← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقال القرطبي: في هَذه الآيَة دَلِيل على فَسَاد إنْكَار مَنْ أنْكَر الصَّرع مِنْ جِهَة الْجِنّ، وزَعَم أنه مِنْ فِعْل الطَّبَائع، وأنَّ الشَّيْطَان لا يَسْلُك في الإنْسَان، ولا يَكُون مِنه مَسّ (١). وقال ابن جُزي: أجْمَع الْمُفَسِّرون أنَّ الْمَعْنَى: لا يَقُومُون مِنْ قُبُورِهم في البَعْث إلَّا كَالْمَجْنُون. و (يَتَخَبَّطُهُ) يَتَفَعَّله، مِنْ قَولك: خَبَط يَخْبِط، والْمَسّ الْجُنُون (٢). وفي السُّنَّة أحَادِيث كَثِيرَة، مِنها: مَا رَواه البخاري (٣) ومسلم (٤) مِنْ حَديث ابن عباس في قِصَّة الْمَرْأة التي كَانتْ تُصْرَع. والصَّرع مُحتَمِل للنَّوْعَين، "إذْ الصَّرع صَرعَان: صَرْع مِنْ الأرْوَاح الْخَبِيثَة الأرْضِيَّة، وصَرْع مِنْ الأخْلاط الرَّدِيئة. والثَّاني هو الذي يَتَكَلَّم فِيه الأطِبَّاء في سَبَبِه وعِلاجِه، وأمَّا صَرْع الأرْوَاح فَأئمَّتُهم وعُقَلاؤهم يَعْتَرِفُون بِه ولا يَدْفَعُونه، ويَعْتَرِفُون بِأنَّ عِلاجَه بِمُقَابَلَة الأرْوَاح الشَّرِيفَة الْخَيِّرَة العُلْوِيَّة لِتِلْك الأرْوَاح" (٥). ومِمَّا يَدُلّ على صَرْع الْجِنّ للإنس مَا رَوَاه ابنُ ماجه (٦) عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: يا رَسُول الله عَرَض لي شَيء في صَلَوَاتي حتى مَا أدْرِي مَا أُصَلِّي. قال: ذاك الشَّيْطَان، أدنُه، فَدَنَوتُ مِنه، فَجَلَستُ على صُدُور قَدَمِي، قال: فَضَرَب صَدْرِي بِيَدِه، وتَفَل في فَمِي، وقال: اخْرُج عَدَوّ الله - فَفَعَل ذلك ثَلاث مَرَّات - ثم قال: الْحَق بِعَمَلِك. فقال عثمان: فَلَعَمْري مَا أحْسَبُه خَالَطَني بَعْد.

стр. 457

ومَا رَواه ابن أبي شيبة (١) والدارمي (٢) وعَبْدُ بن حُميد (٣) مِنْ حديث جابر ﵁، وفِيه: أنَّ امْرَأة أتَتِ النبي ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي هَذا بِه لَمَم مُنْذ سَبْع سِنِين، يأخُذه كُلّ يَوم مَرَّتَين، فَقَال رسول الله ﷺ : ادْنِيه، فأدْنَتْه منه، فَتَفَل في فِيه، وقال: اخْرُج عَدَوَّ الله، أنَا رَسُول الله (٤). فَكُلّ هذا دَالّ على صَرْع الْجِنّ للإنْس، وعلى تَلَبُّس الْجِنّ للإنْس، وأنَّ الْجِنِّي يَدْخُل بَدَن الْمَصْرُع، وإلَّا لَم يَكُنْ لِقَولِه ﵊: "اخْرُج عَدُوَّ الله". مَعْنَى. فـ "صَرْع الْجِنّ للإنْس قد يَكُون عن شَهْوَة وهَوى وعِشْق، كَمَا يَتَّفِق للإنْس مَع الْجِنّ، وقد يَتَنَاكَح الإنْس والْجِنّ ويُولَد بَيْنَهُما وَلَد، وهذا كَثِير مَعْرُوف، وقَد ذَكَرَ العُلَمَاء ذلك وتَكَلَّمُوا عَليه. وكَرِهَ أكْثرُ العُلَمَاء مُنَاكَحَة الْجِنّ" (٥). والإشْكال الذي لَم أرَ مَنْ أشَار إلَيه مِنْ الْمُفَسِّرِين في هذه الآيَات هو: مَا وَقَع للنبي ﵊ مِنْ تَعَرُّض شَيْطَان لَه في صَلاته، كَمَا رَوى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صَلَّى صَلاة فَقَال: إنَّ الشَّيْطَان عَرَض لي فَشَدَّ عَليَّ لِيَقْطَع الصَّلاة عَليَّ، فأمْكَنَنِي الله مِنه فَذَعَتُّه، ولَقَد هَمَمْتُ أن أُوثِقَه إلى سَارِيَة حَتى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُروا إليه، فَذَكَرْتُ قَوْل سُلَيْمَان ﵇: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص: ٣٥] فَرَدَّه الله خَاسِيا (٦).

стр. 458

وفي حَديث أبي الدَّرداء ﵁ قَال: قَام رَسُول الله ﷺ فَسَمِعْناه يَقُول: أعُوذ بِالله مِنك، ثم قال: ألْعَنُك بِلَعْنَةِ الله ثَلاثًا، وبَسَطَ يَدَه، كَأنّه يَتَنَاول شَيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلاة قُلْنَا: يَا رَسُول الله قد سَمِعْنَاك تَقُول في الصَّلاة شَيئا لم نَسْمَعْك تَقُوله قَبْل ذلك، ورَأيْنَاك بَسَطْتَ يَدَك. قال: إنَّ عَدُو الله إبْلِيس جَاء بِشِهَاب مِنْ نَار لِيَجْعَله في وَجْهِي، فَقُلْتُ: أعُوذ بِالله مِنك ثَلاث مَرَّات، ثم قُلتُ: ألْعَنُك بِلَعْنَةِ الله التَّامَّة، فَلم يَسْتَأخِر ثَلاث مَرَّات، ثم أرَدْتُ أخْذَه، والله لَولا دَعْوة أخِينَا سُلَيمَان لأصْبَح مُوثَقًا يَلْعَب بِه وُلْدان أهْل الْمَدِينَة (١). فَهذه مُحَاولات شَيْطَانِيَّة لإيْذَاء خَيْر البَشَرِيَّة، ولَيْسَتْ تَسَلُّطًا على النبي ﵊، ولو كان له سُلْطَان لَمَا أمْكَن دَفْعه والتَّغَلُّب عَليه. ثم إنَّ هَذا عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ، وليس هو إبْلِيس الذي خُوطِب بِنَفْي السُّلْطان، فَفي رِوَايات حديث أب هريرة: إنّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ (٢). "وعُورِض (٣) بِحَدِيث قَولِه لِعُمَر: "مَا لَقِيَك الشَّيْطَان سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَك فَجًّا غيره". وأجَاب الشَّيخ بأنَّ هُرُوبَه مِنْ عُمَر هو بِاعْتِبَار الوَسْوَسَة، وهي مُنْتَفيَة عنه ﷺ لِلعِصْمَة، وأجَاب غَيره مِنْ أهْل مَجْلِسِه بأنَّ عِفْرِيتًا أخَصّ مِنْ مُطْلَق الشَّيْطَان الذي يَهرُب مِنْ عُمر ﵁" (٤). قال ابن حجر: وهو ظَاهِر في أنَّ الْمُرَاد بِالشَّيْطَان في هذه الرِّوَاية غَير إبْلِيس كَبِير الشَّيَاطِين (٥). وأذَى الشَّيْطَان للأنْبِياء والصَّالِحِين إنّمَا هوَ في آخِر سِلَاح يَسْتَطِيعُه الشَّيْطَان، إذْ قد وَضَع لابْنِ آدَم سَبْعَ عَقَبَات؛ السَّابِعَة مِنها هِي التي "لَو نَجَا مِنها أحَد لَنَجَا مِنها رُسُل

стр. 459

الله وأنْبِيَاؤه وأكْرَم الْخَلْق عليه، وهي عَقَبَة تَسْلِيط جُنْدِه عليه بِأنْوَاع الأذَى بِاليَد واللسَان والقَلْب على حَسَب مَرْتَبَتِه في الْخَيْر، فَكُلّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُه أجْلَب عَليه العَدُوّ بِخَيْلِه ورَجِلِه، وظَاهرَ عَليه بِجُنْدِه وسَلَّط عَليه حِزْبَه وأهْلَه بِأنْوَاع التَّسْلِيط" (١). فليس للشَّيْطَان على الْمُؤمِنِين سُلْطَان ولا قُدْرَة، فَضْلًا عن سَيِّد وَلَد آدم ﵊. فـ "السُّلْطَان الْمَنْفيّ عَنه عَلى الْمُؤمِنِين هو الذي أَرْسَل بِه جُنْدَه على الكَافِرِين" (٢). المثال الرابع: سُؤَال الأجْر في الْقُرْبَى: قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٩٠] وقَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [سبأ: ٤٧]، وقَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص: ٨٦]، مع قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الفرقان: ٥٧] وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣] وقَوله تَعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) [الطور: ٤٠]، [القلم: ٤٦]. صورة التعارض: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) الآية. هَذه الآيَة الكَرِيمة تَدُلّ على أنه ﷺ لا يَسْأل أُمّته أجْرًا على تَبْليغ مَا جَاءَهم بِه مِنْ خَيْر الدُّنيا والآخِرَة، ونَظِيرها قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) … وقَد

стр. 460

جَاء في آيَة أُخْرَى مَا يُوهِم خِلاف ذلك، وهي قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (١). جمع القرطبي: قَال القرطبي في آيَة "الأنعام": قَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي: جُعْلًا (٢) على القُرآن (إِنْ هُوَ) أي: القُرآن (إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) أي: هو مَوْعِظَة للخَلْق (٣). وفي آيَة "سبأ" قَال القرطبي: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي: جُعْل على تَبْليغ الرِّسَالَة (فَهُوَ لَكُمْ) أي: ذلك الْجُعْل لَكُمْ إن كُنْتُ سَألْتُكُمُوه، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: رَقِيب وعَالِم وحَاضِر لأعْمَالِي وأعْمَالِكم، لا يَخْفَى عَليه شَيء، فَهو يُجَازِي الْجَمِيع (٤). وقال مِثْل ذَلك في تفسير آيَة "ص"، حَيث قَال: قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: مِنْ جُعْل على تَبْلِيغ الوَحْي (٥).

стр. 461

وبِنَحْوِه قَال في تَفْسِير آيَة "الطور"، إذ يقول: فَقَوله تَعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) على تَبْلِيغ الرِّسَالَة (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ) أي: فَهُمْ مِنْ الْمَغْرَم الذي تَطْلُبُهم بِه (مُثْقَلُونَ) مُجْهَدُون لِمَا كَلَّفْتَهم بِهِ (١). وبِنَحْوِه قال في تَفْسِير سُورة القَلَم (٢). ويَرى القرطبي أنَّ الاسْتِثْنَاء في آيَة "الفرقان" مُنْقَطِع، حَيث قَال: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) يُرِيد على مَا جِئتُكُم بِه مِنْ القُرْآن والوَحْي. و (مِنْ) للتَّأكيد (إِلَّا مَنْ شَاءَ) لكن مَنْ شَاء، فهو اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، والْمَعْنَى: لَكِن مَنْ شَاء (أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) بإنْفَاقِه مِنْ مَاله في سَبِيل الله فَلْيُنْفِق. ويَجُوز أن يَكون مُتَّصِلًا، ويُقَدَّر حَذْف الْمُضَاف، التَّقْدِير: إلَّا أجْر مَنْ شَاء أن يَتَّخِذ إلى رَبِّه سَبِيلًا باتِّبَاع دِينِي حتى يَنَال كَرَامَة الدُّنيا والآخِرَة (٣). في حِين فصَّل القَول في آيَة "الشورى"، فَقَال - مَا مُلخَّصه -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي: قُلْ يَا محمد: لا أسْألُكُم على تَبْلِيغ الرِّسَالة جُعلا (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قال الزَّجَّاج: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ) اسْتِثْنَاء لَيْس مِنْ الأوَّل، أي: إلَّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي، فَتَحْفَظُوني، والْخِطَاب لِقُرَيش خَاصَّة. قَال الشَّعبي: أكْثَر النَّاسُ عَلينا في هَذه الآيَة، فَكَتَبْنَا إلى ابنِ عباس نَسْأله عَنها، فَكَتَب: إنَّ رسول الله ﷺ كان أوْسَط النَّاس في قُرَيش، فَلَيس بَطْن مِنْ بُطُونِهم إلَّا وقَد وَلَدَه، فَقَال الله لَه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلَّا أنَّ تَوَدُّونِي في قَرَابتي مِنْكم (٤). أي: تُرَاعُوا مَا بَينِي وبَينَكم فَتُصَدِّقُوني، فـ (الْقُرْبَى) ها هُنا قَرابة الرَّحِم، كَأنه قَال: اتَّبِعُوني للقَرَابَة إنَّ لَم تَتَّبِعُوني للنُّبُوَّة. قال عكرمة: وكَانَت

стр. 462

قريش تَصِل أرْحَامها، فَلَمَّا بُعِث النبي ﷺ قَطَعَتْه، فَقَال: صِلُوني كَمَا كُنْتُم تَفْعَلُون (١). فَالْمَعْنَى عَلى هَذا: قُلْ لا أسْألُكُم عَليه أجْرًا لكِن أُذَكِّرُكُم قَرَابَتي. على اسْتِثْنَاء لَيس مِنْ الأوَّل. ذَكَرَه النَّحَّاس. وفي البُخاري (٢) عن طاوس عن ابن عباس أنه سُئل عن قَوله تَعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فَقَال سَعيد بن جبير: قُرْبى آل محمد، فقال ابن عباس: عَجِلْتَ! إنَّ النبي ﷺ لم يَكن بَطْن مِنْ قُرَيش إلَّا كَان لَه فِيهم قَرَابَة، فَقَال: إلَّا أنْ تَصِلُوا مَا بَيْنَكُم مِنْ القَرَابَة. فهذا قَوْل. وقِيل: القُرْبى: قَرَابَة الرسول ﷺ ، أي: لا أسْألُكُم أجْرًا إلَّا أنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي وأهْل بَيْتِي، كَمَا أمَر بإعْظَامِهم (٣) ذَوي القُرْبى. وروى منصور وعوف عن الحسن (٤): (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قَال: يَتَوَدَّدُون إلى الله ويَتَقَرَّبون مِنه بِطَاعَتِه. ونَقَل القرطبي عن النحاس قَوله: وقَوْل الْحَسَن حَسَن. ثم ذَكَر مَا قِيل في نَسْخ الآيَة، وأتْبَعه بِقَوْل الثعلبي عَنْه: ولَيس بالقوي، وكَفَى قُبْحًا بِقَوْل مَنْ يَقُول إنَّ التَّقَرُّب إلى الله بِطَاعَتِه ومَوَدَّة نَبِيِّه ﷺ وأهْل بَيْتِه مَنْسُوخ (٥). وحَكَى الْخِلاف في سَبَب نُزُول الآيَة، وذَكَر قَوْلًا في كَوْنِها نَزَلَتْ في الْمَدِينَة (٦).

стр. 463

ونَقَل عَنْ قتادة قَوله: قال الْمُشْرِكُون: لَعَل مُحَمَّدًا فِيما يَتَعَاطَاه يَطْلُب أجْرًا، فَنَزَلَتْ هَذه الآيَة، لِيَحُثَّهم على مَوَدَّته ومَوَدَّة أقْرِبَائه. قال الثعلبي: وهذا أشْبَه بِالآيَة، لأنَّ السُّورَة مَكِّيَّة (١). ملخص جواب القرطبي: ١ - لا أسْألُكم جُعْلًا على القُرْآن. ٢ - لا أسْألُكم جُعْلًا على تَبْلِيغ الرِّسَالة. ٣ - مَا سَألْتُكُم مِنْ جُعْل فَهو لَكُم، على تَقْدِير - إنْ كُنْت سَألْتُكُمُوه -. ٤ - الاسْتِثْنَاء - في آية "الفرقان" - مُنْقَطِع، ويَجُوز أن يَكون مُتَّصِلًا. ٥ - الاسْتِثْنَاء في آيَة "الشورى" مُنقَطِع أيضًا. والْمَعْنَى: إلَّا أنْ تَصِلُوا مَا بَيْنَكُم مِنْ القَرَابَة. ٦ - سَبَب نُزُول آيَة "الشورى" حَثّ قُرَيش عَلى مَوَدَّته ومَوَدَّة أقْرِبَائه.

стр. 464

مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: مَعنى آيَة "الأنعام" عند ابن جرير: لا أسْألُكُم على تَذْكِيرِي إيّاكُم، والْهُدَى الذي أدْعُوكُم إليه، والقُرْآن الذي جِئتُكُم بِه عِوَضًا أعْتَاضُه مِنْكُم عَليه، وأجْرًا آخُذُه مِنْكُم؛ ومَا ذلك مِنِّي إلَّا تَذْكِير لَكم، ولِكُلّ مَنْ كَان مِثْلكم، مِمَّنْ هو مُقِيم على بَاطِل - بَأس الله أنْ يَحُلّ بِكم، وسَخَطه أن يَنْزِل بِكم على شِرْكِكم به وكُفْرِكم، وإنْذَار لِجَمِيعِكم بَيْن يَدَي عَذَاب شَدِيد، لِتَذَكَّرُوا وتَنْزَجِرُوا (١). ومَعْنَى آيَة "سبأ" عِنْدَه: قُلْ يَا محمد لِقَومِك الْمُكَذَّبِين الرَّادِّين عَليك مَا أتَيْتَهم بِه مِنْ عِند رَبك: مَا أسْألُكم مِنْ جُعْل على إنْذَارِكم عَذَاب الله، وَتَخْويفِكم بِه بَأسَه، ونَصِيحَتِي لَكم في أمْري إيّاكم بِالإيمان بالله، والعَمَل بِطَاعَتِه؛ فَهو لكم لا حَاجَة لي بِه، وإنّمَا مَعْنَى الكَلام: قل لهم: إني لَم أسْألُكم على ذلك جُعْلًا فتَتَّهِمُوني، وتَظُنُّوا أني إنّمَا دَعَوتُكُم إلى اتِّبَاعِي لِمَالٍ آخُذُه مِنكم (٢). وفي آيَة (ص) قَال: يَقول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : قُلْ يَا محمد لِمُشْرِكِي قَوْمِك القَائِلين لَك: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) [ص: ٨]: مَا أسْألُكم على هذا الذِّكْر - وهو القُرْآن الذي أتَيْتُكُم بِه مِنْ عِنْد الله - أجْرًا، يَعْنِي: ثَوَابًا وجَزَاءً (٣). و (إِلَّا) في آيَة "الفرقان" بِمَعْنَى: لكن. يَقول ابن جرير: ومَا أرْسَلْنَاك يَا محمد إلى مَنْ أرْسَلْنَاك إليه إلَّا مُبَشِّرًا بِالثَّوَاب الْجَزِيل مَنْ آمَن بِك وصَدَّقَك، وآمَن بِالذِي جِئتَهم بِه مِنْ عِندي، وعَمِلُوا بِه، ونَذِيرًا لِمَنْ كَذَّبَك وكَذَّب مَا جِئتَهم بِه مِنْ عِندي، فَلم يُصَدِّقُوا بِه ولَم يَعْمَلُوا.

стр. 465

(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) يَقُول له: قُلْ لِهؤلاء الذِين أرْسَلْتُك إلَيهم: مَا أسْألُكُم يَا قَوْم عَلى مَا جِئْتُكُم بِه مِنْ عِند رَبي أجْرًا، فَتَقُولُون: إنّمَا يَطْلُب محمد أمْوَالَنا بِمَا يَدْعُونا إليه، فلا نَتَّبِعُه، كَيْمَا لا نُعْطِيه مِنْ أمْوَالِنا شَيئا. (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) يَقُول: لَكِن مَنْ شَاء مِنْكُم اتَّخَذ إلى رَبِّه (سَبِيلًا) طَرِيقًا بإنْفَاقِه مِنْ مَالِه في سَبِيلِه، وفِيمَا يُقَرِّبه إليه مِنْ الصَّدَقة والنَّفَقَة في جِهَاد عَدُوِّه، وغَير ذلك مِنْ سُبُل الْخَيْر (١). بَيْنَمَا فَصَّل ابن جرير في آية "الشورى"، فَقَال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد: قُلْ يَا محمد للذِين يُمَارُونَك في السَّاعَة مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِك: لا أسْألُكُم أيّهَا القَوْم على دِعَايَتِكُم إلى مَا أدْعُوكُم إليه مِنْ الْحَقّ الذي جِئتُكُم به، والنَّصِيحَة التي أنْصَحُكُم - ثَوَابًا وجَزاء وعِوَضًا مِنْ أمْوالِكم تُعْطُونَنِيه (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى). ثم ذَكَر ابن جرير الاخْتِلاف في مَعْنَى الْقُرْبَى، فَقَال مَا مُلخَّصه: واخْتَلف أهْل التَّأويل في مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، فَقَال بَعْضُهم: مَعْنَاه: إلَّا أن تَوَدُّونِي في قَرَابَتِي مِنْكُم، وتَصِلُوا رَحِمِي بَينِي وبَينَكُم. وقَال آخَرُون: بَلْ مَعْنَى ذلك: قُلْ لِمَنْ تَبِعَك مِنْ الْمُؤمِنِين: لا أسْألُكُم على مَا جِئتُكُم بِه أجْرًا إلَّا أن تَوَدُّوا قَرَابَتِي. وقَال آخَرُون: بَلْ مَعْنَى ذلك: قُلْ: لا أسْألُكُم أيّهَا النَّاس عَلى مَا جِئتُكُم بِه أجْرًا إلَّا أن تَوَدَّدُوا إلى الله، وتَتَقَرَّبُوا بِالعَمَل الصَّالِحِ والطَّاعَة. وأوْلَى الأقْوَال بِالصَّوَاب - عند ابن جرير - وأشْبَهِها بِظَاهِر التَّنْزِيل قَوْل مَنْ قَال: مَعْنَاه: قُلْ: لا أسْألُكُم عليه أجْرًا يَا مَعْشَر قُرَيش إلَّا أن تَوَدُّونِي في قَرَابَتِي مِنْكُم، وتَصِلُوا الرَّحِم التي بَيْنِي وبَيْنَكُم.

стр. 466

ثم عَلل هَذا الاخْتِيَار بِقَولِه: وإنّمَا قُلْتُ هذا القَوْل أوْلى بِتَأوِيل الآيَة، لِدُخُولِ (فِي) في قَولِه: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، ولَو كَان مَعْنَى ذَلك على مَا قَالَه مَنْ قَال: إلَّا أن تَوَدُّوا قَرَابَتِي، أوْ عَلى مَا قَالَه مَنْ قَال: إلَّا أن تَوَدُّوا قَرَابَتِي وتَقَرَّبُوا إلى الله؛ لم يَكُنْ لِدُخُول (فِي) في الكَلام في هَذا الْمَوْضِع وَجْه مَعْرُوف، ولَكَان التَّنْزِيل "إلَّا مَوَدَّة القُرْبَى" إن عُنِيَ به الأمْر بِمَوَدَّة قَرَابَة رَسُول الله ﷺ ، أوْ "إلَّا الْمَوَدَّة بالقُرْبَى" أوْ "والقُرْبَى" إن عُنِي بِه: إلَّا التَّوَدُّد والتَّقَرُّب. وفي دُخُول (فِي) في الكَلام أوْضَح الدَّلِيل على أنَّ مَعْنَاه: إلَّا مَوَدَّتِي في قَرَابَتِي مِنْكُم. وأن الألف واللام في (الْمَوَدَّةَ) أُدْخِلَتَا بَدَلًا مِنْ الإضَافَة، كَمَا قِيل: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: ٤١]. وقَوله: (إِلَّا) في هَذا الْمَوضِع اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. وَمعْنَى الكَلام: قُلْ: لا أسْألُكُم عَليه أجْرًا، لَكِنّي أسْألُكُم الْمَوَدَّة في القُرْبَى (١). وبيَّن ابنُ جرير مَعْنَى قَوله تَعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) [الطور: ٤٠] بِقَوله: يَقُول تَعَالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : أتَسْأل هَؤلاء الْمُشْرِكِين الذين أرْسَلْنَاك إلَيهم يَا محمد عَلى مَا تَدْعُوهُم إليه مِنْ تَوْحِيد الله وطَاعَتِه ثَوَابًا وعِوَضًا مِنْ أمْوَالِهم، فَهُمْ مِنْ ثِقَلِ مَا حَمَّلْتَهم مِنْ الغُرْم لا يَقْدِرُون على إجَابَتِك إلى مَا تَدْعُوهم إلَيه؟ (٢) وبِنَحْوه قال في تَفسِير سُورة القَلَم (٣).

стр. 467

ويَقول السمرقندي في آيَة "الأنعام" (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا): يَعني: قُلْ للمُشْرِكِين: لا أسْألُكُم عَلى الإيمَان والقُرْآن جُعْلًا (إِنْ هُوَ) يَعني: مَا هو، وهو القُرْآن (إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) يَعْنِي: مَوْعِظَة للعَالَمِين: الإنْس والْجِنّ (١). وفي آية "سبأ" يَقُول: قَال : (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُو لَكُمْ)، وذلك أنَّ النبي ﷺ أمَرَ كُفَّار مَكَّة أنْ لا يُؤذُوا قَرَابَاتِه، فَكَفُّوا عَنْ ذَلك، ونَزل: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣]، فَكَفُّوا عَنْ ذَلك. ثم سَمِعُوا بِذِكْرِ آلِهَتِهم، فَقَالُوا: ألا تَنظرون إليه؟ يَنْهَانا عن إيذَاء قَرَابَته، وسَألْنَاه أن لا يُؤذِينا في آلهَتنا فلا يَمْتَنع. فَنَزَل: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) إن شِئتُم آذُوهم، وإن شِئتُم امْتَنَعْتُم (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) فهو الْحَافِظ والنَّاصِر (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) بَأنِّي نَذِير، ومَا بِي جُنُون (٢). ومَعْنَى آيَة "ص" عنده: قُلْ يا محمد: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) يَعْنِي عَلى الذِي أتَيْتُكُم بِه مِنْ القُرْآن (مِنْ أَجْرٍ) ولكن أُعَلِّمُكُم بِغَيْر أَجْر (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) يَعْنِي: مَا أتَيْتُكُم بِه مِنْ قِبَل نَفْسِي، ومَا تَكَلّفْتُه مِنْ تِلْقَاء نَفْسِي. (إِنْ هُوَ) يَعْنِي: مَا هَذا القُرْآن (إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [ص: ٨٧] يَعْنِي: إلَّا عِظَة للجِنّ والإنْس (٣). ويَرَى أنَّ الْمَقْصُود بِالسَّبِيل في آيَة "الفرقان" هو التَّوْحِيد، حَيث يَقُول السمرقندي: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) يَعْنِي: قُلْ لِكُفَّار مَكَّة: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) يَعْنِي: عَلى القُرْآن والإيمان. (مِنْ أَجْرٍ) يَعْنِي: مِنْ جُعْل. (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) يَعْنِي: إلَّا مَنْ شَاء أن يُوَحِّد ويَتَّخِذ إلى رَبِّه بِذلك التَّوحِيد سَبِيلًا، يَعْنِي: مَرْجِعًا. ويُقَال: يَعْمَل

стр. 468

فَيَتَّخِذ عِنْد رَبِّه مَرْجِعًا صَالِحًا، فَيَدْخُل بِه الْجَنَّة، يَعْنِي: لا أُرِيد الأجْر، ولكن أُرِيد لَكُمْ هَذا الذي ذُكِر، وقَصْدِي هَذا لا أن آخُذ مِنْكُم شَيئًا (١). وقال في آيَة "الشورى": (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) يَعْنِي: قُلْ يا محمد لأهْل مَكَّة: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) على مَا جِئْتُكُم بِه أجْرًا. (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قَال مُقاتل: يَعني: إلَّا أن تَصِلُوا قَرَابَتِي، وتَكُفُّوا عَنِّي الأذَى، ثم نُسِخ (٢) بِقَولِه: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) [سبأ: ٤٧]. ويُقَال: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) يَعْنِي: إلَّا ألَّا تُؤذُونَنِي بِقَرَابَتِي مِنْكُم. قال ابن عباس: ليس حَيّ مِنْ أحْيَاء العَرَب إلَّا وللنبي ﷺ فِيه قَرَابَة (٣). وقال الْحَسَن: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) يَعْنِي: إلَّا أن تَتَوَدَّدُوا إلى الله تَعالى بِمَا يُقَرِّبُكم مِنه. وهكذا قال مُجاهد. وقال سعيد بن جبير: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُربَى) يَعْنِي: إلَّا أنْ تَصِلُوا قَرَابَة مَا بَيْنِي وبَيْنَكم (٤). وقَال في آيَة "الطور": (أَمْ تَسْأَلُهُمْ) يَعْنِي: أتَطْلُب مِنهم (أَجْرًا) بما تُعَلِّمُهم مِنْ الأحْكَام والشَّرَائع. (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) يَعْنِي: مِنْ أجْل الْمَغْرَم يَمْتَنِعُون عَنْ الإيمان. يَعْنِي: لا حُجَّة لَهم في الامْتِنَاع، لأنك لا تَسْأل مِنهم أجْرًا، فَيَثْقُل عَليهم لأجْل الأجْر (٥).

стр. 469

ويَرَى عَوْد الضَّمِير في آيَة "القلم" إلى قَوله: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) [القلم: ٣٧]، فإنه قَال: قَوله : (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) يَعْنِي: أتَسْألهم على الإيمان جُعْلًا (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) يَعْنِي: لأجْل الغُرْم يَمْتَنِعُون. وهذا يَرْجِع إلى قَوله: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) (١). واقْتَصَر السمعاني في آية "الأنعام" على قَوله: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي: تَذْكِرَه (٢) وقال في آيَة "سبأ": قَوله تَعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي: مِنْ جُعْل (فَهُوَ لَكُمْ) أي: تَرَكْتُه لكُم، والْمَعْنَى: أني مَا سَألْتُكُم مِنْ جُعْل، لا أنه سَأل وَتَرَك. وقَوله: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أي: مَا ثَوابي إلَّا عَلى الله (٣). كما اخْتَصَر القَول جِدًّا في آيَة ص، فَقَال: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: مِنْ جُعْل (٤). ومَعْنَى آيَة "الفرقان" عِنده لكن مَنْ شَاء أن يَتَّخِذ إلى رَبِّه سَبيلًا سَلَك طَرِيق الإيمان وأَخَذَ بِهِ (٥). بَينَما فَصَّل في آيَة "الشورى"، فَذَكَر أرْبَعَة أقْوَال: "أظْهَرُها وأشْهَرُها: أنَّ مَعْنَاه: لا أسْألُكم إلَّا أن تَوَدُّوني لِقَرَابَتِي مِنكم. وقيل: تَصِلُوا القَرَابة التي بَيْنِي وبَيْنَكم بِالاسْتِجَابَة لي إلى مَا أدْعُو إليه، وتَكَفُّوا عَنِّي أذَاكُم. وهذا قول ابن عباس، أوْرَدَه البخاري عنه في الصَّحِيح (٦) على لَفْظ مَعْلُوم مَقْبُول. وهو قول طاوس ومجاهد وقتادة وعَامَّة الْمُفَسِّرِين.

стр. 470

والقَول الثَّاني: مَا حُكِي عن الحسن البصري أنه قَال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) مَعْنَاه: أن يَتَوَدَّدُوا إلى الله بِمَا يُقَرِّبُكم إليه مِنْ العَمَل الصَّالِح. والقَول الثَّالث: مَا حُكِي عن الضحاك أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة بِقَولِه: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، وهَذا القَول غَير مَرْضِيّ عند أهْل الْمَعَاني، لأنَّ قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ليس باسْتِثْنَاء صَحِيح حَتى يَكُون مُخَالِفًا لِقَوله: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، بَلْ هو اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، ومَعْنَاه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، أي: مَالًا، وتَمَّ الكَلام، ومَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى): لكن صِلُوا قَرَابَتِي بالاسْتِجَابة لي، أوْ تَكُفُّوا أذَاكُم عَنِّي. وفي بَعض التَّفَاسِير: أنَّ أهْل الْجَاهِلِيَّة لِمَا عَلِمُوا جَدّ النبي ﷺ ظَنُّوا أنه يَطْلُب مَالًا، فَجَمَعُوا له شَيئًا حَسَنًا مِنْ أمْوَالِهم، وقَالُوا: نُعْطِيك هَذا المال، وكُفّ عَمَّا أنْت عَليه (١)، فأنْزَل الله الآيَة على الْمَعْنَى الذي قَدَّمْنَا. والقَول الرَّابِع: مَا رَوي في بَعض الغَرَائب مِنْ الرِّوَايات بِرواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّ مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أن تَوَدُّوا أقْرِبَائي وتُحِبُّوهم. وحَكَى بَعضُهم أنَّ النبي ﷺ سُئل عن هَذه، وعن مَعْنَى القُرْبَى، فقال: علي وفاطمة وولدهما. وهذا أغْرب الأقَاويل وأضْعَفها" (٢). ومَعْنى آيَة "الطور" عنده: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) أي: على تَبْلِيغ الرِّسَالة.

стр. 471

وقَوله: (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) أي: فَهُمْ مِنْ الْمَغْرَم الذي لَحِقَهم مُثْقَلون، يُقال: لَحِق فُلانًا دَينٌ فَادِح، أو دَيْنٌ ثَقِيل، فهو مُثْقَل (١). وبِنحو ذلك قال في تَفْسِير سُورة القَلم (٢). وأعاد الثعلبي الضَّمِير في قَوله تَعالى: (إِنْ هُوَ) [الأنعام: ٩٠] إلى النبي محمد ﷺ ، حيث قَال في تَفسير الآيَة مَا نَصّه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) جُعْلا وَرِزْقًا. (إِنْ هُوَ) مَا هو، يَعني: محمد (٣) ﷺ . (إِلَّا ذِكْرَى) عِظَة (لِلْعَالَمِينَ) (٤). وفي قَوله تعالى: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ) [سبأ: ٤٧] قال الثعلبي: على تَبْلِيغ الرِّسَالة والنَّصِيحَة (مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أي: مَا ثَوَابِي إلَّا على الله (٥). وفي آية "ص" قال: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي: على تَبْلِيغ الوَحْي، كِنَايَة عن غَيْر مَذْكُور (مِنْ أَجْرٍ). ونَقَل عن الْحُسَين بن الفضل قَوله: هذه الآيَة نَاسِخَة لِقَولِه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى). ولَم يَتَعَقّبه بِشَيء في هَذا الْمَوضِع (٦). وقال في آية "الفرقان": (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ): على تَبْلِيغ الوَحْي (مِنْ أَجْرٍ) فَيَقُولُون: إنّمَا يَطْلُب محمد أمْوَالَنا بِمَا يَدْعُونا إليه، فلا نَتَّبِعه كَي لا نُعْطِيه مِنْ أمْوَالِنا شَيئًا (إِلَّا مَنْ

стр. 472

شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا). قال أهل الْمَعَاني: هذا أمْر الاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع مَجَازُه: لكن مَنْ شَاء أن يَتَّخِذ إلى رَبِّه سَبِيلًا بِإنْفَاقِه مَالَه في سَبِيله (١). وأمَّا في آيَة "الشورى" فقد أطَال في نَقْل الأقْوَال والرِّوايات، وأكْثَرها ضَعِيف، وأوْرَد في سَبَب نُزُول الآيَة: ١ - مَا رُوي عن ابن عباس: لَمَّا قَدِم رسول الله ﷺ مِنْ (٢) الْمَدِينَة كَانَتْ تَنُوبه نَوَائب وحُقُوق ولَيْس في يَدَيه سَعَة .... (٣). ٢ - قول قتادة: اجْتَمَع الْمُشْرِكُون في مَجْمَع لهم، فَقَال بَعضهم لِبعض: أتُرَون محمدًا يَسأل على مَا يَتَعَاطَاه أجْرًا؟ فأنْزَل الله تَعالى هذه الآيَة يَحُثُّهم على مَوَدَّتِه ومَوَدَّة أقْرِبَائه. وهذا التأويل أشْبَه بِظَاهِر الآيَة والتَّنْزِيل، ومُلخَّص الأقْوال عِنده: ١ - هو القُرْبَى إلى الله تعالى. يَعْنِي: إلَّا التَّقَرُّب إلى الله تَعالى، والتَّوَدُّد إليه بِالطَّاعة والعَمَل الصَّالِح. ٢ - أنْ تَحْفَظُوني وتَوَدُّوني وتَصِلُوا رَحِمي. ٣ - مَعْنَاه: إلَّا أن تَوَدُّوا قَرَابَتِي وعِتْرَتِي، وتَحْفَظُونِي فِيهم. وذَكَر الثعلبي بَعد هذا القَول الاخْتِلاف في قَرَابَة رسول الله ﷺ الذين أَمَرَ الله تعالى بِمَوَدَّتِهم. ونَقَل عن قَوم قَولهم: هَذه الآيَة مَنْسُوخَة … وإلى هذا ذَهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل، وهذا قَول غَير قَوي ولا مَرْضِيّ، لأنَّ مَا حَكَينا مِنْ أقَاويل أهل

стр. 473

التَّأويل في هَذه الآيَة لا يَجُوز أن يَكُون واحِد منها مَنْسُوخًا، وكَفَى قُبْحًا (١) بِقَول مَنْ زَعَم إنَّ التَّقَرُّب إلى الله تعالى بِطَاعَته ومَوَدَّة نَبِيِّه وأهْل بَيْتِه مَنْسُوخ (٢). وقال في آيَة "الطور": (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) جُعْلًا على مَا جِئْتَهم بِه، ودَعَوتَهم إليه، (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ) غُرْم (مُثْقَلُونَ) مَجْهُودُون (٣). ولم يُفسِّر آَية "القلم" (٤). ولم يَتطرّق الزمخشري إلى تَفسير آيَة "الأنعام". ولآيَة "سبأ" عِنده مَعْنَيَان، وفيها جَزَاء الشَّرْط، حيث قَال: (فَهُوَ لَكُمْ) جَزَاء الشَّرْط الذي هو قَوله: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) تَقْدِيره: أيّ شَيء سَألْتُكم مِنْ أجْرٍ فَهو لَكم، كَقَوله تَعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) [فاطر: ٢] وفِيه مَعْنَيَان: أحدهما: نَفْي مَسْألة الأجْر رَأسًا، كَمَا يَقُول الرَّجُل لِصَاحِبه: إن أعْطَيْتَنِي شَيئًا فَخُذْه، وهو يَعْلَم أنه لم يُعطِه شَيئًا، ولكنه يُرِيد بِه البتّ؛ لِتَعْلِيقِه الأخْذ بِمَا لَم يَكُنْ. والثاني: أنْ يُرِيد بِالأجْر مَا أرَاد في قَوله تَعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) [الفرقان: ٥٧] وفي قَوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣]؛ لأنَّ اتِّخَاذ السَّبِيل إلى الله نَصِيبهم ومَا فيه نَفْعهم، وكَذلك الْمَوَدَّة في القَرَابة، لأنَّ القَرَابة قد انْتَظَمَتْه وإيَّاهم (٥). واقْتَصَر في تَفسير آية "ص" على قَوله: (مِنْ أَجْرٍ) الضَّمير للقُرْآن أوْ للوَحْي (٦).

стр. 474

وجَوَّز الزمخشري الوَجْهَين في الاسْتِثْنَاء في آيَة "الشورى"، إذْ يَقُول: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) يَجوز أن يَكون اسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا … ويَجُوز أن يَكون مُنْقَطِعًا. ثم أوْرَد هُنا سُؤالًا قَال فيه: فإن قُلت: هَلّا قِيل: إلَّا مَوَدَّة القُرْبَى، أوْ إلَّا الْمَوَدَّة للقُرْبى؟ (١) ومَا مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)؟ وأجَاب عنه بِقَولِه: قلت: جُعِلُوا مَكَانًا للمَوَدَّة، ومَقَرًّا لَها … ولَيْسَت (فِي) بِصِلَةٍ للمَوَدَّة كَـ (اللام)، إذا قُلْت: إلَّا الْمَوَدَّة للقُرْبَى، إنّمَا هي مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوف تَعَلّق الظَّرْف به … وتقديره: إلَّا الْمَوَدَّة ثَابِتَة في القُرْبَى ومُتَمَكِّنَة فِيها. والقُرْبى مَصْدَر كالزُّلْفَى والبُشْرَى، بِمَعْنَى: قَرَابَة، والْمُرَاد في أهْل القُرْبَى. وأطال في ذِكْر أحاديث في القُرْبى ورِوَايَات في أسْبَاب النُّزول لا يَصِحّ مِنها شَيء، وقد تَقَدَّم بَيَان حَالِها (٢). وبيَّن في آيَة "الطور" مَعْنَى الْمَغْرَم، وهو أن يَلْتَزِم الإنْسَان مَا لَيْس عَليه (٣). وبِنَحْوه قَال في آيَة سُورة القَلم (٤). وقال ابنُ عطية تَفْسِير آيَة "الأنعام": وقَوله تَعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ) الآيَة، الْمَعْنَى: قُلْ يا محمد لِهَؤلاء الكَفَرَة الْمُعَانِدِين: لا أسْألُكم على دُعَائي إيّاكُم بِالقُرْآن إلى عِبَادَة الله وتَوْحِيدِه أسْتَكْثِر بِها، وأخْتَصّ بِدُنْياها (إِنْ) القُرْآن (إِلَّا) مَوْعِظَة وذِكْرَى ودُعَاء لِجَمِيع العَالَمِين (٥).

стр. 475

ويَرى أنَّ آيَة "الفرقان" مُرْتَبِطَة بِمَا قَبْلَها، وهو قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)، فإنّه قَال فِيها: الآية تَسْلِية لِمُحَمَّد ﷺ ، أي: لا تَهْتَم بِهم، ولا تَذْهَب نَفْسُك حَسَرات حِرْصًا عَليهم، فإنّمَا أنْتَ رَسُولٌ تُبَشِّر الْمُؤمِنين بِالْجَنَّة، وتُنْذِر الكَفَرَة النَّار، ولَسْتَ بِمَطْلُوب بِإيمَانِهم أجْمَعِين، ثم أمَرَه تَعالى بأن يَحْتَجّ عَليهم مُزِيلًا لِوُجُوه التُّهَم بِقَوله: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ)، أي: لا أطْلُب مَالًا ولا نَفْعًا يَخْتَصّ بي، وقَوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ) الظَّاهر فِيه أنه اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، والْمَعنى: مَسْؤولِي ومَطْلُوبِي مَنْ شَاء أن يَهْتَدِي ويُؤمِن ويَتَّخِذ إلى رَحْمَة رَبِّه طَرِيقَ نَجَاة. قال الطبري: الْمَعْنَى: لا أسْألُكم أجْرًا إلَّا إنْفَاق الْمَال في سَبِيل الله، فهو الْمَسْؤول، وهو السَّبِيل إلى الرَّبّ. ورَجَّح أنَّ "الاسْتِثْنَاء على هَذا كالْمُتَّصِل، وكَأنه قَال: إلَّا أجْر مَنْ شَاء. والتَّأويل الأوَّل أظْهَر" (١). وأنَّ آيَة "سبأ" مَعْنَاها: "أمَرَه الله تَعالى في هَذه الآيَة بِالتَّبَرِّي مِنْ طَلَب الدُّنيا وطَلَب الأجْر على الرِّسَالة، وتَسْلِيم كُل دُنْيا إلى أرْبَابِها، والتَّوكُّل على الله في الأجْر، وجَزاء الْجِدّ والإقْرَار بِأنه شَهِيد على كل شَيء مِنْ أفْعَال البَشَر وأقْوَالهم، وغير ذلك" (٢). وقال في آية "ص": أمَرَ تَعالى نَبِيَّه أن يُخْبِرهم بِأنه ليس بِسَائل أجْر ولا مَال، وأنه ليس مِمَّنْ يَتَكَلّف مَا لَم يُجْعَل إليه، ولا يَتَحَلَّى بِغَير مَا هو فِيه. وقال الحسين بن الفضل: هَذه الآيَة نَاسِخَة لِقَوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣] (٣).

стр. 476

وذَكَر اخْتِلاف النَّاس في مَعْنَى آيَة "الشورى"، فنَقَل عن ابن عباس وغيره: هي آيَة مَكِّيَّة، نَزَلَتْ في صَدْر الإسْلام، ومَعْنَاها اسْتِكْفَاف شَرّ الكُفَّار، ودَفْع أذَاهم، أي: مَا أسْألُكم على القُرْآن والدِّين والدُّعَاء إلى الله إلَّا أن تَوَدَّوني لِقَرابَةٍ هي بَيْنِي وبَيْنَكُم، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذَاكُم. قال: فالآيَة على هَذا هي اسْتِعْطَاف مَا، ودَفْع أذًى، وطَلَب سَلامَة مِنهم، وذلك كُلّه مَنْسُوخ بِآيَة السَّيْف. ويُحْتَمل على هذا التَّأوِيل أن يَكُون مَعْنَى الكَلام اسْتِدْعَاء نَصْرِهم، أي: لا أسْألُكم غَرَامَة ولا شَيئًا إلَّا أن تَوَدّوني لِقَرَابتي مِنكم، وأن تَكُونُوا أَوْلَى بي مِنْ غَيركم. وقال مجاهد: الْمَعْنَى: إلَّا أن تَصِلُوا رَحِمِي بِاتِّبَاعِي. ونَقَل عن ابن عباس أَيضًا ما يَقْتَضِي أنّهَا مَدَنِية، وَسَبَبَها أنَّ قَومًا مِنْ شَبَاب الأنْصَار فَاخَرُوا الْمُهَاجِرِين، ومَالُوا بِالقَول على قُرَيش، فَنَزَلَتْ الآيَة في ذلك، على مَعْنَى: إلَّا أن تَوَدُّوني فَتُرَاعُونني في قَرَابَتِي، وتَحْفَظُونَني فِيهم. ثم رَجَّح أنّ قُرَيْشًا كُلّها قُرْبى، وإن كَانتْ تَتَفَاضَل. كما ذَكَرَ مَا حَكاه النقاش عن ابن عباس ومُقاتل والكلبي والسدي أنَّ الآيَة مَنْسُوخة بِقَوله تَعالى في سورة سبأ: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) [سبأ: ٤٧]. قال: والصَّوَاب أنّهَا مُحْكَمة. وعلى كُلّ قوْل فَالاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، و (إِلَّا) بِمَعْنَى (لكن) (١). ومَعْنَى آية "الطور" عند ابن عطية: أمْ تَسْألهم يا محمد على الإيمان بالله وشَرْعِه أُجْرَة يُثْقِلُهم غُرْمُها، فَهُمْ لِذلك يَكْرَهُون الدُّخول فِيما يُوجِب غَرَامَتهم؟ (٢) ويَرى أنَّ (أَمْ) التي في سورة القلم "تَتَضَمَّن الإضْرَاب عن الكَلام الأوَّل لا عَلى جِهَة الرَّفْض له، لكِن على جِهَة التَّرْك والإقْبَال على سِوَاه. وهذا التَّوقِيف لِمحمد

стр. 477

صلى الله عليه وسلم، والْمُرَاد بِه تَوْبِيخ الكُفَّار؛ لأنه لَو سَألَهم أجْرًا فأثْقَلهم غُرْم ذلك لَكَان لهم بَعْض العُذْر في إعْرَاضِهم وقَرَارِهم" (١). ورَبَط الرازي آيَة "الأنعام": بِأوَّلِها، وهو قَوله تَعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) "فَالْمُرَاد بِه أنه تَعالى لَمَّا أمَرَه بالاقْتِدَاء بِهُدَى الأنْبياء ﵈ الْمُتَقَدِّمِين، وكان مِنْ جُمْلة هُدَاهم تَرْك طَلَب الأجْر في إيصَال الدِّين وإبْلاغ الشَّرِيعة - لا جَرَم اقْتَدَى بِهم في ذلك، فَقَال: (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) ولا أطْلُب مِنْكم مَالًا ولا جُعْلا" (٢). وأوْضَح الْمَعْنَى الإجْمَالِي لآيَة "سبأ" بِذِكْر وَجْه آخَر "يَلْزَم مِنه أنه نَبِيّ إذا لَم يَكُنْ مَجْنُونًا، لأنَّ مَنْ يَرْتَكِب العَنَاء الشَّدِيد لا لِغَرَض عَاجِل - إذا لَم يَكُنْ ذلك فِيه ثَوَاب أُخْرَوي - يَكُون مَجْنُونًا، فالنَّبِيّ ﵇ بِدَعْواه النُّبُوَّة يَجْعَل نَفْسَه عُرْضَة للهَلاك عَاجِلًا؛ فإنَّ كُلّ أحَد يَقْصِده ويُعَادِيه، ولا يَطْلُب أجْرًا في الدُّنيا، فهو يَفْعَلُه للآخِرَة، والكَاذِب في الآخِرَة مُعَذَّب لا مُثاب، فلو كَان كَاذِبًا لكَان مَجنونا، لكنه ليس بِمَجْنُون، فَلَيس بِكَاذِب، فهو نَبِيّ صَادِق" (٣). وبيَّن مَعنًى لَطِيفًا في آية "ص" إذ يَقُول: اعْلَم أنَّ الله تعالى خَتَم هَذه السّورة بهذه الْخَاتِمَة الشَّرِيفَة، وذلك لأنه تَعالى ذَكَر طُرُقًا كَثيرة دَالَّة على وُجُوب الاحْتِيَاط في طَلَب الدِّين، ثم قال (٤) عند الْخَتْم: هَذا الذي أدْعو النَّاس إليه يَجِب أن يُنْظَر في حَال الدَّاعِي وفي حَال الدَّعْوة، لِيَظْهَر أنه حَقّ أوْ بَاطِل؛ أمَّا الدَّاعِي - وهو أنا، فأنا لا أسْألُكُم على هذه الدَّعْوَة أجْرًا ومَالًا، ومِن الظَّاهِر أنَّ الكَذّاب لا يَنْقَطِع طَمَعُه عَنْ

стр. 478

طَلَب الْمَال ألبتة، وكان مِنْ الظاهر أنه ﷺ كان بَعيدًا عن الدُّنيا، عَدِيم الرَّغْبَة فِيها، وأمَّا كَيْفِيَّة الدَّعْوة، فقال: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (١). ونَقَل وُجُوهًا في الاسْتِثْنَاء الوَارِد في آيَة "الفرقان"، حَيث قَال: (إِلَّا مَنْ شَاءَ): ذَكَرُوا فِيه وُجُوهًا مُتَقَارِبة: أحدها: لا يَسْألُهم على الأدَاء والدُّعاء أجْرًا إلَّا أن يَشَاءُوا أن يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفَاق في الْجِهَاد وغَيره، فَيَتَّخِذُوا بِه سَبِيلًا إلى رَحْمَة رَبِّهم، ونَيْل ثَوَابه. وثَانِيها: - قال القَاضي -: مَعْنَاه: لا أسْألُكم عليه أجْرًا لِنَفْسِي، وأسْألُكم أن تَطْلُبوا الأجْر لأنْفُسِكم باتِّخَاذ السَّبِيل إلى رَبِّكم. وثَالثها: - قال صَاحِب الكَشَّاف -: مِثال قَوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ)، والْمُرَاد: إلَّا فِعْل مَنْ شَاء. ومَعْنَى اتِّخَاذهم إلى الله سَبِيلًا: تَقَرُّبُهم إليه، وطَلَبهم عِنْده الزُّلْفَى بالإيمان والطَّاعَة وقِيل: الْمُرَاد: التَّقَرُّب بِالصَّدَقَة والنَّفَقَة في سَبِيل الله (٢). ونَقَل في آيَة "الشورى" ثَلاثَة أقْوَال: الأوَّل: قَول الشعبي - وقد تقدّم -. والثَّاني: - مَا رُوي عن ابن عباس - كَانت تَعْرُوه نَوَائب وحُقُوق وليس في يَدِه سَعَة - وقد تقدّم -. والثَّالِث: قَول الحسن البصري - وقد تقدّم -. وخُلاصَة مَعنَى "القُرْبى" على القَول الأوَّل: القَرَابة، التي هي بِمَعْنَى الرَّحم، وعلى الثَّاني القَرَابَة، التي هي بِمَعْنَى الأقَارِب، وعلى الثَّالث هي فَعلى مِنْ القُرب والتَّقْرِيب (٣).

стр. 479

قال الرازي: فإن قِيل: الآيَة مُشْكِلة، ذلك لأنَّ طَلَب الأجْر على تَبْلِيغ الوَحْي لا يَجُوز. وظَاهِر هَذه الآيَة يَقْتَضِي أنه طَلَب أجْرًا على التَّبْلِيغ والرِّسَالة، وهو الْمَوَدَّة في القُرْبى. والْجَوَاب عنه: أنه لا نزَاع في أنه لا يَجُوز طَلَب الأجْر على التَّبْلِيغ والرِّسَالَة، بَقِي قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) نَقُول: الْجَوَاب عنه مِنْ وَجْهَين: الأوَّل: أنَّ هَذا مِنْ بَاب قَولِه (١): ولا عَيب فيهم غَير أنَّ سُيُوفَهم بِهَا مِنْ قِرَاع الدَّارِعِين فُلُول الْمَعْنَى: أنَا لا أطْلُب مِنْكُم إلَّا هَذا، وهَذا في الْحَقِيقَة لَيْس أجْرًا، لأنَّ حُصُول الْمَوَدَّة بَيْن الْمُسْلِمِين أمْر وَاجِب .... وإذا كان حُصُول الْمَوَدَّة بَيْن جُمْهُور الْمُسْلِمِين وَاجِبًا، فَحُصُولُها في حَقّ أشْرَف الْمُسْلِمِين وأكَابِرهم أَوْلى. وقَوله تَعَالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) تَقْدِيره: والْمَوَدَّة في القُرْبَى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَع الْحَاصِل إلى أنه لا أَجْر ألبتة. الوَجْه الثَّاني في الْجَوَاب: أنَّ هَذا اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، وتَمَّ الكَلام عِنْد قَولِه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، ثم قَال: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أي: لَكن أُذَكِّرُكم قَرَابَتِي مِنْكُم، وكَأنه في اللفظ أجْر، وليس بِأجْر (٢). وقَدَّر في آيَة "الطور" أنَّ (أَمْ) وَقَعَت في ابْتِدَاء الكَلام بِقَوله: كَأنه تَعالى يَقُول:

стр. 480

أتَهْدِيهم لِوَجْه الله، أمْ تَسْألُهم أجْرًا؟ وتُرِك الأوَّل (١) لِعَدَمِ وُقُوع الإنْكَار عَليه (٢). وفي تَفْسِير سُورة القَلَم أحَال على تَفْسِير سُورَة الطُّور (٣). ويُفسِّر ابن كثير الأجْر بالأُجْرَة، حَيث يَقُول في تَفسِير آيَة "الأنعام": (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي: لا أطْلُب مِنكم على إبْلاغِي إيّاكُم هَذا القُرْآن أجْرًا، أي: أُجْرَة، ولا أُرِيد مِنْكم شَيئًا (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) أي: يَتَذَكَّرُون به فَيَرْشُدُوا مِنْ العَمَى إلى الْهُدَى، ومِن الغَيّ إلى الرَّشاد، ومِن الكُفْر إلى الإيمان (٤). ويَقُول في تَفْسِير آية "سبأ": يَقُول تَعالى آمِرًا رَسُوله ﷺ أن يَقُول للمُشْرِكِين: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) أي: لا أُرِيد مِنكم جُعْلًا ولا عَطَاء على أدَاء رِسَالَة الله إليكم ونُصْحِي إيّاكُم وأمْرِكُم بِعِبَادَة الله. (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) أي: إنّمَا أطْلُب ثَوَاب ذَلك مِنْ عِند الله. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: عَالِم بِجَمِيع الأمُور بِمَا أنَا عليه مِنْ إخْبَارِي عنه بإرْسَاله إيَاي إلَيكم، ومَا أنْتُم عليه (٥). وبِنَحْوه قَال في تَفْسِير آية "ص"، فإنه قَال في تَفْسِيرِهَا: يَقُول تَعالى: قُلْ يا محمد لِهَؤلاء الْمُشْرِكين: مَا أسْألُكُم على هذا البَلاغ وهَذا النُّصْح أجْرًا تُعْطُونِيه مِنْ عَرَض الْحَيَاة الدُّنيا. (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) أي: ومَا أُرِيد على مَا أَرْسَلَنِي الله تَعالى بِه، ولا أبْتَغِي زِيَادَة عليه، بل مَا أُمِرْتُ بِه أدَّيْتُه لا أَزِيد عليه ولا أنْقُص منه، وإنّمَا أبْتَغِي بِذلك وَجْه الله والدَّار الآخِرَة (٦).

стр. 481

وقَرِيب مِنه مَا قَالَه في آيَة "الفرقان"، إذْ يَقُول: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: على هذا البَلاغ وهَذا الإنْذار مِنْ أُجْرَة أطْلُبُها مِنْ أمْوَالِكم، وإنّمَا أفْعَل ذلك ابْتِغَاء وَجْه الله تَعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) [التكوير: ٢٨] (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أي: طريقًا ومَسْلَكًا ومَنْهَجًا يُقْتَدَى فِيها بِمَا جِئتُ بِه (١). وأوْرَد مَا رَوَاه البخاري عن ابن عباس - في آيَة "الشورى" - وذلك بَعْد قَوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أي: قُلْ يا محمد لهؤلاء الْمُشْرِكِين مِنْ كُفَّار قُرَيش: لا أسْألُكُم عَلى هَذا البَلاغ والنُّصْح لَكم مَالًا تُعْطُونِيه، وإنّمَا أطْلُب مِنْكُم أن تَكُفُّوا شَرَّكُم عَنِّي، وتَذَرُونِي أُبَلِّغ رِسَالات رَبِّي؛ إن لم تَنْصُرُونِي فَلا تُؤذُونِي. وقَوْل ثَان - أوْرَدَه ابنُ كثير - وهو: كَأنه يَقُول: إلَّا الْمَوَدَّة في القُرْبَى، أي: إلَّا أن تَعْمَلُوا بِالطَّاعَة التي تُقَرِّبكم عِنْد الله زُلْفَى. وقَوْل ثَالِث - وهو مَا حَكاه البخاري وغيره رِواية عن سعيد بن جبير - مَا مَعْنَاه أنه قال: مَعْنَى ذلك أن تَوَدُّوني في قَرَابَتِي، أي: تُحْسِنُوا إلَيهم وتَبَرُّوهم. ورَجَّح ابن كثير مَا قاله ابن عباس في تَفْسِير الآيَة، حيث قَال ابن كثير: والْحَقّ تَفْسِير هَذِه الآيَة بِمَا فَسَّرَها بِه حَبْر الأُمَّة وتَرْجُمَان القُرْآن عبد الله بن عباس ﵄ كَمَا رَوَاه عنه البُخَاري ولا نُنْكِر الوُصَاة بأهْل البَيْت والأمْر بالإحْسَان إلَيهم واحْتِرَامهم وإكْرَامهم فَإنّهُم مِنْ ذُرِّيَّة طَاهِرَة مِنْ أشْرَف بَيْت وُجِد عَلى وَجْه الأرْض فَخْرًا وحَسبًا ونَسَبًا، ولا سِيَّمَا إذا كَانُوا مُتَّبِعِين للسُّنَّة النَّبَوِيَّة الصَّحِيحَة الوَاضِحَة الْجَلِيَّة، كَمَا كَان عليه سَلْفهم كَالعباس وبَنِيه وعَلِيّ وأهْل بَيْته وذُرِّيَّته ﵃ أجْمَعِين.

стр. 482

ثم أوْرَد في تَفْسِير الآيَة أحَادِيث؛ مِنها مَا صَحّ، ومِنها غير ذلك، وقد نَبَّه على بَعْضها، ومِمَّا أوْرَده في تَفْسِير الآيَة قَوله ﵊: إني تَارِك فِيكُمْ الثَّقَلِين: كِتَاب الله وعِتْرَتِي، وإنّهُمَا لَم يَفْتَرِقَا حَتى يَرِدا عَليَّ الْحَوْض (١). ومَا رَوَاه البخاري (٢) مِنْ قَوْل أبي بَكر الصِّدِّيق لِعليّ ﵄: والله لَقَرَابَة رَسول الله ﷺ أحَبّ إليّ أن أَصِل مِنْ قَرَابَتِي. وقَول عمر بن الخطاب للعبَّاس رضي الله تعالى عنهما: والله لإسْلامك يَوْم أسْلَمْتَ كان أحَبّ إليّ مِنْ إسْلام الْخَطَّاب لَو أسْلَم؛ لأنَّ إسْلامك كَان أحَبّ إلى رسول الله ﷺ مِنْ إسْلام الْخَطَّاب. ثم قَال ابن كثير: فَحَالُ الشَّيْخَين ﵄ هو الوَاجِب على كُلّ أحَد أن يَكُون كَذلك، ولهذا كَانا أفْضَل الْمُؤمِنِين بَعْد النَّبِيِّين والْمُرْسَلِين ﵄، وعن سَائر الصَّحَابَة أجْمَعِين (٣). وبَيَّن أنَّ مَعْنَى آيَة "الطور" (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) أي: "أُجْرَة على إبْلاغِك إيَّاهُم رِسَالَة الله؟ أي: لَسْتَ تَسْألهم عَلى ذَلك شَيئًا" (٤). ومَعْنَى آيَة سُورة القلم "أنك يا محمد تَدْعُوهم إلى الله بِلا أجْر تَأخُذُه مِنهم، بل تَرْجو ثَوَاب ذَلك عِنْد الله تَعالى، وهم يُكَذِّبُون بِمَا جِئْتَهم بِه بِمُجَرَّد الْجَهل والكُفْر والعِنَاد" (٥).

стр. 483

رأي الباحث: لم يَسْأل النبي ﷺ أحَدًا أجْرًا عَلى دَعْوتِه، وإنما سَألَهم صِلَة مَا بَيْنَه وبَيْنَهم مِنْ القَرَابَة. والاسْتِثْنَاء في آيَة "الفرقان": (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ومِثْله مَا في آيَة "الشورى": (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، فهو اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ليس مِنْ مَعْنَى الْمُسْتَثْنَى مِنْه. ويُمَثِّل لَه أهْل اللغَة بِقَولِهم: "جَاء القَوم إلَّا حِمَارًا" (١)، ويُؤكِّد كَون الاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا - خَاصة في آيَة "الشورى" - انْتِصَاب مَا بَعْده، وهو (الْمَوَدَّةَ). قال ابن مالك: ومَا اسْتَثْنَت "إلَّا" مَع تَمَام يَنْتَصِب وبَعْد نَفْي أوْ كَنَفْي انْتُخِب إتْبَاع مَا اتَّصَل، وانْصِب مَا انْقَطَع وعَن تَمِيم فِيه إبْدَالٌ وَقَع قال ابن عقيل: فإن وَقَع (٢) بَعد تَمَام الكَلام الذِي لَيس بِمُوجَب - وهو الْمُشْتَمِل على النَّفْي، أوْ شِبْهِه، والْمُرَاد بِشِبْه النَّفْي: النَّهْي، والاسْتِفْهَام - فَإمَّا أن يَكون الاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا، أوْ مُنْقَطِعًا، والْمُرَاد بِالْمُتَّصِل: أن يَكون الْمُسْتَثْنَى بَعْضًا مِمَّا قَبْلَه، وبِالْمُنْقَطِع، ألَّا يَكُون بَعْضًا مِمَّا قَبْلَه (٣). وأمَّا وَصِيَّتُه ﷺ بِعِتْرَتِه - وهم أهْل بَيْته - فهذا لم يَكن بِمَكَّة، وإنما كانت خُطْبَته ﷺ بِمَاء يُقَال له "خُمّ" وهو بَيْن مَكَّة والْمَدِينَة (٤)، وكان هذا في آخِر حَياته ﷺ ، فقد جَاء في بَعض الرِّوَايات أنَّ ذلك في

стр. 484

مُنصَرَفه ﷺ مِنْ حَجَّة الوَدَاع (١). ومَعْنَى الْحَدِيث: الوَصِيَّة بِقَرَابَةِ رَسُول الله ﷺ . قال القُرْطبي: هَذِه الوَصِيَّة، وهَذا التَّأكِيد العَظِيم يَقْتَضِي وُجُوب احْتِرَام آل النبي ﷺ وأهْلِ بيته، وإبْرَارِهم وتَوْقِيرِهم ومَحَبَّتِهم وُجُوب الفَرُوض الْمُؤكَّدَة التي لا عُذْر لأحَدٍ في التَّخَلُّف عنها، هذا مَع مَا عُلِمَ مِنْ خُصُوصِيَّتِهم بِالنبي ﷺ وبِأنّهُم جُزْء مِنه؛ فإنَّهُم أُصُولَه التي نَشَأ عنها، وفُرُوعَه التي تَنشَأ عَنه (٢). وهذا الحديث مما زاد فيه أهل البدع والزندقة! قال القرطبي: وهو الذي أكْثَرَت الشِّيعة وأهْل الأهْواء فِيه مِنْ الكَذِب على رَسُول الله ﷺ في اسْتِخْلافه عَليًّا، ووَصِيته إياه، ولم يَصِحّ مِنْ ذلك كُلّه شيء إلَّا هَذا الْحَدِيث (٣). المثال الخامس: خُلُود الكُفَّار في النَّار: قَوله تَعالى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٢٨]، وقَوله تَعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) [هود: ١٠٦، ١٠٧]، مع قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [النساء: ١٦٨، ١٦٩)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [الأحزاب: ٦٤، ٦٥] وقَوله تَعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [الجن: ٢٣].

стр. 485

صورة التعارض: في الآيَتَين الأُولَيَين جَاء تَقْيِيد خُلُود الكَافِرِين في النَّار بِالْمَشِيئة، بَيْنَما جَاء في الآيَات الأُخَر إطْلاق التَّأبِيد على الْخُلُود. وبِعِبَارَة أُخْرَى: "قَوله تَعالى: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) هَذه الآيَة الكَرِيمة يُفْهَم مِنها كَوْن عَذَاب أهْل النَّار غَير بَاقٍ بَقَاء لا انْقِطَاع له أبَدًا، ونَظِيرُها قَوله تَعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) وقَوله تَعالى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)، وقد جَاءت آيَات تَدُلّ على أنَّ عَذَابَهم لا انْقِطَاع لَه كَقَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) " (١). جمع القرطبي: قال القرطبي في آية "الأنعام": (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي: مَوْضِع إقَامَتِكُم. والْمَثْوَى الْمُقَام. (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) اسْتِثْنَاء لَيس مِنْ الأوَّل. قال الزجاج: يَرْجِع إلى يَوم القِيَامَة، أي: خَالِدِين في النَّار إلَّا مَا شَاء الله مِنْ مِقْدَار حَشْرِهم مِنْ قُبُورِهم، ومِقْدَار مُدَّتِهم في الْحِسَاب. فَالاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. وقيل: يَرْجِع الاسْتِثْنَاء إلى النَّار، أي: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ تَعْذِيبكم بِغَير النَّار في بَعْض الأوْقَات. وقال ابن عباس: الاسْتِثْنَاء لأهْل الإيمَان. فـ (مَا) على هَذا بِمَعْنَى مِنْ. وعَنه أيضًا أنه قَال: هَذه الآيَة تُوجِب الوَقْف في جَمِيع الكُفَّار. ومَعْنَى ذَلك أنّهَا تُوجِب الوَقْف فِيمن لم يَمُت، إذ قد يُسْلِم.

стр. 486

وقِيل: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ كَوْنِهم في الدُّنيا بِغَير عَذَاب. ومَعْنَى هَذه الآيَة مَعْنَى الآيَة التي في "هود"، قَوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، وهُنَاك يَأتي مُسْتَوفًى - إن شَاء الله - (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ) أي: في عُقُوبَتهم وفي جَمِيع أفْعَاله (عَلِيمٌ) بِمِقْدَار مُجَازَاتِهم (١). وأمَّا مَا أحَال عليه في تَفْسِير سُورة هُود، فهو قَوله: قَوله تَعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ). (مَا دَامَتِ) في مَوْضِع نَصْب على الظَّرْف، أي: دَوَامِ السَّمَاوَات والأرْض، والتَّقْدِير: وَقْت ذَلك، واخْتُلِف في تَأويل هَذا، فَقَالتْ طَائفَة مِنْهم الضَّحَّاك: الْمَعْنَى: مَا دَامَتْ سَمَاوَات الْجَنَّة والنَّار وأرْضهما. والسَّمَاء كُلّ مَا عَلاك فأظَلَّك، والأرْض مَا اسْتَقَرّ عليه قَدَمُك. وفي التَّنْزِيل: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) [الزمر: ٧٤]. وقِيل: أرَادَ بِه السَّمَاء والأرْض الْمَعْهُودَتَيْن في الدُّنيا، وأجْرَى ذلك على عَادة العَرَب في الإخْبَار عن دَوَام الشَّيء وتَأبِيدِه، كَقَولِهم: لا آتِيك مَا جَنّ لَيل، أوْ سَال سَيل، ومَا اخْتَلَف الليل والنَّهَار، ومَا نَاح الْحَمام، ومَا دَامَت السَّمَاوات والأرْض، ونَحو هَذا مِمَّا يُرِيدُون به طُولًا مِنْ غَير نِهَايَة؛ فَأفْهَمَهم الله تَخْلِيد الكَفَرة بِذلك، وإن كان قد أخْبَر بِزَوَال السَّمَاوَات والأرْض. وعن ابن عباس أنَّ جَمِيع الأشْيَاء الْمَخْلُوقَة أصْلُها مِنْ نُور العَرْش، وأنَّ السَّمَاوَات والأرْض في الآخِرَة تُرَدَّان إلى النُّور الذي أُخِذَتا مِنه، فَهُمَا دَائمَتَان أبدًا في نُور العَرْش. وبَيَّن القرطبي أنَّ الاستِثْنَاء مُنْقَطِع، فَقَال: قَوله تَعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) في مَوْضِع نَصْب، لأنه استِثْنَاء لَيس مِنْ الأوَّل. ثم سَاق الْخِلاف في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء مِنْ عَشَرَة أوْجُه، فَقَال:

стр. 487

وقد اخْتُلِف فِيه (١) على أقْوَال عَشَرَة: الأولى: أنّه اسْتِثْنَاء مِنْ قَوله: (فَفِي النَّارِ)، كَأنه قَال: إِلَّا مَا شَاء رَبُّك مِنْ تَأخِير قَوْم عن ذَلك … وعن أبي نضرة عن رسول الله ﷺ : إلَّا مَنْ شَاء ألَّا يُدْخِلهم وإنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَة (٢). الثَّاني: أنَّ الاسْتِثْنَاء إنّمَا هو للعُصَاة مِنْ الْمُؤمِنِين في إخْرَاجِهم بَعد مُدَّة مِنْ النَّار. وعلى هَذا يَكُون قَوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) عَامًّا في الكَفَرَة والعُصَاة، ويَكُون الاسْتِثْنَاء مِنْ (خَالِدِينَ) … وفي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أنس بن مالك قَال: قَال رسول الله ﷺ : يَدْخُل نَاس جَهَنَّم حَتى إذا صَارُوا كَالْحُمَمَة (٣) أُخْرِجُوا مِنها وَدَخَلُوا الْجَنَّة، فَيُقَال: هَؤلاء الْجَهَنَّمِيُّون (٤). الثَّالِث: أنَّ الاسْتِثْنَاء مِنْ الزَّفِير والشَّهِيق، أي: لَهم فِيها زَفِير وشَهِيق إلَّا مَا شَاء رَبُّك مِنْ أنْوَاع العَذَاب الذي لم يَذْكُرُه. الرَّابِع: قَال ابن مسعود: خَالِدِين فِيها مَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض لا يَمُوتُون فيها، ولا يَخْرُجُون مِنها إلَّا مَا شَاء رَبُّك، وهو أن يَأمُر النَّار فَتَأكُلهم وتُفْنِيهم ثم يُجَدِّد خَلْقَهم. قلت: وهَذا القَول خَاص بِالكَافِر، والاسْتِثْنَاء لَه في الأكْل وتَجْدِيد الْخَلْق. الْخَامِس: أنَّ (إِلَّا) بِمَعْنَى سِوَى … قِيل: فَالْمَعْنَى: مَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض سِوى مَا شاء رَبُّك مِنْ الْخُلُود. السَّادس: أنَّه اسْتِثْنَاء مِنْ الإخْراج وهو لا يُرِيد أن يُخْرِجَهم مِنها .... فَالْمَعْنَى: أنَّه لَو شَاء أن يُخْرِجَهم لأخْرَجَهم، ولَكِنَّه قد أعْلَمَهم أنَّهم خَالِدُون فِيها.

стр. 488

وقد قِيل: إنَّ (إِلَّا) بِمَعْنَى الوَاو، قاله الفراء، وبعض أهل النظر، وهو: الثَّامن: والْمَعْنَى: ومَا شَاء رَبُّك مِنْ الزِّيَادَة في الْخُلُود على مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض في الدُّنْيا. وقد قِيل في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) [البقرة: ١٥٠] أي: ولا الذِين ظَلَمُوا. وقال الشاعر: وكلُّ أخٍ مُفَارِقُه أخُوه لَعَمْر أبِيك إلَّا الفَرْقَدَان (١) أي: والفَرْقَدان (٢) وقال أبو محمد مَكِيّ: وهذا قَول بَعِيد عِند البَصْرِيِّين أنْ تَكُون "إلَّا" بِمَعْنَى الوَاو وقِيل: مَعْنَاه: كَمَا شَاء رَبُّك، كَقَولِه تَعَالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) [النساء: ٢٢]، أي: كَما قَدْ سَلَف - وهو: التَّاسِع، العَاشِر: وهو أنَّ قَوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) إنّمَا ذَلك على طَرِيق الاسْتِثْنَاء الذي نَدَب الشَّرْع إلى اسْتِعْمَالِه في كُلّ كَلام، فهو عَلى حَدّ قَوله تَعالى:

стр. 489

(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [الفتح: ٢٧]، فهو اسْتِثْنَاء في واجِب، وهَذا الاسْتِثْنَاء في حُكْم الشَّرْط كَذلك، كَأنه قَال: إنْ شَاء رَبُّك. فَلَيْس يُوصَف (١) بِمُتَّصِل ولا مُنْقَطِع، ويُؤيِّدُه ويُقَوِّيه قَوله تَعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٨]. ونَحوه عن أبي عبيد، قال: تَقَدَّمَتْ عَزِيمة الْمَشيْئة مِنْ الله تَعَالى في خُلُود الفَرِيقَيْن في الدَّارَين، فَوَقَع لَفْظ الاسْتِثْنَاء، والعَزِيمة قد تَقَدّمَتْ في الْخُلُود. وقول حَادِي عشر: وهو أنَّ الأشْقِيَاء هُمْ السُّعَداء! والسُّعَدَاء هم الأشْقِيَاء لا غيرهم، والاسْتِثْنَاء في الْمَوْضِعَيْن رَاجِع إلَيهم، وبَيَانُه: أنَّ (مَا) بِمَعْنَى "مَنْ" اسْتَثْنَى اللهُ مِنْ الدَّاخِلِين في النَّار الْمُخَلَّدِين فِيها الذِين يُخْرَجُون مِنها مِنْ أمَّة محمد ﷺ بما مَعَهم مِنْ الإيمان، واسْتَثْنَى مِنْ الدَّاخِلِين في الْجَنَّة الْمُخَلَّدِين فِيها، الذين يَدخلون النار بِذُنُوبهم قَبْل دُخُول الْجَنَّة، ثم يُخْرَجُون مِنها إلى الْجَنَّة، وهُم الذين وَقَع عليهم الاسْتِثْنَاء الثَّاني، كَأنه قَال تَعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ألَّا يُخَلِّده فِيها، وهم الْخَارِجُون مِنْها مِنْ أمَّة محمد ﷺ بِإيمانِهم وبِشَفَاعَة محمد ﷺ ، فَهم بِدُخُولِهم النَّار يُسَمُّون الأشْقِيَاء، وبِدُخُولِهم الْجَنَّة يُسَمُّون السُّعَدَاء، كما رَوى الضحاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سُعِدُوا شَقُوا بِدُخُول النَّار ثم سُعِدُوا بالْخُرُوج مِنها ودُخُولِهم الْجَنَّة (٢). وأمَّا في آيَة "النساء" فَاقْتَصَر القُرْطبي عَلى قَوله: قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا) يَعْنِي اليَهُود، أي: ظَلَمُوا مُحمدًا بِكِتْمَان نَعْتِه، وأنْفُسَهم (٣) إذْ كَفَرُوا، والنَّاس إذْ كَتَمُوهُم. (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) هَذا فِيمَن يَمُوت عَلى كُفْرِه ولَم يَتُب (٤).

стр. 490

ولم يَتَطَرَّق إلى شَيء مِنْ ذَلك في آيَة "الأحزاب". أمَّا في آيَة "الْجِنّ" فأوْرَدَ قَوْلَين في مَعْنَى العِصْيَان: الأوَّل: أنه الشِّرْك. والثَّاني: أنه عُمُوم الْمَعَاصِي غَيْر الشِّرْك. "ويَكُون مَعْنَى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) إلَّا أنْ أعْفُو، أو تَلْحَقهم شَفَاعَة، ولا مَحَالَة إذا خَرَجُوا مِنْ الدُّنيا على الإيمان يَلْحَقُهم العَفْو" (١). ملخص جواب القرطبي: ١ - الاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع في آيَة "الأنعام"، والْمَعْنَى: خَالِدِين في النَّار إلَّا مَا شَاء الله مِنْ مِقْدَار حَشْرِهم مِنْ قُبُورِهم، ومِقْدَار مُدَّتِهم في الْحِسَاب. ٢ - مَا دَامَت سَمَاوَات الْجَنَّة والنَّار وأرْضُهما، والسَّماء كل ما عَلاك فأظَلَّك، والأرْض مَا اسْتَقَرَّ عليه قَدَمُك. ٢ - الاسْتِثْنَاء مُنقَطِع في آيَة "هُود" أيضًا، وذَكَر فيه عَشَرَة أقْوال. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: كَان بَعْض مَا ذَكَره القُرطبي آنِفًا مِمَّا نَقَله عن ابن جرير، فإنَّ ابن جرير قَال في آيَة "النساء": يَعْنِي بِذَلك جَلّ ثَناؤه: إنَّ الذِين جَحَدُوا رِسَالَة محمد ﷺ فَكَذّبُوه، وكَفَرُوا بِالله بِجُحُودِ ذَلك، (وَظَلَمُوا) بِمُقَامِهم على الكُفْر على عِلْم مِنهم بِظُلْمِهم عِبَاد الله، وحَسَدًا للعَرَب، وبَغْيًا على رَسُوله محمد ﷺ . (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) يَعني: لم يَكُنْ الله لِيَعْفُو عن ذُنُوبِهم بِتَرْكِه عُقُوبَتهم عليها، ولكنه

стр. 491

يَفْضَحُهم بِها بِعُقُوبَتِه إيَّاهم عليها … (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يَقُول: مُقِيمِين فِيها أبَدًا. (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) يَقُول: وكان تَخْلِيد هَؤلاء الذِين وَصَفْتُ لكم صِفَتهم في جَهَنَّم على الله يَسِيرًا؛ لأنَّه لا يَقْدِر مَنْ أرَاد ذَلك بِه على الامْتِنَاع مِنه، ولا لَه أحَدٌ يَمْنَعه مِنه، ولا يَسْتَصْعِب عَليه مَا أرَاد فِعْلُه بِه مِنْ ذَلك، وكُلّ ذلك على الله يَسِير؛ لأنَّ الْخَلْق خَلْقُه، والأمْر أمْرُه (١). ويَرى ابن جرير أن الْخَبَر في آيَة "الأنعام" خَرَج "عَمّا هو كائن مَخْرَج الْخَبَر عَمّا كان لِتَقَدّم الكَلام قَبْله بِمَعْنَاه والْمُرَاد مِنه" (٢). وأن الاسْتِثْنَاء بِمَعْنَى: "إلَّا مَا شَاء الله مِنْ قَدْرِ مُدّة مَا بَيْن مَبْعَثِهم مِنْ قُبُورِهم إلى مَصِيرهم إلى جَهَنَّم، فَتِلْك الْمُدَّة التي اسْتَثْنَاها الله مِنْ خُلُودِهم في النَّار" (٣). وأسنَد إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُم خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) قال: إنَّ هَذه الآيَة آيَةٌ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَحْكُم على الله في خَلْقِه، لا يُنْزِلهم جَنَّة ولا نَارًا (٤). كما يَرَى أنَّ آيَة "هُود" جَرَتْ على عَادَة العَرَب، "وذلك أنَّ العَرَب إذا أرَادَت أن تَصِف الشَّيء بالدَّوَام أبَدًا قَالَتْ: هذا دَائم دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، بِمَعْنَى: أنّه دَائم أبَدا … فَخَاطَبَهم جَلّ ثَنَاؤه بِمَا يَتَعَارَفُونه بَيْنَهم، فَقَال: خَالِدِين في النَّار مَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض. والْمَعْنَى في ذلك: خَالِدِين فِيها أبَدًا" (٥).

стр. 492

ثم ذَكَر الْخِلاف في الاسْتِثْنَاء، فَقَال: واخْتَلَف أهْل العِلْم والتَّأويل في مَعْنى ذلك، فَقَال بَعْضُهم: هَذا اسْتِثْنَاء اسْتَثْنَاه الله في أهْل التَّوحِيد أنه يُخْرِجُهم مِنْ النَّار إذا شَاء بَعْد أن أدْخَلَهم النَّار. وقال آخَرُون: الاسْتِثْنَاء في هَذه الآيَة في أهْل التَّوحِيد، إلَّا أنّهم قَالوا: مَعْنى قَوله (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) إلَّا أن يَشَاء رَبُّك أن يَتَجَاوَز عنهم فَلا يُدْخِلُهم النَّار. ووَجَّهُوا الاسْتِثْنَاء إلى أنّه مِنْ قَوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) - (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) لا مِنْ الْخُلُود. وقال آخَرُون: عُنِي بِذلك أهْل النَّار، وكُلّ مَنْ دَخَلَها. وقال آخَرُون: أخْبَرَنا الله بِمَشِيئتِه لأهْل الْجَنَّة، فَعَرَّفَنا مَعْنَى ثُنْيَاه بِقَولِه: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٨] أنّهَا الزِّيَادَة على مِقْدَار مُدَّة السَّمَاوَات والأرْض. قَال: ولَم يُخْبِرنا بِمَشِيئتِه في أهْل النَّار، وجَائز أن تَكُون مَشِيئتُه في الزِّيَادَة، وجَائز أن تَكُون في النُّقْصَان. وأوْلَى هَذه الأقْوَال في تَأويل هَذه الآيَة بِالصَّوَاب - عند ابن جرير - "أنَّ ذلك اسْتِثْنَاء في أهْل التَّوحِيد مِنْ أهْل الكَبَائر أنه يُدْخِلُهم النَّار خَالِدِين فِيها أبَدًا إلَّا مَا شَاء مِنْ تَرْكِهم فِيها أقلّ مِنْ ذلك، ثم يُخْرِجُهم فَيُدْخِلهم الْجَنَّة". ثم عَلَل اخْتِيَارَه بِقَوله: وإنّما قُلْنَا ذَلك أوْلى الأقْوَال بِالصِّحَّة في ذَلك لأنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤه أوْعَد أهْل الشِّرْك بِه الْخُلُود في النَّار، وتَظَاهَرَتْ بِذلك الأخْبَار عن رسول الله ﷺ فَغَيْر جَائز أن يَكُون اسْتِثْنَاء في أهْل الشِّرْك، وأنَّ الأخْبَار قد تَوَاتَرَتْ عن رسول الله ﷺ أنَّ الله يُدْخِل قَومًا مِنْ أهْل الإيمان بِه بِذُنُوب أصَابُوها النَّار ثم يُخْرِجُهم مِنها فَيُدْخِلهم الْجَنَّة، فَغَيْر جَائز أن يَكُون ذَلك اسْتِثْنَاء أهْل التَّوحِيد قَبْل دُخُولِها مَع صِحَّة الأخْبَار عن رَسُول الله ﷺ بِمَا ذَكَرْنا (١).

стр. 493

وأكَّد على الْخُلُود الأبَدِيّ للكُفَّار في النَّار، حَيث قَال في آيَة "الأحزاب": (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يَقُول: مَاكِثِين في السَّعِير أبَدًا إلى غَيْر نِهَايَة (١). وقَال مِثل ذَلك في تَفْسِير آيَة "الجن" (٢). ومَعْنَى (خَالِدِينَ فِيهَا) عند السمرقندي: مُقِيمِين في النَّار. (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) قال الكلبي: مَشيئة الله مِنْ كُلّ شَيء. ويُقَال: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) البَرْزَخ والقِيَامَة، يَعْنِي: قَدْ شَاء لَهم الْخُلُود فِيها. ويُقَال: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ إخْرَاج مَنْ يُخْرَج مِنهَا مِنْ أهْل التَّوحِيد (٣). ومَعْنَى آيَة "النساء" عنده (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا): يَعْنِي "دَائمِين فِيها" (٤). وفي آيَة "هُود" حَكَى السمرقندي مَا حَكَاه ابن جرير في مَعْنَى دَوَام السَّمَاوَات والأرْض ممَّا تَعارَفتْ عليه العَرَب، ومَا جَاء في مَعْنَى السَّمَاوَات والأرْض، ومَعْنَى الْخُلُود، وأنَّ "مَعْنَاه أنّهُم خَالِدُون فِيها أبَدًا، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) إن شَاء أدْخَل النَّار خَالِدًا، وإن شَاء أخْرَجَه إن كَان مُوَحِّدًا وأدْخَلَه الْجَنَّة" (٥). ولم يَتَطَرَّق لِمَعْنَى الْخُلُود والتَّأبِيد في آيَة "الأحزاب". وأمَّا في آيَة "الجن" فَاقتَصَر على قَوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في التَّوحِيد ولَم يُؤمِن بِه (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مُقِيمِين في النَّار أبَدًا، يَعْنِي: دَائمًا (٦).

стр. 494

وأوْرَد السمعاني سُؤالًا عن مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام"، فَقَال: فَإن قَال قَائل: ألَيس أنَّ الكَافِرِين خَالِدُون في النَّار بِأجْمَعِهم، فَما هَذا الاسْتِثْنَاء؟ الْجَوَاب: قال الفراء هو مِثل قَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يَعْنِي مِنْ الزِّيَادة على مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض. فَهَذا هُو الْمُرَاد بِهَذِه الآيَة أيضًا. وقِيل: الاسْتِثْنَاء في العَذَاب، يَعْنِي: خَالِدِين في نَوْعٍ مِنْ العَذَاب إلَّا مَا شَاء الله مِنْ سَائر العَذَاب. وقِيل: هو اسْتِثْنَاء مُدَّة البَعْث والْحِسَاب لا يُعَذَّبُون في وَقْت البَعْث والْحِسَاب (١). واسْتَدَلّ على مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "هُود" بِمَا جَاء في السُّنَّة، فَقَال: وقَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) أمَّا بِالْمَعْنَى الْمَأثُور؛ رَوَى الضحاك عن ابن عباس أنَّ الآيَة نَزَلَتْ في قَوْم مِنْ الْمُؤمِنِين يُدْخِلُهم الله تَعالى النَّار، ثم يُخْرِجُهم مِنها إلى الْجَنَّة، ويُسَمَّون الْجَهَنَّمِيِّين (٢) وقد ثَبَت بِرِوَاية جَابِر (٣) أنَّ النبي ﷺ قَال: يُخْرِج الله قَوْمًا مِنْ النَّار قد صَارُوا حُمَمًا فيُدْخِلهم الْجَنَّة. وفي البَاب أخْبَار كَثِيرَة. فَعَلى هَذا القَوْل: مَعْنَى الآيَة: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) هَؤلاء الذين أُدْخلُهم النَّار .... (خَالِدِينَ فِيهَا) مُقِيمِين فِيها (مَا دَامَتِ السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ) عَبَّر بِهَذا عن طُول الْمُكْث. ويَرَى أنَّ الاسْتِثْنَاء وَقَع على مَا بَعْد الإخْرَاج مِنْ النَّار بِشَفَاعَة الأنْبِيَاء والْمُؤمِنِين (٤) وأحَال في آيَة "الأحزاب" على مَا سَبَق بَيَانه.

стр. 495

ومَعْنَى آيَة "الجن" الدَّوَام في النَّار (١). ولم يَذْكُر الثعلبي في آيَة "النساء" إلَّا سَبَب النُّزُول، وأنَّهَا نَزَلتْ في نَصَارَى نَجْرَان (٢). وذَكَر ثَمَانِيَة أقْوَال في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام"، وهي: الأوَّل: قَدْر مُدَّة مَا بَيْن بَعْثِهم إلى دُخُولِهم جَهَنَّم. الثَّاني: قَول ابن عباس، هذا الاسْتِثْنَاء هو أنّه لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَحْكُم على الله في خَلْقِه، لا يولهم (٣) جَنَّة ولا نَارًا. الثَّالث: قَول الكَلبي: إلَّا مَا شَاء الله، وكَان مَا شَاء الله أبَدًا. الرَّابِع: قيل: مَعْنَاه النَّار مَثْوَاكم خَالِدِين فِيها سِوى مَا شَاء الله مِنْ أنْوَاع العَذَاب. الْخَامِس: قِيل: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ إخْرَاج أهْل التَّوْحِيد مِنْ النَّار. السَّادس: قِيل: إلَّا مَا شَاء الله أن يَزِيدَهم مِنْ العَذَاب فِيها. السَّابع: قِيل: إلَّا مَا شَاء مِنْ كَوْنِهم في الدُّنيا بِغَيْر عَذَاب. الثَّامن: قَول عَطَاء: إلَّا مَا شَاء الله من الحق في عَمَله أن يُؤمِن (٤)، فَمِنْهم مَنْ آمَن مِنْ قَبْل الفَتْح، ومِنْهم مَنْ آمَن مِنْ بَعْد الفَتْح (٥). وفي آيَة "هود" ذَكَر مَا جاء عن ابن عباس وعن الضّحاك في مَعْنَى مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، ثم ذَكَر الْخِلاف في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء، فَقَال: اخْتَلَف العُلَمَاء في هَذَين الاسْتِثْنَاءَين مِنْ أهْل الشَّقَاوَة، أوْ مِنْ أهْل السَّعَادَة؛ فَقَال بَعْضُهم: هُو في أَهل
следующие страницы →