← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واختَصَر القَوْل في آيَة "الصافات"، حَيث يَقُول فِيهَا: أي: قِفُوهُم حَتى يُسْألُوا عن أعْمَالِهم وأقْوَالِهم التي صَدَرَتْ عنهم في الدَّار الدُّنيا، كَمَا قال الضَّحاك عن ابن عَباس: يَعْنِي: احْبِسُوهم إنَّهم مُحَاسَبُون (١). كما اقْتَصَر في آيَة "القَصص" على قَوله: (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ): أي: لِكَثْرَة ذُنُوبِهم (٢). وأشَار إلى كَوْن السُّؤَال في حَال دُون حَال، وذَلك في تَفْسير سُورَة "الرحمن"، إذ يَقُول: وقَوله تَعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) وهَذه كَقَولِه تَعالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، فَهذا في حَال، وثَمّ حَال يُسْأل الْخَلائق عن جَمِيع أعْمَالِهم، قَال الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ولِهذا قَال قَتادة: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ): قد كَانَتْ مَسْألَة ثُم خُتِم على أفْوَاه القَوْم، وتَكَلَّمَتْ أيدِيهِم وأرْجُلِهم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا يَسْألُهم: هَلْ عَمِلْتُم كذا وكذا؟ لأنه أعْلَم بِذلك مِنهم، ولَكِن يَقُول: لِمَ عَمِلْتُم كَذا وكَذا؟ فَهَذا قَول ثَانٍ. وقال مجاهد في هَذه الآيَة: لا تَسْأل الْمَلائكَة عن الْمُجْرِمِين، بل يُعْرَفُون بِسِيمَاهم وهَذا قَوْل ثَالِث، وكَأن هَذا بَعْد مَا يُؤمَر بِهم إلى النَّار، فَذلك الوَقْت لا يُسْألُون عن ذُنُوبِهم، بل يُقَادُون إلَيها ويُلْقَون فِيها (٣). رأي الباحث: الْجَمْع بين الآيَات مِنْ ثَلاثة أوْجُه:

стр. 527

الأوَّل: أنَّ القِيَامَة مَوَاطِن لِطُول ذَلك اليَوم، فيُسْأل في بَعْضِها، ولا يُسْأل في بَعْضِها. الثَّاني: أنَّ السُّؤَال قَبْل الْخَتْم على الْجَوَارِح، كَمَا جَاءت بِذلك الأحَادِيث. الثَّالث: احْتِمَال أن يُرَاد بـ (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) سُؤَال تَقْرِير تَلِيه الْمَغْفِرة؛ لأنَّ ذَلك مِنْ شَأن الْمُؤمِن، كَمَا جَاءت بِذَلك الأحَادِيث. روى البخاري (١) ومسلم (٢) من طريق صَفوان بن محرز المازني قال: بَيْنَمَا أنا أمْشِي مَع ابن عمر ﵄ آخِذ بِيَدِه إذْ عَرَض رَجُل فَقَال: كَيف سَمِعْتَ رسول الله ﷺ في النجْوى؟ فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: إنَّ الله يُدْنِي الْمُؤمِن فَيضَع عَليه كَنَفَه ويَسْتُرُه فَيَقُول: أتَعْرِف ذَنْب كَذا؟ أتَعْرِف ذَنْب كَذا؟ فَيَقُول: نَعم، أيْ رَبّ، حَتى إذا قَرَّرَه بِذُنُوبِه ورَأى في نَفْسِه أنَّه هَلَك قَال: سَتَرْتُها عَليك في الدُّنيا وأنَا أغْفِرُها لَك اليَوْم، فيُعْطَى كِتَاب حَسَنَاتِه، وأمَّا الكَافِر والْمُنَافِق فَيَقُول الأشْهَاد: هَؤلاء الذِين كَذَبُوا على رَبِّهم ألَا لَعْنَة الله على الظَّالِمِين. ورَوى مسلم (٣) مِنْ حَدِيث أبي ذَرّ ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : إني لأعْلم آخِر أهْل الْجَنَّة دُخُولًا الْجَنَّة، وآخِر أهْل النَّار خُرُوجًا مِنها؛ رَجُل يُؤتَى بِه يَوْم القِيَامَة فَيُقَال: اعْرِضُوا عَليه صِغَار ذُنُوبِه وارْفَعُوا عَنه كِبَارَهَا، فتُعْرَض عليه صِغَار ذُنُوبِه فَيُقَال: نَعَم، لا يَسْتَطِيع أن يُنْكِر، وهو مُشْفِق مِنْ كِبَار ذُنُوبِه أنْ تُعْرَض عَليه، فَيُقَال لَه: فإنَّ لك مَكَان كُلّ سَيِّئَة حَسَنَة، فَيَقُول: رَبّ قد عَمِلْتُ أشْيَاء لا أَرَاهَا هَهنا! فَلَقَد رَأيتُ رَسُول الله ﷺ ضَحِك حَتى بَدَتْ نَواجِذُه.

стр. 528

فَهذا السُّؤَال عن الذُّنُوب سُؤَال يَتْبَعه مَغْفِرة، وهَذا السُّؤَال والْحَال مَنْفِيّ عن الكُفَّار وعن الْمُجْرِمِين. وهذا مُحْتَمَل أنَّه سُؤَال عَرْض، وهو الْمُرَاد بِقولِه تَعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسِبُ حِسَابًا يَسِيرًا) [الانشقاق: ٨]، وقد سُئل عنه رَسُول الله ﷺ فقال: إنّمَا ذَلِك العَرْض، ولكِن مَنْ نُوقِش الْحِسَاب يَهْلك (١). ورَجَّح الشنقيطي "أنَّ السُّؤَال قِسْمَان: سُؤَال تَوْبِيخ وتَقْرِيع، وأداته غالبًا (لِمَ)، وسؤال اسْتِخْبَار واسْتِعْلام، وأدَاته غَالِبًا (هَلْ)؛ فَالْمُثْبَت هو سُؤال التوبيخ والتَّقْرِيع، والْمَنْفِي هو سؤال الاسْتِخْبَار والاسْتِعلام" (٢). ومَا عَدَا هَذِه الوُجُوه الثَّلاثَة رَاجِع إليها. وأمَّا تَخْصِيص السُّؤَال بِالتَّوْحِيد دُون مَا عَدَاه فهو مُتَعَقِّب بِالسُّؤَال عن غَيْره مِنْ الأعْمَال، إلَّا أن يُرَاد أنَّ التَّوْحِيد أصْل الأُصُول، أو أنَّه القَدْر الْمُتَّفَق عليه. قال النووي: في الآيَة وَجْه آخَر - وهو الْمُخْتَار - والْمَعْنَى: لَنَسْألَنَّهم عن أعْمَالِهم كُلّها التي يَتَعَلَّق بِها التَّكْلِيف، وقَوْل مَنْ خَصّ بِلَفْظ التَّوْحِيد دَعْوى تَخْصِيص بِلا دَلِيل، فلا تُقْبَل. ثم رَوى حَدِيث التِّرْمِذي (٣) وضَعَّفَه (٤). وقَال بَعْضُهم: لِتَخْصِيصِهم وَجْه مِنْ جِهَة التَّعْمِيم في قَولِه: (أَجْمَعِينَ)، فَيَدْخُل فيه الْمُسْلِم والكَافِر، فإنَّ الكَافِر مُخَاطَب بِالتَّوْحِيد بِلا خِلاف، بِخِلاف بَاقِي الأعْمَال

стр. 529

فَفِيهَا الْخِلاف (١)، فَمن قَال: إنَّهم مُخَاطَبُون، يَقُول: إنَّهم مَسْؤولُون عن الأعْمَال كُلّها، ومَن قَال: إنّهم غَير مُخَاطَبِين، يَقُول: إنَّمَا يُسْألُون عن التَّوْحِيد فَقط؛ فَالسُّؤَال عن التَّوحِيد مُتَّفَق عَليه، فَحَمْل الآيَة عليه أَوْلى بِخِلاف الْحَمْل على جَمِيع الأعْمَال لِمَا فِيها مِنْ الاخْتِلاف. قال العيني: قُلْتُ: هَذا القَائل قَصَد بِكَلامِه الرَّدّ على النووي، ولكنه تَاهَ في كَلامِه! فإنَّ النووي لم يَقُل بِنَفْي التَّخْصِيص لِعَدَم التَّعْمِيم في الكَلام، وإنَّمَا قال: دَعْوى التَّخْصِيص بِلا دَلِيل خَارِجِيّ لا تُقْبَل. والأمْر كذلك، فإنَّ الكَلام عَام في السُّؤَال عن التَّوْحِيد وغَيره، ثم دَعْوَى التَّخْصِيص بِالتَّوْحِيد يَحْتَاج إلى دَلِيل مِنْ خَارِج، فإن اسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيث الْمَذْكُور فَقَد أجَاب عَنه بِأنّه ضَعِيف، وهَذا القَائل فَهِم أيْضًا أن النِّزَاع في أنَّ التَّخْصِيص والتَّعْمِيم هُنا إنَّمَا هُو مِنْ جِهَة التَّعْمِيم في قَوله: (أَجْمَعِينَ)، ولَيس كَذلك، وإنَّمَا هُو في قَولِه: (عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فإنَّ العَمَل هُنا أعَمّ مِنْ أن يَكُون تَوْحِيدًا أوْ غيره، وتَخْصِيصه بِالتَّوْحِيد تَحَكُّم (٢).

стр. 530

المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابلة في مُقابِل الْمَطْلب الأوَّل - وهو إيرَاد الآيَة ومَا يُقَابِلُها بِالنَّصّ عَليها - هُناك طَرِيقَة أُخْرَى، وهي الاكْتِفَاء بالإشَارَة إلى مَعْنَى الآيَة الْمُقَابِلَة. وسَأكْتَفِي أيضًا بِأنْمُوذَجَين، وسَأقْتَصِر في الْمُقَارَنَة على مِثَالَين، اكْتِفَاء بِمَا سَبق. ف المثال الأول: الأَمْر بِالفِسْق: قَوله تَعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف: ٢٨]، مَع قَوله تَعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: ١٦]. صورة التعارض: يُفهَم مِنْ ظَاهِر آيَة "الإسراء" أنَّ الله يأْمر مُتْرَفِي القُرَى - الْمُرَاد إهْلاكُها - بالفِسْق، بَيْنَما في آيَة "الأعراف" نَفْي الأمْر بالفَحْشَاء، ويَدْخُل فِيه الفِسْق. جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "الأعراف" مَا نَصّه: الفَاحِشَة هُنا - في قَوْل أكْثَر الْمُفَسِّرِين - طَوَافُهم بِالبَيْتِ عُرَاة. وقال الْحَسَن: هي الشِّرْك والكُفْر. واحْتَجُّوا على ذلك بِتَقْلِيدِهم أسْلافَهم، وبِأنَّ الله أمَرَهم بِهَا. وقال الْحَسَن: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) قَالُوا: لَو كَرِه الله مَا نَحْن عَليه لَنَقَلَنَا عَنه.

стр. 531

(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) بَيَّن أنهم مُتَحَكِّمُون ولا دَلِيل لهم على أنَّ الله أمَرَهم بِمَا ادَّعَوا. وقد مَضَى ذَمّ التَّقْلِيد، وذَمّ كَثِير مِنْ جَهَالاتِهم، وهَذا مِنها (١). بَيْنَمَا قَال في آيَة "الإسراء": قَوله تَعالى: (أمَرْنَا) قَرأ أبو عثمان النَّهْدِي وأبو رجاء وأبو العالية والربيع ومجاهد والحسن: (أمَّرْنا) بالتَّشْدِيد، وهي قِرَاءة عَلي ﵁. أي: سَلَّطْنَا شِرَارَها فَعَصَوا فِيها، فإذا فَعَلُوا ذلك أهْلَكْنَاهم، وقال أبو عثمان النهدي: أمَّرْنا - بِتَشْدِيد الميم - جَعَلْناهم أُمَراء مُسَلَّطِين (٢). وتَأمَّر عَليهم: تَسَلَّط عَليهم. وقرأ الحسن أيضًا وقتادة وأبو حيوة بالشامي ويعقوب (٣) وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس - باختلاف عنهما - (آمَرنا) بالمد والتخفيف، أي: أكْثَرنا جَبَابِرَتها وأُمَرَاءها، قاله الكسائي. وقال أبو عبيدة: آمَرْته بِالْمَدّ وأمَرْته لُغَتَان بِمَعْنَى: كَثَّرته. وفي الصحاح: وقال أبو الحسن: أَمِر مَالُه - بالكَسْر -، أي: كَثُر، وأمِر القوم أي: كَثُروا. قال ابن مسعود: كُنَّا نَقُول في الْجَاهِلية للحَيِّ إذا كَثُروا: أمِر أمْر بَنِي فُلان. قلت: وفي حَدِيث هِرَقل - الْحَدِيث الصَّحِيح - لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه لَيَخافه مَلك بَني الأصْفر (٤). أي: كَثُر. وكُلّه غير مُتَعَدّ. ولذلك أنْكَرَه الكسائي.

стр. 532

قال المهدوي: ومَن قَرأ (أمِر) فهي لُغة، ووَجْه تَعْدِيَة أمرِ أنه شَبّهه بِعَمِر (١) من حَيث كَانت الكَثْرة أقْرَب شَيء إلى العمَارة، فَعَدّى كَما عَدى عَمِر. البَاقُون (٢): (أمَرْنا) مِنْ الأمْر، أي: أمَرْناهم بالطَّاعة إعْذَارًا وإنْذَارًا وتَخْويفًا ووَعِيدًا (فَفَسَقُوا) أي: فَخَرَجُوا عن الطَّاعَة عَاصِين لَنا (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) فَوَجب عَليها الوَعِيد. عن ابن عباس. وقيل: أمَرنا: جَعلناهم أمَرَاء؛ لأنَّ العرب تقول: أمِير غير مَأمُور، أي: غير مُؤمَّر. وقيل: مَعْنَاه: بَعَثْنا مُسْتَكْبِرِيها، قال هارون: في قِراءة أُبَيّ: (بَعَثْنَا أكَابِر مُجْرِمِيها فَفَسَقُوا) (٣) ذَكَرَه الماوَرْدِي. ويَجُوز أن يَكُون (أمَرنا) بِمَعْنى أكْثَرْنا .... وعلى هذا لا يُقَال: أمَرَهم الله بِمَعْنَى كَثَّرَهم، بل يُقالُ: آمَره وأمِره. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة العامة، قال أبو عبيد: وإنَّما اخْتَرْنا (أَمَرْنَا) لأنَّ الْمَعَاني الثَّلاثة تَجْتَمِع فيها مِنْ الأمْر والإمَارة والكَثْرة. والْمُتْرَف الْمُنعَّم. وخُصُّوا بِالأمْر لأنَّ غيرهم تَبَع لهم (٤). فلم يُشِر القرطبي في تفسِير آيَة "الأعراف" إلى نَفْي الأمر الْمُثْبَت في آيَة "الإسراء"، اكْتِفَاءً بِمَا بيَّنَه في مَعْنَى الأمْر في آية "الإسراء". ملخص جواب القرطبي: ١ - أمَّرنا بِمَعْنى: سَلَّطْنَا شِرَارَها فَعَصَوا فِيها، فإذا فَعَلُوا ذلك أهْلَكْنَاهُم.

стр. 533

٢ - أمَّرنا بِمَعْنَى: جَعَلْناهم أُمَرَاء مُسَلَّطِين. ٣ - أكْثَرْنا جَبَابِرَتها وأُمَرَاءها، وهذا دَاعٍ إلى الظُّلْم الذي تَزُول به الأُمَم. ٣ - أمَرْنا: أي: أمَرْناهم بِالطَّاعَة، فَخَرَجُوا عن الطَّاعَة عَاصِين لَنا، فَوَجب عليها الوَعِيد. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: رَوى ابنُ جرير بإسْنَادِه إلى مُجَاهِد قَوله في تَفسير آية الأعراف: كَانُوا يَطُوفُون بِالبَيْت عُرَاة، يَقُولُون: نَطُوف كَمَا وَلَدَتْنا أُمّهاتُنا (١). ورَوى نحوه عن سعيد بن جبير وعن الشعبي. ورَوى عن ابن عباس قوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) قال: طَوَافُهم بِالبَيت عُرَاة (٢). "فَتَأويل أوْلِياء - قَبِيحًا مِنْ الفِعْل - وهو الفَاحِشَة، وذلك تَعَرِّيهم للطَّوَاف بِالبَيْت، وتَجَرّدُهم له - فَعُذِلُوا على مَا أتَوا مِنْ قَبِيح فِعْلِهم، وعُوتِبُوا عَليه، قَالُوا: وَجَدْنا على مِثْل مَا نَفْعَل (٣) آبَاءَنا، فَنَحْن نَفْعَل مِثْل مَا كَانُوا يَفْعَلُون، ونَقْتَدِي بِهَدْيِهم، ونَسْتَنّ بِسُنَّتِهم، والله أمَرَنا بِه، فَنَحْن نَتَّبِع أمْرَه فِيه. يَقُول الله جَلّ ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : قُلْ يَا محمد لَهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) يَقُول: لا يَأمُر خَلْقَه بِقَبَائح الأفْعَال ومَسَاوِيها، (أَتَقُولُونَ) أيُّها النَّاس (عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يَقُول: أتَرْوُون على الله أنه أمَرَكُم بالتَّعَرِّي والتَّجَرُّد مِنْ الثِّيَاب واللبَاس للطَّوَاف، وأنتم لا تَعْلَمُون أنه أمَرَكُم بِذلك؟ " (٤)

стр. 534

وفي آيَة "الإسراء" ذَكَر ابن جرير اخْتِلاف القُرَّاء "في قِرَاءة قَوله: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) فَقَرَأت ذلك عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز والعِرَاق: (أَمَرْنَا) بِقَصْر الألف وغَير مَدِّها وتَخْفِيف الْمِيم وفَتْحِها". ثم ذَكَر ابن جرير توجيه القِرَاءة على هَذا الوَجْه بِقَولِه: "وإذا قُرئ ذلك كَذلك، فإنَّ الأغْلَب مِنْ تَأوِيلِه: أمَرْنا مُتْرَفِيها بالطَّاعَة فَفَسَقُوا فيها بِمُعْصِيَتِهم الله، وخِلافِهم أمْرَه، كَذلك تأوَّله كَثِير مِمَّنْ قَرَأه كَذلك" (١). "وقد يَحْتَمِل أيضًا إذا قُرِئ كَذلك أن يَكُون مَعْنَاه: جَعَلْنَاهم أمَرَاء فَفَسَقُوا فيها؛ لأنَّ العَرَب تَقُول: هو أمِير غَير مَأمُور. وقد كَان بَعْض أهْل العِلْم بِكَلام العَرَب مِنْ أهْل البَصْرَة يَقُول: قد يَتَوَجَّه مَعْنَاه إذا قُرئ كذلك إلى مَعْنَى أكْثَرْنا مُتْرَفِيها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب مِنْ الكوفيين يُنْكِر ذلك مِنْ قِيله، ولا يُجيز (أمِرْنا) بمعنى أكْثَرْنا إلَّا بِمَدّ الألِف مِنْ (آمَرْنا) … وقرأ ذلك أبو عثمان (٢) (أمَّرْنا) بِتَشْدِيد الْمِيم، بِمَعْنى الإمَارَة " (٣). واخْتَار ابن جرير أنَّ "أَوْلى القِرَاآت في ذلك بِالصَّوَاب قِرَاءَة مَنْ قَرأ (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) بِقَصْر الألِف مِنْ (أَمَرْنَا) وتَخْفِيف الْمِيم منها؛ لإجْمَاع الْحُجَّة مِنْ القَرَأة على تَصْوِيبِها دُون غَيرها" (٤). وإذا كَان ذَلك هو الأَوْلى بِالصَّوَاب بالقِرَاءة فأوْلى التَّأوِيلات بِه تَأوِيل مَنْ تأوَّله: أمَرْنا أهْلها بِالطَّاعة فَعَصَوا وفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عليهم القَول؛ لأنَّ الأغْلَب مِنْ مَعْنَى (أَمَرْنَا) الأمْر الذي هو خِلاف النَّهي دُون غيره، وتَوجِيه مَعَاني كَلام الله جَل ثَناؤه إلى الأشْهَر الأعْرَف مِنْ مَعَانِيه أَوْلى مَا وُجِد إليه سَبِيل مِنْ غَيره.

стр. 535

ومَعْنَى قَوله: (فَفَسَقُوا فِيهَا): فَخَالَفُوا أمْرَ الله فِيها، وخَرَجُوا عن طَاعَتِه. (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) يَقُول: فَوَجَب عليهم بِمَعْصِيَتِهم الله وفُسُوقِهم فِيها وَعِيد الله الذي أوْعَد مَنْ كَفَر بِه وخَالف رُسُلَه مِنْ الهلاك بَعد الإعْذَار والإنْذار بالرُّسُل والْحُجَج (١). وأوْرَد ابن كثير مَا رَواه ابن جرير مِنْ قَول مجاهد في سَبَب نُزُول الآيَة، ثم قال: كَانت العَرَب مَا عَدا قُرَيشًا لا يَطُوفُون بِالبَيْت في ثِيَابِهم التي لَبِسُوها، يَتأوَّلُون في ذلك أنّهم لا يَطُوفُون في ثِيَاب عَصَوا الله فِيها، وكَانت قُرَيش - وهم الْحُمْس (٢) - يَطُوفُون في ثِيَابِهم، ومَن أعَارَه أحْمُسِي ثَوبًا طَاف فِيه، ومَن مَعه ثَوْب جَدِيد طَاف فِيه، ثم يُلْقِيه فلا يَتَمَلَّكُه أحَد، ومَن لم يَجِد ثَوْبًا جَدِيدًا ولا أعَارَه أحْمُسِي ثَوْبًا طَاف عُرْيَانا، ورُبَّمَا كَانت امْرَأة فَتَطُوف عُرْيَانة فَتَجْعَل على فَرْجِها شَيئًا لِيَسْتُرَه بَعْض السِّتْر … وأكْثَر مَا كان النِّسَاء يَطُفْن عُرَاة بِالليل، وكَان هَذا شَيئًا قَدْ ابْتَدَعُوه مِنْ تِلْقَاء أنْفُسِهم، واتَّبَعوا فيه آبَاءهم، ويَعْتَقِدُون أنَّ فِعْل آبَائهم مُسْتَنِد إلى أمْر مِنْ الله وشَرْع، فأنْكَر الله تَعالى عَليهم ذَلك، فَقَال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، فَقَال تَعالى رَدًّا عَليهم (قُلْ) أي: يَا محمد لِمَنْ ادَّعَى ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) أي: هذا الذي تَصْنَعُونه فاحِشَة مُنْكَرَة، والله لا يَأمُر بِمِثْل ذَلك (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: أتُسْنِدُون إلى الله مِنْ الأقْوَال مَا لا تَعْلَمُون صِحَّتَه؟ (٣)

стр. 536

وأشَار ابن كثير إلى الاخْتِلاف في قِرَاءة (أَمَرْنَا) في آيَة "الإسراء"، ثم ذَكَر الْخِلاف أيضًا في مَعْنَاها، ونَقَل عن ابن جرير مَا قَالَه، وتَعَقَّب قَوله: "وقد يَحْتَمِل أن يَكُون مَعْنَاه: جَعَلْنَاهم أمَرَاء" (١). بِقَولِه: إنَّمَا يَجِيء هَذا على قِرَاءة مَنْ قَرأ (أمَّرْنا مُتْرَفِيها) (٢). فابْنُ كَثير اكْتَفَى بِبَيَان الْمَعْنَى بِاخْتِصَار، دُون الإشَارَة إلى مَا يُتَوهَّم تَعَارُضه في الآيَة مِنْ حَيث الأمْر بالفِسْق في قَوله تَعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا). رأي الباحث: مِمَّا قَرَّرَه الأئمَة: أنَّ الله لا يَأمُر بِالفَحْشَاء، اسْتِدْلالًا بِقَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)، وهَذا مَحَلّ اتِّفَاق حَتى عِند غَير أهل الإسلام، فقد قَال هِرَقْل في سُؤَاله لأبي سُفيان عن أحْوال النبي ﷺ : مَاذا يَأمُرُكُم؟ قلت: يَقُول: اعْبُدُوا الله وحْدَه ولا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُول آبَاؤكم، ويَأمُرُنا بِالصَّلاة والصِّدْق والعَفَاف والصِّلَة (٣). ويَتّفِق العُقَلاء أيضًا على أنَّ دِين الإسْلام لَم يأتِ بشيء يُخَالِف العَقْل، فَقَد أمَر الإسْلام بِكُلّ فَضِيلَة، ونَهَى عن كُلّ رَذِيلَة.

стр. 537

"فما أمَر بِشيء فَقَال العَقْل: لَيْتَه لَم يَأمُر بِه، ولا نَهَى عن شيء فَقَال العَقْل: لَيْتَه لَمْ يَنْهَ عنه، بل هو مُطابِق للعَدْل والميزان" (١). وأمَّا قَوْل أهْل الْجَاهِلِيَّة عن الفَوَاحِش: وَجَدْنا عَليها آبَاءنا والله أمَرَنا بِها؛ فَهذا مِمَّا ابْتَدَعُوه مِنْ قِبَل أنْفُسِهم رَدًّا للشَّرِيعَة، كَمَا قَالُوا: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: ٢٢]، والْجَوَاب عن هَذا القَوْل في الآيَة التي تَلِيها: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف: ٢٣]، ولَو جَاءتْهم الآيَات والنُّذُر، فإنَّهم يَرُدُّون ذلك ولا يُؤمِنُون به كَمَا قَال تَعالى بَعد ذلك: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [الزخرف: ٢٤]، وكَمَا قَال أسْلافُهم مِنْ قَبْل: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنا لَهَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: ٥٣]. ورَوى البخاري (٢) ومسلم (٣) مِنْ طريق هشام بن عروة عن أبيه قَال: كَانت العَرَب تَطُوف بِالبَيت عُرَاة إلَّا الْحُمْس - والْحُمْس قُرَيش ومَا وَلَدَتْ - كَانُوا يَطُوفُون عُرَاة إلَّا أن تُعْطِيهم الْحُمْس ثِيَابًا؛ فَيْعُطِي الرِّجَال الرِّجَال، والنِّسَاء النِّسَاء. فهذا أيضًا مِمَّا ابْتَدَعُوه مِنْ قِبَل أنفُسِهم، ومِمَّا شَدَّدُوا به على أنْفُسِهم وعلى غيرهم. وأمَّا الأمْر في آيَة "الإسراء"؛ فهو أمْرٌ قَدَرِيّ كَوْني، وليس أمْرًا شَرْعِيًا، والفَرْق بَيْنَهُما: أنَّ الأمْر الكَوني وَاقِعٌ لا مَحَالة، والأمْر الشَّرْعِي قد يَقَع وقَد لا يَقَع، هذا مِنْ جِهة، ومِن جِهَة أُخْرَى فالأمْر الشَّرْعي يُحِبُّه الله ويَرْضَاه، والقَدَري لَيس مِنْ شَرْطِه أن يَكُون مَحْبُوبًا لله، مَرْضِيًّا لَه.

стр. 538

"وهَذا الأمْر القَدَرِيّ الكَوْنِيّ غَير الأمْر الشَّرْعِيّ، فإنَّ الله لا يَأمُر بِالفِسْق شَرْعًا، ولا يُحِبّ الفَاسِقِين، وإنَّمَا هو أمْر تَكْوين، ألَا تَرى أنَّ الفِسْق عِلَّة حَقّ القَوْل عَليهم، وحَقّ القَوْل عليهم عِلَّة لِتَدْمِيرِهم، وهَكذا الأمْر سَبَب لِفِسْقِهم ومُقْتَضٍ له، وذَلك هو أمْر التَّكْوين" (١). كَمَا أنَّ "الإرَادَة والقَضَاء والأمْر كُلّ مِنها يَنْقَسِم إلى: كَوْنِيّ وشَرْعِيّ" و"مِثَال الأمْر الكَوْنِيّ قَوله تَعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) " (٢). وهَذه مَسْألَة مُقَرَّرَة في كُتُب العَقَائد (٣)، وقد عَقَد ابن القيم بَابًا "في انْقِسَام القَضَاء والْحُكْم والإرَادَة والكِتَابَة والأمْر والإذْن والْجَعْل والكَلِمَات والبَعْث والإرْسَال والتَّحْرِيم والإنْشَاء إلى كَوْنِيّ مُتعلِّق بِخَلْقِه، وإلى دِينِيّ مُتَعَلِّق بأمْرِه" (٤). كَمَا أنَّ سُنّة الله اقْتَضَتْ أن لا يُعَذِّب أُمَّة ولا قَرْيَة حتى يَحِقّ القَوْل عَليها، ومِن أسْبَاب ذَلك كَثْرَة الفَسَاد والإفْسَاد، وذلك بِكَثْرَة الْمُتْرَفِين، الذين لا يَأتَمِرون بِأمْر، ولا يَنْتَهُون عن نَهْي، وإذا اسْتَشْرَتْ هذه الفِئة تَرَاجَعَتْ جُهُود الْمُصْلِحِين وتَضَاءَلَتْ، ورُبَّمَا تَجَرَّأ أهْل الفَسَاد على أهْل الإصْلاح فَسَعَوا في هَلاكِهم، كَمَا قَال تَعَالى في خَبَر صَالح ﵊: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) [النمل: ٤٨، ٤٩]، فإذا كَان ذَلك قَلَّ الْمُصْلِحُون وكَثُر الفَسَاد، وحَلَّ عَذَاب الله بِالأُمَم والقُرَى، ولِذَا لَمَّا

стр. 539

سُئل النبي ﷺ : أنَهْلِك وفِينَا الصَّالِحُون؟ قال: نَعَم، إذا كَثُر الْخَبَث (١). ولا يَكْثُر الْخَبَث والفَسَاد إلَّا في ظِلِّ غِيَاب الْمُصْلِحِين، إذ أنَّ وُجُود الصَّالِحِين لَيس كَافِيًا في النَّجَاة، فلا بُدّ مِنْ وُجُود الْمُصْلِحين، كَمَا قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧]. فالله لا يَأمُر الْمُتْرَفِين بالفِسْق، وإنَّمَا يُمْلِي لَهم، ويُمَكِّنُهم مِنْ فِعْل ذلك. وجَوَاب آخَر، وهو أنَّ الله أمَر الْمُتْرَفين بِالطَّاعَة، فَعَصَوا، فَكَأن الأمْر صَارَ سَببًا في اسْتِحْقَاقِهم العَذَاب، وذلك بِسَبَب مُخَالَفَتِهم وفِسْقِهم، وهو الْخُرُوج عن الطَّاعَة؛ فَعَلى هذا يكون أمْرًا شَرْعِيًّا. إلَّا أن ابن القيم لم يرتضِ هذا الجواب، فقال: ولا حَاجَة إلى تَكَلّف تَقْدِير: أمَرْنا مُتْرَفِيها فِيها بالطَّاعَة، فَعَصَونا وفَسَقُوا فِيها، بل الأمر ههنا أمْرُ تَكْوين وتَقْدِير لا أمْر تَشْرِيع (٢). ثم ذَكَر أوْجُه ضَعْف القول بأنه أمْر شَرْعِيّ. المثال الثاني الْمُحَاسَبَة على الطَّيِّبَات: قَوله تَعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف: ٣٢]، مَع قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: ٢٠]. صورة التعارض: في الآيَة الأُولى إبَاحَة الزِّينَة والطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق، وفي الآيَة الثَّانية الإخْبَار عن

стр. 540

تَعْذِيب مَنْ استَمْتَع بالطَّيِّبَات في الْحَيَاة الدُّنيا، والعَذَاب لا يَكُون على أمْرٍ مُبَاح. جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "الأعراف": قَوله تَعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) بَيَّن أنَّهم حَرَّمُوا مِنْ تِلْقَاء أنْفُسهِم مَا لَم يُحَرِّمْه الله عَليهم. والزِّينَة هُنا الْمَلْبَس الْحَسَن إذا قَدِر عليه صَاحِبه. وقيل: جَمِيع الثِّيَاب، كما رُوي عن عمر: إذا وَسَّع الله عليكم فأوسِعُوا (١). ثم ذَكَر أحَادِيث وآثَارَ في لُبْس الْجَيِّد والتَّجَمُّل، كَمَا ذَمَّ لُبْس الصُوف والْخَشِن، ومَا يُزْرِي بِصَاحِبِه مِنْ اللبَاس (٢)، وأوْرَد فيه أثَارًا، ثم أوْرَد بَعْد ذلك سُؤَالًا قَال فيه: فإن قَال قَائل: تَجْويد اللبَاس هَوى النَّفْس، وقد أُمِرْنا بِمُجَاهَدَتِها، وتَزَيُّن للخَلْق، وقد أُمِرْنا أن تَكُون أفْعَالُنا لله لا للخَلْق؟ فَالْجَوَاب: ليس كل ما تَهواه النفس يُذَمّ، وليس كل ما يُتَزَيّن بِه للنَّاس يُكْرَه، وإنَّمَا يُنْهَى عن ذلك إذا كَان الشَّرْع قد نَهَى عنه، أوْ على وَجْه الرِّيَاء في بَاب الدِّين، فإنَّ الإنْسَان يجب (٣) أن يُرى جَمِيلًا، وذلك حَظٌّ للنَّفْس لا يُلام فيه (٤). ثم قال: قَوله تَعالى: (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) الطَّيِّبَات اسْم عَام لِمَا طَاب كَسْبا وطَعْما. قال ابن عباس وقتادة: يَعْنِي بِالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق مَا حَرَّم أهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ البَحَائر والسَّوَائب والوَصَائل والْحَوَامِي. وقِيل: هي كُلّ مُسْتَلَذّ مِنْ الطَّعَام. وقد اخْتُلِف في تَرْك الطَّيِّبَات والإعْرَاض عن اللذَّات؛ فَقَال قَوم: ليس ذلك مِنْ القُرُبات، والفِعْل والتَّرْك يَسْتَوي في الْمُبَاحَات. وقَال آخَرُون: لَيس قُرْبة في ذَاتِه، وإنَّمَا هو سَبِيل إلى الزُّهْد في الدُّنيا وقِصَر الأمَل فيها، وتَرْك التَّكَلُّف لأجْلِها؛ وذلك مَنْدُوب إليه، والْمَنْدُوب قُرْبَة.

стр. 541

وقَال آخَرُون: ونُقِل عن عمر بن الخطاب ﵁ قَوله: لَو شِئنَا لاتَّخَذْنا صِلاء (١) وصَلائق (٢) وصِنَابًا (٣)، ولكني سَمِعْتُ الله تعالى يَذُم أقْوَامًا فَقَال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا). وفَرَّق آخَرُون بَيْن حُضُور ذلك كُلّه بِكُلْفَة وبِغَير كُلْفَة. قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح - إن شاء الله ، فإنه لَم يُنْقَل عن النبي ﷺ أنه امْتَنَع مِنْ طَعام لأجْل طِيبِه قَطّ، بل كَان يَأكُل الْحَلْوى والعَسَل، والبطِّيخ والرُّطَب، وإنما يُكْرَه التَّكَلُّف لِمَا فيه مِنْ التَّشَاغُل بِشَهَوَات الدُّنيا عن مُهِمَّات الآخِرة. والله تعالى أعلم (٤). قَوله تَعالى: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يَعني بِحَقِّها مِنْ تَوْحِيد الله تَعالى والتَّصْدِيق له، فإنَّ الله يُنْعِم ويَرْزُق، فإنْ وَحَّدَه الْمُنْعَم عليه وصَدَّقَه فَقد قَام بِحَقّ النِّعْمَة، وإنْ كَفَر فقد أمْكَن الشَّيْطَان مِنْ نَفْسِه. وقال: (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يُخْلِص الله الطَّيِّبَات في الآخِرَة للذِين آمَنُوا، وليس للمُشْرِكين فِيها شَيء كَمَا كَان لهم في الدُّنيا مِنْ الاشْتِرَاك فِيها. ومَجَاز الآيَة (٥): قُلْ هي للذِين آمَنُوا مُشْتَرَكَة في الدُّنيا مَع غيرهم، وهي للمُؤمِنين خَالِصَة يَوْم القِيَامَة.

стр. 542

وقِيل: الْمَعْنَى: أنَّ هَذه الطَّيِّبَات الْمَوْجُودَات في الدُّنيا هي خَالِصَة يَوْم القِيَامَة للمُؤمِنين في الدُّنيا، وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعَاقَبُون عَليها ولا يُعَذَّبُون (١). ويَرَى القرطبي أنَّ قَوله تَعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [المائدة: ٩٣] "نَظِير قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: ٨٧] ونَظِير قَوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) " (٢). وفي آيَة "الأحقاف" ذَكَر مَعْنَى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ)، والقِرَاءات في (أَذْهَبْتُمْ)، وأنَّ الْمَقْصُود مِنه التَّوْبِيخ، وبَيَّن أنَّ "العَرَب تُوَبِّخ بالاسْتِفْهَام وبِغَير الاسْتِفْهَام"، ورَجَّح تَرْك الاسْتِفْهَام في الآيَة. و"مَعْنَى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) أي: تَمَتَّعْتُم بِالطَّيِّبَات في الدُّنيا، واتَّبَعْتُم الشَّهَوات واللذَّات؛ يَعْنِي: الْمَعَاصِي. (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي: عَذَاب الْخِزْي والفَضِيحَة. قال مجاهد: الْهُون الْهَوان (٣). قَتادة: بِلُغَة قُرَيش. (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: تَسْتَعْلُون على أهْلِها بِغَير اسْتِحْقَاق. (وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) في أفْعَالِكم بَغْيًا وظُلْمًا. وقِيل: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) أي: أفْنَيتُم شَبَابَكُم في الكُفْر والْمَعَاصِي" (٤).

стр. 543

واسْتَدَلّ القرطبي بِقَول النبي ﷺ لِعُمَر ﵁: "أفِي شَكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولَئك قَوم عُجِّلَتْ لهم طَيِّبَاتهم في حَيَاتهم الدُّنيا" (١). وأوْرَد قَول عمر ﵁: والله الذي لا إله إلا هو لَولا أني أخَاف أن تنقص حَسَنَاتي يوم القيامة لَشَارَكْنَاكُم في العَيْش، ولكني سَمِعْتُ الله تعالى يَقُول لأقْوَام: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا). (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي الْهَوَان. (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: تَتَعَظَّمُون عن طَاعة الله وعلى عِباد الله. (وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) تَخْرُجُون عن طَاعَة الله. وقال جَابر: اشْتَهَى أهْلي لَحْمًا فاشْتَرَيتُه لهم، فَمَرَرْتُ بِعُمر بن الخطاب ﵁، فقال: مَا هذا يَا جَابر؟ فأخْبَرْتُه، فَقَال: أوَ كُلَّمَا اشْتَهى أحَدُكم شَيئًا جَعَلَه في بَطْنِه؟! أمَا يَخْشَى أن يَكُون مِنْ أهْل هَذه الآيَة: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) الآيَة؟ قال ابن العربي: وهذا عِتَاب مِنه له على التَّوَسُّع بِابْتِياع اللحْم والْخُرُوج عن جِلْف الْخُبْز والْمَاء. والذي يَضْبِط هذا البَاب ويَحْفَظ قَانُونَه على الْمَرْء: أن يَأكُل مَا وَجَد طَيِّبًا كان أو قَفَارا (٢)، ولا يَتَكَلَّف الطَّيِّب ويَتَّخِذه عَادَة، وقد كان النبي ﷺ يَشْبع إذا وَجَد، ويَصْبر إذا عَدِم، ويَأكُل الْحَلْوى إذا قَدِر عليها، ويَشْرَب العَسَل إذا اتَّفق له، ويَأكُل اللحْم إذا تَيَسَّر، ولا يَعْتَمِد أصْلًا، ولا يَجْعله دَيْدَنًا، ومَعِيشَة النبي ﷺ مَعْلُومَة، وطَرِيقَة الصَّحَابَة مَنْقُولَة، فأمَّا اليَوْم عند اسْتِيلاء الْحَرَام وفَسَاد الْحُطَام، فالْخَلاص عَسِير، والله يَهَب الإخْلاص ويُعِين على الْخَلاص بِرَحْمَتِه. وقِيل: إنَّ التَّوْبِيخ وَاقِع على تَرْك الشُّكْر لا على تَنَاوُل الطَّيِّبَات الْمُحَلَّلَة، وهو حَسَن؛

стр. 544

فإنَّ تَنَاوُل الطَّيِّب الْحَلال مَأذُون فِيه، فإذا تَرَك الشُّكْر عليه واسْتَعَان به على مَا لا يَحِلّ له فَقَد أذْهَبه، والله أعلم (١). ملخص جواب القرطبي: ١ - آيَة "الأعراف" في ذَمّ الْمُشْرِكِين الذِين حَرَّمُوا مَا رَزَقَهم الله مِنْ الطَّيِّبَات. ٢ - فِيها الإشَارَة إلى تَرْك التَّوَسُّع في الْمُبَاحَات، وهو مَا فَهِمَه الصحابة ﵃ مِنْ الآيَة. ٣ - وفيها أنَّ الطَّيِّبات التي رُزِقُوها في الدُّنيا تَكُون يَوْم القِيَامَة خَالِصَة للمُؤمِنين. ٤ - آيَة "الأحقاف" فِيها ذَمّ الكُفَّار الذِين تَمَتَّعُوا بِالطَّيِّبَات في الدُّنيا ولم يُؤدُّوا شُكْرَها، واتَّبَعُوا الشَّهَوات واللذَّات الْمُحرَّمَة. وخُلاصَة قَولِه: أنَّ مَنْ أكَل الطَّيِّبات مِنْ غَير إسْرَاف، واسْتَعْمَل الزِّينَة في حِلِّها؛ فإنه غَير مَذْمُوم، وإنَّمَا يُذَمّ مَنْ أسْرَف في الْمُبَاحَات، أو اسْتَعْمَل النِّعَم في الْمُحرَّمات. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: صَدَّر ابنُ جرير تَفْسِير آيَة "الأعراف" بِذِكْر الْمَعْنَى مُرَاعِيًا سِيَاق الآيَات، حَيث يَقُول: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : قُلْ يَا محمد لِهؤلاء الْجَهَلَة مِنْ العَرَب الذين يَتَعَرَّون عِند طَوَافِهم بِالبَيت، ويُحَرِّمُون على أنْفُسِهم مَا أحْلَلْتُ لهم من طَيِّبَات الرِّزْق: مَنْ حَرَّم أيُّها القَوم عَليكم زِينَة الله التي خَلَقَها لِعِبادِه أن تَتَزَيَّنُوا بِها، وتَتَجَمَّلُوا بِلِباسِها، والْحَلال مِنْ رِزْق الله الذي رَزَق خَلْقَه لِمَطاعِمِهم ومَشَارِبِهم؟ (٢)

стр. 545

ثم ذَكَر اخْتِلاف "أهْل التَّأوِيل في الْمَعْنِيّ بالطَّيِّبات مِنْ الرِّزْق بَعد إجْمَاعِهم على أن الزِّينَة ما قُلْنا (١)؛ فَقَال بَعضهم: الطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق في هذا الْمَوْضِع اللَّحْم، وذلك أنَّهم كَانُوا لا يَأكُلُونَه في حَال إحْرَامِهم" (٢). وقَال آخَرُون: بَلْ عُنِي بِذلك مَا كانت الْجَاهِلِيَّة تُحَرِّم مِنْ البَحَائر والسَّوائب (٣) وذَكَر الْخِلاف في قِراءة (أَذْهَبْتُمْ) بالاسْتِفْهَام وتَرْكِه، ورَجَّح تَرْك الاسْتِفْهَام (٤). ورَوى ابن جرير بإسْنَاده إلى ابن زَيد في قَوْل الله : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) إلى آخِر الآيَة، ثم قرأ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) [هود: ١٥]، وقَرأ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) [الشورى: ٢٠]، وقَرأ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) [الإسراء: ١٨] إلى آخِر الآيَة، وقال: هَؤلاء الذِين أذْهَبُوا طَيِّبَاتِهم في حَيَاتِهم الدُّنيا (٥). وخَتَم ابن جرير تَفْسِير الآيَة بِقَولِه: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يَقُول: بِمَا كُنْتُم تَتَكَبَّرُون في الدُّنيا على ظَهْر الأرْض على رَبِّكُمْ فَتَأبَون أن تُخْلِصُوا له العِبَادَة، وأن تُذْعِنُوا لأمْره ونَهْيِه (٦). وذَهَب ابن كثير إلى أنَّ آيَة "الأعراف" رَدّ "على مَنْ حَرَّم شَيئًا مِنْ الْمَآكِل أو الْمَشَارِب أو الْمَلابِس مِنْ تِلْقَاء نَفْسِه مِنْ غَير شَرْعٍ مِنْ الله. (قُلْ) يَا محمد لِهؤلاء الْمُشْرِكِين الذِين يُحَرِّمُون مَا يُحَرِّمُون بِآرَائهم الفَاسِدَة وابْتِدَاعِهم: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي

стр. 546

أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الآيَة؟ أي: هي مَخْلُوقة لِمَنْ آمَن بِالله وعَبَدَه في الْحَيَاة الدُّنيا، وإن شَرَكَهم فيها الكُفَّار حِسًّا في الدُّنيا، فهي لَهم خَاصَّة يَوْم القِيَامَة، لا يَشْرَكُهم فِيها أحَد مِنْ الكُفَّار، فإنَّ الْجَنَّة مُحَرَّمَة على الكَافِرِين" (١). ثم أوْرَد مَا رَوَاه الطبراني عن ابن عباس قال: كانت قُريش يَطُوفُون بِالبَيت وهم عُرَاة، يُصَفِّرُون ويُصَفِّقُون، فأنْزَل الله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)، فَأمِرُوا بِالثِّيَاب (٢). واقْتَصَر ابن كَثير في آيَة "الأحقاف" على قَولِه: وقَوله : (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) أي: يُقَال لهم ذلك تَقْرِيعًا وتَوبِيخًا وقد تَوَرَّع عمر بن الخطاب ﵁ عن كَثِير مِنْ طَيِّبَات الْمَآكِل والْمَشَارِب، وتَنَزَّه عنها، ويَقُول: إني أخَاف أن أكُون كَالذِين قَال الله لهم (٣) وقَرَّعَهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا). وقال أبو مِجْلَز: لَيَتَفَقَّدَن (٤) أقْوَامٌ حَسَنَاتٍ كَانت لهم في الدُّنيا، فَيُقَال لهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا). وقَوله : (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)، فَجُوزُوا مِنْ جِنْس عَمَلِهم، فَكَمَا نَعَّمُوا أنْفُسَهم، واسْتَكْبَرُوا عن اتِّبَاع الْحَقّ، وتَعَاطَوا الفِسْق والْمَعَاصِي؛ جَازَاهم الله ﵎ بِعَذَاب الْهُون، وهو الإهَانَة

стр. 547

والْخِزْي والآلام الْمُوجِعَة، والْحَسَرات الْمُتَتَابِعة، والْمَنَازِل في الدَّرَكَات الْمُفْظِعة. أجَارَنا الله مِنْ ذَلك كُلّه (١). رأي الباحث: لا يُذَمّ مَنْ أكَل الطَّيِّبَات، إذا أدَّى شُكْرَها، ومِن شُكْر النِّعْمَة الاعْتِراف بِأنَّها مِنْ عِند الله، عَمَلًا بِقَولِه تَعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، "وقَد رُوي في الأثَر أنَّ دَاود ﵇ قال: يَا رَبّ كَيف أشْكُرَك وشُكْرِي لك نِعْمَة مِنْك عَليّ؟ فَقَال الله تَعالى: الآن شَكَرْتَنِي يَا دَاود. أي: حِين اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِير عن أدَاء شُكْر الْمُنْعِم" (٢) إلَّا أنَّ السَّلَف كَرِهُوا التَّوَسُّع في الْمُبَاحَات لِمَا يُفضِي إليه ذَلك التَّوَسُّع مِنْ الوُقُوع في الْمُتَشَابِهَات، وذلك يُفْضِي إلى الْوُقُوع في الْحَرَام. وتَرْك الطَّيِّبَات ليس مِنْ سُنَّة النبي ﷺ ، بل هو رَغْبَة عنها، كمَا في الْحَدِيث "مَنْ رَغِب عن سُنَّتِي فَليس مِنِّي" (٣). وسَبَب وُرُود الْحَدِيث "أنَّ نَفَرًا مِنْ أصْحَاب النبي ﷺ سَألُوا أزْوَاج النبي ﷺ عَنْ عَمَلِه في السِّرّ، فقال بعضهم: لا أتَزَوَّج النِّسَاء، وقال بعضهم: لا آكُل اللحْم، وقال بعضهم: لا أنَام على فِرَاش. فَحمِدَ (٤) الله وأثْنَى عليه، فَقَال: مَا بَال أقْوَام قَالُوا كذا وكذا، لَكِنِّي أُصَلِّي وأنَام، وأصُوم وأُفْطِر، وأتَزَوَّج النِّسَاء؛ فمن رَغِب عن سُنَّتِي فَليس مِنِّي" (٥).

стр. 548

"قال الْحَسن: فَمَا أكْثَر الرَّاغِبِين عن سُنَّتِه، التَّارِكِين لها، ثم إن عُلُوجًا فُسَّاقًا أَكَلَة الرِّبا والغُلُول، قد سفَّهَهم (١) رَبِّي ومَقَتَهم، زَعَمُوا أنه لا بَأس عليهم فِيمَا أَكَلُوا وشَرِبُوا، وسَتَرُوا البُيُوت وزَخْرَفُوها، ويَقُولُون: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، ويَذْهَبُون بِها إلى غَير مَا ذَهَب الله بِها إليه، إنَّمَا جَعَل الله ذَلك لأوْلِياء الشَّيْطَان؛ الزِّينَة مَا رَكِب ظَهْرَه، والطَّيِّبَات مَا جَعَل الله تَعالى في بُطُونِها، فَيَعْمَد أحَدُهم إلى نِعْمَة الله عليه فيَجْعَلها مَلاعِب لِبَطْنِه وفَرْجِه وظَهْرِه! ولو شَاء الله إذا أعْطَى العِبَاد مَا أعْطَاهم أبَاح ذلك لهم، ولكن تَعَقَّبَها بِمَا يَسْمَعُون: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١]، فمن أخَذ نِعْمَة الله وطُعْمَته أكَل بِها هَنِيئًا مَرِيئًا، ومَن جَعَلَها مَلاعِب لِبَطْنِه وفَرْجِه وعلى ظَهْرِه، جَعَلَها وَبَالًا يَوْم القِيَامَة" (٢). ونَظِير هَذه الآيَة قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) [المائدة: ٨٧، ٨٨]، ورَوى الترمذي (٣) والطبراني (٤) مِنْ حَدِيث ابن عباس أنَّ رَجُلًا أتَى النبي ﷺ فَقَال: يَا رَسول الله إني إذا أَصَبْتُ اللحْم انْتَشَرْتُ للنِّسَاء، وأخَذَتْنِي شَهْوتِي، فَحَرَّمْتُ عَليَّ اللحْم، فأنْزَل الله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا). فَفِي هذه الآيَة نَهَى الله عن تَحْرِيم مَا أحَلّ، وأمَر - أمْر إبَاحَة - بِأكْل الطَّيِّبَات. وأمَّا الْمَذْمُوم فهو تَرْك الشُّكْر، والاسْتِعَانَة بالنِّعَم على الْمَعَاصِي، وتَحْرِيم مَا أحَلّه الله، افْتِرَاء على الله. ومِنه قَوله تَعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا

стр. 549

رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١٤٠]، وهو في سِيَاق ذَمّ تَحْرِيم مَا أحَلّ الله لهم مِنْ رِزْق، وبَيَان ذلك في الآيَات قَبْلَها: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). فهم قد عَمدُوا إلى مَا أحَلّه الله لهم فَحَرَّمُوا بَعضه على بَعْضهم، وأبَاحُوه لِمن شَاءُوا؛ وهذا كُلّه مُنَازَعة لله في أمْرٍ اخْتَصّ به؛ وهو التَّشْرِيع، وفي سِيَاق عَيْب ذلك عليهم قَال تَعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى: ٢١]. قال ابن تيمية: فَمَنْ حَرَّم الطَّيِّبَات عليه وامْتَنَع مِنْ أكْلِها بدُون سَبَب شَرْعِيّ فهو مَذمُوم مُبْتَدِع دَاخِل في قَوْلِه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: ٨٧]، ومَن أكَلَها بِدُون الشُّكْر الوَاجِب فِيها فَهو مَذمُوم، قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: ٨] أي: شُكْر النَّعِيم … وكذلك الإسْرَاف في الأكْل مَذْمُوم، وهو مُجَاوَزَة الْحَدّ، ومَن أكَل بِنِيَّة الاسْتِعَانَة على عِبادَة كان مَأجُورًا على ذلك (١). ومِمَّا يَدُلّ على أنَّ الذَّمّ في آيَة "الأحقاف" في حَقّ مَنْ أكَل الطَّيِّبَات دُون شُكْرها وما يتَرتَّب على ذلك من الاستِكْبَار والفِسْق؛ ما خُتِمَتْ به الآية: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ). وثَمَّة أمْر آخَر في آيَة "الأحقاف"، وهو أنَّ الكَافِر يُطْعَم بِحَسَنَاتِه التي عَمِلها في الدُّنيا فَيُوَافِي يَوْم القِيَامَة مُفْلِسًا مُذْهِبًا لِحَسَنَاته، كَمَا في الْحَدِيث: "إنَّ الله لا يَظْلِم مُؤمِنًا حَسَنة يُعْطَى بِها في الدُّنيا ويُجْزَى بِها في الآخِرَة، وأمَّا الكَافِر فيُطْعَم بِحَسَنات مَا

стр. 550

عَمِل بِها لله في الدُّنيا، حتى إذا أفْضَى إلى الآخِرَة لم تَكُنْ لَه حَسَنة يُجْزَى بِها" (١)، وأوَّل الآية صَرِيح في أنَّها في حَقّ الكُفَّار (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) الآية. وأمَّا مَا جَاء عن الصَّحابة ﵃ في فَهْم الآيَة فهو على سَبِيل التَّوَرُّع والاحْتِيَاط، واسْتِشْعَار مُخَاطَبَة الله لهم في كِتَابِه. ومِن هذا القَبِيل مَا جَاء في خُطْبَة أبي بكر ﵁ حِينَمَا وَلي الْخِلافَة، إذ يقول: إني قَدْ وُلِّيتُ عَليكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُم (٢). قال الْحَسَن: هو والله خَيْرُهم غَير مُدَافَع، ولكن الْمُؤمِن يَهْضِم نَفْسَه (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 551

الفصل الثالث عناية الإمام القرطبي بالجمع بين الآيات وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: إفادة القرطبي ممن سبقوه، وإفادته لمن أتوا بعده، وموافقة غيره له المبحث الثاني: الفرق بين كشف معنى الآية بإكثار الأقوال والعناية بدفع توهم التعارض، ومظان الجمع بين الآيات. المبحث الثالث: أثر عقيدة القرطبي في توهّم التعارض.

стр. 552

عناية الإمام القرطبي بالجمع بين الآيات اعْتَنَى القُرطبي بالْجَمْع بين الآيَات حتى بَرَز هذا الْجَانِب في تَفْسِيرِه، وظَهَر واضِحًا جَلِيًّا. ومِن خِلال الفَصْلَين السَّابِقَين اتَّضَحَتْ عِنَايته بِالْجَمْع بَيْن الآيَات، وبَرَزَتْ مَلامِح مَنْهَجِه مِنْ خِلال الطُّرُق التي تَمّ عَرْضها ودِرَاسَتها. وقد أفَاد مِمَّنْ سَبَقُوه، وأفَاد مِنْ جُهُوده مَنْ لَحِقُوه؛ وهذه طريقة الرَّاسِخِين في العِلْم، يَعرف أَحَدُهم فَضْل مَنْ سَبَقُوه في هذا الفَنّ، فَيسْتَفِيد مِنهم مَع تَقْيِيد مَا يَعِنّ له مِنْ رَأي وقَوْل "يَفْتَضّ فِيه للعِلْم أبْكَارَه، ويَجْنِي مِنْ رَوْضِه اليَانِع ثِمَارَه" (١)، فَيُفِيد مِنه مَنْ أتَى بَعْده، لِمَا أبْتَكَرَه مِنْ مَحَاسِن الْمَعَانِي، ولِمَا نَظَمَه مِنْ فَرِيد الْجَوَاهِر في سِلْك الاتِّبَاع، مُجانِبًا لِسُبُل أهْل الابْتِدَاع في الغَالِب، مُنَبِّهًا على مَزالِق أهل الأهواء. يَكْتَنِف ذَلك أدَب جَمّ، وخُلُق رَفِيع، إذْ أنَّ مَنْ "لَم يَتَأدَّب مَع الأئمة في الْخِطَاب، أوْ فَجَّج العِبَارَة، وسَبَّ وجَدَّع، يَكُون جَزاؤه مِنْ جِنْس فِعْلِه" (٢). فإن لَم يَكُنْ ذلك كَذلِك، فإنَّ قَوْلَ العَالِم مَطْرُوح، وعِلْمه مُبْتَذَل، لا يُكْتَب له القَبُول، ولا يَسْعَد بِالنَّجَاح. ومِن هُنا - والله أعْلَم - وُضِع القَبُول لِتفسِير القرطبي، فأقْبَل عليه العُلَمَاء يَنْهَلُون مِنْ عِلْمِه، ويَعْجَبُون مِنْ أدَبِه، ويُشِيدُون بإنْصافِه، ويُثنُون على تَوَاضُعِه. فالقرطبي أفَاد مِمَّنْ سَبَقُوه، وأفَاد مِنه كَثير مِمَّنْ أتَى بَعْدَه. وهذا هو مِحْوَر البَحْث في هذا الفَصْل، وفي هَذا الفَصْل ثَلاثة مَبَاحِث:

стр. 553

المبحث الأول: إفادة القرطبي ممن سَبقوه، وإفادته لمن أتوا بعده، وموافقة غيره له لَمّا كان هذا الْعِلْم نَسَب ووشِيجَة بَيْن أهْلِه، أفَاد اللاحِق مِنْ السَّابِق، إلَّا أنَّ اللاحِق قد يَكُون أبْصَر بِمَوَاقِع الْخَلَل؛ تَارَة حِين تَكُون بِدَايات العِلْم وتأصِيلاته، ولَمَّا يَسْتوي ذلك العِلْم على سُوقِه ويَشْتَدّ، وتَارَة حِين يَكُون السَّابق في زَمَانِ قُوَّة لِدَوْلَة الإسْلام، وهَيمَنة الْحَقّ، وانْزِواء البَاطِل، فلا يَكَاد البَاطِل، يَرْفَع رَأسًا! ولا يُظهِر وَجْهًا، فإذا مَا ضَعُفَتْ دَوْلَة الإسْلام، أوْ خَبَا نُور الْحَقّ، ظَهَرَتْ خَفَافِيش الظَّلَام، إذْ أنَّ "نُور الْحَقّ أضْوأ مِنْ الشَّمْس، فَيَحِقّ لِخَفَافِيش البَصَائر أنْ تَعْشُو عَنه" (١). وعند ذلك تُثَار الشُّبُهَات، وتَرُوج الأبَاطِيل؛ لِهَذا وغيره فَقد يَكُون العَالِم أنْبَه إلى دَحْض الشُّبُهَات، وإلى تَفْنِيد الأبَاطِيل؛ لِمَا قد يَكُون في عَصْرِه مِنْ رَوَاجٍ لَها، واغْتِرَارِ فِئام مِنْ النَّاس بِزُخْرُف القَول. ومِن هَذا الْمُنْطَلَق فإنَّ عِنَايَة القُرطبي بإزَالة الشُّبْهَة حَوْل النَّصّ، ودَفْع التَّعَارُض رُبَّمَا كَانت أبْرَز مِمَّا لَدَى بَعض مَنْ سَبَقُوه. وقد أفَاد القرطبي مِنْ أئمَّة التَّفْسِير واللغَة، وأفاد مِنه مَنْ أتَى بَعْدَه في مَجَالات شَتَّى. أمَّا إفَادَة القرطبي مِمَّنْ سَبَقُوه فَقَد أفَاد من ابن جرير، وهو يَنقُل عنه كَثِيرًا ولا يُشِير إليه إلَّا في مَوَاضِع قَلِيلة، بِخِلاف ابن كثير، فإنه إذا نَقَل صَرَّح بِمَنْ يَنْقُل عنه. كَمَا أنَّ القرطبي يَنقُل عن ابن عطية كَثِيرًا، ويَذكُره صَرَاحة في بَعض الْمَوَاطِن، ويَنْقُل عنه ولا يُشير إليه في مَوَاطِن أُخْرَى. وسَوف أقتَصِر في هذا المبحث على مِثَالَين في إفَادَته مِمَّنْ سَبَقَه، ومِثَالَيْن في إفَادَة مَنْ أتَوا بَعده مِنه؛ إذ الْمَقْصُود بَيَان طَرِيقَتِه، وإيضَاح منهجه، وأثَره فِي مَنْ أتَى بَعده في هذا الجَانِب لِدَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض.

стр. 554

ومِن الأمْثِلَة في هذا الْمَوضع لَدى القرطبي مَا يلي: المثال الأول: نَفْي الْجُنَاح عَمَّن شَرِب الْخَمْر إذا اتَّقَى الله: قَوله تَعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: ٩٣]، مَع قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: ٩٠]. صورة التعارض: في الآيَة الأُولَى نَفْي الْحَرَج ورَفْع الْجُناح عمَّن طَعِم مَا طَعِم إذا اتَّقَى الله، وفي الآيَة الثَّانية إثْبَات الْحَرَج وكَون الْخَمْر مِنْ الرِّجْس، وتَعْلِيق الفَلاح على اجْتِنَاب الْمَذْكُورَات في الآيَة، مَع أنَّ رَفْع الْجُنَاح مُتَأخِّر في السِّياق عن آيَة تَحْرِيم الْخَمْر. مع ما في الآية الأولى من تكرار الأمر بالتقوى. جمع القرطبي: قال القرطبي: قَوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فِيه أرْبَعَة (١) أقْوَال:

стр. 555

الأوَّل: إنه لَيس في ذِكْر التَّقْوى تِكْرَار، والْمَعْنَى: اتَّقَوا شُرْبَها وآمَنُوا بِتَحْرِيمِها، والْمَعْنَى الثَّاني (١): دَام اتِّقَاؤهم وإيمانُهم. والثَّالث (٢): على مَعْنَى الإحْسَان إلى الاتِّقَاء. والثَّاني: اتَّقَوا قَبل التَّحْرِيم في غَيرها مِنْ الْمُحَرَّمَات، ثم اتَّقَوا بَعْد تَحْرِيمها شُرْبها، ثم اتَّقَوا فِيما بَقِي مِنْ أعْمَالِهم وأحْسَنُوا العَمَل. الثَّالث: اتَّقَوا الشِّرْك وآمَنُوا بِالله ورَسُولِه، والْمَعْنَى الثَّاني: ثم اتقوا الكبائر، وازْدَادُوا إيمانًا، ومَعْنَى الثَّالث: ثم اتَّقَوا الصَّغَائر وأحْسَنُوا، أي: تَنَفَّلُوا. وقال محمد بن جرير (٣): الاتِّقَاء الأوَّل (٤) هو الاتِّقَاء بِتَلَقِّي أمْر الله بِالقَبُول والتَّصْدِيق والدَّيْنُونَة به والعَمَل، والاتِّقَاء الثَّاني الاتِّقاء بالثَّبَات على التَّصْدِيق، والثَّالث الاتِّقَاء بِالإحْسَان والتَّقَرُّب بِالنَّوافِل. ثم ذَكَر القرطبي قِصَّة تأوُّل قُدامة بن مظعون ﵁، كَمَا ذَكَر قَول ابن عباس في الآيَة الثانية: إنَّ هَؤلاء الآيات أُنْزِلْنَ عُذْرًا لِمَنْ غَبَر، وحُجَّة على النَّاس، لأنَّ الله تَعَالى يَقُول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) [المائدة: ٩٠] الآية، ثم قَرأ حَتى أنْفَذ الآيَة الأُخْرَى، فإن كان مِنْ الذِين آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَات، فإنَّ الله قد نَهَاه أن يَشْرَب الْخَمْر (٥). وأوْرَد القرطبي مَا ذَكَرَه الكِيا الطَّبري مِمَّا "رُوي عن عليّ ﵁ أنّ قَومًا شَرِبُوا بِالشَّام وقَالُوا: هي لَنا حَلال، وتأوّلُوا هَذه الآيَة. فأجْمَع عليّ وعُمر عَلَى أن يُسْتَتَابُوا، فإن تَابُوا وإلَّا قُتِلُوا (٦) " (٧).

стр. 556

وكان القرطبي ذَكَر في أوَّل تَفْسِير الآيَة قول "ابن عباس (١) والبراء بن عازب (٢) وأنس بن مالك (٣) أنه لَمَّا نَزَل تَحْرِيم الْخَمْر قَال قَوْم مِنْ الصَّحَابَة: كَيف بِمَنْ مَات مِنَّا وهو يَشْرَبها ويَأكل الْمَيْسِر، ونحو هذا؟ فَنَزَلَتْ الآيَة. وأوْرَد ما رَواه البخاري (٤) عن أنس قال: كُنْت سَاقِي القَوْم في مَنْزِل أبي طَلحة فَنَزَل تَحْرِيم الْخَمْر، فأمَر مُنَادِيًا يُنَادِي (٥)، فقال أبو طلحة: أُخْرُج فانْظُر مَا هَذا الصَّوْت. قال: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هذا مُنادٍ يُنَادِي: ألَا إنَّ الْخَمْر قد حُرِّمَتْ. فَقَال: اذْهَب فأهْرِقْها - وكان الْخَمْر مِنْ الفَضِيخ (٦) - قال: فَجَرَتْ في سِكَكِ الْمَدِينَة، فَقَال بَعْض القَوْم: قُتِل قَوْم وهي في بُطُونِهم، فأنْزَل الله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) الآيَة". و"هَذه الآيَة وهَذا الْحَدِيث نَظِير سُؤَالِهم عَمَّن مَات إلى القِبْلَة الأُولى فَنَزَلَتْ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانُكُمْ) [البقرة: ١٤٣] (٧)، ومَن فَعَل مَا أُبِيح له حَتى مَات على فِعْلِه لَم يَكُنْ لَه ولا عَليه شَيء، لا إثْم ولا مُؤَاخَذَة، ولا ذَمَّ ولا أجْر ولا مَدْح؛ لأنَّ الْمُبَاح مُسْتَوى الطَّرَفِين بِالنِّسْبَة إلى الشَّرْع" (٨).

стр. 557

وفي آيَة تَحْرِيم الْخَمْر نَصّ القرطبي على أنَّ تَحْرِيم الْخَمْر نَزَل "في سَنَة ثَلاث بَعْد وَقْعَة أُحُد، وكَانت وَقْعَة أُحُد في شَوَّال سَنَة ثَلاث مِنْ الْهِجْرَة" (١). كَمَا نَصّ على أنَّ "تَحْرِيم الْخَمْر كان بِتَدْرِيج ونَوَازل كَثِيرة، فإنَّهم كَانُوا مُولَعِين بِشُرْبِها … حتى نَزَلَتْ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ) الآيَة، فَصَارَتْ حَرَامًا عليهم حتى صَار يَقُول بَعْضُهم: مَا حَرَّم الله شيئًا أشَدّ مِنْ الْخَمْر" (٢). ملخص جواب القرطبي: ١ - أنَّ تَحْرِيم الْخَمْر نَزَل بِالتَّدْرِيج، ثم كان آخِر الأمْر التَّشْدِيد في تَحْرِيم الْخَمْر. ٢ - أنَّ نَفْي الْجُنَاح عَمَّن شَرِب الْخَمْر إنَّمَا هو في حَقّ مَنْ مَات قَبل تَحْرِيمها. رأي الباحث: أفَاد القُرطبي في هَذا الْمَوضِع مِنْ جَواب ابن جرير، فِيمَا يَتَعَلَّق بِتِكْرَار اشْتِراط التَّقْوَى في الآيَة. والْجَمْع بَيْن الآيَتَين أن يُقَال: تَحْرِيم الْخَمْر كان آخِر الأمْر بَعْد تَدَرُّجٍ في تَحْرِيمه، ولذا قالت عائشة ﵂: ولو نَزَل أوّل شَيء لا تَشْرَبُوا الْخَمْر، لَقَالُوا: لا نَدَع الْخَمْر أبَدًا (٣). وتأخّر نَفِي الْجُنَاح عن آيَة تَحْرِيم الْخَمْر لِكَون السُّؤَال عَمَّن مَات وهي في بَطْنِه كان بَعْدَ ذلك.

стр. 558

المثال الثاني: لا يُؤاخَذ الإنْسَان إلَّا بِمَا عَمِل: قَوله تَعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وقَوله تَعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [فاطر: ١٨]، مَع قَوله تَعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [النحل: ٦١]، وقَوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: ٤٥]. صورة التعارض: في الآيَتَين الأُولَيَين نَفْي أن يُؤَاخَذ الإنْسَان بِذنْب غَيره، وفي الآيَتَين الأُخْرَيَيْن إمْكَانِية وُقُوع ذَلك، لو أنَّ الله يُؤاخِذ النَّاس بِمَا كَسَبُوا. مَع قَول النبي ﷺ لأبي رِمْثة - حَيث جَاء ومَعه ابنه -: أمَا إنك لا تَجْنِي عليه ولا يَجْنِي عليك. ثم تَلا رسول الله ﷺ : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١).

стр. 559

جمع القرطبي: قال القرطبي: قَوله تَعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) أي: لا يَنْفَعُنِي في ابْتِغَاء رَبّ غَير الله كَونُكم على ذلك؛ إذْ لا تَكْسِب كُلّ نَفْس إلَّا عليها، أي: لا يُؤخَذ بِمَا أَتَتْ مِنْ الْمَعْصِية، ورَكِبَت مِنْ الْخَطِيئة سِوَاها. وقال عُلَمَاؤنا: الْمُرَاد من الآيَة تَحَمُّل الثَّوَاب والعِقَاب دُون أحْكَام الدُّنيا، بِدَلِيل قَوله تَعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) على ما يأتي. قَوله تَعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تَحْمِل حَامِلة ثِقَل أُخْرى، أي: لا تُؤخَذ نَفْس بِذَنْب غَيرها، بل كُلّ نَفْس مَأخُوذة بِجُرْمِها ومُعَاقَبة بإثْمِها، وأصْل الوِزْر الثِّقْل (١). والآيَة نَزَلَتْ في الوَليد بن المغيرة كان يَقُول: اتَّبِعُوا سَبِيلي أحْمِل أوْزَارَكم. ذَكَرَه ابن عباس. وقيل: إنها نَزَلَتْ رَدًّا على العَرَب في الْجَاهِلِيَّة مِنْ مُؤاخَذَة الرَّجُل بِأبِيه وبِابْنِه وبِجَرِيرَة حَلِيفِه. قلت: ويُحْتَمَل أن يَكُون الْمُرَاد بهذه الآيَة في الآخِرَة، وكَذلك التي قَبْلَها (٢) فأمَّا التي في الدُّنيا فَقَد يُؤاخَذ فيها بَعْضُهم بِجُرْم بَعْض، لا سِيّما إذا لم يَنْه الطَّائعُون العَاصِين. وقد يُحْتَمَل أن يَكُون هذا في الدُّنيا في ألَّا يُؤاخَذ زَيد بِفِعْل عَمْرو، وأنَّ كُلّ مُبَاشِر لِجَرِيمةٍ فَعَلَيْه مُغَبَّتُها.

стр. 560

ولا يُعَارَض مَا قُلْناه أوَّلًا بِقَوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) [العنكبوت: ١٣]، فإنَّ هَذا مُبَيَّن في الآيَة الأخْرَى قَوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل: ٢٥]، فَمَنْ كَان إمَامًا في الضَّلالَة ودَعَا إليها واتُّبِع عَليها فإنه يَحْمِل وزْر مَنْ أضَلَّه مِنْ غير أن يَنْقُص مِنْ وِزْر الْمُضِلّ شيء (١). وفي آية العنكبوت: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) قال القرطبي: ونَظِيره قوله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (٢). وفي قوله تعالى: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا) [فاطر: ١٨] نَقَل القرطبي قول الفرّاء: أي نَفْس مُثْقَلَة، أو دَابّة، قال: وهذا يَقَع للمُذَكّر والْمُؤنّث. وقول الأخفش: أي: وإن تَدْعُ مُثْقَلة إنْسَانًا إلى حَمْلِها، وهو ذُنُوبها … وحَكَى سيبويه: النَّاس مَجْزِيُّون بأعْمَالِهم إن خَير فَخَير؛ على هذا، وخيرًا فَخَير؛ على الأوَّل (٣). ويَقول في آيَة "النحل": (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ): أي: بِكُفْرِهم وافْتِرَائهم وعَاجَلَهم (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) أي: على الأرض، فهو كِنَاية عن غير مَذْكُور، لكن دَلّ عليه قَوله: (مِنْ دَابَّةٍ)، فإنَّ الدَّابة لا تَدِبّ إلَّا على الأرْض، والْمَعْنَى الْمُرَاد: مِنْ دَابة كَافِرَة، فهو خَاص (٤). وقِيل: الْمَعْنَى: أنه لو أهْلَك الآبَاء بِكُفْرِهم لم تَكُنْ الأبْنَاء. وقِيل: الْمُرَاد بِالآيَة العُمُوم، أي: لو آخَذ الله الْخَلْق بِمَا كَسَبُوا ما تَرَك على ظَهْر هذه الأرْض من دَابة مِنْ نَبِيّ ولا غَيره، وهذا قول الحسن. وقال ابن مسعود - وقَرأ هذه الآية -: لو آخَذ الله الخلائق بِذُنُوب الْمُذْنِبِين لأصَاب العَذَاب جَمِيع الْخَلْق حتى الْجُعْلان في

стр. 561

جُحْرِها، ولأمْسَك الأمْطَار مِنْ السَّمَاء، والنَّبَات مِنْ الأرْض؛ فَمَات الدَّوَابّ، ولكن الله يَأخُذ بِالعَفْو والفَضْل، كَما قال: (ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [المائدة: ١٥]، [الشورى: ٣٠]. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ)، أي: أجَل مُوْتِهم، ومُنْتَهَى أعْمَارهم (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وقد تقدم. فإن قيل: فكيف يَعُمّ بالْهَلاك مع أنَّ فيهم مُؤمِنًا لَيس بِظَالِم؟ قيل: يَجْعَل هَلاك الظَّالِم انْتِقَامًا وجَزَاء، وهَلاك الْمُؤمن مُعَوَّضًا بِثَواب الآخِرَة. وفي صحيح مسلم (١) عن عبد الله بن عمر قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا أرَاد الله بِقَوْم عَذابا أصَاب العَذَاب مَنْ كان فِيهم، ثم بُعِثُوا على نِيَّاتِهم. وعن أم سَلمة وسُئلت عن الجيش الذي يُخْسَف به - وكان ذلك في أيام ابنِ الزبير - فقالت: قال رسول الله ﷺ : يَعُوذ بِالبَيت عَائذ، فَيُبْعَث إليه بَعْث، فإذا كَانوا بِبَيْدَاء مِنْ الأرْض خُسِف بِهم. فقلت: يا رسول الله! فكيف بِمَنْ كان كَارِهًا؟ قال: يَخْسِف به معهم، ولكنه يُبْعَث يَوْم القِيَامَة على نِيَّتِه (٢) (٣). وفي قَوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا) [فاطر: ٤٥] قال القرطبي: يَعني مِنْ الذُّنُوب. (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، قال ابن مسعود: يُرِيد جَمِيع الْحَيَوَان مِمَّا دَبّ ودَرَج. قال قتادة: وقَد فَعل ذلك زَمَن نُوح ﵇. وقال الكلبي: (مِنْ دَابَّةٍ):

стр. 562

يُرِيد الْجِنّ والإنْس دُون غيرهما؛ لأنَّهُما مُكَلَّفَان بالعَقْل. وقال ابن جرير (١) والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدَّابة هنا النَّاس وَحْدَهم دُون غَيرهم. قلت: والأوَّل أظْهر؛ لأنه عَنْ صَحابي كَبير. قال ابن مسعود: كَاد الْجُعَل أن يُعَذَّب في جُحْرِه بِذنْب ابنِ آدَم (٢). وقال يحيى بن أبي كثير: أمَرَ رَجُل بِالْمَعْرُوف ونَهَى عن الْمُنْكَر. فَقَال له رَجُل: عليك بِنَفْسِك، فإنَّ الظَّالِم لا يَضُرّ إلَّا نَفْسَه. فقال أبو هريرة: كَذَبْت والله الذي لا إله إلا هو، ثم قال: والذي نفسي بِيَدِه إنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوت هَزْلًا (٣) في وَكْرِها بِظُلْم الظَّالِم (٤). وقال الثُّمَالي ويَحيى بن سلّام في هذه الآية: يَحْبِس الله الْمَطَر فيَهْلِك كُلّ شَيء. وقد مَضَى في البقرة (٥) نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تَفْسِير: (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة: ١٥٩]: هُمْ الْحَشَرَات والبَهَائم يُصِيبهم الْجَدْب بِذُنُوب عُلَمَاء السُّوء الكَاتِمِين فَيَلْعَنُونَهم.

стр. 563

ملخص جواب القرطبي: ١ - لا تَكْسِب كُلّ نَفْس إلَّا عليها، فلا يُؤخَذ بِمَا أَتَتْ مِنْ الْمَعْصِيَة، ورَكِبَت مِنْ الْخَطِيئة سِوَاهَا. ٢ - الْمُرَاد مِنْ الآيَة تَحَمُّل الثَّوَاب والعِقَاب دُون أحْكَام الدُّنيا. ٣ - وفي الدُّنيا قد يُؤاخَذ فيها بَعْضُهم بِجُرْم بَعض، لا سِيَّما إذا لم يَنْه الطَّائعُون العَاصِين. ٤ - الْمُرَاد بِقَولِه تَعَالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقًالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) أي: يَحمِلُون مِنْ أوْزَار الذين أضَلُّوهُم بِغَير عِلْم. ٥ - لو يُؤاخِذ الله الْخَلائق بِذُنُوب الْمُذْنِبِين لأصَاب العَذَاب جَمِيع الْخَلْق. رأي الباحث: أفَاد القرطبي مِنْ ابن جرير، حيث أوْرَد مِنْ الرِّوَايات مَا أوْرَده ابن جرير، إلَّا أنه أوْرَد عن ابن جرير خِلاف مَا اخْتَارَه ابن جرير. وأمَّا الْجَمْع بَيْن الآيَات فَكَمَا تَقَدَّم، وذلك أنَّ الإنْسَان لا يَكْسِب إثْمًا يُؤاخَذ بِه غَيره، إلَّا إذا وَقَع الغَير فِيمَا يُوجِب الْمُؤَاخَذَة، كَالتَّقْصِير في الأمْر والنَّهْي، أوْ أنَّ يَكُون سَبَبًا في ضَلال غيره، ونَحو ذلك. فَقَول النبي ﷺ لأبي رِمْثَة عن ابْنه: أمَا إنك لا تَجْنِي عليه ولا يَجْنِي عَليك. وتِلاوَة رَسول الله ﷺ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١)؛ فهو على أصْل الْجِنَايَة، أمَّا إذا ارْتَكَب الأب أوْ الابْن مَا يُوجِب الْمُؤَاخَذَة؛ فإنه يُؤاخَذ بِمَا جَنَاه، كأن يُقَصِّر الوَالد في تَرْبِيَة وَلَدِه، أوْ يَكُون غَاشًّا لهم ولا يُمْحِض لهم النُّصْح؛

стр. 564

فإنه يُؤَاخَذ بِذلك، ومِنه قَوله ﷺ : مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيه الله رَعِيّة يَمُوت يوم يَمُوت وهو غَاشّ لِرَعِيَّتِه إلَّا حَرَّم الله عليه الْجَنَّة (١). وفي رواية: ما مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيه الله رَعِيَّة فلم يُحْطِها بِنُصْحِه إلَّا لَم يَجِد رَائحَة الْجَنَّة (٢). ألا تَرَى أنَّ الإنْسَان يُعذَّب إذا نَاح عَليه أهْلُه، إذا كَان النَّوْح مِنْ عَادَتِهم، وكان يَرَاهُم في الدُّنيا ولا يُنكِر عَليهم؟ وتَحَمَّل قَابِيل جُزْءًا مِنْ كُلّ دَمٍ يُسْفَك؛ لأنه أوَّل مَنْ سَنَّ القَتْل (٣). قال البخاري: باب قَول النبي ﷺ : "يُعَذَّب الْمَيت بِبَعْض بُكَاء أهْلِه عليه" إذا كان النَّوْح مِنْ سُنَّتِه، لِقَول الله تَعَالى: (قُوْا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، وقَال النبي ﷺ : "كُلُّكُم رَاعٍ ومَسؤول عن رَعِيَّتِه" فإذا لم يَكُنْ مِنْ سُنَّتِه فَهو كَمَا قَالتْ عَائشَة ﵂: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، [الإسراء: ١٥] (٤)، وهو كَقَولِه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) ذُنُوبًا (إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)، ومَا يُرَخَّص مِنْ البُكاء في غَير نَوْح، وقال النبي ﷺ : لا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إلَّا كان على ابنِ آدَم الأوَّل كِفْل مِنْ دَمِها؛ وذلك لأنه أوَّل مَنْ سَنَّ القَتْل (٥).

стр. 565

قال ابن حجر: فَالْحَدِيث (١) وإن كان دَالًّا على تَعْذِيب كُلّ مَيت بِكُلّ بُكَاء لكن دَلَّتْ أدِلَّة أُخْرَى على تَخْصِيص ذلك بِبعْض البُكَاء … وتَقْيِيد ذلك بِمَنْ كَانت تِلْك سُنَّته، أوْ أهْمَل النَّهْي عن ذلك؛ فَالْمَعْنَى على هذا أنَّ الذِي يُعَذَّب بِبعْض بُكَاء أهْلِه مَنْ كان رَاضِيًا بِذلك، بأن تَكُون تلك طَرِيقَته. اهـ. "فإن الذي سَنَّ السُّنَّة السَّيِّئَة إنَّمَا حَمَل وِزْر سُنَّتِه السَّيِّئَة" (٢). وأمَّا تَعَدِّي الْهَلاك إلى الدَّوَاب بِمَا كَسَبَتْ أيدِي النَّاس وبِظُلْم الظَّالِمِين، فَهَذا مُقْتَضَى سُنَّة الله في خَلْقِه. ألا تَرى أنَّ البَهَائم تُمْنَع الْمَرْعَى بِذُنُوب بَني آدَم؟ وفي الْحَدِيث: ولم يَمْنَعُوا زَكَاة أمْوَالِهم إلَّا مُنِعُوا القَطْر مِنْ السَّمَاء، ولوْلا البَهَائم لم يُمْطَرُوا (٣). ومَوْت الفَاجِر والكَافِر رَاحَة للحَيَوَان والْجَمَاد! ففي الحديث: الْعَبْد الْمُؤمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (٤).
следующие страницы →