وأمّا كونه اسما:
فلإفادة (١) عدمهما؛ كقوله [من البسيط]:
لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق (٢)
ــ
الزمخشرى عند قوله تعالى: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ (٣) من أن التأكيد مستفاد من السين، وما اقتضاه من عدم استفادته من الفعل المضارع ففيه نظر.
واعلم أنه يستثنى من قولنا: المضارع دال على الاستمرار ما إذا أريد به زمن الحال خاصة؛ فإن الاستمرار مع إرادة زمن الحال فقط لا يجتمعان، إلا أن يقال: يدل على وقوع الحدث فى الحال وأنه يستمر فى المستقبل، فإن قلت: لو كان المراد بالمضارع الاستمرار لكان نفى المضارع لا ينفى أصل الفعل، فإذا قلت: لا يقوم زيد يكون نفيا لقيامه المستمر، لا نفيا لأصل القيام - قلت: يقدر أن الفعل صار مضارعا بعد النفى، وورد النفى على أصل الفعل
فبقى نفيا موصوفا بالاستمرار، فصار الاستمرار للنفى لا للفعل، ومما ذكرناه يعلم الجواب عما يورد من نحو: علم الله كذا، فإن علم الله تعالى لا يتجدد، وكذا سائر الصفات الدائمة التى يستعمل فيها الفعل، وجوابه: أن معنى علم الله كذا وقع علمه فى الزمن الماضى، ولا يلزم أنه لم يكن قبل ذلك، فإن العلم فى زمن ماض أعم من المستمر على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره، وحاصله أن المعنى بالتجدد فى مثله الوقوع.
كون المسند اسما:
ص: (وأما كونه اسما ... إلخ).
(ش): من أحوال المسند أن يكون اسما، وذلك إذا قصد به عدم التجدد وعدم الدلالة على الزمن، وينبغى أن يقال: لعدم قصد إفادتهما حتى إذا لم يقصد واحد منهما يكون كافيا فى إثباته اسما، ومثله المصنف بقول النضر بن جؤية:
لا يألف الدّرهم الصّبّاح صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق (٤)
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق المعروف تستبق
فإن قوله: (منطلق) دل على أن ذلك دأبه من غير نظر إلى زمن دون آخر، و (الصباح) قيل: بالباء الموحدة، أى: المسكوك (١) وقيل: بالياء آخر الحروف، أى: الدرهم المضروب، وقيل: الصباح الذى يأتينا صباحا، ومن ذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ (٢) المراد: هيئة هذا الكلب من غير نظر لوقت دون آخر، كذا مثلوه، وفيه نظر؛ لأن الاسم إذا عمل صار كالفعل يدل على التجدد، لا على الثبوت كما قررناه فى غير هذا الموضع، فإن قلت: اسم الفاعل حقيقة فى الحال فينبغى أن يكون منطلق للحال - قلت:
نعم، لكنه قد يقترن به ما يراد به قطع النظر عن الزمن فيكون للحالة المستمرة، وذلك يظهر بكونه فى معرض
مدح أو ذم، ونحو ذلك. وهذا لا ينافى الحال، بل فيه الحال بقيد الاستصحاب، فإن قلت: إذا قلنا: (زيد ضارب الآن أو أمس أو غدا) لا يدل على الثبوت؛ لتقيده بالزمن الدال على التجدد، ولا سيما ضارب غدا، وإن لم يقيد بظرف فهو مصروف إلى الحال - قلت: الدلالة على التجدد عند التقييد بالظرف إنما هو بناء على أن الظرف ينفى الوقوع فى غيره بالمفهوم، ولا نسلمه، كما هو قول مشهور فى مفهوم الصفة، وإن كان مرجوحا فقد سلمناه، فقد يقال: إنما نعنى بالثبوت وعدم التجدد بالنسبة إلى ذلك الظرف فقولنا: (زيد ضارب غدا) معناه أن الضرب الذى سيقع منه غدا يقع ثابتا مستقرا سواء كان موجودا قبل ذلك أم لا بخلاف (زيد يضرب غدا) فإنه يدل على أنه يتجدد له فى غد ضرب، فلا معارضة حينئذ بين مفهوم الظرف ودلالة الاسم على الثبوت سلمنا ذلك كله، فالاسم إنما يدل على الثبوت ما لم يعمل.
(تنبيه): قد يستثنى من قولهم: الاسم دال على الثبوت الاسم الواقع حالا وسيأتى فى كلام المصنف وغيره أنه يدل على الحصول لا الثبوت، على بحث فيه سيأتى، فى
стр. 318
وأما تقييد الفعل بمفعول ونحوه:
فلتربية الفائدة.
ــ
موضعه، وسيأتى أنه يستثنى من ذلك أيضا الصفة المشبهة على فاعل؛ فإن النحاة نصوا على أنه إذا أريد بالصفة المشبهة التجدد حولت إلى فاعل، فهو حينئذ لم يكن صفة مشبهة بل اسم مجرد، ومع ذلك يدل على التجدد لا الثبوت. ولك أن تجعل هذا الكلام سؤالا على أصل القاعدة، ويستثنى أيضا الصفات العاملة من أسماء الفاعلين وغيرها، غير الصفة المشبهة، فإنها كلها دالة على التجدد كما سبق حتى المصدر إذا عمل، وإنما يدل الاسم على الثبوت ما لم يعمل، كما صرح به أهل هذا الفن، وهو واضح.
(تنبيه): ليت شعرى ماذا يصنع الزمخشرى فى أنه لا يزال يصرح بدلالة الاسم على الثبوت والاستقرار، ولا شك أن المراد بالثبوت ثبوت المصدر الذى يشتق منه الاسم، ثم يقول: إن أسماء الله مشتقات لا تستلزم صدق أصلها! فأى ثبوت عنده فى نحو: (عليم وسميع) إذا كان ينكر أصل العلم والسمع؟! ولكنه لا يزال يستعمل
القواعد البيانية ما لم تغط عليه للبدعة الاعتزالية فيعدل عنها، كما تقدم عنه فى التخصيص بتقديم المسند إليه.
(تنبيه): فى كلام السكاكى وغيره أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت، وأن الفعل دال على التجدد، فقد يقال: هذان الكلامان يتناقضان فى نحو: (زيد قام)؛ لأن هذه الجملة حينئذ تقتضى ثبوت القيام لزيد من حيث كونها اسمية، والتجدد من حيث كون القيام مذكورا بصيغة الفعل، وقد أشكل هذا الموضع على الكاشى فى شرح المفتاح، فقال:
إن كون الجملة الاسمية للثبوت إنما هو فى التى خبرها أيضا اسم، وفيما قاله نظر، بل ما قالوه جار على عمومه، ولا تناقض؛ لأن قولك: (زيد قام) يدل على ثبوت نسبة القيام المتجدد، فالقيام متجدد وحصوله لزيد ووصفه به ثابت مستقر، ولا بدع فى ذلك، فربما كان الفعل المتجدد لشدة لزومه ودوامه أو شرفه فى نفسه يجعل لفاعله صفة ثابتة مستقرة.
تقييد الفعل بمفعول ونحوه:
ص: (وأما تقييد الفعل ... إلخ).
(ش): من أحوال المسند إذا كان فعلا أو شبهه أن يقيد، والمصنف لم يجعل هذه حالة للمسند بل حالة للفعل؛ لأنه ليس كل مسند كذلك، وتقدير كلامه: وأما تقييد
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفعل المسند، ولكن يرد على المصنف ما يعمل عمل الفعل، وحكمهما واحد، والتقييد إما أن يكون بمفعول، وأطلق المفعول ليكون صالحا للمفاعيل الخمسة المطلق مثل:
(ضربت ضربا كثيرا) فالتقييد وقع بالمصدر؛ لأنه أريد به ضرب خاص بدليل صفته، والمفعول به إما بحرف مثل: (مررت بزيد)، أو بغير حرف مثل: (ضربت زيدا)، ومثل السكاكى المفعول به المجرور بحرف بقولك: (ضربت بالسوط)، وقولك: (ما ضربت إلا زيدا) قلت: وفيه نظر؛ أما ضربت بالسوط فليس مفعولا به؛ لأن الباء فيه للاستعانة، ويمكن الجواب بأن مراده بضربت بالسوط جعلت السوط كذلك، وتكون الباء فيه للتعدية لا للاستعانة، ويكون الفعل تعدى إلى زيد بنفسه، وإلى السوط بالحرف، وهو معنى غير الأول، وأما ما ضربت إلا زيدا فهو مفعول به لفظا؛ لأنه استثناء مفرغ، إلا أن يكون السكاكى جعل المفعول محذوفا، وزيدا منصوبا على الاستثناء، ويكون الفعل حينئذ وصل إليه بواسطة حرف وهو (إلا) وحينئذ فلا يصح؛ لأن ذلك ليس مفعولا به؛ لأن الغرض أن المفعول محذوف، بل منصوب على الاستثناء، والمنصوب على الاستثناء ليس مفعولا به حقيقة. ألا ترى أنك تنصب على الاستثناء فى الأفعال القاصرة مثل: (قام الناس إلا زيدا)! وإن جعلنا المفعول محذوفا وزيدا
بدلا منه، وبدل المفعول مفعول، فذلك من جهة الصناعة لا من جهة المعنى، ألا ترى أن الضرب بالنسبة إلى المبدل منه منفى، وبالنسبة إلى البدل مثبت؟ ثم لو سلمناه فالفعل الواصل إلى المبدل منه بنفسه هو الواصل إلى البدل بنفسه، و (إلا) هى سبب فى وصول الفعل إلى البدل بنفسه لا بها. ويتناول المفعول فيه زمانا مثل: (ضربت اليوم)، ومكانا مثل: (ضربت أمامك)، والمفعول معه نحو: (سرت والنيل)، والمفعول له مثل: (ضربت تأديبا)، وإما أن يكون التقييد بغير المفعول كالتمييز مثل: (طاب زيد نفسا)، والحال مثل: (ضربت قائما). وجعل منه المصنف: (ما ضرب إلا زيد)، وكأنه يعنى التقييد بالحصر فى المخبر عنه. وقوله لتربية الفائدة، أى: فائدة الخبر. قالوا: معناه لزيادتها؛ لأنه بالقيود تزداد الفائدة، وينبغى أن تحمل على زيادتها بحسب التعيين، وإلا فلكل فعل مفعول مطلق ومفعول فيه، وبه إن كان متعديا. قلت: ثم قولهم: الفائدة تزيد واضح فى الإثبات، أما النفى إذا قلت: (ما ضربت)، أفاد نفى الضرب عن كل واحد لأن تقديره ما ضربت أحدا، فإذا قلت: زيدا نقص المخبر به فصار خاصا بعد أن
стр. 320
والمقيّد: فى نحو: (كان زيد منطلقا) هو (منطلقا)، لا (كان).
وأما تركه (١):
فلمانع منها (٢).
ــ
كان عاما، فلذلك إذا قلت: ما ضربت قائما لا يكون فيه نفى الضرب عن غير قائم، فالفائدة لم تزد بل نقصت؛ والتحقيق أن الفائدة زادت ولكن المخبر به نقص، فينبغى أن تفسر تربية الفائدة بحصولها على الكمال.
بقى أن يقال: التقييد واضح فى المفعول معه والمفعول له، أما المفاعيل الثلاثة فهى ملازمة للأفعال، فليس للفعل حالة إطلاق وحالة تقييد، فإن أراد تقييده لفظا فيقال:
تربية الفائدة تحصل مع الحذف؛ لأنه لا يحذف إلا إذا قام عليه الدليل، فالفائدة سواء فى قولك: (ضربت زيدا)، وقولك: (ضربت)، فى جواب: (ما صنعت)؟ إلا أن يقال:
التنصيص عليه ينقلها من الظهور إلى النص. ثم ذكر نوعا غريبا من التقييد وهو قولك:
(كان زيد قائما) ربما يتوهم أن التقييد حصل بخبر كان؛ لأنه بمنزلة المفعول، واسمها بمنزلة الفاعل قد يكمل الإسناد بها وباسمها فقال: ليس كذلك بل الإسناد دائر بين اسمها وخبرها كما كان قبل (كان)، وإنما دخلت (كان) تقييدا فالقيام مقيد بكان، وليست كان مقيدة بالقيام، وهذا واضح على رأى من ذهب إلى أنها مسلوبة الحدث، أما على قول الجمهور من أن لها حدثا وزمانا فالأمر أيضا كذلك، إلا أنه أغرب فإن (كان) إن كانت مسندة إلى اسمها فيصير اسم كان مسندا إليه أمران فى حالة واحدة، ثم يصير القيد عاملا فى المقيد، ويصير قولك: (كان زيد قائما)
جملتين متداخلتين مركبتين من ثلاث كلمات، وإن كانت مسندة إلى الجملة بعدها لزم الإشكال الثانى والثالث، ثم كيف تستند إلى الجملة وقد تقرر من مذهب البصريين خلافه؟! ثم لو أسندت إلى الجملة لكانت تامة لا ناقصة، ولكانت الجملة كلها فاعلا. وعلى الأول فقد يتعلق بذلك متعلق فيجيز نحو: (زيد القائم حضر) على أن يكون القائم خبرا لزيد ومبتدأ لحضر، وكقوله تعالى: قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ (٣) على أن يكون (من وجد فى رحله) خبرا عما قبله مبتدأ لما بعده، ولا
стр. 321
وأما تقييده بالشرط:
فلاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة ما بين أدواته من التفصيل، وقد بيّن ذلك فى علم النحو، ولكن لا بدّ من النظر - ههنا - فى: "إن"، و"إذا"، و"لو":
ف إن وإذا ": للشرط فى الاستقبال؛
ــ
يكاد أحد يخبر بذلك لما يلزم عليه من كون الاسم متجردا من العوامل وغير متجرد فى حالة واحدة. وقوله: (وأما تركه فلمانع منها) أى ترك التقييد لمانع من هذه الأمور، مثل: إرادة الاختصار أو انتهاز الفرصة، أو غير ذلك.
تقييد المسند بالشرط:
ص: (وأما تقييده بالشرط ... إلخ).
(ش): من أحوال المسند تقييده بالشرط مثل: (يقوم زيد إن قام عمرو) ومثل (إن قام زيد قام عمرو)، فإنه قيد فيه الجواب بالشرط، ولك أن تقول: المفيد هنا ليس المسند بل جملة كاملة من مسند ومسند إليه، ثم ذلك يكون لاعتبارات لا تعرف إلا بمعرفة معانى كلمات الشرط وما بينها من التفاوت. وقد أحال المصنف غالب ذلك على علم النحو، واقتصر على ذكر (إن) و (إذا) و (لو)، وقال: إنه لا بد من النظر فيهن لما فيهن من المعانى اللطيفة والمباحث الشريفة على خلاف فى بعض هذه الأدوات.
وأدوات الشرط إن ومن وما ومتى ومهما وأى، وأنى وأيان قليلا ظرفا زمان، وكيف وإذما، وحيثما وأين
ظرفا مكان، وكذلك لما ولولا ولوما.
و (لو) فى الغالب شرطية يعنى أنها للربط فى الماضى، وأما إطلاق المصنف أن (لو) شرط فقد تبع فيه ابن مالك، وابن مالك تبع الجزولى، قال شيخنا أبو حيان: وأصحابنا لا يعرفون ذلك انتهى. والتحقيق أنها ليست شرطا فإن الشرط يستحيل أن يكون ماضيا كما سيأتى تقريره.
ومن أدوات الشرط (إذا) فقط أو موصولة بها (ما).
ولنقدم ما تكلم عليه المصنف. أما (إن) و (إذا) فقال: إن كلا منهما للشرط فى الاستقبال، يعنى: أن فعل الشرط فيهما لا بد أن يكون مستقبل المعنى سواء كان ماضى اللفظ أو مضارعه، وهذا متفق عليه، ولا يقدح فيه قول بعضهم: إن (إذا) قد تكون للحال وإن منه قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) لأن ذلك إن ثبت فهو فى
стр. 322
لكن أصل (إن) عدم الجزم بوقوع الشرط، وأصل (إذا) الجزم بوقوعه، ولذلك كان النادر موقعا ل إن خ خ، وغلب لفظ الماضى مع إذا خ خ؛ نحو: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ (١)
ــ
إذا المجردة للظرفية لا فى المتضمنة معنى الشرط. نعم قال بعضهم: إن (إذا) لا تدل على الشرط والارتباط، بل حصول الفعلين معها بحسب الاتفاق، إذ لو لوحظ فيها معنى الشرط جئ بالفاء نحو قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ (٢)، ولا يجوز: (إن يقم زيد ما ضربته) لكن الأصل فى (إن) عدم الجزم بوقوع الشرط، فإذا قلت: (إن قام زيد) دل على أنك غير جازم بأنه سيقوم، وأصل (إذا) الجزم؛ ولذلك كان النادر أى: الذى يندر - وقوعه موقعا؛ لأن أى مكان وقوعها، فإن قلت: كيف تدخل (إن) على فعل الموت كقوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ (٣) قلت: أجاب عنه الزمخشرى بأنه لما كان مجهول الوقت ساغ ذلك فينبغى حينئذ أن يضاف إلى غير المجزوم به غير المجزوم بوقته، فإن قلت: فليجز التعليق على احمرار البسر بأن قلت:
إنما امتنع عند من منعه؛ لأن وقته معلوم بالتقريب، وإنما أتى بلفظ الأصل لأنه قد يأتى عكس هذا كما سنذكره، وكون (إذا) موضوعة للمجزوم به خلاف ما ذكره ابن مالك وغيره من أنها لما تيقن كونه أرجح، والذى يتلخص أن (إن) و (إذا) يشتركان فى عدم الدخول على المستحيل إلا لنكتة نحو: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ (٤)، وتنفردان بالمشكوك فيه والموهوم، وتنفرد (إذا) بالمجزوم به، وهل تدخل على المظنون؟ خلاف، لكن قول المصنف: أصل (إن) عدم الجزم يدخل فيه الأربع فيرد عليه المستحيل والمظنون وليس الأصل دخولها عليهما.
قال المصنف: ولأجل ذلك غلب لفظ الماضى مع (إذا)؛ لأن الفعل بعدها مجزوم به، فاستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه؛ لأن المستقبل إذا قصد تحققه يؤتى به بلفظ الماضى كقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ (٥)، ثم ذكر قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أتى فى الحسنة (بإذا)؛ لأن وقوع مطلق الحسنة مجزوم به؛ لأن الحسنة - أعنى نعم الله تعالى المحبوبة للعباد - غالبة
стр. 323
لأن المراد الحسنة المطلقة؛ ولهذا عرّفت تعريف الجنس، والسيئة نادرة بالنسبة إليها؛ ولهذا نكّرت.
ــ
على السيئة - أعنى ما يسوء الإنسان - وأتى فى السيئة (بإن) لندورها، هكذا ينبغى أن يقرر. وأما المصنف فإنه قال: أتى فى جانب الحسنة (بإذا) لأن المراد الحسنة المطلقة التى حصولها مقطوع به؛ أو كالمقطوع به، ولذلك عرفت تعريف الجنس، وفى جانب السيئة بلفظ (إن) لأن السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة ولذلك نكرت.
قلت: قد يقال: إن الإطلاق موجود فى الحسنة المعرفة تعريف الجنس، وفى السيئة النكرة، إلا أن يقال: الألف واللام الجنسية تصرف إلى الحقيقة فيكون مطلقا، بخلاف سيئة المنكر قد يكون نكرة فى المعنى بأن يكون تنكيره للوحدة.
والذى يظهر أن ما ذكره المصنف من الحكمة فى استعمال (إن) و (إذا) فى موضعهما واضح من غير اعتبار تعريف ولا تنكير. وجوّز السكاكى أن تكون الألف واللام جنسية وأن تكون عهدية، وقال: إن العهد أقضى لحق البلاغة. قال المصنف: وفيه نظر، ووجه النظر أنه قرر أن الحسنة مطلقة فكيف يجعلها للعهد وهو ينافى الإطلاق؟ وحمل كلامه على أنه يريد عهدا جنسيا، والعهد الجنسى لا ينافى الإطلاق بالنسبة إلى أنواعه، وحمل على أنه يريد بالمعهود النعمة المطلقة الموجودة فى ضمن الجزئيات، فتكون مطلقة وغير مطلقة باعتبارين، وما ذكره فى المفتاح هو معنى عبارة الكشاف. وإذا راجعت ما قدمناه فى الألف واللام من تحقيق مذهب السكاكى، وأنه يرى أن الألف واللام لا تزال عهدية اتضح لك أن ما ذكره هنا ماش على رأيه. قال الطيبى: مراد الزمخشرى بجنس
الحسنة العهد الجنسى الشائع، كما قال فى تفسير (الحمد لله): التعريف فيه للجنس، والمراد الإشارة لما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو؟ فالمراد بالحسنة الحسنة التى تحصل فى ضمن فرد من الأفراد، فتارة تكون خصبا، وتارة رفاهية، وتارة صحة، وغير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: الحسنة من الخصب والرخاء، فإن بعضا منها واقع لا محالة، وهو يصدق على كل فرد حاصلا كان أو سيكون، ومن ثم لم يجز حمل العهد على الخارجى لتشخصه، ولا على الجنس من حيث هو هو؛ فإن الحقيقة إذا أريد بها شئ بعينه مجازا حمل على المبالغة والكمال فيها، والمقام لا يقتضى ذلك، وهو المعنى بقول صاحب المفتاح؛ لكون حصول الحسنة المطلقة مقطوعا به كثرة؛ ولذلك عرف ذهابا إلى كونها معهودة أو تعريف جنس،
стр. 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأول أقضى لحق البلاغة أى المعهود الذهنى اه. وقيل: إنما قال: إنه أقرب للبلاغة؛ لأن المعهود أقرب إلى التحقق من الجنس، وجعل المصنف من ذلك: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ (١).
قلت: وهو يشهد لما قلناه من أن الإتيان (بإذا) و (إن) لمادتى الحسنة والسيئة، لا لتعريف ولا لتنكير، وإلا ورد عليه ما ذكره بهذه الآية الكريمة، فيحتاج إلى تكلف الجواب بأنه إنما نكّر رعاية للفظ الإذاقة المشعر بالقلة.
وأورد المصنف قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٢) فقد استعمل فيه (إذا) فى الطرفين، وأجاب بأنه قصد التوبيخ والتقريع فأتى (بإذا) و (بالمس) المشعر بالقلة؛ ليكون تخويفا لهم، وإخبارا بأنهم لا بد أن يمسهم شئ من العذاب.
وأورد قوله تعالى: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٣) بعد قوله تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ فإن الضمير فى مسه يعود على المعرض؛ إشارة إلى أنه لما أعرض وتكبر قطع بأن الشر يمسه؛ قلت: الواو ليست للترتيب، والذى يمسه الشر أعم من أن يكون مسه الخير قبل ذلك أولا.
(تنبيه): أورد على الشاعر القائل:
إذا هى حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها (٤)
قلت: ويمكن الجواب بأن المقصود إثبات حثّ نفسه له على الخير ومع ذلك يعصيها، وهو أبلغ فى الذم، وبذلك يعلم الجواب عن قوله: وإن همت، قلت ذلك بحثا ثم رأيته فى بعض الحواشى، وقد سبق غيرى إليه.
стр. 325
وقد تستعمل (إن) فى الجزم تجاهلا، أو لعدم جزم المخاطب؛ كقولك لمن يكذّبك:
إن صدقت، فماذا تفعل؟ خ خ، أو لتنزيله منزلة الجاهل؛ لمخالفته مقتضى العلم، أو التوبيخ وتصوير أنّ المقام - لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله - لا يصلح إلا لفرضه، كما يفرض المحال؛ نحو: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (١) فيمن قرأ (إن) بالكسر، أو تغليب غير المتّصف به على المتصف به،
ــ
ص: (وقد تستعمل (إن) فى الجزم ... إلخ).
(ش): قد تخرج (إن) عن أصلها وتستعمل فى المجزوم به، وذلك إما على سبيل تجاهل المتكلم كقول العبد لمن يطلب سيده: (إن كان فى الدار أعلمته) ليوهمه أنه غير جازم، وإما لعدم جزم المخاطب كقولك لمن يكذبك: (إن صدقت فماذا تفعل؟) لأن المخاطب يشك فى صدقه.
قلت: وينبغى أن قوله: (إن صدقت) يحمل على التعيين، وهو مشكوك فيه، وإن كان الصدق مجزوما به - وإما لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل لمخالفته مقتضى العلم، كقولك لمن يؤذى أباه: (إن كان أباك فلا تؤذه) ويصح أن يعبر عن ذلك بتنزيل المتكلم نفسه منزلة الجاهل لإيهام أن الأذى الصادر من الولد لأبيه لا يصدر إلا من الأجنبى؛ فلذلك شكك نفسه فى أنه أبوه، ويصلح للأمرين أيضا قولك لمن يؤذى الناس: (إن كنت مسلما فلا تؤذ المسلمين). وإما للتوبيخ بأن يراد أن فعل الشرط الواقع المجزوم به لقيام البراهين المقتضية لوقوع خلافه كأنه معدوم فيفرض معدوما ويعلق على الشرط كقوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً" أَنْ" كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ على قراءة الكسر، ويرد عليه أمران:
أحدهما - أن المجزوم به إسرافهم فيما مضى، والإسراف للمستقبل بالنسبة إلى العباد مشكوك فيه، وإن كان المراد: إن تبين إسرافكم الماضى لأجل كان فالتبين أيضا للعباد مشكوك فيه.
الثانى - أنه إذا كانت البراهين القاطعة تجعل الإسراف كالمستحيل، فدخول (إن) عليه خلاف الأصل، فإن المستحيل لا تدخل عليه أداة الشرط حقيقة، و (الهمزة) فى الآية الكريمة للإنكار، و (الفاء) عاطفة على جملة محذوفة، و (الضرب) مجاز عن
стр. 326
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (١) يحتملها.
ــ
الصرف، و (صفحا) مصدر من المعنى أو مفعول من أجله أو حال أى صافحين، إن جوزنا وقوع المصدر حالا فى القياس ويحترز بقراءة الكسر عن قراءة الفتح فمعناه ألأجل إسرافكم نضرب عنكم الذكر فلا تؤمرون ولا تنهون، وإما أن يؤتى (بإن) للتغليب، بأن يسند فعل الشرط إلى جماعة بعضهم مقطوع بوقوع الفعل منه، وبعضهم مشكوك فيه، فيغلب المشكوك فى وقوعه منه على غيره.
(تنبيه): حيث ورد فى القرآن الكريم (إن) وليست فى كلام محكى عمن يقع منه الشك استحال أن تكون للشك؛ لأن الله تعالى منزه عنه، وإنما هى على ما يقتضيه المقام من هذه التأويلات.
(تنبيه): قال المصنف تبعا للسكاكى فى قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ: تحتملها، أى تحتمل أن تكون للتوبيخ - كما سبق - وأن تكون لتغليب غير المرتابين من المخاطبين على المرتابين منهم، فإنه كان منهم من يعرف الحق وينكره عنادا.
قلت: لكن التغليب أن تجمع بين ما تقتضيه الكلمة وغيره، وهنا جمع فى فعل الشرط بين مجزوم بأن عنده ريبا، وهم الكفار، ومجزوم بأنه لا ريب عندهم، وهم الذين كانوا يعتقدون الحق بقلوبهم، فلم تستعمل (إن) فى شئ من حقيقتها من الشك ثم غلب عليه غيره، بل استعملت فى شيئين كل منهما غير مدلولها، وليس ذلك من التغليب فى شئ، وما هو إلا كقولك: (إن عاد أمس وطلعت الشمس غدا أكرمتك) فهو تعليق على واجب ومستحيل، وكلاهما خلاف الأصل. وقد مشى شارحو المفتاح والتلخيص على ما ذكره المصنف على ما فيه، ولا يصح كلامه إلا بتأويل، وهو أن يدعى أن بعض المخاطبين كانت حالته حال من يشك الإنسان فى أن عنده ريبا، أو لا كالمنافقين، وبعضهم كان الإنسان يعلم أن عنده ريبا، وهم الكفار الذين يقولون:
لا ندرى، كالذين قالوا: وَمَا الرَّحْمنُ (٢) فحينئذ يمكن أن يقال: بعض المخاطبين من شأنهم الخطاب (بإن)؛ لأن عند الإنسان شكّا فى أن عندهم ريبا أو لا، وبعضهم لا يشك الإنسان فى أن عنده ريبا فغلب المشكوك فى ريبه بالنسبة إلى السامعين على غير المشكوك فى ريبه، وهذا غير ما ذكره المصنف؛ ثم إن فيه من الركاكة ما لا يخفى، ولعل القطع حاصل بأنه غير مراد، وأغلب ظنى أن الوهم سرى
стр. 327
والتغليب يجرى فى فنون كثيرة؛ كقوله تعالى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١)، وقوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٢)، ومنه: أبوان، ونحوه.
ــ
لهم من أن الريب هو الشك، وأن الذهن زاغ عن الريب الذى يطلبه (إن)، وهو ريب الإنسان المتكلم إلى الريب الذى هو فعل الشرط، ثم لو ثبت للمصنف ما ادعاه فى الآية الكريمة من التغليب وقع النزاع معه ومع السكاكى فى جعله التغليب من النكت التى لأجلها تستعمل (إن) فى المجزوم به؛ وذلك لأن هذا العلم إنما يتكلم فيه فى النكت المعنوية لا اللفظية، والتغليب أمر لفظى لا يؤتى به إلا لنكتة معنوية تحمل عليه، فإن أراد المصنف أن التغليب نكتة لم يصح، وإن أراد أنه لا بد من اشتماله على نكتة معنوية لأجلها تستعمل (إن) فى الجزم فليس فى ذلك بيان لما هو بصدده، من نكتة استعمال (إن) فى الجزم، وربما كانت تلك النكتة الحاملة على التغليب هى إحدى النكت السابقة.
ثم اعلم أن السكاكى قال: وأما قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (٣)، وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ (٤) وذكر ما سبق أراد والله أعلم بقوله:
وإن كنتم فى ريب من البعث قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ لأن التلاوة إِنْ كُنْتُمْ بلا واو، والواو من كلام السكاكى عاطفة، ولا ينكر ذلك، فهو كقوله: (فى كتاب هرقل: ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ (٥) الآية فكأن المصنف توهم أن هذه الواو من القرآن الكريم فقال فى الإيضاح: وكذلك قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ (٦) وهو غلط سببه ما سبق.
ص: (ثم التغليب يجرى فى فنون ... إلخ).
(ش): لما توهم المصنف أن ما سبق محتمل للتغليب استطرد لذكر باب التغليب، وليته لم يذكره هنا؛ لعدم ثبوت أن ما سبق من التغليب، فقال: إن التغليب يجرى فى فنون، كقوله تعالى:
وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ غلب فيه المذكر على المؤنث. وقد يكون بتغليب المخاطب على غيره، كقوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أصله يجهلون بالياء فغلب؛ لأن قوما فى معنى المخاطب.
стр. 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: وفى تسمية هذا تغليبا نظر، إنما فيه مراعاة المعنى. ومن تغليب المخاطب على غيره قوله تعالى: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا (١) فأدخل ﵊ فى لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا بحكم التغليب ولم يكن فى ملتهم أصلا، ونظيره قوله تعالى: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ (٢). ومن التغليب قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٣) فإن لعلكم متعلق فى المعنى بخلقكم، والمراد بتتقون هو والذين من قبلهم.
ومن تغليب العاقل على غيره قوله تعالى: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ (٤).
(تنبيه): للتغليب بالتثنية مواضع كثيرة فمنها قولهم: أبوان، للأب والأم، وفيه تغليب المذكر على المؤنث، ومنها: الخافقان، ذكره السكاكى وغيره وهما المشرق والمغرب، فإن الخافق حقيقة هو المغرب، على أن تسمية المغرب خافقا مجاز؛ لأن المغرب ليس خافقا بل مخفوق فيه، ومن التغليب العمران لأبى بكر وعمر، قال ابن الشجرى: ومن زعم أنهم أرادوا بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشئ؛ لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، ويروى أنهم قالوا لعثمان رضى الله عنه: نسألك سيرة العمرين، وإليه ذهب أبو عبيدة، ونقل فى إصلاح المنطق عن قتادة أنه سئل عن عتق أمهات الأولاد فقال: أعتق العمران فما بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد، فأراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلا تغليب.
ومنها ما نقله الحاتمى عن الأصمعى قوله:
ألا من بلّغ الحرّين عنّى ... مغلغلة أخصّ بها أبيّا (٥)
وإنما هما الحر وأبى؛ أخوان، ومنها قولهم: البصرتان، للبصرة والكوفة، وقول قيس بن زهير:
стр. 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جزانى الزهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء يجزى بالكرامه (١)
وإنما هما: زهدم وقيس من بنى عبس. ومنه القمران، للشمس والقمر، قال ابن الشجرى: وهو المراد فى قول المتنبى:
واستقبلت قمر السّماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا (٢)
وقال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (٣)
وسأل الرشيد من حضر مجلسه عن المراد بالقمرين، فقيل: أراد النبى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسّلام - وبالنجوم الصحابة فأعجبه ذلك ورآه مناسبا لحال الفرزدق؛ فإن نسبه يتصل بهذا النسب الكريم، وبهذا التفسير جزم ابن الشجرى، وكان الوالد يستحسنه. ومنها: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ (٤) المشرق والمغرب، وكذلك المغربان. ومنها: المصعبان، لمصعب بن الزبير وابنه عيسى، وقيل: مصعب بن الزبير وعبد الله أخوه، وقالوا لعبد الله بن الزبير وأخيه مصعب: الخبيان، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب. ومنها: العمران فى قول قراد بن حبش الصاردى:
إذا اجتمع العمران عمرو بن جابر ... وزيد بن عمرو خلت ذبيان تبّعا (٥)
ومنها: الأحوصان؛ وهما الأحوص بن جعفر بن كلاب، وعمرو بن الأحوص.
ومنها: الحنتفان، وهما الحنتف وسيف ابنا أوس بن حميرى. ومنها: البحتران؛ وهما
стр. 330
ولكونهما لتعليق أمر بغيره فى الاستقبال كان كلّ من جملتى كلّ فعلية استقبالية،
ــ
بحتر وفراس ابنا عبد الله بن سلمة. ومنها: الأقرعان، وهما الأقرع بن حابس وأخوه مزيد. ومنها: الطليحتان، طليحة بن خويلد الأسدى وأخوه حيال. ومنها: الخزيمتان، والربيبتان، من باهلة بن عمرو، وهما خزيمة وربيبة. قال ابن الحاجب فى أماليه:
شرطه تغليب الأدنى على الأعلى؛ لأن القمر دون الشمس، وأبو بكر أفضل من عمر، وقد يرد عليه: البحران، للملح والعذب، فغلب فيه البحر الملح وهو أعظم من العذب، وعكس ذلك غير ابن الحاجب فقال: شرطه تغليب الأعلى على الأدنى، كما نقله الطيبى فى شرح التبيان، وقال ابن رشيق فى العمدة: إن الكسائى قال: إن التغليب فى العمرين إنما هو لكثرة الاستعمال؛ فإن أيام عمر أطول من أيام أبى بكر - رضى الله عنهما - وكذلك ذكره ابن الشجرى.
(تنبيه): كما تستعمل (إن) فى المجزوم به تستعمل فى المستحيل، وكلاهما خلاف الأصل، كقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ (١) على المشهور، وقيل: (إن) فى الآية المذكورة نافية، معناه ما كان له ولد فأنا أول العابدين له.
ص: (ولكونهما لتعليق أمر بغيره فى الاستقبال ... إلخ).
(ش): أى لكون (إن) و (إذا) وكان ينبغى أن يقول: لكون كل منهما، كما قال فيما بعد: لتعليق أمر، وهو الجواب بغيره، وهو الشرط فى الاستقبال، وليس قوله فى الاستقبال تقييدا لقوله: لتعليق أمر؛ لأن كل تعليق لا يكون إلا على مستقبل، والتعليق فى (لو) و (لما) لا حقيقة له، بل هو تركيب يتضمن ارتباطا ما، بل مراده أن يذكر الداعى لما سنذكره من كونها فعلية.
(قوله: كان كل من جملتى كل فعلية استقبالية) أى: ليظهر بذلك موضوعها الاستقبالى، ولم تكن اسمية لدلالتها على الثبوت، وهو غير الاستقبال، وقوله: استقبالية، يعنى أنها بلفظ المضارع، ولا يعنى مستقبلة المعنى؛ لأن ذلك أمر لا يخالف أبدا لا لنكتة ولا لغيرها، ولو اجتنب ألفاظ الاستقبالية لكان أحسن؛ لأنه إنما يستعمل فى الفعل الدال على المستقبل سواء كان مضارعا أم لا.
стр. 331
ولا يخالف ذلك لفظا إلا لنكتة؛
ــ
ص: (ولا يخالف ذلك لفظا إلا لنكتة).
(ش): مخالفة ذلك تكون بأحد أمرين: الأول - أن يقعا ماضيين لفظا، يشير إلى أنه إذا أتى بفعل الشرط ماضيا لفظا كان معناه الاستقبال. وما ذكره من كون فعل الشرط والجواب مستقبلين هو مذهب الجمهور، وذهب المبرد إلى أن فعل الشرط إذا كان لفظ (كان) بقى على حاله من المضى؛ لأن (كان) جردت عنده للدلالة على الزمان الماضى، فلم تغيرها أدوات الشرط، وجعل منه قوله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ (١)، إِنْ كانَ قَمِيصُهُ (٢) والجمهور على المنع، وتأولوا ذلك كله إما على التبين أو غير ذلك، وكذلك الجواب لا يكون إلا مستقبلا. ومن العجائب أن ابن مالك لا يجوز أن يكون فعل الشرط ماضى المعنى (بكان) ولا غيرها، ثم يجوز أن يكون فعل الجواب ماضى اللفظ والمعنى مقرونا بالفاء مع (قد) ظاهرة أو مقدرة كقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (٣) وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ (٤). وكيف يتصور أن يكون الشرط مستقبلا والجواب ماضيا؟
فيلزم حينئذ تقدم المشروط على الشرط وهو محال عقلا! والصواب تأويل ذلك كله على حذف الجواب أو غيره، إلا أن التأويل على حذف الجواب مشكل فى نحو: إِنْ يَسْرِقْ فإن البصريين لا يجوزون حذف الجواب إذا كان فعل الشرط مضارعا مجزوما.
واعلم أنه قد وقع فى عبارة الزمخشرى فى قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (٥) على قراءة الرفع الشاذة يجوز أن يحمل أينما تكونوا على أينما كنتم فيكون كقول زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب مالى ولا حرم (٦)
стр. 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفهم الشيخ أبو حيان منه أنه أراد أن الجواب محذوف، فرد عليه بما ذكرناه، وفى رده نظر؛ لأن الزمخشرى قد اعتذر عن ذلك بأن قال: إنه حمل تكونوا على كنتم، فهو لا يسلم أن فعل الشرط المضارع المحمول على الماضى لا يحذف جوابه، وليس فى كلام غيره تصريح بذلك. ثم إنه لم يذكر أن الجواب محذوف، فجاز أن يكون فرعه على جواز (إن يصرع أخوك تصرع) جوابا مع كونه مرفوعا كما هو أحد المذهبين فيه، والسر فى كون جملتى الشرط والجواب فعليتين مستقبلتين أن الماضى محقق وجوده أو عدمه، فإن قلت:
قوله : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ (١) إلى إِنْ وَهَبَتْ (٢) وقع فيه أحللنا المنطوق به، أو المقدر على القولين جواب الشرط مع كون الإحلال قديما فهو ماض. قلت:
المراد إن وهبت فقد حلت فجواب الشرط بالحقيقة الحل المفهوم من الإحلال، لا الإحلال نفسه، وهذا كما أن الظرف من قولك: قم غدا، ليس هو لفعل الأمر بل للقيام المفهوم منه.
والأمر الثانى الذى يأتى على خلاف ذلك أن تأتى جملة الجواب اسمية كقوله تعالى:
أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣) وإنما كان على خلاف الأصل؛ لأن الاسم دال على الثبوت والتحقق، والتعليق ينافى ذلك.
واعلم أن كلا من فعلى الشرط والجواب قد يكون ماضيا لفظا أو مضارعا مثبتا أو منفيا فيحصل من مجموع الفعلين تسعة أقسام كلها جائز، إلا أن فى كون فعل الشرط مضارعا مع كون فعل الجواب ماضيا خلافا، منعه جماعة، وجوزه ابن مالك استدلالا بقول عائشة - رضى الله عنها -:" متى يقم مقامك رق" (٤) وأحسنها المشاكلة
стр. 333
كإبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل لقوّة الأسباب، أو كون ما هو للوقوع كالواقع، أو التفاؤل، أو إظهار
الرغبة فى وقوعه؛ نحو: إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام خ خ؛ فإنّ الطالب إذا عظمت رغبته فى حصول أمر، يكثر تصوّره إياه، فربّما يخيّل إليه حاصلا؛
ــ
بينهما، وأحسنها أن يكونا مضارعين لظهور تأثير عمل (إن) فيهما، ثم ماضيين للمشاكلة فى عدم التأثير، ثم أن يكون الأول ماضيا والثانى مضارعا؛ لأن فيه الانتقال من عدم التأثير إلى التأثير. والأقسام التسعة فى الحسن على هذا الترتيب:
الأول: إن يقم زيد يقم عمرو.
الثانى: إن لم يقم زيد لم يقم عمرو وحسنه على ما بعده للمشاكلة، ولكونه فعلا مضارعا فى اللفظ فهو موافق لمعنى الاستقبال.
الثالث: إن قام زيد قام عمرو.
الرابع: إن لم يقم زيد يقم عمرو.
الخامس: إن لم يقم زيد قام عمرو.
السادس: إن قام زيد يقم عمرو.
السابع: إن قام زيد لم يقم عمرو.
الثامن: إن يقم زيد قام عمرو.
التاسع: إن يقم زيد لم يقم عمرو.
وأخذ المصنف فى تعداد أسباب مجئ فعل الشرط ماضى اللفظ، فذكر منها أن يجعل غير الحاصل كالحاصل، وهذا الجعل مقتضى ظاهر اللفظ لا فى نفس الأمر، فإن الفرض أن الفعل مستقبل المعنى، ولو قال: لإيهام جعل غير الحاصل كالحاصل لكان أحسن، ومثل ذلك بقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً (١).
ومنها: أن يقصد تفاؤل المتكلم بوقوعه فيعبر عنه بلفظ الماضى أو لإظهار المتكلم رغبته فى وقوعه نحو: إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام.
قوله: فإن الطالب إذا عظمت رغبته فى حصول أمر يكثر تصوره إياه فربما يخيل إليه حاصلا، وفيه نظر لأنه يقتضى أن يكون الفعل حينئذ ماضى المعنى، وليس كذلك ولا هو مراد.
стр. 334
وعليه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (١).
السكاكى: أو للتعريض؛ نحو: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (٢)،
ــ
قوله: وعليه إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً مثال لإظهار الرغبة، فالمصنف لف قسمى التفاؤل وإظهار الرغبة، ثم نشر مثالهما، وقد يقوى التخيل حتى إن الإنسان يغلط حسه كقول المعرى:
ما سرت إلا وطيف منك يصحبنى ... سرى أمامى وتأويبا على أثرى (٣)
الطيف: الخيال، والتأويب: السير نهارا، مشتق من الأوب وهو العود؛ لأن الغالب أنهم يسيرون ليلا ويأتون إلى منازلهم نهارا. قال السكاكى: وقد يؤتى بالماضى لإرادة التعريض؛ وهو أن يخاطب واحد ويراد غيره، نحو: لَئِنْ أَشْرَكْتَ فإن قلت:
أى مناسبة فى ذلك للفظ المضى؟ قلت: لأن المخاطب إذا علم من نفسه أنه ليس بذلك الوصف، ووجد الفعل ماضيا علم أنه تعريض لغيره ممن وقع منه فى الماضى، لا يقال:
المقصود التعريض بمن يقع منه الشرك ماضيا أم مستقبلا؛ لأنا نقول: تحذير من وقع فى الشرك هو أشد عناية لإزالة المفسدة الحاضرة. فإن قلت: ما الذى صرف هذا الخطاب عن أن يراد به النبى؟ قلت: لأن الأصل فى (إن) دخولها على الممكن، والشرك فى حقه مستحيل شرعا، فجعلناه خارجا عن الأصل تنزيلا للاستحالة الشرعية منزلة الاستحالة العقلية، ولا سيما والفعل بصيغة المضى التى لا تستعمل غالبا إلا فى المتوقع.
فإن قلت: قولكم: (المراد غيره) هل تعنون به أن ضمير المخاطب المفرد استعمل فى الغائب مجازا؛ فلا يكون النبى مخاطبا إلا فى الصورة لا فى المعنى؟ قلت: لا بل النبى خوطب لفظا ومعنى ولكن أريد بخطابه إفادة لازمه، وهو أن غيره إذا أشرك حبط عمله، فهو من نوع الكناية، كقولنا: زيد طويل النجاد، فالنبى مراد فى الآية الكريمة استعمالا، وغير مراد إفادة، كما سترى تحقيقه فى الكناية، لا يقال: فيلزم من كونه مرادا بالضمير أن يكون الشرك بالنسبة إليه هو المراد؛ لأنا نقول هو من نوع الكناية التمثيلية، لأنك تقول: زيد كثير الرماد كناية عن كرمه، وإن لم يكن له رماد ولا طبخ، فتسمى هذه كناية تمثيلية. ونظير ما تقدم فى
стр. 335
ونظيره فى التعريض: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (١) أى: وما لكم لا تعبدون الذى فطركم؛ بدليل: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ووجه حسنه: إسماع المخاطبين الحقّ على وجه لا يزيد غضبهم، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، ويعين على قبوله؛ لكونه أدخل فى إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه.
ــ
التعريض وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ المراد: وما لكم لا تعبدون الذى فطركم بدليل: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فإن قلت: قد تقدم: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ التفات، والمعنى وإليه أرجع، فإذا كان تعريضا لا يكون فيه التفات، بل يكون عبر فى الأول بياء المتكلم عن المخاطبين، فهذا مناقض لما سبق؟ قلت: ليس كذلك، ولا منافاة بين الكلامين؛ فإن التعريض ليس من شرطه أن يراد به غير ظاهر اللفظ؛ بل يراد ظاهره لا لقصده، بل يكون المقصود بالكلام غيره، كما يخوف الملك ولده ليحذر غيره من خدمه تأسيا من باب أولى، فقوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ المراد به المتكلم، ولكنه إذا قال لنفسه ذلك كان فيه من التعريض بأن كل أحد ينبغى أن يكون كذلك ما لا يخفى كما سبق. وقوله: والمراد وما لكم، أى: الذى سبق الكلام لأجله، لا أن المتكلم غير مراد، وهذا الباب يسمى الكلام المنصف ومثله:
أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء (٢)
لأن من سمعه من معاد وموال يقول: أنصف قائله. ومنه: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ (٣) وقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٤) فإنه لو جرى على الظاهر لجاء لا تسألون عما نعمل ولا نسأل عما أجرمتم. ووجه حسنه إسماع المخاطبين الحق على وجه لا يغضبهم، فإنه ليس فيه التصريح بنسبتهم إلى الباطل، وصرفه إلى المتكلم إشارة إلى أنه لا يريد لهم إلا ما أراده لنفسه. قلت: ومن هنا يعلم أن ضمير المتكلم فى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي على وضعه. ووجه الحسن فى قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ (٥) إشارة إلى النصفة التامة، وأن أعز خلق الله عليه حكمه حكم غيره فى تحريم الإشراك عليه.
стр. 336
و (لو): للشرط فى الماضى،
ــ
ص: (ولو للشرط فى الماضى ... إلخ).
[عبارات النحاة في «لو» شرطيه]
(ش): للنحاة فى (لو) الشرطية عبارات:
الأولى: عبارة سيبويه أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ومدلول هذه العبارة عند التحقيق أن (لو) لما لم يقع فى الماضى، ولكنه كان فى الماضى متوقعا لوقوع غيره.
وإنما ذكر سيبويه هذه العبارة لأن أدوات الشرط لكل منها مدلول، فمنها (إذا) و (إن) مثلا، للمستقبل و (لو) و (لما) للماضى، وهما متنافيان؛ فلو للامتناع، ولما للوجوب، فإذا قلت: لو قام زيد قام عمرو، دلت على الربط بينهما فى الماضى وهما ممتنعان، وإذا قلت: لما قام زيد قام عمرو، دلت على الربط بينهما فى الماضى، وهما واجبان، فلما حرف لما وقع لوقوع غيره وإن وإذا حرفان لما يقع لوقوع غيره شكا فى الأولى وظنا فى الثانية. و (لو) بخلافهما لما لم يقع فى الماضى، ولكنه كان متوقعا لوقوع غيره، والسين يدل على التوقع، وأتى سيبويه بكان احترازا عن (إن)، وأتى بالفعل المستقبل احترازا من (لما)، وأتى بالسين لأنه لو أتى بالمضارع مجردا عن السين احتمل أن يكون واقعا فى الماضى، وليس مصحوب (لو) كذلك، فأتى بالسين الدالة على كونه لم يكن حينئذ لضرورة استقباله وتوقعه، فهى مصرحة بأنه لم يكن وقع، ولا هو واقع ذلك الوقت؛ لأنه لو وقع، فيما مضى لصدق عليه أنه كان قد وقع لا أنه كان سيقع؛ لأن ظاهر قوله: كان سيقع، أنه لم يزل فى الزمن الماضى كذلك، وإنما هو متوقع لوقوع غيره، فحسن دخولها فى هذا الموضع كما حسن فى قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (١) وتأمل ذلك تجده لم يأت إلا فى مواضع نفى المستحيل، أو المنزل منزلة المستحيل. فهذا تحرير عبارة سيبويه؛ وأما تحرير معناها فالذى يبتدر إلى الذهن أن معنى كلامه أن (لو) تدل بالمطابقة على أن وقوع الثانى كان يحصل على تقدير وقوع الأول، وتدل بالالتزام على امتناع وقوع الثانى لامتناع وقوع الأول؛ لأنه إذا كان وقوع الثانى لازما لوقوع الأول فعدم اللازم يدل على عدم الملزوم.
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانية: وبها عبر الأكثرون أنها حرف امتناع لامتناع، واختلفوا فى المراد بها على قولين:
أحدهما - وهو الذى لم يذكر الجمهور غيره أنه امتنع الثانى لامتناع الأول فلا يكون فيها تعرض للوقوع على تقدير الوقوع إلا بالمفهوم الثانى أنها تدل على امتناع الأول لامتناع الثانى، وسنوضح فساده. واعلم أن الذى يبتدر إلى الذهن من هذه العبارة أمور: أحدها - أنها تدل على امتناعين، وفيه نظر؛ لأن مدلولها أن (لو) تدل على امتناع الثانى، وعلة ذلك امتناع الأول، فامتناع الأول يعلم باللازم؛ لأنه لو لم يمتنع لما امتنع الثانى؛ لأنه يلزم من عدم اللازم عدم اللزوم، لا أن امتناعه جزء من مدلولها، بل علة له، وعلى القول الثانى - مدلولها امتناع الأول لأجل الثانى وفرق واضح بين قولنا: مدلول هذه الكلمة كذا وكذا، وبين قولنا: مدلولها كذا لأجل كذا.
الثانى - أن ما دخلت عليه اللام فى قولهم: لامتناع، هو العلة الفاعلية، وكان يحتمل أن يقال: هى العلة الغائية كقولك: أسلمت لأدخل الجنة، ويكون معناه: حرف امتنع فيه الأول ليمتنع الثانى، فامتناع الثانى علة غائية، وهو مترتب على امتناع الأول، وحاصله أنها اقتضت امتناع فعل الشرط، وأن امتناعه يستلزم امتناع الجواب، وهذا وإن كان بعيدا فسيأتى ما يقربه. وهذا المعنى هو الذى فسر به الشيخ أبو حيان فى أول كلامه، وقد تحصلنا من هاتين العبارتين على ثلاثة أقوال.
الثالث - أن دلالة (لو) على الامتناعين بالمنطوق، وهذا هو الذى يظهر؛ لكن الذى يقتضيه كلام بدر الدين بن مالك فى تكملة شرح التسهيل أنه بالمفهوم، وفيما قاله نظر.
العبارة الثالثة - وبها عبر ابن مالك: حرف يقتضى امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه؛ يريد بهذه العبارة كما صرح به فى شرح الكافية أنه يقتضى امتناع فعل الشرط واستلزامه ثبوته لثبوت الجواب، فالضمير فى قوله: (واستلزامه) يعود على المضاف إليه، وهو قوله: ما يليه، لا على المضاف وهو امتناع، وصرح ابن مالك بأنه ليس فيها عنده تعرض لوقوع الجواب أو عدمه، إلا أن الأكثر عدمه، وهى
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبارة متوسطة بين عبارة سيبويه والأكثرين؛ لأن عبارة سيبويه تقتضى أن موضوعها ثبوت لثبوت، وعبارة غيره امتناع لامتناع. وعبارته تقتضى امتناعا للشرط، وثبوتا للجواب، بتقدير ثبوت الشرط. والثبوتان المذكوران فى عبارة سيبويه فرضيان، والامتناعان المذكوران فى عبارة الجمهور حقيقيان. والثبوت المذكور فى عبارة ابن مالك فرضى، والامتناع المذكور فيها حقيقى.
الرابعة - أنها إن كان بعدها موجبان؛ فهى حرف امتناع لامتناع، أو منفيان؛ فحرف وجود لوجود، أو الأول منفى والثانى مثبت، أو بالعكس: فحرف امتناع لوجود، أو بالعكس.
وهذا القائل توهم أن قولنا: (لو لم يقم زيد لم يقم عمرو) حرف يقتضى وجود الأمرين؛ فليس امتناعا. وهو وهم؛
لأن المراد امتناع ما يليها من نفى أو إثبات.
الخامسة - أنها حرف يقتضى ربط الجواب بالشرط، لا يدل على امتناع ولا غيره، وإليه ذهب الشلوبين، وهذا أخذ بمنطوق عبارة سيبويه وأعرض عن مفهومها.
(تنبيه): أورد كثير من العلماء على قولهم: إن (لو) حرف امتناع لامتناع مواضع يسيرة قد يظن أن جواب لو فيها غير ممتنع، وأشكلت هذه المواضع على الشلوبين (١) من النحاة وعلى الخسروشاهى (٢) من الأصوليين؛ حتى ادعيا أن (لو) لمجرد الربط، وعلى ابن عصفور حتى ادعى أنها فيها بمعنى إن، وادعى جماعة أن الجواب الممتنع محذوف، وأجاب القرافى بأن لو كما تأتى للربط تأتى لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه قطع الربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك، كما لو قال القائل: لو لم يكن هذا زوجا لم يرث؛ فتنزل لو لم يكن زوجا لم يحرم الإرث،
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أى لكونه ابن عم، وادعى أن هذا الجواب خير من ادعاء أن (لو) بمعنى (إن) لسلامته من ادعاء النقل، ومن حذف الجواب. وليس كما قال: فإن كون (لو) تستعمل لقطع الربط لم يقله أحد، ولم يدل عليه دليل، وهو ادعاء قاعدة كلية مخالفة للأصل، بخلاف ادعاء أنها بمعنى إن، وأن الجواب محذوف؛ فإن الأول قال به جماعة، والثانى كثير.
وها أنا أذكر هذه المواضع وما يظهر من جوابها وأذكر - إن شاء الله تعالى - معها مواضع كثيرة لم يتنبهوا لها.
فمنها: صحة قولك لما ليس بإنسان: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا؛ لأنه يقتضى امتناع الحيوانية لامتناع الإنسانية، وليس كذلك؛ لأن عدم الأخص لا يلزم منه عدم الأعم. وهذا أورد على منطوق العبارة الثانية، ولا يرد على عبارة سيبويه إلا من جهة مفهومها. وجوابه: أن الحيوانية توجد بأحد أمور، منها: الإنسانية، وأن الإنسانية سبب، ولا يلزم من عدمه عدم المسبب لوجود سبب آخر، والسبب وإن لزم من عدمه عدم المسبب فإنما ذلك لذاته، فإذا كان للمسبب سبب آخر فإن المسبب حينئذ يوجد بذلك السبب الآخر، وكذلك الحيوانية إذا عدمت الإنسانية قامت بنوع آخر.
ومنها: قوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (١) إن قلنا بالعبارة الثانية لزم أن يكون النفاد موجودا، وهذا لا يرد على عبارة سيبويه منطوقا؛ وإنما يرد عليها من جهة مفهومها.
وأجيب عنه بأن مفهوم الشرط مفهوم مخالفة، ومفهوم المخالفة إذا عارضه مفهوم الموافقة قدم مفهوم الموافقة، وهنا مفهوم الموافقة يقتضى عدم النفاد؛ لأن كلمات الله إذا لم تنفد مع سبعة أبحر، فأولى أن لا تنفد مع عدمها، كما تقول: (إن أساء إلىّ زيد أحسنت إليه)، ذكر هذا الجواب جماعة. وأما الجواب عن عبارة الجمهور فلم أر فيه ما يثلج فى الخاطر، وقد خطر لى عنه جواب أرجو أن يكون هو الصواب، وأن ينحل به غالب ما لعله يورد، وأقدم عليه مقدمات. إحداها: أن النفاد ليس عبارة عن مطلق الفناء، وإن أطلق ذلك كثير، بل عبارة عن فناء آخر جزء من الشئ، فإذا قلت: (نفد مال زيد) فمعناه أنه خرج شيئا فشيئا إلى أن فرغ، هذا هو الذى يبتدر منه إلى الذهن،
стр. 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويشهد له النقل، قال القاضى عياض فى المشارق: نفد: أى: فرغ وفنى، قال تعالى:
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي (١)، ومثله الحديث:" حتى نفد ما عنده" (٢).
ونقل ابن الأثير عن أبى حاتم فى حديث القيامة:" ينفدهم البصر" (٣) أنه بالمهملة، وأن معناه يبلغ أولهم وآخرهم ويستوعبهم. اه. ويقال: استنفد وسعه: أى: استفرغه، وقال الصاغانى: الانتفاد: الاستيفاء. وفى المحكم عن الزجاج: ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (٤) معناه: ما انقطعت، والمنافد الذى يحاج صاحبه حتى تنقطع حجته فتنفد، وكذلك قال الأزهرى، وقال تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥) أى فراغ.
الثانية: إذا كان جواب (لو) قضيتين إحداهما منفية، والأخرى مثبتة؛ فإنها تدل على امتناع مجموع النفى والإثبات، فإذا قلت: (لو جاء زيد لأكرمته وما صحبته)، دل على أنه بتقدير ثبوت المجئ يثبت مجموع الأمرين، ودل على امتناع المجئ وأن امتناعه أوجب امتناع المجموع من ثبوت الإكرام ونفى الصحبة، فلا يدل ذلك على أن الإكرام لم يقع والصحبة قد وقعت، بل صدق امتناع وقوع الإكرام ونفى الصحبة، يحصل بذلك ويحصل بأن لا يقع واحد منهما، ويحصل بأن يقعا معا، وهذه قضية قطعية؛ لأن الإثبات الكلى إنما يناقضه السلب الجزئى، وحاصله أن (لو) تقتضى امتناع مجموع ما دخلت عليه، ومجموع جوابها، لا امتناع كل فرد من أفراد كل منهما. ألا ترى إلى قوله تعالى:
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (٦)، وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٧)، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (٨) فإن الممتنع فى كل ذلك هو المجموع لا كل فرد.
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالثة: مفهوم الصفة حجة كما هو مقرر فى موضعه، والقول بالمفهوم فى (لو) على الخصوص كالمتفق عليه؛ أعنى مفهوم الشرط ومفهوم الصفة قريب منه، فإذا قلت:
(لم يعجبنى قيام زيد) اقتضى أن له قياما غير معجب، وإن كانت هذه سالبة محصلة لا تستدعى حصول موضوعها كما تقرر فى المنطق، لكن ذلك بمعنى أن حصول الموضوع فيها غير محقق، أما الدلالة عليه بالمفهوم فلا إشكال فيه، فإذا قلت: (لو قام زيد لما أعجبنى قيامه) فقولك: لما أعجبنى قيامه يدل لفظا على أن له قياما، وأنه غير معجب بتقدير الشرط، أما إنه غير معجب فلأنه منطوق اللفظ وأما أن له قياما فلأنك جعلت عدم إعجاب قيامه مرتبا على قيامه، فصار ثبوت الموضوع وهو القيام قيدا فيه، فليس كقولك: (ما أعجبنى قيام زيد) حتى لا يكون بالوضع تفيد وقوع القيام، بل هو كقولك: (ما أعجبنى القيام الذى وقع من زيد) فالجواب حينئذ سالبة تستدعى حصول موضوعها فى تحقق صدقها بالفعل، وكذلك: (إن قام زيد لم يعجبنى قيامه) و (لو) تدل على امتناع الجواب
وامتناع (ما أعجبنى قيام زيد) مرتب على امتناع القيام الذى هو شرط (لو)، فيصير المعنى لما امتنع قيامه امتنع نفى إعجاب قيامه، ونفى إعجاب قيامه لا يصدق حتى يكون له قيام كما سبق، فصار نفى إعجاب القيام يستدعى القيام لأنه شرطه ودلت (لو) على امتناع القيام، وعلى أن امتناعه شرط لامتناع (ما أعجبنى قيامه)، و (ما أعجبنى قيامه) دال على وقوع القيام، وعدم إعجابه، فامتناعه يصدق بأن لا يقع قيام بالكلية فيمتنع حينئذ أن يقال: (لم يعجبنى القيام) لما يدل عليه مفهومه من وقوع القيام بأن يقع قيام معجب، لكنه قد دل الشرط وهو (لو قام) على أن الواقع من هذين هو امتناع القيام، فتعين أن يكون المراد بما دل عليه الجواب من امتناع (ما أعجبنى قيامه) هو امتناع القيام الذى دل عليه مفهوم قولك: (ما أعجبنى قيامه)، لا أنه وقع قيام معجب؛ إذ لا يمكن وقوع قيام مترتب على امتناع القيام، وحينئذ ينحل الكلام إلى قولنا: امتنع وقوع القيام، وكونه غير معجب، وذلك صادق بأن لا يقع قيام بالكلية. إذا تقرر ذلك: فالنفاد عبارة عن استيفاء العد بعد الشروع فيه، وكلمات الله - سبحانه - وهى علمه وحكمته لم يحصل الشروع فى عدها واستمداد العباد لذلك، وحينئذ فعدم النفاد
стр. 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المستلزم للعد لم يقع، وذلك صادق بأن تكون كلمات الله ما شرع فى عدها، فامتنع عند امتناع كون (ما فى الأرض من شجرة أقلاما) أن يقال: ما نفدت لا لأنها نفدت بل لأنها ما استمد العباد لاستيفائها ولا وجهوا لذلك قصدا. وحاصله أن جواب (لو) مجموع أمرين إثبات، وهو العد، وعدم، وهو أنها لم تنفد، وامتناع الأول يقتضى امتناع مجموع القضية، ولو لم يكن لفظ النفاد يدل على الفراغ بعد الشروع فالجواب صحيح بأن نقول: المعنى لو كان الأمر كذلك لاستوفى العباد ولم يحصل النفاد، لكنه لم يقع ذلك؛ لأنهم ما استمدوا البحار لعدم وجودها. وهذا جواب لا غبار عليه، ولا مزيد على حسنه، وإذا ثبت ذلك فانقله إلى كل موضع كان فيه جواب الشرط معه قيد، مثل: (لو أساء إلىّ زيد لما قابلته) أو (لما أكرمته إكراما كثيرا) وغير ذلك، فإنه ينحل به كثير من الإشكالات.
ومنها: قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (١) فلو امتنع الجواب لكان التقدير: لكنهم آمنوا وإن لم يشأ الله، وهو محال، وجوابه ما تقدم أى ما كانوا ليؤمنوا بهذه الأمور إلا أن يشاء الله، فامتناع أنهم لا يؤمنون بهذه الأمور إلا أن يشاء الله صادق بعدم وجدان هذه الأمور، والأمر كذلك إذ المراد لامتنع إيمانهم بهذا التقدير.
ومنها: قوله : إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ (٢) فإن انتفاء الإجابة ليس ممتنعا، وهذه الآية الكريمة لا ترد؛ لأن الظاهر أن (لو) فيها بمعنى (إن)؛ لأن التقدير: ولو سمعوا الدعاء المذكور،
والدعاء المذكور مستقبل؛ لأنه دخلت عليه (إن) الاستقبالية، ولو سلمنا أنها امتناعية، فامتناع ما استجابوا يكون إما بالاستجابة أو تقدم الدعاء والمقصود الثانى.
ومنها: قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (٣) فإن امتناع الجواب يستلزم أنهم مؤمنون، وجوابه ما سبق إيمانهم بكتاب ينزل على بعض الأعجمين صادق بعدم إنزاله.
стр. 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا (١) فإن امتناع الجواب بأن يكونوا زادوهم غير الخبال! وجوابه بأن امتناع كونهم ما زادوهم بالخروج إلا الخبال صادق بعدم الخروج، ويخص هذه الآية الكريمة جواب آخر وهو أنه يصدق الامتناع أن لا يزيدوهم شيئا لا خبالا ولا غيره، والأمر كذلك؛ لأن ما زادوكم إلا خبالا يقتضى إثبات زيادة الخبال بتقدير الخروج، وهو ممتنع عند عدم الخروج.
ومنها: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ (٢) وجوابه ما سبق؛ لأن امتناع صدق عدم القبول يحصل بأن لا يكون لهم ذلك، ونظيرها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (٣) ويحتمل أن تكون (لو) فيهما بمعنى (إن) وهو واضح فى الثانية؛ لأجل (فلن يقبل).
ومنها: قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ (٤) إن لم تكن فيه (لو) بمعنى إن فالتقدير: لو كانوا آباءهم لم تجدهم يوادونهم موادة الأولاد للوالدين، فامتناع ذلك بأن لا يكونوا آباءهم.
غير أن المعنى فى الآية على أنها بمعنى (إن)؛ لقرينة قوله: لا تجد خ خ، ولأن الذين يحادون منهم من هو أب للمؤمنين، كالخطاب وعبد الله بن أبى بن سلول والوليد.
ومنها: قوله : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (٥) إلا أن الظاهر أن (لو) هنا بمعنى (إن)؛ لأنه فى حيز (وإن تدع)، وهو مستقبل بإن، ولو جعلتها امتناعية كان التقدير: ولو كان ذا قربى ودعت لم يحمل ذو القربى حملا ينشأ عن قدرته إذ ذاك عن الحمل عن غيره.
ونظير الآية الكريمة قوله سبحانه: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (٦)، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (٧).
стр. 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (١) وجوابه ما سبق، فإن المعنى لما امتثل الأمر إلا قليل، وامتناع ذلك يصدق بأن لا أمر، وأيضا يصدق ذلك بأن المخاطبين لم يقتل أحد منهم نفسه، فيصدق الامتناع لما دل عليه الاستثناء من قتل القليل نفسه إذا كتب عليه القتل.
ومنها: قوله تعالى: وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢) وجوابها كما قبلها.
ومنها: قوله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ (٣) والظاهر أنها بمعنى (إن)؛ لأن التقدير: لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا، وكونهم لم يؤمنوا لم يمتنع، وجوابه كالذى قبله؛ لأن امتناع لا يؤمنون بكل آية يصدق بأن لا تأتى جميع الآيات، إلا أن الظاهر أنا نقدر الجواب لا يؤمنون كالمنطوق به قبله، وحينئذ فالظاهر أنها بمعنى (إن) وقريب مما نحن فيه قوله تعالى: أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤) وقوله : أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً (٥) وأما نحو: وَلَوْ حَرَصْتَ (٦)، وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (٧)، وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ (٨)، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (٩)، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (١٠)، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١١)، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (١٢)، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ (١٣) فقد صرحوا أن (لو) فى ذلك كله بمعنى (إن).
ومنها: قوله:" لو لم تكن ربيبتى فى حجرى ما حلت لى" (١٤) معناه أن انتفاء الحل الواقع لكونها غير ربيبته ممتنع لما يفهمه من أن حلها يحصل بغير ذلك.
стр. 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: قوله ﷺ :" لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" (١) المعنى: لكنت فاعلا فعلا صورته ما فيه جناح ولا جناح.
ومنها: حديث أبى برزة الأسلمى:" لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك" (٢) والواقع أنهم ما سبوه ولا ضربوه، ويقع نظير هذا فى الكلام كثيرا، تقول:
(لو أتيت فلانا لما أساء إلىّ) ويجوز الجواب بأن يكون دفعا لما لعله يتوهم، وأن هذا الفعل لما صدر من جماعة كأنه صدر من غيرهم لاستوائهم فى الإنسانية.
ومنها قوله فى الحج:" لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" (٣) وعدم الاستطاعة ثابت، ويمكن الجواب بأنه جعلت استطاعتهم المتوهمة كأنها واقعة، أو بأن التقدير لما استطعتم ذلك بقيد وجوبه، وذلك ينتفى بعدم الوجوب كما سبق فى النفاد.
ومنها: قول أبى بكر - رضى الله عنه - " لو طلعت ما وجدتنا غافلين" وجوابه بما سبق أن المراد لو طلعت لوجدتنا
غير غافلين، وامتناع ذلك بأنها لما لم تطلع لم تجدهم بالكلية.
ومنها: قول عمر - رضى الله عنه - على ما نقله عنه ابن مالك وغيره:" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (٤)، وقد نسب الخطيبى هذا الكلام إلى النبى، ولم أر
стр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الكلام فى شئ من كتب الحديث لا مرفوعا، ولا موقوفا، لا عن النبى ولا عن عمر، مع شدة الفحص عنه، ووجه السؤال أن صهيبا لم يعص الله تعالى، فيلزم أن لا يكون جواب (لو) ممتنعا، وجوابه بما تقدم فى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (١): من أن مفهوم الموافقة عارض مفهوم المخالفة، وبأن المنفى يكون معصية لا تنشأ عن خوف المعنى، لو لم يخف الله لما عصاه معصية ناشئة عن عدم الخوف؛ فامتنع ما دل عليه مفهوم هذا الكلام من إثبات المعصية الناشئة لا عن عدم الخوف كما سبق.
ومنها: قول على - كرم الله وجهه -: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) وجوابه ما سبق، أى: لرأيت ما لم أره، ولم أزدد يقينا، وامتناع ذلك لعدم رؤية ما خلف الغطاء.
ومنها: قوله ﷺ :" لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا" (٢) فيلزم أن يكونوا خرجوا؛ لأنهم ما دخلوا، وجوابه بما سبق؛ لأنه امتنع مجموع الدخول وعدم الخروج لعدم الدخول. وهذه المواضع كلها وقع الجواب
فيها منفيا وما بعدها وقع الجواب فيها مثبتا.
ومنها: قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٣) واردة على العبارات، أما على عبارة سيبويه فلأنها تقتضى أنه لو حصل الإسماع لحصل التولى، فيلزم أن لا يكون التولى حاصلا الآن، والغرض أنه حاصل.
وأما على العبارة المشهورة فلأنها تقتضى امتناع التولى وهو حاصل؛ لأن صدرها يقتضى أنه لم يعلم فيهم خيرا وآخرها يقتضى عدم التولى المستلزم؛ لأنه علم فيهم خيرا، ولأنه يصير التقدير: لو علم فيهم خيرا لتولوا، وليس المراد؛ فإن علم الخير فيهم مناسب لإقبالهم لا لتوليهم، ولا يصلح الجواب السابق بأنهم إذ تولوا بتقدير
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السماع فدونه أولى؛ لأن المراد الإسماع النافع، بدليل أنه منفى لقوله تعالى:
لَأَسْمَعَهُمْ والإسماع النافع لا يقع معه التولى، واختلف فى الجواب عنها فقال الإمام فخر الدين - وهو ظاهر عبارة الزمخشرى -: المعنى لو علم فيهم خيرا لأسمعهم الحجج إسماع تفهيم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم لم ينتفعوا، وقيل:
لأسمعهم إسماعا يحصل به الهدى، ولو أسمعهم لا على أن يخلق لهم الهدى إسماعا مجردا لتولوا، وهى قريبة من الأولى، وفيهما نظر؛ لأن مطلق التولى قد حصل، وهو خلاف ما دلت عليه (لو) من الامتناع، وحاصله أن تكون (لو) جعلت مجازا لمجرد التلازم من غير دلالة على الامتناع.
قلت: وأقرب ما فيه وأشار إليه الزمخشرى أن يجعل التولى هو الارتداد بعد الإسلام، وهو غير حاصل حال الإخبار؛ فإن الحاصل عند الإخبار هو الكفر الأصلى.
المعنى: لو علم فيهم خيرا لأسمعهم إسماعا يفيد حصول الإيمان، ولو أسمعهم ذلك لما استمروا عليه؛ فإن قلت: يلزم أن لا يكون فيهم خير، قلت: لا يلزم؛ لأن خيرا نكرة، فهم بتقدير أن يكون فيهم خير ما يحمل على الإسلام لا يستمرون عليه لعدم الخير الكثير الذى يستمر أثره إلى الموت، وقد يقال: إن الاسلام الذى لا يستمر إلى الموت
ليس بخير لأن الله يحبطه، والوجه تخريج هذا الجواب على الخلاف بين الشيخ أبى الحسن الأشعرى وغيره فى أن من عاش كافرا ومات مسلما أو بالعكس هل هو لم يزل على الحالة التى ختم له بها أولا؟ والأول مذهب الأشعرى.
ومنها قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١) وجوابه واضح لأنهم لم يقولوا عن هذا الكتاب الذى لم ينزل ذلك إنما قالوه عن القرآن.
ومنها قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ (٢) يلزم أن يكون الإمساك ممتنعا؛ وجوابه بما سبق، أى لأمسكتم مع أنكم مالكون ما لا يتطرق إليه النفاد، فالإمساك مع هذه الحالة ليس واقعا، فجواب (لو) كلى، فامتناعه صادق بالجزئى؛ لأن نقيض الإثبات الكلى سلب جزئى. إلا أن هذا الجواب فيما كان
стр. 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جوابه مثبتا أوضح؛ لأن دلالته على الأمرين بالوضع، ودلالة الجواب المنفى على الكلى إنما هو بالمنطوق فى بعض وبالمفهوم فى بعض.
ومنها قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (١) وقوله تعالى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢)، والصدق خير، فعلوه، أم لم يفعلوه وجوابه: أن المعنى لو وقع منهم فعل هو خير، وامتناع ذلك بأن لا يقع منهم فعل، ونظيره قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٣) ونظيره قوله تعالى: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ (٤) إن لم يكن الجواب محذوفا.
ومنها قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (٥) التقدير: ولو لم تمسسه نار لكان يضئ، ولا يصح الجواب بأنه إذا مسه لا يكاد يضئ بل يضئ كقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٦) لأن الواو فى (ولو لم تمسسه) يقتضى أنه كان يضئ مسته نار أم لم تمسه، ولعله مجاز وكناية عن شدة الصفاء. نعم يبقى السؤال عن كونه يكاد يضئ إذا مسته النار، وما يفهمه كاد من أنه لم يضئ مع مس النار له، أما عند من قال: إن إثباتها نفى؛ فواضح، وأما على القول الصحيح؛ فلأنه لا يقال: (كاد زيد يفعل إذا فعل)، ولا يصح الجواب بما أجيب به فى قوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧) من أنهم ذبحوا بعد أن لم يقاربوا؛ لأنهم كانوا بعيدين من ذلك؛ لأنه لا يخبر بأن من فعل الشئ قارب أن يفعله ثم فعله، بخلاف كونه قارب أن لا يفعل ثم فعل؛ فإنه مستغرب. والذى يظهر فى الجواب أن المراد مقاربة الزيت للإضاءة فى الحالين، والإضاءة من الزيت غير واقعة فى شئ من الحالين؛ إنما الواقع
مقاربتها، لأن النار هى المضيئة.
ومنها قوله:" لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه" (٨) فإن ذلك خير، علم أم لم يعلم، وجوابه:
стр. 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إما بأن المراد لعلم أن الأمر كذلك، وإما لأنه إذا لم يعلم لا إثم عليه، فليس وقوعه حينئذ خيرا له.
ومنها قوله:" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" (١) فيلزم أن يمتنع القليل من ضحكهم، وجوابه: أن ضحكهم بقيد القلة ممتنع؛ لأن ضحكهم كان كثيرا.
ومنها: قوله:" لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدى إلى ذراع لقبلت" (٢) فإنه يلزم أنه لم يجب، ولم يقبل هدية لكنه دعى، وأجاب، وأهدى إليه، وقبل، وليس المراد بالذراع حقيقته، بل هو للتمثيل، وهذا السؤال إنما يحتاج إلى جوابه لو كان قال ذلك بعد ما أهدى إليه ودعى ومن أين لنا ذلك؟
ومنها: قوله:" لو كان الإيمان معلقا عند الثريا لناله رجال من هؤلاء" (٣) أى: من فارس. وقد وقع ذلك وجوابه أن المعنى لنالوه من عند الثريا، وقد امتنع ذلك؛ لأن من ناله منهم لم ينله بهذا القيد، ولا يصح الجواب بأن النكرة فى سياق الشرط للعموم، فيكون من سلب العموم؛ لأن هذه نكرة فى سياق الجواب لا الشرط؛ ولأن تحقيق العموم فى النكرة فى الشرط؛ وهل هو عموم الاستغراق أو عموم الصلاحية؟ فيه بحث يطول ذكره.
ومنها: قوله:" لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا" (٤) يلزم أن الإنسان لم يبتغ واديا ثالثا من المال، وجوابه: أن الممتنع ابتغاء واد بعد تحصيل اثنين، والأمر كذلك، فإن هذا لم يقع، فلا يصدق أنه يبتغى الثالث حتى
يحصل الواديان.
стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: قوله:" لو كان لى مثل أحد ذهبا لسرنى أن لا يمر على ثلاث ليال وعندى منه شئ إلا شئ أرصده لدين" (١) والواقع أنه كان يسره أن لا يمر عليه ثلاث ليال وعنده ذهب، وجوابه: أن معنى أن لا يكون عندى منه أن يفرغ، فمعناه لو كان لى لسرنى أن أصرفه، وامتناع ذلك بأن لا يكون له وجود حتى يصرف.
ومنها: قوله:" لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم" (٢) فيلزم أن يمتنع ذلك، والواقع أن ناسا ادعوا ذلك، وجوابه أن المعنى لفسدت أحوال الناس، وضاعت غالب دمائهم وأموالهم، المدلول عليه بقوله ﷺ : (لادعى ناس) ولا يصح الجواب بأن النكرة فى سياق الشرط للعموم، لما سبق. قلت: قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب: إن (لو) تدل على امتناع الأول لامتناع الثانى، بعكس ما ذكره النحاة، قال:
وهذا أولى؛ لأن الأول سبب للثانى، وانتفاء السبب، لا يدل على انتفاء المسبب، لجواز أن يخلفه سبب آخر، وانتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب، فصح أن يقال: امتنع الأول لامتناع الثانى، ألا ترى إلى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٣) كيف سيق للدلالة على انتفاء العدد بانتفاء الفساد، لا أن امتناع الفساد لامتناع التعدد؟
لأنه خلاف المفهوم؛ ولأن نفى الآلهة غير الله لا يلزم منه نفى فساد هذا العالم! ورد عليه الخطيبى بأنا لا نسلم أن انتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب، إذا لم يكن للمسبب سبب سواه، وما نحن فيه كذلك؛ لأن (لو) فى كلام العرب إنما تستعمل فى الشرط الذى لم يبق للمسبب سواه، فإذا حصل حصل، وإذا انتفى انتفى، وذلك علم بالاستقراء والنقل، فانتفاء السبب بعد (لو) يدل على انتفاء المسبب وأيضا لا نسلم أن انتفاء المسبب يدل على انتفاء السبب، وإنما يلزم ذلك أن لو كان النقص قادحا وليس كذلك مطلقا (قلت): الكلامان ضعيفان؛ أما كلام ابن
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاجب فلعله مخالف لإجماع الناس تصريحا وتلويحا، والجواب عما ذكره أن الشروط اللغوية وإن كانت أسبابا، والسبب يقتضى المسبب لذاته، فيلزم من عدم السبب عدم المسبب غير أن ذلك قد يتخلف لفوات شرط، أو وجود مانع، وعدم سبب آخر شرط فى انتفاء المسبب لانتفاء سببه، لكن السبب الآخر موجود - كما سيأتى - ويرد عليه أنه لو دلت على امتناع الأول لامتناع الثانى لا تقلب المسبب سببا وعكسه؛ لأن الثانى جواب الشرط قطعا، وهو المسبب، والشرط السبب، فلو امتنع الأول لامتناع الثانى لكان امتناع المسبب علة فى امتناع السبب، وهو باطل، واللازم وإن لزم من عدمه عدم الملزوم لكنا لا نقول: عدمه علة فى عدم الملزوم؛ بل عدمه معرف أن الملزوم ليس موجودا. وقوله:" لأن الأول سبب للثانى" إن عنى لفظا فمسلم، وإن عنى معنى فإنما يتأتى على عبارة سيبويه أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أما على عبارة غيره فعدم الأول سبب لعدم الثانى. وقوله: وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب؛ لجواز أن يخلفه سبب آخر ممنوع، بل السبب بوضعه يقتضى ذلك، إلا لمانع من وجود سبب آخر، أو غيره. وقوله:
انتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب مسلم، لكن لا يصح أن نقول: انتفاء المسبب سبب لانتفاء كل سبب، بل هو كاشف عن عدم السبب، ثم يقال له: لا نسلم ذلك بعين ما سبق؛ لأن انتفاء المسبب إذا كان سببا فى انتفاء كل سبب لا يلزم من عدم المسبب عدم كل سبب؛ إذ لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب بعين ما ذكره، وأما قوله: ولأن نفى الآلهة غير الله لا يلزم منه نفى الفساد. فجوابه: أن لنفى الفساد أسبابا أخر. منها: عدم إراة الله فسادها، وكما وقع التعليق على هذا الشرط وقع على غيره فى قوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ (١) ثم ما قاله من كون عدم السبب لا يقتضى عدم المسبب إنما يكون لو كان معنى قولهم: حرف امتناع لامتناع، أن امتناع الثانى لامتناع الأول إنما كان لكون الثانى مسببا عنه، وليس فى كلامهم ما يقتضى ذلك، بل هم يفسرون موضوعها لغة، وجاز أن تكون العرب وضعتها لتدل على أن الثانى امتنع وأن ذلك نشأ إما بجعل المتكلم أو غيره عن امتناع الأول من غير نظر إلى
стр. 352
مع القطع بانتفاء الشرط؛
ــ
المناسبة المعنوية قبل التعليق، والحق أن يقال: موضوع (لو) امتناع الثانى لأجل امتناع الأول، ويلزم من ذلك العلم بامتناع الأول لأجل العلم بامتناع الثانى، فامتناع الأول علة فى امتناع الثانى، والعلم بامتناع الثانى مستلزم للعلم بامتناع الأول، فدلالة امتناع الثانى على امتناع الأول وضعية، ودلالة العلم بامتناع الأول على العلم بامتناع الثانى عقلية، ومن الفرق بين علة الامتناع وعلة العلم به وقع الالتباس.
واعلم أن بدر الدين بن مالك وقع فى كلامه فى تكملة شرح تسهيل والده، على سبيل الاستطراد ما يقتضى موافقة ابن الحاجب؛ حيث قال فى الكلام على استعمال (لو) بمعنى (إن):" إنه امتنع الأول لامتناع الثانى، لكنه سبق، فلم يدل عليه أنه قبيل ذلك قرر المسألة صريحا على ما ذكره الجمهور.
وبعد أن اتضح الكلام على معنى (لو) فلنرجع لعبارة المصنف، فقوله:
(لو) للشرط فى الماضى) أى: فى الزمن الماضى، وقوله: مع القطع بانتفاء الشرط، يعنى: إذا كان المطلوب من استعمال (لو) تحصيل القطع بأن فعل الشرط لم يكن علم أنه لا بد أن يكون ماضيا معنى؛ لأن القطع غالبا لا يكون إلا فى الماضى، وينبغى أن يقول: أو الظن، وما المانع من إخبار الإنسان بانتفاء ما غلب على ظنه انتفاؤه؟
وقوله: (بانتفاء الشرط) لم يتعرض لانتفاء المشروط، فظاهره أنه وافق ابن مالك على أنها تقتضى امتناع الشرط، ولا تقتضى بوضعها انتفاء الجواب، لكنه قال فى الإيضاح:
يلزم امتناع المعلق لامتناع المعلق به، وكأنه يريد أن دلالتها على امتناع فعل الشرط بالوضع، وعلى امتناع المشروط باللازم، وظاهر هذا أن (لو) تدل على امتناع فعل الشرط فقط، وأما امتناع المشروط لعدم الشرط فهو عقلى، وهذا هو عين القول: بأنها حرف امتناع لامتناع، على ما يظهر بالتأمل، وعلى ما حررناه فيما سبق من معنى هذه العبارة. ويبقى الجمع بينها وبين عبارته فى التلخيص أن يكون المراد القطع بانتفاء الشرط لا بالوضع، لكن يلزم عليه أن يكون هذا الحد ليس فيه بيان لمدلول (لو) وضعا، بل إنما يكون فيه بيان لما يلزم مدلولها الوضعى؛ لأن معنى قولهم: حرف امتناع لامتناع - امتناع الثانى لامتناع الأول، وامتناع الثانى على عبارة المصنف عقلى، وامتناع الأول هو المدلول.
стр. 353
فيلزم عدم الثبوت
ــ
وقوله: (فيلزم عدم الثبوت) أى: فى كل من الجملتين؛ لأن الثابت يمتنع أن يكون منفيا حالة
الثبوت، والمراد بعدم الثبوت عدم ثبوت ما دخلت عليه نفيا كان أم إثباتا؛ فإن (لو) تقلب الإثبات نفيا، وبالعكس، فإذا قلت: (لم يقم) دل على ثبوت عدم القيام، وذلك بثبوت القيام. هذا مضمون كلامهم.
وقوله: (يلزم عدم الثبوت) يعنى بالنسبة إلى الزمن الماضى؛ إذ لا يمتنع أن تقول:
(لو قام زيد أمس لقام عمرو)، وإن كانا قائمين الآن. ومراده أن ذلك يلزم أن لا يخرج عنه إلا لنكتة - كما سيأتى - ومقصود المصنف بامتناع الثبوت أنه يمتنع أن تكون واحدة من جملتيها اسمية، بل يجب أن تكون فعلية. فإذا وقع اسم بعد (لو) كان على إضمار فعل يفسره ما بعده، كقوله:" لو ذات سوار لطمتنى"، وقوله:
أخلاى لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدّهر معتب (١)
وهل ذلك كثير أو نادر؟ اختلف فيه؛ فقيل: يجوز كثيرا وجعل منه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (٢) وقيل: قليلا، والآية محمولة على تقدير: كان الأصل لو كنتم، فعلى كل تقدير لا يليها إلا فعل، وهذا الذى قلناه هو إذا كان خبر الاسم فعلا، فإن جاء بعدها جملة من اسمين جوزه الكوفيون واختاره ابن مالك وجعلوا منه: لو بغير الماء حلقى شرق خ خ، ومنعه غيرهم.
واعلم أنه يستثنى من ذلك أن (لو) تليها (أن) كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا (٣) فإن مذهب سيبويه أن التقدير: ولو صبرهم، على أنه مبتدأ، فقد وليها الاسم. ومذهب المبرد أن الجملة فى محل رفع بفعل مضمر يفسره ما بعده. وكلاهما خروج عن القاعدة السابقة، وذلك شائع سواء كان خبر أن فعلا أم اسما، فالاسم كقوله :
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (٤) وقوله تعالى: وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ (٥).
стр. 354
والمضى فى جملتيها؛ فدخولها على المضارع فى نحو: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (١)، لقصد استمرار الفعل
فيما مضى وقتا فوقتا؛ كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢)
ــ
قوله: (والمضى فى جملتيها) لا خلاف أن جملتى (لو) ماضيان معنى، ومن قال:
إنه يجوز أن يكونا مستقبلين معنى؛ فإنه يجعلها بمعنى إن فليست امتناعية، وأما المضى فى اللفظ فهو الغالب ليطابق اللفظ المعنى، وقد يأتى مضارعا يراد به المضى كقول كعب:
لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل (٣)
وجعل المصنف ذلك إما لإرادة أن ذلك الأمر استمر وقوعه فيما مضى وقتا بعد وقت، هذه عبارته، أى: استمر وقوع عدم الفعل المعلق عليه فيما مضى وقتا بعد وقت؛ ولذلك قال بعضهم: معنى قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ أن عدم طاعة رسول الله لهم مستمر فى الأزمنة الماضية؛ فإن الفعل المضارع يدل على ذلك كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٤). قال الخطيبى: والفعل وإن دل على التجدد وقتا بعد وقت أيضا، لكن المضارع يدل على الاستمرار دون الماضى؛ فإنه ينقطع عند الاستقبال بخلاف المستقبل، فإن زمنه لا يتناهى.
(قلت): الفعل الماضى يدل على التجدد، بمعنى أنه حصل بعد أن لم يكن وأما إنه يدل على التجدد وقتا بعد وقت ثم ينقطع بخلاف المضارع؛ فإنه يدل على التكرر والاستمرار فلا؛ بل الدال على التكرر هو المضارع فقط، كما سبق، والماضى لا يدل على تكرر منقطع ولا مستمر.
بقى هنا سؤال وهو: أن الفعل المضارع إذا كان مدلوله الاستمرار والتكرار لزم أن تكون (لو) تدل على امتناع الاستمرار مع الفعل المضارع، لا على امتناع أصل الفعل. والأمر بخلافه، وقد تقدم عند قول المصنف، وأما كونه اسما ما يمكن أن يجاب به، وقد يجاب بأن الدال على الاستمرار هو المضارع المراد به المستقبل، أما المراد به الماضى فلا، ولا يمتنع مع هذا أن يعبر بالمضارع وإن لم يفد حينئذ الاستمرار؛ رعاية لما تدل عليه صورته من الاستمرار، وينبغى أيضا أن تقيد دلالة المضارع على الاستمرار بما لم يرد به الحال.
стр. 355
وفى نحو: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (١)؛ لتنزيله منزلة الماضى؛ لصدوره عمن لا خلاف فى إخباره؛ كما فى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٢)،
ــ
قوله فى نحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يعنى: إنما أتى هنا بالمضارع لتنزيله منزلة الماضى لكونه ممن لا خلف فى خبره. مقصود المصنف وإن كانت العبارة قلقة: أن المعنى لو رأيت فى الماضى، وإنما أخبر عنه ماضيا وإن كان مستقبلا؛ لأن من خبره لا يخلف يجعل المخبر به كالذى وقع، فلذلك أتى برأيت، ثم عبر بترى رعاية للأصل، فالعلة المذكورة فى كلام المصنف لا تصلح أن تكون للتعبير بالمضارع، بل هى علة لجعل الرؤية المستقبلة ماضية.
(قلت): يجوز أن (لو) فى هذه الآية ونحوها بمعنى الشرط المستقبل إن ثبت أن استعمالها بمعنى (إن)، وإنما لم أقل بمعنى (إن)؛ لأن (إن) للمشكوك فيه، والرؤية المستقبلة فى هذه الآية محققة، وإنما لم أقل بمعنى (إذا) جريا على عبارتهم فى قولهم:
تستعمل (لو) بمعنى (إن)، ولأن (إذا) تدل على ظرفية لا تدل عليها (إن)، ولولا ذلك لقلت: بمعنى (إذا) فإن رؤيته لهم محققة. ولا شك أن قولهم: (لو) تأتى بمعنى (إن) لا يعنون به إلا أنها تكون للشرط فى المستقبل، سواء كان مشكوكا فيه أم محققا؛ لا يقال:
لو كانت بمعنى (إن) لما حذف الجواب؛ لأن الفعل المضارع بعد الشرط لا يحذف جوابه على مذهب البصريين؛ لأنا نقول ذلك فى الشرط الجازم، مثل: (أكرمك إن تقم) لأنهم عللوا ذلك بأن ظهور تأثير الجزم فى أداة الشرط، وعدم ظهوره فى الجواب فيه جمع بين القوة والضعف، وهما متنافيان، فعلمنا بذلك أنه لا يمتنع حذف جواب شرط فعله مضارع إذا لم يكن جازما، سواء كان الشرط فى الماضى، مثل: (ولو ترى)، أم فى المستقبل مثل (إذا). قوله كما فى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يشير إلى أن رب لا يليها إلا الماضى، سواء كانت (ما) معها كافة أم نكرة موصوفة، فقوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ استعمل فيه الفعل المضارع رعاية للأصل، وأريد به المضى؛ لأنه لما كان محققا صار كأنه قد وقع؛ وهذا بناء على أن الفعل يقدر بما لا يكون إلا ماضى المعنى. وفى المسألة خلاف مشهور.