← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها، وهذا فهم عجيب: ثم قال هذا القائل: ثم إن التعريض فى قوله: (يأهل الكتاب) وبما كانوا، وأن قولهم ظاهر معنى قول الزمخشرى قال هذا القائل: وأما فى قوله: وأن اليقين مشكل؛ لأنه ليس فيه تعريض بأن اليقين ما عليه من آمن، بل تصريح، قلت: مراد الزمخشرى أن التصريح بأن من آمن يوقنون، تعريض بأن أهل الكتاب لا يوقنون فكيف يرد عليه هذا؟! ثم قال هذا القائل: فالوجه أن يقال: وأن اليقين عطف على قوله: تعريض لا على معمولاته من يأهل الكتاب إلخ، وكأنه قال: وفى تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض، وأن اليقين، قلت: مراد الزمخشرى أنه تعريض بنفى اليقين عن أهل الكتاب، فكأنه قال: دون غير من آمن، فلا يرد عليه ولا يحتاج إلى تقدير العطف على ما ذكره هذا القائل، وهو إما أن يقدر دون غيرهم، أو لا فإن قدر فهو تعريض لا تصريح، وإن لم يقدر فلا يحتاج إلى بناء يوقنون على هم، فحمل كلام الزمخشرى على ما زعمه هذا القائل لا يصح بوجه من الوجوه، وهذا القائل فاضل، وإنما ألجأه إلى ذلك فهمه الحصر، وهو ممنوع، وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام: أحدها: بما وإلا كقولك: ما قام إلا زيد، صريح فى نفى القيام عن غير زيد، ويقتضى إثبات القيام لزيد، قيل: بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم، وهذا هو الصحيح، لكنه أقوى المفاهيم، لأن إلا موضوعة للاستثناء وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القيام، ليس هو عين القيام بل قد يستلزمه؛ فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم، والتبس على بعض الناس لذلك فقال: إنه بالمنطوق. والثانى: الحصر بإنما وهو قريب من الأول فيما نحن فيه، وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت: إنما قام زيد، بالمنطوق ونفيه عن غيره بالمفهوم. القسم الثالث: الحصر الذى قد يفيده التقديم، وليس هو على تقدير تسليمه، مثل: الحصرين الأولين، بل هو فى قوة جملتين إحداهما ما صدر به الحكم نفيا كان أو إثباتا، وهو المنطوق، والأخرى ما فهم من التقديم والحصر يقتضى نفى المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم، لأن المفهوم لا مفهوم له، فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه، وقد قال : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (١) أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال بعده: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ بيانا لما سكت عنه فى الأولى، فلو قال: بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٢) أفاد بمنطوقه إيقانهم بها، ومفهومه عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها، وليس ذلك مقصودا بالذات: والمقصود بالذات، قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حصر مجازى، وهو دون قولنا:" يوقنون بالآخرة" لا بغيرها فاضبط هذا، وإياك أن تجعل تقديره: لا يوقنون إلا بالآخرة. إذا عرفت هذا فتقديم هم أفاد أن غيرهم ليس كذلك، فلو جعلنا التقدير: لا يوقنون إلا بالآخرة، كان المقصود المهم النفى، فيتسلط المفهوم عليه فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم هذا القائل، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة، ولا شك أن هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أن غيرهم لا يوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة ليتسلط المفهوم عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر، ولم يدل عليه بجملة واحدة، مثل: ما وإلا، ومثل: إنما، وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيدا بالآخر، حتى نقول: إن المفهوم أفاد نفى الإيقان المحصور، بل أفاد نفى الإيقان مطلقا عن غيرهم، وهذا كله إنما احتجنا إليه على تقدير تسليم ما ادعاه هذا القائل من الحصر، وقد سبق إلى فهم كثير من الناس، ونحن قد منعنا ذلك أولا، وبينا أنه لا حصر فى ذلك، وإنما هو اختصاص، وفرقنا بين الاختصاص والحصر، وقول هذا القائل: تقديم هم، من أين له أن هذا تقديم؟ فإنك إذا قلت: هو يفعل، احتمل أن يكون مبتدأ خبره يفعل، واحتمل أن يكون أصله: يفعل هو، ثم قدمت وأخرت. والزمخشرى لم يصرح بالتقديم، وإنما قال: بناء يوقنون على هم، ولكنا مشينا مع هذا الفاضل على كلامه، وكل ذلك أوجبه الوهم والتباس الاختصاص بالحصر، والله أعلم.

стр. 388

وتقديم بعض معمولاته على بعض لأنّ أصله التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه؛ كالفاعل فى نحو: ضرب زيد عمرا خ خ، والمفعول الأوّل فى نحو: أعطيت زيدا درهما خ خ. أو لأنّ ذكره أهمّ؛ كقولك: قتل الخارجىّ فلان خ خ. أو لأنّ فى التأخير إخلالا ببيان المعنى؛ نحو: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ (١) فإنه لو أخّر: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ عن قوله: يَكْتُمُ إِيمانَهُ - لتوهّم أنه من صلة (يكتم)؛ فلا يفهم أنه منهم. أو بالتناسب؛ كرعاية الفاصلة؛ نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٢). ــ تقديم بعض معمولات الفعل عليه: ص: (وتقديم بعض معمولاته على بعض ... إلخ). (ش): تقديم بعض المعمولات على بعض يكون لأحد أمور: إما لأن ذلك التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه كالفاعل فإن أصله التقديم على سائر معمولات الفعل؛ لكونه عمدة وكذلك المفعول الأول فى باب أعطيت زيدا درهما؛ لأنه فى الأصل الفاعل المعنوى، وإما أن يعدل عن الأصل فيقدم المفعول على الفاعل إذا كان الغرض وقوع الفعل بالمفعول، لا صدوره من الفاعل كقولك: قتل الخارجى فلان، فإن الغرض متوجه لقتل الخارجى لا غير وإزاحة شره لا لقاتله من هو، وإما لأن فى تأخيره خيفة أن يلتبس المعنى بغيره كقوله : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ فإنه لو قيل: يكتم إيمانه من آل فرعون لتوهم أن من آل فرعون من صلة يكتم فيختل المقصود. قلت: فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الوصف بالجملة أصله التأخير عن الوصف بالجار والمجرور، فهذا ماش على الأصل فلا حاجة لتعليله وما كان بالوضع والذات لا يعلل بالغير، ثم لا يسمى ذلك تقديما، فإن التقديم يكون لشئ نقل عن محله إلى ما قبله، كذا صرح به الزمخشرى وهو القياس. الثانى: أن هذا التوهم إنما كان يصح أن لو كان يكتم يتعدى بمن، وليس كذلك فإنه يتعدى بنفسه، فهذا الوهم ليس له مجال، وما يقع فى كلام الناس من تعدية يكتم بمن الظاهر أنه ليس له أصل، وإما أن يقدم وإن كان أصله التأخير رعاية لتناسب فواصل الآى نحو: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى.

стр. 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال السكاكى: الحالة المقتضية لتقديم ما يتصل بالفعل بعضه على بعض كون العناية بما تقدم أتم، وذلك نوعان: أحدهما: أن يكون أصل الكلام فى ذلك التقديم، ولا يكون مقتض للعدول عنه، وذكر من ذلك أمثلة كالمفعول الأول من باب علمت، وباب أعطيت وكسوت؛ فإنه من الأول فى حكم المبتدأ ومن الأخيرين فى حكم الفاعل ولا يكون، وكتقديم المبتدأ المعرف، والفاعل على المفعول والحال والتمييز، وكتقديم المفعول الذى وصل إليه الفعل بلا واسطة على المتعدى بالحرف. الثانى: أن تكون العناية بتقديمه لالتفات الخاطر إليه، وان كان مؤخرا فى الأصل، وجعل منه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ (١) على القول بأن لله مفعول ثان، ومثل قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى (٢) قدم فيه المجرور لاشتمال ما قبله على سوء معاملة أصحاب القرية الرسل، فكانت مظنة أن السامع يصير مفكرا أكانت القرية كلها كذلك أم قطر دان أم قاص؟ بخلاف ما فى سورة القصص، ومثل قوله تعالى فى سورة النمل: لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا (٣) لأن ما قبلها: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا (٤) فالجهة المنظور إليها كون أنفسهم وآبائهم ترابا، وهو الموعود به، فلذلك قدم، وفى سورة المؤمنين: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا (٥) لأن قبلها: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً (٦) فالجهة المنظور إليها كونهم ترابا وعظاما، وجعل من ذلك كون التقديم يمنع اختلال المعنى، كقوله تعالى فى سورة المؤمنين وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٧) بتقديم المجرور على الوصف؛ لأنه لو أخر لأخر عن الصلة وما عطف عليها فقيل من قومه بعد: وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يدرى حينئذ أنهم من قومه أو لا، بخلاف قوله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ (٨) جاء على الأصل لعدم المانع، وجعل منه أيضا مراعاة الفاصلة كقوله تعالى:

стр. 390

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (١) وفى الآخرى: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٢) قال المصنف: وفيه نظر من وجوه: الأول: أنه جعل تقديم لله على شركاء للعناية والاهتمام، وليس كذلك؛ لأن الآية مسوقة للإنكار التوبيخى، فيمتنع أن يكون بعده وجعلوا لله، منكرا من غير اعتبار تعلقه بشركاء؛ إذ لا ينكر أن يكون مجرد الجعل متعلقا به، فيتعين أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بشركاء وعكسه فلا فرق، وعلم من هذا أن كل متعد لمفعولين لم يكن الاعتبار بذكر أحدهما إلا باعتبار تعلقه بالآخر إذا قدم أحدهما على الآخر لم يصح تعليل تقديمه بالعناية قلت: الصواب مع السكاكى، وكون كل واحد من المفعولين متعلقا بالآخر، والخطاب توبيخى لا يمنع أن يكون الاعتناء بأحدهما أشد، ولا شك أن مجرد جعل الشركاء مع قطع النظر عن كونهم لله تعالى، لا يقبل التوبيخ، ومجرد جعل أمر ما لله يبتدر الذهن منه إلى الإحجام عنه لعظم المقام، فلا شك أن العناية قد تشتد بأحدهما فيقدم، وهو لم يعلل بمطلق العناية، بل بعناية خاصة. وليعلم أن هذا الكلام يخالف قوله فى حد المسند: وفائدة التقديم، أى: تقديم لله على شركاء استعظام أن يتخذ له شريك ملكا كان أم جنيا أم غيرهما، وذلك لأن هذه الفائدة لا تحصل إلا بالتقديم فتنشأ من ذلك عناية ذكر اسم الله تعالى أولا، وإن تساويا فى العناية الناشئة من الإنكار التوبيخى، ثم قال: وثانيها: أنه جعل التقديم للاحتراز عن الإخلال ببيان المعنى، أى: فى قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣)، والتقديم لرعاية الفاصلة، أى: فى قوله تعالى: رب هارُونَ وَمُوسى (٤) من القسم الثانى، وليسا منه، يريد بقوله: وليسا منه أن (من قومه) إذا قدم على الذين كفروا كان حالا من الملأ، والذين كفروا صفة لقومه، لا الملأ حتى يكون حق من قومه التأخر عنه بناء على أن حق الحال التأخير عن التوابع والمصنف فهم من كلام السكاكى أن القسم الثانى هو أن يتقدم ما حقه التأخير فلا جرم أنه لا يكون من قومه من القسم الثانى، وكذا تقديم هارون على موسى؛ لأن أحدهما معطوف على الآخر

стр. 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالواو، وليس من حق أحدهما التأخير عن الآخر، ولا شك أن ما فهمه المصنف عن السكاكى هو ظاهر عبارته، وأجيب بأن القسم الأول وهو أن يكون المقدم ما عرف له فى اللغة تقدم بالأصالة، كالمبتدأ المعرف إذا لم يعرض ما يقتضى العدول عنه، فيكون التقديم لمجرد الأصالة، والقسم الثانى أن يكون للعناية ببيان ما تقدم إما لكونه نصب عينك أو لغير ذلك، سواء كان حق ما تقدم لغير التأخير أم لا، وإذا تقرر هذا فالتقديمان المذكوران داخلان فى القسم الثانى، لأن رعاية الفاصلة والاحتراز عن الإخلال أورثا كون المتقدم نصب عينك، ولا يمتنع اجتماع الأسباب فى مثل ما نحن فيه على مسبب واحد، وفيما قاله نظر؛ لأن كلا منهما سبب للعناية، ثم قال: إن تعلق (من قومه) بالدنيا على تقدير تأخره غير معقول المعنى إلا على وجه بعيد، وردّ عليه بمنع ذلك، لأن الدنيا ليست اسما، بل صفة، والألف واللام فيها موصولة، التقدير: التى دنت من قومه، ولا شك أن فيه تعسفا. وبقى من أسباب تقديم بعض المعمولات على بعض إفادة الاختصاص، كما تقدم عن ابن الاثير فى نحو: (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ) (١)، وجاء راكبا زيد، لكنه مخالف لكلام الجمهور، والله تعالى أعلم.

стр. 392

القصر القصر (١): حقيقىّ (٢)، وغير حقيقىّ (٣) وكل منهما نوعان: قصر الموصوف على الصفة (٤)، وقصر الصفة على الموصوف (٥) - والمراد (٦): المعنويّة (٧)، لا النعت (٨) -: ــ باب القصر ص: (القصر حقيقى ... إلخ). (ش): هذا هو الباب الخامس، والقصر: هو الحصر، وهو تخصيص أمر بآخر بإحدى الطرق الأربع كذا قالوه، وسيأتى أنها أكثر من أربع، وهو يجرى بين الفعل والفاعل وبين المبتدأ والخبر، وبين الفعل والظرف والحال وغيرها، إلا ما سيأتى، وهو منقسم بالاستقراء إلى قصر حقيقى، وقصر غير حقيقى، أى: مجازى. واعلم أن القصر الحقيقى ينظم حكمين: إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، وكلاهما حقيقة، والقصر المجازى ينظم حكمين: إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عن غيره، وهو مجاز كما سنبينه. وكل واحد من هذين ينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، والمراد بالصفة الصفة المعنوية، لا النعت الذى يتكلم عليه النحوى. قيل: المراد لا النعت فقط، فإن الصفة المعنوية أعم من أن تكون نعتا أو غيره، وليس كذلك، بل المراد إخراج النعت فإن النعت لا يكون مقصورا على معنوية أبدا ولا عكسه، لأن أداة الاستثناء لا تقع بين الموصوف والصفة، لا يقال: بل تقع بينهما على رأى الزمخشرى، وسيأتى فى كلام المصنف عند الكلام على الحال ما يقتضى اختياره؛ لأنا

стр. 393

والأّول (١) من الحقيقى: نحو: ما زيد إلا كاتب إذا أريد أنه لا يتّصف بغيرها؛ وهو لا يكاد يوجد؛ لتعذّر الإحاطة بصفات الشئ. والثانى: كثير؛ نحو: ما فى الدار إلا زيد خ خ، وقد يقصد به (٢) المبالغة؛ لعدم الاعتداد بغير المذكور. ــ نقول: إن سلمنا ذلك على ضعفه ومخالفته لكلام الجمهور، فإلا الواقعة بين الموصوف والصفة لا يتحقق فيها استثناء لا بالتفريغ ولا بخلافه فليتأمل، لا يقال: يقع القصر بين الموصوف والصفة فى نحو: رأيت رجلا إنما هو قائم، فإن جملة إنما نعت؛ لأن القصر هنا إنما وقع بين مبتدأ هذه الجملة وخبرها، فالأول من الحقيقى قصر الموصوف على الصفة، كقولك: ما زيد إلا كاتب، فإنك قصرت فيه الموصوف، وهو زيد على الصفة، وهى الكتابة، وهذا لا يكاد يوجد؛ لأنه كيف يكون للذات صفة واحدة؟ أم كيف يمكن إحاطة العلم بذلك أن لو كان؟ والثانى من الحقيقى: قصر الصفة على الموصوف، وهو يجرى كثيرا بين المبتدأ والخبر، كقولك: ما كاتب إلا زيد، والفعل وفاعله نحو: ما قام إلا أنا، وما ضرب عمرا إلا زيد، والحال كقولك: ما جاء زيد إلا راكبا؛ لأنك قصرت المجئ على صفة الركوب، معناه ما جاء فى حال إلا فى حال الركوب، فهو بمعنى: ما زيد إلا راكب، كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن هذا يتعذر مثل ما قبله، ثم التحقيق فى: ما جاء زيد إلا راكبا أن القصر بين مجئ زيد وحال الركوب لا بين زيد والمجئ، وإنما كثر هذا القسم؛ لأنه لا يتعذر مثلا العلم بأنه ليس فى الدار إلا زيد، وقد يقصد بالقصر الحقيقى المبالغة لعدم الاعتداد بغير الصفة عند قصر الموصوف عليها أو بغير الموصوف عند قصر الصفة عليه، ويكون قصرا حقيقيا على سبيل الادعاء، كقولك: ما حاتم إلا جواد؛ فإن قلت: الخطاب الادعائى ما الذى يتميز به عن المجازى وعن الكذب؟ قلت: إنما يتميز عن المجاز الإفرادى وهو مشتمل على المجاز التركيبى، فقولك: ما زيد إلا قائم دل على سلب جميع الصفات غير القيام على سبيل المجاز الحاصل من مجموع الكلام، وإن كانت مفردات هذا التركيب حقائق. قوله: (والأول) أى إذا كان القصر غير حقيقى فهو قسمان:

стр. 394

والأول من غير الحقيقى: تخصيص أمر بصفة دون أخرى، أو مكانها. والثانى: تخصيص صفة بأمر دون آخر، أو مكانه. فكلّ منهما ضربان، والمخاطب بالأول من ضربى كلّ (١): من يعتقد الشركة، ويسمى: قصر إفراد؛ لقطع الشركة. وبالثانى (٢): من يعتقد العكس، ويسمى: قصر قلب؛ لقلب حكم المخاطب، أو تساويا (٣) عنده، ويسمّى: قصر تعيين. ــ أحدهما: تخصيص أمر بصفة دون صفة، أو مكان صفة، فالأول: كقولك لمن يعتقد أن زيدا شاعر منجم: ما زيد إلا شاعر. والثانى: كقولك لمن يعتقد أن زيدا منجم فقط: ما زيد إلا شاعر. الثانى: تخصيص صفة بأمر دون أمر آخر، كقولك لمن يعتقد أن زيدا وعمرا شاعران: ما شاعر إلا زيد، وتخصيص صفة بأمر مكان آخر، كقولك لمن يعتقد أن الشاعر عمرو لا زيد: ما شاعر إلا زيد، فقد ظهر أن كل واحد من غير الحقيقى والحقيقى ضربان، فالأقسام حينئذ أربعة والمخاطب بالأول من ضربى كل، وهو تخصيص أمر بصفة دون أخرى، وتخصيص صفة بأمر دون آخر من يعتقد الشركة، أى: مشاركة الصفة لغيرها أو مشاركة الأمر لغيره، وهذا يسمى قصر إفراد لقطعه للشركة بين الصفتين فى موصوف واحد، وبين الموصوفين فى صفة واحدة، بخلاف من يعتقد مكان صفة، أو أمر إمكان أمر، فإنه يسمى قصر قلب؛ لأنه قلب لما عند المتكلم، وإن كانت الصفتان أو الأمران متساويين عنده، بمعنى أنه غير حاكم على أحدهما بعينه ولا بإحدى الصفتين بعينها، فإنه يسمى قصر تعيين، قال المصنف: فالمخاطب بقولنا: ما زيد إلا قائم، من يعتقد أن زيدا قاعد لا قائم، أو يعلم أنه إما قاعد أو قائم، ولا يعلم بأيهما اتصف بعينه. قلت: وثالث أيضا، وهو من يعتقد أنه قائم وقاعد كما سبق، قال: وبقولنا: ما قائم إلا زيد من يعتقد أن عمرا قائم لا زيدا، أو يعلم أن القائم أحدهما دون كل منهما، لكن لا يعلم من هو بعينه. قلت: وثالث أيضا، وهو من يعتقد أيضا أنهما قائمان كما سبق، فقول المصنف: أو تساويا عنده يحتمل أن يكون التقدير: من يعتقد العكس أو تساويا عنده، وهو ظاهر كلامه فى الإيضاح،

стр. 395

وشرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا: عدم تنافى الوصفين، وقلبا: تحقّق تنافيهما، وقصر التّعيين أعمّ. ــ ويحتمل أن يكون تساويا عنده يعود إلى قصرى الإفراد والقلب، أى: من يعتقد الشركة، أو تساويا عنده، أو يعتقد العكس، أو تساويا عنده، وسيأتى ما يدل عليه. ص: (وشرط قصر الموصوف ... إلخ). (ش): يريد أن شرط قصر الموصوف على الصفة إفرادا أن تكون الصفتان غير متنافيتين، فالمنفى فى قولنا: ما زيد إلا شاعر، هو كونه كاتبا مثلا، وليس المنفى كونه مفحما عاجزا عن الشعر؛ لأن ذلك ينفيه قولنا: هو شاعر، من غير قصر، والسامع لا يمكنه أن يتخيل اجتماعهما فى ذهنه بخلاف ما لا ينافى الشعر، فإنه قد يعتقد اجتماعه معه فينفيه بالقصر، وقول المصنف: إن ذلك شرط فى قصر الموصوف إفرادا، ظاهره أنه ليس شرطا فى قصر الصفة إفرادا، وفيه نظر؛ لأن قولك: لا جواد إلا حاتم، فى قصر الإفراد إنما يصح إذا كان الجود يمكن أن يتصف به اثنان، فإن لم يمكن كقولك: لا أب لزيد إلا عمرو، فلا يتأتى فيه قصر الإفراد؛ لأن اشتراك اثنين فى أبوة زيد إذا لم يرد به الأب الأعلى لا يمكن. قوله: (وقلبا) أى: وشرط قصر الموصوف قلبا (تحقق تنافيهما) حتى يكون المنفى فى قولنا: ما زيد إلا قائم، كونه قاعدا لا كونه أسود أو أبيض ليكون إثباتها مشعرا بانتفاء غيرها. قوله: (وقصر التعيين أعم) يعنى لأن اعتقاد الاتصاف بأحد الأمرين أعم من جواز اجتماعهما وامتناعه، فكل ما يصلح أن يكون مثالا لقصر الإفراد، أو قصر القلب يصلح أن يكون مثالا لقصر التعيين، أى: من غير عكس. قلت: ومن هنا يعلم أن قوله: أو تساويا عائدا إلى كل من قصرى الإفراد والقلب. قال المصنف: وأهمل السكاكى القصر الحقيقى وأدخل قصر التعيين فى قصر الإفراد، فلم يشترط فى قصر الموصوف إفرادا عدم تنافى الصفتين، ولا فى قصره قلبا تحقق تنافيهما. قيل: لا يحتاج إلى اشتراط عدم التنافى بين الصفتين فى الإفراد؛ لأن العقل مستقل بالحكم بعدم اجتماع المتنافيين، وكذلك التنافى بين الأمرين ظاهر فى القلب فلم يحتج لذكره، وقيل: إنما لم يشترط السكاكى التنافى فى القلب؛ لأنه لا دليل على اشتراطه وما ذكره المصنف لا يدل؛ لجواز أن يكون انتفاء غيرها يحصل من إثباتها بطريق من طريق القصر، مع عدم التنافى؛ إذ لا مانع من أن يعتقد المخاطب صفة مكان صفة، وهما لا يتنافيان.

стр. 396

[طرق القصر] وللقصر طرق: منها: العطف؛ كقولك فى قصره إفرادا: زيد شاعر لا كاتب خ خ، أو: ما زيد كاتبا بل شاعر خ خ، وقلبا: زيد قائم لا قاعد خ خ، أو: ما زيد قاعدا بل قائم خ خ، وفى قصرها: زيد شاعر لا عمرو خ خ، أو: ما عمرو شاعرا بل زيد ". ــ طرق القصر أولا - العطف: ص: (وللقصر طرق منها العطف). (ش): القصر يكون بالعطف وغيره، وقد ذكر المصنف طرقا، ونحن نذكر إن شاء الله ما ذكره، ثم نذكر ما أهمله فى آخر الكلام، فمن طرق العطف كقوله فى قصر الموصوف على الصفة إفرادا: زيد شاعر لا كاتب، وما زيد شاعرا بل كاتب، وقلبا: زيد قائم لا قاعد، وما زيد قاعدا بل قائم. وفى قصر الصفة على الموصوف: زيد شاعر لا عمرو، وما عمرو شاعرا بل زيد. قلت: أما العطف بلا فأى قصر فيه؟ إنما فيه نفى وإثبات فقولك: زيد شاعر لا كاتب، لا تعرض فيه لنفى صفة ثالثة، والقصر إنما يكون بنفى جميع الصفات غير المثبتة، إما حقيقة أو مجازا، وليس هو خاصا بنفى الصفة التى يعتقدها المخاطب. وأما العطف ببل فأبعد؛ فإن قولك: ما زيد قائما بل قاعد، لا قصر فيه، وهو أبعد من القصر عما قبله؛ لأن فى (إلا) جمعا بين نفى وإثبات، وذلك لا يستمر فى بل، إذا جوزنا عطفها على المثبت، مثل: زيد شاعر بل كاتب، ثم إطلاق أن بل العاطفة للقصر لا يصح؛ لأنه يقتضى أن قولك: ليس زيد قائما بل قاعد لا قصر فيه، فإنها ليست عاطفة؛ لأن بل لا تعطف إلا المفرد كم صرح به النحاة. فائدة: تتعلق بالعطف بلا وتحقيقه ملخصا من كلام الوالد - رضى الله عنه - وقع السؤال عن: قام رجل لا زيد، هل يصح هذا التركيب فإن الشيخ أبا حيان منعه وشرط أن يكون ما قبل لا العاطفة غير صادق على ما بعدها، وسبقه لذلك السهيلى فى نتائج الفكر وقال: لأن شرطها أن يكون الكلام الذى قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفى ما بعدها؟ فقال السائل: إن فى ذلك نظرا لأمور: منها: أن قام رجل لا زيد، مثل: قام

стр. 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رجل وزيد فى صحة التركيب، فإن امتناع قام رجل وزيد فى غاية البعد؛ لأنك إن أردت بالرجل الأول زيدا كان كعطف الشئ على نفسه تأكيدا فلا مانع منه إذا قصد الإطناب، وإن أردت بالرجل غير زيد كان من عطف الشئ على غيره، ولا مانع منه، ويصير على هذا التقدير مثله: قام رجل لا زيد فى صحة التركيب وإن كان معناهما متعاكسين، بل قد يقال: قام رجل لا زيد أولى بالجواز من قام رجل وزيد؛ لأن قام رجل وزيد إن أردت بالرجل زيدا كان تأكيدا، وإن أردت غيره كان فيه إلباس على السامع وإيهام أنه عينه والتأكيد والإلباس منتفيان فى: قام رجل لا زيد، وأى فرق بين زيد كاتب لا شاعر، وجاء رجل لا زيد، وبين رجل وزيد عموم وخصوص مطلق، وبين كاتب وشاعر عموم وخصوص من وجه كالحيوان والأبيض؟ وإذا امتنع جاء رجل لا زيد كما قالوه فهل يتأتى ذلك فى العام والخاص مثل: قام الناس لا زيد؟ وصرح ابن مالك وغيره بصحة قام الناس وزيد، وإن كان فى استدلاله على ذلك بقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ (١) الآية نظر؛ لأن جبريل إما معطوف على الجلالة الكريمة أو على رسله على القولين؛ إذ لا قائل: إن المعطوف الأخير معطوف على متوسط، بل إما على الأول، وإما على ما قبله قولان سمعتهما من الشيخ أبى حيان، والمراد بالرسل الأنبياء؛ لأن الملائكة وإن جعلوا رسلا فقرينة عطفهم على الملائكة يصرف هذا، ولأى شئ يمتنع العطف بلا فى نحو: ما قام إلا زيد لا عمرو، وهو عطف على موجب؛ لأن زيدا موجب، وتعليلهم بأنه يلزم نفيه مرتين ضعيف؟ لأن الإطناب قد يقتضى مثل ذلك، ولا سيما والنفى الأول عام والثانى خاص، فأسوأ درجاته أن يكون مثل: ما قام الناس ولا زيد، وهذا جملة السؤال، فأجاب ما ذكره السهيلى وأبو حيان ذكره أيضا الأبدى فى شرح الجزولية قال: لا يعطف بلا إلا بشرط أن يتضمن ما قبلها بمفهوم الخطاب نفى الفعل، فيكون الأول لا يتناول الثانى نحو: جاءنى رجل لا امرأة، وعالم لا جاهل، فلو قلت: مررت برجل لا عاقل لم يجز؛ إذ ليس فى مفهوم الكلام الأول ما ينفى الفعل عن الثانى، وهو لا يدخل إلا لتأكيد النفى، فإذا أردت ذلك المعنى جئت بغير، فتقول: مررت برجل غير عاقل وغير زيد،

стр. 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويجوز: مررت بزيد لا عمرو؛ لأن الأول لا يتناول الثانى. انتهى. وإذا ثبت أنها لا تدخل إلا لتأكيد النفى اتضح الشرط المذكور؛ لأن نفى الخطاب اقتضى فى: قام رجل نفى المرأة، فدخلت لا للتصريح بما اقتضاه المفهوم، وكذلك: قام زيد لا عمرو، وأما: قام رجل لا زيد، فلم يقتض المفهوم نفى زيد فلم يوجد نفى يؤكده لا، وقوله: تأكيد النفى لعله يريد النفى المؤكد، أو لعل مراده أنها لا تدخل فى أثناء الكلام إلا للنفى المؤكد، بخلاف ما إذا جاءت أول الكلام قد يراد بها أصل النفى، مثل: لا أقسم، وقد خطر لى فى ذلك أمران غير ما قاله الأبدى. أحدهما: أن العطف يقتضى المغايرة، والمغايرة فى إطلاق أكثر الناس تقتضى المباينة، وإن كان التحقيق أن بين الأعم والأخص، وبين العام والخاص، وبين الجزء والكل مغايرة، فحينئذ يمتنع العطف فى: جاءنى رجل وزيد لعدم المغايرة أعنى: المباينة، فإذا قال: أردت زيدا غير زيد جاز، وليس مما نحن فيه، ولو قلت: جاء زيد ورجل، فمعناه ورجل آخر؛ لوجوب المغايرة؛ ولذلك لو قلت: جاء زيد لا رجل فتقديره: لا رجل آخر؛ لأنا نحافظ على مدلول اللفظ، فيبقى المعطوف عليه على مدلوله من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد. الثانى: أن مبنى الكلام على الفائدة، وقام رجل لا زيد مع إرادة مدلول رجل المحتمل لزيد وغيره لا فائدة فيه مع إرادة حقيقة العطف، بل نقول: فاسد، لأنك إن أردت الإخبار بنفى قيام زيد والإخبار بقيام رجل المحتمل له ولغيره فمتناقض وإن أردت الإخبار بقيام رجل غير زيد، فطريقك أن تقول: غير زيد وبهذا تبين أنه لا فرق بين قام رجل لا زيد، وقام زيد لا رجل فى الامتناع إلا أن يراد بالرجل غير زيد فيصح فيهما إن صح وضع لا فى هذا الموضع موضع غير، وفيه نظر وتفصيل، والفرق بين العطف بلا ومعنى غير أن العطف يقتضى النفى عن الثانى بالمنطوق، ولا تعرض فيه للأول بتأكيد النفى بالمفهوم إن سلم وغير تفيد الأول ولا تعرض فيها للثانى، إلا بالمفهوم إن كانت صفة، وإن كانت استثناء ففى كونه بالمنطوق أو المفهوم بحث، وهذان الوجهان أحسن مما ذكره السهيلى والأبدى؛ لأنهما بنياه على صحة مفهوم اللقب، وقول السائل: بين كاتب وشاعر عموم وخصوص من

стр. 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجه، كأنه تبع فيه الشيخ شهاب الدين العراقى، وهو غفلة منه أو تسمح أطلقه لتعليم بعض الفقهاء ممن لا إحاطة له بالعلوم العقلية، وكذلك مثل بالزنا والإحصان، وتلك كلها ألفاظ متباينة المعنى، والتباين أعم من التنافى، وقد أشار إليه البيضاوى فى الفصيح، والناطق بقوله: والزنا والإحصان متباينان، وكذلك الحيوانية والبياض، ويظهر أن يقال: يصح قام كاتب لا شاعر؛ لأن كاتبا لا يصدق على شاعر؛ إذ معنى الكتابة ليس فيه شئ من معنى الشعر، فالفقيه والنحوى الصرف يريد أن يتأنس بهذه الحقائق، وأما: قام الناس لا زيد، ونحوه من عطف الخاص على العام، فإن أريد بالناس غير زيد جاز، وإن أريد العموم وإخراج زيد بقولك: لا زيد على جهة الاستثناء، فكان يخطر لى جوازه، لكنى لم أر أحدا من النحاة عدّ (لا) من حروف الاستثناء. وأما لو أريد بالناس غير زيد فجائز بقرينة العطف، ويحتمل أن يمتنع كما امتنع الإطلاق فى: قام رجل لا زيد، فإن احتمال إرادة الخصوص فى الأول، كاحتمال إرادة التقييد فى الثانى، ولا يأتى احتمال الاستثناء للثانى، وأظن كلام بعض النحاة فى: قام الناس ليس زيدا أنه جعلها بمعنى لا، وأما قام الناس وزيد فجوازه واضح. وإنما جوزت العطف هاهنا مع عدم المغايرة ومنعته فيما سبق لعدم المغايرة، لأن العطف يستدعى مغايرة يحصل بها فائدة، وعطف الخاص على العام وإن أريد عمومه يحصل به فائدة التقوية؛ فلذلك سلكته هنا ومنعته فى النفى. وأما استدلال الشيخ جمال الدين بن مالك - رحمه الله تعالى - بعطف جبريل فلعله يريد أنه مذكور بعده؛ لأن هذا القدر هو المحتاج إليه فى أنه يقتضى تخصيصا أولا، وأما قول السائل: لأى شئ يمتنع العطف فى نحو: ما قام إلا زيد لا عمرو، وهو عطف على موجب؟ فلما تقدم من أن لا يعطف بها ما اقتضى مفهوم الخطاب نفيه ليدل عليه صريحا وتأكيدا للمفهوم والمنطوق فى الأول الثبوت والمستثنى عكس ذلك؛ لأن الثبوت فيه بالمفهوم لا بالمنطوق، ولا يمكن عطفها على المنفى. وقوله: أسوأ درجاته أن يكون مثل: ما قام الناس ولا زيد، ممنوع لأن العطف فى: ولا زيد بالواو، وليس فيه أكثر من خاص بعد عام، وللعطف بلا حكم يخصه ليس للواو.

стр. 400

ومنها: النفى والاستثناء؛ كقولك فى قصره: ما زيد إلا شاعر خ خ، و: ما زيد إلا قائم وفى قصرها: ما شاعر إلا زيد خ خ. ومنها: إنّما؛ كقولك فى قصره: إنما زيد كاتب خ خ، و: إنما زيد قائم خ خ، وفى قصرها: إنّما قائم زيد خ خ؛ لتضمّنه (١) معنى: (ما) و (إلّا)؛ لقول المفسّرين إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ (٢) ــ ثانيا - النفى والاستثناء: ص: (ومنها النفى والاستثناء). (ش): من أدوات الحصر الاستثناء، كقولك فى قصر الموصوف: ما زيد إلا شاعر، سواء كان قصر قلب أو إفراد، وفى قصر الصفة على الموصوف: ما شاعر إلا زيد. قلت: والاستثناء قصر سواء كان مع النفى أم الإيجاب، كقولك: قام الناس إلا زيدا فإنك قصرت عدم القيام على زيد، لا يقال: لو قصرت عدم القيام على زيد لكان فى قولك: قام الناس إلا زيدا نفى لقيام غير الناس؛ لأنا نقول: هو قصر لعدم القيام بالنسبة إلى الناس على زيد، كما أنك إذا قلت: ما قام الناس إلا زيدا لم تقصر القيام على زيد مطلقا، إنما قصرت عليه القيام بالنسبة إلى الناس، فقولهم: من طرق الحصر النفى والاستثناء لا يظهر فيه مناسبة للتعرض للنفى. ومنها: (إنما) كقولك فى قصر الموصوف على الصفة: إنما زيد كاتب، وفى قصره الصفة على الموصوف: إنما قائم زيد. واعلم أن النحاة يقولون: إن الأخير هو المحصور، فإذا قلت: إنما زيد قائم، فالقائم هو المحصور، ومقتضاه أن تكون هذه الصيغة من قصر الصفة على الموصوف، وعبارة البيانيين هى المحررة فإن الأول هو المحصور، والثانى محصور فيه، وعبارة النحاة فيها تجوز، والصواب أن الأخير محصور فيه، لا محصور غير أنهم تساهلوا فى ذلك كما تساهل الأصوليون فى قولهم: المشترك، وإنما هو مشترك فيه وقد اختلف فى القصر بإنما، فأثبته الجمهور، ونفاه كثير. والمثبتون قيل: بالمنطوق وقيل: بالمفهوم، واستدل الذاهبون إلى أنها للحصر بأمور. منها: إطباق العلماء فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ

стр. 401

بالنصب، معناه: ما حرّم عليكم إلا الميتة. وهو المطابق لقراءة الرفع (١)؛ لما مر (٢)، ــ بالنصب على أن معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، لأنه المطابق فى المعنى لقراءة الرفع، فإنها للقصر، فكذلك قراءة النصب، والأصل استواء معنى القراءتين، واعترض على هذا بأنا نمنع حصول القصر فى قراءة الرفع بناء على أن نحو: العالم زيد، لا يفيد الحصر، وقد تقدم فى باب المسند نحو: العالم زيد، وزيد العالم عند السكاكى يفيد أن الحصر فى بعض المواضع، ثم فيه نظر؛ لأن الحصر ليس مستفادا هنا من التقديم بل من عموم الموصول كقولك: كل محرم الميتة، لا يقال: لو كانت للحصر لزم أن لا يكون غير المذكورات محرما؛ لأن المعنى تحريم الأكل، فلا يدخل غيره. ومن أين لنا أن غير هذه المذكورات فى الآية من المأكولات كان محرما ذلك الوقت. ومنها أن (إن) للإثبات و (ما) للنفى، فلا بد أن يكون للقصر ليحصل بالقصر الجمع بين النفى والإثبات، ورد عليه بأن (ما) كافة لا نافية، قال الشيخ أبو حيان: والذى قال ذلك لم يشم رائحة النحو. قلت: نقل القرافى أن الفارسى قال فى الشيرازيات: إن ما فى إنما نافية لكنى رأيت فى الشيرازيات ما لعله أخذه منه، وهو أنه قال - بعد أن ذكر أن (إنما) للحصر - أن الحصر أيضا فى: شر أهرّ ذا ناب، وشئ جاء بك، ثم قال: والأول أسهل من هذا؛ لأن معه حرفا قد دل عندهم على النفى، فصار حذف حرف النفى فيه أسهل من هذا؛ لقيام حرف آخر معه مقامه، وليس فى المثالين الأولين شئ من ذلك. انتهى. وليس صريحا فى أنها باقية فى النفى؛ لأن قوله: لأن معه حرفا قد دل على النفى، يريد حرفا يدل على النفى والإثبات وهو إنما، وإنما لم يدل على النفى والإثبات؛ لأن الإثبات مستفاد من اللفظ مجردا عن إنما، ولو أراد بالحرف الدال على النفى (ما) من (إنما) لما قال: فصار حذف حرف النفى فيه أسهل؛ إذ لو كانت باقية على النفى لما كان حرف النفى معها محذوفا، والحق فى ذلك أن الإمام لم يرد إلا أن ما أصلها إذا لم تكن شيئا من الأقسام المعروفة النفى، وإن وضعها الإثبات، والغالب أن الحرفين إذا ركبا وصارا لمعنى آخر يلاحظ فى المعنى التركيبى معنى كل واحد

стр. 402

ولقول النحاة: (إنّما) لإثبات ما يذكر بعده، ونفى ما سواه. ولصحة انفصال الضمير معه؛ ــ منفردا، فلما كانت (ما) التى ليست لشئ من الأقسام المعروفة فى الأصل للنفى، و (إن) للإثبات قصد عند التركيب المحافظة عليهما، فلم يمكن تواردهما على شئ واحد ولم يمكن صرف النفى للمذكور فتعين عكسه، وقول النحاة: إن (ما) كافة، لا ينافى هذا؛ لأن الكف حكم لفظى لا ينافى أن يقارنه حكم معنوى، ثم إن المصنف نقل عن النحاة أنها لإثبات المذكور، ونفى ما سواه، وهو قول بعضهم لا كلهم. ومنها: أن (إن) للتأكيد و (ما) كذلك فاجتمع تأكيدان فأفاد الحصر. قاله السكاكى، ويرد عليه أنه لو كان اجتماع تأكيدين للحصر لكان قولك: إن زيدا لقائم، يفيد الحصر، وقد يجاب بأن مراده أنه لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر، ثم هو ممنوع، والتأكيد اللفظى والمعنوى كل منهما يتكرر ولا حصر. ومنها: قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ (١)، قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ (٢)، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي (٣) فإنه إنما يحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنما للحصر ليكون معناه لا آتيكم به، إنما يأتى به الله، ولا أعلمها إنما يعلمها الله، وأصرحها إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ لجواز أن يدعى فى غيرها أن الحصر أخذ من تعريف المبتدأ، لكن الظاهر أن من منع الحصر بإنما فهو لحصر المبتدأ فى الخبر أمنع، وكذلك قوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ (٤) وفى الآية نكتة، وهو التنبيه على أن المجازى لا يكون فعله ظلما على الحقيقة، وهذا المعنى أحسن من قول الزمخشرى أن المعنى: إنما السبيل على الذين يبتدئون الناس بالظلم. ومنها: قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي (٥) لا يستقيم المعنى إلا بالحصر. ومنها: قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ (٦) إذ لو لم تكن للحصر كانت بمنزلة إن تولوا فعليك البلاغ، وهو عليه البلاغ تولوا أم لا، وإنما ترتب على توليهم نفى غير البلاغ مما قد يتوهم نسبته له ﷺ .

стр. 403

قال الفرزدق [من الطويل]: أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنّما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى (١) ــ ومنها: انفصال الضمير بعدها فى قول الفرزدق: أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى (٢) قال عبد القاهر: ولا يمكن ادعاء الضرورة فيه، فإنه متمكن أن يقول: أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى. وأعلم أن انفصال الضمير بعد إنما فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضرورة، لا يجوز إلا فى الشعر، وهو المنقول عن سيبويه. والثانى: أنه يجوز الفصل والوصل، وإليه ذهب الزجاج. والثالث: أنه يجب الفصل، قاله ابن مالك. وقال الشيخ أبو حيان: إنه غلط فاحش، وجهل بلسان العرب، وقول لم يقله أحد، ثم رده بقوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (٣) وقوله تعالى: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ (٤) وقوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ (٥) وقوله تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٦) قال: ولو كان على ما زعم لكان التركيب: إنما يشكو بثى وحزنى أنا، وإنما يعظكم بواحدة أنا، وكذلك الجميع. قلت: لسان حال ابن مالك يتلو: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (٣) وكلام ابن مالك هو الصواب، وليس منفردا به، وتحقيق ذلك أن ابن مالك بنى كلامه على قاعدتين: إحداهما: أن إنما للحصر، وهو الذى عليه أكثر الناس. والثانى: أن المحصور بها هو الأخير لفظا، وهذا الذى أجمع عليه البيانيون، وعليه غالب الاستعمالات، وإذا ثبتت له هاتان القاعدتان صح ما ادعاه؛ لأنك لو وصلت لما فهم، والتلبس قولك: إنما قمت موضوعة للم يقع إلا القيام، فلو أردت به ما قام إلا أنا، لم يفهم ذلك، ولا سبيل إلى فهمه إلا بأن تقول: إنما قام أنا، كما تقول: ما قام إلا أنا، وبهذا علم أنه لا يرد ما ذكره الشيخ من الآيات؛

стр. 404

ومنها: التقديم؛ كقولك فى قصره: تميمى أنا خ خ، وفى قصرها: أنا كفيت مهمّك ــ لأن كلا منها لم يقصد فيه حصر الفاعل، بل حصر الأخير، ولو قصد حصر الفاعل لانفصل كما قاله ابن مالك، وأجمع عليه من سلم هاتين القاعدتين، وهم أكثر الناس، وقول سيبويه: إن الفصل ضرورة لا يرد عليه؛ لأنه بناه على أن إنما ليست للحصر كما هو المنقول عنه، وقول الزجاج: يجوز الأمران لا يرد عليه لأنه بناه على أن إنما وإن كانت للحصر فليس من شرط المحصور أن يكون هو الأخير، بل يجوز أن يفصل ليكون قرينة فى حصر الفاعل، وأن يصل ويريد حصر الفاعل بقرينة معينة، كما صرح الشيخ أبو حيان بنقله عنه فثبت أن من خالف ابن مالك فى المسألة لم يخالفه فى هذا الحكم، إنما خالفه فيما بنى عليه من القاعدتين إما فى الأولى، وإما فى الثانية، فظهر أن الحق مع ابن مالك وانظر إلى قول ابن مالك يتعين انفصال الضمير إن حصر بإنما فإنك إن تأملته لم تستطع أن تقول: خلافا لسيبويه؛ فإنه لم يقل: يتعين انفصاله بعد إنما، بل قال: إن حصر بإنما، وسيبويه لا يقول: إن حصر بإنما لا ينفصل، بل يقول: الحصر بإنما لا وجود له، فهما كلامان لم يتواردا على محل واحد، ولو قيل لسيبويه: ما تقول لو وقع الحصر بإنما فى انفصال الضمير لما علمنا ما يقول، والظاهر أنه يقول بالفصل. (تنبيه): قوله تعالى حكاية عن يعقوب إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١) ينبغى أن يعتقد أن (وأعلم) جملة مستأنفة أو معطوفة على إنما أشكو، وليست معطوفة على أشكو؛ إذ لو كان للزم أن المراد: لا أعلم من الله ما لا تعلمون، وليس كذلك. ثالثا - التقديم: ومنها: التقديم، أى: تقديم ما هو متأخر رتبة، مثل: تميمى أنا وأنا كفيت مهمك، والمثال الثانى يعلم حكمه مما سبق فى: أنا قمت. (تنبيه): بقى للقصر طرق بعضها باتفاق، وبعضها باختلاف، منها: الفصل، وقد تقدم الكلام عليه، ومنها: ذكر المسند إليه كما تقدم نقله عن السكاكى: وتقدم البحث فيه، ومنها: تعريف المبتدأ فى نحو: المنطلق زيد على قول، ومنها: تعريف الخبر فى نحو: زيد المنطلق. قال الإمام فخر الدين فى" نهاية الإيجاز": إذا قلت: زيد المنطلق

стр. 405

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاللام تفيد انحصار المخبر به فى المخبر عنه، مع قطع النظر عن كونه مساويا أو أخص منه ثم إنها إما أن تكون لتعريف المعهود السابق، كما إذا عرف وجود انطلاق ما، وبقولك: زيد المنطلق عنيت أن صاحب ذلك الانطلاق المعهود هو زيد، فقد أفاد حصر الانطلاق فى زيد، وإما لتعريف الحقيقة فيكون بوضعه مفيدا للحصر فإذا قلت: زيد المنطلق، وأردت حقيقة المنطلق مع قطع النظر عن تشخصها وعمومها أفاد الحصر، ثم إن أمكن الانحصار فذلك على حقيقته، وإلا فهو على سبيل المبالغة وقد يفيد هذا القسم مع انحصار الخبر فى المبتدأ بلوغ المبتدأ فى استحقاقه لما أخبر به عنه حدا يصير معرفا بحقيقته وأما كون اللام فى الخبر هل تفيد العموم؟ فالأشبه أنه غير جائز إلا على تأويل، وهو أن يكون معنى أنت الشجاع أنت كل الشجعان، وهو تأويل غير حسن، فحاصله أنك إذا قلت: زيد المنطلق أفاد حصر انطلاق معين، أو حصر حقيقة الانطلاق إما تحقيقا وإما مبالغة. انتهى كلامه. ولا يخفى ما فيه. ومما ذكر من أدوات الحصر قولك: جاء زيد نفسه، على ما نقله بعض شراح هذا الكتاب هنا عن بعضهم. ومنها: إن زيدا لقائم على ما نقله المشار إليه أيضا. ومنها: قلب بعض حروف الكلمة فإنه يفيد الحصر على ما نقله الزمخشرى فى" الكشاف" عند الكلام على قوله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها (١) فإن القلب للاختصاص بالنسبة إلى لفظ الطاغوت؛ لأن وزنه على قول: فعلوت من الطغيان، كملكوت ورحموت، قلب بتقديم اللام على العين، فوزنه فلعوت، ففيه مبالغات كتسميته بالمصدر، والتاء تاء مبالغة، والقلب وهو للاختصاص؛ إذ لا يطلق على غير الشيطان، ومنه نحو قولك: قائم، فى جواب: زيد إما قائم أو قاعد، على ما ذكره الطيبى فى" شرح البيان" قبل الكلام على كون المسند مفردا فعليا. وعد بعضهم من تراكيب القصر أيضا: زيد قام ولم يقم غيره، أو لم يقم أحد غير زيد، وفيه نظر، لأن هذين تركيبان حصل القصر من مجموعهما. ومنها: تقديم المعمول فى نحو: زيدا ضربت كما سبق. ومنها: أنما بالفتح، قال الزمخشرى فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (٢): أنما لقصر الحكم على شئ أو لقصر الشئ على حكم، كقولك: إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد وقد اجتمع المثالان فى هذه

стр. 406

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآية لأن إنما يوحى إلى مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد، وإنما إلهكم بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحى إلى الرسول مقصور على استئثار الله بالوحدانية. قلت: هذا صريح فى أن أنما بالفتح للحصر، وبه صرح التنوخى فى كتاب" الأقصى القريب" ونقله الطيبى أيضا، وأنه يقال: إن كل ما أوجب أن إنما بالكسر للحصر، أوجب أن أنما بالفتح للحصر، وفيه نظر، والشيخ أبو حيان رد على الزمخشرى ما زعمه من أن أن المفتوحة للحصر، وقال: يلزم انحصار الوحى فى الوحدانية، وأجيب عنه بأنه حصر مجازى باعتبار المقام، قلت: وجواب آخر، وهو أن هذا لازم سواء كانت أنما المفتوحة للحصر أم لا؛ لأن هذا الإلزام جاء من إنما، ولو قلت: إنما يوحى وحدانية الله تعالى لزم ذلك، وإنما الذى أوقع الشيخ فى هذا السؤال قول الزمخشرى: وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحى مقصور على الوحدانية، فأفهم أن هذا القصر نشأ عن كونهما معا للحصر، وليس كما قال فليتأمل. ومنها: حذف المسند لادعاء التعيين أو للتعيين نحو: يعطى بدرة ويفعل ما يشاء كما سبق، ومن هنا قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (١): معناه لا يقول إلا الحق ولا يهدى إلا سبيل الحق. قال الطيبى: أما دلالة وهو يهدى السبيل فظاهر؛ لأنه على منوال أنا عرفت، وأما والله يقول الحق فلأنه مثل: اللَّهُ يَبْسُطُ (٢) وهو عنده يفيد الحصر اه. قلت: هذا عجيب فإن أنا عرفت والله يبسط حصر فيه الفاعل، ومعنى حصر الفاعل فيه لا يقول الحق إلا الله، والزمخشرى لم يتعرض لذلك بالكلية، فإنه وجه المعنى هنا ليس على الحصر، وإنما أراد حصر المفعول ألا تراه صرح بذلك، وقال: لا يقول إلا الحق، ولا يهدى إلا السبيل، فلم يقع الطيبى على مراده مع وضوحه. فإن قلت: من أين أخذ الزمخشرى الحصر من هذه الآية الكريمة؟ قلت: إما أن يكون من مفهوم الصفة عند القائل به، وإما من ترتيب الحكم على الوصف المشعر بالعلية؛ ولذلك قال فى سورة غافر: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ (٣): معناه من هذه صفاته لا يقضى إلا بالحق، وحيث وجدت العلة وجد المعلول، وحيث انتفى المعلول ثبت ضده، فعلى هذا يستفاد الحصر.

стр. 407

وهذه الطرق تختلف من وجوه؛ فدلالة الرابع بالفحوى، والباقية بالوضع. والأصل فى الأول: النّصّ على المثبت والمنفى - كما مرّ - فلا يترك إلا كراهة الإطناب؛ كما إذا قيل: زيد يعلم النحو، والتصريف، والعروض أو: زيد يعلم النحو، وعمرو وبكر فتقول فيهما: زيد يعلم النحو لا غير أو نحوه. وفى الثلاثة الباقية: النّصّ على المثبت فقط. ــ اختلاف طرق القصر: ص: (وهذه الطرق تختلف ... إلخ). (ش): يعنى أن هذه الطرق وإن اشتركت فى إفادة القصر، فإنها تختلف من وجوه، منها: أن دلالة الرابع وهو التقديم بالفحوى، ودلالة ما قبله بالوضع، ونعنى بالفحوى المفهوم، وهو مخالف لاصطلاح الأصوليين؛ فإن الفحوى عندهم مفهوم الموافقة، لا مفهوم المخالفة، وما نحن فيه مفهوم مخالفة، وليعلم أن القصر يتضمن قضيتين إثباتا ونفيا، فالتحقيق أن القصر لا يسمى منطوقا ولا مفهوما، بل تارة يكون كله منطوقا، مثل: زيد قائم لا قاعد، وتارة يكون بعضه منطوقا وبعضه مفهوما، فإن كان بإنما فهو إثبات للمذكور بالمنطوق ونفى لغيره بالمفهوم، نحو: إنما زيد قائم، فإثبات القيام لزيد منطوق، ونفيه عن غيره مفهوم، وإن كان بإلا والاستثناء تام فحكم المستثنى منه ثابت بالمنطوق وحكم المستثنى بالمفهوم، سواء كان نفيا، نحو: ما قام أحد إلا زيد، أم إثباتا، نحو: قام الناس إلا زيدا، وإن كان الاستثناء مفرغا، نحو: ما قام إلا زيد، فيظهر أن المستثنى منه ثابت بالمنطوق، وسيأتى فى كلام المصنف أن النص فيه على المثبت فقط ولا نعنى ما نحن فيه، بل نعنى عدم العطف عليه، أى: لا تقول: ما قام إلا زيد لا عمرو، ولكن تقدم فى كلام الوالد أنه بالمفهوم فى المفرغ، وإن كان بالتقديم، نحو: تميمى أنا، فالحكم للمذكور منطوق، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وإذا تأملت ما قلنا علمت أن قول المصنف غير ماش على التحقيق. ص: (والأصل فى الأول ... إلخ). (ش): هذا وجه ثان وهو أن الأصل فى الصيغة الأولى، وهى العطف ذكر الطرفين فإنها مصرحة بالمثبت والمنفى كقولك: زيد قائم لا قاعد، وما هو قائم بل قاعد أو لا غير، كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن لفظ" لا غير" لا يستعمل مقطوعا عن الإضافة، ولا يترك ذلك إلا لمعنى يقتضى كراهة الإطناب، وأما بقية الصيغ فالأصل فيها النص على المثبت فقط، هكذا قال المصنف، ولا نعنى أن النفى غير مستفاد نصا، بل بمعنى أنه لا يذكر بعده التصريح بالنفى، وقد يترك

стр. 408

والنفى لا يجامع الثانى؛ لأنّ شرط المنفى ب لا خ خ: ألّا يكون منفيّا قبلها بغيرها. ويجامع الأخيرين، فيقال: إنما أنا تميمى لا قيسىّ خ خ؛ و: هو يأتينى لا عمرو خ خ؛ لأنّ النفى فيهما غير مصرّح به؛ كما يقال: (امتنع زيد عن المجئ لا عمرو). السكاكى: شرط مجامعته للثالث: ألّا يكون الوصف مختصّا بالموصوف؛ نحو: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ (١) ". ــ النص على المنفى فى الأول رغبة فى الإيجاز. وقوله: (والنفى لا يجامع الثانى) أى: النفى: بل لا يجامع النفى والاستثناء؛ (لأن شرط المنفى بلا أن يكون منفيا قبلها بغيرها) وفيه نظران: أحدهما: أن هذا إذا عطف على المستثنى منه: أما إذا عطف على المستثنى بإلا، فما المانع وهو مثبت؟ ويشهد لذلك بطلان عمل لا إذا وقع خبرها بعد إلا وامتناع دخول الباء، ويكون حكم المنفى بلا مستفادا مرتين إحداهما بالخصوص، والأخرى بالعموم. الثانى: أن قوله بغيرها قيد ليس صحيحا؛ فإن شرط المنفى بلا أن لا يكون منفيا قبلها، سواء أكان نفيه بها أم بغيرها، نحو قولك: لا رجل فى الدار لا زيد، وهو ممتنع وقد يجاب بأن مقصوده لا العاطفة، وهذا المثال المنفى فيه ليس منفيا قبلها بلا العاطفة، بل بلا التى لنفى الجنس، لا يقال: يجوز: لا رجل فى الدار لا زيد ولا عمرو، فهذا منفى بلا، وقد نفى قبله بلا فاحترز عنه؛ لأن لا زيد ولا عمرو بدل مفصل من لا رجل وهو على نية تكرار العامل، فهو جملة أخرى والكلام فى لا التى هى حرف تعطف المفرد، وإذا تقرر أن النص على المنفى أصل فى الوجه الأول، فهو لا يجوز أن يجامع الثانى، فلا تقول: ما أنا إلا قائم لا قاعد، وقد تقدم فى كلام الوالد ﵀ التعرض لهذه المسألة وتجويزها، وأما الأخيران، وهما إنما والتقديم، فيجوز فيهما التصريح وعدمه، فتقول: إنما أنا تميمى لا قيسى؛ لأن النفى فيهما غير مصرح به، بل مستفاد بالمفهوم، فجاز العطف على تميمى، وإن كان معناه: ما أنا إلا تميمى؛ لأن النفى غير المصرح به لا يمتنع أن يعطف عليه بلا، كما تقول: امتنع زيد عن المجئ لا عمرو، وإن كان معناه النفى، ولو صرحت بالنفى لما صح بلا، وشرط السكاكى لجواز مجامعة لا للثالث، أى: القصر بإنما أن لا يكون الموصوف مختصا بالوصف كقوله تعالى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فإن كل أحد يعلم أن الذى لا يسمع لا يستجيب، فلا يصح أن يقال: لا غير. قلت: فيه نظران:

стр. 409

عبد القاهر: لا تحسن فى المختصّ؛ كما تحسن فى غيره خ خ؛ وهذا أقرب. وأصل الثانى: أن يكون ما استعمل له مما يجهله المخاطب وينكره، بخلاف الثالث؛ كقولك لصاحبك - وقد رأيت شبحا من بعيد -: ما هو إلا زيد إذا اعتقده غيره مصرّا. وقد ينزّل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب؛ فيستعمل له الثانى إفرادا؛ نحو: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ (١) أى: مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبرّى من الهلاك، نزّل استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إياه، ــ أحدهما: أنه إذا لم يكن الموصوف مختصا بالوصف، لا يجوز الحصر بإنما؛ لأنه خلاف الواقع فإن كان مجازا فلا مانع من تأكيده بالعطف، وكأنه يريد اختصاصه عقلا. الثانى: أنه إذا صح قصره بإنما، فما المانع من صحة العطف؟ والشيخ عبد القاهر جعل ذلك شرطا فى حسن العطف، لا فى جوازه واستقر به المصنف، ولا شك فى قربه بالنسبة إلى عدم اشتراط ذلك. ص: (وأصل الثانى أن يكون ما استعمل ... إلخ). (ش): هذا وجه آخر وهو أن الحصر بالاستثناء أصله أن يكون المخاطب يجهل ما استعمل له، وهو إثبات الحكم المذكور إن كان قصر إفراد، أو نفيه إن كان قصر قلب، كما تقول لصاحبك: إذا رأيت شبحا على بعد: ما هو إلا زيد، ومثاله فى القرآن: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ (٢) هذا هو الأصل، وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب، فيستعمل له القصر بما وإلا إفرادا نحو: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ فإنه خطاب للصحابة، وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبى إلا أنه نزل استعظامهم له على الموت تنزيل من يجهل رسالته؛ لأن كل رسول لا بد من موته، فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته، وهذا هو الصواب، وبه يظهر أن هذا قصر قلب، لا قصر إفراد؛ فإن اعتقاد الرسالة وعدم الموت لا يجتمعان، وإنكارهم الموت ينفى أن يجتمع معه الإقرار بالرسالة، حتى يكون قصر إفراد، وبهذا يعلم أن ما قلناه خير من قول غيرنا: إنهم نزلوا لاستعظامهم موته منزلة من ينكر موته، ويثبت له صفتى الرسالة وعدم الموت؛ فيكون قصر إفراد؛ لأن ما ذكرناه لا يؤدى إلى أنهم نزلوا منزلة من يعقد أمرين متنافيين، ومثل المصنف لتنزيل

стр. 410

أو قلبا؛ نحو: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا (١) فالمخاطبون - وهم الرسل، عليهم الصلاة والسّلام - لم يكونوا جاهلين بكونهم بشرا، ولا منكرين لذلك؛ لكنهم نزّلوا منزلة المنكرين؛ لاعتقاد القائلين أنّ الرسول لا يكون بشرا، مع إصرار المخاطبين على دعوى الرسالة. وقولهم: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (٢): من باب مجاراة الخصم؛ ليعثر؛ حيث يراد تبكيته لا لتسليم انتفاء الرسالة، وكقولك: إنّما هو أخوك لمن يعلم ذلك، ويقرّ به، وأنت تريد أن ترققه عليه. وقد ينزّل المجهول منزلة المعلوم؛ لادعاء ظهوره؛ فيستعمل له الثالث؛ نحو: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (٣)؛ ــ المعلوم منزلة المجهول فى قصر القلب بقوله تعالى: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا (٤) فإنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون بشرا، فنزلوا علم الرسل بأن المرسل إليهم يعلمون أنهم بشر منزلة من لا يعلم؛ فلذلك خاطبوهم بقولهم: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ثم ذكر المصنف جواب سؤال مقدر وهو أن الرسل قد علموا أن المرسل إليهم يعلمون أنهم بشر فكيف خاطبوهم بالاستثناء فى قولهم: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وهو إنما يخاطب به من يجهل ذلك الحكم؟ فأجاب بأنه من مجاراة الخصم؛ إذ شأن من يدعى عليه خصمه الخلاف فى أمر لا يخالف فيه أن يعيد كلام خصمه على صفته ليعثر الخصم حيث يراد تبكيته، أى: إفحامه وإسكاته، وليس ذلك لتسليم انتفاء الرسالة. وقوله: وكقولك معطوف على قوله: كقولك لصاحبك، وقد رأيت شبحا، وهو مثال لقوله قبل ذلك بخلاف الثالث، فالمثال الأول تمثيل للأول، والثانى للثانى لفا ونشرا فالثالث وهو الحصر بإنما عكس الحصر بإلا؛ فإن الحصر بإنما أصله أن يكون لمن يعلم ذلك الحكم، أى: المثبت، كقولك لمن يعلم أن زيدا أخوه: إنما هو أخوك، ترقيقا له. وقد ينزل المجهول منزل المعلوم فيستعمل له الثالث وهو الحصر بإنما نحو: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فإن الصحابة لم يكونوا يعلمون أن الكفار يصلحون فكان من حقهم أن يقولوا: ما نحن إلا مصلحون، ولكنهم ادعوا بلسان الحال أن صلاحهم أمر ظاهر لا يستطيع أحد إنكاره؛ فلذلك أتوا بصيغة (إنما) التى الأصل فيها ذلك؛ ولذلك جاء

стр. 411

لذلك جاء: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (١)؛ للردّ عليهم مؤكّدا بما ترى. ومزيّة (إنّما) على العطف: أنه يعقل منها الحكمان معا، وأحسن مواقعها التعريض؛ نحو: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢)؛ فإنه تعريض بأن الكفّار - من فرط جهلهم - كالبهائم، فطمع النظر منهم كطمعه منها. ثم القصر كما يقع بين المبتدأ والخبر - على ما مر - يقع ما بين الفعل والفاعل نحو: ما قام إلا زيد وغيرهما، ففى الاستثناء يؤخّر المقصور عليه مع أداة الاستثناء، ــ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ مؤكدا بحرف الاستفتاح وبإن وبجعل الجملة اسمية، وضمير الفصل - إن كان هم فصلا - وتعريف المسند، ثم ذكر المصنف أن لإنما فى القصر مزية على العطف؛ لأنه يعلم منها الحكمان المثبت والمنفى معا، بخلاف العطف؛ فإنهما يعلمان على الترتيب. قال الخطيبى: وبخلاف ما وإلا فى نحو: ما زيد إلا قائم قلت: فيه نظر؛ لأن الاستثناء المفرغ يعلم فيه النفى والإثبات دفعة واحدة، وهذه المزية لإنما لا يشاركها فيها التقديم، وأكثر ما تستعمل إنما فى موضع يكون الغرض بها فيه التعريض بأمر، وهو مقتضى الكلام بعد ما نحو: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ فإنه تعريض بذم الكفار، وأنهم فى حكم البهائم الذين لا يتذكرون. ص: (ثم القصر كما يقع ... إلخ). (ش): القصر أمر يقع بين المسند والمسند إليه، سواء أكانا مبتدأ وخبرا، أم فعلا وفاعلا، ويقع بين غيرهما كالمفعول الثانى مع الأول والحال والظرف وغير ذلك. ويرد عليه أن القصر لا يقع بين الفعل والمصدر المؤكد بالإجماع، فلا. نقول: ما ضربت إلا ضربا، وأما قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (٣) فتقديره: ظنا ضعيفا، وكذلك لا يقع القصر بين النعت والمنعوت، كما سبق فمن أمثلة القصر: ما ضرب زيد إلا عمرا قصر قلب كان أم قصر إفراد. قال تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ (٤) قال المصنف: وهذا مثال لقصر القلب، لا قصر الإفراد؛ فإنه ليس المراد لم أزد على ما أمرتنى به، بل المراد أننى قلت ما أمرتنى به. قلت: هذا من المصنف يقتضى أن قصر القلب ليس فيه نفى لغير المذكور، وليس كذلك، والذى قاله من أن المراد أننى قلت ما أمرتنى به صحيح، ولا ينافى ذلك أن

стр. 412

وقل تقديمهما بحالهما؛ نحو: ما ضرب إلّا عمرا زيد (١)، وما ضرب إلا زيد عمرا (٢)؛ لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها. ــ يكون نفى الزيادة عليه فهذه هى حقيقة القصر، نعم هو قصر قلب لغير ما ذكره، وهو أنه واقع فى مقابلة قول النصارى عنه أنه قال: اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ (٣) فإن نسبتهم ذلك إليه لا تجتمع مع نسبتهم إليه الاعتراف بالوحدانية، ثم مما تختلف فيه أدوات القصر أن المقصور عليه يؤخر مع كلمة الاستثناء عن المقصور، والسر فى ذلك أن القصر أثر عن الحرف، الذى هو إلا، ويمتنع ظهور أثر الحرف قبل وجوده، وذلك سواء كان بين مبتدأ وخبر، أم فعل وفاعل، أم غيرهما، فتقول: ما ضرب إلا زيد، فزيد مقصور عليه، والضرب مقصور. وتقول فى قصر الفاعل على المفعول: ما ضربت إلا زيدا، وفى قصر المفعول على الفاعل: ما ضرب عمرا إلا زيد. وتقول فى قصر المفعول الأول على الثانى: ما ظننت قائما إلا زيدا، وما كسوت جبة إلا زيدا، وفى قصر ذى الحال على الحال: ما جاء زيد إلا راكبا، وفى عكسه: ما جاء راكبا إلا زيد. هذا هو الأصل، وقد يقع خلافه، وإليه أشار المصنف بقوله: (وقل تقديمهما بحالهما) احترازا عن تأخير حرف الاستثناء، والمستثنى على المستثنى منه، كقولك: ما ضرب إلا عمرا زيد، وما ضرب عمرا إلا زيد. والمراد: ما ضرب زيد إلا عمرا احترازا من قولنا: ما ضرب عمرا إلا زيد، لغير هذا المعنى؛ فإنه ليس قليلا، وإنما كان هذا النوع قليلا؛ (لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها) كالضرب الصادر من زيد فى: ما ضرب زيد إلا عمرا والواقع على عمرو فى: ما ضرب عمرا إلا زيد، ومن هذا القليل ما أنشد سيبويه: النّاس إلب علينا فيك ليس منّا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا ورد وأنشد صاحب المغرب: فلم يدر إلا الله ما هيّجت لنا

стр. 413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (تنبيه): مقتضى عبارة المصنف والشارحين أن القصر يدور بين الفاعل وبين المفعول الأول والثانى، ونحوه، وفيه نظر فقد يقال: بل هو أبدا فى الجملة الفعلية دائر بين الفعل والمقصور عليه، فيكون بين الفعل والفاعل، وبين الفعل والمفعول، وعلى هذا ويشهد له عبارة المصنف فى الإيضاح حيث قال: لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها، والمعنى يشهد لذلك فإن المقصور المصدر المستفاد من الفعل لا الفاعل. (تنبيه): قال المصنف فى الإيضاح: وقيل إذا أخر المقصور عليه والمقصور عن إلا، وقدم المرفوع كقولنا: ما ضرب إلا عمرو زيدا، فهو كلامان، التقدير ما ضرب أحد إلا عمرو، وزيدا المذكور منصوب بفعل محذوف، كأنك قلت: ما ضرب إلا عمرو، أى: ما وقع ضرب إلا منه، ثم قيل: من ضرب؟ فقلت: زيدا، أى: ضرب زيدا، كما سبق فى قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة قال المصنف: وفيه نظر لاقتضائه الحصر فى الفاعل والمفعول معا قلت: فيه نظر؛ لأنه إنما يقتضى حصر الفاعلية فقط، لا حصر المفعولية، ولو اقتضى حصر المفعولية لحملنا ذلك على أنه بعامل مقدر لا بالأول فلا معية ثم نقول: ما ذكره المصنف ينبنى على أنه هل يجوز أن يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان أو لا؟ وقد تكلم الوالد ﵀ على ذلك فى كتاب الحلم والأناة فى تفسير: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وها أنا أذكر شيئا منه قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ (١) المختار أن يؤذن لكم حال، والباء مقدرة، وغير ناظرين حال ثان، وجوز الشيخ أبو حيان أن الباء للسببية، ولم يقدر الزمخشرى حرفا، بل قال: (أن يؤذن) فى معنى الظرف، أى: وقت أن يؤذن، وأورد عليه أبو حيان أن المصدر لا يكون فى معنى الظرف، وإنما ذلك فى المصدر الصريح، نحو: أجيئك صياح الديك، ويمتنع من جهة المعنى أن يكون (غير ناظرين) حالا من يؤذن، وإن صح من جهة الصناعة. قال الزمخشرى: وقع الاستثناء على الوقت والحالة معا، كأنه قيل: لا تدخلوا إلا وقت الإذن، ولا تدخلوا إلا غير ناظرين، فورد عليه أنه يكون استثناء ظرف وحال بأداة واحدة، والظاهر أنه قال: ذلك تفسير معنى قوله: وقع الاستثناء على

стр. 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوقت والحال معا، أى: لأن الاستثناء المفرغ يعمل ما قبله فيما بعده، فالمستثنى فى الحقيقة هو المصدر المتعلق بالظرف والحال، كأنه قيل له: لا تدخلوا إلا دخولا موصوفا بكذا، ولست أريد تقدير مصدر عامل، فإن العمل للفعل المفرغ، وإنما أردت شرح المعنى، ومثل هذا الإعراب مختاره فى مثل قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (١) ولو قدرنا اختلفوا بغيا لفات الحصر فيمكن حمل كلامه على هذا، وأورد عليه أبو حيان أنه لا يصح أن يكون حالا من لا تدخلوا؛ إذ لا يقع عند الجمهور بعد إلا إلا المستثنى أو صفته، وهو إيراد عجيب؛ لأن الزمخشرى لم يرد: لا تدخلوا غير ناظرين، حتى يكون الحال قد أخر بعد إلا، وإنما أراد أنه حال من لا تدخلوا؛ لأنه مفرغ، فإن قلت: قولهم: لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان، هل هو متفق عليه؟ قلت: قال أبو حيان: من النحويين من أجازه، فأجازوا ما أخذ أحد إلا زيد درهما، قال: وضعفه الأخفش والفارسى، واختلفا فى إصلاحها فتصحيحها عند الأخفش أن يقدم المرفوع، فنقول: ما أخذ أحد زيد إلا درهما. قال: وهو موافق لما ذهب إليه ابن السراج وابن مالك من أن حرف الاستثناء إنما يستثنى به واحد، وتصحيحها عند الفارسى أن تزيد منصوبا قبل إلا، فتقول: ما أخذ أحد شيئا إلا زيد درهما. قال أبو حيان: لم يزد تخريجه لهذا البدل فيهما، كما ذهب إليه ابن السراج، أو على أن يجعل أحدهما بدلا والآخر معمول عامل مضمر، كما اختاره ابن مالك والظاهر من قول ابن مالك، خلافا لقوم أنه يعود إلى قوله: لا بدلا فلم ينقل خلافا فى صحة التركيب، والخلاف كما ذكرته موجود فى صحة التركيب، منهم من قال: تركيب صحيح لا يحتاج إلى تخريج. انتهى. وحاصله أن غير الفارسى والأخفش يجوز هذا التركيب، وهم بين قائل: هما بدلان كابن السراج، وقائل: أحدهما بدل كابن مالك، فليس فيهم من يقول: هما مستثنيان بأداة واحدة، ولا نقل ذلك أبو حيان عن أحد، وقوله أولا: إن من النحويين من أجازه محمول على التركيب لا على معنى الاستثناء، ولم يتلخص لنا من كلام أحد النحاة ما يقتضى حصرين، وقال ابن الحاجب فى شرح المنظومة فى تقديم الفاعل: قولك: ما ضرب زيد إلا عمرا،

стр. 415

ووجه (١) الجميع: أن النفى فى الاستثناء المفرّغ يتوجّه إلى مقدّر، وهو مستثنى منه عامّ مناسب للمستثنى فى جنسه وصفته، فإذا أوجب منه المقدّر شيء ب (إلا)، جاء القصر، ــ يجب تقديم الفاعل؛ لأن الغرض مضروبية زيد فى عمرو خاصة، أى: مضروب لزيد سوى عمرو، فلو قدر له مضروب آخر لم يستقم، فلو قدم المفعول على الفاعل انعكس المعنى، ولا يستقيم أن يقال: ما ضرب إلا عمرا زيد؛ لأنه لو جوز تعدد المستثنى المفرغ، كقولك: ما ضرب إلا زيدا عمرو، أى: ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا كان الحصر فيهما، والغرض الحصر فى أحدهما، فيرجع الكلام لمعنى آخر غير مقصود، وإن لم يجوز كانت المسألة ممتنعة لبقائها بلا فاعل ولا نائبه؛ لأن التقدير حينئذ ضرب زيد، وفى الثانية يكون عمرو منصوبا بفعل مقدر؛ فيصير جملتين، ولا يكون فيهما تقديم فاعل على مفعول، وقال ابن الحاجب فى أمالى الكافية: إذا قلت: ما ضرب إلا زيد عمرا، فلا يمكن أن يكون قبلهما عاملان؛ لأنه إثبات أمر خارج عن القياس من غير ثبت، ويلزم جوازه فيما فوق الاثنين، وهو ظاهر البطلان، فلذلك حكموا أن الاستثناء المفرغ إنما يكون لواحد، ويجوز: ما ضرب إلا زيد عمرا، على أن يكون عمرا منصوبا بضرب محذوفا. انتهى، قال الوالد ﵀: وقد تأملت ما وقع فى كلام ابن الحاجب من قوله: ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا، وقوله: إن الحصر فيهما معا، والسابق إلى الفهم أنه لا ضارب إلا زيد، ولا مضروب إلا عمرو، فلم أجده كذلك، وإنما معناه: لا ضارب إلا زيد لأحد إلا عمرا فانتفت ضاربية غير زيد لغير عمرو، وانتفت مضروبية عمرو من غير زيد، وقد يكون زيد ضرب عمرا وغيره، وقد يكون عمرو ضربه زيد وغيره، وإنما المعنى نفى الضاربية مطلقا عن غير زيد، ونفى المضروبية مطلقا عن غير عمرو، وإذا قلنا: وقع ضرب إلا من زيد على عمرو، والفرق بين نفى المصدر ونفى الفعل أن الفعل مسند إلى فاعل، فلا ينتفى عن المفعول إلا ذلك القيد، والمصدر ليس كذلك، بل هو مطلق فينتفى مطلقا إلا الصورة المستثناة منه بقيودها، والذى يظهر أنه لا يجوز استثناء شيئين بأداة، بلا خلاف كما لا يكون للفعل فاعلان. ص: (ووجه الجميع ... إلخ). (ش): هذا الكلام لا يناسب هذا الفصل؛ فإن هذا الفصل يتعلق بما بعد أداة القصر وجاءت هذه القطعة فاصلة، قال: وجه الجميع، أى: الحصر فى جميع صور

стр. 416

وفى إنّما يؤخّر المقصور عليه؛ تقول: إنّما ضرب زيد عمرا خ خ، ولا يجوز تقديمه على غيره للالتباس وغير ك إلّا فى إفادة القصرين، وفى امتناع مجامعة (لا). ــ الحصر بما وإلا، سواء كان بين الفعل والفاعل، أو المبتدأ والخبر، أو غيرهما أن الاستثناء المفرغ لا بد أن يتوجه النفى فيه إلى متعدد، فهو مستثنى منه؛ لأن الاستثناء إخراج، فيحتاج إلى مخرج منه، والمراد التقدير المعنوى لا الصناعى، فإن تقدير المستثنى منه والتفريغ لا يجتمعان، ولا بد أن يكون عاما؛ لأن الإخراج لا يكون إلا من عام وينبغى أن يحمل العموم على الشمول مطلقا مطلقا؛ ليدخل فيه نحو العدد والجموع المنكرة، ولا بد أن يكون مناسبا للمستثنى فى جنسه، مثل: ما قام إلا زيد، التقدير: أحد، وما أكلت إلا تمرا، التقدير: مأكولا، ولا بد أن يوافقه فى صفته، أى: فى إعرابه، وحينئذ وجب القصر إذا أوجب منه شئ بإلا، ومقتضى كلام الشارح أنه فهم أن هذا علة لتأخير المقصور عليه، وأحوجه إلى ذلك أنه رآه فاصلا بين بعض الكلام وبعض، ولكن هذا لا يظهر أنه علة لذلك، بل يظهر أنه علة لحصول القصر. تأخير المقصور عليه فى (إنما): ص: (وفى إنما يؤخر المقصور عليه). (ش): قد عرف مما سبق أن ضابط المقصور عليه أن يكون بعد إلا، سواء كانت متقدمة أو متأخرة، وأما إنما فضابط المقصور عليه أن يكون متأخرا، فتقول فى معنى: ما قام إلا زيد: إنما قام زيد، وفى معنى: ما ضربت إلا زيدا: إنما ضربت زيدا، وفى معنى: ما ظننت زيدا إلا قائما: إنما ظننت زيدا قائما، وهذا هو المشهور، وقد تقدم عن الزجاج أن مذهبه أن المحصور لا يتعين أن يكون هو المتأخر، بل قد يكون غيره ويفهم بالقرينة. (تنبيه): يرد على قولهم: المحصور هو الأخير، أمور، منها: أن قولك: إنما قمت، معناه: لم يقع إلا القيام، فهو حصر الفعل، وليس الأخير فإن الأخير هو الفاعل، وهو الضمير فلو قصدت حصره لفصلت الضمير كما سبق. ومنها: قوله" إنما يأكل آل محمد من هذا المال ليس لهم فيه إلا المأكل" (١). فإن المراد ما ذكرناه إلا أن يكون لذلك

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تأويل. ومنها: قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (١)، فإن المراد ما يريد أن يوقع العداوة إلا فيهما. ومنها: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ (٢)، فإن المراد لم يقع إلا أن أشرك آباؤنا من قبل، ومقتضى قواعدهم أن المراد ما أشرك آباؤنا إلا من قبل، أى: لم يشركوا من بعدنا، بل من قبلنا. ومنها: قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ (٣)، مقتضى ما قالوه أن المعنى: ما فتنتم إلا به، وليس المراد؛ فإنه لا يصح فيه قصر القلب، ولا قصر الإفراد؛ لأنهم لم يكونوا يدعون أنهم فتنوا به وبغيره، ولا أنهم فتنوا بغيره فقط؛ فتعين أن المعنى لم يقع إلا أنكم فتنتم به. ومنها: قوله تعالى: فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ (٤)، ليلزم على ما قالوه أن التقدير: ما يقول له إلا كن، وليس المعنى عليه، إنما المعنى فلا يقع شئ إلا قوله: كن، فيكون فيه نفى ما ليس كن من الأقوال والأفعال. ومنها: قوله تعالى: قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ (٥)، مقتضى ما قالوه أن المراد ما يأتيكم به الله، بدليل أنه جواب لقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٦). انتهى. (قوله: ولا يجوز تقديمه على غيره) أى: بخلاف إلا، وقوله: (للإلباس) لأنك لو قلت: إنما القائم زيد لكان فى المعنى عكس قولك: إنما زيد القائم، وتقول: إنما ضرب زيد عمرا، ولو قلت: إنما ضرب عمرا زيد؛ لأوهم عكس ذلك المعنى، وهذا الذى ذكره المصنف. ص (وغير كإلا فى إفادة القصرين وامتناع مجامعة لا). (ش): أى: حكم غير حكم إلا فى إفادة قصرى الإفراد والقلب، وامتناع مجامعة لا؛ لأنها حرف استثناء، فلا يعطف عليها بلا، وينبغى أن يقيدها بالاستثنائية. أما الصفة فلا، وإنما لم يورد عليه مثل ذلك إلا، وهى أيضا تقع استثناء وصفة؛ لأن وقوع إلا صفة خلاف الغالب، وإنما خص الكلام بإلا وغير، دون غيرهما من أدوات الاستثناء؛ لأنه يتكلم فى المفرغ، وهو لا يكون بغيرها خلافا لابن مالك.

стр. 418

الإنشاء (١) إن كان طلبا استدعى مطلوبا غير حاصل وقت الطلب، ــ باب الإنشاء ص: (الإنشاء إن كان طلبا استدعى مطلوبا ... إلخ). حقيقة الإنشاء التى يتميز بها الخبر سبقت، وهو ينقسم إلى طلب وغيره، كذا قالوه، والأحسن أن يقال: إلى طلبى وغيره، وقد عدوا من غير الطلبى: نعم الرجل زيد، وربما نصحك عمرو، وكم غلاما شريف، وعسى أن يجئ زيد وفيه نظر؛ لأن الأول قد يقال: إنه خبر، وقول كثير من النحاة: إن نعم وبئس لإنشاء المدح والذم، لا ينافى ذلك لجواز أن يريدوا دلالتها على ذلك الناشئة بالإخبار. قال الطيبى فى شرح التبيان: قال الاستراباذى فى كون فعلى التعجب وفعلى المدح والذم وكم الخبرية إنشاء نظر؛ لاحتمالهما الصدق والكذب باعتبار نفس الخبر، وإن لم يحتملا باعتبار المدح والذم، ومن ثم لما بشر أعرابى ببنت، فقيل: نعمت المولودة قال: والله ما هى بنعمت المولودة. قال الجرجانى: وهم؛ لأن هذه الأفعال لا تحتملها باعتبار النسبة التى يحصل بها الكلام. انتهى. ومما يدل على أنهما خبران وقوع نعم خبر إن فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ (٢)، ووقوعها جواب القسم فى قوله تعالى: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣)، وكذلك بئس، قال تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (٤)، وأما: ربما نصحك عمرو، فلا إشكال فى كونه خبرا، وكذلك كم الخبرية. قال ابن الحاجب فى أماليه: كم رجال عندى، يحتمل الإنشاء والإخبار، أما الإنشاء فمن جهة التكثير؛ لأن المتكلم عبر عما فى باطنه من التكثير بقوله: رجال، والتكثير معنى محقق ثابت فى النفس، لا وجود له من خارج حتى يقال باعتباره: إن طابق فصدق، وإن لم يطابق فكذب، ويحتمل الإخبار باعتبار العندية فإن كونهم عنده له وجود من خارج، فالكلام باعتباره يحتمل الصدق والكذب، فهو كلام يحتمل للأمرين باعتبار الاحتمالين المذكورين المختلفين، قلت: هذا الكلام ضعيف، والذى يظهر القطع به أن هذا

стр. 419

وأنواعه كثيرة: ... منها التمنّى (١)، واللفظ الموضوع له (ليت)، ولا يشترط إمكان المتمنّى (٢)؛ تقول: ليت الشباب يعود! خ خ، وقد يتمنّى ب (هل)؛ نحو: هل لى من شفيع؟! حيث يعلم أن لا شفيع له، وب (لو)؛ نحو: لو تأتينى؛ فتحدّثنى! خ خ؛ بالنصب. ــ خبر؛ لأن التكثير ليس المعنى به جعل القليل كثيرا حتى يكون السائل معنيه اعتقاد الكثرة الواقع فى النفس، والتعبير عن ذلك بكم إخبار عن أمر خارجى، وإنما تعنى بقولنا: الخبر له خارج ما كان خارجا عن كلام النفس، فنحو: طلبت القيام، حكم نسبته لها خارج بخلاف: قام، كما صرح به ابن الحاجب وغيره، فقولنا: كم رجال عندى على الأول من الاحتمالين اللذين ذكرهما إخبار عن اعتقاد الكثرة كقولك: اعتقدت هذا كثيرا فليس من الإنشاء فى شئ، وعلى الاحتمال الثانى إخبار عن الكثرة فى الخارج، وقوله: لأن المتكلم عبر عما فى باطنه يستلزم أن يكون نحو: وأبغضت زيدا، وعزمت على كذا إنشاء، ولا قائل به. وقوله: إن التكثير معنى ثابت فى النفس لا وجود له من خارج، صحيح لكن المراد بالخارج ما سبق، وأما عسى أن يجئ زيد، فهو ترج كالتمنى، وسنذكره وهو طلبى نعم من الإنشاء غير الطلبى صيغ العقود، وإن قلنا: إن الوعد إنشاء كما يوهمه كلام ابن قتيبة فهو غير طلبى، إذا تقرر هذا فالذى نتكلم فيه الآن هو الإنشاء الطلبى، وهو يستدعى مطلوبا ضرورة، وكونه غير حاصل وقت الطلب ضرورى؛ لأن الحاصل لا يطلب، والإنشاء لا يتعلق بالمستقبلات. أنواع الإنشاء: ١ - (التمنى): ص: (وأنواعه كثيرة منها التمنى ... إلخ). (ش): أنواع الإنشاء الطلبى كثيرة، منها: التمنى، واللفظ الموضوع له ليت، ولا يشترط إمكان المتمنى، بل قد يكون المتمنى قريبا، مثل: ليت زيدا يقدم، وهو مشرف على القدوم، وقد يكون بعيدا ممكنا، وقد يكون غير ممكن، ومثله المصنف بقوله: ليت

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشباب يعود. قال الوالد ﵀: عود الشباب ممكن عقلا ممتنع عادة. قال السكاكى: تقول: ليت زيدا جاءنى، فتطلب غير الواقع فى الماضى واقعا فيه مع حكم العقل بامتناعه، وليت الشباب يعود مع جزمك بأنه لا يعود وليت زيدا يأتينى فيحدثنى فى حال لا تتوقعها ولا طمع لك فيها، فهذه أحسن من عبارة المصنف والقدر المشترك بين الثلاثة عدم التوقع. انتهى. وحاصله أن ما أفهمه كلام المصنف من أن عود الشباب مستحيل عقلا ممنوع، وهو سؤال حسن، لكن يمكن أن يقال: عود الشباب مستحيل عادة، إن فسرنا الشباب بالسن الذى لا يتجاوز الثلاثين، وكونه لم يتجاوز ذلك بعد أن جاوزه جمع بين النقيضين فهو مستحيل عقلا، وإن فسر الشباب بعود تلك القوة والنشاط الحاصل قبل الشيخوخة، جاء ما ذكره الوالد ﵀ وقد يقال باستحالته أيضا؛ فإن نفس تلك القوة يستحيل عودها، إنما الممكن عقلا عود مثلها، لكن القطع حاصل بأن المراد من قولنا: ليت الشباب يعود، عوده بالجنس أو بالنوع، لا بالشخص. بقى على المصنف وعلى السكاكى سؤال آخر، وهو أن ما لا يتوقع، كيف يطلب؟ فالأصوب ما ذكره الإمام وأتباعه من أن التمنى والترجى والقسم والنداء ليس فيها طلب، بل تنبيه ولا بدع فى تسميته إنشاء وإنما تنازع فى جعله طلبا، وسؤال آخر وهو قوله: ولا يشترط إمكانه يقتضى أنه قد يكون قريبا وبعيدا، ويدخل فى ذلك الترجى، وظاهر كلام النحاة أنه إن كان قريبا فله الترجى، وإن كان بعيدا فله التمنى، وقد صرح بذلك المصنف فى آخر الكلام ثم مقتضى كلامه أن المستحيل أحد محال التمنى، والذى يظهر أن استعماله فيه يقع على خلاف الأصل، وقد أعرب التنوخى فقال فى الأقصى القريب: المتمنى يكون معشوقا للنفس، والمرجو قد لا يكون، ويكون المرجو متوقعا، والمتمنى قد لا يكون فالترجى أعم من التمنى من وجه، والتمنى أعم من الترجى من وجه. (تنبيه): قال التنوخى أيضا: المرجو بلعل حصول خبرها لاسمها، وقد يكون حصول اسمها لخبرها، وقد يكون حصول الجملة من اسمها وخبرها. انتهى. ولعله يريد بحصول اسمها لخبرها نحو قولك: لعل القيام موجود وبحصول الجملة قولك: لعل أن يقوم زيد، وهذا بعينه ينقل إلى التمنى، وما قاله لا تحقيق له؛ فإن المعنى فى الجميع حصول الخبر للاسم؛ لأن الموضوع لا يطلب حصوله، ثم قال المصنف: وقد يتمنى بهل مثل: هل

стр. 421

السكاكى: كأنّ حروف التنديم والتحضيض، وهى: (هلّا)، و (ألّا) بقلب الهاء همزة، و (لولا) و (لوما): مأخوذة منهما (١) مركبتين مع (لا) و (ما) المزيدتين؛ لتضمّنهما معنى التمنّى؛ ليتولّد منه فى الماضى التنديم؛ نحو: هلّا أكرمت زيدا! خ خ، وفى المضارع التحضيض؛ نحو: هلا تقوم! خ خ. وقد يتمنّى ب (لعل) فيعطى حكم (ليت)؛ نحو: لعلّى أحجّ؛ فأزورك خ خ؛ بالنصب؛ لبعد المرجوّ عن الحصول. ــ من شفيع، حيث يعلم أنه لم يكن قال تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا لإبراز المتمنى فى صورة الممكن، وقد يتمنى بلو كقولك: لو تأتينى فتحدثنى، وإنما يتعين لذلك إذا كان بالنصب، فإن لم يكن احتمل ومجئ لو بمعنى التمنى مذهب سيبويه، وأنكره كثير من النحاة والاستدلال على جوازه بقوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) بنصب نكون فيه نظر؛ لجواز أن يكون معطوفا على كرة كقول الشاعر: للبس عباءة وتقرّ عينى أحبّ ... إلىّ من لبس الشفوف (٣) قال السكاكى: وكأن هلا وألا حرفى التحضيض والتنديم مأخوذتان من هل، وكذلك لولا ولو ما زيدت على بعضها لا، وعلى بعضها ما، وألا قلبت فيها الهاء همزة، وركبت هذه الحروف ليتولد منها فى الماضى التنديم نحو: هلا أكرمت زيدا، وفى المستقبل التحضيض نحو: هلا تقوم، وقد يتمنى بلعل، أى: تستعمل لعل فيما بعد، ومن هنا يعلم اختصاص التمنى بالبعيد كما أشرنا إليه، ويعطى حينئذ حكم التمنى فى نصب الجواب، فإن لعل لو كانت على وضعها من التراخى لما انتصب الجواب لا يقال: قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ (٤)، فيه

стр. 422

ومنها: الاستفهام؛ وألفاظه الموضوعة له: (الهمزة) و (هل) و (ما) و (من) و (أىّ) و (كم) و (كيف) و (أين) و (أنّى) و (متى) و (أيّان): ــ جواب الترجى، لأنا نقول: هذا تمن لا ترج، واستشهاد بعض النحاة على نصب جواب الترجى لا ينافى هذا؛ لأن النحوى ينظر فى الترجى والتمنى إلى اللفظ، والبيانى ينظر إلى المعنى وقول المصنف: (لبعد المرجو عن الحصول) قد يقال: كيف يجتمع ذكر الترجى مع البعد؟ وجوابه أنه لما ذكر الترجى المصطلح عليه أنه للقرب، بل ذكر المرجو المشتق من الرجاء، ولا شك أن الرجاء لغة لأعم من القريب والبعيد، وقول المصنف: ليتولد، وقوله: لتضمينهما معنى التمنى، يشعر بأن معنى التمنى يجتمع مع الاستفهام فى هل وألا وهلا، ومع الامتناع فى لولا وأنهما يسلبان معنى الاستفهام والامتناع، ويخلفه التمنى، وفيه نظر بالنسبة إلى هل ولو، وسيأتى عن التنوخى تحقيقه فى بقاء الترجى مع الاستفهام فى لعل وأما الاستفهام فى هلا وألا، والامتناع فى لولا ولو ما فلا شك فى عدمه إلا أن يريد بقاء التحضيض والتنديم. ثم قول المصنف: ليتولد منه فى الماضى التنديم، وفى المضارع التحضيض، صواب العبارة أن يقول: وفى المستقبل؛ لأن المضارع إذا وقع بعد هذه الحروف احتمل المضى والاستقبال كما ذكره ابن مالك وغيره، والتحضيض لا تعلق له بالمضارعة التى هى صفة لفظ الفعل، بل بالاستقبال الذى هو أحد مدلوليه أو مدلوله. (تنبيه): قد يتضمن التمنى معنى الخبر، قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا (١): يجوز أن يكون ولا نكذب معطوفا على نرد أو حالا، قال: ولا يدفعه قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢)؛ لأنه تمن قد تضمن معنى العدة فتعلق به التكذيب، وهذا ما قدمنا الوعد به عند الكلام على حد الإنشاء والخبر، وقول الزمخشرى: إن التكذيب تتعلق به العدة، مخالف لما ذكره ابن قتيبة. ٢ - الاستفهام: ص: (ومنها الاستفهام ... إلخ). (ش): الاستفهام أحد أنواع الطلب استفعال، فهو طلب الفهم، وقد يخرج عن ذلك لتقرير أو غيره، وله ألفاظ ذكرها المصنف، وهى الهمزة وهل وما ومن وأى وكم

стр. 423

ف الهمزة خ خ: لطلب التصديق؛ كقولك: أقام زيد؟ خ خ، وأ زيد قائم؟ خ خ، أو التصوّر، كقولك: أدبس فى الإناء أم عسل؟ خ خ، أفى الخابية دبسك أم فى الزّقّ؟ خ خ؛ ولهذا (١) لم يقبح: أزيد قام؟ وأعمرا عرفت؟ والمسئول عنه بها: هو ما يليها؛ كالفعل فى: أضربت زيدا؟ والفاعل فى: أأنت ضربت زيدا؟ والمفعول فى: أزيدا ضربت؟ ــ وكيف وأين وأنى ومتى وأيان بفتح الهمزة وبالكسر قليل، وهى لغة سليم، وبفى على المصنف أم فإنها استفهامية متصلة كانت أم منقطعة، وسيأتى بسط الكلام على ذلك عند قول المصنف، والباقية لطلب التصور وكذلك يقع الاستفهام بمهما وكأى، وكذلك يستفهم بلعل عند الكوفيين. وقال التنوخى: إنها يبقى معها حينئذ معنى الترجى قال ابن مالك فى المصباح: إن ألفاظ الاستفهام غير الهمزة نائبة عنها إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاستفهام قد يكون لطلب التصور فقط، وقد يكون لطلب التصديق فقط، وقد يكون لطلب أيهما كان، وقدم المصنف ما يطلب به أيهما كان لمزيد الفائدة فيه لتحصيله الاستفهام عن أيهما شئت، بخلاف ما لو قدم ما يخص أحدهما، فإنه حينئذ لا تحصل الفائدة لمزيد القسم الآخر، وأيضا فالهمزة أم الباب فهى الجديرة بالتقديم، إذا علم ذلك فها أنا أذكر - إن شاء الله تعالى - ضوابط يتميز بها حقيقة الاستفهام عن التصديق، وحقيقة الاستفهام عن التصور ما بين لفظى ومعنوى. فمن ذلك: الاستفهام عن التصديق: حقه أن يؤتى بعده بأم المنقطعة دون المتصلة، والاستفهام عن التصور ما صلح أن يؤتى بعده بأم المتصلة دون المنقطعة، وبعد أن كتبت هذا الضابط بفكرى رأيت ابن مالك صرح به فى المصباح بلفظه ولله الحمد، ومن ذلك الاستفهام عن التصديق، يكون عن نسبة تردد الذهن بين ثبوتها وانتفائها، والاستفهام عن التصور يكون عند التردد فى تعيين أحد شيئين، فبالاستفهام يعلم أنه أحاط بأحدهما، لا بعينه مسندين أم مسندا إليهما أم من تعلقات الإسناد، وهذا الضابط هو أيضا ضابط الفرق بين أم المتصلة والمنفصلة، ومن الفرق بينهما أن المتصلة لا يكون قبلها إلا استفهام إما لفظا ومعنى، نحو: أزيد أم عمرو قائم، أو لفظا لا معنى، نحو: سواء على أقمت أم قعدت، فإن الاستفهام لفظى لا معنوى، والمنقطعة قد لا يأتى قبلها الاستفهام لا لفظا ولا معنى، وإذا تأملته مع ما بعده علمت أن (أم) قد

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يكون معها ما يصرفها لانقطاع ولا اتصال، حتى يعرض ذلك على المعنى ولنوضح ذلك بالأمثلة، فإذا قلت: أقام زيد أم قعد، احتمل أن يكون المعنى أى الأمرين كان منه، ويكون استفهاما واحدا لطلب التصور، وأم فيه متصلة وبذلك صرح الشيخ أبو حيان، ومثله قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالمين (١) إلا أن الهمزة فيه للتقرير، وكذلك: أزيد قائم أم هو قاعد، ومنه: ولست أبالى بعد فقدى مالكا ... أموتى ناء أم هو الآن واقع (٢) وكذلك لو كانت الجملتان لشخصين، وبذلك صرح الشيخ أبو حيان، وأنشد بدر الدين بن مالك ﵀: فقلت أهى سرت أم عادنى حلم واحتمل أن تكون استفهمت فى هذه المثل عن الأول، ثم أردت إضرابا عنه، واستفهاما ثانيا فتكون أم منقطعة، ويكون ذلك استفهاما عن التصديق تاليا للاستفهام بالهمزة، وعن التصديق أيضا، وقد يأتى فى بعض المثل قرينة ترجح أو تعين الاتصال، كقولك: أرضيت أم غضبت، أو الانقطاع كقولك: أقمت أم طلعت الشمس؛ ولذلك اجتمع العقل والنقل على أن أم منقطعة فى قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها (٣) ولو قلت: ألهم الإكرام أم لهم الإهانة، لكانت متصلة قطعا فقد اتفقا فى التركيب اللفظى، واختلفا فى المعنى قطعا. ومن الأمثلة المحتملة أيضا قولك: أعندك زيد أم عندك عمرو، والظاهر فيه الاتصال، واضبط هذا المثال فسيحتاج إليه فيما بعد، وإذا قلت: أقام أم لم يقم، فكذلك غير أنه يبعد أن تكون أم فيه منقطعة؛ لأنه يلزم أن يكون فيه إضراب عن الأول إلى الاستفهام عن الثانى، وذلك

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنما يكون فى سنن لا يستلزم الاستفهام عن أحدهما الاستفهام عن الآخر، ولا شك أن قولك: أقام يفهم ما يفهمه قولك: أم لم يقم من التردد فى القيام، ويشهد لما قلناه قول الزمخشرى فى قوله تعالى أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ (١) أن أم فيه متصلة، وأن المعنى: أفلا تبصرون أم أبصرتم. وقد نقل ابن عطية وغيره هذا التقدير عن سيبويه، فإن توهم متوهم أنه لا يصح قولنا: أقام أم لم يقم، لعدم فائدة ذكر أم، فهذه الآية الكريمة بتفسير سيبويه والزمخشرى قاطعة لتوهمه، ثم له من الفائدة تعيينه لطلب التصديق، وقد يقال: كيف تكون أم فيه متصلة، وقد قلتم: إن أقام زيد معناه: أم لم يقم، وأنه استفهام تصديق؟ فإذا صرح بهذا المعنى فقيل: أم لم يقم، كيف ينقلب استفهام تصور كما سبق؟ وإذا قلت: زيد أم عمرو قائم فلا يخفى أنها متصلة، وأنه استفهام تصور عن المسند إليه، وإذا قلت: أقائم أم قاعد زيد فاستفهام عن المسند للتصور، وهى متصلة، وإذا قلت: أزيدا أم عمرا ضربت، فمتصلة وهو استفهام عن تصور المفعول، هذا كله إذا ذكرت أم، فإن لم تذكر فقلت: أقام زيد احتمل أن تكون لطلب التصديق، وأن تكون لطلب تصور المسند، وأن تكون لطلب تصور المسند إليه؛ لأن ذلك قد يصدر من متردد فى وقوع قيام زيد، ومن جازم بوقوع قيام، ويشك فى المسند إليه، ومن جازم بوقوع فعل من زيد، ويشك أنه القيام أو لا، فالمعنى على الأول: أقام أو لا، وعلى الثانى: أقام زيد أم عمرو، وعلى الثالث: أقام زيد أم قعد، وكذلك أزيد قائم، غير أن الظاهر أن الاستفهام عن التصديق؛ لأن النسب هى الجديرة بالاستفهام؛ ولذلك كان إيلاء الفعل لهمزة الاستفهام وتأخير الاسم أولى من العكس، إذا تقرر ذلك فلنلحقه بفائدة وهى الاستفهام عن التصديق، هل يكون المطلوب به الثبوت أو الانتفاء؟ قال ابن مالك فى المصباح: الاستفهام طلب ما فى الخارج أن يحصل فى الذهن من تصور أو تصديق موجب، قيل: أو منفى، فحكى قولين فى أن استفهام التصديق يستفهم به عن النفى أو لا، وكأنه أشار بقوله: قيل إلى ما ذكرناه عن المفتاح، ولعله فهم أن الاستفهام عن التصديق تارة يطلب به الثبوت، وتارة يطلب به الانتفاء، والذى يظهر والله أعلم أن هذا ليس مراده، فإن الاستفهام لا يطلب به الثبوت ولا الانتفاء، وإنما يطلب به
следующие страницы →