وبيَّن ابن جرير أنَّ الْخِطَاب في آيَة التَّوبة للنبي ﷺ ، حيث قال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : ادْعُ الله لِهَؤلاء الْمُنَافِقِين الذين وَصَفَ صِفَاتِهم في هذه الآيَات بِالْمَغْفِرَة، أوْ لا تَدْعُ لَهُمْ بِهَا (١).
وهذا كلام خَرَج مَخْرَج الأمْر، وتَأوِيله الْخَبَر، ومَعْنَاه: إنْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ يا محمد أوْ لم تَسْتَغْفِر لَهم فَلَنْ يَغْفِر الله لَهُمْ.
وقَوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) يقول: إن تَسْأل لَهُمْ أن تُسْتَر عليهم ذُنُوبهم بِالعَفْو مِنه لَهم عَنها، وتَرْك فَضِيحَتهم بِهَا، فلن يَسْتُر الله عَليهم، ولن يَعْفُو لَهُمْ عَنها، ولكنه يَفْضَحهم بِها على رُؤوس الأشْهَاد يَوم القِيَامَة.
ويُرْوى (٢) عن رسول الله ﷺ أنه حين نَزَلَتْ هذه الآية قال: لأزِيدَنّ في الاسْتِغْفَار لهم على سَبْعِين مَرَّة رَجَاءً مِنه أن يَغْفِر الله لَهم، فَنَزَلَتْ: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦] (٣).
وذَكَر السمرقندي الْمَقْصُود بِالْمُجَادَل عَنه في الآيَات قَبْلَ آية "النِّسَاء"، ثم ذَكَر قَول الضحاك في قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ): إنّهَا نَزَلتْ في شَأن وَحشي، وقَول الكلبي: نَزَلَتْ في شَأن طُعْمَة.
стр. 387
وقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) بِسَرِقَةِ الدِّرْع. (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بِرَمْيِه غَيره وجُحُودِه (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يَعني: يَتُوب إلى الله (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) مُتَجَاوِزًا (رَحِيمًا) لِمَنْ اتَّقَى الشِّرْك (١).
كَمَا أوْرَد مَا جَاء عن عليّ ﵁ مِنْ حديث أبي بكر ﵁ وقد تَقَدَّم في أول هذا الْمَوْضِع -.
وبَيَّن السمرقندي في آية "التَّوبة" الْمَعْنَى الذي لَم يَغْفِر للمُنَافَقِين بِسَبَبِه، وذلك في الآيَة نَفْسها، وهو قَوله تَعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يَعْنِي في السِّرّ.
ونَقَل قَول قتادة ومجاهد: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة قَال النبي ﷺ : لأزِيدَنَّ على سَبْعِين مَرَّة، فاسْتَغْفَر لَهم أكْثر مِنْ سَبْعِين مَرَّة لَعل الله يَغْفِر لَهُم، فأنْزَل الله تَعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦] (٢). ثم قَال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٨٠] يَعْنِي الْمُنَافِقِين الذين كَفَرُوا بِالله ورَسُوله في السِّرّ، والله تَعالى لا يَهْدِيهم مَا دَامُوا ثَابِتِين على النِّفَاق (٣).
وصَدَّر السَّمعاني تَفسِير آيَة "النِّسَاء" بِقَولِه: عَرَض التَّوبَة على طُعْمَة وقَومه في هَذه الآيَة، وأمَرَهم بِالاسْتِغْفَار (٤).
وفي آَية "التوبة" أشَار إلى أنَّ الله "أرَاد بِه إثْبات اليَأس عن طَمَع الْمَغْفِرَة لَهم".
стр. 388
ورُوي عن الحسن البصري أنه رَوى عن النبي مُرْسَلا (١) أنه قال: والله لأزِيدَنَّ على السَّبْعِين، فأنْزَل الله : (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [المنافقون: ٦]. وذِكْر عَدد السَّبْعِين للمُبَالَغَة في إثْبَات اليَأس (٢).
ويَرى الثعلبي أنَّ قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) مُسْتأنَف، ثم قال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) يعني يَسْرِق الدِّرْع، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) برميه البريء في السرقة. يقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي: شركاً، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) يَعني بِمَا دُون الشِّرْك. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي: يَتُوب إلى الله (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا) مُتَجَاوِزًا (رَحِيمًا) بِه حِين قَبِلَ تَوبَته (٣).
وفي آيَة "التوبة" قال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ) يَعني لِهَؤلاء الْمُنَافِقِين (أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) لَفْظُه أمْر، ومَعْنَاه جَزَاء، تَقْدِيره: إن اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أوْ لم تَسْتَغْفِر لهم (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (٤).
ويَقول الزمخشري: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) قَبِيحًا مُتَعَدّيًا يَسُوء بِه غَيره، كَمَا فَعَلَ طُعْمَة بِقَتَادَة (٥) واليَهُودِي، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بِمَا يَخْتَصّ به كَالْحَلِف الكَاذِب.
وقِيل: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) مِنْ ذَنْب دُون الشِّرْك، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بالشِّرْك. وهذا بَعْثٌ لِطُعْمَة على الاسْتِغْفَار والتَّوبة لِتَلْزَمه الْحُجَّة مَع العِلْم بِمَا يَكون مِنه، أوْ لِقَومِه لِمَا فَرَط
стр. 389
مِنهم مِنْ نُصْرَتِه والذَّبّ (١) عنه (٢).
في حين اختصر الكلام في تفسير آية التوبة، واقْتَصَر على ذِكْر إشْكال وجَوابه (٣).
ويَربُط ابنُ عَطية بَيْن الآيَات فَيَقُول: ولَمَّا تَمَكَّن هَذا الوَعِيد (٤)، وقَضَتِ العُقُول بأنْ لا مُجَادِل لله، ولا وَكِيل يَقُوم بأمُور العُصَاة عِنْده، عَقَّب ذلك هَذا الرَّجَاء العَظيم والْمَهَل (٥) الْمُنْفَسِح (٦)، بِقَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ) الآية.
وخَتَمَ تفسير آية "النساء" بِقوله: وهذه آيَة وَعْد بِشَرْط الْمَشِيئة عَلى مَا تَقْتَضِيه عَقِيدة أهْل السُّنة (٧)، وفَضْل الله مَرْجُوّ، وهو الْمُسْتَعَان (٨).
في حين بيَّن الرَّازي أنَّ "الْمُرَاد بِالسُّوء: القَبِيح الذي يَسُوء بِه غَيره، كَما فَعَل طُعْمه مِنْ سَرِقَة الدِّرْع، ومِن رَمي اليَهُودي بالسَّرِقَة، والْمُرَاد بِظُلْم النَّفْس مَا يَخْتَصّ بِه الإنْسان، كَالْحَلِف الكَاذِب، وإنّمَا خَصّ مَا يَتَعَدّى إلى الغَير بِاسْمِ السُّوء، لأنَّ ذلك يَكُون في الأكْثر إيصَالًا للضَّرَر إلى الغَير، والضَّرَر سُوء حَاضِر، فأمَّا الذَّنْب الذي يَخُصّ الإنْسَان فذلك في الأكْثر لا يَكُون ضَرَرًا حَاضِرًا، لأنَّ الإنْسَان لا يُوصِل الضَّرَر إلى نَفْسِه.
واعْلَم أن هذه الآية دَالَّة على حُكْمَين:
стр. 390
الأوَّل: أنَّ التَّوبة مَقْبُولَة عن جَمِيع الذُّنُوب، سَواء كَانت كُفْرًا، أوْ قَتْلًا عَمْدًا، أوْ غَصْبًا للأمْوَال؛ لأنَّ قَوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) عَمَّ الكُلّ.
الثَّاني: أنَّ ظَاهِر الآيَة يَقْتَضِي أنَّ مُجَرَّد الاسْتِغْفَار كَافٍ، وقال بعضهم: إنه مُقَيَّد بالتَّوبَة، لأنه لا يَنْفَع الاسْتِغْفَار مَع الإصْرَار" (١).
وفي آية "التوبة" بَيَّن الرَّازي "أن اسْتِغْفَار الغَير للغَير لا يَنْفَعُه إذا كان ذلك الغَير مُصِرًّا على القُبْح والْمَعْصِيَة".
كَما بَيَّن أنَّ الْمُرَاد إزَالَة طَمَع الْمُنَافِقِين "في أن يَنْفَعهم اسْتِغْفَار الرَّسول ﵇ (٢) مع إصْرَارِهم على الكُفْر، ويُؤكّده أيضًا قَوله تَعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) والْمَعْنَى: أنَّ فِسْقَهم مَانِع مِنْ الْهِدَاية" (٣).
وأطَال ابن كثير في ذِكْر الرِّوَايات الوَارِدَة في سَبَب نُزُول الآيَات مِنْ سُورَة النِّسَاء قَبل قَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)، وفي آيَة "النِّسَاء" المذكورة قال ابن كثير: يُخْبِر تَعَالى عَنْ كَرَمِه وجُودِه أنّ كُل مَنْ تَاب إليه تَاب عليه مِنْ أيِّ ذَنْب كَان (٤).
وبَيَّن أنَّ آيَة "التوبة" إخْبَار مِنْ الله تعالى لِنَبِيِّه ﷺ بأنَّ هَؤلاء الْمُنَافِقِين لَيْسُوا أهْلًا للاسْتِغْفَار، وأنه لو اسْتَغْفَر لهم سَبْعِين مَرَّة فلن يَغْفِر الله لهم (٥).
стр. 391
رأي الباحث:
ليس بَيْن الآيات تَعَارُض، فآيَة "النِّسَاء" تَدُل على أنَّ مَنْ عَمِل سُوءًا أوْ ظَلَم نَفْسَه ثم اسْتَغْفَر الله غَفَر الله له، وهذا مُقَيَّد بِشَرْط التَّحَلل مِمَّنْ ظَلَمه إذا كَان ذلك السُّوء مِمَّا ألْحَق به الضَّرَر بِغَيره، لِما جَاء في صَرِيح السُّنَّة مِنْ مِثل قَوله ﵊: مَنْ كَانت له مَظْلَمَة لأحَد مِنْ عِرْضِه أو شيء فَلْيَتَحَلَّلْه مِنه اليَوم قَبْل أن لا يَكُون دِينَار ولا دِرْهم، إنْ كان له عمل صَالح أُخِذَ مِنه بِقَدْرِ مَظْلَمَتِه، وإنْ لَم تَكُنْ له حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيئات صَاحِبه فَحُمِل عَليه (١).
وآيَة "التوبة" تَدُلّ على أنَّ اسْتِغْفَار الْمُسْلِم للمُنَافِق أوْ للكَافِر لا يَنْفعه، ولذلك نُهي عن الاسْتِغْفَار للمُشْرِكِين ولو كَانُوا أُولي قُرْبى، وجَاء النَّهي عن الصلاة على الْمُنَافِقِين؛ لأنّها رَحْمَة وطَلَب شَفَاعَة.
وفي آيَة "التوبة" قَطْع أطْمَاع الْمُنَافِقِين أن يَنْفَعهم اسْتِغْفَار الْمُؤمِنِين، بل اسْتِغْفَار النبي ﷺ ؛ لأنّهم أقَامُوا على نِفَاقِهم، ومِن شَرْط الانْتِفَاع بالاسْتِغْفَار أن يَكُون صَاحِبُه صَادِقا في اسْتِغْفَارِه، غَيْر مُصِرّ على ذَنْبِه "قال عُلَمَاؤنا: الاسْتِغْفَار الْمَطْلُوب هو الذي يَحُلّ عَقْد الإصْرَار ويَثْبُت مَعْنَاه في الْجَنَان، لا التَّلَفُّظ باللسَان، فأمَّا مَنْ قَال بِلِسَانِه اسْتَغْفِر الله وقَلْبُه مُصِرّ على مَعْصِيَتِه فَاسْتِغْفَاره ذَلك يَحْتَاج إلى اسْتِغْفَار، وصَغِيرته لاحِقَة بِالكَبَائر، ورُوي عن الْحَسَن البَصْري أنه قال: اسْتِغْفَارُنا يَحْتَاج إلى اسْتِغْفَار" (٢).
وبِهذا تَجْتَمِع الآيَات. والله تعالى أعلم.
стр. 392
المبحث الثالث: الاحتكام إلى اللغة العربية وقواعدها لدفع التعارض المتوهم.
لَمَّا كَان القُرْآن الكَرِيم نَزَل بِلُغَة العَرَب، (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، كَان مِنْ شُرُوط الْمُفَسِّر أن يَكُون على دِرَاية باللغَة العَرَبية (١).
روى عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن ابن عباس قولَه: تَفْسِير القُرآن على أرْبَعَة وُجُوه:
تَفْسِيرٌ تَعْلَمه العُلَمَاء، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُه العَرَب، وتَفْسِيرٌ لا يُعْذَر أحَد بِجَهَالَته - يَقول: مِنْ الْحَلال والْحَرَام - وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَم تَأويلَه إلَّا الله، مَنْ ادّعَى عِلْمه فهو كَاذِب (٢).
قال الزركشي: "وهذا تَقْسِيم صَحِيح. فأمَّا الذي تَعْرِفُه العَرَب فهو الذي يُرْجَع فيه إلى لِسَانِهم، وذلك شَأن اللغَة والإعْرَاب.
فأمَّا اللغَة فَعَلَى الْمُفَسِّر مَعْرِفَة مَعَانِيها ومُسَمَّيَات أسْمَائها" (٣).
ولَمَّا كَانت لُغَة العَرَب مِنْ مَصَادِر تَفْسِير القُرآن قال مالك بن أنس: لا أُوتي بِرَجُلٍ غير عالم بِلُغَاتِ العَرَب يُفَسِّر ذلك (٤) إلَّا جَعَلْتُه نَكَالًا (٥).
إلَّا أنَّ القَول بِتَفْسِير القُرآن بِلُغة العَرَب لا بُدَّ له مِنْ قَيد، وهو أنْ يَجْرِي على أصُول الْمُفَسِّرِين، وأن لا يَكون نَتِيجَة مُسَارَعَة في تَفْسِير القُرآن بِظَاهِر العَرَبِيَّة.
стр. 393
"فَمَنْ لَم يُحْكِم ظَاهِر التَّفْسِير وبَادَر إلى اسْتِنْبَاط الْمَعَاني بِمُجَرَّد فَهْم العَرَبية كَثُر غَلَطُه، ودَخَل في زُمرَة مَنْ فَسَّر القُرآن بالرَّأي، والنَّقْل والسَّمَاع لا بُدّ لَه مِنه في ظَاهِر التَّفْسِير أوَّلًا لِيَتّقي به مَواضِع الغَلَط، ثم بعد ذلك يَتَّسِع الفَهْم والاسْتِنْبَاط" (١).
وعلى هذا يُحْمَل مَا جَاء عن السَّلَف مِنْ كَرَاهة تَفْسِير القُرْآن بِمُقْتَضَى اللغَة (٢).
ويَرى القُرطبي أنَّ "بَلاغَة القُرآن في أعْلَى طَبَقَات الإحْسَان، وأرْفَع دَرَجَات الإيجَاز والبَيَان، بل تَجَاوَزَت حَدّ الإحْسَان والإجَادَة إلى حَيِّز الإرْباء والزِّيَادَة (٣).
وبِهَذه البَلاغَة والفَصَاحَة قامَتِ الْحُجَّة على العَرَب، إذْ كَانُوا أرْبَاب الفَصَاحَة، ومَظِنَّة الْمُعَارَضَة … فإنَّ الله سُبحانه إنما جَعَل مُعْجِزَات الأنْبياء ﵈ بالوَجْه الشَّهِير أبْرَع مَا يَكُون في زَمَان النَّبي الذي أرَاد إظْهَارَه … والفَصَاحَة في زَمَن محمد ﷺ " (٤).
وقد اعْتَنى القرطبي بِمَبَاحِث اللغَة، واسْتَعَان بِها على دَرْء تَوَهُّم التَّعَارُض، ومِن ذلك:
المثال الأول:
العِزّة لله وحده:
قَوله تعالى: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩] وقَوله تعالى: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [يونس: ٦٥] وقَوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: ١٠]، مع قَوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: ٨].
стр. 394
صورة التعارض:
الآيات الثَّلاث الأُوَل يُفهَم مِنها أنَّ العِزَّة لله وَحْدَه، وفي آيَة "الْمُنَافِقُون" التَّصْرِيح بأن العِزَّة لله ولِرَسوله ﷺ وللمُؤمِنين.
جمع القرطبي:
قال القرطبي في آيَة "النساء": (الْعِزَّةُ) أي الغَلَبَة، عَزّه يَعُزُّه عَزًّا إذا غَلَبَه.
(فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي الغَلَبَة والقُوَّة لله. قال ابن عباس: يَبْتَغُون عِندهم: يُريد عند بني قينقاع، فإن ابن أُبَيّ كَان يُوالِيهم (١).
وفي آية "يونس" قال: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ) أي: القوَّة الكَامِلَة، والغَلَبَة الشَّامِلَة، والقُدْرَة التَّامَّة لله وَحْده؛ فهو نَاصِرُك ومُعِينُك ومَانِعُك.
ولا يُعَارِض هذا قَوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فإنَّ كُل عِزَّة بِالله فَهي كُلها لله، قال الله سبحانه: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات: ١٨٠] (٢).
وقال في آية "فاطِر": (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا): التَّقْدِير عند الفرّاء: مَنْ كَان يُرِيد عِلْم العِزَّة. وكَذا قَال غَيره مِنْ أهْل العِلْم، أي: مَنْ كَان يُريد عِلْم العِزَّة التي لا ذِلَّة مَعها، لأنَّ العِزَّة إذا كَانت تُؤدي إلى ذِلة فإنما هي تَعَرُّض للذِّلَّة، والعِزَّة التي لا ذِل معها لله .
وقَدّر الزجاج مَعناه: مَنْ كان يُريد بِعِبَادَته الله العِزَّة، والعِزَّة له سبحانه؛ فإنَّ الله يُعِزّه في الآخِرة والدّنيا.
قلت: وهذا أحْسن. ورُوي مَرفوعًا على ما يأتي.
стр. 395
(فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) ظاهر هذا إيناس السَّامِعين مِنْ عِزَّته، وتَعْرِيفهم أنَّ ما وَجَب له مِنْ ذلك لا مَطْمَع فيه لِغَيره، فتَكُون الألف واللام للعَهد عند العالِمِين به سبحانه وبما وَجَب له مِنْ ذلك، وهو الْمَفْهُوم مِنْ قَوله الْحَقّ في سورة يونس: (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ) ويُحْتَمَل أن يُريد سبحانه أن يُنَبّه ذَوي الأقْدَار والْهِمَم مَنْ أين تُنَال العِزَّة، ومِن أين تُسْتَحَقّ، فتكون الألف واللام للاسْتغراق، وهو الْمَفْهُوم من آيات هذه السورة، فَمَنْ طَلَب العِزَّة مِنْ الله وصَدَقَه في طَلَبها بافْتِقَار وذُلّ وسُكُون وخُضُوع وَجَدَها عِنْده - إن شاء الله - غير مَمْنُوعَة ولا مَحْجُوبَة عنه. قال ﷺ : مَنْ تَواضع لله رَفَعه الله (١).
ومَن طَلبها مِنْ غَيره وَكَلَه إلى مَنْ طَلَبها عِنده. وقد ذَكَرَ قَومًا طَلَبُوا العِزَّة عند مَنْ سِواه، فقال: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩]، فأنبأك صَرِيحا لا إشْكَال فيه أنَّ العِزَّة له يُعِزّ بِها مَنْ يَشاء، ويُذِلّ مَنْ يَشاء.
وقال ﷺ مُفَسِّرًا لِقَوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا): مَنْ أرَاد عِزّ الدَّارَين فَلْيُطِع العَزيز (٢). وهذا معنى قول الزجاج.
стр. 396
فَمَنْ كَان يُرِيد العِزَّة لِيَنَال الفَوْز الأكْبَر ويَدخُل دَار العِزَّة - ولله العِزَّة - فَلْيَقْصد بالعِزَّة الله سبحانه والاعْتِزَاز به، فإنه مَنْ اعْتَزّ بالعَبْد أذَلَّه الله، ومَن اعْتَزّ بِالله أعَزَّه الله (١).
ملخص جواب القرطبي:
١ - الغَلَبَة والقُوَّة لله، وسَبَب نُزُول آية "النساء" أنَّ ابن أُبيّ كان يطلُب العِزَّة عند بني قينقاع.
٢ - القُوَّة الكَامِلة، والغَلَبَة الشَّامِلَة، والقُدْرَة التامَّة لله وحْدَه، فهو نَاصِرُك ومُعِينُك ومَانِعُك، والخِطاب فيها للنبي ﷺ .
٣ - لا تَعَارُض بَيْن قَوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، وبَيْن قَوله: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ)، فإنَّ كل عِزَّة بِالله فَهي كُلّها لله.
٤ - مَنْ كَان يُريد بِعِبَادَته الله العِزَّة، والعِزَّة له سبحانه؛ فإنَّ الله يُعِزّه في الآخِرة والدنيا.
٥ - من طَلَب العِزَّة مِنْ الله وصَدَقَه في طَلَبها بافْتِقَار وذُلّ وسُكُون وخُضُوع وَجَدَها عِنده.
٦ - العِزّة لله يُعِزّ بِها مَنْ يَشَاء، ويُذِلّ مَنْ يَشاء.
مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
بَيَّن ابن جرير أنَّ قَوله جل ثناؤه: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١٣٩] مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِين.
стр. 397
ومَعنى قَوله تَعالى: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي: أيَطْلُبُون عِنْدَهم الْمَنَعَة والقُوَّة باتِّخَاذِهم إياهم أوْلِيَاء مِنْ دُون أهْل الإيمان بي؟
وقَال في قَوله تَعالى: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا): يَقُول: فإنَّ الذين اتَّخَذُوهم مِنْ الكَافِرين أوْلِياء ابْتِغَاء العِزَّة عِنْدَهم هُمْ الأذِلّاء الأقِلّاء، فَهَلّا اتَّخَذُوا الأوْلِياء مِنْ الْمُؤمِنِين فَيَلْتَمِسُوا العِزَّة والْمَنَعَة والنُّصْرَة مِنْ عِند الله الذي له العِزَّة والْمَنَعَة، الذي يُعِزّ مَنْ يَشاء ويُذِلّ مَنْ يَشاء، فيُعِزّهم ويَمْنَعهم. وأصْل العِزَّة الشِّدّة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عَزَاز. وقيل: قد اسْتُعِزّ على المريض، إذا اشْتَدّ مرضه وكاد يُشْفِي (١).
ويُقال: تَعَزّز اللحم، إذا اشْتَدّ. ومنه قيل: عَزّ عَليّ أن يكون كذا وكذا، بِمَعْنى اشْتَدّ عَليّ (٢).
وقال في آية "يونس" فـ (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) يَقول تعالى ذِكْرُه: فإنَّ الله هو الْمُنْفَرِد بِعِزَّة الدّنيا والآخِرة لا شَريك له فِيها، وهو الْمُنْتَقِم مِنْ هَؤلاء الْمُشْرِكِين القَائلين فيه مِنْ القَول البَاطِل ما يَقُولُون، فلا يَنْصُرهم عند انْتِقَامه مِنهم أحَدٌ؛ لأنه لا يُعَازُّه شيء (٣).
وذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأويل في مَعنى قَوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، فَنَقَل عن بعضهم: معنى ذلك: مَنْ كَان يُريد العِزَّة بِعِبَادَة الآلِهة والأوْثان فإنَّ العِزَّة لله جميعا.
وعَن آخَرين: مَعنى ذلك: مَنْ كَان يُرِيد العِزَّة فَلْيَتَعَزّز بِطَاعَة الله.
وعن آخَرِين: بل معنى ذلك: مِنْ كان يُريد عِلْم العِزَّة لِمَنْ هِي، فإنّها لله جَميعا كُلّها، أي: كُل وَجْه مِنْ العِزَّة فَلِلَّه.
стр. 398
وأوْلى الأقْوال بِالصَّواب عند ابن جرير: قَول مَنْ قَال: مَنْ كَان يُرِيد العِزَّة فَبِالله فَلْيَتَعَزَّز، فَلِلَّه العِزَّة جَميعا، دُون كُلّ مَا دُونه مِنْ الآلِهَة والأوْثَان.
وعَلّل اخْتِيَارَه بِقَوله: وإنّمَا قُلتُ ذلك أوْلى بِالصَّواب لأنَّ الآيَات التي قَبل هَذه الآيَة جَرَتْ بِتَقْرِيع الله الْمُشْرِكِين عَلى عِبَادَتِهم الأوْثَان، وتَوْبِيخِه إيّاهُم، ووعِيدِه لهم عليها؛ فأوْلى بِهَذِه أيضًا أن تَكُون مِنْ جِنْس الْحَثّ على فِرَاق ذلك، فَكَانَت قِصّتها شَبِيهة بِقِصّتِها، وكانت في سِيَاقِها (١).
فَعَلى هذا آية "النساء" - عند ابن جرير - في شَأن الْمُنَافِقِين، وآيَة "يونس" وآيَة "فاطِر" في الْمُشْرِكِين، وهو مَا يَقْتَضِيه سِيَاق الآيَات.
وقد بَيَّن في آيَة "المنافِقون" أنَّ قَوله تَعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) يَعني: الشِّدَّة والقُوَّة، (وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) بِالله، (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ذلك (٢).
وأشَار السمرقندي في تَفسير آيَة "النساء" إلى مَعْنى آخَر في قَوله تَعالى: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ)، وهو أنَّ الْمُنَافِقِين يَطْلُبُون عِند الكَافِرِين الْمَنَعة والظَّفَر على محمد ﷺ وعلى أصْحَابِه.
ثم بيّن السمرقندي أنَّ العِزَّة في اللغَة الْمَنَعَة والغَلَبَة، كَمَا يُقَال: مَنْ عَزّ بَزّ، أي: مَنْ غَلَب سَلَب. ويُقال: عَزّ الشَّيء إذا اشْتَدّ وُجُوده.
وقال: ثم ذَكَر سُبحانه أنه لا نُصْرَة لهم مِنْ الكُفَّار، وإنّمَا النُّصْرَة مِنْ الله تعالى فَقال، فإنَّ العِزَّة لله (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، يَعني الظَّفَر والنَّصْر كُلّه مِنْ الله تعالى، وهذا كَمَا قَال في آيَة أخْرَى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٣).
стр. 399
واخْتَصَر القَول في آيَة "يونس" حيث قال: يَقول: يا محمد لا يَحْزُنك تَكْذِيبهم، (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) يَعني: بأنَّ النِّعْمَة والقُدْرَة لله تعالى، وجَميع مَنْ يَتَعَزَّز إنّمَا هو بإذْن الله تعالى (١).
وكذلك في آية "فاطر" فإنه قال: يَعني: مَنْ طَلَب العِزَّة بِعِبَادَة الأوْثَان فلْيَتَعَزّز بِطَاعَة الله ، (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
يقول: مَنْ يَتَعَزّز بإذْن الله.
ويُقَال: مَعْنَاه: مَنْ كَان يُرِيد أن يَعْلَم لِمَنْ تَكُون العِزَّة فلْيَعْلَم بأنَّ (الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
ويُقَال: مَنْ كَان يَطْلُب لِنَفْسِه العِزَّة (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (٢).
وفي آيَة "المنافقون" قال: قَال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) حَيث قَوَّاهم الله تَعالى ونَصَرهم، أي: القُدْرَة والْمَنَعَة لله.
(وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) يَعْنِي: لا يُصَدِّقُون في السِّرّ.
ويُقَال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) يَعْنِي القُدْرَة. ويُقَال: نَفَاذ الأمْر. (وَلِرَسُولِهِ) وهو عِزَّة النُّبُوَّة والرِّسَالَة، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وهو عِزّ الإيمان والإسْلام، أعَزَّهم الله في الدّنيا والآخِرة (٣).
وقال السَّمعاني في آيَة "النساء": (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) يَعْنِي: أيَطْلُبُون عِنْدَهم القُوَّة والغَلَبَة (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: القُوَّة والْغَلَبَة كُلّها لله تَعالى.
ثم أوْرَد إشْكَالًا وجَوَابه، فَقال: فإنْ قَال قَائل: قَدْ نَرى في بَعْض الأحْوَال الغَلَبَة للكُفَّار، فَمَا مَعْنَى قَوله: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)؟
قيل: مَعْناه: أنَّ الْمُقَوِّي هو الله تَعالى في الأحْوال كُلّها.
стр. 400
وقيل: مَعْنَاه: الْغَلَبة بالْحُجَّة لله جَمِيعًا (١).
واخْتَصَر القَول جِدًّا في آيَة "يونس" حَيث قال: يَعْنِي: إنَّ الغَلَبة لله جَمِيعًا (٢).
وبيّن في تَفسير آية "فاطر" أنَّ العِزَّة هي الْمَنَعَة.
وقال: وقَوله: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) قال الفَرَّاء: مَعْنَى الآيَة: مَنْ كَان يُرِيد أن يَعْلَم لِمَنْ العِزَّة (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا).
وقال قتادة: مَعْنَاه: مَنْ كان يُرِيد العِزَّة فَلْيَتَعَزَّز بِطَاعَةِ الله.
قال أهل النحو: هذا مِثْل مَا يَقُول الإنْسَان: مَنْ كان يُرِيد الْمَال فَالْمَال لِفُلان، أي لِيطْلُب الْمَال عِند فُلان، كَذلك مَعْنَى قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) أي: فَلْيَطْلُب العِزَّة مِنْ عِنده.
وقال بعض أهْل التَّفْسِير: كان أهل الْجَاهِلِيَّة يَعْبُدُون الأصْنَام، ويَتَقَرَّبُون بِذلك إلى الله تعالى، ويَطْلُبون العِزّ مِنْ عِند الأصْنَام. قال الله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم: ٨١]، فأنْزل الله تَعالى هَذه الآيَة، وأمَرَهم أن يَطْلُبُوا العِزّ مِنْ الله لا مِنْ الأصْنَام (٣).
وقال في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ): أي الغَلَبة والْمَنَعَة والقوة، والعِزَّة لله لِعِزَّةٍ في ذَاته، والعِزَّة لِرَسُوله وللمُؤمِنين بِمَا أعْطَاهم الله تعالى مِنْ الغَلَبَة والْمَنَعَة والقُوَّة.
وقوله: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أي: لا يَعْلَمُون أنَّ العِزَّة والغَلَبَة لله ولِرَسُوله وللمُؤمِنين (٤).
стр. 401
وأبَان الثعلبي أنَّ قَوله تَعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ) وَصْف للمُنَافِقِين، ومَعْنَاه: يتّخِذونهم أنْصَارًا وبِطَانة.
وأنَّ مَعْنَى قَوله تعالى: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) يَعني الرِّفْد والشِّدَّة والْمَعُونَة والظُّهُور على مُحمد وأصْحَابه.
ونَقَل عن الزجاج قَوله: العِزَّة: يَعْنِي الْمَنَعَة والشِّدَّة والغَلَبَة، مأخُوذ مِنْ قَوْلِهم: أرْض عَزَاز، أي: صَلْبَة لا يُفِيد عَليها شيء.
ويقال: اسْتُعِزّ على الْمَرِيض اشْتَدّ وَجَعُه.
وقَولهم: يَعُزّ عليّ، أي: يَشْتَدّ.
وقَولهم: إذا عَزَّ الشيء لم يُوجَد، فَتَأويله: قد اشْتَدَّ وُجُود وَصْف إن وُجِد (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: القُدْرَة لله جَمِيعًا، وهو سَيِّد الأرْبَاب (١).
وفي تَفْسِير آيَة "يونس" بَيَّن أنَّ قَوله تَعالى: (إِنَّ الْعِزَّةَ) ابْتِدَاء لِتَمَام الكَلام فِيمَا قبْل ذَلك، وبَيَّن أنَّ مَعْنَى العِزَّة: القُدْرَة، (لِلَّهِ جَمِيعًا) وهو الْمُنْتَقِم مِنهم.
ثم أوْرَد قول سعيد بن المسيب: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا): يَعني: أنَّ الله يُعِزّ مَنْ يَشَاء، كَمَا قَال في آيَة أخْرَى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، وعِزَّة الرَّسول والْمُؤمِنين مَنًّا لله، فهي كُلها لله، قال الله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٢).
وفي آية "فاطر" قال الثعلبي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ): يَعْنِي: عِلْم العِزَّة لِمَنْ هِي؟ (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، وذلك أنَّ الكُفَّار عَبَدُوا الأصْنَام وطَلَبُوا بِها التَّعَزُّز، كَمَا أخْبَر الله تَعالى عَنْهم بِقَولِه: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩]، وقَال سُبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم: ٨١].
стр. 402
(كَلَّا) [مريم: ٨٢] وَرَدّ الله عَليهم: مَنْ أرَاد أن يَعْلَم لِمَنْ العِزَّة الْحَقِيقِيَّة فآيَة (١) العِزَّة لله، ومَن أرَاد أن يَكُون في الدَّارَين عَزِيزًا فلْيُطِع الله (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (٢).
وبيّن مَعْنى العِزَّة الْمَذْكُورة في سُورة المنافقون، فقال: فَعِزَّة الله سُبحانه قَهْرُ مَنْ دُونه، وعِزّ رَسوله إظْهار دِينِه على الأدْيان كُلّها، وعِزّ الْمُؤمِنِين نَصْرُه إيَّاهم على أعْدَائهم، فهم ظَاهِرُون.
وقيل: عِزَّة الله الولايَة، قَال الله تَعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) [الكهف: ٤٤]، وعِزَّة الرَّسول الكِفَاية، قَال الله سُبحانه: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [الحجر: ٩٥]، وعِزّ الْمُؤمِنِين الرِّفْعة والرِّعاية، قال: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ١٣٩]، وقال: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: ٤٣] (٣).
وقيل: عِزَّة الله الرُّبُوبِيَّة، وعِزَّة الرَّسول النُّبُوَّة، وعِزَّة الْمُؤمِنِين العُبُودِيَّة.
وكان جَعْفَر الصَّادِق يَقُول: مَنْ مِثْلي ورَبّ العَرْش مَعْبُودِي؟ مَنْ مِثْلي وأَنْتَ لي؟
وقِيل: عزَّة الله خَمْسَة: عِزّ الْمُلْك والبَقَاء، وعِزّ العَظَمَة والكِبْرِياء، وعِزَّة البَذْل والعَطَاء، وعِزّ الرِّفْعَة والغَنَاء (٤)، وعِزَ الْجَلال والبَهَاء.
وعِزّ الرَّسُول خَمْسَة: عِزّ السَّبْق والابْتِدَاء، وعِزّ الأذَان والنِّدَاء، وعِزّ قَدَم الصِّدْق على الأنْبِيَاء، وعِزّ الاخْتِيَار والاصْطِفَاء، وعِزّ الظُّهُور على الأعْدَاء.
وأشَار ابن عطية إلى دَلالة آيَة "يُونس" بِقَوله: أي: فَهُمْ لا يَقْدِرُون على شَيء، ولا يُؤذُونه (١) إلَّا بِمَا شَاء الله، وهو القَادِر على عِقَابِهم لا يُعَازُّه شَيء؛ فَفِي الآية وَعِيد لَهُمْ (٢).
وأجْرَى كَون آيَة "الْمُنَافِقُون" في الوَعِيد أيضًا، فَقَال: أعْلَمَ تعالى أنَّ الْعِزَّة لله وللرَّسُول وللمُؤمِنين، وفي ذلك وَعِيد (٣).
ويَرى أنَّ آيَة "فاطر" تَحْتَمِل ثَلاثة أوْجُه، فقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) يَحْتَمِل ثَلاثة مَعَان:
أحَدُها: أن يُرِيد (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بِمُغَالَبَة (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِه، ولا تَتِمّ إلَّا لَه، وهَذا الْمُغَالِب مَغْلُوب، ونَحَا إليه مُجاهد، وقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بِعِبَادَة الأوْثَان.
ثم قال ابن عطية: وهذا تَمَسّك بِقَوله تَعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم: ٨١].
والْمَعْنَى الثَّانِي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) وطَرِيقها القَوِيم ويُحِبّ نَيْلَها على وَجْهِها (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، أي: بِهِ، وعَن أوَامِرِه، لا تُنَال عِزَّته إلَّا بِطَاعَتِه، ونَحَا إليه قَتادة.
والْمَعْنَى الثَّالِث - وقَالَه الفرّاء -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ) عِلْم العِزَّة (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، أي: هُو الْمُتَّصِف بِهَا.
ونَقَل الرازي عن الواحِدي قَوله: أصْل العِزَّة في اللغَة الشِّدَّة، ومِنه قِيل للأرض الصُّلْبَة الشَّدِيدَة: عَزَاز. ويُقَال: قد اسْتَعَزّ الْمَرَض على الْمَرِيض إذا اشْتَدَّ مَرَضه وكَاد
стр. 406
أن يَهْلِك، وعَزّ الْهَمّ: اشْتَدّ، ومنه عَزّ عَليّ أن يَكُون كَذا، بِمعنى اشْتَدّ، وعَزَّ الشَّيء إذا قَلّ حَتى لا يَكاد يُوجَد، لأنه اشْتَدَّ مَطْلَبه، واعْتَزَّ فُلان بِفُلان إذا اشْتَد ظَهْرَه بِه .... ، والعِزَّة القُوَّة، منقولة مِنْ الشِّدّة لِتَقَارُب مَعْنَيَيْهِمَا. والعَزِيز القَوي الْمَنِيع، بِخِلاف الذَّلِيل.
ثم قال الرازي: إذا عَرَفْتَ هذا فَنَقُول: إن المنافقين كانوا يَطلبون العِزّة والقُوَّة بِسَبَب اتِّصَالِهم بِاليَهُود، ثم إنه تعالى أبْطَل عليهم هذا الرَّأي بقَوله: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
ثم أوْرَد الرازي إشْكَالًا قد يُتوهَّم بَيْن هَذه الآية وبَيْن آيَة "الْمُنَافِقُون" فقال: فإن قيل: هذا كَالْمُنَاقِض لِقَوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقين: ٨].
قُلنا: القُدْرة الكَامِلَة لله، وكُلّ مَنْ سِواه فبإقْدَارِه صَار قَادِرًا، وبِإعْزَازِه صَار عَزيزًا؛ فالعِزَّة الْحَاصِلة للرَّسول ﵊ وللمؤمنين لم تَحْصُل إلَّا مِنْ الله تعالى، فَكَان الأمْر عند التَّحْقِيق أنَّ العِزَّة جَمِيعًا لله (١).
وللرَّازي أبْحَاث في آيَة "يونس"، منها:
فَائِدة: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ) في هذا الْمَقَام أمُور:
الأوَّل: الْمُرَاد مِنه أنَّ جَمِيع العِزَّة والقُدْرَة هي لله تعالى يُعْطِي مَا يَشَاء لِعِبَادِه، والغَرَض مِنه أنه لا يُعْطِي الكُفّار قُدْرَة عَليه (٢)، بل يُعْطِيه القُدْرَة عَليهم حتى يَكُون هو بذلك أعَزّ مِنهم، فآمَنه الله تعالى بِهَذا القَول مِنْ إضْرَار الكُفَّار به بِالقَتْل والإيذَاء، ومَثله قَوله تَعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]، (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) [غافر: ٥١].
الثاني: قال الأصَم: الْمُرَاد أنَّ الْمُشْرِكِين يَتَعَزَّزُون بِكَثْرة خَدَمِهم وأمْوَالهم ويُخَوّفُونك بِها، وتِلك الأشْياء كُلّها لله تَعالى، فَهو القَادِر على أن يَسْلُب مِنهم كُلّ تلك الأشْياء، وأن يَنْصُرك، ويَنْقُل أمْوَالهم ودِيارَهم إليك.
стр. 407
وكَرّر الرازي إيراد الإشْكَال بِعِبارَة أُخْرَى، فَقال: إنْ قيل: قوله: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) كالْمُضَادَّة لِقوله تَعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: ٨].
قلنا: لا مُضَادَّة، لأنَّ عِزَّة الرَّسول والْمُؤمِنين كُلّها بِالله، فهي لله (١).
وبَيَّن في آيَة "فاطر" أن تَعزُّز الْمُشْرِكِين كان مِمَّا يَمنعُهم مِنْ دُخُول الإسْلام حَيث إنهم مَا كَانوا في طَاعَة أحَد، ولم يَكُنْ لهم من يَأمُرُهم ويَنْهَاهم فَقال: إنْ كُنْتُم تَطْلُبُون بِهَذا الكُفْر العِزَّة في الْحَقِيقَة، فَهي كُلّها لله، ومَن يَتَذَلل له فَهو العَزِيز، ومَن يَتَعَزَّز عليه فهو الذَّلِيل.
ثم أجاب عن الإشْكَال أيضًا بِعِبَارَة ثَالثة قَال فيها:
قَوله: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) أي في الْحَقيقَة وبالذَّات، وقَوله: (وَلِرَسُولِهِ) أي: بوَاسِطَة القُرْب مِنْ العَزِيز، وهو الله، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) بِواسِطَة قُرْبِهم مِنْ العَزِيز بِالله، وهو الرَّسُول؛ وذلك لأنَّ عِزَّة الْمُؤمِنِين بِوَاسِطَة النبي ﷺ . ألا تَرى قَوله تَعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: ٣١]؟ (٢)
ونَقَل في آيَة "الْمُنَافِقُون" مَا قَاله الزمخشري مِنْ قَبْل، ثم بَيَّن الفَرْق بَيْن العِزَّة والْكِبْر (٣).
وتَحْتَمِل آية "فاطر" ثلاثة أوْجُه عند ابن جزي، حيث قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) الآية. تَحْتَمِل ثَلاثَة مَعَانٍ:
أحَدها - وهو الأظْهر -: مَنْ كَان يُرِيد نَيل العِزَّة فلْيَطْلُبْها مِنْ عِند الله، فإنَّ العِزَّة كُلّها لله.
стр. 408
والثَّاني: مَنْ كَان يُرِيد العِزَّة بِمُغَالَبَة الإسْلام (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، فالْمُغَالِب له (١) مَغْلُوب.
والثَّالث: مَنْ كَان يُرِيد أن يَعْلَم لِمَنْ العِزَّة، فَلْيَعْلَم أنَّ العِزَّة لله جَمِيعًا (٢).
وقد جَمَع ابن كثير بَيْن الآيَات، وبَيَّن أنَّ الْمَقْصُود مِنها هو الْحَثّ على طَلَب العِزَّة بِطَاعَة الله، فقال: أخْبَر اللهُ تَعالى بأنَّ العِزَّة كُلّها له وحْدَه لا شَرِيك له، ولِمَن جَعَلَها له، كَمَا قَال تَعالى في الآيَة الأخْرَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، وقَال تَعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، والْمَقْصُود مِنْ هَذا التَّهْيِيج على طَلَبِ العِزَّة مِنْ جَنَاب الله، والالْتِجَاء إلى عُبُودِيَّتِه، والانْتِظَام في جُمْلَة عِبَادِه الْمُؤمِنين الذين لَهم النُّصْرَة في الْحَيَاة الدُّنْيا ويَوم يَقُوم الأشْهَاد (٣).
واقْتَصَر في تَفْسِير سُورة يُونس على إيضَاح مَعنَى أنَّ العِزّة جَميعها لله ولِرَسُوله وللمُؤمِنين (٤).
وفي آية "فاطِر" أشَار ابن كثير إلى مَا فِيها مِنْ الْحَثّ على طَلَب العِزَّة أيضًا، فقال: مَنْ كان يُحِبّ أن يَكُون عَزِيزًا في الدُّنيا والآخِرة فَلْيَلْزَم طَاعَة الله تَعالى، فإنه يَحصل له مَقْصُوده، لأنَّ الله تَعالى مالِك الدُّنيا والآخِرة، ولَه العِزَّة جَمِيعًا، كَما قَال تَعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقَال : (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وقال ﷻ : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). قال مُجاهد: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بِعِبَادَة الأوْثان (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
стр. 409
وقال قتادة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (١) أي: فَلْيَتَعَزَّز بِطَاعَة الله .
وقِيل: مَنْ كَان يُرِيد عِلْم العِزَّة لِمَنْ هي؟ (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). وحَكاه ابن جرير (٢).
وفي تفسير سُورة الْمُنَافِقُون اكْتَفَى بِما أوْرَده سَابقا، واقْتَصَر على سِياق الرِّوَايات الوَارِدَة في سَبَب النُّزُول، ومَا جَاء في قِصَّة ابن أُبيّ (٣).
رأي الباحث:
قد بيّن الْمُفَسِّرُون فيما مَضى أنه لا تَعَارُض بَيْن الآيَات، فالعِزَّة الْمُطْلَقَة لله وحْدَه، وهو العَزِيز سُبْحَانه يُعِزّ مَنْ يَشاء، ويُذلّ مَنْ يَشاء، وهو الذي أعَزّ رَسوله والْمُؤمِنِين، ومِنه تُستَمَدّ العِزَّة، فلا تُنَال إلَّا بِطَاعَة الله.
فإنَّ للطَّاعَةِ عِزَّة، وللمَعْصِيَة ذِلَّة، ولِذا لَمَّا عَصَتْ يَهُود (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ)، (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) [آل عمران: ١١٢].
والعِزَّة بالتَّمَسُّك بِالإسْلام، قال عمر ﵁: كُنَّا أذَلّ قَوم، فأعَزَّنَا الله بالإسْلام، فَمهما نَطْلُب العِزّ بِغَير مَا أعَزَّنا الله به أذَلَّنا الله (٤).
وقال: إنا قَوم أعَزَّنا الله بالإسْلام فلن نَبْتَغِي العِزّ بِغَيره (٥).
стр. 410
قال جعفر بن محمد: مَنْ أخْرَجَه الله مِنْ ذُلّ الْمَعْصِية إلى عِزّ التَّقْوى أغْنَاه الله بِلا مَال، وأعَزّه بلا عَشِيرَة، وآنَسَه بلا أنِيس (١).
وقال يحيى بن أبي كَثير: كَان يُقَال: مَا أكْرَم العِبَاد أنْفُسَهم بِمِثْل طَاعَة الله، ولا أهَانَ العِبَاد أنْفُسَهم بِمِثْل مَعْصِيَة الله (٢).
وقال الحسن البصري: أبَى الله إلَّا أن يُذِلّ مَنْ عَصَاه (٣).
وقال في أهْل الْمَعَاصِي: هَانُوا عليه فَعَصَوه، ولو عَزُّوا عليه لَعَصَمَهم (٤).
وقال سفيان بن عيينة: كُلّ صَاحِب بِدْعَة ذَلِيل (٥).
المثال الثاني:
شهادة الرُّسُل على أُمَمِهم:
قَوله تَعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩]، مَع قَوله تَعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، وقَوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) [النحل: ٨٩].
стр. 411
صورة التعارض:
الآيَة الأُولى أنَّ الرُّسُل يَنفُون عِلْمَهم بِمَا أجابَتْ به أُمَمُهم، وفي الآيَتين الثَّانية والثَّالثة يَشْهَدون على أُمَمِهم، ومِن لَوازِم الشَّهَادَة عِلْم الشَّاهِد بِمَا يشْهَد بِه. (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) [يوسف: ٨١].
كَما أنَّ الآيَة الأُولى يُفْهَم مِنها أنَّ الرُّسُل لا يَشْهَدُون يَوْم القِيَامَة على أُمَمِهم، وقد جَاء في آيَات أُخَر مَا يَدُلّ على أنّهُم يَشْهَدُون على أُمَمِهم (١).
جمع القرطبي:
رَبَط القُرطبي بَيْن هذه: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ومَا قَبْلَها بِجَامِع الزَّجْر في كُلّ مِنهما، فَقال: يُقال: مَا وَجْه اتِّصَال هَذه الآيَة بِمَا قَبْلَها؟
فالْجَواب: أنه اتِّصَال الزَّجْر عن الإظْهار خِلاف الإبْطان في وَصية أوْ غَيرها مِمَّا يُنْبِئ أن الْمُجَازِي عَليه عَالِم به.
وقِيل: التَّقْدِير: واتَّقُوا يَوْم يَجْمَع الله الرُّسُل، عن الزجاج.
وقيل: التَّقْدِير: اذْكُرُوا، أو احْذَرُوا يَوْم القِيَامَة حين يَجْمَع اللهُ الرُّسُل.
والْمَعْنى مُتَقَارِب، والْمُرَاد التَّهْدِيد والتَّخْوِيف.
(فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا الذي أجَابَتْكُم به أُمَمُكم؟ ومَا الذي رَدّ عَليكم قَومُكم حِين دَعَوتُمُوهم إلى تَوحِيدِي؟ (قَالُوا) أي: فَيَقُولُون: (لَا عِلْمَ لَنَا).
стр. 412
واخْتَلَف أهْل التَّأويل في الْمَعْنَى الْمُرَاد بِقَولهم: (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ فَقيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لنا بِبَاطِن مَا أجاب به أُمَمُنا، لأنَّ ذلك هو الذي يَقَع عليه الْجَزَاء، وهذا مَرْوي عن النبي ﷺ .
وقيل: الْمَعْنَى: لا عِلْم لَنا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، فَحُذِف.
وقال ابن عباس: مَعْناه: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْم أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.
وقيل: إنّهم يَذْهَلُون مِنْ هَول ذلك، ويَفْزَعُون مِنْ الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولهم، فَيَقُولُون: (لَا عِلْمَ لَنَا).
قال النحاس: وهذا لا يَصِحّ؛ لأن الرُّسُل صَلوات الله عَليهم لا خَوْف عَليهم ولا هم يَحْزَنُون.
قُلْتُ: هَذا في أكْثَر مَوَاطِن القِيَامَة، ففي الْخَبَر: إنّ جَهَنَّم إذا جِيء بِها زَفَرَتْ زَفْرَة فلا يَبْقَى نَبِيّ ولا صِدِّيق إلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيه (١). وقال رسول الله ﷺ : خَوَّفَنِي جِبْرِيل يَوْم القِيَامة حَتى أبْكَانِي، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيل! ألم يَغْفِر لي مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِي ومَا تَأخَّر؟ فقال لي: يا محمد لتَشْهَدَنَّ مِنْ هَول ذَلك اليَوْم ما يُنْسِيك الْمَغْفِرَة (٢).
قلت: فإن كَان السُّؤال عند زَفْرَة جَهَنَّم - كَمَا قَالَه بَعْضُهم - فقول مجاهد والْحَسَن - صَحِيح، والله أعلم.
قال النحاس: والصَّحِيح في هذا أنَّ الْمَعْنَى: مَاذا أُجِبْتُم في السِّرّ والعَلانِيَة لِيَكُون هذا تَوْبِيخًا للكُفَّار، فَيَقُولُون: لا عِلْمَ لَنَا؛ فَيَكُون هَذا تَكْذِيبًا لِمَنْ اتَّخَذ الْمَسِيح إِلَهًا.
وقال ابن جُريج: مَعْنَى قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) مَاذا عَمِلُوا بَعْدَكم؟ قَالُوا: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
стр. 413
قال أبو عُبيد: ويُشْبِه هذا حَدِيث النبي ﷺ أنه قال: يَرِدُ عَليّ أقْوَام الْحَوض فَيُخْتَلَجُون (١)، فأقُول: أُمّتِي، فَيُقَال: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك (٢).
قال الماوَرْدِيّ: فإن قِيل: فلم سَألهم عَمَّا هو أعْلَم بِه مِنْهم؟
فَعَنْه جَوابان:
أحَدهما: أنه سَألَهُم ليُعْلِمَهم مَا لَم يَعْلَمُوا مِنْ كُفْر أُمَمِهم ونِفَاقِهم وكَذِبِهم عَليهم مِنْ بَعْدِهم.
الثَّاني: أنه أرَاد أن يَفْضَحَهم بِذلك عَلى رُؤوس الأشْهَاد، لِيَكُون ذَلك نَوعًا مِنْ العُقُوبَة لهم (٣).
وفي آية "النساء" أوْرَد مَا جَاء عن النبي ﷺ أنه أَمَرَ قَارِئًا يَقْرأ حتى إذا أَتَى على هَذه الآيَة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) بَكَى رسول الله ﷺ حتى اخْضَلَّتْ وَجْنَتَاه، فَقَال: يا رَبّ هَذا عَلى مَنْ أنا بَين ظَهْرَانَيْهم، فَكَيف مَنْ لَم أرَهم؟ (٤)
стр. 414
وأوْرَد القرطبي مَا رواه البخاري (١) ومسلم (٢) مِنْ حَدِيث ابنِ مَسْعُود ﵁ قَال: قَال لي رَسول الله ﷺ : اقْرَأ عَليّ. قُلتُ: أقْرَأ عَليك وعَليك أُنْزِل؟ قال: إني أُحِبّ أن أسْمَعه مِنْ غَيري. فَقَرَأتُ عليه سُورة النساء حتى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) قال: أمْسِك. فإذا عَيْنَاه تَذْرِفَان.
ثم قال القرطبي: قال عُلَمَاؤنا: بُكَاء النبي ﷺ إنما كان لِعَظِيم مَا تَضَمَّنَتْه هذه الآيَة مِنْ هَوْل الْمَطْلَع وشِدَّة الأمْر، إذ يُؤتَى بالأنْبِياء شُهَدَاء على أُمَمِهم بالتَّصْدِيق والتَّكْذِيب، ويُؤتَى به ﷺ يَوْم القِيَامَة شَهِيدًا.
والْمَعْنَى: فَكَيف يَكُون حَال هَؤلاء الكُفَّار يَوْم القِيَامَة إذا جِئنَا مِنْ كُلّ أمَّة بِشَهِيد وجِئنَا بِك على هَؤلاء شَهِيدًا؛ أمُعَذّبين أمْ مُنَعِّمِين؟ وهذا اسْتِفْهَام مَعْنَاه التَّوبِيخ (٣).
وفي آيَة "النحل" قال: قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وَهُمْ الأنْبِيَاء، شُهَدَاء عَلى أُمَمِهم يَوْم القِيَامَة بِأنّهم قَدْ بَلَّغُوا الرِّسَالة، ودَعَوْهُم إلى الإيمان، [و] في كُلّ زَمَانٍ شَهِيد، وإن لم يَكن نَبِيًّا، وفِيهم قَولان:
أحَدهما: أنّهم أئمَة الْهُدَى الذين هُمْ خُلَفَاء الأنْبِيَاء.
الثَّاني: فَعَلَى هَذا لم تَكُنْ فَتْرَة إلَّا وَفِيها مَنْ يُوَحِّد الله، كَقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي ﷺ : يُبْعَث أُمّة وَحْدَه (٤).
стр. 415
وسَطِيح (١)، ووَرَقة بن نَوفل الذي قال فيه النبي ﷺ : رأيته يَنْغَمِس في أنْهَار الْجَنَّة (٢). فَهؤلاء ومَن كَان مِثْلهم حُجَّة على أهْل زَمَانِهم، وشَهِيد عَليهم، والله أعلم.
وقَوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) تَقَدَّم في "البقرة" (٣) و"النساء" (٤).
стр. 416
وقَد قَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣] (شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أي: في الْمَحْشَر للأنْبِيَاء عَلى أُمَمِهم (١).
ملخص جواب القرطبي:
١ - نَفْي الأنْبِياء العِلْم مَعْنَاه: لا عِلْم لَنَا بباطن مَا أجَاب بِه أُمَمُنا، لأنَّ ذلك هو الذي يَقَع عليه الْجَزَاء.
٢ - لا عِلْم لَنا إلَّا مَا عَلّمْتَنَا.
٣ - يَذْهَلُون مِنْ هَول ذلك، ويَفْزَعُون مِنْ الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد ما تَثُوب إليهم عقولهم.
٤ - يُسْأل الرُّسُل مَاذا أُجِبْتُم في السِّرّ والعَلانِية.
٥ - يُسْأل الرُّسُل: مَاذا عَمِلَتْ أُمَمكم بَعْدَكم؟
٦ - إثْبَات شَهَادة الرُّسُل على أُمَمهم، وشَهَادة الشُّهُود مِنْ وَرَثَة الأنْبياء والْمُوحِّدِين، وأنه لا تَعَارُض مَع قَول الرُّسُل (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
٧ - أزَال القرطبي الإشْكَال عَمَّا يَتَعَلَّق بِـ "لِمَ سَألهم عَمَّا هُو أعْلَم بِه مِنهم".
مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
بَيَّن ابن جرير في تَفْسِير آيَة "النساء" أنَّ النَّبِيين يَأتُون يَوْم القِيَامَة، مِنهم مَنْ أسْلَم مَعَه مِنْ قَومِه الوَاحِد والاثْنان والعَشَرة، وأقلّ وأكْثَر مِنْ ذلك، فَيُقَال لَهم: هَلْ بَلَّغْتُم مَا أُرْسِلْتُم بِه؟ فَيَقُولُون: نَعَمْ. فَيُقَال: مَنْ يَشْهَد؟ فَيَقُولُون: أُمَّة محمد ﷺ . فَتُدْعَى أُمَّة محمد ﷺ ، فَيُقَال لهم: أتَشْهَدُون أنَّ الرُّسُل
стр. 417
أوْدَعُوا عِنْدَكُم شَهَادَة، فَبِمَ تَشْهَدُون؟ فَيَقُولُون: رَبَّنَا نَشْهَد أنّهم قَدْ بَلَّغُوا. كَمَا شَهِدُوا في الدُّنيا بِالتَّبْلِيغ. فَيُقَال: مَنْ يَشْهَد على ذَلك؟ فَيَقُولُون: محمد ﷺ . فَيُدْعَى محمد ﷺ فَيَشْهَد أنَّ أمَّته قَدْ صَدَقُوا، وأنَّ الرُّسُل قد بَلَّغُوا. هكذا رَواه عن السّديّ.
وروى بإسناده إلى عكرمة في قوله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج: ٣] قال: الشَّاهِد مُحَمَّد.
ورَوى مَا جَاء في قِرَاءة ابن مَسعود وسَمَاع النبي ﷺ ، وزاد: قال المسعودي: فَحَدّثَنِي جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه أنَّ النبي ﷺ قال: شَهِيدًا عَليهم مَا دُمْتُ فِيهم، فإذا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيب عَليهم، وأنْت عَلى كُلّ شَيء شَهِيد (١).
واكْتَفَى في تَفْسِير آيَة "النحل" بِقَوله: يَقول تَعالى ذِكْرُه: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، يَقُول: نَسْأل نَبِيَّهم الذي بَعَثْنَاه إليهم للدُّعَاء إلى طَاعَتِنا.
وقال: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لأنه تَعالى ذِكْرُه كَان يَبْعَث إلى أُمَمٍ أنْبِيَاءها منها. مَاذا أجَابُوكم ومَا رَدُّوا عَليكم؟ (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) يَقُول لِنَبِيِّه محمد ﷺ : وَجِئْنا بِك يَا محمد شَاهِدًا على قَومك وأمَّتك الذين أرْسَلْتُك إلَيهم بِمَ أجَابُوك؟ ومَاذا عَمِلُوا فِيمَا أرْسَلْتُك بِه إلَيهم؟ (٢)
وأزَال مَا يُتوهَّم مِنْ تَعَارُض بَيْن آيَة "المائدة" وآيتي "النساء" و"النحل"، فَقَال: قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) يَعْنِي بِه: مَا الذي أجَابَتْكُم بِه أُمَمكم حِين دَعَوْتُمُوهم إلى تَوحِيدِي والإقْرَار بي والعَمَل بِطَاعَتِي والانْتِهَاء عَنْ مَعْصِيَتِي؟ (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا).
стр. 418
ثم ذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأويل في تَأويل ذلك؛ فَقَال بَعْضهم: مَعْنَى قَولهم: (لا عِلْمَ لَنَا) لم يَكن ذَلك مِنْ الرُّسُل إنْكَارًا أن يَكُونُوا كَانُوا عَالِمِين بِمَا عَمِلَتْ أُمَمهم، ولَكِنهم ذُهِلُوا عن الْجَواب مِنْ هَول ذلك اليَوم، ثم أجَابُوا بَعد أن ثَابَتْ إليهم عُقُولهم بِالشَّهَادَة على أُمَمهم.
وقال آخَرُون: مَعنى ذَلك: لا عِلْمَ لَنا إلَّا مَا عَلَّمْتَنا.
وقال آخَرُون: مَعْنَى ذَلك: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) إلَّا عِلْم أنت أعْلَم بِه مِنّا.
وقال آخرون: مَعْنَى ذَلك: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) مَاذا عَمِلُوا بَعْدَكم؟ ومَاذا أَحْدَثُوا؟ وهذا القَول رواه عن ابن جُريج.
وأوْلى الأقْوال بالصَّواب - عند ابن جرير - قَول مَنْ قال: مَعْنَاه لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْم أنت أعْلَم به مِنّا، لأنه تَعالى ذِكْرُه أخْبَر عنهم أنّهم قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي: إنك لا يَخْفَى عَليك مَا عِنْدَنا مِنْ عِلْم ذَلك ولا غَيره، مِنْ خَفِيّ العُلُوم وجَلِيِّها، فإنّما نَفَى القَوم أن يَكُون لَهم بِمَا سُئلُوا عنه مِنْ ذلك عِلْم لا يَعْلَمُه هو تَعالى ذِكْرُه، لا أنّهم نَفَوا أن يَكُونوا عَلِمُوا مَا شَاهَدُوا. كَيف يَجُوز أن يَكُون ذَلك كَذلك وهو تَعالى ذِكْرُه يُخْبِر عنهم أنهم يُخْبِرُون بِمَا أجَابَتْهُم بِه الأُمَم، وأنّهم يَسْتَشْهِدُون على تَبْلِيغِهم الرِّسَالة شُهَدَاء، فَقال تعالى ذِكْرُه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣].
ثم أجاب عن قول ابن جُريج، فَقَال: وأما الذي قاله ابن جريج مِنْ أنَّ مَعْنَاه: مَاذا عَمِلَتْ الأُمَم بَعْدَكم؟ ومَاذا أحْدَثُوا؟ فَتأويل لا مَعْنَى لَه، لأنَّ الأنْبِيَاء لم يَكُنْ عِنْدها مِنْ العِلْم بِمَا يَحْدُث بَعْدَها إلَّا مَا أعْلَمَها الله مِنْ ذلك، وإذا سُئلتْ عَمَّا عَمِلَتْ
стр. 419
الأُمَم بَعْدَها، والأمْر كَذلك، فإنما يُقَال لها: ماذا عَرَّفْنَاك أنه كَائن مِنهم بَعْدَك؟ وظَاهِر خَبَر الله تعالى ذِكْرُه عَنْ مَسْألَته إياهم يَدُلّ على غير ذلك (١).
وفي تفسير سورة الحديد نَقَل عن آخرين قولهم: الشهداء عند ربهم في هذا الموضع النبِيّون الذين يَشهدون على أُمَمِهم، من قول الله : (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (٢).
وأشَار السمرقندي إلى مَعْنَى آيَة "النساء" بِقوله: يَعْنِي: فَكَيف يَصْنَعُون؟ وكَيف يَكُون حَالُهم؟ (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يَعْنِي: بِنَبِيِّها هُو شَهِيدُها، شَاهِد بِتَبْلِيغ الرِّسَالة مِنْ رَبِّهم (وَجِئْنَا بِكَ) يا مُحمد (عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) يَعْنِي عَلى أُمَّتك شَهِيدًا بالتَّصْدِيق لهم، لأنَّ أُمَّتَه يَشْهَدُون على الأُمَم الْمُكَذِّبة للرِّسَالة (٣).
واقْتَصَر في آيَة "النحل" على بَيَان مَعْنَى قَوله: (شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: رَسُولًا مِنْ الآدَمِيِّين. (وَجِئْنَا بِكَ) يَا محمد. (شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) أي: على أُمَّتِك (٤).
стр. 420
وبَيَّن في آية "المائدة" أنَّ السُّؤال: مَاذا أجَابَكم قَومُكم في التَّوحِيد؟ وأنَّ الرُّسُل قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا) مِنْ هَول ذلك اليَوم، ومِن شِدَّة الْمَسْألة، وهي في بَعض مَوَاطِن يَوْم القِيَامَة. قَالوا: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) مَا كَان ومَا لَم يَكُنْ.
وذَكَر مَا رَواه أسْباط عن السُّدي قَال: نَزَلُوا مَنْزِلًا ذَهَبَتْ فيه العُقُول، فَلَمَّا سُئلُوا قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا)، ثم نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَر فَشَهِدُوا على قَومِهم.
ويُقال: هذا عند زَفرة جَهَنَّم، فَلا يَبْقَى مَلَك مُقَرَّب ولا نَبِيّ مُرْسَل عِند ذلك إلَّا قال: نَفْسِي نَفْسِي، فَعِنْد ذَلك (لَا عِلْمَ لَنَا).
ويُقَال: كَان ذَلك عِند أوَّل البَعْث، ثم يَشْهَدُون بَعْد ذَلك بِتَبْلِيغ الرِّسَالة (١).
وأوْضَح السمعاني الْمُرَاد بالشَّهِيد في آيَة "النساء" فَقَال: وأرَاد بالشَّهِيد مِنْ كُلّ أمّة نَبِيّها، وشَهِيد هَذه الأمَّة نَبِيّنا.
وذَكَر الاخْتِلاف في شَهَادَتِهم على مَاذا؟
مِنهم مَنْ قال: يَشْهَدُون على تَبْلِيغ الرِّسَالَة.
ومِنهم مَنْ قال: يَشْهَدُون على الأُمَّة بِالأعْمَال.
قال: واخْتَلَفُوا في أنَّ النبي ﷺ هل يَشْهَد على مَنْ لَم يَرَه؟
مِنهم مَنْ قال: إنّمَا يَشْهَد عَلى مَنْ رَآه، والصَّحِيح أنه يَشْهَد على الكُلّ عَلى مَنْ رَأى، وعَلى مَنْ لَم يَرَ.
واسْتَدَلّ على ذلك بِمَا جَاء عنه ﵊: هذا يَا رَبّ فيمن رَأيْتُه فَكَيف بِمَنْ لَم أرَه؟ (٢)
وفي آيَة "النحل" أحَال على مَا سَبق بَيانه، وأنَّ مَعْنَى الآيَتَين وَاحِد (٣).
стр. 421
وأجَاب عَمَّا أشْكَل في آيَة "المائدة"، فَقال: فإنْ قَال قَائل: كَيف يَقُولُون لا عِلْم لَنا وقَد عَلِمُوا مَا أجَابُوا؟
قيل: إنَّ جَهَنَّم تَزْفُر زَفْرة تَذْهَل بِهَا عُقُولهم، فَيَقُولون مِنْ شِدَّة الفَزَع: لا عِلْم لنا ثم يَرُدّ الله تعالى عَليهم عُقُولهم فيُخْبِرُون بِالْجَوَاب.
وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا إلَّا العِلْم الذي أنْت أعْلَم به مِنَّا، أوْ إلَّا مَا عَلّمْتَنَا.
وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا بِوَجْه الْحِكْمَة في سُؤالك إيانا عن أمْرٍ أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.
وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم بِعَاقِبة أمْرِهم، وبِمَا أحْدَثُوا مِنْ بَعْد، وأنَّ أمْرَهُم على مَاذا خُتِم. وعَلى هَذا دَلّ شَيئان:
أحَدهما: مِنْ الآيَة قَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
والثَّاني: ما رُوي صَحيحًا (١) عن رسول الله ﷺ أنه قال: يُسْلَك بِطَائفَة مِنْ أصْحَابي ذَات الشِّمَال - يَعْنِي يَوْم القِيَامَة - فَأقُول: يَا رَبّ أصْحَابِي أصْحَابِي، فَيَقُول الله ﵎: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدك؛ إنّهم لَم يَزالُوا مُرْتَدِّين على أعْقَابِهم مُنْذ فَارَقْتَهم، فَأقُول مَا قَال العَبْد الصَّالِح: و (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: ١١٧] (٢).
وذَكَر الثعلبي في آيَة "المائدة" ثلاثة أقْوال:
(مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا الذي أَجَابَتْكُم أمَّتُكم؟ ومَا الذي رَدّ عَليكم قَوْمُكم حِين دَعَوْتُمُوهم إلى تَوحِيدِي وطَاعَتي؟ (قَالُوا) أي: فَيَقُولُون (لَا عِلْمَ).
стр. 422
قال ابن عباس: لا عِلْم لَنَا إلَّا عِلْم أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.
وقال ابن جريج: مَعْنى قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا حملوا ويصدقوا بعدكم (١). فيقولوا: (لَا عِلْمَ).
الحسن ومجاهد السدي ممن يَقول: ذلك اليَوم يَفْزَعُون ويَذْهَلُون عنِ الْجَوَاب، ثم يحتسبون (٢)، بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولهم بِالشَّهَادَة عَلى أُمَّتِهم (٣).
وأَحَال الثعلبي في تَفسير سُورة النساء على نَظائر ذلك في "البقرة" (٤) و"النَّحْل" (٥) و"الحج" (٦).
واقْتَصَر في تَفْسِير سُورة الْحَجّ على بَيَانٍ مُقْتَضَب لِمَعْنَى (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) يَعني: أنْ قد بَلَّغَكم، (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أنَّ رُسُلَهم قَدْ بَلَّغَتْهم (٧).
ولَمَّا كان النبي ﷺ شَاهِدًا على أمَّته بَكَى عِند مَا قُرِئت عليه آية "النساء".
قال ابن بطال: وإنّمَا بَكَى ﷺ عند هَذا؛ لأنه مَثَّلَ لِنَفْسِه أهْوال يوم القيامة وشِدة الحال الداعية له إلى شهادته لأُمّتِه بِتَصْدِيقِه والإيمان به، وسُؤَاله الشَّفَاعة لهم لِيُرِيحهم مِنْ طُول الْمَوْقِف وأهْواله، وهَذا أمْرٌ يَحِقّ لَه طُول البُكَاء والْحُزْن (٨).
стр. 423
وتَعَقَّبَه ابنُ حجر بِقَولِه: والذي يَظْهَر أنه بَكَى رَحْمَة لأمَّتِه، لأنه عَلِم أنه لا بُدّ أن يَشْهَد عليهم بِعَمَلِهم، وعَمَلهم قد لا يَكُون مُسْتَقِيمًا، فقد يُفْضِي إلى تَعْذِيبِهم. والله أعلم (١).
وقد أخبر الله ثناؤه أنَّ الْمُحَاسَبَة تَكُون بِشَهَادة النَّبِيِّين والشُّهَدَاء، وقال تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر: ٦٩]، وقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، فالشَّهِيد في هَذه الآيَة النبي ﷺ ، وشَهِيد كُلّ أمَّة نَبِيها، وأمَّا الشُّهَدَاء في الآيَة قَبْلَها فالأظْهَر أنّهم كَتَبَة الأعْمَال، تُحْضُر الأُمّة ورَسُولها، فَيُقَال للقَوم: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ويُقَال للرُّسُل: (مَاذَا أَجَبْتُمْ)؟ فَيَقُول الرُّسُل لله: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وكأنهم نَسُوا مَا أُجِيبُوا به، وتَأخُذ الْهَيْبَة بِمَجَامِع قُلُوبِهم فَيَذْهَلُون في تِلك السَّاعَة عن الْجَوَاب، ثم يُثَبّتُهم الله ويُحْدِث لهم ذِكْرَى، فَيَشْهَدُون بِمَا أجَابَتْهم بِه أُمَمُهم (٢).
وأشَار الزمخشري إلى أنَّ مَعْنَى آية "النساء" بِمَعْنَى قَوله تَعالى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧] (٣).
واقْتَصَر في آيَة "النحل" على بَيَان الْمَعْنى باخْتِصَار (٤).
стр. 424
وأمَّا في آيَة "المائدة" فَقد أطَال في الْجَواب، حيث قال: (مَاذَا) مُنْتَصِب بـ (أُجِبْتُمْ) انْتِصَاب مَصْدره على مَعْنَى أيّ إجَابَة أُجِبْتُم، ولو أُرِيد الْجَواب لَقِيل: بِمَاذا أُجِبْتُم؟
فإن قُلت: مَا مَعْنَى سُؤالِهم؟
قلت: تَوبيخ قَومِهم، كَمَا كان سُؤال الْمَوءودَة تَوْبِيخًا للوائِد.
فإن قلت: كَيف يَقُولُون: (لَا عِلْمَ لَنَا) وقد عَلِمُوا بِمَا أجِيبُوا؟
قلت: يَعْلَمُون أنَّ الغَرَض بالسُّؤال تَوْبِيخ أَعْدَائهم فَيَكِلُون الأمْر إلى عِلْمِه وإحَاطَته بِما مُنُوا بِه مِنهم، وكَابَدُوا مِنْ سُوء إجَابَتهم، إظهارًا للتَّشَكِّي واللجَأ إلى رَبّهم في الانْتِقَام مِنهم، وذلك أعْظَم على الكَفَرة، وأفَتّ في أعْضَادِهم، وأجْلَب لِحَسْرَتِهم، وسُقُوطِهم في أيْدِيهم إذا اجْتَمَع تَوبِيخ الله، وتَشَكِّي أنْبِيَائه عليهم.
ومِثاله: أن يَنْكُب بَعض الْخَوارِج على السُّلْطَان خَاصَّة مِنْ خَواصِّه نَكْبة قد عَرَفها السُّلْطان، واطَّلَع على كُنْهِها، وعَزَم على الانْتِصَار لَه مِنه، فَيَجْمَع بَيْنَهُما، ويَقُول له: ما فَعَل بِك هَذا الْخَارِجِيّ؟ وهو عَالِم بِما فَعَل به، يُريد تَوبِيخَه وتَبْكِيتَه، فَيَقُول له: أنْت أعْلَم بِما فَعَل بي، تَفْويضًا للأمْر إلى عِلْم سُلْطَانه، واتِّكَالًا عليه (١)، وإظْهَارًا للشِّكَاية، وتَعْظِيمًا لِمَا حَلّ بِه مِنه.
стр. 425
وقيل: مِنْ هَول ذلك اليَوم يَفْزَعُون ويَذْهَلُون عن الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولُهم بِالشَّهَادة على أُمَمِهم.
وقيل: مَعْنَاه عِلْمُنا سَاقِط مع عِلْمك ومَغْمُور بِه، لأنك عَلَّام الغُيُوب.
ومَن عَلِمَ الْخَفِيَّات لَم تَخْفَ عليه الظَّوَاهِر التي مِنْها إجَابَة الأُمَم لِرُسُلِهم، فَكَأنَّه لا عِلْم لَنَا إلى جَنْب عِلْمِك.
وقيل: لا عِلْم لَنَا بِمَا كَان منهم بَعْدَنا، وإنّما الْحُكْم للخَاتِمَة.
وكيف يَخْفى عَليهم أمْرهم وقَد رَأوهم سُود الوُجُوه زُرْق العُيون مُوَبَّخِين؟
وقُرئ (علامَ الغيوب) بالنَّصْب على أنَّ الكَلام قَدْ تَمّ بِقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ). أي: إنك الْمَوْصُوف بأوصَافِك الْمَعْرُوفَة مِنْ العِلْم وغيره، ثم نَصَب (عَلامَ الغُيوب) على الاخْتِصَاص، أوْ على النِّدَاء، أوْ هُو صِفَة لاسْمِ إنَّ (١).
وذَكَر ابن عطية الْخِلاف في آية "المائدة"، وضَعَّف كَون الأنْبياء يَذْهَلُون، فَقَال: واخْتَلَف النَّاس في مَعْنَى قَولهم ﵈: (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ فَقَال الطبري: ذُهِلُوا عَنْ الْجَوَاب لِهَول الْمَطْلَع. ثم ذَكَر ما ذَكَره ابن جرير، ثم قال:
وضَعَّف بَعض النَّاس هذا الْمَنْزَع بِقَوله تَعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) [الأنبياء: ١٠٣]، والأنْبياء في أشَدّ أهْوَال يَوْم القِيَامَة وحَالَة جَوَاز الصِّرَاط يَقُولُون: سَلِّم سَلِّم (٢).
وحَالهم أعْظم، وفَضْل الله عَليهم أكْثر مِنْ أن تَذْهَل عُقُولهم حتى يَقُولُوا مَا لَيس بِحَقّ في نَفْسِه.
وقال ابن عباس ﵁: مَعْنى الآية: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْمًا أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.