← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

جُحْرِها، ولأمْسَك الأمْطَار مِنْ السَّمَاء، والنَّبَات مِنْ الأرْض؛ فَمَات الدَّوَابّ، ولكن الله يَأخُذ بِالعَفْو والفَضْل، كَما قال: (ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [المائدة: ١٥]، [الشورى: ٣٠]. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ)، أي: أجَل مُوْتِهم، ومُنْتَهَى أعْمَارهم (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وقد تقدم. فإن قيل: فكيف يَعُمّ بالْهَلاك مع أنَّ فيهم مُؤمِنًا لَيس بِظَالِم؟ قيل: يَجْعَل هَلاك الظَّالِم انْتِقَامًا وجَزَاء، وهَلاك الْمُؤمن مُعَوَّضًا بِثَواب الآخِرَة. وفي صحيح مسلم (١) عن عبد الله بن عمر قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا أرَاد الله بِقَوْم عَذابا أصَاب العَذَاب مَنْ كان فِيهم، ثم بُعِثُوا على نِيَّاتِهم. وعن أم سَلمة وسُئلت عن الجيش الذي يُخْسَف به - وكان ذلك في أيام ابنِ الزبير - فقالت: قال رسول الله ﷺ : يَعُوذ بِالبَيت عَائذ، فَيُبْعَث إليه بَعْث، فإذا كَانوا بِبَيْدَاء مِنْ الأرْض خُسِف بِهم. فقلت: يا رسول الله! فكيف بِمَنْ كان كَارِهًا؟ قال: يَخْسِف به معهم، ولكنه يُبْعَث يَوْم القِيَامَة على نِيَّتِه (٢) (٣). وفي قَوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا) [فاطر: ٤٥] قال القرطبي: يَعني مِنْ الذُّنُوب. (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، قال ابن مسعود: يُرِيد جَمِيع الْحَيَوَان مِمَّا دَبّ ودَرَج. قال قتادة: وقَد فَعل ذلك زَمَن نُوح ﵇. وقال الكلبي: (مِنْ دَابَّةٍ):

стр. 562

يُرِيد الْجِنّ والإنْس دُون غيرهما؛ لأنَّهُما مُكَلَّفَان بالعَقْل. وقال ابن جرير (١) والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدَّابة هنا النَّاس وَحْدَهم دُون غَيرهم. قلت: والأوَّل أظْهر؛ لأنه عَنْ صَحابي كَبير. قال ابن مسعود: كَاد الْجُعَل أن يُعَذَّب في جُحْرِه بِذنْب ابنِ آدَم (٢). وقال يحيى بن أبي كثير: أمَرَ رَجُل بِالْمَعْرُوف ونَهَى عن الْمُنْكَر. فَقَال له رَجُل: عليك بِنَفْسِك، فإنَّ الظَّالِم لا يَضُرّ إلَّا نَفْسَه. فقال أبو هريرة: كَذَبْت والله الذي لا إله إلا هو، ثم قال: والذي نفسي بِيَدِه إنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوت هَزْلًا (٣) في وَكْرِها بِظُلْم الظَّالِم (٤). وقال الثُّمَالي ويَحيى بن سلّام في هذه الآية: يَحْبِس الله الْمَطَر فيَهْلِك كُلّ شَيء. وقد مَضَى في البقرة (٥) نحو هذا عن عكرمة ومجاهد في تَفْسِير: (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة: ١٥٩]: هُمْ الْحَشَرَات والبَهَائم يُصِيبهم الْجَدْب بِذُنُوب عُلَمَاء السُّوء الكَاتِمِين فَيَلْعَنُونَهم.

стр. 563

ملخص جواب القرطبي: ١ - لا تَكْسِب كُلّ نَفْس إلَّا عليها، فلا يُؤخَذ بِمَا أَتَتْ مِنْ الْمَعْصِيَة، ورَكِبَت مِنْ الْخَطِيئة سِوَاهَا. ٢ - الْمُرَاد مِنْ الآيَة تَحَمُّل الثَّوَاب والعِقَاب دُون أحْكَام الدُّنيا. ٣ - وفي الدُّنيا قد يُؤاخَذ فيها بَعْضُهم بِجُرْم بَعض، لا سِيَّما إذا لم يَنْه الطَّائعُون العَاصِين. ٤ - الْمُرَاد بِقَولِه تَعَالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقًالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) أي: يَحمِلُون مِنْ أوْزَار الذين أضَلُّوهُم بِغَير عِلْم. ٥ - لو يُؤاخِذ الله الْخَلائق بِذُنُوب الْمُذْنِبِين لأصَاب العَذَاب جَمِيع الْخَلْق. رأي الباحث: أفَاد القرطبي مِنْ ابن جرير، حيث أوْرَد مِنْ الرِّوَايات مَا أوْرَده ابن جرير، إلَّا أنه أوْرَد عن ابن جرير خِلاف مَا اخْتَارَه ابن جرير. وأمَّا الْجَمْع بَيْن الآيَات فَكَمَا تَقَدَّم، وذلك أنَّ الإنْسَان لا يَكْسِب إثْمًا يُؤاخَذ بِه غَيره، إلَّا إذا وَقَع الغَير فِيمَا يُوجِب الْمُؤَاخَذَة، كَالتَّقْصِير في الأمْر والنَّهْي، أوْ أنَّ يَكُون سَبَبًا في ضَلال غيره، ونَحو ذلك. فَقَول النبي ﷺ لأبي رِمْثَة عن ابْنه: أمَا إنك لا تَجْنِي عليه ولا يَجْنِي عَليك. وتِلاوَة رَسول الله ﷺ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (١)؛ فهو على أصْل الْجِنَايَة، أمَّا إذا ارْتَكَب الأب أوْ الابْن مَا يُوجِب الْمُؤَاخَذَة؛ فإنه يُؤاخَذ بِمَا جَنَاه، كأن يُقَصِّر الوَالد في تَرْبِيَة وَلَدِه، أوْ يَكُون غَاشًّا لهم ولا يُمْحِض لهم النُّصْح؛

стр. 564

فإنه يُؤَاخَذ بِذلك، ومِنه قَوله ﷺ : مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيه الله رَعِيّة يَمُوت يوم يَمُوت وهو غَاشّ لِرَعِيَّتِه إلَّا حَرَّم الله عليه الْجَنَّة (١). وفي رواية: ما مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيه الله رَعِيَّة فلم يُحْطِها بِنُصْحِه إلَّا لَم يَجِد رَائحَة الْجَنَّة (٢). ألا تَرَى أنَّ الإنْسَان يُعذَّب إذا نَاح عَليه أهْلُه، إذا كَان النَّوْح مِنْ عَادَتِهم، وكان يَرَاهُم في الدُّنيا ولا يُنكِر عَليهم؟ وتَحَمَّل قَابِيل جُزْءًا مِنْ كُلّ دَمٍ يُسْفَك؛ لأنه أوَّل مَنْ سَنَّ القَتْل (٣). قال البخاري: باب قَول النبي ﷺ : "يُعَذَّب الْمَيت بِبَعْض بُكَاء أهْلِه عليه" إذا كان النَّوْح مِنْ سُنَّتِه، لِقَول الله تَعَالى: (قُوْا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]، وقَال النبي ﷺ : "كُلُّكُم رَاعٍ ومَسؤول عن رَعِيَّتِه" فإذا لم يَكُنْ مِنْ سُنَّتِه فَهو كَمَا قَالتْ عَائشَة ﵂: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، [الإسراء: ١٥] (٤)، وهو كَقَولِه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) ذُنُوبًا (إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)، ومَا يُرَخَّص مِنْ البُكاء في غَير نَوْح، وقال النبي ﷺ : لا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إلَّا كان على ابنِ آدَم الأوَّل كِفْل مِنْ دَمِها؛ وذلك لأنه أوَّل مَنْ سَنَّ القَتْل (٥).

стр. 565

قال ابن حجر: فَالْحَدِيث (١) وإن كان دَالًّا على تَعْذِيب كُلّ مَيت بِكُلّ بُكَاء لكن دَلَّتْ أدِلَّة أُخْرَى على تَخْصِيص ذلك بِبعْض البُكَاء … وتَقْيِيد ذلك بِمَنْ كَانت تِلْك سُنَّته، أوْ أهْمَل النَّهْي عن ذلك؛ فَالْمَعْنَى على هذا أنَّ الذِي يُعَذَّب بِبعْض بُكَاء أهْلِه مَنْ كان رَاضِيًا بِذلك، بأن تَكُون تلك طَرِيقَته. اهـ. "فإن الذي سَنَّ السُّنَّة السَّيِّئَة إنَّمَا حَمَل وِزْر سُنَّتِه السَّيِّئَة" (٢). وأمَّا تَعَدِّي الْهَلاك إلى الدَّوَاب بِمَا كَسَبَتْ أيدِي النَّاس وبِظُلْم الظَّالِمِين، فَهَذا مُقْتَضَى سُنَّة الله في خَلْقِه. ألا تَرى أنَّ البَهَائم تُمْنَع الْمَرْعَى بِذُنُوب بَني آدَم؟ وفي الْحَدِيث: ولم يَمْنَعُوا زَكَاة أمْوَالِهم إلَّا مُنِعُوا القَطْر مِنْ السَّمَاء، ولوْلا البَهَائم لم يُمْطَرُوا (٣). ومَوْت الفَاجِر والكَافِر رَاحَة للحَيَوَان والْجَمَاد! ففي الحديث: الْعَبْد الْمُؤمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ (٤).

стр. 566

إفادة القرطبي ممن سَبقوه: أفَاد القرطبي كَثِيرًا مِنْ ابن جرير، كيف لا؟ وابن جرير هو صَاحِب قَدَم السَّبْق في مَجَال التَّفْسِير. وقد أثْنَى القرطبي على ابنِ جرير، ونَقَل عن ابن عطية قَوله: وألَّف النَّاس فيه (١) كعبد الرزاق، والْمفَضَّل، وعلي بن أبي طلحة، والبُخاري، وغيرهم، ثم إنَّ محمد بن جرير ﵀ جَمَع على النَّاس أشْتَات التَّفْسِير، وقَرَّب البَعِيد مِنها، وشَفَى في الإسْنَاد (٢). ونَقَل القرطبي عن ابن جرير بَعْضَ آرَائه الفِقْهِيَّة. فَفِي حُكْم الْمَضْمَضَة والاسْتِنْشَاق قال: وبِذلك قال محمد بن جرير الطبري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وجَمَاعة من التابعين (٣). ونَقَل عن ابن عبد البر قَوله في صِفَة الأذَان: ذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري إلى إجَازَة القَول بِكُلّ مَا رُوي عن رسول الله ﷺ وحَمَلُوه على الإبَاحَة والتَّخْيِير (٤). وكما نَقَل القرطبي عن ابن جَرير بعض آرَائه الفِقْهِيَّة، فقد نَقَل عنه بَعض آرَائه الاعْتِقَادِيَّة، فَقَال في قَوله تَعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨، ١١٦]: مِنْ الْمُتَشَابِه الي قد تَكَلَّم العُلَمَاء فيه؛ فقال محمد بن جرير الطبري (٥): قد أبَانَتْ هذه الآية أنّ كُلّ صَاحِب كَبِيرة فَفي مَشِيئة الله تعالى، إن شَاء عَفَا عَنه ذَنْبه، وإن شَاء عَاقَبه عليه، مَا لَم تَكُنْ كَبِيرته شِرْكًا بِالله تَعالى (٦).

стр. 567

كما حَكَى القرطبي عن ابن جرير بَعض آرَائه اللغَوية، إذ يَقُول القرطبي بعد حِكَاية أقْوال أئمَّة اللغَة في قَوله تَعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) [النساء: ١٦٢]: وحكى محمد بن جرير (١) أنه قِيل له: إنَّ الْمُقِيمِين هاهنا الْمَلائكَة ﵈، لِدَوَامِهم على الصَّلاة والتَّسْبِيح والاسْتِغْفَار، واخْتَار هذا القَول، وحَكَى أنَّ النَّصْب على الْمَدْح بَعِيد، لأنَّ الْمَدْح إنَّمَا يَأتي بَعد تَمَام الْخَبَر (٢). ونَقَل عنه بعض مَرْويَّاتِه، إذ يَقُول القرطبي: وذَكَرَ محمد بن جرير (٣) أنَّ ابن وكيع حَدَّثَهم عن أبيه عن شَريك عن أبي حَصين عن سعيد بن جبير أنَّ الأزْلام حَصَى بِيض كَانوا يَضْرِبُون بِها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشِّطْرَنْج (٤) (٥). كما أفاد القرطبي مِنْ ابن عبد البر، ونَقَل عنه في مَواضِع كَثِيرة، فَعَلَى سَبِيل الْمِثَال أفَاد مِنه في أسْمَاء الرِّجَال وَرُوَاة الْحَدِيث، فَمِنْ ذلك مَا نَقَله القرطبي في اسْم أبي سعيد مَولى عبد الله بن عامر بن كُريز وقَول ابن عبد البر: أبو سَعيد لا يُوقَف له على اسْم، وهو مَعْدُود في أهْل الْمَدِينَة، رِوَايَتُه عن أبي هريرة، وحَدِيثُه هَذا مُرْسَل، وقد رَوى هذا الْحَدِيث عن أبي سعيد بن الْمُعَلّى رَجُل مِنْ الصَّحَابَة لا يُوقَف على اسْمِه أيضًا، رَوَاه عنه حفص بن عاصم وعُبيد بن حنين. وتَعَقّب القرطبيُّ ابنَ عبدِ البر بِقَوْلِه:

стр. 568

قلت: كَذا قال في التَّمْهيد: "لا يُوقَف له على اسْم" وذَكَر في كِتَاب الصَّحَابَة (١) الاخْتِلاف في اسْمِه (٢). وفي معرفة اسْم "أبي سَعيد بن الْمُعلَّى" نَقَل القرطبي عن ابن عبد البر قوله: أبو سعيد بن الْمُعلَّى مِنْ جِلّة الأنْصَار، وسَادَات الأنْصَار، تَفَرّد بِه البخاري، واسْمُه رَافع، ويُقال: الْحَارِث بن نُفيع بن الْمُعلَّى. ويُقَال: أوس بن الْمُعلَّى. ويُقَال: أبو سعيد بن أوس بن الْمُعلَّى. تُوفي سَنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وستين سنة، وهو أوّل مَنْ صَلّى إلى القبلة حين حُوِّلَتْ (٣). ونَقَل عن ابن عبد البر بَعض آرَائه الفِقْهِيَّة، فَمِنْ ذلك سِياق اخْتِيار ابن عبد البر في "وُجُوب قِرَاءة الفَاتِحَة في الصَّلاة"، إذ يَقُول: قال ابن عبد البر: الصَّحِيح مِنْ القَول إلْغَاء تلك الرَّكْعَة، ويَأتي بِرَكْعَة بَدَلًا منها، كَمَنْ أسْقَط سَجْدَة سَهْوًا (٤). ونَقَل القرطبي عن ابن عبد البر شَيئًا مِنْ آرَائه الْحَدِيثِيَّة، كما في حديث: "مَا مِنْ مُسْلم يَدعو بِدَعْوة ليس فيها إثْم ولا قَطِيعة رَحِم إلَّا أعْطَاه الله بِها إحْدَى ثَلاث: إمَّا أن يُعَجِّل له دَعْوته، وإمَّا أن يَدَّخِر لَه، وإمَّا أن يَكُفّ عنه مِنْ السُّوء بِمِثْلها. قَالوا: إذًا نُكْثِر. قال: الله أكثر" (٥). خَرَّجَه أبو عمر بن عبد البر (٦)، وصَحَّحَه أبو محمد عبد الحق، وهو في الْمُوَطَّأ (٧) مُنْقَطِع السَّنَد. قال أبو عمر: وهذا الْحَدِيث يُخَرَّج في التفسير الْمُسْنَد (٨).

стр. 569

وهو يَنقُل عن ابن عبد البر حِكَايته للإجْمَاع ويُوَافِقه، وقد يُخَالِفه في دَعْوى الإجْمَاع. يقول القرطبي: أجْمَعَ الْمُسْلِمُون - فِيمَا ذَكَرَ ابن عبد البر أنَّ الْمُنْكَر وَاجِب تَغْيِيره على كُلّ مَنْ قَدَر عَليه، وأنه إذا لم يَلْحَقه بِتَغْييره إلَّا اللَّوم الذي لا يَتَعَدَّى إلى الأذَى فإنَّ ذلك لا يَجِب أن يَمْنَعه مِنْ تَغْييره، فإن لم يَقدِر فَبِلِسَانِه، فإن لم يَقْدِر فَبِقَلْبِه ليس عليه أكْثر من ذلك، وإذا أنْكر بِقَلْبِه فقد أدَّى مَا عليه إذا لم يَسْتَطِع سِوى ذلك. قال: والأحَادِيث عن النبي ﷺ في تَأكِيد الأمْر بِالْمَعْرُوف والنَّهْي عن الْمُنْكَر كَثِيرَة جِدًّا، ولكِنَّها مُقَيَّدَة بِالاسْتِطَاعَة … وزَعَم ابن العربي أنّ مَنْ رَجَا زَوَاله وخَاف على نَفْسِه مِنْ تَغْييره الضَّرْب أوْ القَتْل جَازَ لَه عند أكْثَر العُلَمَاء الاقْتِحَام عند هذا الغَرَر، وإن لَم يَرْجُ زَوَاله فأيّ فَائدة عِنده؟ قال: والذي عِندي أنَّ النِّيَّة إذا خَلَصَتْ فَلْيَقْتَحِم كَيف مَا كان ولا يُبَالي. قلت: هذا خِلاف مَا ذَكَره أبو عُمر مِنْ الإجْمَاع، وهَذه الآيَة (١) تَدُلّ على جَوَاز الأمْر بِالْمَعْرُوف والنَّهْي عن الْمُنْكَر مَع خَوْف القَتْل. وقَال تَعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) [لقمان: ١٧]، وهَذا إشَارَة إلى الإذَايَة (٢). ومِن ذلك أيضًا قَوله: وقد ذَكَر أبو عُمر بن عبد البر الإجْمَاع في أنَّ سُورَة الأنعام مَكِّيَة إلَّا قَوله تَعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١٥١] الثَّلاث الآيَات، وقد نَزَل بَعدَها قُرآن كَثير وسُنَن جَمَّة (٣). فالقرطبي يَعضُد أبْحَاثه بِأقْوَال الأئمَّة مِنْ قَبلِه.

стр. 570

وكذلك الأمْر بِالنِّسْبَة لِمَا يَنقُلُه عن ابن العربي، فيَذْكُره تَارَة، ويُغْفِل ذِكْرَه تَارَة أُخْرَى. فقد نَقَل عن ابن العربي بعض آرَائه الفِقْهِيَّة، حيث نَقَل عنه قَوله في تَوجِيه صَلاته ﷺ على "النَّجَاشي". قال ابن العربي: والذي عِندي في صَلاة النبي ﷺ على النَّجَاشي أنه عَلِم أنَّ النَّجاشي ومَن آمَن مَعه ليس عِنْدهم مِنْ سُنَّة الصَّلاة على الْمَيِّت أثَر، فَعَلِم أنّهم سَيَدفُنونه بِغَير صَلاة، فَبَادَر إلى الصَّلاة عليه (١). ونَقَل القرطبي عن ابن العربي بَعض أقْوَاله في تَصْحِيح وتَضْعِيف الأحَادِيث، فقد ذَكَر "مَعْنَى (آمين) عند أكْثَر أهْل العِلْم" … ونَقَل عن "قَوْم: هو اسْم مِنْ أسماء الله. رُوي عن جعفر بن محمد ومجاهد وهلال بن يساف. ورواه ابن عباس عن النبي ﷺ . ولم يَصِحّ. قاله ابن العربي" (٢). كما حَكى عنه بعض اخْتِيَارَاته في القِرَاءات ووُجُوه التَّرْجِيح. فقد ذَكَر قول أبي حَاتم: إن "مَالِكًا" (٣) أبْلَغ في مَدْح الْخَالق مِنْ مَلِك، ومَلِك أبْلَغ في مَدْح الْمَخْلُوقِين مِنْ مَالِك، والفَرْق بَينهما أنَّ الْمَالِك مِنْ الْمَخْلُوقِين قد يَكُون غَير مَلِك، وإذا كان الله تعالى مالِكًا كان مَلِكًا، واخْتَار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي، وذَكَر ثَلاثَة أوْجُه … (٤). ومع إفَادة القرطبي مِنْ ابن العربي، ونَعْتِه له بِالقَاضي، وتَكنِيَتِه له، واتِّفاقِهما في الْمَذْهُب، إلَّا أنَّ القرطبي لا يَتَوانَى عن مُنَاقَشة بَعض آرَاء ابن العربي، وَرَدّ مَا يَرِي أنه خالَف فيه الْجَادَّة.

стр. 571

فقد أوْرَد القرطبي الْخِلاف في مَسْألَة الْمُسَافِر "إذا اقْتَرَن بِضَرُورَته مَعْصِيَة بِقَطْع طَرِيق وإخَافَة سَبِيل" … قال ابن العربي: وعَجَبًا مِمَّنْ يُبِيح له ذلك (١) مع التَّمَادِي على الْمَعْصِيَة، ومَا أظُنّ أحَدًا يَقُوله، فإن قَاله فهو مُخْطِئ قَطْعًا. ثم تَعَقَّبَه بِقَولِه: قلت: الصَّحِيح خِلاف هَذا، فإن إتْلاف الْمَرء نَفْسه في سَفَر الْمَعْصِية أشَدّ مَعْصِيَة مِمَّا هُو فِيه. قَال الله تَعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، وهَذا عَامّ، ولَعَلَّه يَتُوب في ثَاني حَالِ فَتَمْحُو التَّوْبَة عَنه مَا كَان (٢). ومِن هَذا القِبِيل سِيَاقُه لِقَول ابن العربي: ولقد بَلَغَتِ الْجَهَالة بأقْوَام إلى أن قَالوا: يُقْتَل الْحُرّ بِعَبْد نَفْسِه، ورَوَوا في ذلك حَدِيثًا عن الْحَسَن عن سَمُرَة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَتَل عَبْدَه قَتَلْنَاه" وهو حَديث ضَعيف. ثم رَدّ القرطبي تَضْعِيف ابن العربي للحَدِيث، فَقَال: هَذا الْحَدِيث الذي ضَعَّفه ابن العربي وهو صَحِيح: أخْرَجَه النسائي وأبو دَاود، وتَتْمِيم مَتْنِه: "ومَن جَدَعَه جَدَعْنَاه، ومَن أخْصَاه أخْصَينَاه". وقال البخاري عن علي بن المديني: سَمَاع الْحَسَن مِنْ سَمُرَة صَحِيح، وأخَذَ بِهَذا الْحَدِيث، وقال البخاري: وأنا أذْهَب إليه. فَلو لَم يَصِحّ الْحَدِيث لَمَا ذَهَب إليه هَذان الإمَامَان، وحَسْبُك بِهما (٣). كَما نَقَل عن ابن العربي بَعض أقْوَاله في تَوْجِيه الآي، ودَفْع التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم، فقد دَفَع القرطبي التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم في قَوله تَعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: ٢٤٣] حيث قال: قال ابن العربي: أمَاتَهُم الله تعالى مُدَّة عُقُوبَة لَهم ثم أحْيَاهم، ومَيْتَة العُقُوبة بَعْدَها حَيَاة، ومَيْتَة الأجَل لا حَيَاة بَعْدَها (٤).

стр. 572

فالقرطبي يُفِيد مِمَّنْ سَبَقُوه دُون إفْرَاط ولا تَفْرِيط، يُفِيد مِنْ العَالِم دُون تَعصُّب لِقَول ولا لِمَذْهَب، فهو - غَالِبًا - يَتَّبِع الدَّلِيل، ويأخُذ بِالأثَر، ويُرجِّح مَا يَرَاه رَاجِحًا. أمَّا إفَادَة القرطبي مِنْ ابن عَطية فَكَثيرة جِدًّا (١). وهو يُشِير إليه في مَواضِع (٢). ويُهْمِل ذِكْره في مَواضِع أُخْرى (٣). ويَنقُل عنه آرَاءَه في التَّفْسِير والقِرَاءات (٤). ونَقَل عنه بَعْض أقْوَالِه وتَرْجِيحَاتِه، وهو يُوَافِقُه في كَثِير مِنْ اخْتِيَارَاتِه، فَمِنْ ذلك: نَقْله عن ابن عطية قَوله: ورُوي عن النبي ﷺ وثَبَت أنَّ الْمَمْسُوخ لا يَنْسُل (٥) ولا يَأكل ولا يَشْرب، ولا يَعِيش أكْثَر مِنْ ثَلاثة أيام. قلت: هذا هو الصَّحِيح مِنْ القَولَين (٦). كما نَقَل عنه بَعْض اخْتِيَارَاته اللغَويَّة، فَمِنْ ذلك: مَا ذَكَره القرطبي عن النُّحَاة في معنى (هُوَ) في قَولِه تَعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِه) [البقرة: ٩٦]، ثم قال القرطبي: ابن عطية: وفِيه بُعْد، فإنَّ الْمَحْفُوظ عن النُّحَاة أنْ يُفَسَّر بِجُمْلَة سَالِمَة مِنْ حَرْف جَرّ (٧).

стр. 573

ومِثْله في مَعْنَى (الواو) في قَوله تَعالى: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا) [البقرة: ١٠٠]، فإنه نَقَل أقْوَال أئمَّة اللغَة، ثم نقَل عن ابن عطية قَوله: وهذا كُلّه مُتَكَلَّف، والصَّحِيح قَوْل سِيبويه (١). وتَأثَّر القرطبي بِبَعْض تَأوِيلات ابن عطية، فمن ذلك مُوَافَقَة القرطبي لابن عطية ومُتَابَعَته لَه في تَأوِيل بَعْض الصِّفَات، فَمِنْ ذلك: تَأوِيل صِفَة الوَجْه لله ، حيث قَال في قَوله تَعالى: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]: اخْتَلَف النَّاس في تَأويل الوَجْه الْمُضَاف إلى الله تَعالى في القُرآن والسُّنَّة؛ فقال الْحُذَّاق (٢): ذلك رَاجِع إلى الوُجُود والعِبَارة عنه بالوَجْه مِنْ مَجَاز (٣) الكَلام، إذْ كان الوَجْه أظْهَر الأعْضَاء في الشَّاهِد وأجَلّها قَدْرًا … وقال بعض الأئمَّة:

стр. 574

تلك صِفَة ثَابِتَة بالسَّمْع زَائدة على مَا تُوجِبه العُقُول مِنْ صِفَات القَدِيم (١) تَعالى. قال ابن عطية: وضَعَّف أبو المعالي هذا القَوْل، وهو كَذلك ضَعِيف، وإنَّمَا الْمُرَاد وجُوده. وقيل: الْمُرَاد بِالوَجْه هنا الْجِهَة التي وَجَّهَنا إليها، أي: القِبْلَة. وقِيل: الوَجْه القَصْد (٢). وهَذا تَأوِيل غَير مَرْضِيّ، فقد تأوَّل صِفَة الوجْه أيضًا في تَفْسِير قَوله تَعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن: ٢٧]، فإنه قال: فَالوَجْه عِبَارَة عن وُجُودِه وذَاتِه سُبْحَانه (٣). بينما أثبَت صِفة الوَجْه في مَوَاضِع أُخَر، فَقَال في تَفْسِير قَوله تَعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: ٣٥]: وقال أنس وجابر: الْمَزِيد النَّظَر إلى وَجْه الله تَعالى بِلا كَيْف، وقد وَرَدَ ذلك في أخْبَار مَرْفُوعَة إلى النبي ﷺ في قَوله تَعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦] قال: الزِّيَادَة النَّظَر إلى وَجْه الله الكَرِيم (٤). وقال في آخِر سُورة "الرحمن" مَا نَصّه: ولم يَخْتَلِف القُرَّاء في إجْرَاء النَّعْت على الوَجْه بالرَّفْع في أوَّل السُّورَة، وهو يَدُلّ على أنَّ الْمُرَاد بِه وَجْه الله الذي يَلْقَى الْمُؤمِنُون عِنْدَما يَنْظُرُون إليه فَيَسْتَبْشِرُون بِحُسْن الجزاء، وجَمِيل اللقَاء، وحُسْن العَطَاء (٥). وأهْل السُّنَّة يُثبِتُون صِفَة الوَجْه لله ﵎ على مَا يَلِيق به ﷻ .

стр. 575

ولو كَان هَذا القَول مِمَّنْ تأوَّلَه في مَعْنَى "الوَجْه" في آيةٍ مَا، لَقِيل: القُرآن حَمَّال أوْجه، أمَّا أن يَكُون التَّأويل تَحَاشِيًا لإثْبَات الصِّفَة، فهذا لم يَكن مِنْ شَأن سَلَف هذه الأمَّة. كَمَا تأوَّل صِفة "العَيْن" تَبَعًا لابن عطية. حيث يَقول القرطبي في تَفْسِير قَولِه تَعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) [هود: ٣٧]: (بِأَعْيُنِنَا) أي: بِمَرْأى مِنَّا وحَيث نَرَاك. وقال الربيع بن أنس: بِحِفْظِنا إياك حِفْظ مَنْ يَرَاك. وقال ابن عباس ﵄: بِحِرَاسَتَنا؛ والْمَعْنَى وَاحِد، فَعَبَّر عن الرُّؤية بالأعْين؛ لأنَّ الرُّؤيَة تَكُون بِهَا، ويَكُون جَمْع الأعْيُن للعَظَمَة لا للتَّكْثِير، كَمَا قَال تَعالى: (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٣]، (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) [الذاريات: ٤٨]، (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: ٤٧]. وقد يَرْجِع مَعْنَى الأعْيُن في هَذه الآيَة وغَيرها إلى مَعْنَى عَيْن، كَمَا قَال: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، وذَلك كُلّه عِبَارَة عن الإدْرَاك والإحَاطَة، وهو سُبْحَانه مُنَزَّه عن الْحَواسّ والتَّشْبِيه والتَّكْيِيف، لا رَبّ غَيره (١). وقَال في قَوله تَعالى: (أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: ٤٦]: عِبَارَة عن الإدْرَاك الذي لا تَخْفَى مَعه خَافية، تَبَارَك الله رَبّ العَالَمِين (٢). وقال القرطبي في تَفْسِير قَوله تَعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور: ٤٨]: أي: بِمَرْأى ومَنْظَر مِنَّا؛ نَرَى ونَسْمَع مَا تَقُول وتَفْعَل. وقِيل: بِحَيث نَرَاك ونَحْفَظُك ونَحُوطُك ونَحْرُسُك ونَرْعَاك، والْمَعْنَى وَاحِد. ومِنه قَوله تَعالى لِمُوسَى ﵇: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، أي: بِحِفْظِي وحِرَاسَتِي (٣).

стр. 576

وقَال في قَوله تَعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: ١٤]: أي: بِمَرْأى مِنَّا. وقِيل: بأمْرِنا. وقِيل: بِحِفْظ مِنَّا وكَلاءَة … ومِنه قَول النَّاس للمُوَدَّع: عَيْن الله عَليك، أي: حِفْظه وكَلاءَته (١). وصِفَة "الْعَيْن" ثابِتَة لله ﵎ في الكِتَاب وفي السُّنَّة؛ أمَّا في الكِتَاب فَمِنْه قَوله تَعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، وقَوله تَعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: ١٤]، وأصْرَح مِنه قَوله تَعالى عن نَفْسِه: (أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: ٤٦]. قال ابن عساكر في ذمّ كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة وأهْل القَدَر: ودَفَعُوا أن يَكُون لله وَجْه مع قَوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: ٢٧]، وأنْكَرُوا أن يَكُون لله يَدَان مَع قَوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) [ص: ٧٥]، وأنْكَرُوا أن يَكُون له عَيْن مَع قَولِه: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: ١٤]، ولِقَولِه: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩] (٢). كَمَا تَأوَّل القرطبي صِفَة اليَد، فإنه قَال في قَوله تَعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤]: بل نِعْمَته مَبْسُوطَة؛ فَاليَد بِمَعْنى النِّعْمَة. قال بَعْضُهم: هذا غَلَط لِقَوْلِه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، فَنِعَم الله تَعالى أكْثَر مِنْ أن تُحْصَى، فَكَيْف تَكُون: بَلْ نِعْمَتَاه مَبْسُوطَتَان؟ وأُجِيب بأنه يَجُوز أن يَكُون هذا تَثْنِية جِنْس لا تَثْنِيَة وَاحِد مُفْرَد (٣). وذَكَر أقْوَالًا أُخْرَى في تَأوِيل صِفَة اليَد (٤). وفي "اعْتِقَاد الإمام الْمُبجَّل ابن حنبل" (٥): وكان يَقُول (٦): إنَّ لله تَعالى يَدَين، وهُمَا صِفَة لَه في ذَاتِه.

стр. 577

وقال ابن عساكر: وجُمْلة قَوْلِنا: أن نُقِرّ بِالله ومَلائكَته وكُتُبه ورُسُله، ومَا جَاء مِنْ عند الله، ومَا رَوَاه الثِّقَات عن رَسول الله ﷺ ، لا نَرُدّ مِنْ ذلك شَيئًا، وأنَّ الله إلَه واحِد صَمَد، لا إلَه غَيره، لم يَتَّخِذ صَاحِبَة ولا وَلدًا … وأنَّ له يَدًا، كَمَا قَال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤] (١). وسَبَق في التَّمْهِيد لِهذا الْبَحْث بَيَان اضْطِرَاب مَنهج القرطبي في بعض مَسَائل الاعْتِقَاد. أما إفادة القرطبي لمن أتوا بعده، وموافقة غيره له: كما أخَذ القُرْطُبي ونَقَل عن غيره، فقد أخَذ غَيرُه عنه، وأفَاد مِنه. نَقَل ابن تيمية عن القرطبي تَفْصِيلًا لَه في مَسْألَة "الاسْتِوَاء"، وقد سَلَك فيها القرطبي سَبيل السَّلَف وجَادَّة الصَّوَاب (٢). وقد أحْسَن ابن تيمية الثَّنَاء على القرطبي، حيث سُئل ابن تيمية، "أيّ التَّفَاسِير أقْرَب إلى الكِتَاب والسُّنَّة؟ الزمخشري، أم القرطبي، أم البغوي أوْ غير هؤلاء"؟ فكان مِمَّا أجَابَ بِه - مُقَارِنًا بين تفسير القرطبي وبين تفسير الزمخشري: وتَفْسِير القرطبي خَيْر مِنه بِكَثِير، وأقْرَب إلى طَرِيقَة أهْل الكِتَاب والسُّنَّة وأبْعَد عن البِدَع (٣). ونَقَل ابنُ القيم عَنْ القرطبي قَوْلَه في مَسْألَة الاسْتِوَاء على العَرْش (٤). وأفَاد مِنه ابن كَثِير كَثِيرًا في مَسَائل شَتَّى، فيَذْكُر بَعْض اخْتِيَارَاته في اللغَة، حيث قال ابن كثير في بَحث "الاسْم الأعظَم": فَذَهَبَ مَنْ ذَهَب مِنْ النُّحَاة إلى أنه اسْم

стр. 578

جَامِد لا اشْتِقَاق له، وقد نَقَله القرطبي عن جَمَاعة مِنْ النُّحَاة إلى أنه اسْم جَامِد لا اشْتِقَاق له، وقد نقله القرطبي عن جَمَاعة مِنْ العُلَمَاء مِنهم الشافعي والخطابي وإمَام الحرمين والغزالي وغيرهم، ورُوي عن الخليل وسِيبويه أنَّ الألف واللام فيه لازِمَة (١). وفي تَفْسِير سُورة الفَاتِحة بِحَثَ ابن كثير مَعْنَى (الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: ٢]، ومِمَّا قَاله فيه: وقال الزجاج: العَالَم كُلّ مَا خَلَق الله في الدُّنيا والآخِرَة. قال القرطبي: وهَذا هو الصَّحِيح، أنه شَامِل لِكُلّ العَالَمِين (٢). ونَقَل عنه بعض أقْوَالِه واخْتِيَارَاتِه في التَّفْسِير، فقال: قال القرطبي: وأجْمَعَتِ الأمَّة على أنَّ الله قد وَصَفَ نَفْسَه بالْخَتْم والطَّبْع على قُلُوب الكَافِرِين مُجَازَاة لِكُفْرِهم (٣). ويَنقُل ابن كثير عن القرطبي بَعض أجْوبَتِه عَمَّا أشْكَل على بَعْض العُلَمَاء، فمن ذلك قَول ابن كثير: وقد سُئل القرطبي وغَيره مِنْ الْمُفَسِّرِين عن حِكْمَة كَفِّه ﵊ عن قَتْل الْمُنَافِقِين مع عِلْمِه بأعْيَان بَعْضِهم. وذَكَرُوا أجْوِبَة عن ذلك (٤) فَذَكَرها ابن كثير. ونَقَل عن القرطبي ما يَنقلُه مِنْ مَسَائل الإجْمَاع، إذ يقول ابن كثير: قال القرطبي وقد اتَّفَق العُلَمَاء عن بَكْرَة أَبِيهم! على أنَّ القَاضِي لا يَقْتُل بِعِلْمِه، وإن اخْتَلَفُوا في سَائر الأحْكَام (٥). كَما نَقَل عنه بَعْض آرَائه الفِقْهِيَّة، فَقَال في حُكْم "أنْفحَة الْمَيْتَة": فَقَال القرطبي في التفسير: هاهنا يُخَالِط اللبن مِنها يَسِير، ويُعْفَى عن قَليل النَّجَاسَة إذا خَالَط الكَثِير مِنْ الْمَائع (٦).

стр. 579

وكما نَقَل ابن كثير عن القرطبي في التفسير فقد نَقَل عن كِتَاب "التذكرة في أحْوَال الْمَوْتَى وأمُور الآخِرَة" (١). ومِن العُلَمَاء الذين أفَادُوا مِما سَطَّرَه القرطبي في كُتُبه: ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري"، إذْ يَقول في "حُكْم الغِيبَة": ونَقَل أبو عبد الله القرطبي في تفسيره الإجْمَاع على أنَّها مِنْ الكَبَائر؛ لأنَّ حَدَّ الكَبِيرَة صَادِق عَليها، لأنَّها مِمَّا ثَبَت الوَعِيد الشَّدِيد فِيه (٢). وفي مَواقِف الآخِرة نَقَل ابن حجر عن القرطبي قَوله في "التذكرة": ذَهَب صَاحِب "القُوت" (٣) وغيره إلى أنَّ الْحَوْض يَكُون بَعْد الصِّرَاط، وذَهَب آخَرُون إلى العَكْس، والصَّحِيح أنَّ للنبي ﷺ حَوْضَيْن، أحَدُهما في الْمُوْقِف قَبْل الصِّرَاط، والآخَر دَاخِل الْجَنَّة، وكُلّ مِنْهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرا. ثم تعقَّبه ابن حجر بِقَولِه: قلت: وفِيه نَظَر؛ لأنَّ الكَوْثر نَهْر دَاخِل الْجَنَّة (٤). وفي مَسْألَةٍ فِقْهِيَّة في الطَّلاق، وهي "في الْحَرَام إن نَوى يَمِينًا أوْ طَلاقًا" قال ابن حجر: وفي الْمَسْألَة اخْتِلافٌ كَثِير عن السَّلَف، بَلَّغَها القرطبي الْمُفَسِّر إلى ثَمَانِية عَشَر قَوْلًا، وزَاد غَيره عَليها، وفي مَذْهب مَالك فِيها تَفَاصِيل أيْضًا يَطُول اسْتِيعَابها. قال القرطبي: قال بَعْض عُلَمَائنَا: سَبَب الاخْتِلاف أنه لَم يَقَع في القُرْآن صَرِيحًا ولا في السُّنَّة نَصّ ظاهِر صَحِيح يُعْتَمَد عليه في حُكْم هذه الْمَسْألَة، فَتَجَاذَبَها العُلَمَاء (٥).

стр. 580

ونَقَل ابن حجر حِكَاية القُرطبي في "تَفْسِير التَّوْبَة النَّصُوح"، أنه اجْتَمَع له مِنْ أقْوَال العُلَمَاء في تَفْسِير التَّوبَة النَّصُوح ثَلاثَة وعِشْرُون قَوْلًا (١). وفي "حُكْم الصَّلاة على النبي ﷺ مُطْلَقًا" نَقَل ابن حجر عن القرطبي قَوله: لا خِلاف في وُجُوبِها في العُمْر مَرَّة، وأنَّهَا وَاجِبَةً في كُلّ حِين وُجُوب السُّنَن الْمُؤكَّدَة (٢). وأفَاد الشَّوكَاني مِنْ القُرطبي كَثِيرًا خَاصَّة في تَفْسِيرِه "فَتْح القَدِير"، إذ زَاد ذِكْر القرطبي على مائتي مَوْضِع. وكذلك الشنقيطي في كِتابَيْه: "أضْوَاء البَيَان"، و"دَفْع إيهَام الاضْطِرَاب" ففي "أضْوَاء البَيَان" رَبَا ذِكْر القرطبي على أرْبَعْمِائة مَوْضِع.

стр. 581

المبحث الثاني: الفرق بين كشف معنى الآية بإكثار الأقوال، وبين العناية بدفع توهّم التعارض، ومظانّ الجمع بين الآيات اعْتَنَى العُلَمَاء بأقْوَال أئمَّة التَّفْسِير الْمُتَقدِّمِين مِنْ عَصْر الصَحَابة فَمَنْ بَعْدَهم (١)، وذلِك لِعِدَّة اعْتِبَارَات: الأوَّل: كَوْن الصَّحَابة ﵃ شَاهَدُوا التَّنْزِيل، وحَضَرُوا وقَائِعَه، بالإضَافَة إلى أنَّهم "كَانوا خَير هَذه الأُمَّة؛ أبَرّها قُلُوبًا، وأعْمَقَها عِلْمًا، وأقَلّها تَكَلّفًا، قَوم اخْتَارهم الله لِصُحْبَة نَبِيِّه ﷺ ونَقْل دِينِه … فَهُمْ أصحَاب محمد ﷺ كَانوا على الْهُدَى الْمُسْتَقِيم" (٢). الثَّاني: كَوْنهم أهْل اللغَة والفَصَاحَة، إذ كانوا في زَمَن لم يَتَفَشّ فيه اللَحْن. قال أبو بكر بن الأنباري: جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم - مِنْ تفضيل إعراب القرآن والْحَضّ على تعليمه وذَم اللَّحْن وكَرَاهِيته - ما وَجب به على قُرّاء القرآن أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تَعَلُّمه (٣). الثَّالث: أنَّهم الْجَمَاعة، والْجَمَاعة أبْعد عن الْخَطَأ مِنْ الوَاحِد. الرَّابِع: أنَّ مَنْ أخَذ بِأقْوَال السَّلَف لَم يَخْرُج - في الغَالِب - عن الْجَادَّة، إذ يَقول بِقَول له فيه سَلَف، مَا لَم يَتَّبِع الشَّاذّ مِنْ الأقْوَال، أوْ الْمَهْجُور مِنها. ولذا كان أحمد بن حنبل (٤) يقول: إياك أن تَتَكَلَّم في مَسْألَة ليس لك فِيها إمَام (٥)

стр. 582

قال ابن تيمية: وكُلّ قَوْل يَنْفَرِد بِه الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّمِين ولَم يَسْبِقه إليه أحَد مِنهم فإنه يَكُون خَطَأ (١). ٥ - لأنَّ غَالِب مَا يَكُون مِنْ الْخِلاف بَيْن أقْوَال السَّلَف إنَّمَا هو اخْتِلاف تَنَوُّع، إذْ "ليس في تَفْسِير القُرْآن اخْتِلاف إنَّمَا هو كَلام جَامِع يُرَاد بِه هَذا وهَذا" (٢)، لأنَّ "الْخِلاف بَيْن السَّلَف في التَّفْسِير قَلِيل، وخِلافُهم في الأحْكَام أكْثَر مِنْ خِلافِهم في التَّفْسير، وغَالب مَا يَصِحّ عنهم مِنْ الْخِلاف يَرْجِع إلى اخْتِلاف تَنَوُّع لا اخْتِلاف تَضَادّ" (٣). قال أبو الدرداء: لا تَفْقَه كُلّ الفِقْه حَتى تَرَى للقُرْآن وُجُوهًا كَثِيرَة (٤). ومِن هُنا انْقَسَم عُلَمَاء التَّفْسِير بِالْمَأثُور تُجَاه (٥) مَسألة إيرَاد النُّصُوص إلى أقْسَام: القِسْم الأوَّل: مَنْ يُورِد النَّص والأثَر مُكتَفِيًا بِبَعْض النُّصُوص دُونَ بَعض، مَع التَّرْجِيح. القِسْم الثَّاني: مَنْ يَحْشُد النُّصُوص في الْمَوْضِع الوَاحِد، ويُكَرِّر إذا احْتَاج إلى التِّكْرار، أوْ يُحِيل على الْمَوضِع الذي حَشَدَ فيه، مَع عَدَم إغْفَال التَّرْجِيح والْجَمْع بَيْن الأقْوَال. القِسْم الثَّالِث: مَنْ يَكتَفي بِإيرَاد النُّصُوص ونِسْبَة الأقْوَال إلى قَائلِيها، دون تَرْجِيح، ومِن غَير اخْتِيَار.

стр. 583

وفي هَذا الْمَبْحَث سَوف أُقارِن بَيْن طَرِيقَة القرطبي في ذلك، وبَيْن مَنْهَج ابن جرير، لأنه يُرَجِّح ويَخْتَار، وبَيْن طَرِيقَة ابن الجوزي في "زاد المسير"؛ إذْ بِهَذِه الْمُقَارَنة تَتَبَيَّن طَرِيقَة القرطبي. المثال الأول: إرَادَة ثَوَاب الدُّنيا: قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) [هود: ١٥]، وقَوله تَعالى: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) [آل عمران: ١٤٥]، وقَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) [الشورى: ٢٠]، مَع قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) [الإسراء: ١٨]. صورة التعارض: في آيَة "هُود" جَاء "التَّصْرِيح بِأنَّ الكَافِر يُجَازَى بِحَسَناتِه؛ كالصَّدَقَة وصِلَة الرَّحِم وقِرَى الضَّيف والتَّنْفِيس عن الْمَكْرُوب في الدُّنيا دُون الآخِرَة؛ لأنَّه تَعالى قَال: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) يَعْنِي: الْحَيَاة الدُّنيا (١) … مَع أنه جَاءَت آيَات أُخَر تَدُلُّ على بُطْلان عَمَلِ الكَافِر واضْمِحْلالِه مِنْ أصْلِه، وفي بَعْضِها التَّصْرِيح بِبُطْلانه في الدُّنيا مَع الآخِرَة في كُفْر الرِّدَّة وفي غَيْرها" (٢).

стр. 584

جمع القرطبي: قال القرطبي في آيةِ "آل عمران": (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) يَعْنِي: الغَنِيمَة، نَزَلَتْ في الذِين تَرَكُوا الْمَرْكَز طَلَبًا للغَنِيمَة (١). وقيل: هي عَامَّة في كُلّ مَنْ أرَاد الدُّنيا دُون الآخِرَة، والْمَعْنَى: نُؤتِه منها مَا قُسِم له، وفي التَّنْزِيل: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ). (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: نُؤتِه جَزَاء عَمَلِه عَلى مَا وَصَف الله تَعالى مِنْ تَضْعِيف الْحَسَنَات لِمَنْ يَشاء. وقِيل: الْمُرَاد منها عبد الله بن جبير ومَن لَزِم الْمَرْكَز مَعه حَتى قُتِلُوا (٢). وذَكَر القرطبي الْخِلاف في سَبَب نُزُول آيَة "هود"، فقال: قيل: نَزَلَتْ في الكُفَّار … بِدَلِيل الآيَة التي بَعْدَها: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) [هود: ١٦] أي: مَنْ أتَى مِنهم بِصِلَةِ رَحِم أوْ صَدَقَة نُكَافِئه بِها في الدُّنيا بِصِحَّة الْجِسْم وكَثْرَة الرِّزْق، لكن لا حَسَنَة له في الآخِرة … وقيل: الْمُرَاد بِالآيَة الْمُؤمِنُون، أي: مَنْ أرَاد بِعَمَلِه ثَوَاب الدُّنيا عُجِّل له الثَّوَاب ولم يُنْقَص شَيئًا في الدُّنيا، وله في الآخِرَة العَذَاب، لأنه جَرَّد قَصْدَه إلى الدُّنيا … فالعَبْد إنَّمَا يُعْطَى على وَجْه قَصْدِه، وبِحُكْم ضَمِيره؛ وهذا أمْرٌ مُتَّفق عليه في الأُمَم بَيْن كُلّ مِلَّة. وقيل: هو لأهْل الرِّياء. وقيل: الآيَة عَامَّة في كُلّ مَنْ يَنْوِي بِعَمَلِه غَير الله تَعالى، كان مَعه أصْل إيمان أوْ لَم يَكُنْ. وقال مَيمون بن مِهران: ليس أحَد يَعْمَل حَسَنة إلَّا وُفِّيَ ثَوابها؛ فإن كان مُسْلِمًا مُخْلِصًا وُفِّي فِي الدُّنيا والآخِرَة، وإن كان كَافِرًا وُفِّي في الدُّنيا.

стр. 585

وقيل: مَنْ كَان يُرِيد الدُّنيا بِغَزْوِه مع النبي ﷺ وفّيَها، أي: وُفِّي أجْر الغَزَاة، ولم يُنْقَص مِنها، وهذا خُصُوص، والصَّحِيح العُمُوم. ثم بَحَث القرطبي عُمُوم هَذه الآيَات وتَقْيِيدها، فَقال: ذَهَب أكْثر العُلَمَاء إلى أنَّ هذه الآيَة مُطْلَقَة، وكَذلك الآيَة التي في "الشورى": (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) الآيَة، وكَذلك: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)، قَيَّدَها وفَسَّرَها التي في "سُبحان" (١): (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) إلى قَولِه (مَحْظُورًا) فأخْبَر سُبحانه أنَّ العَبْد يَنْوِي ويُرِيد، والله سُبْحانه يَحْكُم مَا يُرِيد. ورَوى الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قَوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) مَنْسُوخَة بِقَولِه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ). والصَّحِيح مَا ذَكَرْناه، وأنه مِنْ باب الإطْلاق والتَّقْيِيد .... والنَّسْخ في الأخبار لا يَجُوز، لاسْتِحَالَةِ تَبَدُّل الوَاجِبَات العَقْلِيّة، ولاسْتِحَالَة الكَذِب على الله تعالى، فأمَّا الإخْبَار عن الأحْكَام الشَّرْعية فيَجُوز نَسْخُها على خِلاف فيه (٢). وقال في آيَة "الشورى": (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: طَلَب بِالْمَال الذي آتَاه الله رِيَاسَة الدُّنيا والتَّوَصُّل إلى الْمَحْظُورَات فإنَّا لا نَحْرِمه الرِّزْق أصْلًا، ولكن لا حَظَّ له في الآخِرَة مِنْ مَالِه. قَال الله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) [الإسراء: ١٨، ١٩]. ونَقَل القرطبي عن القُشيري قَوله: والظَّاهِر أنَّ الآيَة في الكَافِر يُوَسَّع له في الدُّنيا. أي: لا يَنْبَغِي له أن يَغْتَرّ بِذلك، لأنَّ الدُّنيا لا تَبْقَى.

стр. 586

وعن قتادة قَوله: إنَّ الله يُعْطِي على نِيَّة الآخِرَة مَا شَاء مِنْ أمْر الدُّنيا، ولا يُعْطِي على نِيّة الدُّنيا إلَّا الدُّنيا، وقال أيضًا: يَقُول الله تَعالى: مَنْ عَمِل لآخِرته زِدْنَاه في عَمَلِه وأعْطَينَاه مِنْ الدُّنيا مَا كَتَبْنَا لَه، ومَن آثَر دُنْياه على آخِرَته لم نَجْعَل له نَصِيبًا في الآخِرَة إلَّا النَّار، ولم يُصِب مِنْ الدُّنيا إلَّا رِزْقًا قد قَسَمْنَاه له لا بُد أن كان يُؤتاه مع إيثَار أوْ غير إيثَار. وروي جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا) أي: مَنْ كان مِنْ الفُجَّار يُرِيد بِعَمَلِه الْحَسَن الدُّنيا نُؤتِه مِنها، ثم نُسِخ ذلك في "سُبحان": (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ). والصَّواب أنَّ هذا ليس بِنَسْخ؛ لأنَّ هذا خَبَر والأشْياء كُلّها بإرَادَة الله . ألَا تَرَى أنه قد صَحّ عن النبي ﷺ أنه قال: لا يَقُل أحَدُكم: اللهم اغْفِر لي إنْ شِئت، اللهم ارْحَمْني إنْ شِئت (١). وقد ذَكَرْنا في "هود" أنَّ هذا مِنْ بَاب الْمُطْلَق والْمُقَيَّد، وأنَّ النَّسْخ لا يَدْخُل في الأخْبَار. والله المستعان (٢). وفي آيَة "الإسراء" قال القرطبي: قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) يَعْنِي: الدُّنيا، والْمُرَاد الدَّار العَاجِلة، فَعَبَّر بالنَّعْت عن الْمَنْعُوت (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) أي: لَم نُعْطِه منها إلَّا مَا نَشاء ثم نُؤاخِذه بِعَمَلِه، وعَاقِبته دُخُول النَّار (مَذْمُومًا مَدْحُورًا) أي: مَطْرودًا مُبْعَدًا مِنْ رَحْمَة الله؛ وهذه صِفة الْمُنَافِقِين الفَاسِقِين والْمُرَائين الْمُدَاجِين (٣) يَلْبَسُون الإسْلام والطَّاعَة لِيَنَالُوا عَاجِل الدُّنيا مِنْ الغَنَائم وغَيرها، فلا يُقْبَل ذلك العَمَل

стр. 587

مِنهم في الآخِرَة، ولا يُعْطَون في الدُّنيا إلَّا مَا قُسِم لَهم. وقد تَقَدَّم في "هود" أنَّ هذه الآية تُقَيِّد تِلك الآيَات الْمُطْلَقَة فَتَأمّلْه (١). وبيَّن في قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النساء: ١٣٤] أنَّ الْمُرَاد بِه الْمُنَافِقِين والكُفَّار. قال: وهو اختيار ابن جرير (٢). ملخص جواب القرطبي: ١ - أنَّ آيَة "هود" نَزَلتْ في شَأن الكُفَّار؛ مَنْ أتَى مِنهم بِصِلَةِ رَحِم أوْ صَدَقَة يُكَافِئه الله بها في الدنيا بِصِحَّة الْجِسْم وكَثْرة الرِّزْق، ولا حَسَنَة له في الآخِرة. ٢ - ذَهَب أكْثَر العُلَمَاء إلى أنَّ آيَة "هود" وآيَة "الشورى" وآيَة "آل عمران" وإن جَاءت مُطلَقَة فقد قيَّدَتْها آيَة "الإسْراء" بِكَون إعْطَاء الثَّوَاب وتَعجِيله إنَّمَا هو لِمَنْ شَاء الله أن يُعجِّل لَه ذَلك. ٣ - القَول بامْتِنَاع النَّسْخ، لِكون النَّسْخ لا يَدخُل في الأخْبار. فالقرطبي أوْرَد الأقْوَال في الآيَات، ثم اخْتَار ورَجَّح القَول بِتَقْيِيد الْمُطْلَق، ومَنْع القَوْل بالنَّسْخ. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: يَرى ابن جرير أنَّ الضَّمِير في آيَة "آل عمران" (نُؤْتِهِ مِنْهَا) رَاجِع إلى الدُّنيا، وأنَّ مَعْنَى قَوله: (نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: نُعْطِه مِنها، يَعْنِي: مِنْ الدُّنيا، يَعْنِي أنه يُعْطِيه مِنها مَا قُسِمَ

стр. 588

له فيها مِنْ رِزق أيام حَيَاتِه، ثم لا نَصِيب لَه في كَرَامَة الله التي أعَدَّها لِمَنْ أطَاعَه وطَلَب مَا عِندَه في الآخِرَة (١). وأمَّا في آيَة "النساء": (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، فقد أعْمَل السِّيَاق، ولذا فَهو يَرى أنَّهَا في الْمُنَافِقِين، وأنَّ الْمَقْصُود بِثَوَاب الدُّنيا للمُنَافِق "هو مَا يُصِيب مِنْ الْمَغْنَم إذا شَهِد مع النبي ﷺ مَشْهَدًا، وأمْنُه على نَفْسِه وذُرِّيته ومَالِه، ومَا أشْبَه ذلك، وأمَّا ثَوَابُه في الآخِرَة فَنَارُ جَهنَّم" (٢). وتَأوِيل آيَة "هود" عِند ابن جرير: "يَقول تَعالى ذِكْرُه مَنْ كَان يُرِيد بِعَمَلِه الْحَيَاة الدُّنيا، وإيَّاها وزِينتها يَطْلُب بِه، نُوَفِّ إلَيهم أُجُور أعْمَالِهم فِيها وثَوَابها. (وَهُمْ فِيهَا) يَقُول: وهُم في الدُّنيا (لَا يُبْخَسُونَ) يَقُول: لا يُنْقَصُون أجْرَها، ولَكِنَّهم يُوَفَّونَه فِيها" (٣). أمَّا مَعْنَى: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) عند ابن جرير فَهو "ومَن كَان يُرِيد بِعَمَلِه الدُّنيا، ولها يَسْعَى لا للآخرة؛ نُؤتِه مِنها ما قَسَمْنَا لَه مِنها. (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) … وليس لِمَنْ طَلَب بِعَمَلِه الدُّنيا ولم يُرِد الله بِه في ثَوَاب الله لأهْلِ الأعْمَال التي أرَادُوه بأعْمَالِهم في الدُّنيا حَظّ" (٤). ومَعْنَى آيَة "الإسراء" عنده: مَنْ كَان طَلَبه الدُّنيا العَاجِلَة، ولَها يَعْمَل ويَسْعَى، وإيّاها يَبْتَغِي، لا يُوقِن بِمَعَاد، ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقَابًا مِنْ رَبِّه على عَمَلِه؛ (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) … يُعَجِّل الله له في الدُّنيا مَا يَشَاء مِنْ بَسْط الدُّنيا عليه، أو تَقْتِيرِها لِمَنْ أرَاد الله أن يَفْعَل ذَلك بِه، أوْ إهْلاكِه بِمَا يَشَاء مِنْ عُقُوبَاتِه.

стр. 589

(ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا) يَقُول: ثم أصْلَيْنَاه عند مَقْدَمِه عَلينا في الآخِرَة جَهَنَّم (مَذْمُومًا) على قِلَّة شُكْرِه إيَّانا، وسُوء صَنِيعِه فِيمَا سَلَف مِنْ أيَادِينا عِنْدَه في الدُّنيا (مَدْحُورًا) يَقُول: مُبْعَدًا مُقْصًى في النَّار (١). فَابْنُ جرير قد فَسَّر كُلّ آيَة في سِيَاقِها، ولم يَتَطَرَّق إلى مَا يُتَوهَّم مِنْ تَعَارُض. ومَعنى آية "آل عمران" عند ابن الجوزي: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: مَنْ قَصَد بِعَمَلِه الدنيا أُعْطِي منها، قَلِيلًا كَان أوْ كَثِيرًا، ومَن قَصَد الآخِرة بِعَمَلِه أُعْطِي منها ونَقَل عن مُقاتل قوله: عُني بالآية مَنْ ثَبَت يوم أُحُد ومَن طَلَب الغَنِيمَة (٢). وفي آيَة "هود" ذَكَر الْخِلاف في سَبَب نُزُولِها، فَقَال: اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ على أرْبَعَة أقْوَال: أحَدُها: أنَّهَا عَامَّة في جَمِيع الْخَلْق، وهو قَول الأكْثَرِين. والثَّاني: أنَّهَا في أهْلِ القِبْلَة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثَّالث: أنَّهَا في اليَهُود والنَّصَارَى، قاله أنس. والرَّابع: أنها في أهْلِ الرّياء، قاله مجاهد. وَرَوَى عطاء عن ابن عباس: مَنْ كان يُرِيد عَاجِل الدُّنيا ولا يُؤمِن بِالبَعْثِ والْجَزَاء وقال غَيره: إنَّمَا هي في الكَافِر؛ لأنَّ الْمُؤمِن يُرِيد الدُّنيا والآخِرَة. ثم قال: قَوله تعَالى: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) أي: أجُور أعْمَالهم. (فِيهَا) قال سعيد بن جبير: أُعْطُوا ثَواب ما عَمِلُوا مِنْ خَيرٍ في الدنيا.

стр. 590

وقال مجاهد: مَنْ عَمِل عَمَلًا مِنْ صِلَة أو صَدَقَة لا يُرِيد به وَجْه الله أعْطَاه الله ثَوَاب ذلك في الدُّنيا، ويَدْرأ بِه (١) عَنه في الدُّنيا. ثم عَقَد ابن الجوزي فَصْلًا قال فيه: وذَكَرَ قَوْم مِنْ الْمُفَسِّرِين - منهم مُقاتل - أنَّ هَذه الآيَة اقْتَضَتْ أنَّ مَنْ أرَاد الدُّنيا بِعَمَلِه أُعْطِي فيها ثَوَاب عَمَلِه مِنْ الرِّزق والْخَير، ثم نُسِخ ذلك بِقَوله: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)، وهذا لا يَصِح؛ لأنه لا يُوفَّى إلَّا لمَن يُرِيد (٢). ونَقَل ابن الجوزي - في آيَة "الشورى" - عن الْمُفَسِّرِين قَولهم "مَنْ أرَاد العَمَل لله بِمَا يُرْضِيه أعَانَه الله على عِبَادَتِه، ومَن أرَاد الدُّنيا مُؤثِرًا لَها على الآخِرَة - لأنه غَير مُؤمِن بالآخِرَة - يُؤتِه مِنها، وهو الذي قُسِم لَه. (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) لأنه كَافِر بِهَا لم يَعْمَل لَها". و"اتَّفَق العُلَمَاء على أنَّ أوَّل هَذه الآيَة إلى (حَرْثِهِ) مُحْكَم، واخْتَلَفُوا في بَاقِيها على قَولَين: أحَدُهما: أنه مَنْسُوخ بِقَولِه: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ). هذا قَوْل جَمَاعة مِنهم مُقاتل. والثَّاني: أنَّ الآيَتَين مُحْكَمَتَان مُتَّفِقَتَان في الْمَعْنَى؛ لأنه لم يَقُل في هذه الآيَة نُؤتِه مُرَادَه، فَعُلِم أنه إنَّمَا يُؤتِيه الله مَا أرَاد (٣)، وهَذا مُوافِق لِقَولِه: (لِمَنْ نُرِيدُ)، ويُحَقِّق هَذا أنَّ لَفْظ الآيَتَين لَفْظ الْخَبَر، ومَعْناهما مَعْنى الْخَبَر، وذلك لا يَدْخُلُه النَّسْخ، وهذا مَذهب جماعة منهم قتادة (٤). وذَكَر قَوْلَين أيضًا في آيَة "الإسراء"، إذ يَقُول: قَوله تَعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) يَعني مَنْ كَان يُرِيد بِعَمَلِه الدُّنيا، فَعَبَّر بالنَّعْت عن الاسْم. (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) مِنْ عَرَض الدُّنيا.

стр. 591

وقِيل: مِنْ البَسْط والتَّقْتِير. (لِمَنْ نُرِيدُ) فيه قَولان: أحَدهما: لِمَنْ نُريد هَلَكَته، قاله أبو إسحاق الفزاري. والثَّاني: لِمَنْ نُرِيد أن نُعَجِّل له شَيئًا، وفي هذا ذَمّ لِمَنْ أرَاد بِعَمَلِه الدُّنيا، وبَيَان أنه لا يَنَال مَع مَا يَقْصِده مِنها إلَّا مَا قُدِّرَ لَه، ثم يُدْخَل النَّار في الآخِرَة. وقال ابن جرير: هَذه الآيَة لِمَنْ لا يُوقِن بِالْمَعَاد" (١). فابْنُ الجوزي يُورِد الأقْوال - كَعَادَتِه - مِنْ غَير تَرْجِيح في الغَالِب. رأي الباحث: أنَّ مَا جَاء في الآيَات مُطْلَقًا بِالْجَزَاء لِكُلّ مَنْ أرَاد الدُّنيا قَيَّدَته الآيَات الأُخَر بِالْمَشِيئَة الإلَهِيَّة لِمَنْ أرَاد الله مُجَازَاته على ذلك في الدُّنيا. وهَذه طَريقَة القُرْآن، إذ يُفَصَّل في مَوْضِع ما أُجْمِل في مَوْضِع، ويُقَيَّد في مَوْضِع مَا أُطْلِق في آخَر، ويُخَصَّص في مَوْضِع مَا كَان عَامًّا في مَوْضِع آخَر، وهَذا كَثِير في القرآن ونَظير مَا في هَذه الآيَات مَا جَاء في عِتْق الرَّقَبَة في الكَفَّارَات، قُيِّدَت بِالإيمان في مَواضِع، وأُطْلِقَتْ في مَوَاضِع أُخْرَى (٢). والْكَافِر يُجَازَى في الدُّنيا، ولَيْس لَه في الآخِرَة مِنْ نَصِيب. ومِن صُوَر مُجَازَاة الكُفَّار في الدُّنيا: ١ - سَعَة الرِّزْق، و"لَيس ضِيق الرِّزق هَوَانا، ولا سَعَة الرِّزق فَضِيلَة" (٣). ٢ - كَثْرَة الْمَال والْوَلَد، وقَد قَال الله تَعالى عن الكَافِر: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا) [المدثر: ١١ - ١٤].

стр. 592

٣ - الثَّنَاء الْحَسَن، وهَذا مِمَّا يَطلُبه أهْل الدُّنيا. وفي حَدِيث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جُدْعَان كان في الْجَاهِلِيَّة يَصِل الرَّحِم، ويُطْعِم الْمِسْكِين؛ فهل ذاك نافِعه؟ قال: لا يَنْفَعه، إنه لم يَقُل يَوْمًا رَبّ اغْفِر لي خَطيئتي يَوْم الدِّين (١). فابْنُ جُدْعان نَال مَا أرَاد مِنْ حُسْن الثَّنَاء، ولَيس لَه في الآخِرَة مِنْ نَصِيب، ومِثْله مَا يَقَع للمُرَائين يَوْم القِيَامَة، فَهم أوَّل مَنْ تُسَعَّر بِهم النَّار، حيث يُقال لِكُلّ وَاحِد منهم: فَعَلْت لِيُقال: كَذا وكذا. فَقَد قِيل (٢). ٤ - مَا يَكُون في الدُّنيا مِنْ تَمَكُّن الكُفَّار مِنْ الصِّنَاعَات، ونَحْو ذلك مِمَّا انْتَفَع النَّاس به. وفي الْحَديث: "إنَّ الله لا يَظْلِم مُؤمِنًا حَسَنَة يُعْطَى بِها في الدُّنيا ويُجْزَى بِها في الآخِرَة، وأمَّا الكَافِر فَيُطْعَم بِحَسَنَاتِ مَا عَمِل بِها لله في الدُّنيا، حتى إذا أفْضَى إلى الآخِرَة لم تَكُنْ له حَسَنَة يُجْزَى بِها" (٣). ٥ - السَّلامَة مِنْ الآفَات، فإنَّ هَذا نَوْع مُجَازَاة، وهو مَفْهُوم قَوله ﷺ : "مَنْ يُرِد الله به خَيرًا يُصِب مِنْه" (٤). فالذي لم يُرِد الله بِه خَيْرًا لا يُصِيب مِنه في الدُّنيا، فلا يُكَفَّر عنه مِنْ سَيِّئَاته، ولا يُجَازَى في الآخِرَة بِحَسَنَاتِه؛ لأنّها لم تُقبَل مِنه. إلى غير ذلك مِنْ صُوَر الْمُجَازَاة، إلَّا أنَّ هَذا لا يَكُون لِكُلّ كَافِر، بل لِمَنْ شَاء الله أن يُجَازِيَه بذلك، ومَن لم يَشأ الله مُجَازَاته فلا يَخْلُو مِنْ حالَيْن: إمَّا أن يُخَفَّف عنه يَوْم القِيَامَة مُقَابِل مَا عَمِل مِنْ مَعْرُوف وحَسَن في الدُّنيا، وهذا مِثل مَا وَقَع لأبي طَالب، فإنه حَمَى النبي ﷺ وذَبّ عنه، فَخُفّف عنه بِشَفَاعَة النبي ﷺ ، فهو في ضَحْضَاح مِنْ نار (٥).

стр. 593

وإمَّا أنه ليس له حَسَنَات في الدُّنيا. وأمَّا مَا يَتَعَلَّق بِمَسْألة حُبُوط أعْمَال الكُفَّار، كَقَولِه تَعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم) [التوبة: ١٧]؛ فَهذا لِكَونِها لا تَنْفَعُهم في الآخِرَة، ولا تُقْبَل مِنهم، وليسَتْ مُجَازَاتهم في الدُّنيا بِبَعْض مَا عَمِلوا دَلِيل قَبُول. ألا تَرى إنَّ العَامِل يُعْطَى أُجْرَته، ولو لَم يَكُنْ مَرْضيًّا عند صَاحِب العَمَل؟ ومِثْله قُوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) إلى قَوله تَعالى: (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [آل عمران: ٢١، ٢٢]. وقَوله تَعالى عن الْمُرْتَدِّين: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]، فهذا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأعْمَالِهم التي عَمِلُوها قَبل الرِّدَّة مِنْ صَلاة وصِيَام وغَيرها؛ فإنَّ الرِّدَّة تُحْبِط تِلك الأعْمَال، ثم هُو مُقيَّد بِمَنْ مَات على الْكُفْر. والْمُتَأمِّل في مَنْهَج القُرْطبي يَجِد أنه شَفَى في هذه الْمَسْألَة مِنْ نَاحِية إيرَادِه لأكْثر الأقْوَال في الآيَة، ومِن نَاحِية تَرْجِيحِه واخْتِيَارِه، ومِن نَاحِيَة جَمْعه بَيْن الآيَات. المثال الثاني: خَلْق الإنْسَان: قَوله تَعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [الحجر: ٢٦]، وقَوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) [الأنعام: ٢]، وقَوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) [المؤمنون: ١١، ١٢] وقوله: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) [الصافات: ١١]،

стр. 594

مع قَولِه: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٥، ٦] وقَوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) [العلق: ٢]. صورة التعارض: في الآيَات الأُوَل الإخْبَار عن خَلْق الإنْسَان بِأنه مِنْ طِين، أوْ مِنْ حَمَأ مَسْنُون، وفي الآيَات الأُخَر الإخْبَار بأنه خُلُق مِنْ نُطْفَة ومِن عَلَقَة ومِن مَاء دَافِق. جمع القرطبي: أوْرَد في مَعْنى قَوله تَعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) قوْلَين: أحَدهما: - وهو الأشْهر وعليه مِنْ الْخَلْق الأكْثَر - أنَّ الْمُرَاد آدَم ﵇ والْخَلْق نَسْله، والفَرْع يُضَاف إلى أصْلِه، فَلِذَلِك قَال: (خَلَقَكُمْ) بالْجَمْع، فأخْرَجَه مَخْرَج الْخِطَاب لَهم إذْ كانوا وَلَده. الثاني: أن تَكُون النُّطْفَة خَلَقَها الله مِنْ طِين على الْحَقِيقَة ثم قَلَبها حتى كان الإنْسَان مِنها. وبيَّن أنَّ كُلّ إنْسَان مَخْلُوق مِنْ طِين ومَاء مَهين، "كَمَا أخْبَر جَلَّ وَعَزّ في سُورة "المؤمنون"، فَتَنْتَظِم الآيات والأحَادِيث، ويَرْتَفع الإشْكَال والتَّعَارُض، والله أعلم" (١). كَمَا بيَّن في آيَة "الْحِجْر" أنَّ الْمَقْصُود بـ (الْإِنْسَان) هو آدَم ﵇، وأنَّ مَعْنَى (مِنْ صَلْصَالٍ) أي: مِنْ طِين يَابِس. والصِّلْصَال: الطِّين الْحُرّ خُلِط بالرَّمْل فَصَار يَتَصَلْصَل إذا جَفّ، فإذا طُبِخ بِالنَّار فَهو الفَخَّار … وهو قول أكثر الْمُفَسِّرِين.

стр. 595

وقال مجاهد: هو الطِّين الْمُنْتِن، واخْتَاره الكِسائي، قال: وهو مِنْ قَوْل العَرَب: صَلّ اللحْم وأصَلّ، إذا أنْتَن … يَصِلّ صُلُولًا (١) … وطِين صِلال ومِصْلال، أي: يُصَوِّت إذا نَقَرْته كَمَا يُصَوِّت الْحَدِيد، فَكَان أوَّل تُرَابًا، أي: مُتَفَرِّق الأجْزَاء، ثم بُلّ فَصَار طِينًا ثم تُرِك حتى أنْتَن فَصَار حَمأ مَسْنُونا، أي: مُتَغَيِّرًا، ثم يَبس فَصَار صِلْصَالًا، على قَوْل الْجُمْهُور … والْحَمَأ الطّين الأسْوَد، وكذلك الْحَمْأة بالتسكين … وقال أبو عُبيدة: الْحَمْأة - بِسكون الميم - مِثْل الكَمْأة، والْجَمْع حَمْء، مِثل: تَمْرَة وتَمْر. والْحَمَأ الْمَصْدَر، مِثْل الْهَلَع والْجَزَع، ثم سُمِّي به. والْمَسْنُون الْمُتَغَيِّر. قال ابن عباس: هو التُّرَاب الْمُبْتَلّ الْمُنْتِن، فَجُعِل صِلْصَالًا كالفَخَّار. وقال الفراء: هو الْمُتَغَيِّر. وقال أبو عبيدة: الْمَسْنُون الْمَصْبُوب. ورَوى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الْمَسْنُون الرَّطب، وهذا بِمَعْنى الْمَصْبُوب؛ لأنه لا يَكون مَصْبوبًا إلّا وهو رَطب. النحاس: وهذا قَول حَسَن؛ لأنه يُقال: سَنَنْت الشيء، أي: صَبَبْته … وقال سيبويه: الْمَسْنُون الْمُصَوَّر. أُخِذَ مِنْ سُنّة الوَجْه، وهو صُورته .... وقال الأخفش: الْمَسْنُون الْمَنْصُوب القَائم، مِنْ قَوْلهم: وَجْه مَسْنُون، إذا كَان فيه طُول. وقد قِيل: إنَّ الصِّلْصَال التُّرَاب الْمُدَقَقّ، حَكاه المهدوي. ومَن قال: إن الصِّلْصَال هو الْمُنْتِن، فأصْله صَلّال، فأبْدَل مِنْ إحْدَى اللامَين الصَّاد. و (مِنْ حَمَإٍ) مُفَسِّر لِجِنْس الصِّلْصَال، كَقَولك: أخَذْتُ هذا مِنْ رَجُل مِنْ العَرب (٢)

стр. 596

واخْتَار القُرْطُبي أنَّ الضَّمِير في قَوله تَعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) [طه: ٥٥] عائد على آدَم. حَيث قَال: يَعْنِي آدَم ﵇؛ لأنه خُلِق مِنْ الأرْض، قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره (١). وكَذلك قَال في قَوله تَعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [هود: ٦١]، حيث قال: أي ابْتَدأ خَلْقِكم مِنْ الأرْض، وذلك أنَّ آدَم خُلِق مِنْ الأرض … وهُم مِنه (٢). كما اخْتَار القرطبي أن (الْإِنْسَانَ) في آيَة "المؤمنون" هو آدَم ﵊. ثم عَلَّل سَبَب تَسْمِية الإنْسَان إنْسَانًا، وذلك "لأنه اسْتُلّ مِنْ الطِّين. ويَجِيء الضَّمِير في قَوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) عائدًا على ابْنِ آدَم - وإن كان لم يُذْكَر لِشُهْرَة الأمْر - فإنَّ الْمَعْنَى لا يَصْلُح إلَّا لَه (٣)، نَظِير ذلك: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) " [ص: ٣٢]. وقِيل: الْمُرَاد بالسُّلالَة ابن آدَم. والسُّلالَة على هذا صَفْوَة الْمَاء، يَعْنِي الْمَنِيّ .... فالنُّطْفَة سُلالة، والوَلَد سَلِيل وسُلالة، عَنَى به الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا … وقوله: (مِنْ طِينٍ) أي: أنَّ الأصْل آدَم، وهو مِنْ طِين. قُلت: أي: مِنْ طِين خَالِص، فأمَّا وَلَده فَهو مِنْ طِين ومَنِيّ حَسْبَمَا … وقال الكلبي: السُّلالة الطِّين إذا عَصَرْته انْسَلّ مِنْ بَيْن أصَابِعك، فالذي يَخْرُج هو السُّلالة (٤). وفي آيَة "الصافات" بَيَّن القرطبي أنَّ مْعَنَى (لازِبٍ): لاصِق. ونَقَل عن قتادة وابن زيد: مَعْنَى لازِب لازِق. كما نَقَل عن الْمَاوَرْدي الفَرْق بين اللاصِق واللازِق، وذلك أنَّ اللاصِق هو الذي قد لُصِق بَعْضُه بِبعض، واللازِق هو الذي يَلْتَزِق بِمَا أصَابَه. وعن عكرمة قَوله: لازِب، لَزِج.

стр. 597

وعن سعيد بن جبير: أي جَيِّد حُرّ يَلْصَق بِاليَد. وعن مجاهد: لازِب لازِم. والعَرب تَقُول: طِين لازِب ولازِم، تُبْدِل البَاء مِنْ الْمِيم، ومِثله قَولهم: لاتِب ولازِم، على إبْدال البَاء بِالْمِيم، واللازِب الثَّابِت. تَقُول: صَار الشَّيء ضَرْبَة لازِب، وهو أفْصَح مِنْ لازِم. وقال السدي والكلبي في اللازِب: إنه الْخَالِص. مجاهد والضحاك: إنه الْمُنْتِن (١) وفسَّر القرطبي الْمَاء الدَّافِق بالْمَنِيّ. قال: والدَّفْق صَبّ الْمَاء. دَفَقْتُ الماء أدْفُقُه دَفْقًا: صَبَبْتُه، فهو ماء دافِق أي مَدْفُوق، كَمَا قَالُوا: سِرّ كَاتِم، أي: مَكْتُوم؛ لأنه مِنْ قَولك: دُفِق الْمَاء، على مَا لَم يُسَمّ فَاعِله. ولا يُقَال: دَفَق الْمَاء (٢). ويُقَال دَفَق الله رُوحَه، إذا دُعِي عليه بِالْمَوت، قال الفراء والأخفش: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) أي: مَصْبُوب في الرَّحِم. الزجاج: مِنْ مَاء ذي انْدِفَاق. يُقَال: دَارِع وفَارِس ونَابِل، أي: ذو فَرَس ودِرْع ونَبْل. وهذا مَذهب سيبويه. فالدَّافِق هو الْمُنْدَفِق بِشِدّةِ قُوّتِه. وأرَاد مَاءَين: مَاء الرَّجُل ومَاء الْمَرْأة؛ لأنَّ الإنْسَان مَخْلُوق مِنْهُما، لكن جَعَلَهما مَاء وَاحِدًا لامْتِزَاجِهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: (دَافِقٍ): لَزِج (٣). والْمُراد بـ (الْإِنْسَانَ) في سُورة "الْعَلَق" هو ابن آدَم. يَقُول القرطبي: قَوله تَعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) يَعني: ابن آدَم (مِنْ عَلَقٍ) أي: مِنْ دَم، جَمْع عَلَقَة، والعَلَقَة الدَّم الْجَامِد، وإذا جَرَى فهو الْمَسْفُوح. وقَال: (مِنْ عَلَقٍ) فَذَكَرَه بِلَفْظ الْجَمْع؛ لأنه أرَاد بِالإنْسَان

стр. 598

الْجَمْع، وكُلّهم خُلِقُوا مِنْ عَلَق بَعد النُّطْفَة، والعَلَقَة قِطْعَة مِنْ دَم رَطْب، سُمِّيَتْ بِذَلك لأنها تَعْلَق لِرُطُوبَتِها بِمَا تَمُرّ عليه، فإذا جَفَّتْ لم تَكن عَلَقَة (١). ملخص جواب القرطبي: ١ - الْمُرَاد بِخَلْق الإنْسَان مِنْ طِين هو آدَم ﵊، وضَمِير الْجَمْع لِذُرِّيَّتِه. فآدَم خُلُق مِنْ تُرَاب وذُرِّيَّتُه مِنْ مَاء مَهِين. ٢ - وَجْه الْجَمْعِ بَيْن كَوْن آدَم خُلِق مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون، وبَيْن كَوْنِه مِنْ طِين لازِب، وبَيْن كَوْنه خُلِق مِنْ تُرَاب؛ أنَّ ذلك بِحَسَب مَرَاحِل خَلْق آدَم وتَجْمِيعه. ٣ - أنَّ الإنْسَان في آيَة "المؤمنون" يُقصَد به آدَم، والسُّلالة نَسْل آدَم، والْمُرَاد بِالإنْسَان في سُورة "الْعَلَق" هو ابن آدَم، وذلك بِحَسْب مَا يَقْتَضِيه الْمَعْنَى والسِّيَاق. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قَال ابن جرير في آيَة "الأنعام": هو الذي خَلَقَكم أيُّها النَّاس مِنْ طِين، وإنَّمَا يَعْنِي بِذلك تَعالى ذِكْرُه أنَّ النَّاس وَلَدُ مَنْ خَلَقَه مِنْ طِين؛ فَأَخْرَج ذلك مَخْرَج الْخِطَاب لَهُم، إذ كَانُوا وَلَدَه (٢). وَبَيَّن أنَّ الْمُرَاد بـ (الْإِنْسَانَ) في آية "الْحِجْر" هو آدَم. ثم ذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأوِيل في مَعْنَى الصِّلْصَال؛ فَنَقَل عن بَعْضِهم قوله: هو الطِّين اليَابِس لم تُصِبه نَار، فإذا نَقَرْتَه صَلّ، فَسَمَعْتَ له صَلْصَلة.

стр. 599

وعَن آخَرِين: الصِّلْصَال الْمُنْتِن. وكأنهم وَجَّهُوا ذلك إلى أنه مِنْ قَولِهم: صَلّ اللحم وأصَلّ: إذا أنْتَن. يُقَال ذلك باللغَتَين كِلَيهما بـ "فَعَل وأفْعَل". أمَّا اخْتِيار ابن جرير في الآيَة فَهو "أنْ يَكُون الصِّلْصَال في هذا الْمَوْضِع الذي له صَوت مِنْ الصَّلْصَلَة، وذلك أنَّ الله تَعالى وَصَفَه في مَوْضِع آخَر، فَقَال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن: ١٤]، فَشَبَّهَه تَعَالى ذِكْرُه بِأنه كَان كالفَخَّار في يُبْسِه، ولو كان مَعْنَاه في ذلك الْمُنْتِن لم يُشَبِّه بِالفَخَّار (١)؛ لأن الفَخَّار ليس بِمُنْتِن فَيُشَبَّه به في النَّتَنِ غَيرُه" (٢). وفي آيَة "المؤمنون" يَقول ابن جرير: "ثم جَعَلْنا الإنْسَان - الذي جَعَلْنَاه مِنْ سُلالَة مِنْ طِين نُطْفَة في قَرَار مَكِين، وهو حَيث اسْتَقَرَّتْ فيه نُطْفَة الرَّجُل مِنْ رَحِم الْمَرْأة" (٣). وفي قَولِه تَعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة: ٧، ٨] قال ابن جرير: وبَدأ خَلْق آدَم مِنْ طِين (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ)، يَعْنِي: ذُرِّيَّته (مِنْ سُلَالَةٍ) يَقُول: مِنْ الْمَاء الذي انْسَلّ فَخَرَج مِنه (٤).

стр. 600

وفي آيَة "الصافات" بَيَّن ابن جرير مَعْنَى "لازِب" بِأنه اللاصِق، ثم بَيَّن سَبَب ذلك فَقَال: وإنَّمَا وَصَفَه جَلّ ثَناؤه باللزوب لأنَّه تُرَاب مَخْلُوط بِمَاء، وكَذلك خُلِق ابن آدَم مِنْ تُراب ومَاء ونَار وهَواء، والتُّرَاب إذا خُلِط بِمَاء صَار طِينًا لازِبًا (١). وفي آيَة "الطارق" قال: أخْبَر جَلّ ثَنَاؤه عَمَّا خَلَقَه مِنه، فَقَال: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) يَعني: مِنْ مَاء مَدْفُوق، وهو مِمَّا أخْرَجَتْه العَرَب بِلَفْظ فَاعِل، وهو بِمَعْنَى الْمَفْعُول، ويُقَال: إنَّ أكْثَر مَنْ يَسْتَعْمِل ذلك مِنْ أحْيَاء العَرَب سُكَّان الْحِجَاز إذا كان في مَذْهَب النَّعْت، كَقَولِهم: هذا سِرّ كَاتِم، وهَمّ نَاصِب، ونَحو ذلك (٢). وقال في سُورة "العَلق": (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) يَعني: مِنْ الدَّم. وقَال: (مِنْ عَلَقٍ) والْمُرَاد به مِنْ عَلَقَة، لأنه ذَهَب إلى الْجَمْع، كَمَا يُقَال: شَجَرَة وشَجَر، وقَصَبَة وقَصَب، وكذلك عَلَقَة وعَلَق. وإنَّمَا قَال (مِنْ عَلَقٍ) والإنْسان في لَفْظ واحِد؛ لأنه في مَعْنَى جَمْع، وإن كان في لَفْظ وَاحِد، فَلِذَلك قِيل: (مِنْ عَلَقٍ) (٣). ويَرى ابن الجوزي أنَّ "قَوله تَعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يَعْنِي آدَم، وذلك أنه لَمَّا شَكّ الْمُشْرِكُون في البَعْث وقَالُوا: مَنْ يُحْيي هَذه العِظَام؟ أعْلَمَهم أنه خَلَقَهم مِنْ طِين، فهو قَادِر على إعَادَة خَلْقِهم" (٤). والْمُرَاد بـ "الإنسان" في سُورة الحجر هو آدَم أيضًا، ثم ذَكَر ابن الجوزي في مَعْنَى الصِّلْصَال ثَلاثة أقْوَال:
следующие страницы →