← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأجَاب عَمَّا أشْكَل في آيَة "المائدة"، فَقال: فإنْ قَال قَائل: كَيف يَقُولُون لا عِلْم لَنا وقَد عَلِمُوا مَا أجَابُوا؟ قيل: إنَّ جَهَنَّم تَزْفُر زَفْرة تَذْهَل بِهَا عُقُولهم، فَيَقُولون مِنْ شِدَّة الفَزَع: لا عِلْم لنا ثم يَرُدّ الله تعالى عَليهم عُقُولهم فيُخْبِرُون بِالْجَوَاب. وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا إلَّا العِلْم الذي أنْت أعْلَم به مِنَّا، أوْ إلَّا مَا عَلّمْتَنَا. وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لَنا بِوَجْه الْحِكْمَة في سُؤالك إيانا عن أمْرٍ أنْت أعْلَم بِه مِنَّا. وقِيل: مَعْنَاه: لا عِلْم بِعَاقِبة أمْرِهم، وبِمَا أحْدَثُوا مِنْ بَعْد، وأنَّ أمْرَهُم على مَاذا خُتِم. وعَلى هَذا دَلّ شَيئان: أحَدهما: مِنْ الآيَة قَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). والثَّاني: ما رُوي صَحيحًا (١) عن رسول الله ﷺ أنه قال: يُسْلَك بِطَائفَة مِنْ أصْحَابي ذَات الشِّمَال - يَعْنِي يَوْم القِيَامَة - فَأقُول: يَا رَبّ أصْحَابِي أصْحَابِي، فَيَقُول الله ﵎: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدك؛ إنّهم لَم يَزالُوا مُرْتَدِّين على أعْقَابِهم مُنْذ فَارَقْتَهم، فَأقُول مَا قَال العَبْد الصَّالِح: و (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: ١١٧] (٢). وذَكَر الثعلبي في آيَة "المائدة" ثلاثة أقْوال: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا الذي أَجَابَتْكُم أمَّتُكم؟ ومَا الذي رَدّ عَليكم قَوْمُكم حِين دَعَوْتُمُوهم إلى تَوحِيدِي وطَاعَتي؟ (قَالُوا) أي: فَيَقُولُون (لَا عِلْمَ).

стр. 422

قال ابن عباس: لا عِلْم لَنَا إلَّا عِلْم أنْت أعْلَم بِه مِنَّا. وقال ابن جريج: مَعْنى قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) أي: مَا حملوا ويصدقوا بعدكم (١). فيقولوا: (لَا عِلْمَ). الحسن ومجاهد السدي ممن يَقول: ذلك اليَوم يَفْزَعُون ويَذْهَلُون عنِ الْجَوَاب، ثم يحتسبون (٢)، بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولهم بِالشَّهَادَة عَلى أُمَّتِهم (٣). وأَحَال الثعلبي في تَفسير سُورة النساء على نَظائر ذلك في "البقرة" (٤) و"النَّحْل" (٥) و"الحج" (٦). واقْتَصَر في تَفْسِير سُورة الْحَجّ على بَيَانٍ مُقْتَضَب لِمَعْنَى (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) يَعني: أنْ قد بَلَّغَكم، (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أنَّ رُسُلَهم قَدْ بَلَّغَتْهم (٧). ولَمَّا كان النبي ﷺ شَاهِدًا على أمَّته بَكَى عِند مَا قُرِئت عليه آية "النساء". قال ابن بطال: وإنّمَا بَكَى ﷺ عند هَذا؛ لأنه مَثَّلَ لِنَفْسِه أهْوال يوم القيامة وشِدة الحال الداعية له إلى شهادته لأُمّتِه بِتَصْدِيقِه والإيمان به، وسُؤَاله الشَّفَاعة لهم لِيُرِيحهم مِنْ طُول الْمَوْقِف وأهْواله، وهَذا أمْرٌ يَحِقّ لَه طُول البُكَاء والْحُزْن (٨).

стр. 423

وتَعَقَّبَه ابنُ حجر بِقَولِه: والذي يَظْهَر أنه بَكَى رَحْمَة لأمَّتِه، لأنه عَلِم أنه لا بُدّ أن يَشْهَد عليهم بِعَمَلِهم، وعَمَلهم قد لا يَكُون مُسْتَقِيمًا، فقد يُفْضِي إلى تَعْذِيبِهم. والله أعلم (١). وقد أخبر الله ثناؤه أنَّ الْمُحَاسَبَة تَكُون بِشَهَادة النَّبِيِّين والشُّهَدَاء، وقال تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر: ٦٩]، وقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، فالشَّهِيد في هَذه الآيَة النبي ﷺ ، وشَهِيد كُلّ أمَّة نَبِيها، وأمَّا الشُّهَدَاء في الآيَة قَبْلَها فالأظْهَر أنّهم كَتَبَة الأعْمَال، تُحْضُر الأُمّة ورَسُولها، فَيُقَال للقَوم: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ويُقَال للرُّسُل: (مَاذَا أَجَبْتُمْ)؟ فَيَقُول الرُّسُل لله: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وكأنهم نَسُوا مَا أُجِيبُوا به، وتَأخُذ الْهَيْبَة بِمَجَامِع قُلُوبِهم فَيَذْهَلُون في تِلك السَّاعَة عن الْجَوَاب، ثم يُثَبّتُهم الله ويُحْدِث لهم ذِكْرَى، فَيَشْهَدُون بِمَا أجَابَتْهم بِه أُمَمُهم (٢). وأشَار الزمخشري إلى أنَّ مَعْنَى آية "النساء" بِمَعْنَى قَوله تَعالى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧] (٣). واقْتَصَر في آيَة "النحل" على بَيَان الْمَعْنى باخْتِصَار (٤).

стр. 424

وأمَّا في آيَة "المائدة" فَقد أطَال في الْجَواب، حيث قال: (مَاذَا) مُنْتَصِب بـ (أُجِبْتُمْ) انْتِصَاب مَصْدره على مَعْنَى أيّ إجَابَة أُجِبْتُم، ولو أُرِيد الْجَواب لَقِيل: بِمَاذا أُجِبْتُم؟ فإن قُلت: مَا مَعْنَى سُؤالِهم؟ قلت: تَوبيخ قَومِهم، كَمَا كان سُؤال الْمَوءودَة تَوْبِيخًا للوائِد. فإن قلت: كَيف يَقُولُون: (لَا عِلْمَ لَنَا) وقد عَلِمُوا بِمَا أجِيبُوا؟ قلت: يَعْلَمُون أنَّ الغَرَض بالسُّؤال تَوْبِيخ أَعْدَائهم فَيَكِلُون الأمْر إلى عِلْمِه وإحَاطَته بِما مُنُوا بِه مِنهم، وكَابَدُوا مِنْ سُوء إجَابَتهم، إظهارًا للتَّشَكِّي واللجَأ إلى رَبّهم في الانْتِقَام مِنهم، وذلك أعْظَم على الكَفَرة، وأفَتّ في أعْضَادِهم، وأجْلَب لِحَسْرَتِهم، وسُقُوطِهم في أيْدِيهم إذا اجْتَمَع تَوبِيخ الله، وتَشَكِّي أنْبِيَائه عليهم. ومِثاله: أن يَنْكُب بَعض الْخَوارِج على السُّلْطَان خَاصَّة مِنْ خَواصِّه نَكْبة قد عَرَفها السُّلْطان، واطَّلَع على كُنْهِها، وعَزَم على الانْتِصَار لَه مِنه، فَيَجْمَع بَيْنَهُما، ويَقُول له: ما فَعَل بِك هَذا الْخَارِجِيّ؟ وهو عَالِم بِما فَعَل به، يُريد تَوبِيخَه وتَبْكِيتَه، فَيَقُول له: أنْت أعْلَم بِما فَعَل بي، تَفْويضًا للأمْر إلى عِلْم سُلْطَانه، واتِّكَالًا عليه (١)، وإظْهَارًا للشِّكَاية، وتَعْظِيمًا لِمَا حَلّ بِه مِنه.

стр. 425

وقيل: مِنْ هَول ذلك اليَوم يَفْزَعُون ويَذْهَلُون عن الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولُهم بِالشَّهَادة على أُمَمِهم. وقيل: مَعْنَاه عِلْمُنا سَاقِط مع عِلْمك ومَغْمُور بِه، لأنك عَلَّام الغُيُوب. ومَن عَلِمَ الْخَفِيَّات لَم تَخْفَ عليه الظَّوَاهِر التي مِنْها إجَابَة الأُمَم لِرُسُلِهم، فَكَأنَّه لا عِلْم لَنَا إلى جَنْب عِلْمِك. وقيل: لا عِلْم لَنَا بِمَا كَان منهم بَعْدَنا، وإنّما الْحُكْم للخَاتِمَة. وكيف يَخْفى عَليهم أمْرهم وقَد رَأوهم سُود الوُجُوه زُرْق العُيون مُوَبَّخِين؟ وقُرئ (علامَ الغيوب) بالنَّصْب على أنَّ الكَلام قَدْ تَمّ بِقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ). أي: إنك الْمَوْصُوف بأوصَافِك الْمَعْرُوفَة مِنْ العِلْم وغيره، ثم نَصَب (عَلامَ الغُيوب) على الاخْتِصَاص، أوْ على النِّدَاء، أوْ هُو صِفَة لاسْمِ إنَّ (١). وذَكَر ابن عطية الْخِلاف في آية "المائدة"، وضَعَّف كَون الأنْبياء يَذْهَلُون، فَقَال: واخْتَلَف النَّاس في مَعْنَى قَولهم ﵈: (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ فَقَال الطبري: ذُهِلُوا عَنْ الْجَوَاب لِهَول الْمَطْلَع. ثم ذَكَر ما ذَكَره ابن جرير، ثم قال: وضَعَّف بَعض النَّاس هذا الْمَنْزَع بِقَوله تَعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) [الأنبياء: ١٠٣]، والأنْبياء في أشَدّ أهْوَال يَوْم القِيَامَة وحَالَة جَوَاز الصِّرَاط يَقُولُون: سَلِّم سَلِّم (٢). وحَالهم أعْظم، وفَضْل الله عَليهم أكْثر مِنْ أن تَذْهَل عُقُولهم حتى يَقُولُوا مَا لَيس بِحَقّ في نَفْسِه. وقال ابن عباس ﵁: مَعْنى الآية: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْمًا أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.

стр. 426

قال ابن عطية: وهذا حَسَن، كَأن الْمَعْنَى: لا عِلْم لَنا يَكْفِي ويَنْتَهي إلى الغَايَة. وقال ابن جُريج: معنى (مَاذَا أُجِبْتُمْ): ماذا عَمِلُوا بَعدكم، وما أحْدَثُوا؟ فلذلك قالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا). قال القاضي أبو محمد: وهذا مَعْنى حَسَن في نَفْسِه، ويُؤيِّدُه قَوله تَعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، لَكن لَفظة (أُجِبْتُمْ) لا تُسَاعِد قَول ابن جريج إلَّا على كُرْه! وقَول ابن عباس أصْوَب هذه الْمَنَاحِي، لأنه يَتَخَرَّج على التَّسْلِيم لله تَعالى، ورَدّ الأمْر إليه، إذْ قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) لا عِلْم عِنْدَهم في جَوابِه إلَّا بِمَا شُوفِهُوا به مُدَّة حَيَاتِهم، ويَنْقُصُهم ما في قُلُوب الْمُشَافِهِين مِنْ نِفاق ونحوه، وما يَنْقُصُهم مَا كان بَعدهم مِنْ أُمَّتهم، والله تعالى يَعْلَم جميع ذلك على التَّفْصِيل والكَمَال، فَرَأوا التَّسْلِيم لَه والْخُضُوع لِعِلْمِه الْمُحِيط (١). وقَرَّر ابن عطية في آية "النساء" أنَّ مَعْنَى الآية: أنَّ الله يأتي بالأنْبياء شُهَداء على أُمَمِهم بالتَّصْدِيق والتَّكْذِيب. ومَعْنَى الأُمَّة في هَذه الآية .... جَمِيع مَنْ بُعِث إليه مَنْ آمَن مِنهم ومَن كَفَر (٢). وأنَّ آية "النحل" مُتَضَمِّنَة للوَعِيد، حيث قال: قَوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ) الآيَة، هَذه الآية في ضِمْنِها وَعِيد، والْمَعْنَى: واذْكُر يَوْم نَبْعَث في كُلّ أمَّة شَهِيدًا عَليها، وهو رَسُولُها الذي شَاهَد في الدُّنيا تَكْذِيبَها وكُفْرَها، وإيمَانَها وهُدَاها، ويَجوز أن يَبْعَثَ الله شَهِيدًا مِنْ الصَّالِحِين مَع الرُّسُل، وقد قَال بَعض الصَّحَابة: إذا رَأيتَ أحَدًا على مَعْصِية فانْهَه، فإن أطَاعَك وإلَّا كُنْتَ شَهِيدًا عَليه يَوْم القِيَامَة (٣).

стр. 427

وبِنحو جَواب الزمخشري أجَاب ابنُ جُزَيّ، بل نَقَل عنه بَعض جَوَابه، فَقَال في آيَة "المائدة": (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) هو يَوم القِيَامَة، وانْتَصَبَ الظَّرْف بِفِعْلٍ مُضْمَر، أي: مَاذا أجَابَكم بِه الأُمَم مِنْ إيمان وكُفْر، وطَاعة ومَعْصِيَة، والْمَقْصُود بِهَذا السُّؤال تَوْبِيخ مَنْ كَفَر مِنْ الأُمَم، وإقَامَة الْحُجَّة عَليهم. (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) إنما قالوا ذلك تأدُّبًا مع الله، فَوَكَلُوا العِلْم إليه. قال ابن عباس: الْمَعْنَى: لا عِلْم لَنا إلَّا مَا عَلّمْتَنا. وقيل: مَعْنَاه: عِلْمُنا سَاقِط في جَنْب عِلْمِك، ويُقَوِّي ذَلك قَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)؛ لأنَّ مَنْ عَلِم الْخَفِيّات لم تَخْفَ عَليه الظَّوَاهِر. وقيل: ذُهِلُوا عن الْجَواب لِهَول ذلك اليَوم، وهذا بَعيد، لأنَّ الأنبياء في ذلك اليَوم آمِنُون. وقيل: أرَادُوا بِذلك تَوْبِيخ الكُفَّار (١). واكْتَفَى في آيَة "النساء" بِذِكْر الْمَعْنَى، فَقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا) تقديره: كَيف يَكُون الْحَال إذا جئنَا بِشَهِيد، هُو نَبِيّهم يَشْهَد عَليهم بأعْمَالِهم، (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أي: تَشْهَد على قَومِك (٢). كَمَا اقْتَصَر في آيَة "النحل" على قَوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) أي: يَشْهَد عَليهم بِإيمَانِهم وكُفْرِهم (٣). ونَقَل الرازي عن الزمخشري بعض قَوله، ثم أجَاب عن تَوهُّم التَّعَارُض بِقَوله: قَوله تَعالى: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) يَدُلّ على أنَّ الأنبياء لا يَشْهَدُون لأُمَمِهم،

стр. 428

والْجَمْع بَيْن هَذا وبَيْن قَوله تَعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) مُشْكِل، وأيضًا قَوله تَعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣]، فإذا كَانت أُمَّتُنا تَشْهَد لِسَائر النَّاس فَالأنْبِياء أَوْلَى بِأن يَشْهَدُوا لأُمَمِهم بِذلك. والْجَوَاب عنه مِنْ وُجُوه: الأوَّل: قَال جَمْع مِنْ الْمُفَسِّرِين: إنَّ للقِيَامَة زَلازِل وأهْوالًا بِحَيث تَزُول القُلُوب عن مَواضِعِها عند مُشَاهَدَتِها، فَالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مُشَاهَدَة تِلك الأهْوَال يَنْسَون أَكْثَر الأمُور، فَهُنَالِك يَقُولُون: لا عِلْم لَنا، فإذا عَادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يَشْهَدُون للأُمَم. وهذا الْجَوَاب وإن ذَهَب إليه جَمْع عَظِيم مِنْ الأكَابر فهو عِنْدِي ضَعيف. ثم عَلّل ذلك بأنَّ أهْل الإيمان لا يَحْزُنُهم الفَزَع الأكْبَر، ثم قال: فَكَيف يَكُون حَال الأنبياء والرُّسُل أقَل مِنْ ذلك؟ ومَعْلُوم أنّهم لَو خَافُوا لَكَانُوا أقلّ مَنْزِلة مِنْ هَؤلاء الذين أخْبر الله تعالى عَنهم أنّهم لا يَخَافُون ألبتة (١). والوجه الثاني: أن المراد مِنه المبالغة في تحقيق فَضيحتهم، كَمَنْ يَقول لغيره: ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت أعلم به مِنّي، كأنه قيل: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لِظُهُورِه، وهذا أيضًا ليس بِقَويّ، لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمّة، وكل الأمة ما كانوا كافِرين حتى تَرُدّ الرسل بالنفيِ تَبكيتهم وفَضيحتهم. والوجه الثالث في الجواب - وهو الأصح- وهو الذي اختاره ابن عباس: أنهم إنما قالوا لا عِلْم لنا لأنك تَعلم ما أظْهَرُوا وما أضْمَرُوا، ونحن لا نَعلم إلا ما أظْهَرُوا فَعِلْمُك فيهم أنْفَذ مِنْ عِلْمِنا، فلهذا المعنى نَفَوا العِلْم عن أنفسهم، لأن عِلمهم عند الله كَلَا عِلْم.

стр. 429

والوَجْه الرَّابع في الْجَوَاب: أنّهم قالوا: لا عِلم لَنا إلَّا أن عِلْمَنا جَوابَهم لَنا وَقْت حَياتِنا، ولا نَعْلَم مَا كَان مِنهم بَعد وَفَاتِنا، والْجَزاء والثَّوَاب إنّمَا يَحْصُلان على الْخَاتِمَة وذلك غَير مَعْلُوم لَنا؛ فَلِهَذا الْمَعْنَى قَالوا: لا عِلْم لَنا. وقَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) يَشهد بِصِحّة هَذَين الْجَوابَين. الوَجْه الْخَامس - وهو الذي خَطَر بِبَالي وقت الكتابة -: أنه قد ثَبت في علم الأصول أن العِلْم غير، والظَّنّ غير، والْحَاصِل عِند كُلّ أحَدٍ مِنْ حَالِ الغَير إنّمَا هُو الظَّن لا العِلْم، ولهذا قال ﵊: نحن نَحْكُم بالظَّاهِر، والله يَتَولَّى السَّرَائر (١). وقال ﵊: إنكم لَتَخْتَصِمُون لَدَيّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَن بِحُجَّتِه، فَمَنْ حَكَمْتُ له بِغَير حَقِّه فَكَأنّمَا قَطَعْتُ له قِطْعَة مِنْ النَّار (٢). أوْ لَفْظٌ هذا مَعْنَاه. فَالأنْبِياء قَالوا: لا عِلْم لَنا ألبتة بأحْوالِهم، إنّمَا الْحَاصِل عِنْدَنَا مِنْ أحْوَالِهم هو الظَّن، والظَّن كان مُعْتَبَرًا في الدّنيا، لأنَّ الأحْكَام في الدُّنيا كانت مَبْنِيّة على الظن، وأمَّا الآخِرَة فلا الْتِفَات فيها إلى الظَّن، لأنَّ الأحكام في الآخرة مَبْنِيّة على حقائق الأشياء وبَواطِن الأمُور، فَلِهَذا السَّبَب قَالوا: لا عِلْم لَنا [إلا ما عَلّمتنا] (٣)، ولم يَذكروا ألبتة مَا مَعهم مِنْ الظَّنّ، لأنَّ الظَّن لا عِبرة بِه في القِيَامَة.

стр. 430

الوَجه السادس: أنّهم لَمَّا عَلِمُوا أنه عَالم لا يَجْهَل، حَكِيم لا يَسْفَه، عادِل لا يَظْلِم؛ عَلِمُوا أنَّ قَولهم لا يُفِيد خَيرًا، ولا يَدْفَع شَرًّا، فَرَأوا أنَّ الأدَب في السُّكُوت، وفي تَفْويض الأمْر إلى عَدْلِ الْحَيّ القَيُّوم الذي لا يَمُوت (١). وفي آية "النساء": بَيَّن أنَّ شَهَادَة الرُّسُل الذين جَعَلهم الله الْحُجَّة على الْخَلْق لِتَكُون الْحُجَّة على الْمُسِيء أبْلَغ، والتَّبْكِيت له أعْظَم، وحَسْرَتُه أشَدّ، ويَكُون سُرُور مَنْ قَبِل ذلك مِنْ الرَّسُول وأظْهَر الطاعة؛ أعْظم، ويَكُون هذا وَعِيدًا للكُفَّار الذين قال الله فيهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، ووَعْدًا للمُطِيعِين الذين قَال الله فِيهم: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) [النساء: ٤٠] (٢). وقال في آية "النحل": والْمُرَاد بِهَؤلاء الشُّهَداء الأنبياء، كَمَا قَال تَعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] (٣). وفي آية "النساء" أوْرَد ابن كثير مَا رَواه ابن جرير مِنْ قِراءة ابن مسعود وسَماع النبي ﷺ حتى إذا بَلَغ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) قال: قال رسول الله ﷺ : شَهِيدًا عَليهم مَا دُمْتُ فيهم، فإذا تَوفَّيتَنِي كُنْتَ أَنت الرَّقِيب عليهم، وأنْتَ على كُلِّ شَيء شَهِيد. ثم نبّه ابن كثير على ضَعْف كَوْن شَهَادَته ﷺ عند عَرْض أعْمَال أمَّتِه عَليه وهُو في قَبْرِه (٤). وفي آية "النحل" وَضَّح أنَّ مَعْنَى الشَّهِيد هو نَبِيّ كل أمَّة يشْهَد عليها بِمَا أجَابَته فيمَا بَلَّغَها عن الله تعالى (٥).

стр. 431

وأكْثر النَّقْل عن ابن جرير في آية "المائدة"، ورَجَّح مَا اخْتَارَه ابن جرير واسْتَحْسَن ذلك الاخْتِيَار، لأنه "مِنْ بَاب التَّأدُّب مَع الرَّبَ ﷻ . أي: لا عِلْم لَنا بِالنِّسْبَة إلى عِلْمِك الْمُحِيط بِكلّ شَيء، فنحن وإن كُنَّا قَدْ أُجِبْنَا وعَرَفْنَا مَنْ أَجَابَنَا، ولَكِن مِنهم مَنْ كُنَّا إنما نَطّلِع على ظَاهِره لا عِلْم لَنا بِبَاطِنه، وأنْتَ العَلِيم بِكُلّ شَيء، الْمُطَّلِع على كُلّ شَيء؛ فَعِلْمُنا بِالنِّسْبَة إلى عِلمِك كَلا عِلْم، فـ (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) " (١). وهذا الذي رَجَّحَه ابن القيم لأنَّ "هَذا هو الأدَب الْمُطَابِق للحَقّ في نَفْس الأمْر، فإنَّ عُلُومَهم وعُلُوم الْخَلائق تَضْمَحِلّ وتَتَلاشَى في عِلْمِه سُبحانه، كما يَضْمَحِلّ ضَوء السِّراج الضَّعِيف في عَيْن الشَّمْس" (٢). وجَمَع الشنقيطي بَيْن الآيَات مِنْ ثَلاثَة أوْجُه، ضَعَّف آخِرها: الأوَّل: وهو اختيار ابن جرير، وقال فيه ابن كثير: لا شَك أنه حَسَن - أنَّ الْمَعْنَى: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْم أنْت أعْلَم بِه مِنَّا، فَلا عِلْم لَنا بِالنِّسْبَة إلى عِلْمِك الْمُحِيط بِكُلّ شَيء، فنحن وإن عَرَفْنَا مَنْ أجَابَنَا فإنّمَا نَعْرِف الظَّواهِر ولا عِلْم لَنا بِالبَواطِن، وأنْت الْمُطَّلِع على السَّرَائر ومَا تُخْفِي الضَّمائر؛ فَعِلْمُنا بِالنِّسْبَة إلى عِلْمِك كَلَا عِلْم. الثاني: أنهم قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا)، لِمَا اعْتَرَاهُم مِنْ شِدَّة هَول يَوْم القِيَامَة، ثم زَال ذَلك عنهم فَشَهِدُوا على أُمَمِهم. الثالث: - وهو أضْعَفها - أنَّ مَعْنَى قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ): ماذا عَمِلُوا بَعْدكم، ومَا أحْدَثُوا بَعْدَكم؟ قَالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا). ذَكَر ابن كثير وغيره هذا القَول، ولا يَخْفَى بُعْده عن ظاهِر القرآن (٣).

стр. 432

رأي الباحث: لَيْس بَيْن الآيات تَعَارُض؛ لأنَّ إثْبَات شَهَادَة الرُّسُل على أُمَمهم لا يُنَافِيه قَول الرُّسُل. (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ لأنَّ نَفْي العِلم يَكُون بِأمُور: الأوَّل - وهو مَا اخْتَارُه جَمْع من الْمُفَسِّرِين، وهو قَول ابن عباس ﵄: لا علْم لَنا إلَّا علْم أنْت أعْلَم به منَّا، وهو مَقام الْمُتَأدِّب مَع الله. والثَّاني: أنَّ ذلك يَكُون حَال شِدَّة الْهَول، وقد رَدَّه غَير واحِد مِنْ الْمُفَسِّرين؛ لأنه خِلاف مَا يَكون مِنْ حَال الْمُؤمِنين الآمِنين يوم الفَزَع فَضْلًا عن الرُّسُل الذين هُمْ أكْمَل الْخَلْق، ودَعْواهم يَومَئذ: اللهم سَلِّم سَلِّم. ومَا قِيل في تَضْعِيف هذا القَول مِنْ أنَّ الأنْبِياء لا خَوْف عَليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، وأن أهْل الإيمان لا يَحزُنُهم الفَزَع الأكْبَر؛ مُتعقّب بأنَّ الْخَوف الْمَنْفي عنهم ليس مُطلَق الْخَوف، وإنّما هو الْخَوف الشَّدِيد الذي تَزُول مَعه القُلُوب ويَدُلّ عليه أنَّ الأنبياء تَفْزَع مِنْ هَول يَوْم القِيَامَة، وقد جاء في الحديث الإخْبَار عن الأنْبياء قَولهم للنَّاس يَوم القيامة: إن ربي قد غَضِبَ اليوم غَضَبًا لَم يَغْضَب قبله مثله، ولن يَغضب بَعده مثله (١). وفي الحديث: لا تُخَيِّرُوا بين الأنبياء، فإنَّ الناس يُصْعَقُون يوم القيامة، فأكُون أوَّل مَنْ تَنْشَقّ عنه الأرْض، فإذا أنا بِمُوسى آخِذ بِقَائمَة مِنْ قَوائم العَرْش، فَلا أَدْرِي أكَان فِيمَن صُعِق أمْ حُوسِب بِصَعْقَةِ الأُولى (٢). ونظير نَفْي الْخَوف والْحُزن هنا نَفْي الْمُحاسَبَة في حَقِّ الْمُؤمِن، وقد قال ﵊: مَنْ حُوسِب عُذِّب. فَقَالت عَائشة: أوَلَيس يَقُول الله تَعالى: (فَسَوْفَ

стр. 433

يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) [الانشقاق: ٨] قَالت فَقَال: إنّمَا ذلكَ العَرْض، ولَكِن مَنْ نُوقِش الْحِسَاب يَهْلِك (١). والثَّالث: أنهم نَفَوا عِلْمَهم اليَقِيني بِمَا أجَابُوا به، لأنَّ السَّرَائر أمْرُها إلى الله. وقول ابن جُريج أيضًا قَول مُعتَبَر، وذلك أنَّ السُّؤال يَكُون عَنْ "مَاذا عَمِلُوا بَعْدكم، ومَا أحْدَثُوا بَعْدَكم؟ "، ولا يُنافي هذا كَون الرُّسُل لا يَعْلَمُون مَا أحْدَثَتْه أمَمهم بَعْدهم؛ إذ يجوز أن يَكون السُّؤال عما خَفِي، وقَد سَأل الله ﵎ الْمَلائكة عَمَّا خَفِي عليهم، فقال ﷻ : (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة: ٣١، ٣٢]، فَلَمَّا سَأل الْمَلائكَة عَمَّا لا عِلْم لهم بِه أجابوا بِنَحو مَا تُجِيب بِه الرُّسُل يَوْم القِيَامَة. ومَا أخْبَر بِه النبي ﷺ مِمَّا يَكون في يَوْم القِيَامة دَالّ على ذلك، فَمِنْ ذلك قوله ﵊: يُجَاء بِرِجَال مِنْ أُمَّتِي فَيُؤخَذ بِهم ذَات الشِّمَال فَأقُول: يَا رَب أصْحَابي، فَيَقُول: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك. فَأقُول كَمَا قَال العَبْد الصَّالِح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: ١١٧، ١١٨] قال: فيُقَال: إنّهم لَم يَزَالُوا مُرْتَدّين على أعْقَابِهم (٢). فاسْتِشْهَاده ﷺ بِهذه الآيَة مُشْعِر بأنَّ الشَّهَادَة على مَجْمُوع الأمَّة وقد وكَل عِلْم مَا لَم يَشْهَدْه ومَا لَم يَحضُرْه إلى الله، اقْتِدَاء بِعِيسَى ابن مريم ﵊. كما أنَّ مَعْرِفَته ﷺ لأمَّته في الْمَحْشَر دَالّ على عِلْمِه بِمَنْ اسْتَجَاب لَه حَتى بَعْد مَمَاتِه، وقد سُئل النبي ﷺ : كيف تَعْرِف مَنْ لَم

стр. 434

يأتِ بَعْد مِنْ أُمَّتك؟ فقال: أرَأيت لو أن رَجُلًا له خَيل غُرّ مُحَجَّلة بَيْن ظَهْرَي خَيْل دُهْم بُهْم، ألا يَعْرِف خَيْلَه؟ قَالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنّهم يَأتُون غُرًّا مُحَجَّلِين مِنْ الوُضُوء، وأنا فَرَطُهم على الْحَوض (١). إشكال وجوابه (٢): لَيس في قَوله ﷺ : يَا رَبّ أصْحَابي، فَيَقُول: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك … فَيُقَال: إنّهم لَم يَزَالُوا مُرْتَدِّين على أعْقَابِهم - لَيس فِيه طَعْن في الصَّحَابة كَمَا توَهَّمَه أهْل البِدَع والزنْدَقَة. والْجَوَاب عنه مِنْ وُجُوه: الأوَّل: أنَّ ذلك في حقِّ مَنْ ارْتَدّ مِنْ الصَّحَابة، ومَات على ذلك، كَالذين ارْتَدُّوا بَعْد مَوتِه ﷺ ، وقاتَلَهم الصَّحَابة، وعُرِفتْ تِلك الْحُرُوب بـ "حُروب الرِّدّة"، وإن كان مَنْ ارْتَدّ مِنْ الصَّحابَة يُعَدُّون آحَادًا. ويُبيِّن هَذا مَا أعْقَب بِه البُخاري رِوَايته لِحَدِيث ابن عباس. قال محمد بن يوسف الفربري ذُكِر عن أبي عبد الله (٣) عن قَبيصة قال: هُمْ الْمُرْتَدُّون الذين ارْتَدّوا على عهد أبي بَكر، فَقَاتَلَهم أبو بَكر ﵁ (٤). قال أنس بن مالك ﵁: لَمَّا تُوفِّي رسول الله ﷺ ارْتَدَّتِ العَرَب (٥). الثَّاني: أنَّ مَنْ ارْتَدّ لا يَنْطَبِق عليه وَصْف الصُّحْبَة الاصْطِلاحِيّ، إذْ الصَّحَابي هو "مَنْ لَقِي النبيَّ ﷺ مُسْلِمًا ومَاتَ على إسْلامِه" (٦).

стр. 435

وبِتَعْرِيف آخَر: "هو مَنْ لَقِي النبيَّ ﷺ مُؤمِنًا به ومَات على الإسْلام، ولو تَخلّلَتْ رِدَّة في الأصَحّ" (١). الثَّالث: أنَّ ذلك في عُمُوم الأُمَّة، ليس خَاصًّا بالصَّحَابة، ويَدُلّ على هَذا مَا جَاء في رِواية للبُخَاري (٢): أنا على حَوْضِي أنْتَظِر مَنْ يَرِدّ عَليّ، فيُؤخَذ بِنَاسٍ مِنْ دُوني فأقُول: أُمَّتي، فَيَقُول: لا تَدْرِي، مَشَوا على القَهْقَرى. قال ابن أبي مليكة: اللهم إنا نَعُوذ بِك أن نَرْجِع على أعْقَابِنا أو نُفْتَن. فابْنُ أبي مُليكة فَهِم عُمُوم النَّصّ، وعَدم اخْتِصَاصِه بِالصَّحَابة؛ فاسْتَعاذ بالله مِنْ الرُّجُوع على الأعْقَاب. الرَّابِع: أنَّ النبي ﷺ يَعرِف أصْحَابه قَبل غَيرهم مِنْ أتْبَاعِه، ويَدُلّ عليه مَا في حَدِيث حُذيفة قَوله ﷺ : إنّ حَوضي لأبْعَد مِنْ أيْلة مِنْ عَدن، والذي نَفْسِي بِيَدِه إني لأذُود عنه الرِّجَال كَمَا يَذود الرَّجُل الإِبل الغَرِيبَة عن حَوْضِه. قَالوا: يَا رَسُول الله وتَعْرِفُنا؟ قال: نَعم، تَرِدُون عَليّ غُرًّا مُحَجّلِين مِنْ آثَار الوُضُوء، لَيْسَت لأحَدٍ غَيركم (٣). الخامس: أنَّ فَضَائل الصَّحَابة أكْثَر مِنْ أن تُعَدّ، وأشْهَر مِنْ أن تُحْصَر، فلا تُهْدَر فَضَائلهم، ولا مَا في النُّصوص الْمُحْكَمَة بِمثل هَذا الاحْتِمَال. السادس: أنَّ النبي ﷺ نَهَى عن سَبّ أصْحَابه، ولو عَلِم أنّهم يَمُوتُون على الرِّدَّة لَمَا نَهَى عن ذلك. والصَّحَابة قد زَكَّاهُم اللهُ ورَسُولُه ﷺ . السَّابِع: أنَّ الطَّعْن في الصَّحَابة هو في حَقِيقَتِه طَعْنٌ في الدِّين. قال أبو زُرْعَة: إذا رَأيت الرَّجُل يَنْتَقِص أحَدًا مِنْ أصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَاعْلَم أنه زِنْدِيق، وذلك أنَّ الرَّسُول ﷺ عِنْدَنا حَقّ،

стр. 436

والقُرآن حَقّ، وإنّمَا أدَّى إلَينا هَذا القُرْآن والسُّنَن أصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، وإنّمَا يُرِيدُون أنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكِتَاب والسُّنَّة، والْجَرْح بِهم أَوْلى، وهُم زَنَادِقَة (١). وقال ابن أبي حَاتِم: سَمِعْتُ أَبِي يَقُول: وعَلامَة أهْل البِدَع الوَقِيعَة في أهْل الأثَر، وعَلامَة الزَّنَادِقَة تَسْمِيَتهم أهْل السُّنَّة حَشَويَّة؛ يُرِيدُون إبْطَال الآثَار (٢). المثال الثالث: سُلْطَان الشَّيْطَان: قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الإسراء: ٦٥]، وقَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) [سبأ: ٢١]، مَع قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]، وقَوله تَعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل: ٩٩، ١٠٠]. صورة التعارض: في الآيَتَين الأُولَيَيْن نَفْي سُلْطَان الشَّيْطَان، وإثْبَاته في الأُخْرَيَيْن.

стр. 437

جمع القرطبي: قال القرطبي في آية "الْحِجْر": قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) قَال العُلَمَاء: يَعْنِي: عَلى قُلُوبِهم. وقال ابن عيينة: أي: في أنْ يُلْقِيهم في ذَنْب يَمْنَعْهم عَفْوِي ويُضَيِّقه عَليهم. وهَؤلاء الذين هَدَاهُم الله واجْتَبَاهُم واخْتَارَهم واصْطَفَاهم. قُلْتُ: لَعَلّ قَائلًا يَقُول: قد أَخْبَر الله عن صِفَة آدَم وحَوَّاء ﵉ بِقَوله: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) [البقرة: ٣٦]، وعن جُمْلَةٍ مِنْ أصْحَاب نَبِيِّه بِقَولِه: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: ١٥٥]. فالْجَوَاب مَا ذُكِر، وهو أنه لَيس لَه سُلْطَان على قُلُوبِهم، ولا مَوضِع إيمَانِهم، ولا يُلْقِيهم في ذَنْب يَؤول إلى عَدَم القَبُول، بل تُزِيلُه التَّوْبَة، وتَمْحُوه الأَوْبَة. ولم يَكُنْ خُروج آدم عُقُوبَة لِمَا تَنَاول … ثم إنَّ قَوله سُبحانه: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) يُحْتَمَل أن يَكُون خَاصًّا فيمن حَفِظَه الله، ويُحْتَمَل أن يَكُون في أكْثَر الأوْقَات والأحْوَال، وقد يَكون في تَسَلُّطِه تَفْرِيج كُرْبَة وإزَالة غُمَّة، كَمَا فَعَل بِبِلال إذْ أتَاه يُهَدِّيه كَمَا يُهَدَّى الصَّبِي حَتى نَام، ونَام النبي ﷺ وأصْحَابه فَلم يَسْتَيْقِظُوا حتى طَلَعَتِ الشَّمْس، وفَزِعُوا، وقَالُوا: مَا كَفَّارَة مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنا في صَلاتِنا؟ فَقَال لهم النبي ﷺ : لَيْس في النَّوْم تَفْرِيط (١). فَفَرَّجَ عَنهم. (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ) أي: الضَّالِين الْمُشْرِكِين، أي: سُلْطَانه على هَؤلاء. دَلِيلُه (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل: ١٠٠] (٢).

стр. 438

وقَال في آيَة "النحل": قَوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي: الإغْوَاء والكُفْر، أي: لَيْس لك قُدْرَة على أنْ تَحْمِلَهم على ذَنْب لا يُغْفَر، قاله سُفيان. وقال مجاهد: لا حُجَّة لَه عَلى مَا يَدْعُوهم إلَيه مِنْ الْمَعَاصِي. وقِيل: إنه لَيس لَه عَليهم سُلْطَان بِحَال؛ لأنَّ الله تَعالى صَرَف سُلْطَانه عليهم حين قال عَدُو الله إبْليس لَعَنَه الله: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قَال الله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر: ٤٢]. قلتُ: قَدْ بَيَّنَّا أنَّ هَذا عَامّ يَدْخُلُه التَّخْصِيص، وقد أغْوَى آدَم وحَوَّاء ﵉ بِسُلْطَانِه، وقَد شَوّش على الفُضَلاء أوْقَاتَهم بِقَوله: مَنْ خَلَقَ رَبك؟ حسبما تقدم في آخر الأعراف بيانه (١). ثم بَيَّن القُرطبي مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي: يُطِيعُونه، يُقَال: تَوَلَّيته، أي: أطَعْته، وتَوَلَّيت عنه، أي: أعْرَضْت عنه. (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: بِالله. وقِيل: يُرْجَع بِه إلى الشَّيْطان. والْمَعْنَى: والذين هُمْ مِنْ أجْلِه مُشْرِكُون. يُقَال: كَفَرْت بِهذه الكَلِمة، أي: مِنْ أجْلِها، وصَار فُلان بِك عَالِمًا، أي: مِنْ أجْلك، أي: والذي تَوَلَّى الشَّيْطَان مُشْرِكُون بِالله (٢). وبيّن في تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] بيَان الوَسْوَسَة، ومَا شَكَاه الصَّحَابة ﵃ مِنْها، وأنَّ الْخَوَاطِر التي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّة ولا اجْتَلَبَتْها الشُّبْهَة أنّها تُدْفَع بالإعْرَاض عَنها، وعلى مِثْلِها يُطْلَق اسْم الوَسْوَسَة. وأوْضَح أنَّ "النَّغْز والنَّزْغ والْهَمْز والوَسْوَسَة سَوَاء" (٣).

стр. 439

وأبَان عن مَعْنَى قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠١] أنَّ الْمُؤمِن إذا مَسَّه طَيْف مِنْ الشَّيْطَان تَنَبَّه عَنْ قُرْب (١). وبَيَّن في تَفْسِير قَوله تَعالى: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) [يوسف: ٤٢] عِصْمَة الأنْبِيَاء، و"أنَّ النَّاسِي هو السَّاقِي لا يُوسُف". واسْتَدَلَّ بِقَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: ٤٢] (٢). واقْتَصَر في تَفْسِير سُورة الإسْراء على قَوله: قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) قال ابن عباس: هُمْ الْمُؤمِنُون - وقد تقدم الكلام فيه - (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلَا) أي: عَاصِمًا مِنْ القَبُول مِنْ إبْلِيس، وحَافِظًا مِنْ كَيْدِه وسُوء مَكْرِه (٣). وفي سُورة سَبأ بَيَّن مَعْنَى الآيَة التي قَبْلَها، فَنَقَل في قَوله تَعالى: (فَاتَّبَعُوهُ) [سبأ: ٢٠] عن الْحَسَن قَوله: مَا ضَرَبَهم بِسَوط ولا بِعَصَا، وإنّمَا ظَنَّ ظَنًّا، فَكَان كَمَا ظَنّ بِوَسْوَسَتِه. وفي قَوله تَعالى: (إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال: وفِيه قَوْلان: أحَدهما: أنه يُرَاد به بَعض الْمُؤمِنين، لأنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُؤمِنِين مَنْ يُذْنِب ويَنْقَاد لإبْلِيس في بَعْض الْمَعَاصِي، أي: مَا سَلِمَ مِنْ الْمُؤمِنين أيضًا إلَّا فَرِيق، وهو الْمَعْنِيّ بِقَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ). فأمَّا ابن عباس فَعَنْه أنه قَال: هُمْ الْمُؤمِنُون كُلّهم. فـ (مِنَ) على هذا للتَّبْيين لا للتَّبْعِيض. فإن قيل: كيف عَلِم إبْلِيس صِدْق ظَنِّه وهُو لا يَعْلَم الغَيْب؟

стр. 440

قِيل له: لَمَّا نَفَذَ له في آدَم مَا نَفَذ (١) غَلَب على ظَنِّه أنه يَنْفُذ له مِثْل ذلك في ذُرِّيَّتِه، وقَد وَقَع له تَحْقِيق مَا ظَنّ (٢). وجَواب آخَر - وهو مَا أُجِيب مِنْ قَوله تَعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤]، فأُعْطِي القُوَّة والاسْتِطَاعَة، فَظَنّ أنه يَمْلِكُهم كُلّهم بِذلك، فَلَمَّا رَأى أنه تَاب على آدَم، وأنه سَيكُون له نَسْل يَتْبَعُونَه إلى الْجَنَّة، وقال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) عَلِم أنَّ له تَبَعًا، ولآدم تَبَعًا، فَظَنّ أنَّ تَبَعه أكْثَر مِنْ تَبع آدَم لِمَا وُضِع في يَدَيه مِنْ سُلْطَان الشَّهَوَات، ووُضِعَتِ الشَّهوات في أجْوَاف الآدمِيِّين، فَخَرج على ما ظَنّ حَيث نَفَخ فيهم وزَيَّن في أعْيُنِهم تِلك الشَّهَوات، ومَدَّهم إليها بالأمَاني والْخَدَائع؛ فَصَدَّق عَليهم الظَّنّ الذي ظَنَّه، والله أعلم. وقال: قَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: لم يَقْهَرْهم إبْلِيس على الكُفْر، وإنّمَا كَان مِنه الدُّعَاء والتزْيِين، والسُّلْطَان: القُوَّة. وقِيل: الْحُجَّة، أي: لَم تَكُنْ لَه حُجَّة يَسْتَتْبِعُهم بِهَا، وإنّمَا اتَّبَعُوه بِشَهْوة وتَقْلِيد، وهَوى نَفْس، لا عَنْ حُجَّة ودَلِيل.

стр. 441

وقَال في قَوله تَعالى: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ): يُرِيد عِلْم الشَّهَادة الذي يَقَع بِه الثَّوَاب والعِقَاب، فأمَّا الغَيب فَقد عَلِمَه ﵎. ثم بَيَّن أنَّ الاسْتِثْنَاء مُنقَطِع بِمَعْنَى (لكِن). ثم قَال: وقِيل: لَمّا اتَّصَل طَرَف مِنه بِقِصّة سَبأ، قال: ومَا كَان لإبْلِيس عَلى أُولَئك الكُفَّار مِنْ سُلْطَان. وقِيل: ومَا كَان له في قَضَائنا السَّابِق سُلْطَان عَليهم. مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - ليس للشَّيْطَان سُلْطَان على قُلُوب الْمُؤمِنِين، ولا مَوضِع إيمانِهم، فلا يُلْقِيهم في ذَنْب لا يُغْفَر. ٢ - احْتِمَال الْخُصُوصِية فِيمَن حَفِظَه الله، ويُحْتَمَل أن يَكُون في أكْثَر الأوْقَات والأحْوَال. ٣ - قد يَكون في تَسَلُّطِه تَفريج كُربة وإزَالة غُمَّة. ٤ - لا حُجَّة له على مَا يَدْعُوهم إليه مِنْ الْمَعَاصِي. ٥ - سُلْطَان الشَّيْطَان على الكُفَّار الذين يُطِيعُونَه. ٦ - الاسْتِثْنَاء في آيَة سَبأ بِمَعْنَى (لكنّ). مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: نَقَل ابن جرير أقْوَالًا في مَعْنَى "الطَّائف" في قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠١] مُلَخَّصُها: ١ - الطَّائف هو الغَضَب.

стр. 442

٢ - اللَّمَّة والزَّلَّة مِنْ الشَّيْطَان. "وهَذان التَّأويلان مُتَقَارِبا الْمَعْنَى؛ لأنَّ الغَضَب مِنْ اسْتِزْلال الشَّيْطَان، واللَّمَّة مِنْ الْخَطِيئة أيضًا مِنه، وكُلّ ذلك مِنْ طَائف الشَّيْطَان" (١). ٣ - عُموم الْمَعْنَى، وهو "إذا عَرَض لَهم عَارِض مِنْ أسْبَاب الشَّيْطَان - مَا كَان ذلك العَارِض - تَذَكَّرُوا أمْر الله، وانْتَهَوا إلى أمْرِه"، فَعَلى هذا يَكُون الْمَعْنَى عند ابن جَرير: "إذا أَلَمَّ بِهم طَيْف مِنْ الشَّيْطان مِنْ غَضَب أوْ غَيره، مما يَصُدّ عن وَاجِبِ حَقَّ الله عَليهم، تَذَكَّرُوا عِقَاب الله وثَوَابَه، ووَعْدَه ووَعِيده، وأبْصَرُوا الْحَقّ فَعَمِلُوا به، وانْتَهَوا إلى طَاعَةِ الله فِيمَا فَرَض عَليهم، وتَرَكُوا فيه طَاعَة الشَّيْطَان" (٢). "وأمَّا قَوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فَإنه يَعْنِي بِذلك أنَّ الشَّيْطَان لَيْسَت لَه حُجَّة على الذِين آمَنُوا بِالله ورَسُولِه، وعَمِلُوا بِمَا أمَرَ الله به، وانْتَهَوا عَمَّا نَهَاهم الله عَنه. (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) يَقُول: وعلى رَبّهم يَتَوَكَّلُون فِيمَا نَابَهُم مِنْ مُهِمَّات أمُورِهم. (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) يَقُول: إنّمَا حُجَّته على الذِين يَعْبُدُونَه (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) يَقُول: والذِين هُمْ بِالله مُشْرِكُون" (٣). ثم ذَكَر الاخْتِلاف "في الْمَعْنَى الذي مِنْ أجْلِه لم يُسَلَّط فيه الشَّيْطَان على الْمُؤمِن"، وخُلاصَة القَول عِنْدَه، "وأوْلى الأقْوَال في ذلك بالصَّواب قَول مَنْ قَال: مَعْنَاه: إنه لَيس لَه سُلْطَان على الذين آمَنُوا، فاسْتَعَاذُوا بِالله مِنه بِمَا نَدَب الله تَعالى ذِكْرُه مِنْ الاسْتِعَاذَة، وعَلى رَبّهِم يَتَوَكَّلُون عَلى مَا عَرَض لهم مِنْ خَطَرَاته ووسَاوسِه" (٤).

стр. 443

وقال في تَفسير آيَة "الإسراء": يَقُول تَعالى ذِكْرُه لإبْلِيس: إنَّ عِبَادِي الذين أطَاعُوني فاتَّبَعُوا أمْرِي وعَصَوك يَا إبْلِيس لَيس لَك عَليهم حُجَّة. ورَوَى عن قَتادة في تَأويل قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي): وعِبَادُه الْمُؤمِنون (١). والْمَعَاني مُتَقَارِبة عند ابن جرير، فَقَد قَال في تَفْسِير آية "الْحِجْر": يَقُول تَعالى ذِكْرُه: إنَّ عِبَادِي ليس لك عليهم حُجَّة إلّا مَنْ اتَّبَعَك عَلى مَا دَعَوتَه إليه مِنْ الضَّلالَة، مِمَّنْ غَوى وهَلَك (٢). وفي آيَة "سبأ" قال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه: ومَا كَان لإبْلِيس على هَؤلاء القَوم الذين وَصَف جَلَّ ثَناؤُه صِفتَهم مِنْ حُجَّة يُضِلُّهم بِها إلَّا بِتَسْلِيطِنَاه عَليهم، لِنَعْلَم حِزْبَنَا وأَوْلِيَاءَنا (٣). وفسّر السمرقندي آيَة "الحجر" بِآية "النحل"، فَقال: قَوله : (إِنَّ عِبَادِي) أي: عِبَادِي الذين لا يُطِيعُونَك (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: حُجَّة ولا مُلْكًا، ولا أُسَلِّطُك عَليهم، كَقَوله: (لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا). ثم قَال تَعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) أي: مَنْ أطَاعَك مِنْ الكَافِرِين، ويُقَال: مَعْنَاه إنّمَا نَفَاذ دَعْوتِك ووَسْوَسَتِك لِمَنْ اتَّبَعك مِنْ الْمُشْرِكِين (٤). وبيَّن في تفسير آية "النحل" الْمُرَاد بِتَسْلِيط الشَّيْطَان وتَوَلِّيه، فَقَال: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ) يُقال: لَيس له غَلَبَة ولا حُجَّة. ويُقَال: ليس له نَفَاذ الأمْر (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي: صَدَّقُوا بِتَوحِيد الله تَعالى (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يَثِقُون بِه، ولا يَثِقُون بِغَيره.

стр. 444

وقَوله : (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ) أي: غَلَبَته وحُجَّته (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي: يُطِيعُونه مِنْ دُون الله تعالى، فَمَنْ أطَاعَه فَقَد تَوَلَّاه (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: بِالله (١). وقال في آية "الإسراء": قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: حُجَّة، ويُقال: نَفَاذ الأمْر .... وقال أبو العالية: قَوله: (إِنَّ عِبَادِي) الذِين لا يُطِيعُونَك (٢). ورَبَط بَيْن آيَات "سبأ"، فقال: قَوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [سبأ: ٢٠] يَعني: عَلى أهْل سَبأ، ويُقَال: هَذا ابْتِدَاء، يَعْنِي جَمِيع الكُفَّار. وذلك أنَّ إبْلِيس قَدْ قَال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص: ٨٢، ٨٣]، فَكان ذلك ظَنًّا مِنه، فَصَدَق ظَنَّه (فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا) يَعْنِي طَائفَة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهم الذِين قَال الله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ). وقال سعيد بن جبير: كان ظَنّه أنه قَال: أنا نَارِيّ وآدَم طِينِيّ، والنَّار تَأكُل الطِّين! وكذا رُوي عن ابن عباس ﵁ (٣). وفَسَّر السمعاني السُّلْطَان بالوِلايَة، فَقَال في تَفْسِير آيَة "النحل": (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) أي: لَيْس لَه وِلايَة عَلى الذين آمَنُوا. وقَوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) يُقَال: مَعْنَاه: أنه لا يَقْدِر على إيقَاعِهم في ذَنْب لَيس لَهم مِنه تَوبَة. وقِيل: إنه لا يَقْدِر على إدْخَالِهم في الشِّرك وإغْوائهم. وقَوله تعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) يَعْنِي: الذِين يَدْخُلُون في ولايَتِه ويَتَّبِعُونه.

стр. 445

وقَوله: (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) قَال بعضهم: بِرَبِّ العَالَمِين مُشْرِكُون. وقال ثعلب: والذين هُمْ بِه مُشْرِكُون، أي: لأجْلِه مُشْرِكُون، أي لأجْلِ إبْلِيس، وهَذا مَعْنى صَحِيح لأنَّ مَنْ يُشْرِك بإبْلِيس يَكُون مُؤمِنًا بِالله، فَالْمَعْنَى هَذا (١). وأشَار في آيَة "الْحِجْر" إلى مَا سَبَق ذِكْرَه، فَقَال: قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) هَذا تَحْقِيق لِقَولِه تَعَالى فِيمَا سَبَق: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠] (٢). وفي تَفْسِير آيَة "الإسراء" أوْرَد سُؤالًا قَال فِيه: فإن قِيل: كَيف عَرَف إبْلِيس أنَّ أكْثَر ذُرِّيَّة آدَم يَتَّبِعُونَه؟ قُلْنَا: الْجَوَاب مِنْ وَجْهَين: أنه لَمَّا رَأى انْقِيَاد آدَم لِوَسْوَسَتِه طَمِع في ذُرِّيَّتِه. والثَّاني: أنه رَأى ذَلك في اللوح مَكْتُوبًا، وعَرَف كَما عَرَف الْمَلائكَة حِين قَالُوا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) [البقرة: ٣٠] (٣). وبَيَّن هَذا في تَفْسِير آيَة "سبأ" بِقَولِه: وفِي التَّفْسِير أنَّ إبْلِيس قَال: لَقَدْ أخْرَجْتُ آدَم مِنْ الْجَنَّة مَع كَثْرة عِلْمِه، وأغْوَيْتُه، فأنا عَلى ذُرِّيَّتِه أقْدَر. وقَال في آيَة "الإسراء": وقَد قِيل: إنَّ مَعْنَاه: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) في أنْ تَحْمِلَهم على ذَنْب لا أقْبَلُ تَوْبَتهم منه (٤). ونَقَل في آيَة "سبأ" قَول الْحَسَن البَصْري: والله إنه لَم يَسُلّ عليهم سِيفًا، ولا ضَرَبَهم بِسَوط، وإنّما وَعَدَهم ومَنَّاهُم؛ فاغْتَرُّوا.

стр. 446

ثم قَال: قَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: مِنْ سُلْطَان على الْمُؤمِنِين (١). وكان أوْرَد سُؤالًا في تَفْسِير سُورة الإسْراء قَال فيه: فإن قَال قَائل: كَيف يَأمُر الله تَعالى بِهَذه الأشْياء وهُو يَقُول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف: ٢٨]؟ والْجَوَاب: أنَّ هَذا أمْر تَهْدِيد ووَعِيد، وهو مِثْل قَولِه تَعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] (٢). واقْتَفَى الثعلبي آثَار مَنْ سَبَقُوه، فَبَيَّن أنَّ الْمُرَاد بِالسُّلْطَان: هو القُوَّة، ونَقَل عن أهْل الْمَعَاني قَولَهم: يَعْنِي على قُلُوبِهم. وسُئل سُفيان بن عُيينة عن هَذه الآيَة، فَقَال: مَعْنَاه: لَيْس لك عَليهم سُلْطَان أن تُلْقِيهم في ذَنْب يَضِيق عَنه عَبْدِي (٣). وفي تَفْسِير آيَة "النحل" قال: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ) حُجَّة ووِلاية. (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) يُطِيعُونه (وَالَّذِينَ هُمْ) أي: بِالله (بِهِ مُشْرِكُونَ) (٤). ولم أرَ في تَفْسِيره شَيئًا حَول آيَة "الإسْراء" (٥). وقال في آيَة "سبأ": (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ) إلَّا تَسْلِيطنا إياه عَليهم (لِنَعْلَمَ) لِنَرَى ونُمَيِّز، ونَعْلَمَه مَوْجُودًا ظَاهِرًا كَائنًا مُوجِبًا للثَّوَاب والعِقَاب - كَمَا كَان عَلمناه قَبْلُ مَفْقُودًا - بَعْد ابْتِلاء مِنَّا لِخَلْقِنا (٦).

стр. 447

وفي قَوله تعالى: (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) [الحجر: ٤١] قال الزمخشري: أي (هَذَا) طَرِيق حَقّ (عَلَيّ) أن أُرَاعِيه، وهو ألا يَكُون لك سُلْطَان على عِبَادِي إلَّا مَنْ اخْتَار اتِّبَاعَك مِنهم لِغِوايَتِه (١). ومَعْنَى السُّلْطَان عِنده: الوِلاية، فَقَوله تَعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ) [النحل: ٩٩] أي: تَسَلُّط ووِلايَة على أوْلِيَاء الله، يَعْنِي: أنّهم لا يَقْبَلُون مِنه، ولا يُطِيعُونَه فِيما يُرِيد مِنهم مِنْ اتِّباع خُطُوَاته (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ) على مَنْ يَتولَّاه ويُطِيعُه (٢). وخَصّ الصَّالِحِين بِالْمُرَاد بِـ (عِبَادِي) في آية "الإسراء" فَقَال: (إِنَّ عِبَادِي) يُرِيد الصَّالِحِين (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: لا تَقْدِر أن تُغْويَهم. (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) لهم يَتَوَكَّلُون به في الاسْتعَاذة منك، ونَحوه قَوله: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠]. فإن قُلت: كَيف جَاز أن يَأمُر الله إبْلِيس بأن يَتَسَلَّط على عِبَادِه مُغْويًا مُضِلًّا، دَاعِيًا إلى الشَّر، صَادًّا عن الْخَير؟ قلت: هُو مِنْ الأوَامِر الوَارِدَة على سَبِيل الْخُذْلان والتَّخْلِيَة (٣)، كَمَا قَال للعُصَاة: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] (٤). وتَسْلِيط الشَّيْطَان بِالوَسْوَسَة والإغْوَاء لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولِذا قَال الزمخشري في قَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ) [سبأ: ٢١]: مِنْ تَسْليط واسْتِيلاء بِالوَسْوَسَة والاسْتِغْواء إلَّا لِغَرَض صَحِيح، وحِكْمَة بَيِّنَة، وذَلك أن يَتَمَيَّز الْمُؤمِن بِالآخِرَة مِنْ الشَّاك فِيها، وعَلَّلَ التَّسْلِيط بِالعِلْم، والْمُرَاد ما تَعَلَّق بِه العِلْم. وقرئ: (لِيُعْلَم) على البِنَاء للمَفْعُول (٥).

стр. 448

وظَاهِر السُّلْطان الْمَنْفِي - عند ابن عطية - أنَّ إبْلِيس لَيْس لَه مَلَكَة ولا رِيَاسَة، وذلك أنَّ السُّلْطَان إنْ جَعَلْنَاه الْحُجَّة فَلَيس لَه حُجَّة في الدُّنيا عَلى أحَد، لا مُؤمِن ولا كَافِر، اللهم إلَّا أن يَتَأوَّل مُتَأوِّل: لَيس لَه سُلْطَان يَوْم القِيَامَة، فَيَسْتَقِيم أن يَكُون بِمَعْنى الْحُجَّة، لأنَّ إبْلِيس له حُجَّة على الكَافِرِين أنه دَعَاهم بِغَير دَلِيل فَاسْتَجَابُوا لَه مِنْ قِبَلِ أنْفُسِهِم، وهَؤلاء الذِين لا سُلْطَان ولا رِيَاسَة لإبْلِيس عَليهم هم الْمُؤمِنُون أجْمَعُون، لأنَّ الله لم يَجْعَل سُلْطَانه إلَّا على الْمُشْرِكِين الذين يَتَوَلَّونَه، والسُّلْطَان مَنْفِيّ هَاهُنا في الإشْرَاك، إذْ له عَليهم مَلَكَة مَا في الْمَعَاصِي، وهُم الذين قَال الله فِيهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وهُم الذِين قَال إبْلِيس فِيهم: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠]، و (يَتَوَلَّونَهُ) مَعْنَاه: يَجْعَلُونه وَلِيًّا، والضَّمِير فِيه الظَّاهِر أنه يَعُود على اسْم إبْلِيس، بِمَعْنَى مِنْ أجْلِه وبِسَبَبِه … فَكَأنه قال: والذين هم بِسَبَبِه مُشْرِكُون بِالله، وهَذا الاخْبَار بأنْ لا سُلْطَان للشَّيْطَان على الْمُؤمِنِين بِعَقِب الأمْر بالاسْتِعَاذَة تَقْتَضِي أنَّ الاسْتِعَاذَة تَصْرِف كَيْدَه، كَأنَّهَا مُتَضَمِّنَة للتَّوكُّل على الله، والانْقِطَاع إليه (١). ويَرى ابن عطية اختصاص المؤمنين بِمَعنى العبودية في آية "الحجر"، إذ يقول: والظاهر مِنْ قوله: (عِبَادِي) الخصوص في أهل الإيمان والتقوى، لا عُموم الْخَلْق، وبِحَسَب هذا يكون (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ) مُسْتَثْنَى مِنْ غير الأول، التقدير: لكنّ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الغاوين لك عليهم سلطان، وإن أخَذْنَا "العِباد" عَامًّا في عباد الناس، إذ لم يُقَدِّر الله لإبليس سُلطانًا على أحَد، فإنّا نُقَدِّر الاستثناء في الأقل في القَدْر مِنْ حيث لا قَدْر للكُفّار، والنظر الأول أصْوَب (٢). كَما يَرى ابن عطية أنَّ آية "الإسراء" قَوْل مِنْ الله تَعالى لإبْلِيس، وقَوله: (عِبَادِي) يُرِيد الْمُؤمِنِين في الكُفْر، والْمُتَّقِين في الْمَعَاصِي، وخَصَّهم بِاسْمِ العِبَاد - وإن كَان اسْمًا

стр. 449

عَامًّا لِجَميع الْخَلْق - مِنْ حَيث قَصَد تَشْرِيفَهم، والتَّنْويه بِهم .... ومِنه قَول النبي ﷺ لِسَعد بن أبي وقاص: هَذا خَالي، فَلْيُرِني امْرؤ خَالَه (١). والسُّلْطَان الْمَلَكَة والتَّغَلُّب، وتَفْسِيره هُنا بالْحُجَّة قَلِق، ثم قَال تَعالى لِنَبِيِّه ﷺ : (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلَا) يا مُحمد حَافِظًا للمُؤمِنِين، وقَيِّمًا على هِدَايَتهم (٢). واكْتَفى ابنُ عطية في تَفْسِير آيَة "سبأ" بِقَوله: والسُّلْطَان: الْحُجَّة، وقد يَكُون الاسْتِعْلاء والاسْتِقْدَار، إذ اللفْظ مِنْ التَّسَلُّط. وقال الحسن بن أبي الحسن: والله مَا كَان لَه سَيْف ولا سَوْط، ولَكِنه اسْتَمَالهم فَمَالُوا بِتَزْيِينِه (٣). وتَتَابَع الْمُفَسِّرُون على تَفْسِير السُّلْطَان بِالْحُجَّة والقُدْرَة، إذْ يَقُول الرَّازي: قَوله: (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) [إبراهيم: ٢٢]، أي: قُدْرَة ومَكِنَة (٤)، وتَسَلُّط وقَهْر، فأقْهَرُكم على الكُفْر والْمَعَاصِي، وألْجِئكُم إلَيها (٥). ورَبَط الرَّازي بَيْن آيَات سُورة الْحِجْر، وأشَار إلى اتِّصَال قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) بِما قَبْلَه مِنْ قَوْل إبْلِيس وتَوَعُّدِه، حَيْث يَقُول: اعْلَم أنَّ إبْلِيس لَمَّا قال: (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٣٩، ٤٠] أوْهَم هَذا الكَلام أنَّ له سُلْطَانًا عَلى عِبَاد الله الذين يَكُونُون مِنْ الْمُخْلَصِين، فَبَيَّن تَعالى

стр. 450

في هَذه الآيَة أنه لَيس لَه سُلْطَان على أحَدٍ مِنْ عَبِيد الله، سَواء كَانُوا مُخْلَصِين أوْ لَم يَكُونُوا مُخْلَصِين، بل مَنْ اتَّبع مِنهم إبْلِيس بِاخْتِيَارِه صَار مُتَّبِعًا لَه، ولكن حُصُول تلك الْمُتَابَعَة أيضًا لَيس لأجْل أنَّ إبْلِيس يَقْهَره على تِلك الْمُتَابَعَة، أوْ يُجْبِره عَليها، والْحَاصِل في هَذا القَوْل أنَّ إبْلِيس أوْهَم أنَّ له على بَعْض عِبَاد الله سُلْطَانًا، فَبَيَّن تَعالى كَذِبَه فيه، وذَكَرَ أنه لَيس له على أحَد مِنهم سُلْطَان ولا قُدْرَة أصْلًا، ونَظِير هَذه الآيَة قَوله تَعالى حِكَاية عَنْ إبْلِيس أنه قَال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) [إبراهيم: ٢٢]، وقَال تَعالى في آيَة أُخْرَى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل: ٩٩، ١٠٠] (١). ثم بيّن مَعنى (إِلَّا)، وأنّهَا تَأتي بِمَعْنَى الاسْتِثْنَاء، أوْ بِمَعْنى (لكنّ) (٢). وفي آيَة "الإسراء" قَال الرَّازي: لَمَّا قَال لَه: افْعَل مَا تَقْدِر عَليه، فَقَال تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وفيه قَولان: الأوَّل: أنَّ الْمُرَاد كُلّ عِبَاد الله مِنْ الْمُكَلَّفِين، وهذا قول أبي علي الجبائي (٣). والقَول الثَّاني: أنَّ الْمُرَاد بِقَوله: (إِنَّ عِبَادِي) أهْل الفَضْل والعِلْم والإيمان، لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّم أنَّ لَفْظ العِبَاد في القُرآن مَخْصُوص بأهْل الإيمان (٤)، والدَّلِيل عَليه أنه قَال في آيَة أُخْرَى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَهُ) (٥).

стр. 451

واقْتَصَر الرَّازي في آيَة "سبأ" على الإشَارَة إلى أنَّ سُلطان إبْلِيس لَيس بِمُلْجِئ، وإنَّمَا هُو آيَة وعَلامَة خَلَقَها الله لتَبْيِين مَا هُو في عِلْمِه السَّابِق (١). ويَرَى ابنُ كثير أنَّ عِبَاد الله الذِين لَيس للشَّيْطَان عَليهم سُلْطَان هُمْ الذِين قَدَّر الله لَهُمْ الْهِدَاية، فلا سَبِيل لَه عَلَيهم، ولا وُصُول لَه إلَيهم (٢). كما يَرَى أنَّ الاسْتِثْنَاء - في آيَة "الْحِجْر" - مُنْقَطِع (٣). ونَقَل في آيَة "النحل" قَول الثَّوْرِي (٤): لَيس لَه عَليهم سُلْطَان أن يُوقِعَهم في ذَنْب لا يَتُوبُون مِنه. ونَقَل عن آخَرِين قَولَهم: مَعْنَاه: لا حُجَّة لَه عليهم. وعَن آخَرِين: كَقَولِه: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠]. (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَهُ) قال مجاهد: يُطِيعُونَه. وقال آخَرُون: اتَّخَذُوه وَلِيًّا مِنْ دُون الله. (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: أشْرَكُوه في عِبَادَة الله، ويُحْتَمَل أن تَكُون الباء سَببية، أي: صَارُوا بِسَبب طَاعَتِهم للشَّيْطَان مُشرِكِين بِالله تَعالى. وقال آخَرُون: مَعْنَاه: أنه شَرَكَهم في الأمْوَال والأوْلاد (٥).

стр. 452

وقَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الإسراء: ٦٥] إخْبَار بِتَأيِيدِه تَعالى عِبَادَه الْمُؤمِنِين، وحِفْظِه إياهم، وحِرَاسَته لَهم مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم، ولِهَذا قَال تَعالى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) أي: حَافِظًا ومُؤيِّدًا ونَصِيرا. ثم عَضَد ذلك بِمَا رَواه الإمام أحمد (١) مِنْ حَدِيث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَال: إنَّ الْمُؤمِن لَيُنْضِي شَيَاطِنَه كَمَا يُنْضِي أحَدُكُم بَعِيرَه في السَّفَر. ثم فَسَّر ذلك بِقوله: يُنْضِي، أي: يَأخُذ بِنَاصِيَتِه ويَقْهَره (٢). وأوْرَد ابن كثير قول ابن عباس في تَفْسِير السُّلْطان، وأنه الْحُجَّة، كما أوْرَد قَول الحسن البصري: والله مَا ضَرَبَهم بِعَصَا، ولا أكْرَهَهم على شَيء، ومَا كَان إلَّا غُرُورًا وأمَانِي دَعَاهم إلَيها فأجَابُوه. ثم قَال: وقَوله : (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) أي: إنّمَا سَلَّطْنَاه عَليهم لِيَظْهر أمْر مَنْ هو مُؤمِن بِالآخِرَة وقِيَامِها، والْحِسَاب فِيها والْجَزَاء، فَيُحْسِن عِبَادَة رَبِّه في الدُّنيا، مِمَّنْ هو مِنْها في شَكّ. وقَوله تَعالى: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: ومَع حِفْظِه ضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنْ أتْبَاع إبْلِيس، وبِحِفْظِه وكَلاءَتِه سَلِمَ مَنْ سَلِم مِنْ الْمُؤمِنِين أتْباع الرُّسُل (٣).

стр. 453

رأي الباحث: أجْمَع مَنْ جَمَع بَيْن الآيَات - فِيمَا رَأيْتُ - هو القرطبي، فقد أتَى على جَمِيع الأقْوَال. وخُلاصَة القَوْل في الآيَات أنَّ الشَّيْطَان لَيس لَه سُلْطَان ولا قُدْرَة على الْمُؤمِنِين، وإنّمَا يَتَسَلَّط على مَنْ اتَّبَعه، واقْتَفَى أثَرَه، فَالشَّيْطَان (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: ٦]، "فَعَدَم الإيمان هو الْمُوجِب لِعَقْد الوِلايَة بَيْن الإنْسَان والشَّيْطَان" (١) وبِضَاعَة الشَّيْطَان هي "التَّزْيِين"، كَمَا قَال تَعالى: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: ٦٣] فَـ "سَمَّاه وَلِيًّا لهم لِطَاعَتِهم إياه" (٢). وإذا ألْقَى الشَّيْطَان أتْبَاعَه في النَّار تَخَلَّى عَنهم وخَذَلَهم، كَمَا تَخلّى عنهم في الدُّنيا ونَكَص على عَقِبَيه، فإنَّ الشَّيْطَان يَقُول لأتْبَاعِه "حِين حَصْحَص الْحَقّ: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) [إبراهيم: ٢٢] " (٣). كَمَا أنَّ الْمُؤمِن في كَلاءَة وحِفْظ، فَمَنْ جَعَل للشَّيْطَان عَليه سَبِيلًا فَقَد فَرَّط! فهو الْمَلُوم، ولِذا يَقول عَدُوّ الله يَوْمَ القِيَامَة (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ). فالشَّيْطَان "لَيْس لَه سُلْطَان على الذين آمَنُوا، فَاسْتَعَاذُوا بِالله مِنه بِمَا نَدَب الله تعالى ذِكْرُه مِنْ الاسْتِعَاذَة، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون عَلى مَا عَرَض لَهُمْ مِنْ خَطَرَاتِه ووسَاوسِه" (٤).

стр. 454

ومِن حِفْظ الله للعَبْد الْمُؤمِن أنَّ مَنْ قَرَأ آيَة الكُرْسِي لَنْ يَزَال عَليه مِنْ الله حَافِظ، ولا يَقْرَبه شَيْطَان حتى يُصْبِح. قَال أبو هُريرة ﵁: وَكَلَنِي رَسُول الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاة رَمَضَان، فأتاني آتٍ فَجَعَل يَحْثُو مِنْ الطَّعَام فَأخَذْته، فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّك إلى رَسُول الله ﷺ فَذَكَر الْحَدِيث - فَقَال: إذا أَوَيْتَ إلى فِرَاشِك فَاقْرَأ آيَة الكُرْسِي (اللَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتى تَخْتِم الآيَة، فَإنك لَنْ يَزال عَليك مِنْ الله حَافِظ، ولا يَقْرَبَنَّك شَيْطَان حَتى تُصْبِح. فَقَال النبي ﷺ : صَدَقَكَ وهو كَذُوب. ذَاك شَيْطَان (١). وقال ﵊: إنَّ الله كَتَبَ كِتَابًا قَبْل أن يَخْلُق السَّمَاوَات والأرْض بألْفَيّ عَام، فأنْزَل مِنْه آيَتَين فَخَتَم بِهِمَا سُورَة البَقَرَة، ولا تُقْرآن في دَارٍ ثَلاث لَيَال فَيَقْرَبها الشَّيْطَان (٢). وأخْبَر النبي ﷺ عن تَسَلُّط الشَّيْطَان وتَوَعُّده بَني آدَم، ومَا قَال الله ﵎ لَه، فَقَال ﵊: قَال الشَّيْطَان: وعِزَّتِك يَا رَبّ لا أبْرَح أُغْوِي عِبَادك مَا دَامَتْ أرْوَاحُهم في أجْسَادِهم. فَقَال الرَّبّ ﵎: وعِزَّتي وجَلالي لا أَزَال أغْفِر لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُوني (٣). و"الشَّيْطَان يَشُمّ قَلْب العَبْد ويَخْتَبِره" (٤) ويَأتيه مِنْ ذلك البَاب الذي تَضْعُف قُوَاه عِنْده، بل قَدْ يَأتِيه مِنْ أبْوَاب الْخَيْر.

стр. 455

"قَال بَعض السَّلَف: مَا أمَرَ الله بأمْر إلَّا وللشَّيْطَان فيه نَزْغَتان: إمَّا إلى تَفْرِيط وإمَّا إلى مُجَاوَزَة، وهي الإفْرَاط، ولا يَبَالِي بِأيّهِما ظَفِر؛ زِيَادَة أوْ نُقْصَان" (١). وتَسَلُّط الشَّيْطَان إنّمَا هُو بِالوَسْوَسَة، ولِذا قَال ﵊: الْحَمْد لله الذي رَدّ كَيْدَه إلى الوَسْوَسَة (٢). وأمَّا مَا يَقَع مِنْ صَرْع الْجِنّ للإنْس؛ فلا يُنَافي كَوْن الشَّيْطان لَيس له سُلْطَان، وذلك مِنْ وُجُوه: الأوَّل: أنَّ الصَّرْع ليس هو الغَالِب على بَنِي آدَم، بل هو في حُكْم النَّادِر في حَقّ بَعْضم، وهو مُشاهَد في أهْل الغَفْلَة عَنْ ذِكْر الله أكْثَر. الثَّاني: أنَّ ذلك لَيس بإِغْوَاء وإزَاحَة عن طَرِيق الْهِدَاية، وإنّمَا هو تَخبُّط في بَعض الأحْيان. ويَدُلّ عليه قِصَّة الْمَرْأة التي كَانَتْ تُصْرَع (٣). الثالث: أن الغالب في الصَّرَع في حق مَنْ غَفَل عن أسْبَاب حِفْظِه وكَلاءَته، فهو الذي جَعَل للشَّيْطَان عَليه سَبِيلا، فأشْبَه مَنْ تَوَلَّاه وأطَاعَه. وأمَّا مَا ذَهَبَتْ إليه الْمُعْتَزِلة مِنْ "أنه لا سَبِيل لإبْلِيس وجُنُودِه على تَصْرِيع النَّاس وتَخْبِيط عُقُولِهم، وأنه لا قُدْرَة لَه إلَّا على قَدْر الوَسْوَسَة"؛ فَهذا قَوْل مُخَالِف للوَاقِع الْمُشاهَد، مُصَادِم للنُّصُوص، فَفِي التَّنْزِيل: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]. قَال ابنُ جرير: يَعْنِي بِذَلك: يَتَخَبَّلُه الشَّيْطان في الدُّنيا، وهو الذي يَتَخَنَّقُه فَيَصْرعه (مِنَ الْمَسِّ)، يَعْنِي: مِنْ الْجُنُون (٤).

стр. 456

وقال القرطبي: في هَذه الآيَة دَلِيل على فَسَاد إنْكَار مَنْ أنْكَر الصَّرع مِنْ جِهَة الْجِنّ، وزَعَم أنه مِنْ فِعْل الطَّبَائع، وأنَّ الشَّيْطَان لا يَسْلُك في الإنْسَان، ولا يَكُون مِنه مَسّ (١). وقال ابن جُزي: أجْمَع الْمُفَسِّرون أنَّ الْمَعْنَى: لا يَقُومُون مِنْ قُبُورِهم في البَعْث إلَّا كَالْمَجْنُون. و (يَتَخَبَّطُهُ) يَتَفَعَّله، مِنْ قَولك: خَبَط يَخْبِط، والْمَسّ الْجُنُون (٢). وفي السُّنَّة أحَادِيث كَثِيرَة، مِنها: مَا رَواه البخاري (٣) ومسلم (٤) مِنْ حَديث ابن عباس في قِصَّة الْمَرْأة التي كَانتْ تُصْرَع. والصَّرع مُحتَمِل للنَّوْعَين، "إذْ الصَّرع صَرعَان: صَرْع مِنْ الأرْوَاح الْخَبِيثَة الأرْضِيَّة، وصَرْع مِنْ الأخْلاط الرَّدِيئة. والثَّاني هو الذي يَتَكَلَّم فِيه الأطِبَّاء في سَبَبِه وعِلاجِه، وأمَّا صَرْع الأرْوَاح فَأئمَّتُهم وعُقَلاؤهم يَعْتَرِفُون بِه ولا يَدْفَعُونه، ويَعْتَرِفُون بِأنَّ عِلاجَه بِمُقَابَلَة الأرْوَاح الشَّرِيفَة الْخَيِّرَة العُلْوِيَّة لِتِلْك الأرْوَاح" (٥). ومِمَّا يَدُلّ على صَرْع الْجِنّ للإنس مَا رَوَاه ابنُ ماجه (٦) عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: يا رَسُول الله عَرَض لي شَيء في صَلَوَاتي حتى مَا أدْرِي مَا أُصَلِّي. قال: ذاك الشَّيْطَان، أدنُه، فَدَنَوتُ مِنه، فَجَلَستُ على صُدُور قَدَمِي، قال: فَضَرَب صَدْرِي بِيَدِه، وتَفَل في فَمِي، وقال: اخْرُج عَدَوّ الله - فَفَعَل ذلك ثَلاث مَرَّات - ثم قال: الْحَق بِعَمَلِك. فقال عثمان: فَلَعَمْري مَا أحْسَبُه خَالَطَني بَعْد.

стр. 457

ومَا رَواه ابن أبي شيبة (١) والدارمي (٢) وعَبْدُ بن حُميد (٣) مِنْ حديث جابر ﵁، وفِيه: أنَّ امْرَأة أتَتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي هَذا بِه لَمَم مُنْذ سَبْع سِنِين، يأخُذه كُلّ يَوم مَرَّتَين، فَقَال رسول الله ﷺ : ادْنِيه، فأدْنَتْه منه، فَتَفَل في فِيه، وقال: اخْرُج عَدَوَّ الله، أنَا رَسُول الله (٤). فَكُلّ هذا دَالّ على صَرْع الْجِنّ للإنْس، وعلى تَلَبُّس الْجِنّ للإنْس، وأنَّ الْجِنِّي يَدْخُل بَدَن الْمَصْرُع، وإلَّا لَم يَكُنْ لِقَولِه ﵊: "اخْرُج عَدُوَّ الله". مَعْنَى. فـ "صَرْع الْجِنّ للإنْس قد يَكُون عن شَهْوَة وهَوى وعِشْق، كَمَا يَتَّفِق للإنْس مَع الْجِنّ، وقد يَتَنَاكَح الإنْس والْجِنّ ويُولَد بَيْنَهُما وَلَد، وهذا كَثِير مَعْرُوف، وقَد ذَكَرَ العُلَمَاء ذلك وتَكَلَّمُوا عَليه. وكَرِهَ أكْثرُ العُلَمَاء مُنَاكَحَة الْجِنّ" (٥). والإشْكال الذي لَم أرَ مَنْ أشَار إلَيه مِنْ الْمُفَسِّرِين في هذه الآيَات هو: مَا وَقَع للنبي ﵊ مِنْ تَعَرُّض شَيْطَان لَه في صَلاته، كَمَا رَوى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صَلَّى صَلاة فَقَال: إنَّ الشَّيْطَان عَرَض لي فَشَدَّ عَليَّ لِيَقْطَع الصَّلاة عَليَّ، فأمْكَنَنِي الله مِنه فَذَعَتُّه، ولَقَد هَمَمْتُ أن أُوثِقَه إلى سَارِيَة حَتى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُروا إليه، فَذَكَرْتُ قَوْل سُلَيْمَان ﵇: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: ٣٥] فَرَدَّه الله خَاسِيا (٦).

стр. 458

وفي حَديث أبي الدَّرداء ﵁ قَال: قَام رَسُول الله ﷺ فَسَمِعْناه يَقُول: أعُوذ بِالله مِنك، ثم قال: ألْعَنُك بِلَعْنَةِ الله ثَلاثًا، وبَسَطَ يَدَه، كَأنّه يَتَنَاول شَيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلاة قُلْنَا: يَا رَسُول الله قد سَمِعْنَاك تَقُول في الصَّلاة شَيئا لم نَسْمَعْك تَقُوله قَبْل ذلك، ورَأيْنَاك بَسَطْتَ يَدَك. قال: إنَّ عَدُو الله إبْلِيس جَاء بِشِهَاب مِنْ نَار لِيَجْعَله في وَجْهِي، فَقُلْتُ: أعُوذ بِالله مِنك ثَلاث مَرَّات، ثم قُلتُ: ألْعَنُك بِلَعْنَةِ الله التَّامَّة، فَلم يَسْتَأخِر ثَلاث مَرَّات، ثم أرَدْتُ أخْذَه، والله لَولا دَعْوة أخِينَا سُلَيمَان لأصْبَح مُوثَقًا يَلْعَب بِه وُلْدان أهْل الْمَدِينَة (١). فَهذه مُحَاولات شَيْطَانِيَّة لإيْذَاء خَيْر البَشَرِيَّة، ولَيْسَتْ تَسَلُّطًا على النبي ﵊، ولو كان له سُلْطَان لَمَا أمْكَن دَفْعه والتَّغَلُّب عَليه. ثم إنَّ هَذا عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ، وليس هو إبْلِيس الذي خُوطِب بِنَفْي السُّلْطان، فَفي رِوَايات حديث أب هريرة: إنّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ (٢). "وعُورِض (٣) بِحَدِيث قَولِه لِعُمَر: "مَا لَقِيَك الشَّيْطَان سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَك فَجًّا غيره". وأجَاب الشَّيخ بأنَّ هُرُوبَه مِنْ عُمَر هو بِاعْتِبَار الوَسْوَسَة، وهي مُنْتَفيَة عنه ﷺ لِلعِصْمَة، وأجَاب غَيره مِنْ أهْل مَجْلِسِه بأنَّ عِفْرِيتًا أخَصّ مِنْ مُطْلَق الشَّيْطَان الذي يَهرُب مِنْ عُمر ﵁" (٤). قال ابن حجر: وهو ظَاهِر في أنَّ الْمُرَاد بِالشَّيْطَان في هذه الرِّوَاية غَير إبْلِيس كَبِير الشَّيَاطِين (٥). وأذَى الشَّيْطَان للأنْبِياء والصَّالِحِين إنّمَا هوَ في آخِر سِلَاح يَسْتَطِيعُه الشَّيْطَان، إذْ قد وَضَع لابْنِ آدَم سَبْعَ عَقَبَات؛ السَّابِعَة مِنها هِي التي "لَو نَجَا مِنها أحَد لَنَجَا مِنها رُسُل

стр. 459

الله وأنْبِيَاؤه وأكْرَم الْخَلْق عليه، وهي عَقَبَة تَسْلِيط جُنْدِه عليه بِأنْوَاع الأذَى بِاليَد واللسَان والقَلْب على حَسَب مَرْتَبَتِه في الْخَيْر، فَكُلّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُه أجْلَب عَليه العَدُوّ بِخَيْلِه ورَجِلِه، وظَاهرَ عَليه بِجُنْدِه وسَلَّط عَليه حِزْبَه وأهْلَه بِأنْوَاع التَّسْلِيط" (١). فليس للشَّيْطَان على الْمُؤمِنِين سُلْطَان ولا قُدْرَة، فَضْلًا عن سَيِّد وَلَد آدم ﵊. فـ "السُّلْطَان الْمَنْفيّ عَنه عَلى الْمُؤمِنِين هو الذي أَرْسَل بِه جُنْدَه على الكَافِرِين" (٢). المثال الرابع: سُؤَال الأجْر في الْقُرْبَى: قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٩٠] وقَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [سبأ: ٤٧]، وقَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص: ٨٦]، مع قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الفرقان: ٥٧] وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣] وقَوله تَعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) [الطور: ٤٠]، [القلم: ٤٦]. صورة التعارض: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) الآية. هَذه الآيَة الكَرِيمة تَدُلّ على أنه ﷺ لا يَسْأل أُمّته أجْرًا على تَبْليغ مَا جَاءَهم بِه مِنْ خَيْر الدُّنيا والآخِرَة، ونَظِيرها قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) … وقَد

стр. 460

جَاء في آيَة أُخْرَى مَا يُوهِم خِلاف ذلك، وهي قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (١). جمع القرطبي: قَال القرطبي في آيَة "الأنعام": قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي: جُعْلًا (٢) على القُرآن (إِنْ هُوَ) أي: القُرآن (إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) أي: هو مَوْعِظَة للخَلْق (٣). وفي آيَة "سبأ" قَال القرطبي: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي: جُعْل على تَبْليغ الرِّسَالَة (فَهُوَ لَكُمْ) أي: ذلك الْجُعْل لَكُمْ إن كُنْتُ سَألْتُكُمُوه، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: رَقِيب وعَالِم وحَاضِر لأعْمَالِي وأعْمَالِكم، لا يَخْفَى عَليه شَيء، فَهو يُجَازِي الْجَمِيع (٤). وقال مِثْل ذَلك في تفسير آيَة "ص"، حَيث قَال: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: مِنْ جُعْل على تَبْلِيغ الوَحْي (٥).
следующие страницы →