← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يَفْضَحُهم بِها بِعُقُوبَتِه إيَّاهم عليها … (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يَقُول: مُقِيمِين فِيها أبَدًا. (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) يَقُول: وكان تَخْلِيد هَؤلاء الذِين وَصَفْتُ لكم صِفَتهم في جَهَنَّم على الله يَسِيرًا؛ لأنَّه لا يَقْدِر مَنْ أرَاد ذَلك بِه على الامْتِنَاع مِنه، ولا لَه أحَدٌ يَمْنَعه مِنه، ولا يَسْتَصْعِب عَليه مَا أرَاد فِعْلُه بِه مِنْ ذَلك، وكُلّ ذلك على الله يَسِير؛ لأنَّ الْخَلْق خَلْقُه، والأمْر أمْرُه (١). ويَرى ابن جرير أن الْخَبَر في آيَة "الأنعام" خَرَج "عَمّا هو كائن مَخْرَج الْخَبَر عَمّا كان لِتَقَدّم الكَلام قَبْله بِمَعْنَاه والْمُرَاد مِنه" (٢). وأن الاسْتِثْنَاء بِمَعْنَى: "إلَّا مَا شَاء الله مِنْ قَدْرِ مُدّة مَا بَيْن مَبْعَثِهم مِنْ قُبُورِهم إلى مَصِيرهم إلى جَهَنَّم، فَتِلْك الْمُدَّة التي اسْتَثْنَاها الله مِنْ خُلُودِهم في النَّار" (٣). وأسنَد إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُم خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) قال: إنَّ هَذه الآيَة آيَةٌ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَحْكُم على الله في خَلْقِه، لا يُنْزِلهم جَنَّة ولا نَارًا (٤). كما يَرَى أنَّ آيَة "هُود" جَرَتْ على عَادَة العَرَب، "وذلك أنَّ العَرَب إذا أرَادَت أن تَصِف الشَّيء بالدَّوَام أبَدًا قَالَتْ: هذا دَائم دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، بِمَعْنَى: أنّه دَائم أبَدا … فَخَاطَبَهم جَلّ ثَنَاؤه بِمَا يَتَعَارَفُونه بَيْنَهم، فَقَال: خَالِدِين في النَّار مَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض. والْمَعْنَى في ذلك: خَالِدِين فِيها أبَدًا" (٥).

стр. 492

ثم ذَكَر الْخِلاف في الاسْتِثْنَاء، فَقَال: واخْتَلَف أهْل العِلْم والتَّأويل في مَعْنى ذلك، فَقَال بَعْضُهم: هَذا اسْتِثْنَاء اسْتَثْنَاه الله في أهْل التَّوحِيد أنه يُخْرِجُهم مِنْ النَّار إذا شَاء بَعْد أن أدْخَلَهم النَّار. وقال آخَرُون: الاسْتِثْنَاء في هَذه الآيَة في أهْل التَّوحِيد، إلَّا أنّهم قَالوا: مَعْنى قَوله (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) إلَّا أن يَشَاء رَبُّك أن يَتَجَاوَز عنهم فَلا يُدْخِلُهم النَّار. ووَجَّهُوا الاسْتِثْنَاء إلى أنّه مِنْ قَوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) - (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) لا مِنْ الْخُلُود. وقال آخَرُون: عُنِي بِذلك أهْل النَّار، وكُلّ مَنْ دَخَلَها. وقال آخَرُون: أخْبَرَنا الله بِمَشِيئتِه لأهْل الْجَنَّة، فَعَرَّفَنا مَعْنَى ثُنْيَاه بِقَولِه: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٨] أنّهَا الزِّيَادَة على مِقْدَار مُدَّة السَّمَاوَات والأرْض. قَال: ولَم يُخْبِرنا بِمَشِيئتِه في أهْل النَّار، وجَائز أن تَكُون مَشِيئتُه في الزِّيَادَة، وجَائز أن تَكُون في النُّقْصَان. وأوْلَى هَذه الأقْوَال في تَأويل هَذه الآيَة بِالصَّوَاب - عند ابن جرير - "أنَّ ذلك اسْتِثْنَاء في أهْل التَّوحِيد مِنْ أهْل الكَبَائر أنه يُدْخِلُهم النَّار خَالِدِين فِيها أبَدًا إلَّا مَا شَاء مِنْ تَرْكِهم فِيها أقلّ مِنْ ذلك، ثم يُخْرِجُهم فَيُدْخِلهم الْجَنَّة". ثم عَلَل اخْتِيَارَه بِقَوله: وإنّما قُلْنَا ذَلك أوْلى الأقْوَال بِالصِّحَّة في ذَلك لأنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤه أوْعَد أهْل الشِّرْك بِه الْخُلُود في النَّار، وتَظَاهَرَتْ بِذلك الأخْبَار عن رسول الله ﷺ فَغَيْر جَائز أن يَكُون اسْتِثْنَاء في أهْل الشِّرْك، وأنَّ الأخْبَار قد تَوَاتَرَتْ عن رسول الله ﷺ أنَّ الله يُدْخِل قَومًا مِنْ أهْل الإيمان بِه بِذُنُوب أصَابُوها النَّار ثم يُخْرِجُهم مِنها فَيُدْخِلهم الْجَنَّة، فَغَيْر جَائز أن يَكُون ذَلك اسْتِثْنَاء أهْل التَّوحِيد قَبْل دُخُولِها مَع صِحَّة الأخْبَار عن رَسُول الله ﷺ بِمَا ذَكَرْنا (١).

стр. 493

وأكَّد على الْخُلُود الأبَدِيّ للكُفَّار في النَّار، حَيث قَال في آيَة "الأحزاب": (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يَقُول: مَاكِثِين في السَّعِير أبَدًا إلى غَيْر نِهَايَة (١). وقَال مِثل ذَلك في تَفْسِير آيَة "الجن" (٢). ومَعْنَى (خَالِدِينَ فِيهَا) عند السمرقندي: مُقِيمِين في النَّار. (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) قال الكلبي: مَشيئة الله مِنْ كُلّ شَيء. ويُقَال: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) البَرْزَخ والقِيَامَة، يَعْنِي: قَدْ شَاء لَهم الْخُلُود فِيها. ويُقَال: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ إخْرَاج مَنْ يُخْرَج مِنهَا مِنْ أهْل التَّوحِيد (٣). ومَعْنَى آيَة "النساء" عنده (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا): يَعْنِي "دَائمِين فِيها" (٤). وفي آيَة "هُود" حَكَى السمرقندي مَا حَكَاه ابن جرير في مَعْنَى دَوَام السَّمَاوَات والأرْض ممَّا تَعارَفتْ عليه العَرَب، ومَا جَاء في مَعْنَى السَّمَاوَات والأرْض، ومَعْنَى الْخُلُود، وأنَّ "مَعْنَاه أنّهُم خَالِدُون فِيها أبَدًا، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) إن شَاء أدْخَل النَّار خَالِدًا، وإن شَاء أخْرَجَه إن كَان مُوَحِّدًا وأدْخَلَه الْجَنَّة" (٥). ولم يَتَطَرَّق لِمَعْنَى الْخُلُود والتَّأبِيد في آيَة "الأحزاب". وأمَّا في آيَة "الجن" فَاقتَصَر على قَوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في التَّوحِيد ولَم يُؤمِن بِه (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مُقِيمِين في النَّار أبَدًا، يَعْنِي: دَائمًا (٦).

стр. 494

وأوْرَد السمعاني سُؤالًا عن مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام"، فَقَال: فَإن قَال قَائل: ألَيس أنَّ الكَافِرِين خَالِدُون في النَّار بِأجْمَعِهم، فَما هَذا الاسْتِثْنَاء؟ الْجَوَاب: قال الفراء هو مِثل قَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يَعْنِي مِنْ الزِّيَادة على مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض. فَهَذا هُو الْمُرَاد بِهَذِه الآيَة أيضًا. وقِيل: الاسْتِثْنَاء في العَذَاب، يَعْنِي: خَالِدِين في نَوْعٍ مِنْ العَذَاب إلَّا مَا شَاء الله مِنْ سَائر العَذَاب. وقِيل: هو اسْتِثْنَاء مُدَّة البَعْث والْحِسَاب لا يُعَذَّبُون في وَقْت البَعْث والْحِسَاب (١). واسْتَدَلّ على مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "هُود" بِمَا جَاء في السُّنَّة، فَقَال: وقَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) أمَّا بِالْمَعْنَى الْمَأثُور؛ رَوَى الضحاك عن ابن عباس أنَّ الآيَة نَزَلَتْ في قَوْم مِنْ الْمُؤمِنِين يُدْخِلُهم الله تَعالى النَّار، ثم يُخْرِجُهم مِنها إلى الْجَنَّة، ويُسَمَّون الْجَهَنَّمِيِّين (٢) وقد ثَبَت بِرِوَاية جَابِر (٣) أنَّ النبي ﷺ قَال: يُخْرِج الله قَوْمًا مِنْ النَّار قد صَارُوا حُمَمًا فيُدْخِلهم الْجَنَّة. وفي البَاب أخْبَار كَثِيرَة. فَعَلى هَذا القَوْل: مَعْنَى الآيَة: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) هَؤلاء الذين أُدْخلُهم النَّار .... (خَالِدِينَ فِيهَا) مُقِيمِين فِيها (مَا دَامَتِ السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ) عَبَّر بِهَذا عن طُول الْمُكْث. ويَرَى أنَّ الاسْتِثْنَاء وَقَع على مَا بَعْد الإخْرَاج مِنْ النَّار بِشَفَاعَة الأنْبِيَاء والْمُؤمِنِين (٤) وأحَال في آيَة "الأحزاب" على مَا سَبَق بَيَانه.

стр. 495

ومَعْنَى آيَة "الجن" الدَّوَام في النَّار (١). ولم يَذْكُر الثعلبي في آيَة "النساء" إلَّا سَبَب النُّزُول، وأنَّهَا نَزَلتْ في نَصَارَى نَجْرَان (٢). وذَكَر ثَمَانِيَة أقْوَال في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام"، وهي: الأوَّل: قَدْر مُدَّة مَا بَيْن بَعْثِهم إلى دُخُولِهم جَهَنَّم. الثَّاني: قَول ابن عباس، هذا الاسْتِثْنَاء هو أنّه لا يَنْبَغِي لأحَدٍ أن يَحْكُم على الله في خَلْقِه، لا يولهم (٣) جَنَّة ولا نَارًا. الثَّالث: قَول الكَلبي: إلَّا مَا شَاء الله، وكَان مَا شَاء الله أبَدًا. الرَّابِع: قيل: مَعْنَاه النَّار مَثْوَاكم خَالِدِين فِيها سِوى مَا شَاء الله مِنْ أنْوَاع العَذَاب. الْخَامِس: قِيل: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ إخْرَاج أهْل التَّوْحِيد مِنْ النَّار. السَّادس: قِيل: إلَّا مَا شَاء الله أن يَزِيدَهم مِنْ العَذَاب فِيها. السَّابع: قِيل: إلَّا مَا شَاء مِنْ كَوْنِهم في الدُّنيا بِغَيْر عَذَاب. الثَّامن: قَول عَطَاء: إلَّا مَا شَاء الله من الحق في عَمَله أن يُؤمِن (٤)، فَمِنْهم مَنْ آمَن مِنْ قَبْل الفَتْح، ومِنْهم مَنْ آمَن مِنْ بَعْد الفَتْح (٥). وفي آيَة "هود" ذَكَر مَا جاء عن ابن عباس وعن الضّحاك في مَعْنَى مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، ثم ذَكَر الْخِلاف في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء، فَقَال: اخْتَلَف العُلَمَاء في هَذَين الاسْتِثْنَاءَين مِنْ أهْل الشَّقَاوَة، أوْ مِنْ أهْل السَّعَادَة؛ فَقَال بَعْضُهم: هُو في أَهل

стр. 496

التَّوْحِيد الذِين يُخْرِجُهم الله مِنْ النَّار. قال ابن عباس: ومَا شَاء رَبُّك أن يُخْرِج أهْل التَّوحِيد مِنها. وقَال في قَوله في وَصْف السُّعَداء: إلَّا مَا شَاء رَبُّك أن يُخَلِّدَهم في الجنة. وقال قتادة في هَذه الآيَة: الله أعْلَم بِهَا، وذُكِر لَنا أنَّ مَا أقُوله: سَيُصِيبهم سَفْع مِنْ النَّار بِذُنُوب اقْتَرَفُوها ثم يُخْرِجُهم الله مِنها. وعلى هذا القَول يَكُون اسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر جِنْسِه، لأنَّ الأشْقِيَاء في الْحَقِيقَة هُمْ الكَافِرُون، والسُّعَدَاء في الْحَقِيقَة هُمْ الْمُؤمِنُون (١). ونَقَل عن ابنِ مَسعود قَوله: خَالِدِين فِيها مَا دَامَتِ السَّمَاوَات والأرْض لا يَمُوتُون فِيها ولا يُخْرَجُون مِنْها إلَّا مَا شَاء رَبُّك، وهو أن يَأمُر النَّار أن تَأكُلَهم وتُفْنِيهم، ثُمّ يُجَدِّد خَلْقَهم (٢). ونَقَل عن الزجاج قَوله: في هَذه الآيَة أرْبَعَة أقْوَال، قَوْلان مِنْها لأهْل اللغة، وقَوْلان لأهْل الْمَعَاني (٣). واكْتَفَى بِمَا أوْرَدَه فِيمَا سَبَق عن إيرَادِه في تَفْسِير آيَة "الأحزاب"، وكذلك في تَفْسِير آيَة "الجن". وأوْرَد الزمخشري قَولًا آخَر في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء الوَارِد في آيَة "الأنعام"، وهو الانْتِقَال من حَال إلى حَال، ومن عَذَاب إلى عَذَاب في النَّار، فَقَال: (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) أي: يَخْلُدُون في عَذَاب النَّار الأبَد كُلّه (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) إلَّا الأوْقَات التي يُنْقَلُون فِيها مِنْ عَذَاب النَّار إلى عَذَاب الزَّمْهَرِير، فَقَد رُوي أنّهم يَدْخُلُون وَادِيًا فِيه مِنْ الزَّمْهَرِير مَا يُمَيِّز بَعْض أوْصَالِهم مِنْ بَعْض، فَيَتَعَاوَون ويَطْلُبُون الرَّدَّ إلى الْجَحِيم .... (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ) لا يَفْعَل شَيئًا إِلَّا بِمُوجِب الْحِكْمَة. (عَلِيمٌ) بأنَّ الكُفَّار يَسْتَوْجِبُون عَذَاب الأبَد (٤).

стр. 497

وأوْرَد في تَفْسِير آية "هُود" الْمَعْنَى الْمُرَاد مِنْ دَوَام السَّمَاوَات والأرْض، ثم أوْرَد سُؤالًا قَال فِيه: فإن قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في قَولِهِ: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، وقَد ثَبَت خُلُود أهْل الْجَنَّة والنَّار في الأبَد مِنْ غَيْر اسْتِثْنَاء؟ قُلْتُ: هو اسْتِثْنَاء مِنْ الْخُلُود في عَذَاب النَّار، ومِن الْخُلُود في نَعِيم الْجَنَّة؛ وذَلك أنَّ أهْل النَّار لا يَخْلُدُون في عَذَاب النَّار وَحْدَه بَلْ يُعَذَّبُون بِالزَّمْهَرِير وبِأنْوَاع مِنْ العَذَاب سِوى عَذَاب النَّار، وبِمَا هُو أغْلَظ مِنْها كُلّها، وهو سَخَط الله عَليهم، وخَسْؤه لَهم (١)، وإهَانَته إيَّاهم، وكَذَلك أهْل الْجَنَّة لَهُمْ سِوى الْجَنَّة مَا هو أكْبَر مِنْها وأجَلّ مَوقِعًا مِنهم؛ وهو رِضْوان الله (٢). ولم يَتَطَرَّق في تَفْسِير آيَة "الأحْزَاب" إلى مَعْنَى الْخُلُود الأبَدِيّ، وكَذَلك في آيَة "الْجِنّ". ويَتَّجِه الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام" عند ابن عطية "أن يَكُون مُخَاطَبة للنبي ﷺ وأمَّتَه، ولَيس مِمَا يُقَال يَوْم القِيَامَة، والْمُسْتَثْنَى هو مَنْ كَان مِنْ الكَفَرة يَومَئذ يُؤمِن في عِلْم الله، كَأنَّه لَمَّا أخْبَرَهم أنَّه قَال للكُفَّار: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) اسْتَثْنَى لَهم مَنْ يُمْكِن أن يُؤمِن مِمَّنْ يَرَونَه يَومَئذ كَافِرًا، وتَقَع (مَا) على صِفَة مَنْ يَعْقِل، ويُؤيِّد هَذا التَّأويل اتِّصَال قَوله: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي: بِمَنْ يُمْكِن أن يُؤمِن مِنهم" (٣).

стр. 498

وأمَّا قَوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) فَقِيل فِيه: إنَّ ذلك على طَرِيق الاسْتِثْنَاء الذي نَدَب الشَّرع إلى اسْتِعْمَالِه في كُلّ كَلام. وقِيل: هو اسْتِثْنَاء مِنْ طُول الْمُدَّة، وذلك على ما رُوي مِنْ أنّ جَهنم تَخْرَب، ويُعْدم أهلها، وتُغْلَق أبوابها، فهم على هذا يَخْلُدُون حتى يَصِير أمْرهم إلى هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا قَول مُخْتَلّ، والذي رَوي ونُقِل عن ابن مسعود وغيره إنَّمَا هو الدَّرْك الأعْلى الْمُخْتَصّ بِعُصَاة المؤمنين، وهو الذي يُسَمَّى جَهَنَّم، وسَمَّى الكُلّ بِه تَجَوّزًا (١). وقِيل: إنَّمَا اسْتَثْنَى مَا يَلْطُف الله تَعالى بِه للعُصَاة مِنْ الْمُؤمِنِين في إخْرَاجِهم بَعْد مُدَّة مِنْ النَّار. وقِيل: (إِلَّا) بِمَعْنَى الوَاو، فَمَعْنَى الآية: ومَا شَاء الله زَائدًا عَلى ذَلك. وقِيل: (إِلَّا) في هَذه الآيَة بِمَعْنى سِوَى، والاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع … ويُؤيِّد هَذا التَّأويل قَوله بَعْد: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ). وقِيل: سِوَى مَا أعَدَّه لَهم مِنْ أنْوَاع العَذَاب مِمَّا لا يُعْرَف، كَالزَّمْهَرِير ونحوه.

стр. 499

وقيل: اسْتِثْنَاء مِنْ مُدَّة السَّمَاوَات، الْمُدَّة التي فَرَطَتْ لهم في الْحَيَاة الدُّنيا. وقِيل: في البَرْزَخ بَيْن الدُّنيا والآخِرَة. وقِيل: في الْمَسَافَات التي بَيْنَهم في دُخُول النَّار، إذْ دُخُولهم إنَّمَا هو زُمَرًا بَعْد زُمْر. وقِيل: الاسْتِثْنَاء مِنْ قَوله: (فَفِي النَّارِ)، كأنه قال: إلَّا مَا شَاء رَبُّك مِنْ تَأخِيرٍ عن ذلك. وهذا قول رواه أبو نَضْرة عن جَابر، أوْ عن أبي سَعيد الخدري (١). وفي تَفْسِير آيَة "الْجِنّ" اسْتَدَلّ ابنُ عَطية على كَوْنِها في حَقّ الكُفَّار بِمَا فِيها مِنْ التَّأبِيد، حَيث قَال: وقَوله تَعَالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ) يُرِيد الكُفْر، بِدَلِيل الْخُلُود الْمَذْكُور (٢). وحَكَى الرَّازي وُجُوهًا في الاسْتِثْنَاء، مِنها: الأوَّل: أنَّ الْمُرَاد مِنه اسْتِثْنَاء أوْقَات الْمُحَاسَبَة، لأنَّ في تلك الأحْوَال لَيْسُوا بِخَالِدِين في النَّار. الثَّاني: الْمُرَاد الأوْقَات التي يُنْقَلُون فِيها مِنْ عَذَاب النَّار إلى عَذَاب الزَّمْهَرِير. الثَّالث: قَول ابن عباس: اسْتَثْنَى الله تَعالى قَوْمًا سَبَق في عِلْمِه أنَّهم يُسْلِمُون ويُصَدِّقُون النبي ﷺ . الرَّابع: إلَّا مَا شَاء الله مِنْ مِقْدَار حَشْرِهم مِنْ قُبُورِهم ومِقْدَار مُدَّتهم في مُحَاسَبَتهم. الْخَامس: قَول أبي مُسلم: الاسْتِثْنَاء غَيْر رَاجِع إلى الْخُلُود، وإنَّمَا هو رَاجِع إلى الأجَل الْمُؤجَّل لَهم. فَتَلْخِيص الكَلام أن يَقُولُوا: اسْتَمْتَع بَعضُنا بِبَعض، وبَلَغْنا مَا سَمَّيْتَ لَنا مِنْ الأجْل إلَّا مَنْ شِئتَ أنْ تَخْتَرِمَه فاخْتَرَمْتَه قَبْل ذلك بِكُفْرِه وضَلالِه. واعْتَبَرَ الرَّازي هَذا القَول مُتَكَلَّفًا، حَيث قَال: واعْلَم أنَّ هَذا الوَجْه وإن كان مُحْتَمِلًا إلَّا أنَّه تُرِك لِظَاهِر تَرْتِيب ألْفَاظ هَذه الآيَة، ولَمَّا أمْكَن إجْرَاء الآيَة على ظَاهِرِها فلا حَاجَة إلى هَذا التَّكَلُّف.

стр. 500

ثم قَال: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي: فِيمَا يَفْعَله مِنْ ثَوَاب وعِقَاب، وسَائر وُجُوه الْمُجَازَاة، وكأنه تعالى يَقُول: إنما حَكَمْتُ لِهَؤلاء الكُفَّار بِعَذَابِ الأبَد لِعِلْمِي أنَّهم يَسْتَحِقُّون ذلك. والله أعلم (١). كَما ذَكَر وُجُوهًا في آيَة "هود" ورَجَّح أنَّ الْجَوَاب الْحَقَّ في هَذا البَاب شَيء آخَر، وهو أنَّ الْمَعْهُود مِنْ الآيَة أنَّه مَتَى كَانَتْ السَّمَاوَات والأرْض دَائمَتَين كَان كَوْنُهم في النَّار بَاقِيا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّما حَصَل الشَّرْط حَصَل الْمَشْرُوط، ولا يَقْتَضِي أنه إذا عُدِم الشَّرْط يُعْدَم الْمَشْرُوط. وبَيَّن أنَّ هَذه الآيَة لا تَدُلّ على انْقِطَاع وَعِيد الكُفَّار. و"أمَّا حَمْل كَلِمَة (إِلَّا) على سِوى فَهو عُدُول عن الظَّاهِر، وأمَّا حَمْل الاسْتِثْنَاء على حَال عُمْر الدُّنيا والبَرْزَخ والْمَوْقِف فَبَعِيد أيضًا؛ لأنَّ الاسْتِثْنَاء وَقَع عن الْخُلُود في النَّار، ومِن الْمَعْلُوم أنَّ الْخُلُود في النَّار كَيْفِيَّة مِنْ كَيْفِيَّات الْحُصُول في النَّار، فَقَبْل الْحُصُول في النَّار امْتَنَع حُصُول الْخُلُود في النَّار، وإذا لم يَحْصُل الْخُلُود لَم يَحْصُل الْمُسْتَثْنَى مِنْه، وامْتَنَع حُصُول الاسْتِثْنَاء" (٢). ونَقَل ابن كثير مَا قَالَه ابن جرير مِمَّا اعْتَادَتْه العَرَب في خِطَابِها، مِنْ إطْلاق وَصْف الشَّيء بِالدَّوَام كَدَوَام السَّمَاوَات والأرْض. وأوْرَد احْتِمَال "أنَّ الْمُرَاد بِمَا دَامَت السَّمَاوَات والأرْض الْجِنْس؛ لأنَّه لا بُدّ في عَالَم الآخِرَة مِنْ سَمَاوَات وأرْض". ثم أشَار إلى أنَّ ابن الجوزي (٣) حَكَى كَثِيرًا مِنْ تِلك الأقْوَال في مَعْنَى الاسْتِثْنَاء، كَمَا أشَار إلى حِكَاية ابن جرير لَهَا، واخْتِيَارُه "أنَّ الاسْتِثْنَاء عَائد على العُصَاة مِنْ أهْل التَّوحِيد مِمَّنْ يُخْرِجُهم الله مِنْ النَّار بِشَفَاعَة الشَّافِعِين مِنْ الْمَلائكَة والنَّبِيِّين والْمُؤمِنِين،

стр. 501

حتى يَشْفَعُون في أصْحَاب الكَبَائر، ثم تَأتِي رَحْمَة أرْحَم الرَّاحِمِين فتُخْرِج مَنْ لَم يَعْمَل خَيْرًا قَط، وقَال يَوْمًا مِنْ الدَّهْر: لا إله إلا الله. كَمَا وَرَدَتْ بِذَلك الأخْبَار الصَّحِيحَة الْمُسْتَفِيضَة عن رَسُول الله ﷺ بِمَضْمُون ذَلك مِنْ حَدِيث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة (١)، وغَيْرِهم مِنْ الصَّحَابة، ولا يَبْقَى بَعْد ذَلك في النَّار إلَّا مَنْ وَجَب عليه الْخُلُود فيها، ولا مَحِيد لَه عَنها، وهذا الَّذي عَليه كَثِير مِنْ العُلَمَاء قَدِيمًا وحَدِيثًا في تَفْسِير هَذِه الآيَة الكَرِيمة" (٢). وكان قَدْ أشَار إلى مَعْنَى الاسْتِثْنَاء في آيَة "الأنعام"، وبَيَّن أنَّ تَقْرِير القَوْل سَيَأتي في آية "هُود". وأغْفَل مَعْنَى الْخُلُود في آيَة "النساء". واقتَصَر في آيَة "الأحْزَاب" على قَوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مَاكِثِين مُسْتَمِرِّين، فَلا خُرُوج لَهُمْ مِنها، ولا زَوال لهم عنها. (لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) أي: وَليس لَهم مُغِيث ولا مُعِين يُنْقِذُهم مِمَّا هُمْ فِيه (٣). وقال نَحْو ذَلك في تَفْسِير آيَة "الْجِنّ" (٤). وقَال الشنقيطي في الْجَمْع بَيْن الآيَات: والْجَوَاب عن هَذا مِنْ أوْجُه: أحَدُها: أنَّ قَوله تَعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) مَعْنَاه: إلَّا مَنْ شَاء الله عَدَم خُلُودِه فِيها مِنْ أهْل الكَبَائر مِنْ الْمُوَحِّدِين، وقَد ثَبَت في الأحَادِيث الصَّحِيحَة أنَّ بَعْض أهْل النَّار يُخْرَجُون مِنها، وهُم أهْل الكَبَائر مِنْ الْمُوَحِّدِين … واخْتَارَه ابن جرير، وغَاية مَا في هذا القَوْل إطْلاق مَا وَرَدَ، ونَظِيرُه في القُرْآن (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) (٥).

стр. 502

الثَّاني: أنَّ الْمُدَّة التي اسْتَثْنَاهَا الله هي الْمُدَّة التي بَيْن بَعْثِهم مِنْ قُبُورِهم واسْتِقْرَارِهم في مَصِيرهم. قَاله ابن جرير أيضًا. الوَجْه الثَّالث: أنَّ قَولَه: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فِيه إجْمَال، وقَد جَاءت الآيَات والأحَادِيث الصَّحِيحَة مُصَرِّحَة بِأنَّهم خَالِدُون فِيها أبَدًا، وظَاهِرُها أنَّه خُلُود لا انْقِطَاع لَه، والظُّهُور مِنْ الْمُرَجِّحَات، فَالظَّاهِر مُقَدَّم على الْمُجْمَل، كَمَا تَقَرَّر في الأصُول. ومِنها: أنَّ (إِلَّا) في سُورة هُود بِمَعْنَى: "سِوى مَا شَاء الله مِنْ الزِّيَادَة على مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات والأرْض". وقال بَعض العلماء: إنَّ الاسْتِثْنَاء على ظَاهِرِه، وأنه يَأتي على النَّار زَمَان ليس فِيها أحَد … قال مُقَيِّدُه - عفا الله عنه -: الذي يَظْهَر لي - والله تعالى أعْلَم - أنَّ هَذه النَّار التي لا يَبْقَى فِيها أحَد، يَتَعَيَّن حَمْلِها على الطَّبَقَة التي كَان فِيها عُصَاة الْمُسْلِمِين، كَمَا جَزَم بِه البَغَوي في تَفْسِيرِه (١)؛ لأنه يَحْصُل بِه الْجَمْع بَيْن الأدِلَّة، وإعْمَال الدَّلِيلَين أَوْلَى مِنْ إلْغَاء أحَدِهِما، وقد أطْبَق العُلَمَاء على وُجُوب الْجَمْع إذا أمْكَن. ثم ذَكَر مَا قِيل في فَنَاء النَّار، ثم قَال: أمَّا فَنَاؤها فَقَد نَصَّ تَعالى على عَدَمِه بِقَوْلِه: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء: ٩٧] وأمَّا مَوتُهم فَقد نَصّ تَعَالى عَلى عَدَمِه بِقَولِه: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِم فَيَمُوتُوا) [فاطر: ٣٦]، وقوله: (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) [طه: ٧٤]، وقوله: (وَيَأْتِيْهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم: ١٧]، وقَد بَيَّن النبي ﷺ في الْحَدِيث الصَّحِيح أنَّ الْمَوْت يُجَاء بِه يَوْم القِيَامَة في صُورَة كَبْش أمْلَح فيُذْبَح، وإذا ذُبِح الْمَوْت حَصَل اليَقِين بأنَّه لا مَوْت، كَمَا قَال النبي ﷺ : ويُقَال: "يَا أهْل الْجَنَّة خُلُود فَلا مَوْت، ويَا أهْل النَّار خُلُود فَلا مَوْت" (٢).

стр. 503

وأمَّا إخْرَاجُهم مِنها فَنَصَّ تَعالى على عَدَمِه بِقَوله: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: ١٦٧]، وبِقَولِه: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا) [السجدة: ٢٠]، وبِقَوله: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) [المائدة: ٣٧]. وأمَّا تَخْفِيف العَذَاب عَنهم فَنَصَّ تَعَالى عَلى عَدَمِهِ بِقَولِه: (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) [فاطر: ٣٦]، وقَوله: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) [النبأ: ٣٠]. فَظَاهِر هَذه الآيَات عَدَم فَنَاء النَّار الْمُصَرَّح بِه في قَولِه: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) (١). رأي الباحث: خُلُود الكُفَّار في النَّار فَمَقْطُوع بِه، مُجْمَع عَلَيه. وإن كان اختُلِف في طُول الْخُلُود، وقِيل بِفَنَاء النَّار، إلَّا أنه قَول ضَعِيف. والذي يَظْهَر أنَّ الاسْتِثْنَاء جَاء تَحْقِيقًا لا تَعْلِيقًا، ونَظِيرُه في كِتَاب الله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) [الفتح: ٢٧]، وهو وَعْدٌ حَقّ، وقَوْلٌ صِدْق، ومَع ذلك قَرَنَه تَعَالَى بِالْمَشِيئَة. وقَول مَنْ قال: إنَّ الاسْتِثْنَاء في حَقّ عُصَاة الْمُؤمِنِين - مُتَّجِه؛ وذَلك لأنَّ مَنْ دَخَل النَّار مِنْ عُصَاة الْمُوَحِّدِين لا يَخْلُد فِيها، وجَاء التَّصْرِيح بِه في قَولِه ﵊: يُعَذَّب نَاسٌ مِنْ أهْل التَّوحِيد في النَّار حَتى يَكُونُوا حُمَمًا فيها، ثم تُدْرِكُهم الرَّحْمَة فيُخْرَجُون فيُلْقَون على بَاب الْجَنَّة، فَيَرُشّ عَليهم أهْل الْجَنَّة الْمَاء، فَيَنْبُتُون كَمَا يَنْبُت الغُثَاء في حِمَالَة السَّيْل، ثم يَدْخُلُون الْجَنَّة (٢). كَمَا أنَّ النَّار لا تَأكُل مَوَاضِع السُّجُود مِنْ ابْنِ آدَم، لِقوله ﵊: حَتى إذا أرَاد اللهُ رَحْمَة مَنْ أرَاد مِنْ أهْل النَّار أمَرَ الله الْمَلائكَة أنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَان يَعْبُد

стр. 504

الله، فَيُخْرِجُونَهم ويَعْرِفُونَهم بِآثَار السُّجُود، وحَرَّم اللهُ على النَّار أنْ تَأكُل أثَر السُّجُود، فَيَخْرُجُون مِنْ النَّار فَكُلّ ابْن آدَم تَأكُلُه النَّار إلَّا أثَر السُّجُود، فَيَخْرُجُون مِنْ النَّار قَدْ امْتَحَشُوا فيُصَبّ عَليهم مَاء الْحَيَاة، فَيَنْبُتُون كَمَا تَنْبُت الْحَبَّة في حَمِيل السَّيْل (١). ثُمَّ إنَّ هَذا الاسْتِثْنَاء الوَارِد في الآيَات هوَ مِنْ قَبِيل الْمُتَشَابِه، والوَاجِب رَدّ الْمُتَشَابِه إلى الْمُحْكَم، وقد اسْتَفَاضَتْ آيَات الكِتَاب بِخُلُود الكُفَّار في النَّار. والله أعلم.

стр. 505

المبحث الرابع: منهجه في إيراد الآية وما يُتوهّم تعارضه معها: مِنْ الطُّرُق التي سَلَكَها الأئمَّة في الْجَمْع بَيْن الآيَات الْمُتَوهَّم تَعَارُضها - إيرَاد الآيَة ومَا يُقَابِلُها، وذلك بِالنَّصّ على الآيَة أوْ الآيَات الْمُقَابِلة لَها. وكَذلك سَلَك القرطبي؛ فإنَّه قد يُورِد الآيَة ومَا يُقَابِلُها، ويَنُصّ على مَا يُتَوَهَّم تَعَارُضَه مَعها، وقد يَسْلُك مَسْلَكًا آخَر، وهو الاكْتِفَاء بِالإشَارَة إلى مَعْنَى الآيَة الْمُتَوهَّم وُقوع التَّعَارُض مَعها. وفي هذا الْمَبْحَث مَطْلَبَان، وفي كُلّ مَطْلَب سَوْف أقْتَصِر على إيرَاد مِثَالَيْن، اكْتِفَاء بِمَا سَبَق، إذْ أنَّ الْمَوَاضِع السَّابِقَة لَم تَخرُج عن هاتَين الطَّرِيقَتَيْن. فـ: المطلب الأول: الجمع بين الآيات بإيراد الآية وما يُعارضها في الظاهر وهذا الْمَسْلَك أَوْلى بِالْمُفَسِّر؛ لأنَّ الأشْيَاء تَتَبَيَّن بِبَيَانِ أضْدَادها ومَا يُقَابِلُها. وقَدِيمًا قِيل: وبِضِدِّهَا تَتَبَيَّن الأشْيَاء. فإذا أشكَلَتْ آية على قَارئ أو سَامِع، فإنَّ الْمُفَسِّر يُورِد الإشْكَال ويُجِيب عَنه، ورُبَّمَا تَبَادَر الإشْكَال إلى ذِهْن الْمُفَسِّر فأوْرَده على صِيغَة سُؤال أوْ افْتِراض. والأكْثَر عِند القرطبي أن يُورِد مَا اسْتَشْكَله - هُو أوْ غيره - ويَذْكُر الْمَوْضِعَيْن - أوْ الْمَوَاضِع - التي تَرِد على الذِّهْن، ويُتَصَوَّر تَعَارُضها. وربما تَرَك بَعض ذلك اخْتِصَارًا، واكْتِفَاء بِوُضُوح الْمَعْنَى الْمُرَاد.

стр. 506

فـ: المثال الأول: إرْسَال رُسُل مِنْ الْجِنّ: قَوله تَعالى: (يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ) [الأنعام: ١٣٠]، مَع قَوله تَعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]. صورة التعارض: آية "الأنعام" يُفهَم مِنْها أنَّ مِنْ الْجِنّ رُسُلًا كَمَا كَان مِنْ الإنْس، وهو مُقْتَضَى مُقَابَلَة الْجَمْع بالْجَمْع؛ فإنَّ النَّتِيجَة تَكُون آحَادًا، كَقَولِهم: رَكِب القَوم دَوَابَّهم، فإنَّ النَّتِيجَة تَقْتَضِي أنّ كُلّ وَاحِد رَكِب دَابَّته، فَكَأنه قال: يَا مَعْشَر الْجِنّ ألَم يَأتِكُم رُسُل مِنْكُم؟ ويَا مَعْشَر الإنْس ألَم يَأتِكُم رُسُلٌ مِنْكُم؟ بَيْنَمَا يُفهَم مِنْ آيَات "الأحقاف" أنَّ الْجِنّ تَبَع للإنْس في الرِّسَالات، وأنَّهم خُوطِبُوا بِرِسَالة محمد ﷺ كَمَا خُوطِبُوا بِرِسَالة مُوسَى ﵊. جمع القرطبي: قال القرطبي: قَوله تَعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ) أي: يَوْم نَحْشُرُهم نَقُول لَهم: ألَم يَأتِكُم رُسُل … فَيَعْتَرِفُون بِمَا فِيه افْتِضَاحُهم، ومَعْنَى (مِنْكُمْ) في الْخَلْق والتَّكْلِيف والْمُخَاطَبَة، ولَمَّا كَانت الْجِنّ مِمَّنْ يُخَاطَب ويَعْقِل قال: (مِنْكُمْ)، وإن كَانت الرُّسُل مِنْ الإنْس، وغَلَّب الإنْس في الْخِطَاب كَمَا يُغَلَّب الْمُذَكَّر على الْمُؤنَّث. وقال ابن عباس: رُسُل

стр. 507

الْجِنّ هُمْ الذِين بَلَّغُوا قَوْمَهم مَا سَمِعُوه مِنْ الوَحي، كَمَا قَال: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) وقال مُقاتل والضحاك: أرسل الله رُسُلًا مِنْ الْجِنّ كَمَا أرْسَل مِنْ الإنْس. وقال مجاهد: الرُّسُل مِنْ الإنْس، والنُّذُر مِنْ الْجِنّ، ثم قَرَأ: (إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)، وهو مَعْنَى قَوْل ابن عباس، وهو الصَّحِيح، وقال الكَلبي: كَانت الرُّسُل قَبْل أن يُبْعَث محمد ﷺ يُبْعَثُون إلى الإنْس والْجِنّ جَمِيعًا. ثم تَعَقَّبَه القرطبي بِقولِه: قلت: وهَذا لا يَصِحّ (١)، بل في صَحيح مسلم (٢) مِنْ حَدِيث جَابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنّ نَبِي قَبْلِي؛ كان كُلّ نَبِيّ يُبْعَث إلى قَومِه خَاصَّة وبُعِثْتُ إلى كُلّ أحْمَر وأسْوَد. الحديث .... وقال ابن عباس: كانت الرُّسُل تُبْعَث إلى الإنْس، وإنَّ محمدًا ﷺ بُعِث إلى الْجِنّ والإنْس. ذَكَرَه أبو الليث السمرقندي: وقِيل: كان قَوم مِنْ الْجِنّ اسْتَمَعُوا إلى الأنْبِيَاء ثم عَادُوا إلى قَومِهم وأخْبَرُوهم، كَالْحَال مَع نَبِيِّنا ﵇، فَيُقَال لهم: رُسُل الله، وإن لم يُنَصّ على إرْسَالِهم، وفي التَّنْزِيل: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢] أي: مِنْ أحَدِهما، وإنما يَخْرُج مِنْ الْمِلْح دُون العَذْب، فَكَذَلك الرُّسُل مِنْ الإنْس دُون الْجِنّ، فمعنى (مِنْكُمْ) أي: مِنْ أحَدِكم، وكان هَذا جَائزًا، لأنَّ ذِكْرَهما سَبَق. وقِيل: إنَّمَا صَيَّر الرُّسُل في مَخْرَج اللفْظ مِنْ الْجَمِيع، لأنَّ الثَّقَلَين قد ضَمَّتْهُما عَرْصَة القِيَامَة، والْحِسَاب عَليهم دُون الْخَلْق، فَلَمَّا صَارُوا في تلك العَرْصة في حِسَاب وَاحِد في شَأن الثَّوَاب والعِقَاب خُوطِبُوا يَومَئذ بِمُخَاطَبة واحِدَة كَأنَّهم جَمَاعَة واحِدَة ..... وقد وَصَف الله عنهم في سُورة الْجنّ مِنْ قَوْله: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) [الجن: ١٤]، (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) [الجن: ١١] على مَا يَأتي بَيانه هُناك (٣).

стр. 508

وقَال القرطبي بَعد ذلك: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: ١٣٢]: أي: مِنْ الْجِنّ والإنْس، كَمَا قَال في آيَة أُخْرَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) [الأحقاف: ١٨]، ثم قَال: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: ١٩]، وفي هَذا مَا يَدُلّ على أنَّ الْمُطِيع مِنْ الْجِنّ في الْجَنَّة، والعَاصِي مِنْهم في النَّار، كَالإنْس سَوَاء، وهو أصَحّ مَا قِيل في ذلك، فاعْلَمْه (١). وقال في تَفْسِير قَوْلِه تَعَالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: ١٩]: أي: ولكُل وَاحد مِنْ الفَرِيقَيْن الْمُؤمِنِين والكَافِرِين مِنْ الْجِنّ والإنْس مَرَاتِب عِند الله يَوْم القِيَامَة بِأعْمَالِهم (٢). وأطَال في تَفْسِير آيَات "الأحقاف"، واسْتِمَاع الْجِنّ للقُرْآن، ثم قال: قَوله تَعالى: (قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أي: القُرْآن، وكَانوا مُؤمِنِين بِمُوسَى. قال عطاء: كانوا يَهُودًا فأسْلَمُوا، ولِذَلك قَالُوا: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى). وعن ابن عباس: أنَّ الْجِنّ لَم تَكُنْ سَمِعَتْ بأمْرِ عِيسى، فَلذَلك قَالَتْ: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى). (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يَعْنِي: مَا قَبله مِنْ التَّوْرَاة. (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) دِين الْحَقّ. (وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) دِين الله القَويم. (يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يَعْنِي: محمدًا ﷺ ، وهذا يَدُلّ على أنّه كَان مَبعُوثًا إلى الْجِنّ والإنْس.

стр. 509

ثم بَيّن القرطبي أنَّ "هَذه الآي تَدُلّ على أنَّ الْجِنّ كَالإنْس في الأمْر والنَّهْي والثَّوَاب والعِقَاب، وقال الحسن: ليس لِمُؤمِني الْجِنّ ثَوَاب غير نَجَاتِهم مِنْ النَّار، يَدُلّ عَليه قَوله تَعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). وقال آخَرُون: إنّهم كَمَا يُعَاقَبُون في الإسَاءة يُجَازَون في الإحْسَان مِثْل الإنْس .... قال الضحاك: الْجِنّ يَدْخُلُون الْجَنَّة، ويَأكُلُون ويَشْرَبُون. قال القشيري: والصَّحِيح أنَّ هَذا مِمَّا لَم يُقْطَع فيه بِشَيء، والعِلْم عند الله. قلت: قَوله تَعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) يَدُلّ على أنّهم يُثَابُون ويَدْخُلُون الْجَنَّة؛ لأنّه قَال في أوَّل الآيَة: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) إلى أنْ قَال (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)، والله أعْلَم" (١). وقال في تَفْسِير سُورة "الرحمن" ما نَصّه: هذه السورة و"الأحقاف" و"قل أُوحِي" دَلِيل على أنَّ الْجِنّ مُخَاطَبُون مُكَلَّفُون، مَأمُورُون مَنْهِيُّون، مُثَابُون مُعَاقَبُون، كالإنْس سَواء؛ مُؤمِنُهم كَمُؤمِنهم، وكَافِرُهم كَكَافِرِهم، لا فَرْق بَيْنَنَا وبَيْنَهم في شَيء مِنْ ذَلك (٢). وأطَال في تفسير سُورة الْجِنّ في بَيَان هَذا الْمَعْنَى (٣). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - الرُّسُل مِنْ الإنْس، وغَلَّب الإنْس في الْخِطَاب كَمَا يُغَلَّب الْمُذَكَّر على الْمُؤنَّث. ٢ - الرُّسُل مِنْ الإنْس، والنُّذُر مِنْ الْجِنّ، واخْتَار هَذا القَوْل ورَجَّحَه.

стр. 510

٣ - لم يَبْعَث الله نَبِيًّا إلى الْجِنّ والإنْس قَبْل محمد ﷺ ، ورَجَّح هَذا القَوْل. ٤ - الْجِنّ مُخَاطَبُون مُكَلّفُون، مَأمُورُون مَنْهِيّون، مُثَابُون مُعَاقَبُون كَالإنْس. ٥ - حَكَى الْخِلاف في ثَوَاب الْجِنّ وعِقَابِهم في الآخِرَة. هذا وقد أوْرَد القرطبي في الْمَوْضِعِ الأوَّل آيَة "الأنعام" وآيَة "الأحقاف" وآيَة "الْجِنّ". مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: في هَذه الْمُقَارَنَة سَأقْتَصِر على ذِكْر مِثَالَين، فالأنْمُوذَج الأوَّل أفَاد مِنه القُرْطُبي، والأُنْمُوذَج الثَّاني أفَاد مِنْ القُرْطُبي. فالأوَّل ابن جرير، حيث ذَكَر الْخِلاف "في الْجِنّ هَلْ أُرْسِل مِنهم إلَيهم أمْ لا؟ فَقَال بَعْضُهم: قد أُرْسِل إليهم رُسُل كَمَا أُرْسِل إلى الإنْس مِنهم رُسُل" (١) ورَوى هذا القَوْل عن الضَّحّاك. "وقَال آخَرُون: لم يُرْسَل مِنهم إليهم رَسُول، ولم يَكُنْ لَه (٢) مِنْ الْجِنّ قَطّ رَسُول مُرْسَل، وإنَّمَا الرُّسُل مِنْ الإنْس خَاصَّة، فأمَّا مِنْ الْجِنّ فَالنُّذُر. قَالوا: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)، والرُّسُل مِنْ أحَد الفَرِيقَين، كَمَا قَال: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)، ثم قَال: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)، وإنَّمَا يَخْرُج اللؤلؤ والْمَرْجَان مِنْ الْمِلْح دُون العَذْب مِنْهُما، وإنَّمَا مَعْنَى ذلك يَخْرُج مِنْ بَعْضِهما، أوْ مِنْ أحَدِهما" (٣). فَابْنُ جَرير سَاق الآيَة في تَفْسِير السُّورَة، وأعْمَل الآيَة في سِياقِها دُون حَشْد الآيَات في مَوضِع واحِد، كَمَا أنَّه لم يُشِر إلى الآيَات الأُخَر التي أشَار إليها القُرطبي.

стр. 511

وأمَّا في تَفْسِير سُورة الأحْقَاف فَأطَال ابنُ جرير في ذِكْر عَدَد الْجِنّ الذين حَضَرُوا لاسْتِمَاع القُرْآن، وفي صِفة حُضُورِهم، وفي الْمَوْضِع الذي تَلا عَليهم رسول الله ﷺ فِيه القُرْآن، ولَم يُشِر إلى مَسْألَة إيمانهم بموسى ﵊ (١). كَمَا لَم يَتَطَرَّق إلى مَا تَطَرَّق إليه القُرْطُبي في تَفْسِير آيَات سُورة "الرحمن"، وإنَّمَا اقْتَصَر عَلى قَوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) [٣١]: سَنُحَاسِبُكم ونَأخُذ في أمْرِكُم أيُّها الإنْس والْجِنّ، فَنُعَاقِب أهْل الْمَعَاصِي، ونُثِيب أهْل الطَّاعَة (٢). وأشَار في تَفْسِير آيَات سُورة الْجِنّ إلى أنَّ مِنْ الْجِنّ الْمُسْلِم والكَافِر (٣). والثاني ابن كثير؛ فإنَّه نَصّ عَلى أنَّ "الرُّسُل مِنْ الإنْس فَقَط، وليس مِنْ الْجِنّ رُسُل، كَمَا قد نَصّ على ذلك مجاهد وابن جريج وغَير واحِد مِنْ الأئمَّة مِنْ السَّلَف والْخَلَف. وقال ابن عباس: الرُّسُل مِنْ بَنِي آدَم، ومِن الْجِنّ نُذُر، وحَكى ابن جَرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زَعم أن في الجن رُسُلًا، واحْتَجّ بِهَذِه الآيَة الكَرِيمة، وفيه نَظر؛ لأنها مُحْتَمَلَة ولَيْسَت بِصَرِيحة، وهي - والله أعْلم - كَقَولِه: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) إلى أنْ قَال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)، ومَعْلُوم أنَّ اللؤلؤ والْمَرْجَان إنَّمَا يُسْتَخْرَجَان مِنْ الْمِلْح لا مِنْ الْحُلو، وهَذا وَاضِح ولله الحمد، وقد ذَكر هذا الْجَوَاب بِعَيْنِه ابنُ جرير، والدَّلِيل على أنَّ الرُّسُل إنَّمَا هُمْ مِنْ الإنْس قَوله تَعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) [النساء: ١٦٣] إلى قَوله: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، وقَوله تَعالى عن إبْرَاهِيم: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [العنكبوت: ٢٧]، فَحَصَر النُّبُوَّة والكِتَاب بَعْد إبراهيم في ذُرِّيَّتِه،

стр. 512

ولَم يَقُل أحَد مِنْ النَّاس أنَّ النُّبُوَّة كَانَتْ في الْجِنّ قَبْل إبْرَاهيم الْخَلِيل، ثم انْقَطَعَتْ عنهم بِبِعْثَتِه، وقَال تَعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان: ٢٠]، وقَال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) [يوسف: ١٠٩]، ومَعْلُوم أنَّ الْجِنّ تَبَع للإنْس في هذا البَاب، ولهذا قَال تَعالى إخْبَارًا عنهم: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] … وقَال تَعالى في هَذه الآيَة الكَرِيمة: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا)، أي: أقْرَرْنَا أنَّ الرُّسُل قد بَلَّغُونَا رِسَالاتِك، وأنْذَرُونا لِقَاءك، وأنَّ هذا اليَوم كَائِن لا مَحَالَة (١). فابْنُ كَثيرٍ في هذا الْمَوْضِع حَشَد مِنْ الآيَات مَا يَسْتَدِلّ بِه على القَوْل الذي اخْتَارَه وفي تَفْسِير آيَات "الأحقاف" قَال في قَوله تَعالى: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ): أي: رَجَعُوا إلى قَوْمِهم فَأَنْذَرُوهم مَا سَمِعُوه مِنْ رَسُول الله ﷺ ، كَقَولِه جَلَّ وعَلا: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة: ١٢٢]، وقد اسْتُدِلّ بِهَذِه الآيَة على أنَّه في الْجِنّ نُذُر، ولَيس فِيهم رُسُل، ولا شَكَّ أنَّ الْجِنّ لَم يَبْعَث الله تَعالى مِنهم رَسُولًا (٢). ثم أوْرَد الآيَات التي أوْرَدها في تَفْسِير آيَة الأنعام مُسْتَدِلًّا بِهَا على ذلك، ثم قَال: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى): ولم يَذْكُرُوا عِيسى؛ لأنَّ عِيسى عليه

стр. 513

السلام أُنْزِل عَليه الإنْجِيل فِيه مَوَاعِظ وتَرْقِيقَات وقَلِيل مِنْ التَّحْلِيل والتَّحْرِيم، وهو في الْحَقِيقَة كَالْمُتَمِّم لِشَرِيعَة التَّوْرَاة، فَالْعُمْدَة هُو التَّوْرَاة، فَلِهَذا قَالُوا: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)، وهكذا قَال وَرَقة بن نَوفل حِين أخْبَرَه النبي ﷺ بِقِصّة نُزُول جِبْرِيل ﵊ أوَّل مَرَّة، فَقَال: بَخٍ بَخٍ! هَذَا النَّامُوس الذي كَان يَأتي مُوسَى (١). كَمَا قَال ابن كثير بَعد ذلك: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) فِيه دَلالة على أنَّه تَعالى أَرْسَل محمدًا ﷺ إلى الثَّقَلَين الْجِنّ والإنْس حَيْث دَعَاهم إلى الله تَعالى، وقَرَأ عَليهم السُّورة التي فِيها خِطَاب الفَرِيقَين، وتَكْلِيفُهم ووَعْدُهم ووَعِيدُهم، وهي سُورَة الرَّحْمَن (٢)، ولِهَذا قَال: (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ). وقَوله تَعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكْمْ) قِيل: إنَّ (مِنْ) هاهنا زَائدَة، وفِيه نَظَر، لأنَّ زِيَادَتها في الإثْبَات قَلِيل. وقيل: إنَّهَا على بَابِها للتَّبْعِيض. (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: ويَقِيكُم مِنْ عَذَابِه الألِيم، وقَد اسْتَدَلّ بِهَذه الآيَة مَنْ ذَهَب مِنْ العُلَمَاء إلى أنَّ الْجِنّ الْمُؤمِنِين لا يَدْخُلُون الْجَنَّة، وإنَّمَا جَزَاء صَالِحِيهم أن يُجَارُوا مِنْ عَذَاب النَّار يَوم القِيامة، ولِهذا قَالوا هذا في هذا الْمَقَام، وهو مَقَام تَبَجّح (٣) ومُبَالَغَة، فَلو كَان لَهم جَزَاء على الإيمان أعْلى مِنْ هذا لأوْشَك أن يَذْكُرُوه … والْحَقّ أنَّ مُؤمِنِيهم كَمُؤمِنِي الإنْس يَدْخُلُون الْجَنَّة، كَمَا هو مَذْهَب مِنْ السَّلَف، وقد اسْتَدَلّ بَعْضُهم لِهَذا

стр. 514

بِقَولِه : (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: ٥٦]، وفي هذا الاسْتِدْلال نَظَر، وأحْسَن مِنه قَوله جَلَّ وَعَلا: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]، فَقَد امْتَنّ تَعالى على الثَّقَلَين بِأن جَعَل جَزَاء مُحْسِنهم الْجَنَّة، وقد قابَلَت الْجِنّ هَذه الآيَة بِالشُّكْر القَوْلي أبْلغ مِنْ الإنْس، فَقَالُوا: ولا بِشَيء مِنْ آلائك رَبّنا نُكَذِّب، فَلَكَ الْحَمْد (١). فلم يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنّ عليهم بِجَزَاء لا يَحْصُل لهم، وأيضًا فإنَّه إذا كَان يُجَازِي كَافِرهم بِالنَّار - وهو مَقَام عَدْل - فلأن يُجَازِي مُؤمِنهم بِالْجَنَّة - وهو مَقَام فَضْل - بِطَرِيق الأَوْلى والأَحْرَى. ومِمَّا يَدُلّ أيضًا على ذلك عُمُوم قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) [الكهف: ١٠٧]، ومَا أشْبَه ذلك مِنْ الآيَات … وهَذه الْجَنَّة لا يَزَال فِيها فَضْل حَتى يُنْشِئ الله تَعالى لها خَلْقًا، أفَلا يَسْكُنها مَنْ آمَن بِه وعَمِل لَه صَالِحًا؟ ومَا ذَكَرُوه هاهنا مِنْ الْجَزَاء على الإيمان مِنْ تَكْفِير الذُّنُوب والإجَارَة مِنْ العَذَاب الألِيم هو يَسْتَلْزِم دُخُول الْجَنَّة؛ لأنَّه ليس في الآخِرَة إلَّا الْجَنَّة أو النَّار، فَمَنْ أُجِير مِنْ النَّار دَخَل الْجَنَّة لا مَحَالَة، ولم يَرِد مَعَنا نَصّ صَرِيح ولا ظَاهِر عن الشَّارِع أن مُؤمِنِي الْجِنّ لا يَدْخُلُون الْجَنَّة وإن أُجِيرُوا مِنْ النَّار، ولَو صَحّ لَقُلْنا بِه، والله أعلم (٢). ولم يَذكر ابن كثير شَيئًا مِنْ ذلك في تَفْسِير آيَة "الرحمن" (٣). وفي آيَات سُورة "الْجِنّ" ذَكَر قول ابن عباس ومجاهِد وغَير وَاحِد: (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا).

стр. 515

أي: مِنَّا الْمُؤمِن ومِنَّا الكَافِر (١). وفي قَوله تَعالى: (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) [الجن: ١٣] قَال ابن كثير: قال ابن عباس وقتادة وغَيرهما: فَلا يَخَاف أن يُنْقَص مِنْ حَسَنَاتِه، أوْ يُحْمَل عليه غَير سَيئاتِه كَمَا قَال تَعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) [طه: ١١٢] (٢). رأي الباحث: ليس مِنْ الْجِنّ رُسُل، وهم تَبَع للإنْس في شَأن الرِّسَالات، أمَّا مَا يَتَعَلَّق بِرِسَالَة محمد ﷺ وأنَّ الْجِنّ خُوطِبَتْ بِرِسَالَتِه؛ فَهَذا مَحَلّ إجْمَاع، وأمَّا بَقِيَّة الرُّسُل فهو مَفْهوم مِنْ قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٢٨]، فإنَّ الله لا يُعذِّب أمَّة مِنْ الأُمَم حَتى يُعْذِر إليها، وحتى تَبْلغُهم النُّذُر. كَمَا أن لَفْظ الرِّجَال يُطْلق على الإنْس دُون غيرهم، وذلك "لأنَّ الرَّجُل يَقَع على مَا لَه ضِدّ مِنْ لَفظه، تَقُول: رَجُل وامْرَأة، ورَجُل وصَبِيّ " (٣). وقَد قَال تَعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) [يوسف: ١٠٩] "أي: أرْسَلْنا رِجَالًا ليس فِهم امْرَأة ولا جِنِّي ولا مَلَك" (٤). "وقد ثَبَتَ بالتواتر أنّ الرُّسُل كَانُوا مِنْ البَشَر" (٥).

стр. 516

وأمَّا مَا تَعَقَّب بِه القرطبي قَول مَنْ قَال: "كَانت الرُّسُل قَبْل أن يُبْعَث محمد ﷺ يُبْعَثُون إلى الإنْس والْجِنّ جَمِيعًا" بِمَا في الْحَدِيث مِنْ عُمُوم بِعْثَتِه ﷺ وخُصُوص دعْوة كُلّ نَبِيّ لِقَوْمِه. فهذا مُتعقّب بأنَّ مِنْ الْجِنّ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى ﵊، كما في آيَات "الأحْقاف"، وقد قال القرطبي في تَفْسير آيَة "الأحقاف": وكَانُوا مُؤمِنين بِمُوسَى (١) ويَلْزَم مِنْ نَفْي ذلك أحَد أمْرَين: إمَّا أنَّ الْجِنّ لم تُكلّف، ولم يُرْسِل الله لها رُسُلًا. وإمَّا أنَّ الله أرْسَل إليهم رُسُلًا مِنْ أنفُسِهم. وكِلا القَولَين لا يَعْضُدُه الدَّلِيل، فالأوَّل يَلزَم مِنه ألا تُعَذَّب الْجِنّ؛ لأنَّ الله لا يُعُذِّب حتى يَبْعَث رَسُولا، ثم هو بِخِلاف آيَة "الأنْعام" (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)، والثاني يَسْتَلْزِم ثُبُوت رُسُل مِنْ الْجِنّ، وهو مَا نَفَاه القرطبي، ونَفَاه جَمْع مِنْ العُلَمَاء (٢). وأمَّا مَا اخْتُصّ به رَسُول الله ﷺ مِنْ عُمُوم بِعْثَتِه فَلا يُعَارِضه إيمان الْجِنّ بِمُوسَى وبِالأنبِيَاء مِنْ قَبْل، وذلك أنَّ بِعْثَتَه ﷺ إلى النَّاس كَافَّة، إلى قَومِه وإلى غَيرهم، بَيْنَما كان النبي يُبعَث إلى قَومِه خَاصَّة، ولا يَمنَع ذلك مِنْ دُخول الْجِنّ مِنْ أهْل ذلك الزَّمَان أوْ الْمَكَان في دَعْوة نَبِيٍّ مِنْ الأنْبِيَاء، كَمَا جَاء التَّصْرِيح بِه في آيَة "الأحقاف"؛ مِنْ أنَّ الْجِنّ آمَنُوا بِمُوسَى ﷺ . كَمَا أنَّ عُمُوم بِعْثَتِه ﷺ تَشْمَل عُمُوم الزَّمَان والْمَكَان، بِخِلاف دَعوَات الأنبياء مِنْ قبْلِه. وجَوَاب آخَر، وهو الاقْتِصَار على مَا وَرَد مِنْ إيمانهم بِمُوسَى وبِمُحَمد صلى الله عليهما وسلم - ولذلك ذَكَرَتهما الْجِنّ - والسُّكُوت عَمَّا عَدَا ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 517

المثال الثاني: السُّؤال بَيْن النَّفْي والإثْبَات في عَرصَات القِيَامَة: قَوله تَعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: ٦]، وقَوله تَعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقَوله تَعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) [الصافات: ٢٤]، مَع قَوله تَعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص: ٧٨] وقَوله تَعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: ٣٩]. صورة التعارض: في الآيَات الأُوَل إثْبَات السُّؤَال يَوْمَ القِيَامَة، وفي الآيَات الأخِيرَة نَفْي السُّؤَال. جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "الأعراف": قَوله تَعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) دَلِيل على أنَّ الكُفَّار يُحَاسَبُون، وفي التنْزِيل: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [الغاشية: ٢٦]، وفي سورة القصص: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [٧٨] (١)، يعني: إذا اسْتَقَرُّوا في العذاب، والآخرة مَواطِن؛ مَوطِن يُسْألون فيه للحساب، ومَوطِن لا يُسألون فيه، وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفْضَاح، وسُؤال الرُّسُل سؤال استشهاد بهم وإفْصَاح، أي: عن جَواب القوم لهم، وهو معنى قوله: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) [الأحزاب: ٨] على ما يأتي. وقيل: المعنى: فَلَنَسْألنّ الذين أُرْسِلَ إليهم، أي: الأنبياء، ولَنَسْألنّ الْمُرْسَلِين، أي: الْمَلائكَة الذِين أُرسِلُوا إلَيهم (٢).

стр. 518

و"قَوله تَعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: لَنَسْألَنّ هَؤلاء الذِين جَرَى ذِكْرُهم عَمَّا عَمِلُوا في الدُّنيا. وفي البخاري (١): وقال عِدَّة مِنْ أهْل العِلْم في قَوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) عَنْ لا إله إلا الله" (٢). وخَلَص إلى القَوْل بِأنَّ "الآيَة بِعُمُومِها تَدُلّ على سُؤَال الْجَمِيع ومُحَاسَبَتِهم كَافِرِهم ومُؤمِنهم إلَّا مَنْ دَخَل الْجَنَّة بِغَيْر حِسَاب". ثم تَسَاءَل القرطبي فقال: فإن قِيل: وهَل يُسْأل الكَافِر ويُحَاسَب؟ قُلنا: فِيه خِلاف … والذي يَظْهَر سُؤَاله للآيَة، وقَوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)، وقَوله: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. فإن قِيل: فَقَد قَال تَعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، وقَال: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، وقَال: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) [البقرة: ١٧٤]، [آل عمران: ٧٧]، وقَال: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين: ١٥]. قُلْنَا: القِيَامَة مَوَاطِن؛ فَمَوطِن يَكُون فِيه سُؤَال وَكَلام، ومَوْطِن لا يَكُون ذَلك فيه. قال عكرمة: القِيَامَة مَواطن يُسْأل في بَعْضِها، ولا يُسْأل في بَعْضِها. وقال ابن عباس: لا يَسْألُهم سُؤَال اسْتِخْبَار واسْتِعْلام: هَلْ عَمِلْتُم كَذا وكَذا؟ لأنَّ الله عَالِم بِكُلّ شَيء، ولكن يَسْألُهم سُؤَال تَقْرِيع وتَوْبِيخ، فَيَقُول لهم: لِمَ عَصَيتُم القُرْآن؟ ومَا حُجَّتُكم فِيه؟ وقِيل: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) يَعْنِي: الْمُؤمِنِين الْمُكَلَّفِين، بَيانُه قَوله تَعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: ٨].

стр. 519

والقَوْل بِالعُمُوم أوْلى كَمَا ذُكِر. والله أعلم" (١). وذَكَر في آيَة "الأحزاب" أرْبَعَة أقْوَال، فَقَال: قَوله تَعالى: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) فِيه أرْبَعَة أوْجُه: أحَدها: لِيَسْأل الأنْبياء عن تَبْلِيغِهم الرِّسَالَة إلى قَوْمِهم، حَكاه النقاش، وفي هذا تَنْبِيه، أي: إذا كَان الأنْبياء يُسْأَلُون فَكَيف مَنْ سِوَاهُم؟ الثَّاني: لِيَسْأل الأنْبياء عَمَّا أجَابَهم بِه قَوْمُهم، حَكاه علي بن عيسى. الثَّالث: لِيَسْأل الأنْبياء ﵈ عن الوَفَاء بِالْمِيثَاق الذي أخَذَه عَليهم، حَكاه ابن شجرة. الرَّابع: لِيَسْأل الأفْوَاه الصَّادِقَة عن القُلُوبِ الْمُخْلِصَة. وفي التَّنْزِيل: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ). وقيل: فَائدة سُؤَالِهم تَوْبِيخ الكُفَّار، كَمَا قَال تَعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) [المائدة: ١١٦] (٢). وفي آيَة "القصص" قَال القرطبي: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، أي: لا يُسْألون سُؤَال اسْتِعْتَاب، كَمَا قَال: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [النحل: ٨٤]، [الروم: ٥٧]، [الجاثية: ٣٥]، (فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت: ٢٤]، وإنَّمَا يُسْألُون سُؤَال تَقْرِيع وتَوْبِيخ، لِقَولِه: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، قَالَه الحسن. وقَال مجاهد: لا تَسْأل الْمَلائكَة غَدًا عن الْمُجْرِمِين، فإنَّهم يُعْرَفُون بِسيمَاهُم، فإنَّهُم يُحْشَرون سُود الوُجُوه، زُرْق العُيُون. وقال قتادة: لا يُسْأل الْمُجْرِمُون عن ذُنُوبِهم لِظُهُورِها وكَثْرَتِها، بَلْ يَدْخُلُون النَّار بِلا حِسَاب (٣).

стр. 520

وقِيل: لا يُسْأل مُجْرِمُو هَذه الأمَّة عن ذُنُوب الأُمَم الْخَالِيَة الذِين عُذِّبُوا في الدُّنيا. وقِيل: أهْلَك مَنْ أهْلَك مِنْ القُرُون عن عِلْم مِنه بِذُنُوبِهم، فَلَم يَحْتَج إلى مَسْألَتِهم عن ذُنُوبِهم (١). وَيَقُول في تَفْسِير سُورَة "الرحمن": قَوله تَعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، هذا مِثْل قَوله تَعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، وأنَّ القِيَامَة مَوَاطِن لِطُول ذَلك اليَوم، فيُسْأل في بَعْض ولا يُسْأل في بَعْض، وهذا قول عكرمة. وقيل: الْمَعْنَى: لا يُسْألون إذا اسْتَقَرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يُسْألُون عن ذُنُوبِهم، لأنَّ الله حَفِظَها عَليهم، وكَتَبْتَها عَليهم الْمَلائكَة. رواه العوفي عن ابن عباس. وعن الحسن ومجاهد أيضًا: الْمَعْنَى: لا تَسْأل الْمَلائكَة عَنهم، لأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيمَاهُم، دَلِيلُهم مَا بَعْده (٢). وقال مجاهد عن ابن عباس، وعنه أيضًا في قَوله تَعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقَوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، وقَال: لا يَسْألُهم ليَعْرِف ذلك مِنهم، لأنَّه أعْلَم بِذلك مِنهم، ولَكِنَّه يَسْألُهُم لِمَ عَمِلْتُمُوها؟ سُؤَال تَوْبِيخ. وقال أبو العالية: لا يُسْأل غَير الْمُجْرِم عن ذَنْب الْمُجْرِم. وقال قتادة: كَانَتْ الْمَسْألَة قَبْل ثم خُتِم على أفْوَاه القَوم وتَكَلَّمَت الْجَوَارِح شَاهِدَة عليهم. وفي حَدِيث أبي هريرة عن النبي ﷺ وفيه - قال: فَيَلْقَى العَبْد، فَيَقُول: أي قُلْ! ألَم أُكْرِمك وأسَوِّدك وأزَوِّجك، وأُسَخِّر لك الْخَيْل والإِبل، وأذَرَك تَرأس وتَرْبَع؟ فَيَقُول: بَلى. فَيَقُول: أفَظَنَنْتَ أنَّك مُلاقِيّ؟ فَيَقُول: لا، فَيَقُول: إني أنْسَاك كَمَا نَسِيتَنِي، ثم يَلْقَى الثَّاني فَيَقُول لَه مِثْل ذَلك بِعَيْنِه، ثم يَلْقَى الثَّالث فَيَقُول له مِثْل ذَلك، فَيَقُول: يَا رَبّ آمَنْتُ بِك وبِكِتَابِك وبِرَسُولك، وصَلَّيتُ وصُمْتُ

стр. 521

وتَصَدّقْتُ، ويُثْني بِخَير مَا اسْتَطَاع، فَيَقُول: هَا هُنا إذًا (١)، ثم يُقَال لَه: الآن نَبْعَث شَاهِدَنا عَلَيك، فَيفْتَكِر في نَفْسِه: مَنْ هَذا الذي يَشْهَد عَليّ؟ فيُخْتَم على فِيه، ويُقَال لِفَخِذِه ولَحْمِه وعِظَامِه: انْطلِقي، فتَنْطلِق فَخِذُه ولَحْمه وعِظَامُه بِعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِر مِنْ نَفْسِه. وذَلك الْمُنَافِق، وذَلك الذِي يَسْخَط الله عَليه (٢). وقد مَضَى هَذا الْحَدِيث في حَم السجدة وغيرها (٣). وبيَّن في آيَة "الصافات" أنَّ هَذا يَكُون قَبْل السَّوْق إلى الْجَحِيم، وفِيه تَقْدِيم وتَأخِير، أي: قِفُوهم للحِسَاب، ثم سُوقُوهم إلى النَّار. وقيل: يُسَاقُون إلى النَّار أوَّلًا ثم يُحْشَرُون للسُّؤَال إذا قُرِّبُوا مِنْ النَّار. (إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) عن أعْمَالِهم وأقْوَالِهم وأفْعَالِهم. الضحاك: عن خطاياهم. ابن عباس: عن لا إله إلا الله. وعنه أيضًا: عن ظُلْم الْخَلْق. وفي هذا كُلّه دَلِيل على أنَّ الكَافِر يُحَاسَب. وقد مَضَى في "الْحِجْر" الكَلام فيه. وقِيل: سُؤَالُهم أن يُقَال لَهم: ألَم يَأتِكُم رُسُل مِنْكُم إقَامَة للحُجَّة؟ (٤) ملخص جواب القرطبي: ١ - في الآيَات دَلِيل على مُحَاسَبَة الكُفَّار. ٢ - أنَّهم يُسْألُون في مَوَاطِن مِنْ مَوَاطِن يَوْم القِيَامَة، ولا يُسْألُون في مَوَاطِن أُخْرَى

стр. 522

٣ - سُؤَال الكُفَّار وأهْل الإجْرَام سُؤَال تَقْرِير وتَوْبِيخ وإفْضَاح، وسُؤَال الرُّسُل سُؤَال اسْتِشْهَاد بِهم وإفْصَاح. ٤ - آيَة "الحجر" تَدُلّ على سُؤَال الْجَمِيع ومُحَاسَبَتِهم كَافِرِهم ومُؤمِنِهم إلَّا مَنْ دَخَل الْجَنَّة بِغَيْر حِسَاب. ٥ - لا يُسْألُون سُؤَال اسْتِخْبَار واسْتِعْلام، ولَكِن يُسْألُون سُؤَال تَقْرِيع وتَوْبِيخ. ٦ - السُّؤَال كَان قَبْل الْخَتْم على الأفْوَاه، أمَّا إذا خُتِم على الأفْوَاه فلا يَنطِقُون. ٧ - لا يُسْأل غَيْر الْمُجْرِم عن ذَنْب الْمُجْرِم، وإنَّمَا يُسْأل الْمُجْرِم عن ذَنْبِ نَفْسِه وقد جَمَع القرطبي الآيَات الْمُتَعَلِّقَة بِالسُّؤَال نَفْيًا وإثْبَاتًا، وجَمَع بَيْن الآيَات في سِتَّة مَوَاضِع أحَال في بَعْضِها على بَعْض. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: اقْتَصَر ابنُ جَرير في تَفْسِير آيَة الأعراف على ذِكْر الْمَعْنَى الإجْمَالي، حَيث قَال: يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: لَنَسْأَلَنَّ الأُمَم الذِين أَرْسَلْتُ إلَيهم رُسُلِي، مَاذا عَمِلَتْ فِيمَا جَاءتْهُم بِه الرُّسُل مِنْ عِنْدِي مِنْ أمْرِي ونَهْيي؟ هَلْ عَمِلُوا بِمَا أمَرْتُهم بِه، وانْتَهوا عَمَّا نَهَيْتُهم عَنه، وأطَاعُوا أمْري، أم عَصَوني فَخَالَفُوا ذَلك؟ (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) يَقُول: ولَنَسْألنّ الرُّسُل الذِين أَرْسَلْتُهم إلى الأُمَم، هَلْ بَلَّغَتْهم رَسَالاتِي، وأدَّتْ إلَيهم مَا أمَرْتُهم بِأدَائه إليهم، أمْ قَصَّرُوا في ذلك فَفَرَّطُوا ولَم يُبَلِّغُوهم؟ (١) ثم أوْرَد سُؤَالًا في الآيَة التي تَلِيها، وهِي قَوله تَعالى: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف: ٧]، وهو إنْ "قَال قَائل: وكَيف يَسْأل الرُّسُل والْمُرْسَل إلَيهم، وهو يُخْبِر أنه يَقُصّ عَليم بِعِلْم بأعْمَالِهم وأفْعَالِهم في ذَلك؟

стр. 523

قِيل: إنَّ ذَلك مِنه تَعالى ذِكْرُه لَيْس بِمَسْألَة اسْتِرْشَاد، ولا مَسْألَة تَعَرُّف مَنهم مَا هو بِه غَير عَالِم، وإنَّمَا هو مَسْألَة تَوْبِيخ وتَقْرِير مَعْنَاها الْخَبَر، فَمَسْألَة الله الْمُرْسَلَ إلَيهم بِأن يَقُول لَهم: ألَم يَأتِكُم رُسُلي بِالبَيِّنَات؟ ألَم أبْعَث إلَيكم النُّذُر فَتُنْذِرَكم عَذَابي وعِقَابي في هَذا اليَوْم مَنْ كَفَر بِي وعَبَد غَيْرِي؟ وأمَّا مَسْألَة الرُّسُل الذِي هو قَصَص وخَبَر، فإنَّ الأُمَم الْمُشْرِكَة لَمَّا سُئلَتْ في القِيَامَة قِيل لَها: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٧١] أنْكَر ذلك كَثير مِنهم وقَالُوا: مَا جَاءنا مِنْ بَشِير ولا نَذِير. فَقِيل للرُّسُل: هل بَلّغْتُم مَا أُرْسِلْتم بِه؟ أوْ قِيل لَهم: ألَم تُبَلِّغُوا إلى هَؤلاء مَا أرْسِلْتُم بِه؟ فَمَسْألَة الله للرُّسُل على وَجْه الاسْتِشْهَاد لَهم على مَنْ أُرْسِلُوا إليه مِنْ الأُمَم، وللمُرْسَل إلَيهم على وَجْه التَّقْرِير والتَّوْبِيخ، وكُلّ ذلك بمَعْنَى القَصَص والْخَبَر. فأما الذي هو عن الله مَنْفِي مِنْ مَسْألَتِه خَلْقِه، فَالْمَسْألَة التي هي مَسْألة اسْتِرْشَاد واسْتِثْبَات فِيمَالا يَعْلَمه السَّائل عنها ويَعْلَمه الْمَسْئول، لِيَعْلَم السَّائل عِلْم ذَلك مِنْ قِبَلِه، فَذلك غَير جَائز أن يُوصَف الله به؛ لأنَّه العَالِم بِالأشْيَاء قَبْل كَوْنِها، وفي حَال كَوْنِها، وبَعْد كَوْنِها، وهي الْمَسْألَة التي نَفَاها جَلَّ ثَنَاؤه عَنْ نَفْسِه بِقَولِه: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، وبِقَولِه: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) يَعْنِي: لا يَسْأل عن ذَلك أحَدًا مِنْهم عِلْمَ مُسْتَثْبِت، لِيَعْلَم عِلْم ذلك مِنْ قِبَل سَأل مِنه؛ لأنَّه العَالِم بِذَلك كُلّه، وبِكُلّ شَيء غَيره" (١). ويَرى ابن جرير أنَّ آيَة "الحجر" خَاصَّة بِالسُّؤَال عن التَّوحِيد، فَيَقُول: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : فَوَرَبِّك يَا محمد لَنَسْألَنّ هَؤلاء - الذِين جَعَلُوا القُرْآن في الدُّنيا عِضِين - في الآخِرَة عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون في الدُّنيا فِيمَا أمَرْنَاهُم بِه،

стр. 524

وفِيمَا بَعَثْنَاك بِه إلَيهم مِنْ آي كِتَابِي الذِي أنْزَلْتُه إليهم، وفِيمَا دَعوْنَاهم إليه مِنْ الإقْرَار بِه، ومِن تَوْحِيدِي والبَرَاءة مِنْ الأنْدَاد والأوْثَان (١). وفي آيَة "الصَّافات" يَرَى ابنُ جَرير أنَّ مَعْنَى قَولَه تَعَالى: (وَقِفُوُهُمْ): "احْبِسُوهم، أي: احْبِسُوا أيُّها الْمَلائكَةَ هَؤلاء الْمُشْرِكِين الذِين ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأزْوَاجَهم، ومَا كَانُوا يَعْبُدُون مِنْ دُون الله مِنْ الآلِهَة، (إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) " (٢). ثم ذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأويل في الْمَعْنَى الذي يَأمُر اللهُ تَعالى ذِكْرُه بِوَقْفِهم لِمَسْألَتِهم عَنه (٣). وذَكَر في آيَة "القصص" ثَلاثَة أقْوَال صَدَّرَها بِصِيغَة تَمْرِيض، فَقَال: وقَوله: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) قِيل: إنَّ مَعْنَى ذَلك: أنَّهم يَدْخُلُون النَّار بِغَير حِسَاب (٤). وقِيل: مَعْنَى ذَلك: أنَّ الْمَلائكَة لا تَسْأل عَنْهم؛ لأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيمَاهُم. وقِيل: مَعْنَى ذَلك: ولا يُسْأل عن ذُنُوب هَؤلاء الذين أهْلَكَهم الله مِنْ الأُمَم الْمَاضِيَة، الْمُجْرِمُون: فِيمَ أُهْلِكُوا؟ (٥) وبِنحو ذَلك قَال في تَفسير سورة "الرحمن"، حَيث قَال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه: فَيَومَئذٍ لا يَسْأل الْمَلائكةُ الْمُجْرِمِين عن ذُنُوبِهم؛ لأنَّ الله قد حَفِظَها عليهم، ولا يَسْألُ بَعضَهم عن ذُنُوب بَعْض رَبُّهُمْ (٦).

стр. 525

كَمَا يَرَى أنَّ قَوله تَعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) "مِثْل قَوله تَعالى: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)، ومِثل قَوله لِمُحَمَّد ﷺ : (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) [البقرة: ١١٩] (١). أمَّا ابن كَثير فيَرَى أنَّ قَوله تَعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) كَقَوْلِه: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥]، وقَوْله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩]، فَيَسْأل اللهُ الأُمَم يَوْم القِيَامَة عَمَّا أجَابُوا رُسُلَه فِيمَا أرْسَلَهم بِه، ويَسْأل الرُّسُل أيضًا عن إبْلاغ رِسَالاتِه، ولِهَذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تَفْسِير هَذه الآيَة: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) قال: عَمّا بَلَّغُوا" (٢). ثم اسْتَدَلّ على ذَلك بِمَا رَوَاه ابن مَردويه عن ابن عمر قَال: قَال رسول الله ﷺ : كُلُّكم رَاعٍ وكُلُّكُم مَسْؤول عن رَعِيَّتِه؛ فَالإمَام يُسْأل عَنْ رَعِيَّتِه، والرَّجُل يُسْأل عن أهْلِه، والْمَرْأة تُسْأل عن بَيْت زَوْجِها، والعَبْد يُسْأل عن مَالِ سَيِّدِه. قال الليث: وحدثني ابن طاوس مِثْله، ثم قَرَأ: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ). وهذا الْحَدِيث مُخَرَّج في الصَّحِيحَين بِدُون هَذه الزِّيَادَة (٣). وفي آية "الْحِجْر" ذَكَر ابنُ كثير سَبَب نُزُول الآيَة، ثم أوْرَد رِوَايَات تَنُصّ على أنَّ السُّؤَال عن كَلِمَة التَّوحِيد، وأوْرَد مَا رَوَاه الترمذي (٤).

стр. 526

واختَصَر القَوْل في آيَة "الصافات"، حَيث يَقُول فِيهَا: أي: قِفُوهُم حَتى يُسْألُوا عن أعْمَالِهم وأقْوَالِهم التي صَدَرَتْ عنهم في الدَّار الدُّنيا، كَمَا قال الضَّحاك عن ابن عَباس: يَعْنِي: احْبِسُوهم إنَّهم مُحَاسَبُون (١). كما اقْتَصَر في آيَة "القَصص" على قَوله: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ): أي: لِكَثْرَة ذُنُوبِهم (٢). وأشَار إلى كَوْن السُّؤَال في حَال دُون حَال، وذَلك في تَفْسير سُورَة "الرحمن"، إذ يَقُول: وقَوله تَعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) وهَذه كَقَولِه تَعالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فَهذا في حَال، وثَمّ حَال يُسْأل الْخَلائق عن جَمِيع أعْمَالِهم، قَال الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ولِهذا قَال قَتادة: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ): قد كَانَتْ مَسْألَة ثُم خُتِم على أفْوَاه القَوْم، وتَكَلَّمَتْ أيدِيهِم وأرْجُلِهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا يَسْألُهم: هَلْ عَمِلْتُم كذا وكذا؟ لأنه أعْلَم بِذلك مِنهم، ولَكِن يَقُول: لِمَ عَمِلْتُم كَذا وكَذا؟ فَهَذا قَول ثَانٍ. وقال مجاهد في هَذه الآيَة: لا تَسْأل الْمَلائكَة عن الْمُجْرِمِين، بل يُعْرَفُون بِسِيمَاهم وهَذا قَوْل ثَالِث، وكَأن هَذا بَعْد مَا يُؤمَر بِهم إلى النَّار، فَذلك الوَقْت لا يُسْألُون عن ذُنُوبِهم، بل يُقَادُون إلَيها ويُلْقَون فِيها (٣). رأي الباحث: الْجَمْع بين الآيَات مِنْ ثَلاثة أوْجُه:

стр. 527

الأوَّل: أنَّ القِيَامَة مَوَاطِن لِطُول ذَلك اليَوم، فيُسْأل في بَعْضِها، ولا يُسْأل في بَعْضِها. الثَّاني: أنَّ السُّؤَال قَبْل الْخَتْم على الْجَوَارِح، كَمَا جَاءت بِذلك الأحَادِيث. الثَّالث: احْتِمَال أن يُرَاد بـ (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) سُؤَال تَقْرِير تَلِيه الْمَغْفِرة؛ لأنَّ ذَلك مِنْ شَأن الْمُؤمِن، كَمَا جَاءت بِذَلك الأحَادِيث. روى البخاري (١) ومسلم (٢) من طريق صَفوان بن محرز المازني قال: بَيْنَمَا أنا أمْشِي مَع ابن عمر ﵄ آخِذ بِيَدِه إذْ عَرَض رَجُل فَقَال: كَيف سَمِعْتَ رسول الله ﷺ في النجْوى؟ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: إنَّ الله يُدْنِي الْمُؤمِن فَيضَع عَليه كَنَفَه ويَسْتُرُه فَيَقُول: أتَعْرِف ذَنْب كَذا؟ أتَعْرِف ذَنْب كَذا؟ فَيَقُول: نَعم، أيْ رَبّ، حَتى إذا قَرَّرَه بِذُنُوبِه ورَأى في نَفْسِه أنَّه هَلَك قَال: سَتَرْتُها عَليك في الدُّنيا وأنَا أغْفِرُها لَك اليَوْم، فيُعْطَى كِتَاب حَسَنَاتِه، وأمَّا الكَافِر والْمُنَافِق فَيَقُول الأشْهَاد: هَؤلاء الذِين كَذَبُوا على رَبِّهم ألَا لَعْنَة الله على الظَّالِمِين. ورَوى مسلم (٣) مِنْ حَدِيث أبي ذَرّ ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : إني لأعْلم آخِر أهْل الْجَنَّة دُخُولًا الْجَنَّة، وآخِر أهْل النَّار خُرُوجًا مِنها؛ رَجُل يُؤتَى بِه يَوْم القِيَامَة فَيُقَال: اعْرِضُوا عَليه صِغَار ذُنُوبِه وارْفَعُوا عَنه كِبَارَهَا، فتُعْرَض عليه صِغَار ذُنُوبِه فَيُقَال: نَعَم، لا يَسْتَطِيع أن يُنْكِر، وهو مُشْفِق مِنْ كِبَار ذُنُوبِه أنْ تُعْرَض عَليه، فَيُقَال لَه: فإنَّ لك مَكَان كُلّ سَيِّئَة حَسَنَة، فَيَقُول: رَبّ قد عَمِلْتُ أشْيَاء لا أَرَاهَا هَهنا! فَلَقَد رَأيتُ رَسُول الله ﷺ ضَحِك حَتى بَدَتْ نَواجِذُه.

стр. 528

فَهذا السُّؤَال عن الذُّنُوب سُؤَال يَتْبَعه مَغْفِرة، وهَذا السُّؤَال والْحَال مَنْفِيّ عن الكُفَّار وعن الْمُجْرِمِين. وهذا مُحْتَمَل أنَّه سُؤَال عَرْض، وهو الْمُرَاد بِقولِه تَعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسِبُ حِسَابًا يَسِيرًا) [الانشقاق: ٨]، وقد سُئل عنه رَسُول الله ﷺ فقال: إنّمَا ذَلِك العَرْض، ولكِن مَنْ نُوقِش الْحِسَاب يَهْلك (١). ورَجَّح الشنقيطي "أنَّ السُّؤَال قِسْمَان: سُؤَال تَوْبِيخ وتَقْرِيع، وأداته غالبًا (لِمَ)، وسؤال اسْتِخْبَار واسْتِعْلام، وأدَاته غَالِبًا (هَلْ)؛ فَالْمُثْبَت هو سُؤال التوبيخ والتَّقْرِيع، والْمَنْفِي هو سؤال الاسْتِخْبَار والاسْتِعلام" (٢). ومَا عَدَا هَذِه الوُجُوه الثَّلاثَة رَاجِع إليها. وأمَّا تَخْصِيص السُّؤَال بِالتَّوْحِيد دُون مَا عَدَاه فهو مُتَعَقِّب بِالسُّؤَال عن غَيْره مِنْ الأعْمَال، إلَّا أن يُرَاد أنَّ التَّوْحِيد أصْل الأُصُول، أو أنَّه القَدْر الْمُتَّفَق عليه. قال النووي: في الآيَة وَجْه آخَر - وهو الْمُخْتَار - والْمَعْنَى: لَنَسْألَنَّهم عن أعْمَالِهم كُلّها التي يَتَعَلَّق بِها التَّكْلِيف، وقَوْل مَنْ خَصّ بِلَفْظ التَّوْحِيد دَعْوى تَخْصِيص بِلا دَلِيل، فلا تُقْبَل. ثم رَوى حَدِيث التِّرْمِذي (٣) وضَعَّفَه (٤). وقَال بَعْضُهم: لِتَخْصِيصِهم وَجْه مِنْ جِهَة التَّعْمِيم في قَولِه: (أَجْمَعِينَ)، فَيَدْخُل فيه الْمُسْلِم والكَافِر، فإنَّ الكَافِر مُخَاطَب بِالتَّوْحِيد بِلا خِلاف، بِخِلاف بَاقِي الأعْمَال

стр. 529

فَفِيهَا الْخِلاف (١)، فَمن قَال: إنَّهم مُخَاطَبُون، يَقُول: إنَّهم مَسْؤولُون عن الأعْمَال كُلّها، ومَن قَال: إنّهم غَير مُخَاطَبِين، يَقُول: إنَّمَا يُسْألُون عن التَّوْحِيد فَقط؛ فَالسُّؤَال عن التَّوحِيد مُتَّفَق عَليه، فَحَمْل الآيَة عليه أَوْلى بِخِلاف الْحَمْل على جَمِيع الأعْمَال لِمَا فِيها مِنْ الاخْتِلاف. قال العيني: قُلْتُ: هَذا القَائل قَصَد بِكَلامِه الرَّدّ على النووي، ولكنه تَاهَ في كَلامِه! فإنَّ النووي لم يَقُل بِنَفْي التَّخْصِيص لِعَدَم التَّعْمِيم في الكَلام، وإنَّمَا قال: دَعْوى التَّخْصِيص بِلا دَلِيل خَارِجِيّ لا تُقْبَل. والأمْر كذلك، فإنَّ الكَلام عَام في السُّؤَال عن التَّوْحِيد وغَيره، ثم دَعْوَى التَّخْصِيص بِالتَّوْحِيد يَحْتَاج إلى دَلِيل مِنْ خَارِج، فإن اسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيث الْمَذْكُور فَقَد أجَاب عَنه بِأنّه ضَعِيف، وهَذا القَائل فَهِم أيْضًا أن النِّزَاع في أنَّ التَّخْصِيص والتَّعْمِيم هُنا إنَّمَا هُو مِنْ جِهَة التَّعْمِيم في قَوله: (أَجْمَعِينَ)، ولَيس كَذلك، وإنَّمَا هُو في قَولِه: (عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فإنَّ العَمَل هُنا أعَمّ مِنْ أن يَكُون تَوْحِيدًا أوْ غيره، وتَخْصِيصه بِالتَّوْحِيد تَحَكُّم (٢).

стр. 530

المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابلة في مُقابِل الْمَطْلب الأوَّل - وهو إيرَاد الآيَة ومَا يُقَابِلُها بِالنَّصّ عَليها - هُناك طَرِيقَة أُخْرَى، وهي الاكْتِفَاء بالإشَارَة إلى مَعْنَى الآيَة الْمُقَابِلَة. وسَأكْتَفِي أيضًا بِأنْمُوذَجَين، وسَأقْتَصِر في الْمُقَارَنَة على مِثَالَين، اكْتِفَاء بِمَا سَبق. ف المثال الأول: الأَمْر بِالفِسْق: قَوله تَعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف: ٢٨]، مَع قَوله تَعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: ١٦]. صورة التعارض: يُفهَم مِنْ ظَاهِر آيَة "الإسراء" أنَّ الله يأْمر مُتْرَفِي القُرَى - الْمُرَاد إهْلاكُها - بالفِسْق، بَيْنَما في آيَة "الأعراف" نَفْي الأمْر بالفَحْشَاء، ويَدْخُل فِيه الفِسْق. جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "الأعراف" مَا نَصّه: الفَاحِشَة هُنا - في قَوْل أكْثَر الْمُفَسِّرِين - طَوَافُهم بِالبَيْتِ عُرَاة. وقال الْحَسَن: هي الشِّرْك والكُفْر. واحْتَجُّوا على ذلك بِتَقْلِيدِهم أسْلافَهم، وبِأنَّ الله أمَرَهم بِهَا. وقال الْحَسَن: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) قَالُوا: لَو كَرِه الله مَا نَحْن عَليه لَنَقَلَنَا عَنه.
следующие страницы →