلى مَنْ لم يَتُب؛ لأنَّ هَذه مُقَيَّدَة بِالتَّوْبَة، ثم قد قَال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. قد ثَبَتَتِ السُّنَّة الصَّحِيحَة عَنْ رسول الله ﷺ بِصِحّة تَوْبَة القَاتِل، كَمَا ذَكَر مُقَرِّرًا (٤) مِنْ قِصَّة الذي قَتَل مائة رَجل ثم تاب فَقَبِل الله تَوْبَتَه (٥)، وغَيْر ذلك من الأحاديث (٦).
стр. 377
كَمَا يَرى ابن كثير أنَّ آية "الزمر" هي "دَعْوة لِجَميع العُصَاة مِنْ الكَفَرَة وغَيرهم إلى التَّوبَة والإنَابَة، وإخْبَار بأنَّ الله ﵎ يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ تَاب مِنْها ورَجَعَ عَنها، وإنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَت، وإن كَثُرَت وكَانت مِثل زَبَد البَحْر، ولا يَصِحّ حَمْل هَذه عَلى غَير تَوْبَة؛ لأنَّ الشِّرْك لا يُغْفَر لِمَنْ يَتُب مِنه".
ثم سَاق أحَادِيث في التَّوبَة، وقال: فَهَذِه الأحَادِيث كُلّها دَالّة علَى أنَّ الْمُرَاد أنه يَغْفِر جَمِيع ذَلك مَع التَّوبَة، ولا يَقْنَطَنّ عَبْد مِنْ رَحْمَة الله وإن عَظُمَتْ ذُنوبه وكَثُرَت، فإنَّ بَاب الرَّحْمَة والتَّوبَة واسِع (١).
رأي الباحث:
آيَتَي "النِّسَاء" دَالة على أنَّ الله لا يَغْفِر الشِّرْك إلَّا أن يَتُب مِنه صَاحِبه، ويَغْفِر مَا دُون الشِّرْك مِنْ الْمَعَاصِي لِمَنْ شَاء، ولازِم هَذا مَا قَرَّرَه أهْل السُّنَّة مِنْ أنَّ مَنْ لَقِي الله مِنْ أهل الكبائر مِنْ غَير تَوْبَة فَهو تَحْت الْمَشِيئَة؛ إنْ شَاء الله عَفَا عَنه، وإنْ شَاء عَذَّبَه.
وأمَّا آية "الفرقان" فهي دَالّة عَلى قُبُول تَوْبَة مَنْ تَاب مِنْ شِرْك وزِنا وقَتْل نَفْسٍ مَعْصُومَة - على خِلاف في الأخِيرة - والأكثر على قَبُول تَوْبة التَّائب مِنْ جَمِيع الذُّنُوب وهَذا مَا دَلَّتْ عَليه آية "الزمر".
وهو مَا صَرَّحَت بِه الأحَادِيث والآثَار.
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَال رسول الله ﷺ : مَا مُجَادَلة أحَدِكُم في الْحَقّ يَكُون لَه في الدُّنيا بأشَدّ مُجَادَلة مِنْ الْمُؤمِنِين لِرَبِّهم في إخْوانِهِم الذين أُدْخِلوا النَّار. قَال: يَقُولُون: رَبَّنَا إخْوانُنا كَانُوا يُصَلُّون مَعَنا، ويَصُومُون مَعَنا، ويَحُجُّون مَعَنا، فأدْخَلْتَهم النَّار. قَال: فَيَقُول: اذْهَبُوا فأخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُم منهم. قال: فيأتونهم فَيَعْرِفُونهم بِصُوَرِهم، فَمِنْهُم مَنْ أخَذَتْه النَّار إلى أنْصَاف سَاقَيه، ومِنْهُم مَنْ أخَذَتْه إلى كَعْبَيه؛ فيُخْرِجُونَهم. فَيَقُولُون: رَبَّنَا قَدْ أخْرَجْنَا مَنْ أمَرْتَنا
стр. 378
قال: ويَقُول: أخْرِجُوا مَنْ كَان في قَلْبِه وَزْن دِينَار مِنْ الإيمان، ثم قال: مَنْ كَان في قَلْبِه وَزْن نِصْف دِينَار، حَتى يَقُول: مَنْ كان في قَلبه وَزْن ذَرَّة. قال أبو سعيد: فَمَنْ لَم يُصَدِّق فَلْيَقْرَأ هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) إلى: (عَظِيمًا) (١).
وفي حديث أبي هريرة إخْرَاج أهْل الإيمان مِنْ النَّار، ويُعْرَفُون بآثَار السُّجُود (٢).
وأمَّا قَوله ﷺ حِكاية عن جِبريل ﵊: "بَشِّر أُمّتك أنه مَنْ مَات لا يُشْرِك بِالله شَيئا دَخَل الْجَنَّة". فَمَعْنَاه: أنه يَدخُل الْجَنَّة وإنْ طُهِّر، "وليس فِيه مَا يَنْفِي أنه يُعَذّب قَبل ذَلك، كَمَا أنه ليس في الآيَة ما يَنْفِي أنه قد يَدْخُل الْجَنَّة بَعْد التَّعْذِيب عَلى مَعْصِيَة الزِّنَا" (٣).
قال النووي: وأمَّا حُكْمُه ﷺ على مَنْ مَات يُشْرِك بِدُخُول النَّار، ومَن مَات غَير مُشْرِك بِدُخُولِه الْجَنَّة؛ فَقد أجْمَع عليه الْمُسْلِمُون، فأمَّا دُخُول الْمُشْرِك النَّار فهو على عُمُومه فَيَدْخُلها ويُخَلّد فِيها، ولا فَرْق فِيه بَيْن الكِتَابِي اليَهُودِي والنَّصْرَاني، وبَيْن عَبَدَة الأوْثَان وسَائر الكَفَرَة، ولا فَرْق عِند أهْل الْحَقّ بَيْن الكَافِر عِنَادًا وغَيره، ولا بَيْن مَنْ خَالَف مِلَّة الإسْلام وبَيْن مَنْ انْتَسَب إلَيها، ثم حُكِم بِكُفْرِه بجَحْده مَا يَكْفُر بِجَحْدِه وغَير ذلك، وأمَّا دُخُول مَنْ مَات غَير مُشْرِك الْجَنَّة فهو مَقْطُوع لَه بِه، لكِن إنْ لَم يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَات مُصِرًّا عَليها دَخَل الْجَنَّة أوَّلًا، وإنْ كان صَاحِب كَبِيرَة مَات مُصِرًّا عليها فَهو تَحْت الْمَشِيئَة، فإنْ عَفَا عنه دَخَل أوَّلًا، وإلَّا عُذِّب ثم أُخْرِج مِنْ النَّار، وخُلِّد في الْجَنَّة. والله أعلم (٤).
стр. 379
ونَقَل ابن القيم عن الْجُمْهُور أن "التَّوْبَة تأتِي على كُلّ ذَنْب، فَكُلّ ذَنْب يُمكن التَّوْبَة مِنه وتُقْبَل" (١).
وأمَّا ما تَكَلَّفه الزَّمخشري في الآيَات بِنَاء على أصُول مَذْهَبِه، فَقَد تَعَقَّبَه ابنُ الْمُنيِّر بأن "عَقِيدَة أهْل السُّنَّة: أنَّ الشِّرك غير مَغْفُور البَتَّة، ومَا دُونَه مِنْ الكَبَائر مَغْفُور لِمَنْ يَشَاء الله أن يَغْفِرَ لَه، وهَذا مَع عَدَم التَّوبَة، وأمَّا مَع التَّوبة فَكِلاهما مَغْفُور" (٢).
ثم هو مُتعقّب بأنه لا يَبْقَى مَعْنَى للمَغْفِرَة إذا قُيِّدَتْ بالتَّوبَة، ومِن جِهَة أُخْرَى فإنه - بِنَاء عَلى هَذا القَوْل - يَتَحَتَّم أنَّ كُل مُذْنِب مُعَاقَب. وهذا بِخِلاف أصُول أهْل السُّنَّة.
المثال الخامس:
الاسْتِغْفَار بَيْن القَبُول والرَّدّ:
قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ١١٠] مَع قَوله تَعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [التوبة: ٨٠].
صورة التعارض:
الآيَة الأُولى يُفْهَم مِنها أنَّ كُلَّ مَنْ عَمِل سُوءًا أوْ ظَلَم نَفْسَه ثم اسْتَغْفَر الله غَفَرَ لَه، بَينَمَا أفَادَتِ الآيَة الثَّانِية أنَّ اسْتِغْفَاره ﷺ للمُنَافِقِين لا يَكُون سَبَبًا في مَغْفِرَة الله لهم.
جمع القرطبي:
في الْمَوْضِع الأوَّل قال القرطبي: قال ابن عباس: عَرَض الله التَّوبَة على بَنِي
стр. 380
أُبَيْرِق (١) بِهَذه الآيَة، أي: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) بأن يَسْرِق (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بأن يُشْرِك (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يَعْني بالتَّوبة، فإنَّ الاسْتِغْفَار باللسَان مِنْ غير تَوبة لا يَنْفَع. وقد بيناه في آل عمران (٢).
وقال الضحاك: نَزَلَتْ الآية في شَأن وَحْشي قاتِل حمزة؛ أشْرك بالله، وقَتل حمزة، ثم جَاء إلى رسول الله ﷺ ، وقال: إني لَنَادِم، فَهَلْ لي مِنْ تَوبة؟ فَنَزَل (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) الآية.
وقِيل: الْمُرَاد بِهَذِه الآيَة العُمُوم والشُّمُول لِجَمِيع الْخَلْق.
ورَوى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعَلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: مَنْ قَرأ هَاتين الآيَتَين مِنْ سُورة النِّساء ثم اسْتَغْفَر غُفِرَ له: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: ٦٤].
ورُوي (٣) عن علي ﵁ أنه قال: كُنْت إذا سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رسول الله ﷺ نَفَعني الله بِه مَا شَاء، وإذا سَمِعْتُه مِنْ غَيره حَلَّفْته، وحَدَّثني أبو
стр. 381
بكر - وصَدَق أبو بكر - قال (١): مَا مِنْ عَبد يُذْنِب ذَنْبًا ثم يَتَوضَّأ ويُصَلِّي رَكْعَتَين ويَسْتَغْفِر الله إلَّا غَفَر الله له، ثم تَلا هَذه الآيَة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (٢).
وفي الْمَوْضِع الثَّاني أحَال القُرطبي على تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) [التوبة: ٨٤].
وفيه قال: رُوي (٣) أنَّ هَذه الآيَة نَزَلَتْ في شَأن عبد الله بن أبي بن سلول وصَلاة النبي ﷺ عَليه؛ ثَبت ذلك في الصحيحين (٤) وغيرهما، وتَظَاهَرَت الرِّوَايات بأنَّ النبي ﷺ صَلّى عليه، وأنَّ الآية نَزَلَتْ بَعد ذلك.
ورُوي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ لَمَّا تَقَدَّم لِيُصَلّي عليه جَاءه جِبريل فَجَبَذَ ثَوبه وتَلا عليه: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) الآيَة، فانْصَرَف رسول الله ﷺ ولم يُصَلّ عليه (٥).
والرِّوايَات الثَّابِتة على خِلاف هذا؛ ففي البخاري (٦) عن ابن عباس قال: فَصَلَّى عليه (٧) رسول الله ﷺ ثم انْصَرَف فلم يَمْكُث إلَّا يَسِيرًا حتى نَزَلَت الآيَتان (٨) مِنْ بَراءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ
стр. 382
أَبَدًا). ونحوه عن ابن عمر خَرّجه مسلم (١)، قال ابن عمر: لَمَّا تُوفي عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول جَاء ابْنه عَبد الله إلى رَسول الله ﷺ فَسَأله أن يُعْطِيه قَمِيصَه يُكَفِّن فيه أبَاه، فأعْطَاه، ثم سَأله أن يُصَلّي عليه، فَقَام رسول الله ﷺ لِيُصَلّي عليه فَقام عُمر وأخَذ بِثَوب رَسول الله ﷺ ، فَقال: يا رسول الله أتُصَلّي عليه وقد نَهَاك الله أن تُصَلّي عَليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّمَا خَيّرَنِي الله تعالى، فَقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، وسَأزِيد على سَبْعِين. قال: إنه مُنَافِق، فَصَلَّى عليه رسول الله ﷺ ، فأنْزَل الله : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، فَتَرَك الصَّلاة عَليهم.
وقال بَعض العلماء: إنّمَا صَلَّى النبي ﷺ على عبد الله بن أُبَيّ بِناء على الظَّاهِر مِنْ لَفظ إسْلامِه، ثم لَم يَكُنْ يَفْعَل ذَلك لَمَّا نُهِي عَنه.
ثم أوْرَد القرطبي سؤالًا قال فيه:
إن قال قائل: فَكيف قال عُمر أتُصَلّى عليه، وقد نَهَاك الله أن تُصَلّى عليه؟ ولم يكن تَقَدّم نَهْي عن الصلاة عليهم؟
قيل له: يُحْتَمل أن يَكُون ذلك وَقَع له في خَاطِرِه، ويَكُون مِنْ قَبِيل الإلْهَام والتَّحَدُّث الذي شَهِدَ له به النبي ﷺ (٢)، وقد كان القرآن يَنْزِل على مُرَاده، كَما قال: وَافَقْتُ ربي في ثلاث (٣) وجاء: في أرْبع (٤). فيَكُون هذا مِنْ ذلك (٥).
стр. 383
ويُحْتَمل أن يَكُون فَهِم ذَلك مِنْ قَوله تَعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآيَة، لا أنه كان تَقَدّم نَهْي على مَا دَلّ عليه حَديث البخاري ومسلم، والله أعلم.
قلت: ويُحْتَمل أن يَكُون فَهِمَه مِنْ قَوله تَعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ١١٣] (١)؛ لأنّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّة (٢).
وفي قَوله تَعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٤٦] قال القرطبي: اسْتِثْنَاء مِمَّنْ نَافَق، ومِن شَرْط التَّائب مِنْ النِّفَاق أن يُصْلِح في قَولِه وفِعْلِه، ويَعْتَصِم بِالله، أي: يَجْعَله مَلْجأ ومَعَاذًا، ويُخْلِص دِينه لله، كما نَصَّتْ عليه هذه الآية (٣).
ملخص جواب القرطبي:
١ - أنَّ الآيَة الأُولى نَزَلتْ في شَأن بني أُبيرِق. أوْ أنها نَزَلتْ في شَأن وَحْشِيّ.
٢ - الْمُرَاد بِهَذِه الآيَة العُمُوم، وأنّهَا تَشْمَل جَمِيع الْخَلْق.
٣ - أنه مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ثم يَسْتَغْفِر الله صَادِقًا مِنْ قَلْبِه إلَّا غَفَر الله له، وهو بِمعنى السَّابق مِنْ حَيث العُمُوم والشُّمُول.
٤ - والآيَة الثَّانية - آيَة التَّوبة - خَاصَّة بِمَنْ مَات على النِّفَاق، فإنه جَعَل تفسير الآية مُرْتَبطًا بقَوله تَعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
стр. 384
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
أَوْرَد ابنُ جرير مَا جَاء في سَبب نُزُول آيَة النِّساء، ومِن ذلك:
١ - إنّهَا نَزَلَتْ في شأن اتِّهَام يَهُودِي بالسَّرِقَة، ومَا سَرَق، وإنّمَا اتُّهِم بِهَا.
قال ابن جرير: كان رَجل سَرَق دِرْعًا مِنْ حَدِيد في زَمَان النبي ﷺ وطَرَحَه على يَهُودِي، فَقَال اليَهُودِي: والله مَا سَرَقْتُها يا أبا القَاسِم، ولكِن طُرِحَتْ عَليّ - فَذَكَر القِصَّة -
ثم قال في الذي رَمَى اليَهُودِي: ويُقَال: هو طُعْمَة بن أُبَيْرِق (١).
٢ - إنها نَزَلتْ في شأن مَنْ جَحَد ودِيعة كان أُودِعَها، وهي دِرْع أوْ غيره.
وعلى أيّ مِنْ السَّبَبين يَرى ابنُ جرير أنَّ الآية نَزَلتْ في عَرْض التَّوبَة على مَنْ فَعَل ذلك، سَواء مَنْ رَمى يَهُودِيًا بالسَّرِقة، أوْ مَنْ جَحَد ودِيعَة أُودِعَها.
وذَكَر أنَّ طُعمة بن أُبيرِق لَحِقَ بِقُريش ورَجَع في دِينِه ثم عَدا على مَشْرَبة للحَجَّاج بن عِلاط البَهْري … فَنَقَبَها فَسَقَط عليه حَجَر فَلَحِج (٢). فَلَمَّا أصْبَح أخْرَجُوه مِنْ مَكة فَخَرج فَلَقِي رَكبا مِنْ بَهْرَاء من قُضَاعة، فَعَرَضَ لهم، فقال: ابنُ سَبيلٍ مُنْقَطَع به، فَحَمَلُوه حتى إذا جَنّ عليه الليل عَدا عليهم فَسَرَقَهم ثم انْطَلق، فَرَجَعُوا في طَلَبِه فأدْرَكُوه، فَقَذَفُوه بالْحِجَارَة حتى مَات.
وعَضَد ذلك بما نَقَله عن ابن جُريج مِنْ قَوله: فَهذه الآيَات كُلّها فِيه نَزَلَت إلى قَوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ١١٦] أُنْزِلَتْ في طُعمة بن أُبِيرق، يَقولون: إنه رَمَى بالدرع في دار أبي مُلَيل بن عبد الله الخزرجي، فَلَمَّا نَزَل القُرآن لَحِقَ بِقُريش، فَكان مِنْ أمْرِه مَا كان.
стр. 385
وأَوْلى التَّأوِيلَين - عند ابن جرير - مَا دَلّ عليه ظَاهِر الآيَة، وهو: قَول مَنْ قَال: كَانت خِيانَته التي وَصَفه الله بِها في هَذه الآيَة جُحُوده مَا أُودِع؛ لأنَّ ذلك هو الْمَعْرُوف مِنْ مَعَاني الْخِيَانَات في كَلام العَرب، وتَوْجِيه تَأويل القُرْآن إلى الأشْهَر مِنْ مَعَاني كَلام العَرْب مَا وُجِد إليه سَبِيل أوْلى مِنْ غَيره (١).
وأمَّا في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) فَقال ابن جرير: يَعْنِي بِذَلك جَلّ ثناؤه: ومَن يَعمل ذَنْبا - وهو السُّوء - أوْ يَظْلِم نَفْسَه بإكْسَابه إيّاها مَا يَسْتَحِقّ بِه عُقُوبة الله. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يَقُول: ثم يَتُوب إلى الله بِإنَابَتِه مِمَّا عَمِل مِنْ السُّوء وظَلَم نَفْسَه، ومُرَاجَعَتِه مَا يُحِبّه الله مِنْ الأعْمَال الصَّالِحَة التي تَمْحُو ذَنْبه وتُذْهِب جُرْمَه. (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) يقول: يَجِد ربه سَاتِرًا عليه ذَنبه بِصَفْحِه له عن عُقُوبَته جُرْمه، رَحِيمًا بِه.
ثم حَكَى الْخِلاف في الْمَعْنِيّ بالآيَة على قَولين:
الأوَّل: عُنِي بِهَا الذين وَصَفَهم الله بالْخِيَانَة بِقَولِه: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) [النساء: ١٠٧].
الثاني: عُنِي بِهَا الذين يُجَادِلُون عن الْخَائِنين، الذين قال الله لهم: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النساء: ١٠٩].
والصَّواب مِنْ القَول في ذلك عند ابن جرير أنه عُنِي بِهَا كُلّ مَنْ عَمِل سُوءًا أو ظَلَم نَفْسَه، وإنْ كَانت نَزَلَتْ في أمْرِ الخائِنين والْمُجَادِلِين عَنهم، الذين ذَكَرَ الله أمْرَهَم في الآيَات قَبْلَها (٢).
стр. 386
وبيَّن ابن جرير أنَّ الْخِطَاب في آيَة التَّوبة للنبي ﷺ ، حيث قال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : ادْعُ الله لِهَؤلاء الْمُنَافِقِين الذين وَصَفَ صِفَاتِهم في هذه الآيَات بِالْمَغْفِرَة، أوْ لا تَدْعُ لَهُمْ بِهَا (١).
وهذا كلام خَرَج مَخْرَج الأمْر، وتَأوِيله الْخَبَر، ومَعْنَاه: إنْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ يا محمد أوْ لم تَسْتَغْفِر لَهم فَلَنْ يَغْفِر الله لَهُمْ.
وقَوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) يقول: إن تَسْأل لَهُمْ أن تُسْتَر عليهم ذُنُوبهم بِالعَفْو مِنه لَهم عَنها، وتَرْك فَضِيحَتهم بِهَا، فلن يَسْتُر الله عَليهم، ولن يَعْفُو لَهُمْ عَنها، ولكنه يَفْضَحهم بِها على رُؤوس الأشْهَاد يَوم القِيَامَة.
ويُرْوى (٢) عن رسول الله ﷺ أنه حين نَزَلَتْ هذه الآية قال: لأزِيدَنّ في الاسْتِغْفَار لهم على سَبْعِين مَرَّة رَجَاءً مِنه أن يَغْفِر الله لَهم، فَنَزَلَتْ: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦] (٣).
وذَكَر السمرقندي الْمَقْصُود بِالْمُجَادَل عَنه في الآيَات قَبْلَ آية "النِّسَاء"، ثم ذَكَر قَول الضحاك في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ): إنّهَا نَزَلتْ في شَأن وَحشي، وقَول الكلبي: نَزَلَتْ في شَأن طُعْمَة.
стр. 387
وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) بِسَرِقَةِ الدِّرْع. (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بِرَمْيِه غَيره وجُحُودِه (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يَعني: يَتُوب إلى الله (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) مُتَجَاوِزًا (رَحِيمًا) لِمَنْ اتَّقَى الشِّرْك (١).
كَمَا أوْرَد مَا جَاء عن عليّ ﵁ مِنْ حديث أبي بكر ﵁ وقد تَقَدَّم في أول هذا الْمَوْضِع -.
وبَيَّن السمرقندي في آية "التَّوبة" الْمَعْنَى الذي لَم يَغْفِر للمُنَافَقِين بِسَبَبِه، وذلك في الآيَة نَفْسها، وهو قَوله تَعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يَعْنِي في السِّرّ.
ونَقَل قَول قتادة ومجاهد: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة قَال النبي ﷺ : لأزِيدَنَّ على سَبْعِين مَرَّة، فاسْتَغْفَر لَهم أكْثر مِنْ سَبْعِين مَرَّة لَعل الله يَغْفِر لَهُم، فأنْزَل الله تَعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦] (٢). ثم قَال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٨٠] يَعْنِي الْمُنَافِقِين الذين كَفَرُوا بِالله ورَسُوله في السِّرّ، والله تَعالى لا يَهْدِيهم مَا دَامُوا ثَابِتِين على النِّفَاق (٣).
وصَدَّر السَّمعاني تَفسِير آيَة "النِّسَاء" بِقَولِه: عَرَض التَّوبَة على طُعْمَة وقَومه في هَذه الآيَة، وأمَرَهم بِالاسْتِغْفَار (٤).
وفي آَية "التوبة" أشَار إلى أنَّ الله "أرَاد بِه إثْبات اليَأس عن طَمَع الْمَغْفِرَة لَهم".
стр. 388
ورُوي عن الحسن البصري أنه رَوى عن النبي مُرْسَلا (١) أنه قال: والله لأزِيدَنَّ على السَّبْعِين، فأنْزَل الله : (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦]. وذِكْر عَدد السَّبْعِين للمُبَالَغَة في إثْبَات اليَأس (٢).
ويَرى الثعلبي أنَّ قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) مُسْتأنَف، ثم قال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) يعني يَسْرِق الدِّرْع، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) برميه البريء في السرقة. يقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي: شركاً، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) يَعني بِمَا دُون الشِّرْك. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي: يَتُوب إلى الله (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا) مُتَجَاوِزًا (رَحِيمًا) بِه حِين قَبِلَ تَوبَته (٣).
وفي آيَة "التوبة" قال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) يَعني لِهَؤلاء الْمُنَافِقِين (أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) لَفْظُه أمْر، ومَعْنَاه جَزَاء، تَقْدِيره: إن اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أوْ لم تَسْتَغْفِر لهم (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (٤).
ويَقول الزمخشري: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) قَبِيحًا مُتَعَدّيًا يَسُوء بِه غَيره، كَمَا فَعَلَ طُعْمَة بِقَتَادَة (٥) واليَهُودِي، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بِمَا يَخْتَصّ به كَالْحَلِف الكَاذِب.
وقِيل: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) مِنْ ذَنْب دُون الشِّرْك، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بالشِّرْك. وهذا بَعْثٌ لِطُعْمَة على الاسْتِغْفَار والتَّوبة لِتَلْزَمه الْحُجَّة مَع العِلْم بِمَا يَكون مِنه، أوْ لِقَومِه لِمَا فَرَط
стр. 389
مِنهم مِنْ نُصْرَتِه والذَّبّ (١) عنه (٢).
في حين اختصر الكلام في تفسير آية التوبة، واقْتَصَر على ذِكْر إشْكال وجَوابه (٣).
ويَربُط ابنُ عَطية بَيْن الآيَات فَيَقُول: ولَمَّا تَمَكَّن هَذا الوَعِيد (٤)، وقَضَتِ العُقُول بأنْ لا مُجَادِل لله، ولا وَكِيل يَقُوم بأمُور العُصَاة عِنْده، عَقَّب ذلك هَذا الرَّجَاء العَظيم والْمَهَل (٥) الْمُنْفَسِح (٦)، بِقَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) الآية.
وخَتَمَ تفسير آية "النساء" بِقوله: وهذه آيَة وَعْد بِشَرْط الْمَشِيئة عَلى مَا تَقْتَضِيه عَقِيدة أهْل السُّنة (٧)، وفَضْل الله مَرْجُوّ، وهو الْمُسْتَعَان (٨).
في حين بيَّن الرَّازي أنَّ "الْمُرَاد بِالسُّوء: القَبِيح الذي يَسُوء بِه غَيره، كَما فَعَل طُعْمه مِنْ سَرِقَة الدِّرْع، ومِن رَمي اليَهُودي بالسَّرِقَة، والْمُرَاد بِظُلْم النَّفْس مَا يَخْتَصّ بِه الإنْسان، كَالْحَلِف الكَاذِب، وإنّمَا خَصّ مَا يَتَعَدّى إلى الغَير بِاسْمِ السُّوء، لأنَّ ذلك يَكُون في الأكْثر إيصَالًا للضَّرَر إلى الغَير، والضَّرَر سُوء حَاضِر، فأمَّا الذَّنْب الذي يَخُصّ الإنْسَان فذلك في الأكْثر لا يَكُون ضَرَرًا حَاضِرًا، لأنَّ الإنْسَان لا يُوصِل الضَّرَر إلى نَفْسِه.
واعْلَم أن هذه الآية دَالَّة على حُكْمَين:
стр. 390
الأوَّل: أنَّ التَّوبة مَقْبُولَة عن جَمِيع الذُّنُوب، سَواء كَانت كُفْرًا، أوْ قَتْلًا عَمْدًا، أوْ غَصْبًا للأمْوَال؛ لأنَّ قَوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) عَمَّ الكُلّ.
الثَّاني: أنَّ ظَاهِر الآيَة يَقْتَضِي أنَّ مُجَرَّد الاسْتِغْفَار كَافٍ، وقال بعضهم: إنه مُقَيَّد بالتَّوبَة، لأنه لا يَنْفَع الاسْتِغْفَار مَع الإصْرَار" (١).
وفي آية "التوبة" بَيَّن الرَّازي "أن اسْتِغْفَار الغَير للغَير لا يَنْفَعُه إذا كان ذلك الغَير مُصِرًّا على القُبْح والْمَعْصِيَة".
كَما بَيَّن أنَّ الْمُرَاد إزَالَة طَمَع الْمُنَافِقِين "في أن يَنْفَعهم اسْتِغْفَار الرَّسول ﵇ (٢) مع إصْرَارِهم على الكُفْر، ويُؤكّده أيضًا قَوله تَعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) والْمَعْنَى: أنَّ فِسْقَهم مَانِع مِنْ الْهِدَاية" (٣).
وأطَال ابن كثير في ذِكْر الرِّوَايات الوَارِدَة في سَبَب نُزُول الآيَات مِنْ سُورَة النِّسَاء قَبل قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)، وفي آيَة "النِّسَاء" المذكورة قال ابن كثير: يُخْبِر تَعَالى عَنْ كَرَمِه وجُودِه أنّ كُل مَنْ تَاب إليه تَاب عليه مِنْ أيِّ ذَنْب كَان (٤).
وبَيَّن أنَّ آيَة "التوبة" إخْبَار مِنْ الله تعالى لِنَبِيِّه ﷺ بأنَّ هَؤلاء الْمُنَافِقِين لَيْسُوا أهْلًا للاسْتِغْفَار، وأنه لو اسْتَغْفَر لهم سَبْعِين مَرَّة فلن يَغْفِر الله لهم (٥).