. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاجب فلعله مخالف لإجماع الناس تصريحا وتلويحا، والجواب عما ذكره أن الشروط اللغوية وإن كانت أسبابا، والسبب يقتضى المسبب لذاته، فيلزم من عدم السبب عدم المسبب غير أن ذلك قد يتخلف لفوات شرط، أو وجود مانع، وعدم سبب آخر شرط فى انتفاء المسبب لانتفاء سببه، لكن السبب الآخر موجود - كما سيأتى - ويرد عليه أنه لو دلت على امتناع الأول لامتناع الثانى لا تقلب المسبب سببا وعكسه؛ لأن الثانى جواب الشرط قطعا، وهو المسبب، والشرط السبب، فلو امتنع الأول لامتناع الثانى لكان امتناع المسبب علة فى امتناع السبب، وهو باطل، واللازم وإن لزم من عدمه عدم الملزوم لكنا لا نقول: عدمه علة فى عدم الملزوم؛ بل عدمه معرف أن الملزوم ليس موجودا. وقوله:" لأن الأول سبب للثانى" إن عنى لفظا فمسلم، وإن عنى معنى فإنما يتأتى على عبارة سيبويه أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أما على عبارة غيره فعدم الأول سبب لعدم الثانى. وقوله: وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب؛ لجواز أن يخلفه سبب آخر ممنوع، بل السبب بوضعه يقتضى ذلك، إلا لمانع من وجود سبب آخر، أو غيره. وقوله:
انتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب مسلم، لكن لا يصح أن نقول: انتفاء المسبب سبب لانتفاء كل سبب، بل هو كاشف عن عدم السبب، ثم يقال له: لا نسلم ذلك بعين ما سبق؛ لأن انتفاء المسبب إذا كان سببا فى انتفاء كل سبب لا يلزم من عدم المسبب عدم كل سبب؛ إذ لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب بعين ما ذكره، وأما قوله: ولأن نفى الآلهة غير الله لا يلزم منه نفى الفساد. فجوابه: أن لنفى الفساد أسبابا أخر. منها: عدم إراة الله فسادها، وكما وقع التعليق على هذا الشرط وقع على غيره فى قوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ (١) ثم ما قاله من كون عدم السبب لا يقتضى عدم المسبب إنما يكون لو كان معنى قولهم: حرف امتناع لامتناع، أن امتناع الثانى لامتناع الأول إنما كان لكون الثانى مسببا عنه، وليس فى كلامهم ما يقتضى ذلك، بل هم يفسرون موضوعها لغة، وجاز أن تكون العرب وضعتها لتدل على أن الثانى امتنع وأن ذلك نشأ إما بجعل المتكلم أو غيره عن امتناع الأول من غير نظر إلى
стр. 352
مع القطع بانتفاء الشرط؛
ــ
المناسبة المعنوية قبل التعليق، والحق أن يقال: موضوع (لو) امتناع الثانى لأجل امتناع الأول، ويلزم من ذلك العلم بامتناع الأول لأجل العلم بامتناع الثانى، فامتناع الأول علة فى امتناع الثانى، والعلم بامتناع الثانى مستلزم للعلم بامتناع الأول، فدلالة امتناع الثانى على امتناع الأول وضعية، ودلالة العلم بامتناع الأول على العلم بامتناع الثانى عقلية، ومن الفرق بين علة الامتناع وعلة العلم به وقع الالتباس.
واعلم أن بدر الدين بن مالك وقع فى كلامه فى تكملة شرح تسهيل والده، على سبيل الاستطراد ما يقتضى موافقة ابن الحاجب؛ حيث قال فى الكلام على استعمال (لو) بمعنى (إن):" إنه امتنع الأول لامتناع الثانى، لكنه سبق، فلم يدل عليه أنه قبيل ذلك قرر المسألة صريحا على ما ذكره الجمهور.
وبعد أن اتضح الكلام على معنى (لو) فلنرجع لعبارة المصنف، فقوله:
(لو) للشرط فى الماضى) أى: فى الزمن الماضى، وقوله: مع القطع بانتفاء الشرط، يعنى: إذا كان المطلوب من استعمال (لو) تحصيل القطع بأن فعل الشرط لم يكن علم أنه لا بد أن يكون ماضيا معنى؛ لأن القطع غالبا لا يكون إلا فى الماضى، وينبغى أن يقول: أو الظن، وما المانع من إخبار الإنسان بانتفاء ما غلب على ظنه انتفاؤه؟
وقوله: (بانتفاء الشرط) لم يتعرض لانتفاء المشروط، فظاهره أنه وافق ابن مالك على أنها تقتضى امتناع الشرط، ولا تقتضى بوضعها انتفاء الجواب، لكنه قال فى الإيضاح:
يلزم امتناع المعلق لامتناع المعلق به، وكأنه يريد أن دلالتها على امتناع فعل الشرط بالوضع، وعلى امتناع المشروط باللازم، وظاهر هذا أن (لو) تدل على امتناع فعل الشرط فقط، وأما امتناع المشروط لعدم الشرط فهو عقلى، وهذا هو عين القول: بأنها حرف امتناع لامتناع، على ما يظهر بالتأمل، وعلى ما حررناه فيما سبق من معنى هذه العبارة. ويبقى الجمع بينها وبين عبارته فى التلخيص أن يكون المراد القطع بانتفاء الشرط لا بالوضع، لكن يلزم عليه أن يكون هذا الحد ليس فيه بيان لمدلول (لو) وضعا، بل إنما يكون فيه بيان لما يلزم مدلولها الوضعى؛ لأن معنى قولهم: حرف امتناع لامتناع - امتناع الثانى لامتناع الأول، وامتناع الثانى على عبارة المصنف عقلى، وامتناع الأول هو المدلول.
стр. 353
فيلزم عدم الثبوت
ــ
وقوله: (فيلزم عدم الثبوت) أى: فى كل من الجملتين؛ لأن الثابت يمتنع أن يكون منفيا حالة
الثبوت، والمراد بعدم الثبوت عدم ثبوت ما دخلت عليه نفيا كان أم إثباتا؛ فإن (لو) تقلب الإثبات نفيا، وبالعكس، فإذا قلت: (لم يقم) دل على ثبوت عدم القيام، وذلك بثبوت القيام. هذا مضمون كلامهم.
وقوله: (يلزم عدم الثبوت) يعنى بالنسبة إلى الزمن الماضى؛ إذ لا يمتنع أن تقول:
(لو قام زيد أمس لقام عمرو)، وإن كانا قائمين الآن. ومراده أن ذلك يلزم أن لا يخرج عنه إلا لنكتة - كما سيأتى - ومقصود المصنف بامتناع الثبوت أنه يمتنع أن تكون واحدة من جملتيها اسمية، بل يجب أن تكون فعلية. فإذا وقع اسم بعد (لو) كان على إضمار فعل يفسره ما بعده، كقوله:" لو ذات سوار لطمتنى"، وقوله:
أخلاى لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدّهر معتب (١)
وهل ذلك كثير أو نادر؟ اختلف فيه؛ فقيل: يجوز كثيرا وجعل منه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (٢) وقيل: قليلا، والآية محمولة على تقدير: كان الأصل لو كنتم، فعلى كل تقدير لا يليها إلا فعل، وهذا الذى قلناه هو إذا كان خبر الاسم فعلا، فإن جاء بعدها جملة من اسمين جوزه الكوفيون واختاره ابن مالك وجعلوا منه: لو بغير الماء حلقى شرق خ خ، ومنعه غيرهم.
واعلم أنه يستثنى من ذلك أن (لو) تليها (أن) كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا (٣) فإن مذهب سيبويه أن التقدير: ولو صبرهم، على أنه مبتدأ، فقد وليها الاسم. ومذهب المبرد أن الجملة فى محل رفع بفعل مضمر يفسره ما بعده. وكلاهما خروج عن القاعدة السابقة، وذلك شائع سواء كان خبر أن فعلا أم اسما، فالاسم كقوله :
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (٤) وقوله تعالى: وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ (٥).
стр. 354
والمضى فى جملتيها؛ فدخولها على المضارع فى نحو: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (١)، لقصد استمرار الفعل
فيما مضى وقتا فوقتا؛ كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢)
ــ
قوله: (والمضى فى جملتيها) لا خلاف أن جملتى (لو) ماضيان معنى، ومن قال:
إنه يجوز أن يكونا مستقبلين معنى؛ فإنه يجعلها بمعنى إن فليست امتناعية، وأما المضى فى اللفظ فهو الغالب ليطابق اللفظ المعنى، وقد يأتى مضارعا يراد به المضى كقول كعب:
لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل (٣)
وجعل المصنف ذلك إما لإرادة أن ذلك الأمر استمر وقوعه فيما مضى وقتا بعد وقت، هذه عبارته، أى: استمر وقوع عدم الفعل المعلق عليه فيما مضى وقتا بعد وقت؛ ولذلك قال بعضهم: معنى قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ أن عدم طاعة رسول الله لهم مستمر فى الأزمنة الماضية؛ فإن الفعل المضارع يدل على ذلك كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٤). قال الخطيبى: والفعل وإن دل على التجدد وقتا بعد وقت أيضا، لكن المضارع يدل على الاستمرار دون الماضى؛ فإنه ينقطع عند الاستقبال بخلاف المستقبل، فإن زمنه لا يتناهى.
(قلت): الفعل الماضى يدل على التجدد، بمعنى أنه حصل بعد أن لم يكن وأما إنه يدل على التجدد وقتا بعد وقت ثم ينقطع بخلاف المضارع؛ فإنه يدل على التكرر والاستمرار فلا؛ بل الدال على التكرر هو المضارع فقط، كما سبق، والماضى لا يدل على تكرر منقطع ولا مستمر.
بقى هنا سؤال وهو: أن الفعل المضارع إذا كان مدلوله الاستمرار والتكرار لزم أن تكون (لو) تدل على امتناع الاستمرار مع الفعل المضارع، لا على امتناع أصل الفعل. والأمر بخلافه، وقد تقدم عند قول المصنف، وأما كونه اسما ما يمكن أن يجاب به، وقد يجاب بأن الدال على الاستمرار هو المضارع المراد به المستقبل، أما المراد به الماضى فلا، ولا يمتنع مع هذا أن يعبر بالمضارع وإن لم يفد حينئذ الاستمرار؛ رعاية لما تدل عليه صورته من الاستمرار، وينبغى أيضا أن تقيد دلالة المضارع على الاستمرار بما لم يرد به الحال.
стр. 355
وفى نحو: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (١)؛ لتنزيله منزلة الماضى؛ لصدوره عمن لا خلاف فى إخباره؛ كما فى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٢)،
ــ
قوله فى نحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يعنى: إنما أتى هنا بالمضارع لتنزيله منزلة الماضى لكونه ممن لا خلف فى خبره. مقصود المصنف وإن كانت العبارة قلقة: أن المعنى لو رأيت فى الماضى، وإنما أخبر عنه ماضيا وإن كان مستقبلا؛ لأن من خبره لا يخلف يجعل المخبر به كالذى وقع، فلذلك أتى برأيت، ثم عبر بترى رعاية للأصل، فالعلة المذكورة فى كلام المصنف لا تصلح أن تكون للتعبير بالمضارع، بل هى علة لجعل الرؤية المستقبلة ماضية.
(قلت): يجوز أن (لو) فى هذه الآية ونحوها بمعنى الشرط المستقبل إن ثبت أن استعمالها بمعنى (إن)، وإنما لم أقل بمعنى (إن)؛ لأن (إن) للمشكوك فيه، والرؤية المستقبلة فى هذه الآية محققة، وإنما لم أقل بمعنى (إذا) جريا على عبارتهم فى قولهم:
تستعمل (لو) بمعنى (إن)، ولأن (إذا) تدل على ظرفية لا تدل عليها (إن)، ولولا ذلك لقلت: بمعنى (إذا) فإن رؤيته لهم محققة. ولا شك أن قولهم: (لو) تأتى بمعنى (إن) لا يعنون به إلا أنها تكون للشرط فى المستقبل، سواء كان مشكوكا فيه أم محققا؛ لا يقال:
لو كانت بمعنى (إن) لما حذف الجواب؛ لأن الفعل المضارع بعد الشرط لا يحذف جوابه على مذهب البصريين؛ لأنا نقول ذلك فى الشرط الجازم، مثل: (أكرمك إن تقم) لأنهم عللوا ذلك بأن ظهور تأثير الجزم فى أداة الشرط، وعدم ظهوره فى الجواب فيه جمع بين القوة والضعف، وهما متنافيان، فعلمنا بذلك أنه لا يمتنع حذف جواب شرط فعله مضارع إذا لم يكن جازما، سواء كان الشرط فى الماضى، مثل: (ولو ترى)، أم فى المستقبل مثل (إذا). قوله كما فى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يشير إلى أن رب لا يليها إلا الماضى، سواء كانت (ما) معها كافة أم نكرة موصوفة، فقوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ استعمل فيه الفعل المضارع رعاية للأصل، وأريد به المضى؛ لأنه لما كان محققا صار كأنه قد وقع؛ وهذا بناء على أن الفعل يقدر بما لا يكون إلا ماضى المعنى. وفى المسألة خلاف مشهور.
стр. 356
أو لاستحضار الصورة؛ كما فى قوله تعالى: فَتُثِيرُ سَحاباً (١) استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة.
ــ
وقوله: (أو لاستحضار) معطوف على قوله: (لتنزيله)، أى: قد يؤتى بالفعل المضارع ماضى المعنى، وإن لم يكن بعد (لو) لقصد استحضار الصورة؛ لأن الاستحضار من شأنه أن يكون للحال، الذى من شأنه أن يعبر عنه بالمضارع؛ فإثارة الريح السحاب الذى قد أرسل، وإن كانت ماضية إنما عبر عنها بالمضارع فى قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ (٢) لإفادة ذلك، والمقصود استحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.
(قلت): ويمكن أن يجعل ذلك لإفادة الاستمرار، فإن قلت: لو أريد الاستمرار لأتى بالفعل المضارع فى الجميع؛ قلت: وكذلك إذا أريد الاستحضار؛ إلا أن يقال: أتى بالفعل الماضى أولا؛ لأنه لو أتى بالمضارع لم يبق ما يدل على أن المراد الإخبار عن الماضى. وأما قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (٣) الآية فلعله قصد بها المستقبل؛ ليحصل من مجموع الآيتين الإخبار عن حالتى المضى والاستقبال.
(فائدة): ذكر الوالد ﵀ فى تفسيره فصلا يتعلق بما نحن فيه فقال عند الكلام على قوله تعالى: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ (٤) ما نصه: فإن قلت: هل من فرق بين دخول لو الامتناعية على الماضى ودخولها على المضارع؟ قلت: قد تتبعت مواقعها فوجدتها إذا دخلت على مضارع كان ممكنا متوقعا، أو كالمتوقع، ويكون المقصود إثبات الجواب، مثال المتوقع هذه الآية، فإن مشيئة الله الانتقام منهم متوقعة، إلا إن عنى زمن الخطاب، والمقصود إثبات الانتقام على ذلك التقدير لا نفى المشيئة، وكذلك قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٥)، وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا (٦)، أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ (٧)، لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ (٨)، وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا (٩)، وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ (١٠)، وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ
стр. 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَلائِكَةً (١)، لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ (٢)، لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ (٣)، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٤)، لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً (٥)، لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (٦)، كذلك إذا جاء بعدها أن واسمها، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ (٧)، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا (٨)، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا (٩)، وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا (١٠)، وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ (١١) ومثال ما هو كالمتوقع:
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد، فهذا صوره بصورة المتوقع، وإن لم يكن متوقعا. والذى قبله محتمل. والمقصود فى هذه المواضع كلها إثبات الثانى على تقدير الأول، والأول ممكن، وإن لم يكن واقعا. وحيث دخلت على الماضى تارة يكون المقصود امتناعه، كقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ (١٢)، وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (١٣) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (١٤)، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ (١٥)، لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (١٦)، لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ (١٧)، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً (١٨)، لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (١٩)، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا (٢٠)، لَوِ اسْتَطَعْنا (٢١)، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ (٢٢) المقصود فى هذا كله الحكم بانتفاء الأول ممكنا كان أم ممتنعا، وتارة يكون المقصود إثبات الثانى، كقوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا (٢٣)، لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ (٢٤)، وَلَوْ رُدُّوا
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَعادُوا (١) المقصود فى هذه المواضع إثبات الثانى على تقدير الأول، مع العلم بأن الأول غير واقع، ومتى كان الفعل ماضيا يراد به حقيقته من المضى فى الزمان إما حقيقة، كقوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ وإما فرضا كقوله: وَلَوْ رُدُّوا - الأحسن فى هذا أنه لا يراد به الزمان الماضى، بل الملازمة بين الرد متى كان، والعود، مثل قوله:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى جندل وصفائح (٢)
النحاة يعدونه قليلا؛ لكونه مستقبلا، وحسنه ما أشرنا إليه من الغرض الذى يجعله كالواقع. ومتى كان الفعل الذى دخلت عليه مضارعا؛ فظاهر كلام النحاة أنها تقلبه ماضيا، وما ذكرناه من مواقعه يفهم منه أنه باق على حقيقته. فالوجه أن يقال: إنه قصد بصيغة المضارع التنبيه على أن ذلك وإن كان ماضيا فهو دائم غير منقطع، بخلاف ما إذا أتى بلفظ الماضى؛ فإنه يحتمل الانقطاع وعدمه؛ وبذلك يحصل المحافظة على قلبه ماضيا، ولا يعرض عن لفظه بالكلية. اه كلام الوالد - رحمه الله تعالى - (تنبيه):
قال فى المفتاح: مثل: ربما فى أحد قولى أصحابنا البصريين، قال بعض المحشين على كلامه: يريد أن (ما) كافة
والقول الآخر أن (ما) ليست كافة، بل نكرة موصوفة بيود، والعائد محذوف، أبدل منه: لو كانوا مسلمين. قلت: الظاهر أن من شرط مضى الفعل بعد ربما يقول به، سواء كانت (ما) نكرة موصوفة، أم كافة، والظاهر أنه يشير بالقولين إلى الخلاف فى أن الفعل بعدها يشترط أن يكون ماضيا أو لا.
(تنبيه): أتعرض فيه - إن شاء الله تعالى - لأكثر أدوات الشرط اللفظية والمعنوية وما يتعلق بها من علم المعانى.
فمنها: (إذ ما) وهى حرف فى مذهب سيبويه، خلافا للمبرد فى أحد قوليه، وابن السراج والفارسى، فى زعمهم أن (إذ ما) اسم ظرف زمان، وهى كإذا فى
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدلالة على المستقبل. قال السكاكي: سلبت الدلالة على معناها الأصلى، وهو المضى، بإدخال (ما) للدلالة على الاستقبال. قلت: يريد أن (ما) الكافة عن الإضافة أورثتها إبهاما فقوى شبهها (بإن) فى الاستقبال.
ومنها: (متى)، وهى لتعميم الأوقات فى الاستقبال، أى: تدل على وقت من الأوقات المبهمة فى الاستقبال، بحسب الوضع، و (متى ما) أعم منها؛ لأنها للدلالة على كل وقت من الأوقات المستقبلة، كذا قال الخطيبى، وما قاله غير موافق لكلام الأصوليين، ولا للفقهاء. أما الأصوليون: فإنهم جعلوا أسماء الشرط كلها عامة، من غير فرق بين (متى) و (متى ما) وغيرهما، وأما الفقهاء: فالصحيح عندنا أن (متى) لا تقتضى التكرار، وكذا الصحيح فى (متى ما) ونقله أبو البقاء عن ابن جنى، ولا يشترط فى (متى) توافق زمن الفعلين، بل يصح (متى زرتنى اليوم زرتك غدا) ولا يصح ذلك فى (إذا) ثم قوله: إن (متى ما) أعم من (متى) مخالف لبقية كلامه؛ فإنه جعل عموم (متى) باعتبار الصلاحية، وعموم (متى ما) باعتبار الاستغراق؛ وحينئذ ليس بينهما اشتراك يصلح للعموم الاستغراقى.
ومنها: (أيان) لتعميم الأوقات كمتى.
ومنها: (أين) لتعميم الأمكنة والإحياز، والحيز عند المتكلمين أعم من المكان؛ فإنه محل الجوهر الفرد وغيره، والمكان محل الجسم فقط، و (أينما) أعم منها، وكالتفصيل السابق بين (متى) و (متى ما)، و (أين) و (أينما) فصل
السكاكى والخطيبى بين (إذا) و (إذا ما) فقالا: إن معنى (أجيئك إذا طلعت الشمس): المجئ فى طلوعها فى غير ذلك اليوم، و (أجيئك إذا ما طلعت الشمس) معناها: المجئ عند طلوعها فى أى يوم كان.
ومنها: (حيثما) وهى نظير (أينما).
ومنها: (من) لتعميم أولى العلم مطلقا، والصحيح أنها تعم المؤنث، وقد حققنا هذه المسألة فى شرح مختصر ابن الحاجب، وسيأتى بقية الكلام على (من) فى باب الاستفهام.
ومنها: (ما) لتعميم الأشياء كقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ (١) وقولنا: لتعميم الأشياء؛ جرى على عبارتهم، والأولى أن يقال: للتعميم، ولا
стр. 360
وأما تنكيره:
فلإرادة عدم الحصر والعهد؛ كقولك: زيد كاتب، وعمرو شاعر، أو للتفخيم؛
ــ
يقيد بالأشياء؛ فإنه يخرج عنه نحو قولنا: ما لم يشأ الله لم يكن؛ فإن المعدوم لا يسمى شيئا.
ومنها: (مهما) قال تعالى: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ (١).
ومنها: (أى) لتعميم ما تضاف إليه، على بحث فى كيفية الاستغراق فيهما، والفرق بين عمومها وعموم الصلاحية ليس هذا موضع تحقيقه، وقد حققناه فى شرح المختصر.
ومنها: (كيفما) على قول.
وبقيت أدوات يحصل بها التعليق وليست شرطا، منها: (أما) و (لما) و (لولا) فمعنى (أما) مهما يكن من شئ، وهو حرف بسيط، وليست شرطا، وبذلك صرح شيخنا أبو حيان، ونقل عن بعض أصحابه أنها حرف إخبار تتضمن معنى الشرط، ولو كانت أداة شرط لاقتضت فعلا بعدها، لكنها أغنت عن الجملة الشرطية، وعن أداة الشرط، وهى من أغرب الحروف؛ لقيامها مقام أداة شرط، وجملة شرطية، وكونها تدل على الشرط يعلم أن معنى (أما زيد فذاهب) الإخبار بأنه سيذهب فى المستقبل؛ لأن زيد ذاهب جواب الشرط، ولا يكون جوابه إلا مستقبلا، و (لما) التعليقية حرف عند سيبويه يدل على ربط جملة بأخرى ربط السببية، ويسمى حرف وجوب لوجوب، ويقال: حرف وجود لوجود، وقيل:
هى ظرف زمان بمعنى حين، وجوابها فعل ماض لفظا ومعنى، أو منفى بما، أو مضارع منفى بلم، أو جملة اسمية
مقرونة بإذا الفجائية، وزعم ابن مالك أن جوابها الماضى قد يقرن بالفاء، ويكون جملة اسمية مقرونة بالفاء، وبمضارع مثبت. وأما (لولا) فحرف امتناع لوجود وما بعدها مبتدأ عند البصريين، فاعل عند الكسائى، ومرفوع بها عند الفراء وابن كيسان. وأما (لو) فقد تقدم الكلام عليها، وقد عدها التنوخى هى ولولا من المنتظم فى سلك الشرط.
تنكير المسند:
ص: (وأما تنكيره ... إلخ).
(ش): ذكر الخطيبى الشارح هنا أن هذه الأحوال التى يذكرها أهل هذا العلم لا يقصدون أنها موجبة لهذه الأمور، بل إنها أمور مناسبة؛ ولهذا فسروا مقتضى الحال بالاعتبار المناسب أعم من أن يكون المناسب موجبا أو لا، قال: والمقصود أن الغالب
стр. 361
نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (١)، أو للتحقير (٢)
ــ
عند انتفاء هذين الأمرين إما تنكير المسند وهو الغالب، أو تعريفه بالإضمار، أو اسم الإشارة؛ لأن غيرهما من المعارف يندرج تحت الأمرين، فنفيهما يستلزم نفيه، والحمل على الغالب أولى، فتنكير المسند عند انتفاء الأمرين أولى.
(قلت): قوله: إن غير اسم الإشارة والمضمر يندرج تحت الأمرين فيه نظر؛ لأن المضمر واسم الإشارة كغيرهما فيما ذكره فإن كان التعريف مطلقا يستلزم العهد، أو الحصر، صح عموم ما ذكره المصنف، ووجهه أن التعريف إن كان بأداة عهدية، أو بمضمر، أو اسم إشارة فهو معهود، وإن كان بأداة عهدية، أو جنسية، أو بموصول أفاد الاستغراق المستلزم للحصر، وإن لم يكن التعريف يستلزم ذلك بطل ما ذكره، من غير فرق بين المضمر واسم الإشارة، وبين غيرهما، وحاصل ما ذكره المصنف أن تنكير المسند يكون لإرادة عدم الحصر، وإرادة عدم العهد.
(قلت): وفيما قاله نظر؛ لأنه إذا أراد الحكم عليه مع قطع النظر عن غيره فالتنكير حسن، فينبغى أن يقول: لعدم إرادة الحصر والعهد؛ فإن عدم الإرادة أعم من إرادة العدم، ثم عدم إرادتهما أعم من عدم إرادة أحدهما؛ فينبغى أن يقول: لعدم إرادة واحد منهما، وقد ينكر للتفخيم نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إن قلنا: إنه خبر مبتدأ محذوف، أو للتحقير، مثل: (ما زيد شيئا) لا يقال: قولنا: ليس شيئا إن كان معناه حقيرا صلح للمدح والذم؛ لأن هذه الصيغة لا تستعمل إلا
للتحقير، وعندى أنه لا حاجة لما ذكره المصنف، ولا ينبغى الاقتصار عليه، بل ينبغى أن يكون تنكيره لأحد أسباب تنكير المسند إليه. هذا ما ذكره المصنف، ويريد أنه قد يكون لتنكير المسند إليه، كقولك: (رجل فى الدار قائم)؛ لأن المعرفة لا يخبر بها عن النكرة، كذا قالوه، لكن المعرفة خبر النكرة عند سيبويه فى نحو: (كم مالك)، و (اقصد رجلا خير منه أبوه) وقال ابن مالك وغيره: إنه يخبر فى بابى كان وإن بمعرفة عن نكرة اختيارا ومن منع ذلك يتأول قوله:
كأنّ سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء (٣)
стр. 362
وأما تخصيصه بالإضافة أو الوصف:
فلكون الفائدة أتمّ؛ كما مر.
وأما تركه:
فظاهر مما سبق.
وأما تعريفه:
فلإفادة السامع حكما على أمر معلوم له بإحدى طرق التعريف بآخر مثله،
ــ
أوله السكاكى والزمخشرى على القلب، يعنيان أن الأصل يكون مزاجها عسلا وماء، لكن لا يلزم من عدم جواز الإخبار عن النكرة المحضة بالمعرفة أن لا يجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة الموصوفة.
تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف:
ص: (وأما تخصيصه بالإضافة أو الوصف فلكون الفائدة أتم).
(ش): مثال الإضافة: (زيد غلام رجل) لأن الكلام إنما هو فى الإضافة مع التنكير، ومثال التخصيص بالوصف
لكون الفائدة أتم: (زيد كاتب مجيد) وأما تمثيل السكاكى بقولك: (زيد رجل فاضل) فلا يصح؛ لأن الصفة هنا لحصول الفائدة لا لإتمامها؛ لأن الرجولية لزيد لم يقصد الإخبار بها، وربما كانت فائدة الخبر فى صفته لا فى نفسه، وأما ترك تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف فلم يتعرض له المصنف؛ لأنه يظهر مما سبق من أسباب التقييد، فإذا زالت لم تخصص.
تعريف المسند:
ص: (وأما تعريفه فلإفادة السامع ... إلخ).
(ش): تعريف المسند يكون لإفادة السامع حكما على شئ معلوم له بإحدى طرق التعريف، بآخر مثله، أى إذا كان السامع يعلم للمحكوم عليه إحدى صفتين وأردت أن تفيده الأخرى فاجعل المعلوم للسامع مبتدأ، والمجهول له خبرا، كما إذا كان السامع يعرف زيدا باسمه ووصفه، ويجهل كونه أخاه، فتقول: (زيد أخوك) سواء عرف أن له أخا أم لم يعرف أن له أخا، وإن عرف أن له أخا، وأردت أن تعينه قلت: (أخوك زيد) أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا فلا يقال ذلك؛ فإن قلت: المصنف قال:
стр. 363
أو لازم حكم كذلك (١)؛ نحو: زيد أخوك، وعمرو المنطلق باعتبار تعريف العهد أو الجنس،
ــ
إنك تقول: (زيد أخوك) سواء عرف أن له أخا، أم لا، ثم قال: إن عرف أن له أخا وأردت أن تعينه قلت: (أخوك زيد)، وهذا القسم حاصل إذا علم أن له أخا الذى قال فيه آنفا: إنك تقول: (زيد أخوك). قلت: يمكن الجواب بأنه إذا علم أن له أخا، فإن كان يعلم زيدا قلت: (زيد أخوك)؛ لأن أخوك وإن كان معلوما من وجه، فزيد أولى أن يكون مبتدأ؛ لأنه معلوم باسمه وشخصه أو صفته فهو آكد علما من أخوك، وإن لم يكن يعلم زيدا فليقل: (أخوك زيد) لأن أخوك حينئذ معلوم من وجه فهو أولى بالإسناد إليه من المجهول من كل وجه، وكذلك الألف واللام سواء كانت عهدية أم جنسية فمن عرف زيدا باسمه ووصفه وعلم أنه قد كان من شخص انطلاق تقول له: (زيد المنطلق) أى: هو ذلك المنطلق المعهود فى ذهنك وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق الذى فى ذهنه هو زيد قلت: (المنطلق زيد).
وقد أورد المصنف أنه إذا لم يعرف فى المثال الأول أن له أخا أصلا، لم يكن معلوما عنده بإحدى طرق التعريف فلا يكون من هذا الباب، وكذا عكسه وهو: (أخوك زيد) إذا قلته لمن يعتقد أن له أخا، ثم الألف واللام فى هذين المثالين
عهدية، وقد تكون جنسية كما إذا عرف السامع إنسانا بعينه ووصفه، وهو يعلم جنس المنطلق وأردت أن تعرفه انطلاق زيد فتقول: (زيد المنطلق) وإن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: (المنطلق زيد) هذا مضمون كلام المصنف.
وقوله:" بإحدى طرق التعريف". الباء فيه يتعلق بمعلوم، وقوله:" بآخر" يتعلق بقوله" حكما"، أو بقوله:" إفادة". وقوله:" مثله" يريد فى أنه معرفة، لا فى اتحاد جهة تعريفهما؛ فإن جهة التعريف فى المثالين السابقين فى أحد الاسمين العلمية وفى الآخر التعريف بالإضافة إلى المضمر، ويرد عليه فى قوله:" بإحدى طرق التعريف" أن علم إحدى صفتى الشئ لا ملازمة بينه، وبين إحدى طرق التعريف؛ فقد يعرف الشئ بصفة من غير تعريف لفظى، كقولك: (رجل فى الدار عندنا) وقد تكون فيه إحدى طرق التعريف وهو مجهول كقولك: (الرجل خير من المرأة) فينبغى أن يكون المرعى
стр. 364
وعكسهما (١).
والثانى (٢): قد يفيد قصر الجنس على شئ تحقيقا؛ نحو: زيد الأمير، أو مبالغة لكماله فيه؛ نحو: عمرو الشجاع.
ــ
هنا التعريف المعنوى المقابل للتجهيل لا التعريف اللفظى المقابل للتنكير وقوله:" أو لازم حكم"، أى: إذا كان السامع غير جاهل بهما، ولكن قصد المتكلم إعلامه بأنه يعرف أحدهما وحكم به على الآخر، كقولك: الذى أثنى على أنت، لمن يعلم أن الثناء نقل إليك، ولا يدرى هل تعلم أنه المثنى أو لا؟ تقديره: علمت أن المثنى أنت، وتقول: أنت المثنى علىّ، فى عكسه. وقوله: (وعكسهما) هو بالخفض معطوف على المثالين، وهما أخوك زيد، والمنطلق عمرو (وقوله: والثانى قد يفيد قصر الجنس) يريد بالثانى ما فيه الألف واللام سواء كانت دخلت على المسند أم المسند إليه، فتارة لا يفيد قصر الجنس على شئ كقول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا (٣)
وقد يفيد قصر الجنس كقول المصنف: (على شئ) إنما لم يقل على المسند؛ لأنه تارة يفيد قصر المسند، وتارة قصر المسند إليه، وذلك فى: زيد المنطلق، والمنطلق زيد. وفى كلامه نظر؛ لأن ذلك لا تختص به الألف واللام، بل الإضافة كذلك، فلا حاجة لقوله: (كذلك) فإن قولك: زيد صديقى، قد يقال: بإفادته للحصر على قول من جهة ما دل عليه من استغراق الإضافة، لا بالمعنى الذى حصل به القصر فى قولنا: زيد المنطلق؛ فإن المدرك فيه الإخبار
بالجنس، كما تنبئ عنه الألف واللام، أما الإضافة فإنها لا تنبئ عن الجنس؛ ولذلك تقول: إن قولنا: زيد المنطلق لا فرق فى إفادته الاستغراق بين أن تكون الأداة فيه جنسية أو استغراقية إلا أن المدرك فيهما مختلف، وذلك تارة يكون تحقيقا، مثل: زيد الأمير، والأمير زيد، إذا لم يكن أمير سواه، وتارة مبالغة لكماله فى ذلك الوصف، نحو:
عمرو الشجاع والشجاع عمرو، وقد يقال: إن بيت الخنساء من ذلك.
стр. 365
وقيل: الاسم متعيّن للابتداء؛ لدلالته على الذات، والصفة للخبريّة؛ لدلالتها على أمر نسبى:
وردّ بأنّ المعنى: الشخص الذى له الصفة صاحب الاسم.
ــ
واعلم أن (زيد المنطلق) ليس موضوعا للحصر، بخلاف (المنطلق زيد) كما تقرر فى الأصول؛ فحينئذ حالة إرادة القصر فى (المنطلق زيد) بوضع اللفظ وحالة إرادته فى (زيد المنطلق) تحتاج لقرينة، والسكاكى قال: زيد المنطلق، والمنطلق زيد فى المقام الخطابى يلزم من كل منهما أن لا يكون غير زيد منطلقا، والمقصور تارة يكون الجنس نفسه من غير اعتبار التقييد بظرف أو غيره كما سبق وقد يكون باعتبار تقييده كقولك: هو الوفى حين لا تظن نفس بنفس خيرا، وحيث أريد القصر لا يعطف عليه، فلا يقال: زيد المنطلق وعمرو؛ لأنه يلزم اجتماع القصر وعدمه، وسيأتى ذلك فى باب القصر.
وقوله: (وقيل الاسم متعين) لا يخفى أن الكلام فى هذا الفصل مبنى على أصل، وهو أن المبتدأ والخبر متى كانا معرفتين فالأول هو المبتدأ، والثانى هو الخبر، هذا هو المشهور، وقيل: إن اختلفت رتبتهما فى التعريف فأعرفهما المبتدأ، وإلا فالسابق.
وقيل: أنت بالخيار أيهما شئت اجعله مبتدأ، وهو قول أبى على (١)، وظاهر قول سيبويه فى باب كان. وقيل: المعلوم عند المخاطب مبتدأ، والمجهول خبر. وقيل: الأعم هو الخبر، وقيل: الاسم متعين للابتداء والوصف متعين للخبر، قاله الإمام فخر الدين (٢) فى" نهاية الإيجاز"، وقال المصنف: لا يقال: زيد دال على الذات، فهو متعين للابتداء تقدم أو تأخر، والمنطلق دال على أمر نسبى فهو الخبر أبدا؛ لأنا نقول: المنطلق لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى
الشخص الذى له الانطلاق، وهو بهذا المعنى لا يجب أن يكون خبرا وزيد لا يجعل خبرا إلا بمعنى صاحب اسم زيد، وهو بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ كذا قاله المصنف، وقد يقال: إن الدال على الوصفية إنما هو منطلق، أما المنطلق فالألف واللام فيه موصول بمعنى الذى وهى فى الجمود والدلالة على الذات كزيد؛
стр. 366
وأما كونه جملة:
فللتقوّى، أو لكونه سببا، كما مر.
واسميّتها وفعليّتها وشرطيّتها: لما مرّ (١).
ــ
ولذلك يقع المنطلق وغيره من الموصولات موصوفا مباشرا للعوامل غير محتاج لجريانه على موصوف قبله.
بقى النظر فى أنا إذا قلنا: المنطلق زيد، فهل نقول: المبتدأ الألف واللام خاصة، كما أن الذى هو المبتدأ دون صلته، أو نقول: المبتدأ الألف واللام وما اتصل بها؟ فيه نظر، وقد يقال بمثله فى الذى إلا أن اتصال الألف واللام بصلتها أشد.
كون المسند جملة:
ص: (وأما كونه جملة ... إلخ).
(ش): كون المسند جملة إما للتقوى والمراد تقوى الحكم بنفس التركيب، نحو: أنا قمت، وإنما قلنا بنفس التركيب؛ لأن التقوى قد يكون بالتكرير وبالحرف، مثل: إن واللام، وعلمنا أن المفيد للتقوى فى (زيد قام) ليس مجرد تكرار الإسناد فإن ذلك موجود فى المفرد نحو: (زيد قائم) ولا تقوى فيه، وإما أن يؤتى بالجملة لكون المسند سببيا، وقد تقدم مثل: زيد أبوه قائم إذ القيام غير حاصل للمسند إليه أولا.
ص: (واسميتها ... إلخ).
(ش): ينبغى أن يكون هذا استطرادا، أى: اسمية الجملة أو فعليتها مسندة كانت أم لا؛ لأن أمثلتهم ليس فيها تقييد الكلام بجملة هى مسندة فتكون الجملة اسمية لإفادة الثبوت والاستقرار، لما تقدم من أن الاسم يفيد ذلك وتكون
الجملة فعلية لما تقدم من إفادة التجدد الذى يقتضيه الفعل، ومن رعاية ذلك قوله تعالى: قالوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (٢)؛ لأن إبراهيم قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به رعاية لمعنى قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (٣) وقد ذكر المصنف فى الإيضاح وجها آخر، وذكر أنه أشبه بأصول الفلاسفة، وقد قصدت تطهير هذا الكتاب منه.
стр. 367
وظرفيّتها: لاختصار الفعلية؛ إذ هى مقدّرة بالفعل؛ على الأصح.
وأما تأخيره:
فلأنّ ذكر المسند إليه أهمّ؛ كما مر.
ــ
(قلت): والوجهان بناء على أن سلاما محكى منصوب بفعل، وفى الآية قول: إنه مفعول بقالوا أو مطلقا، والمعنى قولا سلاما. قلت: والمسند هنا ليس جملة فلذلك قلنا:
إن المراد تعليل إتيان الجملة فعلية مطلقا وعلى التفصيل بين الاسمية والفعلية جاء قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) أى: تجدد دعائكم أم صمتكم المستمر؛ لأن الصمت عندهم هو الذى كان عادة مستمرة، وكذلك: قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٢) أى: هل أحدثت لنا ما لم تكن تألفه أم أنت على اللعب الذى كان مستمرا من الصغر على زعمهم. وأما قوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٣) بعد من يقول: آمنا، فالمراد إخراج ذواتهم من جنس المؤمنين مبالغة فى تكذيبهم؛ ولهذا أطلق مؤمنين وأكد بالباء، ونحوه: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها (٤). وقد يقال عليه: إن الاسم إذا كان دالا على الثبوت وعلى النسبة كيف يدل نفيه على نفى كل منهما، ونفى الأخص أعم من نفى الأعم؟
وأما شرطية الجملة فلما مر، وقوله: (وظرفيتها) لاختصار الفعلية مثاله: زيد عندك أبوه، أو زيد عندى، أو فى الدار وأن التقدير: استقر فى الدار فهو لاختصار ذلك، وقد بناه المصنف على رأيه من أنها مقدرة بفعل، والجمهور أنها مقدرة باسم. وقول المصنف:
(ظرفية الجملة) على هذا الشرح لا يصح؛ لأن الظرف ليس بجملة إلا إذا قلنا فى: زيد عندك أبوه: إن العمل للظرف نفسه، بل الظرف على هذا ليس بجملة، إنما هو جزء الجملة، وكأنه يعنى بظرفية الجملة أن ينطق بظرفيتها.
تأخير المسند:
ص: (وأما تأخيره فلأن ذكر المسند إليه أهم كما مر).
(ش): هذا واضح وقد تقدم ذكره؛ لأن كل ما اقتضى تقدم المسند إليه من كونه الأصل وغيره اقتضى تأخير المسند.
стр. 368
وأما تقديمه:
فلتخصيصه (١) بالمسند إليه؛ نحو: لا فِيها غَوْلٌ (٢) أى: بخلاف خمور الدنيا؛ ولهذا لم يقدّم الظرف فى نحو: لا رَيْبَ فِيهِ (٣)؛ لئلا يفيد ثبوت الريب فى سائر كتب الله تعالى.
أو التنبيه من أول الأمر - على أنه خبر لا نعت؛ كقوله [من الطويل] (٤):
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر!
ــ
تقديم المسند:
ص: (وأما تقديمه ... إلخ).
(ش): تقديم المسند إما لتخصيص المسند بالمسند إليه، كقولك: تميمى أنا، فى جواب من قال: أنت حجازى وشاعر، وكقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ (٥) المعنى اختصاصها بذلك دون خمور الدنيا، ولذلك لم يقدم الظرف فى: لا رَيْبَ فِيهِ لئلا يفيد ثبوت الريب فى سائر كتب الله ، نعم هنا سؤال، وهو أن مدلول فيها غول ما الغول إلا فيها فنفيه ما اختصت بالغول، وهذا غير المراد؛ لأن ما اختصت بالغول أعم من أنها اشتركت هى وغيرها فيه، وليس هو مرادا، وجوابه يطول ذكره وسنتكلم عليه فى الاختصاص بتقديم المعمول، أو إما أن يقدم المسند ليفيد
التنبيه من أول الأمر على أن المتقدم خبر، كقول حسان رضى الله عنه يمدح رسول الله ﷺ :
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
له راحة لو أنّ معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
يعنى لو أخر فقال: همم له، لتوهم أنه صفة، وقد يقال: كان الوهم يزول بأن يقال: همم لا منتهى لكبارها له، فإن له حينئذ يتعين للخبرية، إلا أن يقال: يحتمل أن يكون صفة ثانية والخبر محذوف بقرينة، ولا مانع من الوصف بالجملة قبل الوصف بالجار والمجرور، وإن كان قليلا مرجوحا، قلت: ويمكن أن يقال: التقديم هنا إما للاختصاص، وإما للتفاؤل ومسرة السامع مثل:
стр. 369
أو التفاؤل؛ أو التشويق إلى ذكر المسند إليه؛ كقوله [من البسيط]:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر (١)
تنبيه
كثير مما ذكره فى هذا الباب (٢) - والذى قبله (٣) - غير مختصّ بهما؛ كالذّكر والحذف وغيرهما، والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما، لا يخفى عليه اعتباره فى غيرهما.
ــ
عليه من الرّحمن ما يستحقّه
أو عكسه كما تقدم فى المسند إليه. وإن كان المصنف أهمل هذا القسم هنا، ولا وجه لإهماله. وإما لإرادة التشويق إذا ذكر المسند إليه كقوله:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر (٤)
ولك أن تقول: إنما حصل التشويق من صفة المسند لا منه، ومن الناس من قال: إن ثلاثة مبتدأ سوغ الابتداء به
الإفادة على رأى الجرجانى، أو التعيين كقولهم فى عمر - رضى الله عنه -: رجل اختار لنفسه، وتشرق: خبره، وفى هذا البيت من البديع الجمع والتفريق.
ص: (تنبيه ... إلخ).
(ش): التنبيه يذكر فيه ما له تعلق بالكلام السابق، ويدخل فيه دخولا خفيا، ومضمون هذا التنبيه أن ما ذكره فى هذا الباب والذى قبله، وهما بابا المسند إليه من الذكر والحذف وغيرهما، أى: من التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، ونحو ذلك، والتوابع، والإفراد والجملة اسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية يجرى كثير منه فى غير المسند والمسند إليه، وأن من أتقن اعتبار ذلك فيهما ما لا يخفى عليه اعتباره فى غيرهما من المفاعيل والملحق بها، وغير ذلك والله تعالى أعلم.
стр. 370
أحوال متعلّقات الفعل الفعل مع المفعول كالفعل مع الفاعل، فى أنّ الغرض من ذكره معه (١) إفادة تلبّسه به، لا إفادة وقوعه مطلقا؛ فإذا لم يذكر (٢) معه، فالغرض إن كان إثباته لفاعله أو نفيه عنه مطلقا (٣): نزّل منزلة اللازم، ولم يقدّر له مفعول؛
ــ
باب أحوال متعلقات الفعل
ص: (أحوال متعلقات الفعل مع المفعول كالفعل مع الفاعل ... إلخ).
(ش): هذا الباب لأحوال متعلقات الفعل، ولم يستوعبها المصنف، بل ذكر منها الفاعل والمفعول، وذكر الفاعل فيه نظر؛ لأنه مسند إليه، فكان ذكر أحواله بباب المسند إليه أليق، ثم الأحوال التى يريدها هى الذكر والترك، والتقديم والتأخير فقط، والترك لا يأتى فى الفاعل؛ لأنه لا يحذف، ثم ينبغى أن يقول: الفعل وما فى معناه مما يعمل عمله،
ولا شك أن الفعل مع المفعول، كالفعل مع الفاعل فى أن الغرض من كل منهما إفادة التلبس به لا إفادة وجوده فقط، فعمل الرفع فى الفاعل ليفيد وقوعه منه، والنصب فى المفعول ليفيد وقوعه عليه، فالمتكلم تارة يريد الإخبار عن الفعل. أى: الحدث من غير تلبس فاعل ولا مفعول، فيقول: وقع ضرب، ونحوه ليس فى هذا التركيب شئ من تعلقات الضرب. وظاهر عبارة المصنف أنه مع إرادة غير الحديث لا يؤتى بالفعل؛ فلا تقول: حضر شئ ونحوه، وتارة يراد فاعله فيؤتى بالفعل الصناعى الذى هو مشتق من الحدث الذى يريد الإخبار به، فيذكر فاعله أبدا عند البصريين إلا فى مواضع مستثناة.
ويجوز الحذف عند الكسائى، ثم إن كان متعديا فتارة يقصد الإخبار بالحدث والمفعول دون فاعل فيبنى للمفعول، تقول: ضرب زيد، وتارة يقصد الإخبار بالفاعل ولا يذكر مفعوله، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يقصد إثبات المعنى للفاعل أو نفيه عنه على الإطلاق من غير اعتبار عموم ولا خصوص، ولا تعلق بمن وقع عليه، فالمتعدى حينئذ كاللازم فلا يذكر مفعوله، لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار بتعلقه بالمفعول، ولا يقدر حينئذ؛
стр. 371
لأن المقدّر كالمذكور، وهو ضربان؛ لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا كناية (١) عنه متعلقا بمفعول مخصوص، دلّت عليه قرينة أو لا (٢):
الثاني: كقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٣).
السّكاكىّ: ثم إذا كان المقام خطابيّا (٤) لا استدلاليّا (٥)، أفاد ذلك (٦) مع التعميم (٧)؛ دفعا للتحكّم (٨):
ــ
لأن المقدر كالمذكور، وهذا لا يتأتى فى الفاعل، بل متى ذكر الفعل الصناعى وجب الإتيان بالفاعل أو نائبه.
قلت: وهذا حقيقة اللازم فلا ينبغى أن يقال: هو كاللازم، وكأنهم يعنون باللازم حقيقة. قال المصنف: وهذا قسمان: أحدهما: أن يجعل إطلاق الفعل كناية عن الفعل متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة، والثانى: أن لا يكون كذلك كقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أى: من له صفة العلم، ومن ليست له، ثم نقل عن السكاكى أنه قال: ثم إن كان المقام خطابيا يعنى بالخطابى ما يقع فيه بظاهر اللفظ مثل: المطلق فإنه عام
عموما خطابيا كمقام المدح والذم، والتخويف والإنذار، والبشارة ونحوها. بمعنى أن المخاطب إذا لم يره مفيدا حمله على جميع أفراده على البدل بخلاف الاستدلالى؛ فإنه لا بد فيه من برهان، فإن كان المقام خطابيا أفاد ذلك، أى: تنزيله منزلة اللازم مع التعميم فى أفراد الفعل، لا يقال: كيف يكون لازما، ويفيد التعميم؟ لأنا نقول: مراده التعميم؛ فى أفراد الفعل لا فى المفاعيل، فإنك إذا قلت: قام زيد، قد تريد به أنه وقع منه جميع أفراد القيام على سبيل البدل ولا مفعول دفعا؛ لأن حمله على أحد الأفعال دون غيره عين التحكم بغير دليل فيحمل على الجميع، ثم جعل يعنى السكاكى قولهم: فلان يعطى ويمنع محتملا لذلك، ولإفادة تعميم الفعل كما سيأتى يعنى بتعميم المفعول العموم الشمولى فى المفاعيل وبتعميم الفعل
стр. 372
والأول (١): كقول البحترىّ فى المعتزّ بالله [من الخفيف]:
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعى
أى: أن يكون ذو رؤية، وذو سمع، فيدرك محاسنه وأخباره الظاهرة الدالّة على استحقاقه الإمامة دون غيره؛ فلا يجدوا إلى منازعته سبيلا.
وإلا (٢) وجب التقدير بحسب القرائن.
ــ
العموم البدلى فى الأفعال، وإنما لم يقل فيه عموم المفعول؛ لأن الغرض أن الفعل جاء قاصرا فلا مفعول له، وقد نازعه الخطيبى الشارح فى النقل عن السكاكى بما يعرفه من وقف على كلامه فلا حجة للإطالة بذكره، وقول المصنف: (وإن لم يكن خطابيا فلا يفيد ذلك) قال الخطيبى: الإشارة فى قول المصنف ذلك غير ما ذكره مما لا
يخفى ضعفه، وأما القسم الأول وهو أن يكون الفعل المطلق الذى جعل لازما كناية عنه متعلقا بفعل مخصوص دلت عليه قرينة فكقول البحترى يمدح المعتز بالله:
شجو حسّاده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعى (٣)
أى: ليس فى الوجود ما يرى ويسمع إلا آثاره المحمودة، فإذا أبصر مبصر لا يرى إلا محاسنه، وإذا سمع سامع كذلك، فغيظ عداه أن يقع إبصار أو سمع فإنه كيف وقع لا يقع إلا على محاسنه، بخلاف ما لو قال أن يرى مبصر محاسنه؛ فإنه ليس فيه حينئذ ما يقتضى أنه ليس فى الوجود ما يبصر غير محاسنه، فإن قلت: المصنف قد جعل هذا قسما من جعل المتعدى لازما فكيف يقول بعد ذلك: إنه كناية عن مفعول وإن التقدير أن يرى آثاره. قلت: لا منافاة بين الكلامين بأن يجعله قاصرا، وهو كناية عن رؤية خاصة وسمع خاص، وخصوصيته باعتبار أنه نوع خاص من الإبصار باعتبار مفعوله الخاص فهو قاصر مكنى به عن متعد لا يصلح لا لمفعول واحد نعم لك أن تقول: المتعدى لمفعول واحد كيف يكنى عنه بالقاصر، والقاصر ليس لازما للمتعدى للواحد، بل ولا يجتمع معه. (قوله: وإلا) أى: وإن لم يكن قطع النظر عن المفعول، بل قصد ولم يذكر لفظا فإنه يقدر بحسب القرائن.
стр. 373
ثم الحذف:
إمّا للبيان بعد الإبهام كما فى فعل المشيئة - ما لم يكن تعلقه به غريبا؛ نحو:
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١)
ــ
(تنبيه): مما ذكرنا يعلم أنه لا بد فى الفاعل والمفعول وغيره من متعلقات الفعل من زيادة فائدة، فلا تقول: قام قائم، وضربت مضروبا، وما أوهم ذلك فليؤول كقوله تعالى:
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (٢)، وقوله تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ (٣)، وقوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ (٤)، وليس منه: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (٥)، فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٦) فإن الألف واللام تفيد زيادة، ولا نحو: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ (٧)؛ لأن الفاعل مقيد بالصفة؛ ولعل الجواب عما ورد من ذلك أنه يقدر له صفة محذوفة. التقدير رسولا عظيما: سَأَلَ سائِلٌ (٨)
شفيع أو يكون التنكير الواقع فى مثله لمعنى من المعانى السابقة. وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ (٩) المعهودة التى عرف أنك فعلت، ورأيت بخط الوالد ﵀ فى بعض التعاليق ما نصه: يقال: جاء شئ، ولا يقال: جاء جاء، وإن كان الجائى أخص من شئ؛ لأن جاء مسند والمسند إليه الفاعل، ومعرفة المسند إليه سابقة على معرفة المسند، فمتى عرف الجائى عرف المجئ، فلا يبقى فى الإسناد فائدة. والشئ قد يعرف ولا يعرف مجيئه. وما ذكره الوالد صحيح ولا يرد عليه نحو:
أتانى آت، ونحو: هريرة ودّعها وإن لام لائم.
فإن التنكير فى مثل ذلك لمعنى خاص، وكلامنا إنما هو فى جاء جاء من غير إرادة شئ خاص ثم أخذ فى تفصيلها.
حذف المفعول للبيان بعد الإبهام:
ص: (ثم الحذف إما للبيان بعد الإبهام ... إلخ).
(ش): حذف المفعول مع تقديره لأحد أمور، منها: أن يقصد البيان بعد الإبهام، كما فى فعل المشيئة، ما لم يكن تعلقه بها غريبا؛ فإنه لا يذكر كما ذكرنا نحو: فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أى فلو شاء هدايتكم لهداكم فإنه إذا سمع السامع فلو شاء
стр. 374
بخلاف نحو [من الطويل]:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ...
وأما قوله (١) [من الطويل]:
ولم يبق منّى الشّوق غير تفكّرى ... فلو شئت أن أبكى بكيت تفكّرا
فليس منه؛ لأنّ المراد بالأول البكاء الحقيقىّ.
ــ
تعلقت نفسه بشئ أبهم عليه، لا يدرى ما هو فلما ذكر الجواب استبان بعد إبهامه.
وأكثر ما يقع ذلك بعد (لو)؛ لأن مفعول المشيئة مذكور فى جوابها وكذلك غيرها من أدوات الشروط، وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب كقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ (٢) وقد يذكر إذا كان فيه غرابة لتأنيس السامع به كقوله:
ولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع (٣)
وقال التنوخى: إنه إنما ذكر فى البيت لاحتياجه فى الوزن إلى ضمير بكيته فاحتاج لما يفسره ولتعظيم بكاء الدم أيضا أو يذكر لأن المذكور فى جواب لو خلافه كقول ابن عباد:
فلم يبق منى الشّوق غير تفكّرى ... فلو شئت أن أبكى بكيت تفكّرا
فإنه ليس المراد: فلو شئت أن أبكى تفكرا بكيت تفكرا، ولكن لو شئت أن أبكى البكاء الحقيقى، فالمراد بالبكاء فى الأول البكاء الحقيقى، وفى الثانى المجازى، إشارة إلى أنه من النحول لم يبق فيه محل لدمعة ولا شئ من الفضلات، فلو عصر عينيه لخرج منهما التفكر بدل الدمع، وأورد أنه: هلا يكون المراد فلو شئت أن أبكى تفكرا لبكيت تفكرا، معناه أنه فنى حتى صار قادرا على البكاء التفكرى؛ فيكون كالبيت قبله، وأجيب بأنه ليس التفكر مذكورا فى الشرط، وردّ بأن قوله: غير تفكرى يغنى عنه. قلت: وأيضا يكون محذوفا، ويتنازع فى تفكر المذكور فعلا الشرط وجوابه.
(تنبيه): قد يقال: ما الحكمة فى اطراد أو كثرة حذف مفعول المشيئة دون غيره من الأفعال؟
стр. 375
وإمّا لدفع توهّم إرادة غير المراد ابتداء؛ كقوله [من الطويل]:
وكم ذدت عنّى من تحامل حادث ... وسورة أيّام حززن إلى العظم!
إذ لو ذكر اللحم، لربّما توهّم قبل ذكر ما بعده أن الحزّ لم ينته إلى العظم.
ــ
فالجواب: أن المشيئة يلزم من وجودها وجود المشئ، وإذا كان كذلك فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب؛ ولذلك كانت الإرادة كالمشيئة فى وجوب اطراد حذف مفعولها، صرح به ابن خطيب زملكان فى البرهان، وصاحب الأقصى القريب، وهو واضح، وبعد أن خطر لى هذا الجواب بسنين كثيرة رأيت التنوخى قد وقع عليه فقال فى الأقصى: علة ذلك أن مادة المشيئة والشئ واحد، فالمشيئة جعل ما ليس بشئ شيئا، فمعمولها لا يتأخر عنها وهو بعد لو منفى لانتفائه فى الجواب، فانتفاء المشيئة لازم لانتفائه فانتفاؤه بالوضع، وانتفاء المشيئة باللزوم، فحذف مفعول المشيئة، لينصرف الانتفاء إلى المشيئة فيكون انتفاء مفعولها تابعا لها. اه.
(تنبيه): وإذا حذفته بعد لو فهو المذكور فى جوابها أبدا، كذا قالوه، وقد يرد عليهم قوله تعالى: قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً (١) فإن المعنى لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة لأن المعنى يعين ذلك، وبذلك فسره الوالد - رضى الله عنه - فى تفسيره.
حذف المفعول لدفع توهم إرادة غير المراد:
وإما (٢) أن يحذف المفعول كى لا يبتدر ذهن السامع ابتداء الإرادة غير المقصود كقول الشاعر:
وكم ذدت عنّى من تحامل حادث ... وسورة أيّام حززن إلى العظم (٣)
فإنه لم يفهم أن المحزوز اللحم، حتى علم أن الحز وصل إلى العظم، فلو قال:
حززن اللحم لربما توهم السامع أولا أن المقصود الإخبار بحز اللحم من غير نظر إلى
стр. 376
وإما لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمّن إيقاع الفعل على صريح لفظه؛ إظهارا لكمال العناية بوقوعه (١) عليه (٢)؛ كقوله [من الخفيف]:
قد طلبنا فلم نجد لك فى السّؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا
ويجوز أن يكون السبب ترك مواجهة الممدوح بطلب مثل له.
وإمّا للتعميم مع الاختصار؛ كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أى: كلّ أحد؛ وعليه: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ (٣)
ــ
انتهائه إلى العظم وقولنا: (ابتداء) هو كقولنا: إنه يتعين التقديم فى نحو فى الدار رجل ويؤتى بالفصل فى نحو: زيد هو الفاضل غير أنهم أوجبوا التقديم فى المثال الأول ولم يوجبوه فى: زيد هو الفاضل.
حذف المفعول لإرادة ذكره ثانيا:
وإما لإرادة ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه إظهارا لكمال العناية بوقوعه عليه هذه عبارة المصنف، ومراده أن يراد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل الثانى على صريح لفظه إظهارا لكمال العناية كقوله:
قد طلبنا فلم نجد لك فى السّؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا (٤)
فأراد إيقاع نفى الوجدان على المثل صريحا بخلاف ما لو قال: قد طلبنا لك مثلا فى السؤدد فلم نجد هذا إنما يكون لو تعذر ذكر مفعولى الفعلين فإن هذا المعنى يحصل بذكرهما، والأحسن ما ذكره المصنف ثانيا وهو أن تقول: إنه قصد التأدب مع الممدوح بأن لا يصرح له بأنه طلب له مثلا، وفى البيت نقد وهو أن عدم وجدان مثل فى هذه الصفات الثلاث لا ينفى وجدان واحد منها فهذا موضع أن يقول: ولا فى الفضل ولا المكارم وتركه على وجه يتزن به البيت.
حذف الفعل لإرادة التعميم مع الاختصار:
وإما أن يكون الحذف للتعميم مع الاختصار، مثل: قد كان منك ما يؤلم، أى:
يؤلم كل أحد وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أى: كل أحد، ولو صرح به لأفاد التعميم دون الاختصار، لا يقال: المعنى يدعو من يشاء بقرينة قوله تعالى:
стр. 377
وإمّا لمجرّد الاختصار عند قيام قرينة؛ نحو: أصغيت إليه، أى: أذنى؛ وعليه:
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ (١) أى: ذاتك.
وإما للرعاية على الفاصلة؛ نحو: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٢).
ــ
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ (٣)؛ لأن الواقع أن كل أحد دعاه الله إلى دار السّلام، فإن قلت: إذا قدرت يدعو من يشاء، وقد شاء دعاء كل أحد طابق ما بعده وحصل العموم؛ لأن المعنى من يشاء أن يدعوه. قلت: إنما يحذف فى الأول ما فى الثانى، والذى فى الثانى تقديره: من شاء أن يهديه، فلو قدرنا مثله فى الأول لكان تقديره يدعو من يشاء هدايته، وهو غير المراد، ويمكن النزاع فيه وأن يقال: تقدير من يشاء هدايته يدل على تقدير من يشاء دعوته؛ لأن قرينة كل مفعول محذوف فعله فالجواب حينئذ أنا لو قدرنا: يدعو من يشاء لأوهم انقسام الناس إلى مدعو وغيره كانقسامهم إلى مهدى وغيره، ولك أن تقول: الحذف للاختصار، وأما التعميم فمن أين استفدناه؟! وإفادة التعميم من هذه الآية إنما حصل من خصوص الآية بدليل خارجى.
حذف الفعل لمجرد الاختصار:
وإما للاختصار عند قيام قرينة دالة على إرادة الاختصار نحو: أصغيت إليه أى:
أذنى وهو من الأفعال التى أميت ذكر مفعولها ومنه: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (٤) أى:
أنفسكم، وبنى على امرأته، أى: قبة، ورجع عن الغواية أى: نفسه. ومنه قوله تعالى:
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أى ذاتك.
(قلت): وعندى أن ترك المفعول هنا للتعظيم، وعلى ما سبق صحح الزمخشرى قول أبى نواس:
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النّزع لا للنّاس (٥)
قال: لأن الفعل متعد فى أصله فلا عليه إذ نظر إلى الأصل.
حذف الفعل لرعاية الفاصلة:
وإما لرعاية الفاصلة، وعبارة المصنف للرعاية على الفاصلة، وفيها نظر، ولعله ضمنه معنى المحافظة، ومثاله قوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أى: ما قلاك فإنه روعى قوله تعالى: سَجى (٦).
стр. 378
وإما لاستهجان ذكره؛ كقول عائشة رضى الله عنها: (ما رأيت منه؛ ولا رأى منّى) (١) أى: العورة.
وإما لنكتة أخرى.
وتقديم مفعوله، ونحوه عليه: لردّ الخطأ فى التعيين؛ كقولك: زيدا عرفت لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا، وإنه غير زيد، وتقول لتأكيده لا غيره؛ ولذلك لا يقال: ما زيدا ضربت ولا غيره خ خ، ولا: ما زيدا ضربت، ولكن أكرمته ".
ــ
حذف المفعول لاستهجان ذكره:
وإما لاستهجان ذكر المفعول كقول عائشة رضى الله عنها: ما رأيت منه ولا رأى منى.
حذف المفعول لنكتة أخرى:
(قوله: وإما لنكتة أخرى) أى: لمعنى آخر يقتضى الحذف، كخوف ذكره وإرادة الإنكار لدى الحاجة وجعل السكاكى من الحذف للاختصار قوله تعالى: وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ (٢) وقال الزمخشرى: ترك المفعول؛ لأن الغرض الفعل لا المفعول، قال المصنف فى الإيضاح: قد يشتبه الحال فى الحذف وعدمه؛ لعدم تحصيل معنى الفعل كقوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (٣) قد يتوهم أن معناه نادوا فلا حذف، ولا يصح، لأنه يلزم الاشتراك لو كان المسمى متعددا أو عطف الشئ على نفسه إن كان واحدا، بل هو بمعنى سموا فالحذف واقع والله تعالى أعلم.
تقديم المفعول على الفعل:
ص: (وتقديم مفعوله ونحوه عليه ... إلخ).
(ش): تقديم مفعول الفعل عليه يكون لرد الخطأ فى التعيين، والمراد أن المخاطب يظن وقوع الفعل على مفعول
معين، والغرض أنه واقع على غيره: كقولك: زيدا عرفت، لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا غير زيد، وتؤكد هذا بقولك: لا غيره - كذا قاله
стр. 379
وأما نحو: زيدا عرفته فتأكيد إن قدّر المفسّر قبل المنصوب؛ وإلا فتخصيص.
وأمّا نحو: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١): فلا يفيد إلا التخصيص؛ وكذلك قولك: بزيد مررت خ خ.
والتخصيص لازم للتقديم غالبا؛
ــ
المصنف - وينبغى أن يقيد كونه تأكيدا بما إذا كان مرادا به الاختصاص، فإن لم يرد فيكون قولك: لا غيره تأسيسا لا تأكيدا، إلا أن يريد أنه تأكيد لتعلق الفعل بالمفعول السابق، وإن أفاد نفى غيره، قال المصنف: ولذلك لا يقال: ما زيدا ضربت ولا غيره لتناقض دلالة الأول والثانى؛ لأن ما زيدا ضربت، خاطبت به من يعلم أن إنسانا ضربته، ولكنه غلط فى تعيينه وأصاب فى معرفة إنسان فى الجملة، وقولك: ما زيدا ضربت ولا غيره، يخالف ذلك، ولك أن تقول: لم لا يقدم المفعول إذا كان الخطاب مع من يعتقد أنك ضربت زيدا وهو مخطئ فى أصله، وفى تعيينه بأن يكون الواقع أنك لم تضرب أحدا، ويصح حينئذ: ما زيدا ضربت ولا غيره، قال: وكذلك لا يجوز أن تعقب الفعل المنفى بإثبات ضده كقولك: ما زيدا ضربت ولكن أكرمته؛ لأن التقديم إنما يكون لرد الخطأ فى تعيين المفعول فيرد إليه بالتقديم لا لرفع الخطأ فى المسند، بل إنما يحسن الرد هنا بأن يقال: ما زيدا ضربت ولكن عمرا. وأما نحو قولك: زيدا عرفته، فإن قدر العامل قبل قولك: زيدا، فليس مما نحن فيه؛ لأن المفعول حينئذ غير مقدم، فلا يكون فيه إلا تأكيد بإعادة الجملة، وإن قدر بعد المنصوب كان مما نحن فيه، فيكون للتخصيص ما لم ينصرف عنه على أن التأكيد حاصل على التقديرين. وقوله تعالى:
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ للتخصيص؛ لأن عامل ثمود على قراءة النصب مؤخر؛ لأن أما بمعنى: مهما يكن من شئ، فهو
بمعنى فعل، فلا يليها فعل؛ لأنه يجتمع فعلان - كذا قالوه - وفيه نظر سيأتى قريبا.
وكذلك تقديم ما ليس مفعولا صريحا كقولك: بزيد مررت، وهو المراد بقوله:
ونحوه، على ما قيل، والمراد به نحو المفعول من الحال والظرف ونحوهما؛ فيكون تقديم المعمول مطلقا مفيدا للاختصاص.
قوله: (والتخصيص لازم ... إلخ) أى: التخصيص لازم للتقديم، ويدخل فى قوله سائر المعمولات مع عواملها، فالظاهر أن ذلك لا اختصاص له بالمفعول، وقد صرح
стр. 380
ولهذا يقال فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١) معناه: نخصّك بالعبادة والاستعانة، وفى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (٢) معناه: إليه لا إلى غيره.
ويفيد فى الجميع - وراء التخصيص - اهتماما بالمقدّم؛ ولهذا يقدّر فى (باسم الله) مؤخّرا.
وأورد: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (٣):
وأجيب: بأنّ الأهمّ فيه القراءة، وبأنّه متعلّق ب (اقرأ) الثانى، ومعنى الأول: أوجد القراءة.
ــ
ابن الأثير وابن النفيس وغيرهما بأن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص. وقال صاحب الفلك الدائر: إن هذا لم يقل به أحد وزاد ابن الأثير فقال: تقدم الظرف فى الكلام المثبت يفيد الاختصاص، نحو: إن إلىّ مصير هذا الأمر، وقوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٤)، وكذلك تقديم الحال على صاحبها مثل: جاء راكبا زيد.
(قلت): هذا والذى قبله ليس من تقديم المعمول على عامله، بل من تقديم بعض المعمولات على بعض، وسيأتى أنه لا يفيد الاختصاص.
وقوله: (لازم للتقديم غالبا) يعنى: أن الغالب أن التقديم يكون للتخصيص، وقد يخرج عن ذلك لغرض غيره كما تقدم فى تقديم المسند إليه، فإن قلت: قوله: غالبا، كيف يجتمع مع قوله: لازم؟ قلت: لا يعنى بقوله: لازم للتقديم أنه لا يفارقه، بل يعنى أنه لازم الإمكان ولكون التقديم مفيدا للاختصاص تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ معناه نخصك بالعبادة والاستعانة، وفى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ معناه: إليه لا إلى غيره، وكذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (٥) أخرت الصلة فى الشهادة الأولى وقدمت فى الثانية؛ لأن الغرض فى الأول إثبات شهادتهم، والغرض فى الثانى إثبات اختصاصهم بشهادة النبى عليهم، ثم ذكر أنه يفيد
وراء التخصيص شيئا آخر، وهو الاهتمام بالمعمول المقدم؛ ولذلك كان الأولى عند الجمهور تقدير العامل فى (باسم الله) متأخرا فيقدم (باسم الله اقرأ) وأورد أنه يتعين أن يكون مقدما ليوافق قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأجيب بأن الأهم ثم ذكر القراءة لأنها أول سورة نزلت وبأن بِاسْمِ رَبِّكَ يتعلق باقرأ المذكور ثانيا، ومعنى اقرأ الأولى أوجد
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القراءة بتنزيل الفعل المتعدى منزلة اللازم، وأورد عليه أنه يلزم الفصل بين المؤكد والمؤكد؛ لأن اقرأ الثانى تأكيد لاقرأ الأول وفصل بينهما بِاسْمِ رَبِّكَ وقد يجاب بأمور، منها: أن هذا ليس بتأكيد، فإن اقرأ الأول نزل منزلة اللازم كما سبق، وإن جعل تأكيدا للأول لم يصح؛ لأن الثانى أخص ولا يكون الأخص تأكيدا للأعم بخلاف العكس، ومنها أن الممتنع الفصل فى التأكيد الاصطلاحى، وهذا تأكيد لغوى بيانى لا يمتنع معه الفصل. ومنها: التزام جواز الفصل فى مثله كقوله سبحانه وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ (١) فقد فصل بين يرضين وكلهن بالجار والمجرور، هذا وهو ليس معمولا للمؤكد، فما كان معمولا أولى، وادعى الزمخشرى أن الاختصاص فى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٢) أبلغ منه فى إِيَّاكَ نَعْبُدُ والظاهر أن يريد لما فيه من تكرير المفعول المستدعى لتكرير الجملة، وفيما ذكره نظر، والذى يظهر العكس، فإن وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ لا دلالة فيه على التقديم حتى يفيد الاختصاص؛ لأن عامل إياى جاز أن يكون متأخرا عن إياى، وأن يكون متقدما عليه، فلا يكون المفعول مقدما، فلا اختصاص لا يقال: لا يصح ذلك فإنه لو تقدم العامل لما انفصل الضمير كما ذكره شيخنا أبو حيان فى تفسير هذه الآية رادا على من زعم ذلك؛ لأنا نقول: من أسباب الانفصال حذف العامل كما ذكره ابن مالك، وأما إِيَّاكَ نَعْبُدُ (٣) فلا ضرورة فيه، ولا دليل على حذف عامل إياك ومفعول نعبد، بل إياك معمول نعبد المذكور، فيتحقق فيه التقديم المفيد للاختصاص.
واعلم أن ابن الحاجب قال فى شرح المفصل: إن الاختصاص الذى يتوهمه كثير من الناس من تقديم المعمول وهم، واستدل على ذلك بقوله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٤) ثم قال تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ (٥) وهو استدلال
ضعيف؛ لأن مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أغنى عن إرادة الحصر فى الآية الأولى، ولو لم يكن فما الذى يمنع من ذكر المحصور فى محل بغير صيغة الحصر، كما تقول: عبدت الله، وتقول: ما عبدت إلا الله، كل سائغ.
قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ (٦) وقال تعالى:
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (١) بل قوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ (٢) من أقوى أدلة الاختصاص فإن قبلها لَئِنْ أَشْرَكْتَ (٣) فلو لم تكن للاختصاص، وكان معناها أعبد الله لما حصل الإضراب الذى هو معنى (بل). وقد رد الشيخ أبو حيان على مدعى الاختصاص بنحو قوله : أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٤) وجوابه أنه لما كان من أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله، كان أمرهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة، ورد صاحب الفلك الدائر الاختصاص بقوله تعالى: كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ (٥) وجوابه أنا لا ندعى اللزوم، بل الغلبة، وقد يخرج الشئ عن الحقيقة، وكذلك الجواب عن قوله تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ (٦) إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ، وقوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٧) وربما يستدل له بقوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ (٨) فإن المقصود منه إنما يحصل بادعاء الاختصاص، ويشهد له: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٩)، وكذلك يدل على الاختصاص قوله تعالى: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا (١٠)، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا (١١).
(تنبيه): يشترط فى كون التقديم مفيدا للاختصاص على القول به أن لا يكون المعمول مقدما وضعا؛ فإن ذلك لا يسمى تقديما حقيقة، وذلك كأسماء الاستفهام، وكالمبتدأ عند من يجعله معمولا لخبره وأن لا يكون التقديم لمصلحة التركيب مثل: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١٢) على قراءة النصب، خلافا لما فى الإيضاح فى الثانى من إفادة الاختصاص.
(تنبيه): وقد اجتمع الاختصاص وعدمه فى آية واحدة، وهى قوله تعالى: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ (١٣) فإن التقديم فى الأول قطعا ليس للاختصاص، وفى إياه قطعا للاختصاص، كما يظهر بالتأمل.
стр. 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): سلك الوالد رضى الله عنه فى الاختصاص حيث وقع إما بتقديم الفاعل المعنوى، أو بتقديم المعمول مسلكا غير ما هو ظاهر كلام البيانيين.
وها أنا أذكر تصنيفا لطيفا له فى ذلك سماه الاقتناص، وهو:" قد اشتهر كلام الناس فى أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص ومن الناس من ينكر ذلك، ويقول: إنما يفيد الاهتمام، وقد قال سيبويه فى كتابه: وهم يقدمون ما هم به أعنى، والبيانيون على إفادته الاختصاص، ويفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر فإذا قلت: زيدا ضربت، يقول: معناه ما ضربت إلا زيدا، وليس كذلك، وإنما الاختصاص شئ والحصر شئ آخر، والفضلاء لم يذكروا فى ذلك لفظة الحصر، وإنما قالوا: الاختصاص. قال الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١): وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٢)، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا (٣) والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة، وقال فى قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ معناه أفغير الله أعبد بأمركم وقال فى قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا: الهمزة للإنكار، أى: منكرا أن أبغى ربا غيره، وقال فى قوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (٤): إنه أمر بالإخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه، وقال فى قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ (٥): قدم المفعول الذى هو غير دين الله على فعله، لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذى هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل، وقال فى قوله تعالى:
أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٦) إنما قدم المفعول على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به، لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل فى شركهم، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا به يعنى أتريدون إفكا ثم فسر الأول بقوله: آلِهَةً دُونَ اللَّهِ على أنها إفك فى أنفسها، ويجوز أن يكون حالا، فهذه الآيات كلها لم يذكر الزمخشرى لفظ الحصر فى شئ منها، ولا يصح إلا فى الآية الأولى فقط، والقدر المشترك فى الآيات الاهتمام، ويأتى الاختصاص، فى أكثرها، ومثل قوله تعالى:
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَإِفْكاً آلِهَةً قوله تعالى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (١) وما أشبهها لا يأتى فيه إلا الاهتمام، لأن ذلك منكر من غير اختصاص، وقد يتكلف لمعنى الاختصاص فى ذلك كما فى بقية الآيات، وأما الحصر فلا، فإن قلت: فما الفرق بين الاختصاص والحصر؟
قلت: الاختصاص افتعال من الخصوص، والخصوص مركب من شيئين أحدهما عام مشترك بين شيئين أو أشياء، والثانى معنى منضم إليه يفصله عن غيره، كضرب زيد فإنه أخص من مطلق الضرب، فإذا قلت: ضربت زيدا أخبرت بضرب عام وقع منك على شخص خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصا لما انضم إليه منك ومن زيد، وهذه المعانى الثلاثة، أعنى: مطلق الضرب، وكونه واقعا منك، وكونه واقعا على زيد، قد يكون قصد
المتكلم لها ثلاثتها على السواء، وقد يترجح قصده لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه؛ فإن الابتداء بالشئ يدل على الاهتمام به وأنه هو الأرجح فى غرض المتكلم، فإذا قلت: زيدا ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود، ولا شك أن كل مركب من خاص وعام له جهتان؛ فقد يقصد من جهة عمومه، وقد يقصد من جهه خصوصه، فقصده من جهه خصوصه هو الاختصاص وأنه هو الأعم عند المتكلم وهو الذى قصد إفادته للسامع من غير تعرض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفى، وأما الحصر فمعناه نفى غير المذكور وإثبات المذكور يعبر عنه بما وإلا أو بإنما، فإذا قلت: ما ضربت إلا زيدا، كنت نفيت الضرب عن غير زيد وأثبته لزيد، وهذا المعنى زائد على الاختصاص، وإنما جاء هذا فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٢) للعلم بأنه لا يعبد غير الله، ولا يستعان بغيره، ألا ترى أن بقية الآيات لم يطرد فيها ذلك فإن قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ (٣) لو جعل غير دين الله يبغون فى معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دين الله، ولا شك أن مجرد بغيهم غير دين الله منكر، وكذلك بقية الآيات إذا تأملتها ألا ترى أن: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٤) وقع الإنكار فيه على عبادة غير الله من غير حصر، وأن أبغى ربا غيره منكر
стр. 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من غير حصر، ولكن الخصوص وهو غير الله هو المنكر وحده ومع غيره وكذلك:
إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (١) وعبادتهم إياهم منكرة من غير حصر، وكذلك قوله: آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٢) المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر، فمن هذا كله يعلم أن الحصر فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٣) من خصوص المادة لا من موضوع اللفظ، بل أقول: إن المصلى قد يكون مقبلا على الله وحده، لا يعرض له استحضار غيره بوجه من الوجوه، وغيره أحقر فى عينه من أن يشتغل به فى ذلك الوقت يبغى عبادته وإنما قصد الإخبار بعبادة الله وأول ما حضر بذهنه عظمة من هو واقف بين يديه، فقال:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ليطابق اللفظ المعنى، ويقدم ما يقدم حضوره فى القلب وهو الرب ، ثم بناء عليه ما أخبر به من عبادته فمعنى اختصاصه بالعبادة اختصاصه بالإخبار بعبادته، وغيره من الأكوان لم
يخبر عنه بشئ، بل هو معرض عنها، وإذا تأملت مواقع ذلك فى الكتاب والسنة وأشعار العرب تجده كذلك ألا ترى قول الشاعر:
أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا
لو قدرت فيه الحصر بما وإلا هل يصح المعنى الذى أراده؟ وقد قال الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤): وفى تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ * وهذا الذى قاله الزمخشرى فى غاية الحسن، وقد اعترض بعض الناس عليه فقال: تقديم الآخرة أفاد أن إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها، وهذا الذى قاله هذا القائل بناه على فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك لما بيناه، ثم قال هذا القائل: وتقديم هم أفاد أن هذا القصر مختص بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا: لَنْ يَدْخُلَ ولَنْ تَمَسَّنَا (٥) وهذا من هذا القائل استمرار على ما فى ذهنه من الحصر، أى: أن المسلمين لا يوقنون إلا
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها، وهذا فهم عجيب: ثم قال هذا القائل: ثم إن التعريض فى قوله: (يأهل الكتاب) وبما كانوا، وأن قولهم ظاهر معنى قول الزمخشرى قال هذا القائل: وأما فى قوله: وأن اليقين مشكل؛ لأنه ليس فيه تعريض بأن اليقين ما عليه من آمن، بل تصريح، قلت: مراد الزمخشرى أن التصريح بأن من آمن يوقنون، تعريض بأن أهل الكتاب لا يوقنون فكيف يرد عليه هذا؟! ثم قال هذا القائل: فالوجه أن يقال: وأن اليقين عطف على قوله: تعريض لا على معمولاته من يأهل الكتاب إلخ، وكأنه قال: وفى تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض، وأن اليقين، قلت: مراد الزمخشرى أنه تعريض بنفى اليقين عن أهل الكتاب، فكأنه قال:
دون غير من آمن، فلا يرد عليه ولا يحتاج إلى تقدير العطف على ما ذكره هذا القائل، وهو إما أن يقدر دون غيرهم،
أو لا فإن قدر فهو تعريض لا تصريح، وإن لم يقدر فلا يحتاج إلى بناء يوقنون على هم، فحمل كلام الزمخشرى على ما زعمه هذا القائل لا يصح بوجه من الوجوه، وهذا القائل فاضل، وإنما ألجأه إلى ذلك فهمه الحصر، وهو ممنوع، وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام:
أحدها: بما وإلا كقولك: ما قام إلا زيد، صريح فى نفى القيام عن غير زيد، ويقتضى إثبات القيام لزيد، قيل: بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم، وهذا هو الصحيح، لكنه أقوى المفاهيم، لأن إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القيام، ليس هو عين القيام بل قد يستلزمه؛ فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم، والتبس على بعض الناس لذلك فقال: إنه بالمنطوق.
والثانى: الحصر بإنما وهو قريب من الأول فيما نحن فيه، وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت: إنما قام زيد، بالمنطوق ونفيه عن غيره بالمفهوم.
القسم الثالث: الحصر الذى قد يفيده التقديم، وليس هو على تقدير تسليمه، مثل:
الحصرين الأولين، بل هو فى قوة جملتين إحداهما ما صدر به الحكم نفيا كان أو إثباتا، وهو المنطوق، والأخرى ما فهم من التقديم والحصر يقتضى نفى المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم، لأن المفهوم لا مفهوم له، فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه، وقد قال :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (١) أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال بعده: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ بيانا لما سكت عنه فى الأولى، فلو قال: بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٢) أفاد بمنطوقه إيقانهم بها، ومفهومه عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها، وليس ذلك مقصودا بالذات: والمقصود بالذات، قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حصر مجازى، وهو دون قولنا:" يوقنون بالآخرة" لا بغيرها فاضبط هذا، وإياك أن تجعل تقديره: لا يوقنون إلا بالآخرة. إذا عرفت هذا فتقديم هم أفاد أن غيرهم ليس كذلك، فلو جعلنا التقدير: لا يوقنون إلا بالآخرة، كان المقصود المهم النفى، فيتسلط المفهوم عليه فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم هذا القائل، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة، ولا شك أن هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أن غيرهم لا يوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة ليتسلط المفهوم عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر، ولم يدل عليه بجملة واحدة، مثل: ما وإلا، ومثل: إنما، وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيدا بالآخر، حتى نقول: إن
المفهوم أفاد نفى الإيقان المحصور، بل أفاد نفى الإيقان مطلقا عن غيرهم، وهذا كله إنما احتجنا إليه على تقدير تسليم ما ادعاه هذا القائل من الحصر، وقد سبق إلى فهم كثير من الناس، ونحن قد منعنا ذلك أولا، وبينا أنه لا حصر فى ذلك، وإنما هو اختصاص، وفرقنا بين الاختصاص والحصر، وقول هذا القائل:
تقديم هم، من أين له أن هذا تقديم؟ فإنك إذا قلت: هو يفعل، احتمل أن يكون مبتدأ خبره يفعل، واحتمل أن يكون أصله: يفعل هو، ثم قدمت وأخرت. والزمخشرى لم يصرح بالتقديم، وإنما قال: بناء يوقنون على هم، ولكنا مشينا مع هذا الفاضل على كلامه، وكل ذلك أوجبه الوهم والتباس الاختصاص بالحصر، والله أعلم.
стр. 388
وتقديم بعض معمولاته على بعض لأنّ أصله التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالفاعل فى نحو: ضرب زيد عمرا خ خ، والمفعول الأوّل فى نحو: أعطيت زيدا درهما خ خ.
أو لأنّ ذكره أهمّ؛ كقولك: قتل الخارجىّ فلان خ خ. أو لأنّ فى التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ نحو: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (١) فإنه لو أخّر: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ عن قوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ - لتوهّم أنه من صلة (يكتم)؛ فلا يفهم أنه منهم.
أو بالتناسب؛ كرعاية الفاصلة؛ نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٢).
ــ
تقديم بعض معمولات الفعل عليه:
ص: (وتقديم بعض معمولاته على بعض ... إلخ).
(ش): تقديم بعض المعمولات على بعض يكون لأحد أمور:
إما لأن ذلك التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه كالفاعل فإن أصله التقديم على سائر معمولات الفعل؛ لكونه عمدة وكذلك المفعول الأول فى باب أعطيت زيدا درهما؛ لأنه فى الأصل الفاعل المعنوى، وإما أن يعدل عن الأصل فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض وقوع الفعل بالمفعول، لا صدوره من الفاعل كقولك: قتل الخارجى فلان، فإن الغرض متوجه لقتل الخارجى لا غير وإزاحة شره لا لقاتله من هو، وإما لأن فى تأخيره خيفة أن يلتبس المعنى بغيره كقوله : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ فإنه لو قيل: يكتم إيمانه
من آل فرعون لتوهم أن من آل فرعون من صلة يكتم فيختل المقصود.
قلت: فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الوصف بالجملة أصله التأخير عن الوصف بالجار والمجرور، فهذا ماش على الأصل فلا حاجة لتعليله وما كان بالوضع والذات لا يعلل بالغير، ثم لا يسمى ذلك تقديما، فإن التقديم يكون لشئ نقل عن محله إلى ما قبله، كذا صرح به الزمخشرى وهو القياس.
الثانى: أن هذا التوهم إنما كان يصح أن لو كان يكتم يتعدى بمن، وليس كذلك فإنه يتعدى بنفسه، فهذا الوهم ليس له مجال، وما يقع فى كلام الناس من تعدية يكتم بمن الظاهر أنه ليس له أصل، وإما أن يقدم وإن كان أصله التأخير رعاية لتناسب فواصل الآى نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى.
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال السكاكى: الحالة المقتضية لتقديم ما يتصل بالفعل بعضه على بعض كون العناية بما تقدم أتم، وذلك نوعان:
أحدهما: أن يكون أصل الكلام فى ذلك التقديم، ولا يكون مقتض للعدول عنه، وذكر من ذلك أمثلة كالمفعول الأول من باب علمت، وباب أعطيت وكسوت؛ فإنه من الأول فى حكم المبتدأ ومن الأخيرين فى حكم الفاعل ولا يكون، وكتقديم المبتدأ المعرف، والفاعل على المفعول والحال والتمييز، وكتقديم المفعول الذى وصل إليه الفعل بلا واسطة على المتعدى بالحرف.
الثانى: أن تكون العناية بتقديمه لالتفات الخاطر إليه، وان كان مؤخرا فى الأصل، وجعل منه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (١) على القول بأن لله مفعول ثان، ومثل قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى (٢) قدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أصحاب القرية الرسل، فكانت مظنة أن السامع يصير مفكرا أكانت القرية كلها كذلك أم قطر دان أم قاص؟ بخلاف ما فى سورة القصص، ومثل قوله تعالى فى سورة النمل: لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا (٣) لأن ما قبلها: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا (٤) فالجهة المنظور إليها كون أنفسهم وآبائهم ترابا، وهو الموعود به، فلذلك قدم، وفى سورة المؤمنين: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا (٥) لأن قبلها: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً (٦) فالجهة المنظور إليها كونهم ترابا وعظاما، وجعل من ذلك كون التقديم يمنع اختلال المعنى، كقوله تعالى فى سورة المؤمنين وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٧) بتقديم المجرور على الوصف؛ لأنه لو أخر لأخر عن الصلة وما عطف
عليها فقيل من قومه بعد: وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يدرى حينئذ أنهم من قومه أو لا، بخلاف قوله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ (٨) جاء على الأصل لعدم المانع، وجعل منه أيضا مراعاة الفاصلة كقوله تعالى:
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (١) وفى الآخرى: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٢) قال المصنف:
وفيه نظر من وجوه:
الأول: أنه جعل تقديم لله على شركاء للعناية والاهتمام، وليس كذلك؛ لأن الآية مسوقة للإنكار التوبيخى، فيمتنع أن يكون بعده وجعلوا لله، منكرا من غير اعتبار تعلقه بشركاء؛ إذ لا ينكر أن يكون مجرد الجعل متعلقا به، فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بشركاء وعكسه فلا فرق، وعلم من هذا أن كل متعد لمفعولين لم يكن الاعتبار بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية قلت: الصواب مع السكاكى، وكون كل واحد من المفعولين متعلقا بالآخر، والخطاب توبيخى لا يمنع أن يكون الاعتناء بأحدهما أشد، ولا شك أن مجرد جعل الشركاء مع قطع النظر عن كونهم لله تعالى، لا يقبل التوبيخ، ومجرد جعل أمر ما لله يبتدر الذهن منه إلى الإحجام عنه لعظم المقام، فلا شك أن العناية قد تشتد بأحدهما فيقدم، وهو لم يعلل بمطلق العناية، بل بعناية خاصة. وليعلم أن هذا الكلام يخالف قوله فى حد المسند: وفائدة التقديم، أى: تقديم لله على شركاء استعظام أن يتخذ له شريك ملكا كان أم جنيا أم غيرهما، وذلك لأن هذه الفائدة لا تحصل إلا بالتقديم فتنشأ من ذلك عناية ذكر اسم الله تعالى أولا، وإن تساويا فى العناية الناشئة من الإنكار التوبيخى، ثم قال: وثانيها: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى، أى: فى قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣)،
والتقديم لرعاية الفاصلة، أى: فى قوله تعالى: رب هارُونَ وَمُوسى (٤) من القسم الثانى، وليسا منه، يريد بقوله: وليسا منه أن (من قومه) إذا قدم على الذين كفروا كان حالا من الملأ، والذين كفروا صفة لقومه، لا الملأ حتى يكون حق من قومه التأخر عنه بناء على أن حق الحال التأخير عن التوابع والمصنف فهم من كلام السكاكى أن القسم الثانى هو أن يتقدم ما حقه التأخير فلا جرم أنه لا يكون من قومه من القسم الثانى، وكذا تقديم هارون على موسى؛ لأن أحدهما معطوف على الآخر