. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التفات لأن قولوا مقدرة معها قطعا، وأحد الأمرين لازم للزمخشرى والسكاكى، إما أن يكون فى الآية التفاتان أو لا يكون فيها التفات بالكلية، هذا إن فرعنا على رأى السكاكى وهو مقتضى كلام الزمخشرى لأنه جعل فى أبيات امرئ القيس ثلاثا وإن فرعنا على رأى الجمهور ولم نقدر قولوا: الحمد لله فلا التفات لأنا نقدر قولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإن قدرنا قولوا قبل الحمد لله كان فيه التفات واحد فى إياك وبطل قول الزمخشرى: إن فى أبيات امرئ القيس ثلاث التفاتات.
(تنبيه): ما تقدم يقتضى أن أسلوب الغيبة لا فرق فيه بين أن يكون فيه ضمير غائب أو لا، بدليل تمثيلهم كما سبق بقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ (١) فقد جعلوا لفظ الجلالة ملتفتا عنه، وهذا كثير فى كلامهم، وفيه نظر ينبغى أن يفصل بين أن يكون الاسم الظاهر مشتملا على ضمير غائب أو لا فإن كان مشتملا على ضمير مستتر أو كان فى الكلام ضمير غائب فيكون ذلك أسلوب غيبة والنقل عنه أو إليه التفاتا، وإن كان فى الكلام اسم ظاهر لا ضمير فيه فأين أسلوب الغيبة ونسبة الاسم الجامد إلى المتكلم والمخاطب والغائب على السواء؟! وإنما يبتدر الذهن من قول الشخص عن نفسه أو مخاطبه: فعل زيد إلى أنه غير المتكلم والمخاطب لغلبة الاستعمال، ولأن العدول عن الضمير الصريح فى تكلم أو خطاب إلى الاسم الجامد قرينة إرادة الغيبة فإن الأعلام وضعها إنما كان للتمييز والذى يحتاج للتمييز غالبا هو الغائب، فإن ضميره لا يستقل لاحتياجه إلى مفسر، وأما عود ضمير الغيبة على العلم فلاستقباح أن يقول الشخص عن نفسه: زيد فعلت لما فيه من التنافر، ولذلك لم تمتنع رعاية المعنى فى جملة أخرى فيقول الشخص عن نفسه: زيد قام وقعدت رعاية للمعنى لا للالتفات، فليس تعبير المتكلم عن نفسه أو مخاطبه بالعلم إلا وضع الظاهر موضع المضمر، غير أن هذه اصطلاحات لا مشاحة فيها.
(تنبيه): ذكر التنوخى فى الأقصى القريب وكذلك ابن الأثير فى كنز البلاغة وابن النفيس فى طريق الفصاحة نوعا غريبا من الالتفات، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه فيكون التفاتا عنه كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٢)
стр. 282
ومن خلاف المقتضى: المخاطب بغير ما يترقّب بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنه هو الأولى بالقصد؛ كقول القبعثرى للحجّاج - وقد قال له متوعّدا: لأحملنّك على الأدهم! -: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب!
خ خ (١) أى: من كان مثل الأمير فى السلطان وبسطة اليد، فجدير بأن يصفد لا أن يصفد (٢).
ــ
بعد أَنْعَمْتَ فإن المعنى غير الذى غضب عليهم، وفيه نظر، ونحن إذا كنا توقفنا فى أن الانتقال إلى الاسم الجامد التفات فهذا أولى لأن الفاعل فى المغضوب مثلا لم يذكر بالكلية فكيف يقال: انتقلنا إليه على سبيل الالتفات؟! وإن صح ذلك فعلى رأى السكاكى يلزمه أن تكون جميع الأفعال المبنية للمفعول فيها التفات.
(تنبيه): توهم بعضهم أن فى نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا (٣) التفاتا، وليس كذلك، لأنه إذا أراد التفات اركعوا عن آمنوا لم يصح، لأن الصلة يأتى ضميرها غائبا، وإن كان المراد المخاطب لم يصح لأن لها لفظا ومعنى كما تقول: أنت الذى قام وأنت الذى قمت، وإن أراد التفات اركعوا عن الذين فإن الذين أسلوب غيبة والمنادى أسلوب غيبة لم يصح، لأن المنادى مخاطب فى المعنى فإن الإقبال عليه بالنداء كذكر ضميره، ولهذا يجوز أن تقول: يا تميم كلكم، وهذا قريب مما توهمه شيخنا أبو حيان فى قوله:
أأنت الهلالىّ الّذى كنت مرّة ... سمعنا به ...
(تنبيه): مما هو قريب من الالتفات وليس منه إذ ليس فيه انتقال من أحد الأساليب الثلاثة لغيره الانتقال من أحد أساليب ثلاثة، وهى التثنية والجمع والإفراد، إلى الآخر، وأقسامه كالالتفات ستة من أسلوب لأسلوب، وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
ص: (ومن خلاف المقتضى تلقى المخاطب إلخ).
(ش): هذا هو الذى سماه السكاكى الأسلوب الحكيم، وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة، وهو من خلاف المقتضى بالفتح، أى مقتضى الظاهر، وهو قسمان:
стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: تلقى المخاطب - بالكسر - بغير ما يترقب، وذلك يكون بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد إليه، وإنما قلنا: بكسر الطاء ليعود الضمير فى كلامه إليه لأنه لا يصدق عليه قبل تلقيه لما يتوقع أنه مخاطب - بالفتح - حقيقة كقول القبعثرى للحجاج - وقد قال له الحجاج متوعدا له بالقتل:
لأحملنك على الأدهم - مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب! فأراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القبعثرى بغير ما يترقبه من فهمه التوعد بألطف وجه مشيرا إلى أن من كان مثله من السلطنة إنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل ويكون جديرا بأن يصفد بضم الياء أى يعطى لا أن يصفد بفتحها أى يشد ويوثق، وكذا قوله حين قال له فى الثانية: إنه حديد، قال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا. وهذا القسم قريب أو هو من تجاهل العارف بزيادة إشارة إلى سفه رأى المخاطب، وهو قريب من القول بالموجب، وسيأتيان فى البديع، والقيد يسمى أدهم، سمى بذلك لسواده قال:
أوعدنى بالسّجن والأداهم (١)
وقال جرير:
لقطع المساحى أو لجدل الأداهم (٢) ... هو القين وابن القين لا قين مثله
قال ابن سيده: كسروه تكسير الأسماء وإن كان فى الأصل صفة لأنه غلب عليه الاسم، ومن هذا قوله:
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أتت تشتكى عندى مزاولة القرى ... وقد رأت الضّيفان ينحون منزلى
فقلت كأنّى ما سمعت كلامها ... هم الضّيف جدّى فى قراهم وعجّلى (١)
كذا جعله المصنف منه، وفيه نظر.
(تنبيه): صفد بمعنى أوثق وأصفد بمعنى أعطى خلاف الغالب، فإن الغالب استعمال الرباعى والخماسى فى الشر والثلاثى فى الخير إما جزما أو على راجح ومرجوح، مثل: وعدنى الخير وأوعدنى الشر، وشفى وأشفى - كذا على قول - وقوى البناء إذا اشتد وأقوى إذا انهدم، وخفرت الرجل أجرته وأخفرته تركته، وكسب واكتسب، قال الله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٢) وحمل واحتمل، قال:
تحت العجاج فما شققت غبارى ... أعلمت يوم عكاظ حين لقيتنى
فحملت برّة واحتملت فجار (٣) ... أنّا اقتسمنا خطّتينا بيننا
وأمطر فى الشر وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً (٤) ومطر فى الخير، قال ابن سيده:
الثلاثى للأعم، وجاء على العكس ترب إذا افتقر وأترب إذا استغنى - على قول - وحبسته عن حاجته واحتبست الفرس فى سبيل الله، وقسط إذا جار وأقسط إذا عدل.
стр. 285
أو السائل بغير ما يتطلّب؛ بتنزيل سؤاله منزلة غيره؛ تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهمّ له؛ كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١)، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (٢).
ــ
ص: (أو السائل إلخ).
(ش): القسم الثانى من هذا الباب تلقى السائل بغير ما يتطلب، وذلك بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهم، وعندى أن هذا من القسم الأول إلا أن فيه سؤالا فهو أخص من هذا الوجه وأعم باعتبار أنه ليس فيه حمل الكلام على غير ظاهره، فهو بهذا الاعتبار أجدر بأن يمثل له لا الذى قبله بقوله: أتت تشتكى - البيتين - وحاصله يرجع إلى العدول عن الجواب إلى غيره كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ لما قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يتزايد حتى يستوى ثم ينقص حتى يعود كما بدا! وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الآية. والسبب فى هذا تنبيه السائل على أنه كان الأحرى به أو الأهم
أن يسأل عما وقع الجواب عنه، وقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جاء عمرو بن الجموح - وهو شيخ كبير له مال عظيم - فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت (٣) فعلى هذا ليست هذه الآية مما نحن فيه، لأن السائل لم يتلق بغير ما يتطلب بل أجيب عن بعض ما سأل عنه، ومن ذلك أجوبة موسى ﵊ لفرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٤) إلى آخرها، وآية الأهلة مثال لما كان السؤال فيه وقع عما لا حاجة لهم إليه مع ترك ما هم محتاجون له إشارة إلى أنه كان من حقهم أن يسألوا عن مواقيت الحج لا عن كبر الهلال وصغره إذ لا فائدة تحته، وآية الإنفاق مثال لما سألوا عنه وكان مهما إلا أن غيره أهم منه، كذا قالوه وفيه نظر.
стр. 286
ومنه: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضى؛ تنبيها على تحقّق وقوعه؛ نحو: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (١)، ومثله: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٢) ونحوه: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ (٣).
ــ
ص: (ومنه التعبير عن المستقبل إلخ).
(ش): من خلاف المقتضى التعبير عن المستقبل بلفظ الفعل الماضى كقوله تعالى:
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ (٤) الآية. وفى نسخ التلخيص فصعق، وهو من طغيان القلم. وفى آية الزمر: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ وكذلك: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ (٥) وقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ (٦) ودخل عبد الرحمن بن حسان عليه وقد لسعه زنبور وهو طفل فقال وهو يبكى: لسعنى طوير كأنه ملتف فى بردى حبرة؛ فضمه إلى صدره وقال: يا بنى قد قلت الشعر!
واعلم أن ما ورد من ذلك على قسمين: تارة يجعل المتوقع فيه كالواقع فيؤتى بالأمر المستقبل بصيغة الفعل الماضى مرادا به المضى تنزيلا للمتوقع منزلة ما وقع فلا يكون تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضى بل يكون فيه جعل المستقبل ماضيا، ومنه قوله تعالى:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ (٧)، وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ (٨) ونحوه، فإما أن يريد بأتى أتت مقدماته فيكون التجوز حصل فى الفعل باعتبار الحدث لا باعتبار الزمان، وإما أن يريد بالادعاء أن الإتيان المستقبل وقع فى الماضى، وهو أبلغ من الأول وتارة يعبر عن المستقبل بالماضى مرادا به المستقبل فهو مجاز لفظى وحصل التجوز فى هيئة الفعل من غير أن تكون أردت وقوعه فى الماضى، وذلك احتمال مرجوح فى نحو:
ونادى، وإن كان مشهورا فإن المعنى على الأول أمكن وأنصع، ويتعين للقسم الثانى نحو: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ (٩) لا يمكن أن يراد به المضى لمنافاة ينفخ الذى هو مستقبل فى الواقع فى الإرادة، ويحتمل أن يراد أنهم لمبادرتهم النفخ بالصعق كأن
стр. 287
ومنه: القلب (١)؛ نحو: عرضت الناقة على الحوض.
ــ
صعقهم ماض عن زمن النفخ على سبيل المبالغة، ونظير الآية الكريمة قوله تعالى:
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ (٢) وفى مثل هذا النوع يكون فائدة التعبير بالماضى الإشارة إلى استحضار التحقق وأنه من شأنه لتحققه أن تعبر عنه بالماضى وإن لم ترد معناه، والقسم الأول مجاز، وهذا القسم ليس فيه مجاز إلا من جهة اللفظ فقط.
قوله: (ومثله) أى ومثل التعبير عن المستقبل بغير لفظه اسم الفاعل واسم المفعول باعتبار المستقبل كقوله تعالى: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٣) وقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (٤) فإن اسم الفاعل ليس حقيقة
للاستقبال فهو من خلاف المقتضى (قلت): وهذا ليس مثل ما سبق فإن فيه التعبير عن المستقبل بما يدل على الحال لا بما هو للمضى، فيحمل كلام المصنف على أنه مثله فى التعبير عن المستقبل بغيره لا بالمضى، فإن اسم الفاعل حقيقة فى الحال اتفاقا مجاز فى المضى على الصحيح، والقسمان السابقان فى الفعل يأتيان فى اسم الفاعل، قد يقصد به الاستقبال وقد يقصد به وقوع الفعل فى الحال أو فى الماضى.
ص: (ومنه القلب (٥) نحو: عرضت الناقة على الحوض إلخ).
(ش): اعلم أنه لا بد من تقديم مقدمتين: إحداهما أن القلب تارة نعنى به قلبا لفظيا فقط وتارة معنويا، مثال الأول: قطع الثوب المسمار؛ نعنى به أن الثوب مفعول وترفعه والمسمار فاعل وتنصبه وكل منهما باق على ما هو له من فاعلية ومفعولية، ومثال الثانى: قطع الثوب المسمار، تريد أن الثوب هو لمبادرته بالتقطع كأنه هو الذى قطع المسمار فهذا قلب معنوى، لأنك تخيلت الفعل واقعا من الثوب على المسمار وأسندت له على سبيل المجاز، وكذلك إذا قلت: الأسد كزيد تارة تقصد أن زيدا مشبه والأسد مشبه به، وإنما أدخلت كاف التشبيه على المشبه قلبا لفظيا إن صح هذا التركيب لهذا المعنى، وتارة تريد أن تجعل الأسد مشبها فى المعنى فيكون قلبا معنويا.
стр. 288
وقبله السكاكىّ مطلقا.
وردّه غيره مطلقا.
والحق: أنه إن تضمّن اعتبارا لطيفا، قبل؛ كقوله [من الرجز]:
ومهمه مغبرّة أرجاؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه
ــ
المقدمة الثانية أن القلب تارة يكون بين الفاعل والمفعول مثل:" قطع الثوب المسمار"، وتارة بين المفعولين مثل:" جعلت الخزف طينا"، وتارة يكون بين المبتدأ والخبر مثل:" الأسد كزيد"، وتارة بين مفعول صريح وغيره مثل:" عرضت الناقة على الحوض" و" أدخلت القلنسوة فى رأسى"، وتارة بين الشرط وجوابه كما سيأتى فى قوله
تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (١) وغير ذلك. إذا تقرر هذا فنقول: حكى النحاة فيه أقوالا، أحدها أن ذلك يجوز فى الكلام والشعر اتساعا لفهم المعنى كقوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (٢) المعنى لتنوء العصبة بها، وكقوله تعالى:
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ (٣) وكقولهم: عرضت الناقة على الحوض وأدخلت القلنسوة فى رأسى، وقول الشاعر:
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزّناء فريضة الرّجم (٤)
وإليه ذهب أبو عبيدة، وأجازه أبو على فى قوله تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ (٥) أى فعميت عليها؛ الثانى أنه لا يجوز لمجرد الضرورة؛ الثالث أنه لا يجوز إلا للضرورة، وتضمن الكلام معنى يصح معه القلب؛ الرابع أنه لا يجوز فى غير القرآن، ولا يجوز أن يحمل القرآن عليه. هذا ما ذكره النحاة، وأما البيانيون فقد قال المصنف: إن السكاكى قبله مطلقا ورد غيره مطلقا، والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا قبل كقوله:
ومهمه مغبرّة أرجاؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه (٦)
стр. 289
أى: لونها.
وإلا ردّ؛ كقوله [من الوافر]:
كما طيّنت بالفدن السّياعا
ــ
المراد أنه بالغ فى الغبار حتى صار لون الأرض كلون السماء من شدة الغبار، وكان الأصل كأن لون سمائه أرضه، وإن لم يتضمن فلا كقوله وهو القطامى:
فلمّا أن جرى سمن عليها ... كما طيّنت بالفدن السّياعا (١)
يصف ناقته بالسمن، والفدن القصر، والسياع الطين بالتبن، أصله كما طينت بالسياع الفدن فليس فى القلب معنى لطيف، ويروى بطنت، كذا رأيته فى الصحاح للجوهرى وحلية المحاضرة للحاتمى والتوسعة لابن السكيت، وجعله قلبا، وفيه نظر لأنه يجوز أن يريد أنه جعل القصر بطانة للطين لأنه داخله فلا قلب، وكل ما كان ظهارة لغيره كان الغير بطانة له، وبعد أن كتبت ذلك رأيت فى حلية المحاضرة أن الأصمعى قال: ليس هذا قلبا إنما يريد أن الحافر رك الخيل ومنعه أن يخرج من اليد أو الرجل.
قلت: والذى يظهر أن الخلاف إن كان فى القلب اللفظى فهذا يتعلق بالنحاة لا البيانيين، والظاهر حينئذ أنه ضرورة، بل لا ينبغى حكاية الخلاف فيه، بل لا تكاد تجد
стр. 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له دليلا لأنه ما من محل يدعى فيه ذلك إلا جاز أن يكون القلب فيه معنويا، وإن كان الخلاف فى القلب المعنوى فينبغى القطع بجوازه ولا شبهة لمنعه، ومن يمنع المجاز مع العلاقة الواضحة إلا من شذ؟! وظاهر كلام النحاة جريان قولين بالمنع والجواز مطلقين، وأن القول الثالث السابق مفصل بين اللفظى فيمتنع والمعنوى فيجوز،
والظاهر أنه لا تحقيق له وأن الخلاف منزل على حالتين، وكذلك الأقوال التى حكاها المصنف فيها نظر، فإنه لا يكاد أحد يمنع ذلك مطلقا، وكيف ينكر قلب التشبيه وقد جزم به المصنف كما سيأتى؟! وقد وقع فى قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (١) وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (٢) وقوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ (٣) وقال ابن السكيت فى قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ (٤) معناه خلق العجل من الإنسان. ثم فى صحيح البخارى فى قوله تعالى:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ (٥) أن المعنى إذا استعذت فاقرأ. وقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ (٦) وسيأتى الكلام على هذه الآية الكريمة فى باب قلب التشبيه من علم البيان.
(تنبيه): قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ (٧) جعله الزمخشرى من القلب مثل: عرضت الناقة على الحوض، وأنكره شيخنا أبو حيان وقال: لا ينبغى حمل القرآن على القلب إذ الصحيح أنه ضرورة، وإذا كان المعنى صحيحا دونه فما الحامل عليه؟! وليس فى قولهم: عرضت الناقة على الحوض ما يدل على القلب، لأن عرض الناقة على الحوض والحوض على الناقة صحيحان.
قلت: لم ينفرد الزمخشرى بجعل عرضت الناقة على الحوض مقلوبا، بل ذكره الجوهرى وغيره، وحكمته أن المعروض ليس له اختيار، والاختيار إنما هو للمعروض عليه فإنه قد يقبل وقد يرد، فعرض الحوض على الناقة لا قلب فيه، لأنها تقبله وقد ترده، وعرضها عليه مقلوب لفظا، وعرض الكفار على النار كما قال ابن
стр. 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عباس رضى الله عنهما، وهو الذى يظهر ليس بمقلوب لفظا للمعنى الذى أشرنا إليه، وهو أن الكفار مقهورون فكأنهم لا اختيار لهم، والنار متصرفة فيهم، وهم كالمتاع الذى يتصرف فيه من يعرض عليه، كما قالوا: عرضت
الجارية على البيع وعرضت القاتل على السيف والجانى على السوط، فالنار لما كانت هى المتصرفة فى العود قيل: عرضت العود على النار، وهذا الذى قلناه غير ما قاله شيخنا وغير ما قاله الزمخشرى وحاصله أن الذى فى الآية قلب معنوى ولا شذوذ فيه، والذى فى عرضت الناقة قلب لفظى، وهو شاذ، والحق ما قلناه إن شاء الله تعالى، على أن ابن السكيت قال فى كتاب التوسعة فى كلام العرب: تقول: عرضت الحوض على الناقة وإنما هو عرضت الناقة على الحوض، وهذا يقتضى أن عرضت الناقة على الحوض غير مقلوب وأن العبارة المشهورة عكس كلام العرب فقد خالف غيره نقلا ومعنى.
(تنبيه): قال الخفاجى فى سر الفصاحة: إن قوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (١) ليس من القلب فى شئ، والمراد - والله تعالى أعلم - أن المفاتح تنوء بالعصبة أى تميلها، ونقله عن الفراء وغيره، قال: وكذلك: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٢) ليس المراد أن حبه للخير لشديد بل إنه لحب المال لشديد والشدة البخل، وأنه لا قلب فى قول أبى الطيب:
وعذلت أهل العشق حتّى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق (٣)
ليس معناه عجبت كيف لا يموت من يعشق؟ بل معناه كيف المنية غير العشق؟! أى الأمر الذى تقرر فى النفوس أنه أعلى مراتب الشدة هو الموت ولما ذقت العشق وعرفت شدته عجبت، كيف يكون هذا الصعب المتفق على شدته غير العشق؟! وكيف يجوز أن لا يعم غلبة حتى تكون منايا الناس كلهم به؟! وقال أيضا فى قول أبى الطيب الذى سنتكلم عليه فى علم البيان:
نحن قوم ملجنّ فى زىّ ناس
стр. 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنه استعارة كما قال غيره، وابن جنى حمله على القلب، وأن المعنى: نحن قوم من الإنس فى زى الجن.
(تنبيه): أهمل المصنف أمورا كثيرة من إتيان الكلام على خلاف مقتضى الظاهر كل منها يصلح أن يكون من أبواب المعانى إذا اعتبرت فيه نكتة لطيفة، منها انتقال الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر، ذكره التنوخى وابن الأثير، وهو ستة أقسام:
الأول: الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين نحو قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (١).
الثانى: الانتقال من خطاب الواحد إلى الجمع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (٢).
الثالث: من الاثنين إلى الواحد كقوله تعالى: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٣).
الرابع: من الاثنين إلى الجمع كقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً (٤).
الخامس: من الجمع إلى الواحد نحو: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٥).
السادس: من الجمع إلى التثنية نحو قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ (٦) إلى قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ووجهه ما سبق فى الالتفات، وهذا القسم قريب من الالتفات؛ لأن فيه الانتقال من أحد أساليب ثلاثة إلى آخر، وأقسامه كالالتفات ستة، وليس التفاتا لأن الالتفات الانتقال من أحد الأساليب الثلاثة السابقة وهى التكلم والخطاب والغيبة إلى غيره.
ومنها التعبير بواحد من المفرد والمثنى والمجموع، والمراد الآخر، والفرق بين هذا والذى قبله أن الأول لم يعبر فيه بمفرد عن جمع أو تثنية ولا عكسه، بل استعمل كل فى معناه، ثم انتقل عنه لغيره، وما نحن فيه عبر فيه بأحد الأساليب الثلاثة وأريد غيره، وهو أقسام:
стр. 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: التعبير بالمفرد وإرادة التثنية، وجعل منه الحاتمى فى حلية المحاضرة قول الأعشى:
فرجّى الخير وانتظرى إيابى ... إذا ما القارظ العنزىّ آبا (١)
وإنما هما قارظان من عنزة، وإنما قالوا كذلك لأنهما صارا كالشيئين اللذين لا يغنى أحدهما عن الآخر، فإنهما
يعبر عنهما بصيغة المفرد، إما فى المسند كقولهم: عيناه حسنة أو فى المسند إليه كقولهم: عينه حسنتان، وجعلوا من هذا الباب:
قد سالم الحيّات منه القدما (٢)
على رفع الحيات، أى القدمين على أحد الأعاريب، ومنه:
وميّة أجمل الثّقلين جيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا (٣)
وقد ورد ذلك بين الشيئين وإن لم يكن بينهما شدة اتصال مثل قوله:
ولكن هما ابن الأربعين تتابعت ... أنابيبه مردى حروب على بعد
стр. 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنشده الفارسى مع أنه كان يمكن أن يقول ابنا، وذهب ابن مالك إلى أن ذلك ينقاس، ومنعه غيره، ووجهه الإشارة إلى أن الشيئين امتزجا وصارا كالشئ الواحد.
الثانى: التعبير بالمفرد وإرادة الجمع، ووجهه ما سبق، أنشد الحاتمى:
وذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل (١)
وجعل منه استعمال من الموصولة لجمع، ويوافقه قول ابن مالك: إنها فى اللفظ مفرد مذكر، وفيه نظر، والظاهر أن لفظها ليس فيه إفراد ولا جمع فلا يصح وصفه بواحد منهما، قال: وأنشدوا:
فإنّ زمانكم زمن خميص (٢) ... كلوا فى بعض بطنكم تعفّوا
ومنه:
هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (٣) ... وإنّ الّذى حانت بفلج دماؤهم
على أحد الأقوال.
الثالث: التعبير بالمثنى عن المفرد، ووجهه إرادة التأكيد بتقسيم الشئ إلى شيئين وتسمية كل منهما باسمه، والإشعار بإرداة تكرار الفعل، وأن الفعلين امتزجا، وصار حضور أحدهما حضورا للآخر، وجعلوا منه:
стр. 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص (١)
يريد رافده لأن العراق ليس فيه إلا رافد واحد، وأنشد الحاتمى:
عشيّة سال المربدان كلاهما ... عجاجة موت بالسيوف الصّوارم (٢)
وهو غريب لتأكيده بكلاهما، ومنه قول الحجاج: يا حرسى اضربا عنقه، ومنه: قفا نبك، ومنه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ (٣) على أحد الأقوال الثلاثة، ومنه:
فإن تزجرانى يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تتركانى أحم عرضا ممنّعا (٤)
الرابع: التعبير بالمثنى عن الجمع، وجعل النحاة منه حنانيك وأخواته.
الخامس: التعبير بالجمع عن المفرد، مثل قولهم: شابت مفارقه، وقول امرئ القيس:
يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المثقل (٥)
ومنه:
стр. 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثلك معجبة بالشّبا ... ب صال البعير بأجيادها (١)
ومنه على قول: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٢).
السادس: التعبير بالجمع عن التثنية، ووجهه ما سبق إلا أنه يجوز أن تكون قصدت المبالغة بتقسيم كل من الشيئين إلى أشياء أو تكون قصدت المبالغة فى أحدهما بتقسيمه دون الآخر، لأن الجمع يحصل بثلاثة، ومنه المناكب والمرافق والحواجب، وإنما هما منكبان، وينقاس منه كل شيئين بينهما تواصل مثل: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (٣) وجعل على التعبير بالجمع عن التثنية: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (٤) وإِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٥) وقد ذهبت طائفة من الناس إلى أن الجمع يطلق على الاثنين حقيقة، بل وقيل: على الواحد، ولا تفريع عليهما. وغالب ما سبق من
الشواهد يمكن تأويله بما لا يكاد يخفى.
ومنها تذكير المؤنث وعكسه، فالأول لتفخيمه كقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ (٦) ولذلك يجوز تذكير كل مؤنث مجازى، ومنه:
ولا أرض أبقل إبقالها
لأنه أراد تفخيم الأرض فعبر عنها بما يعبر به عن المكان، وبذلك ينجلى لك أنه لا شذوذ فى هذا البيت، لأنه إنما يكون شاذا إذا أريد بالضمير المؤنث ويعود عليه ضمير الغائب مذكرا على الصحيح خلافا لابن كيسان فى المؤنث المجازى، أما إذا تجوز بالمؤنث المجازى عن مذكر فإنه يعود عليه ضمير الغائب مذكرا فليتأمل.
والثانى لإرادة تسمية كل جزء منه باسمه كما سبق، ومنه جاءته كتابى فاحتقرها إشارة إلى أنه جاءه منه كتاب فى معنى الكتب المتعددة، والنحاة يقولون: أنثه على إرادة الصحيفة، وقد يقال: أحد اللفظين المترادفين كيف يراد بالآخر؟ إنما يراد المعنى
стр. 297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سواء كان المعنى لفظا مثل: لفظ الكلمة أو غير لفظ مثل: زيد، نعم قد يعطى أحد اللفظين حكم اللفظ الآخر، وعلى ذلك تحمل قولهم: أنثه على معنى الصحيفة وإلا فمعنى الصحيفة هو غير معنى الكتاب، وعلى هذا المعنى تحمل هذا الباب الواسع فى العربية، وهو إعطاء إحدى الكلمتين حكم الأخرى، فليتأمل ذلك فإنه حسن دقيق.
ومنها نفى الأخص والمراد نفى الأعم وعكسه، ولو فتحنا هذا الباب لطال، ولكن ذكرنا ما أشار إليه أهل هذا العلم.
(تنبيه): لعلك تقول: غالب ما سبق أو كله من أنواع المجاز ومحله علم البيان - كما سيأتى - فالجواب أن الأمر كذلك
ولكن جرت عادة أكثرهم بذكر هذه الأنواع فى هذا العلم فتبعناهم، وتداخل علم البيان وعلم المعانى كثير، والله تعالى أعلم.
(تم الجزء الأول ويليه الجزء الثانى وأوله أحوال المسند)
стр. 298
أحوال المسند ترك المسند:
أما تركه: فلما مرّ (١)؛ كقوله [من الطويل]:
فإنّى وقيّار بها لغريب
ــ
الجزء الثانى أحوال المسند
[- ترك المسند]
ص: (أما تركه فلما مر إلى آخره):
(ش): هذا الباب الثالث من الثمانية، وأحواله على ما ذكر خمسة عشر: الترك، والذكر، والإفراد، وكونه فعلا أو اسما، ومقيدا بمعمول أو شرط، أو غير مقيد بهذا أو بذاك، وكونه نكرة، وكونه مخصصا بالإضافة أو الوصف أو غير مخصص، وكونه معرفة وجملة، وتأخره أو تقدمه.
والمسند هو المحكوم به، وهو المحمول فعلا كان أو اسما. وأراد المصنف بالترك الحذف، وفى المسند إليه عبر بالحذف، ولا يظهر معنى لاختصاص كل بلفظ إلا أن يقال:
الحذف ترك الشئ ملتفتا إليه. والترك المطلق ليس بهذا القيد، ولا شك أن المسند إليه إذا ترك لفظا فهو ملتفت إليه معنى؛ لأنه لا بد من تقديره؛ لأنه لا يوجد فى الكلام خبر لا مبتدأ له لا فى اللفظ ولا فى التقدير، بخلاف المسند فإنه قد يترك غير ملتفت إليه فإنه قد يوجد المبتدأ وليس له خبر لا فى اللفظ ولا فى التقدير، كقولك:" ضربى زيدا قائما" على أحد الأقوال، وقولك:" أقائم الزيدان" وحذف المسند يكون لما مر، والذى مر هو أحد أمور.
وظاهر عبارته هنا أن كل واحد منها يأتى هنا، لكنه قال فى الإيضاح: كنحو ما سبق من تخييل العدول إلى أقوى الدليلين، واختبار تنبه السامع عند قيام القرينة أو مقدار تنبهه، والاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر فمقتضاه أنه لا يترك المسند لغير ذلك مما يترك له المسند إليه، فلينظر فى الجمع بين كلاميه. والذى هنا أصوب، وذلك إما لضيق المقام لأجل الوزن، وذلك أنواع: أحدها: أن يحذف من الثانى لدلالة الأول كقوله:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّى وقيّار بها لغريب (٢)
стр. 299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أى: وقيار كذلك، وظاهر كلامه أن هذا يجوز قياسا - أى: الحذف من الثانى لدلالة الأول - وفيه خلاف. ووقع فى كلام ابن عصفور (١) فى أحد قوليه: وقفه على السماع، وصحح صاحب الإفصاح ذلك، وليس هذا البيت من الحذف من الأول لدلالة الثانى لما سيأتى. وقال السكاكى (٢): إنهما فى معنى واحد؛ فلذلك أفرد كقوله:
لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهلّ (٣)
قال الخطيبى (٤):" وقيل: غريب فعيل صالح للتعدد، فلا حاجة لتقدير الحذف.
قلنا: لا يقال: رجلان صبور، وإن صح ففى الجمع دون التثنية". قلت: قوله:" لا يقال: رجلان صبور" ينبغى أن يقول: كثير؛ فإن صبورا فعول لا فعيل، إلا أنهما من واد
стр. 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد، وهذا لا يمنع؛ لأن امتناعه لا للمعنى؛ لأنه صالح لهما، ولا للفظ؛ لأنه لو امتنع لكان لتنافر لفظى فيمتنع حينئذ: زيد وعمرو قائم على الحذف، وأيضا يرده قوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (١) فإنه نص فيما قلناه، وقوله:" وإن صح ففى الجمع" ظاهره يوهم أنه يصح فى الجمع:" رجلان صبور" وهو فاسد، لكن مقصوده إن صح الإخبار بفعيل عن أكثر من مفرد ففى الجمع. وقوله: إن ذلك لا يصح فى التثنية، يرده قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٢) فإنه قد نقل الواحدى (٣) عن المبرد (٤) وابن عطية (٥) عن الفراء (٦) أن قعيد مبتدأ لهما، ولكن مع ذلك أقول: لا يسوغ هنا أن يكون لغريب خبرا عنهما؛ لأن (قيار) إما مبتدأ فلا يصح أن تدخل اللام فى خبره، ولهذا منعنا أن يكون حذف من الأول لدلالة الثانى، ويجوز أن يقال: (غريب) صار له جهتان: جهة خبرية المبتدأ، وجهة خبرية إن، فتدخل اللام بإحدى الجهتين، لكن الظاهر خلافه، فإن تعارض المانع والمقتضى يدفع الحكم، بل نقول: إنما يكون التعارض بين مانع وموجب، وهنا بين مانع وموجز فيرتفع جواز دخول اللام
стр. 301
وقوله [من المنسرح]:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأى مختلف
ــ
ويبقى تركها سالما عن المعارض، وإما أن يكون (قيار) معطوفا على اسم إن على الموضع كما قال الجوهرى، إن جوزنا العطف على اسم إن بالرفع قبل خبرها على مذهب الكسائى (١) فقد يقال: بجواز دخول اللام، وقد يمتنع أن يكون خبرا عن المعطوف؛ لأنه وإن كان معطوفا على اسمها فرفعه يلحقه بالمبتدأ فى الحكم، ومن حكم المبتدأ المجرد أن لا تدخل اللام على خبره، فكذا هنا، ثم إن كانت (إن) عاملة فى خبرها يلزم عليه أن يعمل فى معمول واحد عاملان؛ لأن غريبا حينئذ يكون مرفوعا بقيار ومرفوعا بإن، فلا يصح على هذا أن يكون (غريب) خبرا عنهما إلا أن يقال: إن المعطوف على اسم إن بالرفع باق على اسميتها وليس بمبتدأ وهذا موجود فيما لو جاء: إنى وقيار غريب، على أن قيار مبتدأ وغريب خبر عنهما.
(فائدة): هذا البيت لضابئ بن الحارث وقيار فرسه، وأنشده سيبويه (٢) فى باب التنازع، والمبرد فى الكامل قيارا بالنصب، والمقصود من الحذف حاصل الثانى، أن يحذف من الأول لدلالة الثانى، كقول قيس بن الخطيم، وقيل: عمرو بن امرئ القيس الأنصارى الخزرجى:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأى مختلف (٣)
стр. 302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن خبر نحن: راضون محذوف، وقد يقال: جاز أن يكون الشاعر أراد بنحن نفسه على جهة التعظيم، ولا يمتنع حينئذ أن يخبر عنه براض اعتبار بالمعنى، بل ربما وقع الإخبار بلفظ المفرد عن لفظ الجمع، وإن أريد معناه لنكتة ما، ويمكن أن يدعى ذلك فى قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (١) فإن سبب النزول وهو قول أبى جهل:
نحن ننتصر اليوم (٢) يقضى بإعراب منتصر خبرا.
الثالث: أن يكون اللفظ صالحا لهما من غير قرينة نحو: زيد وعمر قائم، ذهب ابن السراج (٣) وابن عصفور إلى أن المذكور خبر الثانى وحذف خبر الأول. وذهب سيبويه والمازنى (٤) والمبرد إلى أن المذكور خبر الأول، ويدخل الثانى فى معناه، ولا حاجة إلى إضماره؛ لأن العطف إذ ذاك من عطف المفردات، وقيل: خبر الأول وخبر الثانى محذوف، وقيل: أنت مخير بين حذف أيهما شئت، ومن ذلك: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (٥) على المشهور، وقيل: أفرد الضمير؛ لأن رضا الله تعالى ورضا رسوله واحد، قلت: وفيه نظر، إن قلنا يمتنع الجمع بين اسم الله واسم رسوله فى ضمير تثنية؛ لأنه أنكر على القائل ومن عصاهما، وقال:" قل: ومن عصى الله ورسوله" (٦)، فإذا امتنع الجمع مع التصريح بالتثنية فمع الإفراد أولى، على أنه قيل: إنما نهاه لأنه وقف على ومن يعصهما، وقيل: لغير ذلك. واستدل له بما فى سنن أبى داود من قوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى (٧)، وقد استوعبنا الكلام
стр. 303
وقولك: زيد منطلق وعمرو، وقولك: خرجت فإذا زيد.
وقوله [من المنسرح]:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ...
أى: إنّ لنا فى الدنيا، وإنّ لنا عنها.
وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (١).
ــ
على ذلك فى شرح المختصر. وقوله: زيد منطلق وعمرو، هو مما حذف فيه خبر الثانى، أى: وعمرو كذلك، ومنه قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٢) أى كذلك هذا هو الصواب فى تقدير خبره خلافا لمن جعله أجلهن ثلاثة أشهر؛ لأنه تقدير جملة من غير حاجة وقوله: وكقولك: خرجت فإذا زيد، أى: موجود، وحذف الخبر بعد إذا الفجائية قال به ابن مالك. وقال شيخنا أبو حيان: إن لم يقم على حذفه دليل وجب ذكره نحو: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٣)، فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٤)، وأما نحو:
خرجت فإذا الأسد، فالخبر هو إذا وهى ظرف مكان، ومن حذف المسند بعد (إن) نحو قول الأعشى:
إنّ محلا وإنّ مرتحلا ... وإن فى السفر إذ مضوا مهلا (٥)
أى: إن لنا فى الدنيا محلا وإن لنا عنها مرتحلا، وقد اختلف فى حذف خبر إن؛ فأجازه سيبويه إذا علم سواء كان الاسم معرفة أم نكرة، (وهو الصحيح) وأجازه الكوفيون إن كان الاسم نكرة. وقال الفراء: لا يجوز معرفة كان أم نكرة إلا إذا كان بالتكرير كهذا البيت، ولم يتعرض المصنف لحذف المسند وهو خبر كان لأنه ضعيف ولذلك كان إن خير فخير ضعيفا؛ لأن تقديره إن كان فى عمله خير، وهذه الأمور الأربعة حذف فيها المسند إلى المبتدأ. ثم ذكر المصنف ما حذف فيه المسند إلى الفاعل كقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، أصله: لو تملكون
стр. 304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تملكون، فحذف المسند وهو الفعل فانفصل الضمير فى أنتم، وتملكون المذكورة تفسير، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لو إنما يليها الفعل وما ذكره المصنف رأى الزمخشرى وجماعة، وليس مذهب البصريين. قال ابن عصفور: لا يلى (لو) إلا الفعل ظاهرا، فأما المقدر فلا يلى إلا نادرا، ونقل ابن الصائغ تصريح البصريين بامتناعه فصيحا، ويجوز نادرا نحو:
لو ذات سوار لطمتنى؛ لكن ابن مالك جوزه، وقيل: فى الآية تقدر كان الناقصة، أصله (كنتم)، فحذفت كان واسمها وأنتم تأكيد. قال الشيخ أبو حيان: وحذف المؤكد وبقاء التأكيد مختلف فى جوازه، قلت: ذلك فى التأكيد المعنوى. أما اللفظى فقد يجوز جزما مثل: قم أنت؛ إذ لا سبيل لإبراز هذا الفاعل، وإن كنا لا نسمى ذلك حذفا فإن الضمير مستتر، وأما ضمير يمكن بروزه فالذى يظهر أن حذفه مع فعله كما فى الآية يمتنع، ودون الفعل يظهر امتناعه كما يقتضيه كلامهم فى تعليل منع حذف المؤكد وإبقاء التأكيد، والذى يؤول الآية على تقدير (لو كنتم) حاصله أنه يفرق بين فعل كان وغيره، ففعل كان يجوز إضماره بعد (لو) وإبقاء معموله لكثرة استعماله بخلاف غيره، وإطلاق البصريين أنها لا يليها إلا الفعل ملفوظا به - عجيب لمصادمته الآية الكريمة. وقيل:
حذفت كان وانفصل اسمها. قال الزمخشرى (١) بعد ذكره الوجه الأول: هذا ما يقتضيه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو إن أنتم تملكون، فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ، وأورد عليه أن الاختصاص يكون لمعنى الجملة الاسمية لا لصورتها خ خ، وأجيب عنه: بأن الحذف لما اتفق وحصل به تكرار ذكر الفاعل وعلم أن الاهتمام بذكر فاعل الجملة أكثر من فعلها - كان تقديما للفاعل على الفعل من حيث المعنى، والثانى بمنزلة المتكرر للتأكيد فأفاد الاختصاص. قلت: تكلف هذا القائل وظن صحة كلام الزمخشرى وهو فاسد؛ لأن الاختصاص هنا معناه: لو اختصصتم بملك خزائن الرحمة لأمسكتم، وليس فى ذلك ما يقتضى أنهم مختصون بالشح؛ لأنه لا ينفى أن غيرهم لو اختص بملك خزائن
стр. 305
وقوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (١) يحتمل الأمرين، أى: أجمل، أو فأمرى،
ــ
الرحمة لشح، وإنما يكون ذلك لو قيل: أنتم لو تملكون، فإن المعنى حينئذ أنتم المختصون بأنكم لو ملكتم الخزائن لأمسكتم، ثم أقول: لو كانت الصيغة للاختصاص لكان الاختصاص هنا متعذرا؛ لأن الاختصاص لا يكون إلا فى شئ يقبل عدم الاختصاص، وملك خزائن الرحمة إن كان لهؤلاء استحال أن يكون لغيرهم؛ لأن الشئ الواحد لا يكون مملوكا لشخصين فى وقت واحد، فالاختصاص هنا متعذر، ولو حصل لم تكن له فائدة، فإن قلت: قد يحصل الاختصاص بحسب الأزمنة، تقول: أنا أملك هذا، أى: لا يملكه غيرى بخلاف أملكه قد يكون فى وقت وغيرك فى وقت، قلت: لا نسلم، بل معنى أنا أملك اختصاصك بالملك فى وقت ما والعموم فى ما يملك هذا غيرى إنما جاء فى الأزمان إذا كان مصرحا به، أما إذا كان مفهوما فلا، ولو سلمناه فليس المراد هنا ولا المعنى عليه، ثم نقول: كان للزمخشرى مندوحة عن ذلك، بأن يعرب (أنتم) مبتدأ، و (تملكون) خبره والجملة خبر (كنتم) المحذوفة، فيحصل الاختصاص؛ لأنه كقولك: أنت تقوم، ويجتمع كلام النحاة والبيانيين، وقول الزمخشرى صناعة البيانيين هو على عادته فى إطلاق علم البيان على المعانى.
بقى هنا سؤال وهو أن من يملك خزائن رحمة الله تعالى، وهى غير متناهية كيف يمسك خشية الإنفاق مع أن غير المتناهى يستحيل نفاده؟ فكيف يخاف نفاد ما يستحيل نفاده؟ والخوف من وقوع المستحيل مع اعتقاد استحالته مستحيل!
ثم ذكر ما هو محتمل لأن يكون حذف فيه المسند أو المسند إليه كقوله تعالى:
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * يحتمل حذف المسند، فتقديره: فصبر جميل، أى: أجمل، ويحتمل أن المحذوف هو المسند إليه، تقديره: فأمرى صبر جميل، وقد اختلف النحاة فيما إذا دار الحال بين حذف المبتدأ والخبر أيهما يحكم بأنه المحذوف؟ حكاه ابن إياز (٢) قيل:
الخبر أولى بالذكر لأنه محط الفائدة، قيل: المبتدأ لأنه العامل، وأيضا الحذف من الأواخر
стр. 306
ولا بدّ من قرينة: كوقوع الكلام جوابا لسؤال محقّق؛ نحو: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١)،
ــ
أولى، وأما خصوص هذه الآية فالمعنى فيها على نسبة الصبر إليه فالأحسن تقدير: أمرى صبر جميل، وهو الموافق للمدح. قال الخطيبى: ولأن المصادر المنصوبة إذا ارتفعت تكون على معناها فى النصب، وفى النصب إذا قلت: صبرت صبرا جميلا فأنت مخير بحصول الصبر لك، فحذف المبتدأ يوافق معنى النصب، قلت: هذا إن أراد به ما قبله فقد سبق، وإن أراد غيره فهو ضعيف؛ لأن المصدر المنصوب لا يدل على نسبة للمتكلم، فإن المصدر المنصوب قد يكون عن صبرت وعن أصبر، وليس فى أصبر إخبار بحصول الصبر بل وعد به، ومن هذا قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ (٢) يحتمل الأمرين، ومن ذلك: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (٣) على قراءة من لم ينون، قيل: إنه صفة والخبر محذوف، التقدير: عزير ابن الله إلهنا أو إلهنا عزيز ابن الله، وأورد عليه أنه يلزم أن يكون التكذيب ليس عائدا إلى البنوة، لأن صدق الخبر وكذبه راجع إلى نسبة الخبر لا إلى صفته، وقد سبق ما يعترض به على هذا، وأجاب عنه الوالد بأن (عزيز ابن الله) جزء الجملة حكى فيه لفظهم، أى: قالوا هذه العبارة القبيحة، وحينئذ فلا يقدر خبر ولا مبتدأ، وقيل: (ابن الله) خبر وحذف التنوين من (عزيز) للعجمة والعلمية، وقيل: حذف تنوينه لالتقاء الساكنين؛ لأن الصفة مع الموصوف كالشئ الواحد كقراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ (٤) بل هنا أوضح لأنه فى جملة واحدة، ومن هذه المادة ما ذكره المصنف: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ (٥) إما أن يقدر آلهتنا ثلاثة أو لنا ثلاثة من الآلهة، ورد المصنف الأول بأنه يلزم أن يكون المنفى كون آلهتهم ثلاثة لا كونهم آلهة، فإن النهى إنما يكون للنسبة المستفادة من الخبر. قلت:
وفيما قاله نظر؛ لأن نفى كون آلهتهم ثلاثة يصدق بأن لا يكون للآلهة الثلاثة وجود بالكلية؛ لأنه من السالبة المحصلة، فمعناه ليس آلهتكم ثلاثة، وذلك يصدق بأن لا يكون لهم آلهة.
ص: (ولا بد من قرينة ... إلخ).
(ش): أى: لا بد لحذف المسند من قرينة تميزه، والقرينة إما سؤال محقق أى واقع نحو قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ تقديره:
стр. 307
أو مقدّر؛ نحو [من الطويل]:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ...
وفضله على خلافه (١): بتكرّر الإسناد إجمالا ثم تفصيلا، وبوقوع نحو يزيد غير فضلة، وبكون معرفة الفاعل كحصول نعمة غير مترقّبة؛ لأنّ أوّل الكلام غير مطمع فى ذكره.
ــ
خلقهن الله، والمعنى: يتحقق السؤال هاهنا تحققه قبل الجواب لا أنه محقق الوقوع عند نزول الآية؛ لأن فعل الشرط مستقبل المعنى، بل الاقتصار على لفظ الجلالة الكريمة يستدعى تقدم سؤال استغنى به عن ذكر خلقهن، وتارة يكون سؤالا مقدرا، أى: غير منطوق به كقول الحارث بن ضرار النهشلى، وقيل: للحارث بن نهيك، وقيل: لمرة بن عمرو النهشلى، وهو من أبيات سيبويه، و (يزيد) هو: يزيد بن نهشل:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطّوائح (٢)
فإنه لما قال: ليبك يزيد؛ كأن سائلا سأله من يبكيه؟ فقال: ضارع، أى: يبكيه ضارع، وما ذكره المصنف قد ذكره النحاة أيضا، وقد يقال: تقدير الباكى ضارع أحسن لأنه حيث أمكن تقدير الاسم فلا يقدر الفعل - ذكره سيبويه - وعلى هذا فلا يكون هذا من حذف المسند، بل من حذف المسند إليه، وقد يجاب عنه بأن تقدير الفعل هنا يرجح لتقدم لفظ الفعل؛ ولهذا قدروا الفعل فى قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ (٣) على قراءة يسبح بالبناء للمفعول، وهو كيبك، على أنه يحتمل أنه لا يكون من الحذف بالكلية ويكون (يزيد) منادى أى: ليبك يا يزيد لفقدك، ويكون (ضارع) هو الفاعل إن كانت الرواية بفتح ياء (يبك) ونائب عنه إن كانت الرواية بضمها، ومنه قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (٤) على قراءة فتح الباء وكَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ (٥) على قراءة فتح الحاء. قال: (وفضله على غيره) أى: فضل تركيب ليبك بالبناء للمفعول على الرواية الشهيرة على ما لو كان مبنيا للفاعل ثلاثة أمور: أحدها - تكرر الإسناد إجمالا
стр. 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتفصيلا، يعنى: أنه أسند إلى شخص ما مجملا؛ لأنه مع البناء للمفعول لا يكون الفاعل مفصلا، ولك أن تقول: ليس مع البناء للمفعول إسناد للفاعل لا إجمالا ولا تفصيلا، غايته أن النائب عن الفاعل يستلزم وجود فاعل، فهو يدل على الفاعل بالالتزام، ولا إسناد فيه للفاعل، ودلالته الالتزامية على الفاعل لا على الإسناد وبينهما فرق؛ ثم نقول: قوله: تكرر الإسناد إجمالا وتفصيلا، قد يقال: إن هذه العبارة تستدعى تكرر الإسناد إجمالا وهو يستلزم إسنادين إجماليين وتكرره تفصيلا كذلك، فيستلزم الإسناد أربع مرات وهو فاسد غير مراد، إلا أن يؤول على أن قوله إجمالا وتفصيلا تفصيل لما أجمله لفظ التكرر من باب اللف والنشر.
الثانى - أنه لو وقع الإسناد فيه إلى الفاعل لوقع يزيد فيه مفعولا، وهو فضلة، والعمدة أولى من الفضلة، وقد يقال: إن هذا فى المعنى يرجع إلى الأول. وقال فى المفتاح: وكونه فضلة يستلزم عدم الاعتناء بشأنه، وكونه مقدما يقتضى الاعتناء، وتأخير الفاعل يقتضى عدم الاعتناء به، وكونه عمدة يوجب الاعتناء فيتناقض. قال:
وفيه نظر يذكر فى الحواشى خ خ. قيل: وجه النظر أنه إن كان التناقض لازما فليلزم عند بنائه للمفعول، وذكر ضارع بعده؛ لأن تقديره: يبكيه ضارع؛ فقد تقدم المفعول؛ وقيل:
وجه النظر أن البناء للمفعول يقتضى أنه مقصود البيان، وذكر الفاعل يقتضى أنه مقصود فيتناقض. وفيه نظر؛ لأنهما قد يقصدان، وقيل: لأن المبنى للمفعول أولى بالتناقض؛ لأن فيه عمدتين، كل منهما يطلب التقديم بخلاف الفضلة فإنها وإن تقدمت فهى فى نية التأخير، قيل: لو صح ما قاله لكان تقديم المفعول على الفاعل قبيحا وليس كذلك. وقيل أيضا: لو كان ذلك قبيحا لكان رأيت شجاعا فى الحمام أفصح من رأيت أسدا فيه، لإيهام الثانى التناقض.
الثالث - أن أول الكلام غير مطمع للسامع فى ذكر الفاعل فيحصل السرور بوروده؛ لأنه كنعمة جديدة، قلت: بل ذكر النائب عن الفاعل يحصل اليأس من الفاعل، فذكره بعد ذلك كالفرج بعد الشدة وهذا أخص من قولهم: غير مطمع، والخطيبى قال فى شرح المفتاح: إنه قد يرجح البناء للفاعل بوجوه؛ لأنه مخالف للأصل؛ لأن فيه حذفا كثيرا ويحتاج لإيراد سؤال وجواب، وفيه التباس لاحتمال أن يكون ضارع فاعلا وخبرا.
стр. 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): قال الخطيبى: يجوز أن يسند إلى أحد الظروف الثلاثة أعنى: له فيها بالغدو فحينئذ يجئ الكلام فيما يتصل بالفعل جزءا، وما ينفصل عنه فضلة، ويتفرع عليه معنى الاهتمام فيما قدم وأخر ومعنى الإسناد المجازى، فالوجوه ثلاثة والاعتبارات تسعة:
أحدها: أن يجعل الباء فى (بالغدو) مزيدة، ويسند الفعل إلى أوقات الغدو والآصال على الإسناد المجازى؛ لأن الله تعالى بالحقيقة هو المسبح، ولكن المسبحين لاهتمامهم بالتسبيح فإن أوقاتهم مستغرقة فيه لا يفترون آناء الليل وأطراف النهار كما قال:
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ (١) كأنها مسبحة، ويؤيده قوله: على زيادة الباء وجعل الأوقات مسبحة والمراد بها، ومنه قولك: زيد نهاره صائم وليله قائم، لكثرة صيامه بالنهار وقيامه بالليل، فالتقديم إذن فى الفضلات؛ لأن الأصل تقديم المسند إليه عليها وتقديم المفعول فيه على المفعول له، لأن الغايات سابقة فى القصد لاحقة فى الوجود، فقدم لإرادة مزيد الاختصاص، كأنه قيل: تسبح أوقاته لأجله وكرامة لوجهه الكريم لا لشئ آخر، ويفيد تقديم ظرف المكان على الزمان أن الفعل أشد اتصالا بالزمان لكونه جزأه شدة العناية بإيثار تلك الأمكنة التى وقعت لذكر الله تعالى وتسبيحه. فهذه اعتبارات أربعة اعتبار الإسناد تقديم المفعول له على المفعول فيه، وعلى ما أقيم مقام الفاعل، وتقديم ظرف المكان على الزمان.
وثانيها: أن تجعل اللام فى (له) مزيدة ويسند الفعل إلى الله تعالى بالحقيقة، فالتقديم حينئذ فى الظرفين على ما سبق، ففيه اعتباران: اعتبار الإسناد الحقيقى، وتقديم ظرف المكان على الزمان.
وثالثها: أن تجعل (فى) فى (فيها) مزيدة، ويسند الفعل إلى ضمير البيوت على المجاز، وفى ذلك أن المسبحين لشدة عنايتهم بالعكوف فى بيوت الله تعالى وملازمتهم لها للذكر فيها واختصاص الصلاة بها كما قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
стр. 310
ذكر المسند:
وأما ذكره:
فلما مرّ، أو أن يتعيّن كونه اسما أو فعلا.
ــ
تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١) - كأن البيوت المسبحة، والمراد بها، واللام فى له بمعنى
لأجل وتقديمه على ما سبق لمزيد الاختصاص وأن إكرام الديار لساكنيها، فالاعتبارات ثلاثة، والله ﵎ أعلم.
(فائدة) اختار والدى فى جواب الاستفهام نحو: زيد، فى جواب: من عندك؟ أنه مفرد لا مركب ولا يقدر له مبتدأ ولا خبر، بل زيد بمنزلة حيوان ناطق فى جواب: ما الإنسان؟
وهو ذكر حد يفيد التصور فقط، وعلى ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (٢) وقد جاء فى الآية الأخرى: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٣)، وهذا ابتداء كلام ليس جوابا، بل يتضمن الجواب بخلاف الآية الأولى، وإنما رفع لأنه لما لم يكن له ما يعمل فيه أعطى حركة الرفع لتجرده، وأما قول ابن عصفور فى باب الحكاية من شرح الجمل: محال أن ينطق عاقل بالمفرد، فيحمل على مفرد لا يقصد به تصور ولا تصديق.
ذكر المسند:
ص: (وأما ذكره فلما مر أو أن يتعين كونه اسما أو فعلا).
(ش): ذكر المسند يكون لأحد الأسباب السابقة، وهى كونه الأصل، والاحتياط لضعف التعويل على القرينة، أو التنبيه على غباوة السامع، أو زيادة الإيضاح والتقرير، أو إظهار تعظيمه أو إهانته، أو التبرك بذكره أو استلذاذه، أو بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب؛ وعبارة المصنف فى الإيضاح: أن ذكر المسند يكون لنحو ما مر من زيادة التقرير والتعريض بغباوة السامع والاستلذاذ والتعظيم والإهانة وبسط الكلام، ولم يذكر التبرك وكونه الأصل، وزاد المصنف هنا أن يذكر ليتعين أنه اسم فيستفاد منه الثبوت، أو فعل فيستفاد منه التجدد، أو ظرف فيورث احتمال الثبوت والتجدد، ولك أن تقول: قد يعلم أنه اسم
стр. 311
وأما إفراده:
فلكونه غير سببى مع عدم إفادة تقوّى الحكم،
ــ
أو فعل مع الحذف إذا كان جواب استفهام فإنه إن كان فى لفظ السائل الفعل أو الاسم فهو المحذوف غالبا، وقد يجاب بأن تقدير مثل ما فى السؤال من فعل أو اسم راجح لا متعين.
وقد حذف الظرف من التلخيص - وهو أحسن - فإن الاحتمال حاصل مع الحذف، ثم الظرف لا يكون مسندا على الحقيقة إنما المسند عامله من فعل أو اسم فليس لهذا القسم وجود إلا على القول بأن الظرف نفسه هو المسند وهو ضعيف. وفى الإيضاح: وإما لنحو ذلك، وذكر عن السكاكى أن من أسباب ذكره التعجب من المسند إليه كقولك: زيد يقاوم الأسد، مع دلالة القرائن. قال: وفيه نظر لأن التعجب حاصل بدون الذكر مع القرينة.
كون المسند مفردا:
ص: (وأما إفراده فلكونه غير سببى مع عدم إفادة تقوى الحكم).
(ش): فيدخل فى الإفراد نحو: زيد منطلق أبوه، مما أسند فيه الوصف إلى المبتدأ رفعا لظاهر ذى سبب؛ لأنا فسرنا السببى بالجملة، ويدخل فيه نحو: زيد قائم؛ لأنه لا يفيد التقوى بل هو قريب من إفادته كما تقدم، ويدخل فيه نحو: عرفت عرفت، مما أفاد التقوى بالتكرار، ونحو: إن زيدا قائم، مما أفاده بالحرف؛ لأنا قيدنا التقوى بكونه مفادا بنفس الإسناد فى التركيب نحو: زيد قام، مما كان فيه الفعل مسندا لضمير المبتدأ لأنه كما تقدم مشتمل على الإسناد مرتين وذلك لأن المبتدأ يطلبه بالإسناد إليه لكونه خبرا عنه ولكونه فعلا يطلب ضمير ذلك المبتدأ ليسند إليه لكونه فعليا لا سببيا، فوقع الإسناد فيه مرتين فأفاد التقوى بهذا الوجه وهو الإسناد مرتين ويحتمل أن لا يحتاج إلى القيد السابق، وهو قولنا: بنفس إسناده، وذلك بأن تجعل الألف واللام للعهد السابق، وهو التقوى المفاد بهذا الطريق وهو الإسناد فى تركيب واحد مرتين. ويدخل فيما أفاد التقوى بهذا الوجه فيكون جملة نحو قولنا: أنا عرفت وأنت ما سعيت فى حاجتى، مما كان فيه الفعل مسندا لضمير المبتدأ مع قصد إفادة التخصيص، كما تقدم أن مثل هذا التركيب يقصد به التخصيص؛ لأن التقوى موجود فيه لوجود الإسناد مرتين، ولو لم يقصد ذلك التقوى بالذات؛ لأنا لم نشترط إلا نفى إفادة التقوى، فمتى انتفى نفى الإفادة فإن وجدت الإفادة كان جملة ولو لم نقصد تلك الإفادة، نعم لو شرطنا نفى قصد التقوى دخل فى الإفراد ما قصد به التخصيص، على تقدير تسليم
стр. 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن هذا التركيب عند قصد التخصيص لا يفيد التقوى، فلا يلزم دخوله فى الإفراد؛ لأن المقصود نفى أن السببية والتقوى يكون علة للإفراد. ولا يلزم اطراد العلة فيصح وجود ذلك النفى مع نفى الإفراد كما فى نحو: أنا سعيت فى حاجتك، وقولنا: لم يقصد إفادة التقوى بالذات - إشارة إلى أن الإفادة لا بد فيها تبعا؛ إذ ما يفاد بلا قصد أصلا لا يعد من خواص تراكيب البلغاء، فلا عبرة به أصلا، وقولنا: لأن السببى فى هذا الاصطلاح نعنى به اصطلاح السكاكى، وإياه تبع المصنف فى إطلاق السببى على ما ذكر، كإطلاقه الفعلى على خلافه كما أشرنا إليه بقولنا:
فيما تقدم؛ لكونه فعليا لا سببيا، أما اصطلاحه فى السببى فكأنه مأخوذ من قول النحاة: إن نحو: مررت برجل كريم أبوه - نعت سببى، لكن على اعتباره ينبغى أن يسمى نحو قولك: زيد منطلق أبوه - مسندا سببيا، وهو لا يقول به، والتفريق بينه وبين قولنا: زيد أبوه منطلق بأن الأول المسند فيه مفرد والثانى المسند فيه جملة لا يفيد وجها لتخصيص الثانى بتسميته سببيا دون الأول، وأما اصطلاحه فى الفعلى فلا يعرف له سلف فيه، وقد أطلق السببى فى النعت على ما أطلقه عليه النحويون نحو:
مررت برجل كريم أبوه، وأطلق الفعلى فيه على ما أطلقوا عليه الحقيقى نحو: مررت برجل كريم، وحول هذا الاصطلاح إلى المسند لكنه خصصه بالجملة كما أشرنا إليه قبل، فعلم أن مجموع اصطلاحه فى السببى والفعلى مبتكر له، ولما كان تعريفه السببى فيه انغلاق وصعوبة حسبما يظهر عند الوقوف عليه فى المفتاح، ومعلوم أنه يلزم من انغلاقه انغلاق مقابله وهو الفعلى عدل المصنف إلى المثال فى السببى ليعرف منه الفعلى فقال (والمراد بالسببى) خبر هو (نحو) الخبر فى قولك (زيد أبوه منطلق)، ومعلوم أن تعريف الحقائق بمجرد المثال لا يخلو من خفاء؛ لأن أوجه التماثل كثيرة، ومثل هذا قولك مثلا: زيد انطلق أبوه، مما كان فيه الخبر جملة علقت على مبتدأ بعائد لا يكون مسندا إليه فى تلك الجملة، فيستفاد حد السببى مما ذكر من المثالين لاشتمالهما على أجزائه، فيخرج عنه المسند فى نحو: زيد منطلق أبوه؛ إذ ليس (منطلق أبوه) بجملة كما تقرر، والمسند فى نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) مما هو جملة أخبر بها عن ضمير الشأن؛ لأن تعليقها بالمبتدأ بنفسها لا بعائد، وفى نحو قولنا: زيد قام؛ لأن العائد فى قام مسند إليه ويدخل فى ذلك الحد المستفاد من المثالين.
стр. 313
والمراد بالسببى نحو: زيد أبوه منطلق.
ــ
ص: (والمراد بالسببى نحو: زيد أبوه منطلق).
(ش): المسند على أقسام:
الأول - أن يكون سببيا، والمراد بالسببى أن يكون إثبات المسند للمسند إليه لمتعلقه لا لنفسه، وذلك إما بأن يتقدم السببى نحو: زيد أبوه منطلق، أو يراد حدوث المسند وهو سببى مثل: زيد انطلق أبوه، وفى هذين القسمين يكون جملة، أو زيد منطلق أبوه، وهو مفرد سببى.
الثانى - أن لا يكون سببيا، ولكن يراد تقوى الحكم بتكرر الإسناد كقولك: زيد قام؛ فإنه وقع الإسناد إلى زيد مرتين
أحدهما إلى لفظ زيد، والثانى لضميره وهو فاعل قام.
الثالث - أن لا يكون سببيا ولا يراد به التقوية مثل: زيد منطلق، فحاصله أنه إن أريد به التقوية كان جملة، وإن لم يرد فإما أن يكون سببيا أو لا، إن لم يكن فهو مفرد، وإن كان فإما أن يتأخر السببى ولا يراد الحدوث، أو لا، فإن تأخر ولم يرد الحدوث فهو مفرد مثل: زيد قائم أبوه، إذا عرفت ذلك ورد على المصنف أن كلامه يقتضى أنه متى كان سببيا كان جملة، وليس كذلك؛ لأجل زيد منطلق أبوه.
(تنبيه): مراد المصنف بغير السببى هو ما أراده السكاكى بالمسند الفعلى، وهو ما يكون مفهومه محكوما فيه بالثبوت أو الانتفاء، وجعل منه: فى الدار خالد، على أن تقديره: استقر فى الدار. وأورد عليه المصنف أمرين:
أحدهما - أن ما ذكره فى تفسير المسند الفعلى يجب أن يكون تفسيرا للمسند مطلقا، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببى؛ إذ فسر المسند السببى بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعلى، ومثله بقولنا: زيد أبوه انطلق أو منطلق، والبر الكر منه بستين، فجعل أمثلة السببى مقابلة لأمثلة الفعلى مع الاشتراك فى أصل المعنى؛ وأجيب عنه بأن ما ذكره تفسير للمسند الخبرى المقابل للسببى الشامل للمفرد والجملة التى تكون قصد بها تقوى الحكم؛ ولذلك قيد السكاكى الفعلى بنفى الجملة؛ ليتعين كونه مفردا، أما كونه مقابلا للسببى؛ فلأن الفعلى ما يكون مفهومه محكوما فيه بالثبوت للمسند إليه أو الانتفاء، وهو أعم من المفرد والجملة التى يكون المقصود بها تقوى الحكم.
стр. 314
ص: وأما كونه فعلا:
فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة على أخصر وجه، مع إفادة التجدّد،
ــ
الثانى - أنه إذا كان تقدير فى الدار خالد استقر، وخالد مبتدأ - كان المسند جملة أيضا.
وأجيب عنه بأنه لعله فرعه على رأى الأخفش (١) من أن الظرف يعمل بغير اعتماد؛ فيكون أراد أن خالدا فاعل، واستقر فارغ من الضمير، وهو المسند العامل فى خالد.
كون المسند فعلا:
ص: (وأما كونه فعلا فللتقييد بأحد الأزمنة الثلاثة على أخصر وجه ... إلخ).
(ش): يكون المسند فعلا لدلالته على أحد الأزمنة الثلاثة مع الاختصار؛ لأن قولك: زيد قام، يدل على وقوع قيامه فى الماضى مع الاختصار؛ فإنه يغنى عن قولك:
قائم فى الماضى، والفعل حيث وقع دل على التقييد بأحد الأزمنة الثلاثة إما معينا مثل: قام؛ حيث لم يقع صلة أو صفة لنكرة عامة أو فى شرط، ومثل: سيقوم، وإما مبهما بين أمرين مثل: المضارع إذا قلنا: إنه محتمل للحال والاستقبال والماضى إذا وقع صلة أو صفة لنكرة عامة، فإنه يحتمل المضى والاستقبال والحال خلافا لقول ابن مالك:
يحتمل المضى والاستقبال فإنها عبارة قاصرة لعدم ذكر زمن الحال، ودلالة الفعل على الزمان بالتضمن، بخلاف دلالة قائم على الحال، فإنها ليست بالتضمن بل بالالتزام.
والتحقيق أن الفعل الواقع صلة سلب الدلالة على تعيين الزمان وصار صالحا للأزمنة الثلاثة مضارعا كان أم ماضيا، وإليه أشار الزمخشرى فى سورة الرحمن، وغيرها.
وقوله: (مع إفادة التجدد) أورد عليه أن التقييد بأحد الأزمنة حكم بحصوله فى ذلك الزمان دون غيره، وهذا هو التجدد؛ فيكون ذكر التجدد تكرارا، وجوابه أن التصريح بكونه حاصلا فى زمن لا يقتضى كونه لم يكن حاصلا فى غيره، فلا يلزم التجدد، وفى الجواب نظر لما سيأتى قريبا - إن شاء الله تعالى - ويريد أن الفعل يدل على وقوع الحدث، فهو يدل على تجدد ماض إن كان الفعل ماضيا أو مستقبلا فى نحو: سيقوم، أو حالا فى نحو: زيد الآن يقوم، وقول المصنف مع التجدد يحتمل أن يريد
стр. 315
كقوله [من الكامل]:
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلىّ عريفهم يتوسّم (١)؟!
ــ
أنهما علتان، وأن يريد أنهما جزءا علة، ومثل المصنف هذا بقول طريف بن تميم العنبرى:
أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلىّ عريفهم يتوسّم (٢)
فإن يتوسم يدل على تجدده، وقد يقال: إن التجدد فى هذا البيت فهم من (كلما) الدالة على التكرار الذى هو ملزوم التجدد، فإن كان المراد أن معنى يتوسم أنه فى كل مرة يتكرر التوسم؛ فقد يمنع، إلا أن هذا البيت ذكره المصنف مثالا لا شاهدا، لكن لك أن تقول: (يتوسم) ليس مسندا، بل حال؛ لكنه مسند معنى، فإن قلت: كيف يكون التجدد فى الفعل الماضى؟ قلت: لأن كل فعل حادث تجدد بعد أن لم يكن، ولا نعنى أن قولنا: قام زيد يدل على أنه لم يكن قائما
على الدوام؛ لصحة قولنا: أحيا الله زيدا، وإن كان لم يزل حيا منذ صدق عليه اسم زيد، ولكن مدلول الفعل التجدد، وذلك أعم من تجدد شئ يتقدمه مثله أولا فإن الأفعال المستمرة ليست فعلا واحدا، بل الفعل فى كل وقت غير الفعل فى الوقت الذى قبله، وإن اتحدا بالنوع، ولذلك قال أصحابنا: من الأفعال ما دوامه فعل كالابتداء، وهو يخالف ما ذكره البيانيون، ولعلهم بنوا ذلك على العرف، فذكروه فى الأيمان، فإن بناءها على العرف غالبا.
(تنبيه): الفعل يدل على التجدد ماضيا كان أم مضارعا أم أمرا، غير أن التجدد الذى يدل عليه الماضى المراد به الحصول، والمضارع يدل على التجدد بمعنى أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد أخرى، وقد صرح به الزمخشرى عند قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٣) وسيأتى فى كلام المصنف فى الكلام على (لو) وأما ما وقع فى كلام
стр. 316
وأمّا كونه اسما:
فلإفادة (١) عدمهما؛ كقوله [من البسيط]:
لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق (٢)
ــ
الزمخشرى عند قوله تعالى: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ (٣) من أن التأكيد مستفاد من السين، وما اقتضاه من عدم استفادته من الفعل المضارع ففيه نظر.
واعلم أنه يستثنى من قولنا: المضارع دال على الاستمرار ما إذا أريد به زمن الحال خاصة؛ فإن الاستمرار مع إرادة زمن الحال فقط لا يجتمعان، إلا أن يقال: يدل على وقوع الحدث فى الحال وأنه يستمر فى المستقبل، فإن قلت: لو كان المراد بالمضارع الاستمرار لكان نفى المضارع لا ينفى أصل الفعل، فإذا قلت: لا يقوم زيد يكون نفيا لقيامه المستمر، لا نفيا لأصل القيام - قلت: يقدر أن الفعل صار مضارعا بعد النفى، وورد النفى على أصل الفعل
فبقى نفيا موصوفا بالاستمرار، فصار الاستمرار للنفى لا للفعل، ومما ذكرناه يعلم الجواب عما يورد من نحو: علم الله كذا، فإن علم الله تعالى لا يتجدد، وكذا سائر الصفات الدائمة التى يستعمل فيها الفعل، وجوابه: أن معنى علم الله كذا وقع علمه فى الزمن الماضى، ولا يلزم أنه لم يكن قبل ذلك، فإن العلم فى زمن ماض أعم من المستمر على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره، وحاصله أن المعنى بالتجدد فى مثله الوقوع.
كون المسند اسما:
ص: (وأما كونه اسما ... إلخ).
(ش): من أحوال المسند أن يكون اسما، وذلك إذا قصد به عدم التجدد وعدم الدلالة على الزمن، وينبغى أن يقال: لعدم قصد إفادتهما حتى إذا لم يقصد واحد منهما يكون كافيا فى إثباته اسما، ومثله المصنف بقول النضر بن جؤية:
لا يألف الدّرهم الصّبّاح صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق (٤)
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق المعروف تستبق
فإن قوله: (منطلق) دل على أن ذلك دأبه من غير نظر إلى زمن دون آخر، و (الصباح) قيل: بالباء الموحدة، أى: المسكوك (١) وقيل: بالياء آخر الحروف، أى: الدرهم المضروب، وقيل: الصباح الذى يأتينا صباحا، ومن ذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٢) المراد: هيئة هذا الكلب من غير نظر لوقت دون آخر، كذا مثلوه، وفيه نظر؛ لأن الاسم إذا عمل صار كالفعل يدل على التجدد، لا على الثبوت كما قررناه فى غير هذا الموضع، فإن قلت: اسم الفاعل حقيقة فى الحال فينبغى أن يكون منطلق للحال - قلت:
نعم، لكنه قد يقترن به ما يراد به قطع النظر عن الزمن فيكون للحالة المستمرة، وذلك يظهر بكونه فى معرض
مدح أو ذم، ونحو ذلك. وهذا لا ينافى الحال، بل فيه الحال بقيد الاستصحاب، فإن قلت: إذا قلنا: (زيد ضارب الآن أو أمس أو غدا) لا يدل على الثبوت؛ لتقيده بالزمن الدال على التجدد، ولا سيما ضارب غدا، وإن لم يقيد بظرف فهو مصروف إلى الحال - قلت: الدلالة على التجدد عند التقييد بالظرف إنما هو بناء على أن الظرف ينفى الوقوع فى غيره بالمفهوم، ولا نسلمه، كما هو قول مشهور فى مفهوم الصفة، وإن كان مرجوحا فقد سلمناه، فقد يقال: إنما نعنى بالثبوت وعدم التجدد بالنسبة إلى ذلك الظرف فقولنا: (زيد ضارب غدا) معناه أن الضرب الذى سيقع منه غدا يقع ثابتا مستقرا سواء كان موجودا قبل ذلك أم لا بخلاف (زيد يضرب غدا) فإنه يدل على أنه يتجدد له فى غد ضرب، فلا معارضة حينئذ بين مفهوم الظرف ودلالة الاسم على الثبوت سلمنا ذلك كله، فالاسم إنما يدل على الثبوت ما لم يعمل.
(تنبيه): قد يستثنى من قولهم: الاسم دال على الثبوت الاسم الواقع حالا وسيأتى فى كلام المصنف وغيره أنه يدل على الحصول لا الثبوت، على بحث فيه سيأتى، فى
стр. 318
وأما تقييد الفعل بمفعول ونحوه:
فلتربية الفائدة.
ــ
موضعه، وسيأتى أنه يستثنى من ذلك أيضا الصفة المشبهة على فاعل؛ فإن النحاة نصوا على أنه إذا أريد بالصفة المشبهة التجدد حولت إلى فاعل، فهو حينئذ لم يكن صفة مشبهة بل اسم مجرد، ومع ذلك يدل على التجدد لا الثبوت. ولك أن تجعل هذا الكلام سؤالا على أصل القاعدة، ويستثنى أيضا الصفات العاملة من أسماء الفاعلين وغيرها، غير الصفة المشبهة، فإنها كلها دالة على التجدد كما سبق حتى المصدر إذا عمل، وإنما يدل الاسم على الثبوت ما لم يعمل، كما صرح به أهل هذا الفن، وهو واضح.
(تنبيه): ليت شعرى ماذا يصنع الزمخشرى فى أنه لا يزال يصرح بدلالة الاسم على الثبوت والاستقرار، ولا شك أن المراد بالثبوت ثبوت المصدر الذى يشتق منه الاسم، ثم يقول: إن أسماء الله مشتقات لا تستلزم صدق أصلها! فأى ثبوت عنده فى نحو: (عليم وسميع) إذا كان ينكر أصل العلم والسمع؟! ولكنه لا يزال يستعمل
القواعد البيانية ما لم تغط عليه للبدعة الاعتزالية فيعدل عنها، كما تقدم عنه فى التخصيص بتقديم المسند إليه.
(تنبيه): فى كلام السكاكى وغيره أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت، وأن الفعل دال على التجدد، فقد يقال: هذان الكلامان يتناقضان فى نحو: (زيد قام)؛ لأن هذه الجملة حينئذ تقتضى ثبوت القيام لزيد من حيث كونها اسمية، والتجدد من حيث كون القيام مذكورا بصيغة الفعل، وقد أشكل هذا الموضع على الكاشى فى شرح المفتاح، فقال:
إن كون الجملة الاسمية للثبوت إنما هو فى التى خبرها أيضا اسم، وفيما قاله نظر، بل ما قالوه جار على عمومه، ولا تناقض؛ لأن قولك: (زيد قام) يدل على ثبوت نسبة القيام المتجدد، فالقيام متجدد وحصوله لزيد ووصفه به ثابت مستقر، ولا بدع فى ذلك، فربما كان الفعل المتجدد لشدة لزومه ودوامه أو شرفه فى نفسه يجعل لفاعله صفة ثابتة مستقرة.
تقييد الفعل بمفعول ونحوه:
ص: (وأما تقييد الفعل ... إلخ).
(ش): من أحوال المسند إذا كان فعلا أو شبهه أن يقيد، والمصنف لم يجعل هذه حالة للمسند بل حالة للفعل؛ لأنه ليس كل مسند كذلك، وتقدير كلامه: وأما تقييد
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفعل المسند، ولكن يرد على المصنف ما يعمل عمل الفعل، وحكمهما واحد، والتقييد إما أن يكون بمفعول، وأطلق المفعول ليكون صالحا للمفاعيل الخمسة المطلق مثل:
(ضربت ضربا كثيرا) فالتقييد وقع بالمصدر؛ لأنه أريد به ضرب خاص بدليل صفته، والمفعول به إما بحرف مثل: (مررت بزيد)، أو بغير حرف مثل: (ضربت زيدا)، ومثل السكاكى المفعول به المجرور بحرف بقولك: (ضربت بالسوط)، وقولك: (ما ضربت إلا زيدا) قلت: وفيه نظر؛ أما ضربت بالسوط فليس مفعولا به؛ لأن الباء فيه للاستعانة، ويمكن الجواب بأن مراده بضربت بالسوط جعلت السوط كذلك، وتكون الباء فيه للتعدية لا للاستعانة، ويكون الفعل تعدى إلى زيد بنفسه، وإلى السوط بالحرف، وهو معنى غير الأول، وأما ما ضربت إلا زيدا فهو مفعول به لفظا؛ لأنه استثناء مفرغ، إلا أن يكون السكاكى جعل المفعول محذوفا، وزيدا منصوبا على الاستثناء، ويكون الفعل حينئذ وصل إليه بواسطة حرف وهو (إلا) وحينئذ فلا يصح؛ لأن ذلك ليس مفعولا به؛ لأن الغرض أن المفعول محذوف، بل منصوب على الاستثناء، والمنصوب على الاستثناء ليس مفعولا به حقيقة. ألا ترى أنك تنصب على الاستثناء فى الأفعال القاصرة مثل: (قام الناس إلا زيدا)! وإن جعلنا المفعول محذوفا وزيدا
بدلا منه، وبدل المفعول مفعول، فذلك من جهة الصناعة لا من جهة المعنى، ألا ترى أن الضرب بالنسبة إلى المبدل منه منفى، وبالنسبة إلى البدل مثبت؟ ثم لو سلمناه فالفعل الواصل إلى المبدل منه بنفسه هو الواصل إلى البدل بنفسه، و (إلا) هى سبب فى وصول الفعل إلى البدل بنفسه لا بها. ويتناول المفعول فيه زمانا مثل: (ضربت اليوم)، ومكانا مثل: (ضربت أمامك)، والمفعول معه نحو: (سرت والنيل)، والمفعول له مثل: (ضربت تأديبا)، وإما أن يكون التقييد بغير المفعول كالتمييز مثل: (طاب زيد نفسا)، والحال مثل: (ضربت قائما). وجعل منه المصنف: (ما ضرب إلا زيد)، وكأنه يعنى التقييد بالحصر فى المخبر عنه. وقوله لتربية الفائدة، أى: فائدة الخبر. قالوا: معناه لزيادتها؛ لأنه بالقيود تزداد الفائدة، وينبغى أن تحمل على زيادتها بحسب التعيين، وإلا فلكل فعل مفعول مطلق ومفعول فيه، وبه إن كان متعديا. قلت: ثم قولهم: الفائدة تزيد واضح فى الإثبات، أما النفى إذا قلت: (ما ضربت)، أفاد نفى الضرب عن كل واحد لأن تقديره ما ضربت أحدا، فإذا قلت: زيدا نقص المخبر به فصار خاصا بعد أن
стр. 320
والمقيّد: فى نحو: (كان زيد منطلقا) هو (منطلقا)، لا (كان).
وأما تركه (١):
فلمانع منها (٢).
ــ
كان عاما، فلذلك إذا قلت: ما ضربت قائما لا يكون فيه نفى الضرب عن غير قائم، فالفائدة لم تزد بل نقصت؛ والتحقيق أن الفائدة زادت ولكن المخبر به نقص، فينبغى أن تفسر تربية الفائدة بحصولها على الكمال.
بقى أن يقال: التقييد واضح فى المفعول معه والمفعول له، أما المفاعيل الثلاثة فهى ملازمة للأفعال، فليس للفعل حالة إطلاق وحالة تقييد، فإن أراد تقييده لفظا فيقال:
تربية الفائدة تحصل مع الحذف؛ لأنه لا يحذف إلا إذا قام عليه الدليل، فالفائدة سواء فى قولك: (ضربت زيدا)، وقولك: (ضربت)، فى جواب: (ما صنعت)؟ إلا أن يقال:
التنصيص عليه ينقلها من الظهور إلى النص. ثم ذكر نوعا غريبا من التقييد وهو قولك:
(كان زيد قائما) ربما يتوهم أن التقييد حصل بخبر كان؛ لأنه بمنزلة المفعول، واسمها بمنزلة الفاعل قد يكمل الإسناد بها وباسمها فقال: ليس كذلك بل الإسناد دائر بين اسمها وخبرها كما كان قبل (كان)، وإنما دخلت (كان) تقييدا فالقيام مقيد بكان، وليست كان مقيدة بالقيام، وهذا واضح على رأى من ذهب إلى أنها مسلوبة الحدث، أما على قول الجمهور من أن لها حدثا وزمانا فالأمر أيضا كذلك، إلا أنه أغرب فإن (كان) إن كانت مسندة إلى اسمها فيصير اسم كان مسندا إليه أمران فى حالة واحدة، ثم يصير القيد عاملا فى المقيد، ويصير قولك: (كان زيد قائما)
جملتين متداخلتين مركبتين من ثلاث كلمات، وإن كانت مسندة إلى الجملة بعدها لزم الإشكال الثانى والثالث، ثم كيف تستند إلى الجملة وقد تقرر من مذهب البصريين خلافه؟! ثم لو أسندت إلى الجملة لكانت تامة لا ناقصة، ولكانت الجملة كلها فاعلا. وعلى الأول فقد يتعلق بذلك متعلق فيجيز نحو: (زيد القائم حضر) على أن يكون القائم خبرا لزيد ومبتدأ لحضر، وكقوله تعالى: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ (٣) على أن يكون (من وجد فى رحله) خبرا عما قبله مبتدأ لما بعده، ولا