← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

السكاكى: كأنّ حروف التنديم والتحضيض، وهى: (هلّا)، و (ألّا) بقلب الهاء همزة، و (لولا) و (لوما): مأخوذة منهما (١) مركبتين مع (لا) و (ما) المزيدتين؛ لتضمّنهما معنى التمنّى؛ ليتولّد منه فى الماضى التنديم؛ نحو: هلّا أكرمت زيدا! خ خ، وفى المضارع التحضيض؛ نحو: هلا تقوم! خ خ. وقد يتمنّى ب (لعل) فيعطى حكم (ليت)؛ نحو: لعلّى أحجّ؛ فأزورك خ خ؛ بالنصب؛ لبعد المرجوّ عن الحصول. ــ من شفيع، حيث يعلم أنه لم يكن قال تعالى: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا لإبراز المتمنى فى صورة الممكن، وقد يتمنى بلو كقولك: لو تأتينى فتحدثنى، وإنما يتعين لذلك إذا كان بالنصب، فإن لم يكن احتمل ومجئ لو بمعنى التمنى مذهب سيبويه، وأنكره كثير من النحاة والاستدلال على جوازه بقوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) بنصب نكون فيه نظر؛ لجواز أن يكون معطوفا على كرة كقول الشاعر: للبس عباءة وتقرّ عينى أحبّ ... إلىّ من لبس الشفوف (٣) قال السكاكى: وكأن هلا وألا حرفى التحضيض والتنديم مأخوذتان من هل، وكذلك لولا ولو ما زيدت على بعضها لا، وعلى بعضها ما، وألا قلبت فيها الهاء همزة، وركبت هذه الحروف ليتولد منها فى الماضى التنديم نحو: هلا أكرمت زيدا، وفى المستقبل التحضيض نحو: هلا تقوم، وقد يتمنى بلعل، أى: تستعمل لعل فيما بعد، ومن هنا يعلم اختصاص التمنى بالبعيد كما أشرنا إليه، ويعطى حينئذ حكم التمنى فى نصب الجواب، فإن لعل لو كانت على وضعها من التراخى لما انتصب الجواب لا يقال: قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ (٤)، فيه

стр. 422

ومنها: الاستفهام؛ وألفاظه الموضوعة له: (الهمزة) و (هل) و (ما) و (من) و (أىّ) و (كم) و (كيف) و (أين) و (أنّى) و (متى) و (أيّان): ــ جواب الترجى، لأنا نقول: هذا تمن لا ترج، واستشهاد بعض النحاة على نصب جواب الترجى لا ينافى هذا؛ لأن النحوى ينظر فى الترجى والتمنى إلى اللفظ، والبيانى ينظر إلى المعنى وقول المصنف: (لبعد المرجو عن الحصول) قد يقال: كيف يجتمع ذكر الترجى مع البعد؟ وجوابه أنه لما ذكر الترجى المصطلح عليه أنه للقرب، بل ذكر المرجو المشتق من الرجاء، ولا شك أن الرجاء لغة لأعم من القريب والبعيد، وقول المصنف: ليتولد، وقوله: لتضمينهما معنى التمنى، يشعر بأن معنى التمنى يجتمع مع الاستفهام فى هل وألا وهلا، ومع الامتناع فى لولا وأنهما يسلبان معنى الاستفهام والامتناع، ويخلفه التمنى، وفيه نظر بالنسبة إلى هل ولو، وسيأتى عن التنوخى تحقيقه فى بقاء الترجى مع الاستفهام فى لعل وأما الاستفهام فى هلا وألا، والامتناع فى لولا ولو ما فلا شك فى عدمه إلا أن يريد بقاء التحضيض والتنديم. ثم قول المصنف: ليتولد منه فى الماضى التنديم، وفى المضارع التحضيض، صواب العبارة أن يقول: وفى المستقبل؛ لأن المضارع إذا وقع بعد هذه الحروف احتمل المضى والاستقبال كما ذكره ابن مالك وغيره، والتحضيض لا تعلق له بالمضارعة التى هى صفة لفظ الفعل، بل بالاستقبال الذى هو أحد مدلوليه أو مدلوله. (تنبيه): قد يتضمن التمنى معنى الخبر، قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا (١): يجوز أن يكون ولا نكذب معطوفا على نرد أو حالا، قال: ولا يدفعه قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢)؛ لأنه تمن قد تضمن معنى العدة فتعلق به التكذيب، وهذا ما قدمنا الوعد به عند الكلام على حد الإنشاء والخبر، وقول الزمخشرى: إن التكذيب تتعلق به العدة، مخالف لما ذكره ابن قتيبة. ٢ - الاستفهام: ص: (ومنها الاستفهام ... إلخ). (ش): الاستفهام أحد أنواع الطلب استفعال، فهو طلب الفهم، وقد يخرج عن ذلك لتقرير أو غيره، وله ألفاظ ذكرها المصنف، وهى الهمزة وهل وما ومن وأى وكم

стр. 423

ف الهمزة خ خ: لطلب التصديق؛ كقولك: أقام زيد؟ خ خ، وأ زيد قائم؟ خ خ، أو التصوّر، كقولك: أدبس فى الإناء أم عسل؟ خ خ، أفى الخابية دبسك أم فى الزّقّ؟ خ خ؛ ولهذا (١) لم يقبح: أزيد قام؟ وأعمرا عرفت؟ والمسئول عنه بها: هو ما يليها؛ كالفعل فى: أضربت زيدا؟ والفاعل فى: أأنت ضربت زيدا؟ والمفعول فى: أزيدا ضربت؟ ــ وكيف وأين وأنى ومتى وأيان بفتح الهمزة وبالكسر قليل، وهى لغة سليم، وبفى على المصنف أم فإنها استفهامية متصلة كانت أم منقطعة، وسيأتى بسط الكلام على ذلك عند قول المصنف، والباقية لطلب التصور وكذلك يقع الاستفهام بمهما وكأى، وكذلك يستفهم بلعل عند الكوفيين. وقال التنوخى: إنها يبقى معها حينئذ معنى الترجى قال ابن مالك فى المصباح: إن ألفاظ الاستفهام غير الهمزة نائبة عنها إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاستفهام قد يكون لطلب التصور فقط، وقد يكون لطلب التصديق فقط، وقد يكون لطلب أيهما كان، وقدم المصنف ما يطلب به أيهما كان لمزيد الفائدة فيه لتحصيله الاستفهام عن أيهما شئت، بخلاف ما لو قدم ما يخص أحدهما، فإنه حينئذ لا تحصل الفائدة لمزيد القسم الآخر، وأيضا فالهمزة أم الباب فهى الجديرة بالتقديم، إذا علم ذلك فها أنا أذكر - إن شاء الله تعالى - ضوابط يتميز بها حقيقة الاستفهام عن التصديق، وحقيقة الاستفهام عن التصور ما بين لفظى ومعنوى. فمن ذلك: الاستفهام عن التصديق: حقه أن يؤتى بعده بأم المنقطعة دون المتصلة، والاستفهام عن التصور ما صلح أن يؤتى بعده بأم المتصلة دون المنقطعة، وبعد أن كتبت هذا الضابط بفكرى رأيت ابن مالك صرح به فى المصباح بلفظه ولله الحمد، ومن ذلك الاستفهام عن التصديق، يكون عن نسبة تردد الذهن بين ثبوتها وانتفائها، والاستفهام عن التصور يكون عند التردد فى تعيين أحد شيئين، فبالاستفهام يعلم أنه أحاط بأحدهما، لا بعينه مسندين أم مسندا إليهما أم من تعلقات الإسناد، وهذا الضابط هو أيضا ضابط الفرق بين أم المتصلة والمنفصلة، ومن الفرق بينهما أن المتصلة لا يكون قبلها إلا استفهام إما لفظا ومعنى، نحو: أزيد أم عمرو قائم، أو لفظا لا معنى، نحو: سواء على أقمت أم قعدت، فإن الاستفهام لفظى لا معنوى، والمنقطعة قد لا يأتى قبلها الاستفهام لا لفظا ولا معنى، وإذا تأملته مع ما بعده علمت أن (أم) قد

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يكون معها ما يصرفها لانقطاع ولا اتصال، حتى يعرض ذلك على المعنى ولنوضح ذلك بالأمثلة، فإذا قلت: أقام زيد أم قعد، احتمل أن يكون المعنى أى الأمرين كان منه، ويكون استفهاما واحدا لطلب التصور، وأم فيه متصلة وبذلك صرح الشيخ أبو حيان، ومثله قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالمين (١) إلا أن الهمزة فيه للتقرير، وكذلك: أزيد قائم أم هو قاعد، ومنه: ولست أبالى بعد فقدى مالكا ... أموتى ناء أم هو الآن واقع (٢) وكذلك لو كانت الجملتان لشخصين، وبذلك صرح الشيخ أبو حيان، وأنشد بدر الدين بن مالك ﵀: فقلت أهى سرت أم عادنى حلم واحتمل أن تكون استفهمت فى هذه المثل عن الأول، ثم أردت إضرابا عنه، واستفهاما ثانيا فتكون أم منقطعة، ويكون ذلك استفهاما عن التصديق تاليا للاستفهام بالهمزة، وعن التصديق أيضا، وقد يأتى فى بعض المثل قرينة ترجح أو تعين الاتصال، كقولك: أرضيت أم غضبت، أو الانقطاع كقولك: أقمت أم طلعت الشمس؛ ولذلك اجتمع العقل والنقل على أن أم منقطعة فى قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها (٣) ولو قلت: ألهم الإكرام أم لهم الإهانة، لكانت متصلة قطعا فقد اتفقا فى التركيب اللفظى، واختلفا فى المعنى قطعا. ومن الأمثلة المحتملة أيضا قولك: أعندك زيد أم عندك عمرو، والظاهر فيه الاتصال، واضبط هذا المثال فسيحتاج إليه فيما بعد، وإذا قلت: أقام أم لم يقم، فكذلك غير أنه يبعد أن تكون أم فيه منقطعة؛ لأنه يلزم أن يكون فيه إضراب عن الأول إلى الاستفهام عن الثانى، وذلك

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنما يكون فى سنن لا يستلزم الاستفهام عن أحدهما الاستفهام عن الآخر، ولا شك أن قولك: أقام يفهم ما يفهمه قولك: أم لم يقم من التردد فى القيام، ويشهد لما قلناه قول الزمخشرى فى قوله تعالى أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ (١) أن أم فيه متصلة، وأن المعنى: أفلا تبصرون أم أبصرتم. وقد نقل ابن عطية وغيره هذا التقدير عن سيبويه، فإن توهم متوهم أنه لا يصح قولنا: أقام أم لم يقم، لعدم فائدة ذكر أم، فهذه الآية الكريمة بتفسير سيبويه والزمخشرى قاطعة لتوهمه، ثم له من الفائدة تعيينه لطلب التصديق، وقد يقال: كيف تكون أم فيه متصلة، وقد قلتم: إن أقام زيد معناه: أم لم يقم، وأنه استفهام تصديق؟ فإذا صرح بهذا المعنى فقيل: أم لم يقم، كيف ينقلب استفهام تصور كما سبق؟ وإذا قلت: زيد أم عمرو قائم فلا يخفى أنها متصلة، وأنه استفهام تصور عن المسند إليه، وإذا قلت: أقائم أم قاعد زيد فاستفهام عن المسند للتصور، وهى متصلة، وإذا قلت: أزيدا أم عمرا ضربت، فمتصلة وهو استفهام عن تصور المفعول، هذا كله إذا ذكرت أم، فإن لم تذكر فقلت: أقام زيد احتمل أن تكون لطلب التصديق، وأن تكون لطلب تصور المسند، وأن تكون لطلب تصور المسند إليه؛ لأن ذلك قد يصدر من متردد فى وقوع قيام زيد، ومن جازم بوقوع قيام، ويشك فى المسند إليه، ومن جازم بوقوع فعل من زيد، ويشك أنه القيام أو لا، فالمعنى على الأول: أقام أو لا، وعلى الثانى: أقام زيد أم عمرو، وعلى الثالث: أقام زيد أم قعد، وكذلك أزيد قائم، غير أن الظاهر أن الاستفهام عن التصديق؛ لأن النسب هى الجديرة بالاستفهام؛ ولذلك كان إيلاء الفعل لهمزة الاستفهام وتأخير الاسم أولى من العكس، إذا تقرر ذلك فلنلحقه بفائدة وهى الاستفهام عن التصديق، هل يكون المطلوب به الثبوت أو الانتفاء؟ قال ابن مالك فى المصباح: الاستفهام طلب ما فى الخارج أن يحصل فى الذهن من تصور أو تصديق موجب، قيل: أو منفى، فحكى قولين فى أن استفهام التصديق يستفهم به عن النفى أو لا، وكأنه أشار بقوله: قيل إلى ما ذكرناه عن المفتاح، ولعله فهم أن الاستفهام عن التصديق تارة يطلب به الثبوت، وتارة يطلب به الانتفاء، والذى يظهر والله أعلم أن هذا ليس مراده، فإن الاستفهام لا يطلب به الثبوت ولا الانتفاء، وإنما يطلب به

стр. 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الواقع منهما فى الوجود وهو أحدهما لا بعينه، فقول السكاكى: أو الانتفاء، ليس معناه أو طلب تعيين الانتفاء، بل المراد طلب تعيين أحدهما، وإنما بدر الدين فهمه على غير وجهه، وكيف يتخيل أن يطلب بالاستفهام إحدى النسبتين بعينهما، فحينئذ القولان اللذان ذكرهما بدر الدين فاسدان؟ فإن قلت: لعل صاحب المصباح أراد الإثبات والنفى اللفظيين. قلت: ذلك بعيد من كلامه، وإن أراد ذلك فممنوع، فإنه يصح لك أن تقول: ألم يقم زيد، ولعل الذى أوقعه فيه أن غالب ما ورد من ذلك ليس على بابه، بل التوبيخ أو التقرير مثل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (١)، أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٢)، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ (٣)، وقول الشاعر: ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد (٤) وقوله: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٥) ولكن يرد عليه قوله تعالى: أَفَلا تُبْصِرُونَ (٦) فقد تقدم أن تقديره عند سيبويه، أم أبصرتم وأنها متصلة، وإذا كانت متصلة كان الاستفهام على بابه، ويرد عليه إجماعهم على أقام زيد أم لم يقم، فإن لم يقم مستفهم عنه، سواء كانت متصلة أم منقطعة، وقد صرح الجزولى وغيره بوقوع الاستفهام المحض عن النفى، وإنما خالف فى ذلك أبو على الشلوبين فمنعه، ورد عليه ابن مالك فى باب لا بقوله: ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد ... إذا ألاقى الّذى لاقاه أمثالى (٧)

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقى هنا سؤال، وهو أنه قد يقال: الاستفهام لا يكون إلا لطلب التصديق؛ لأنه إذا قصد تعيين المسند إليه، فأنت تطلب العلم بوقوع النسبة الخاصة من المسند إليه الخاص، فإذا قلت: زيد أم عمرو قائم كنت طالبا لتصديقين معا قيام زيد وقيام عمرو، وقد يجاب بأن طلب النسبتين الخاصتين وقع هنا التزاما، وليس هو عين المستفهم عنه، بل لازم له، وقد ظهر بهذا أن طلب التصديق لا بد منه بكل حال إما استقلالا أو تبعا، وقد يعكس هذا فيقال: كل استفهام فهو طلب تصور لأنك إذا قلت: أقام زيد، فالمعنى: أقام أم لم يقم، فمعناه: أى المحتملين وقع قيامه أم عدم قيامه؟ و (أى) إنما يسأل بها عن التصور فأنت تعلم أحد الأمرين لا محالة؛ لأن النقيضين لا يرتفعان وأنت تريد تعيين الواقع منهما فصار كقولك: أقائم أم قاعد زيد فى أنه لتصور المسند، وما من استفهام إلا يمكن أن يقال معه: أى، وقد تقرر أنها إنما يسأل بها عن التصور، وجوابه أنا لا نسلم أن أيا يصلح فى قولك: أقام زيد أم لم يقم إذا قلنا: إنه استفهام تصديق، وكيف يكون ذلك وهما استفهامان وليس كل استفهام يصلح أن يقال فيه: أى من جهة المعنى؟ وإن صلح من جهة اللفظ ألا ترى أنك لو قلت فى قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ (١): إنه يصح أن يعبر عنه بأن يقال: أى الأمرين لهم الأرجل أم الأيدى، لكنت مخالفا لضرورة العقل، وإن صح لفظا وبعد أن انكشف الغطاء عن ذلك فلنعد لشرح كلام المصنف، فالهمزة يطلب بها أيهما كان من تصديق أو تصور، ومثل المصنف استفهام التصديق بقولك: أقام زيد، وأزيد قائم وليس على إطلاقه، بل ذلك حيث كان المراد أم لم يقم، وأردت الانقطاع، فإن كان المراد أم عمرو أو أم قعد فلا كما سبق، فإن قيل: عذره فى ذلك أن هذه الصيغة عند الإطلاق ظاهرة فيما ذكره، قلنا: ظاهرة فى أن المعنى: أم لم يقم، لكن ليست ظاهرة فى أن أم منقطعة، وأما تمثيله بزيد قائم، فلا يصح على شئ من التقادير: أما على أن يكون المعنى أم عمرو أو أم قاعد، فواضح، وأما على أن المعنى: أم لم يقم فهو لا يصح على رأى المصنف؛ فإنه يرى أن الذى يلى الهمزة هو المستفهم عنه، فتعين أن يكون هو المسند إليه، لا الجملة، وإن كنا نوافق المصنف على ما قاله، بل نصحح هذا المثال لما سيأتى،

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الاستفهام عن التصور فإما عن تصور المسند إليه، ومثله المصنف بقولك: أدبس فى الإناء أم عسل، وهو مثال صحيح وإما عن تصور المسند، ومثله المصنف بقولك: أفى الخابية دبسك أم فى الزق، وفيه تساهل؛ فإن فى الخابية ليس مسندا، بل المسند الاستقرار الذى هو عامل فى هذين الجارين والمجرورين، ويمكن تأويل كلامه على أنه لم يرد بالمسند الظرف، بل الاستقرار الذى يتعلق به الظرف، وإما عن تصور شئ من تعلقات المسند، ولم يذكره المصنف، وكلام الخطيبى يوهم نفيه، وليس كما قال وذلك قولك: أزيدا أم عمرا ضربت، ويصح التمثيل له بما مثل به المصنف للاستفهام عن المسند، وهو أفى الخابية دبسك أم فى الزق. قوله: (ولكونها) أى: الهمزة (لا تختص بتصور ولا تصديق) مقلوب صوابه أن يقال: لا يختص بها تصور ولا تصديق، وإن كان الواقع أن الهمزة لا تختص بالتصور ولا بالتصديق؛ لأن كلا منهما يوجد فى استفهام بغيرها، وكل من التصور والتصديق لا يختص بالهمزة؛ لأنها استعملت فى الآخر، ولكن المصنف يريد أن الهمزة تستعمل فيهما، والتعبير عن ذلك أن يقول: لكون الهمزة لا يختص بها تصور ولا تصديق، بل تخرج عن كل منهما للآخر لم يقبح كذا وكذا، ثم على المصنف اعتراض، وهو أن عدم قبح ما سيذكره ليس ناشئا عن استعمال الهمزة فى التصور والتصديق، كما ذكره، بل هو ناشئ عن استعمالها فى التصور فينبغى أن يقول: ولكونها لا يختص بها تصديق لم يقبح: أزيدا ضربت، وأزيد قائم، والذى ذكره الشارح أن لذلك حالتين إن أريد التصور لم يقبح، وإن أريد التصديق قبح لما سيأتى من قبح نظيره فى هل قلت المراد أنك إذا قلت: أزيدا ضربت كان محتملا لأن تريد أضربت أم لم تضرب فيكون طلب تصديق فيقبح، وأن يكون المراد عمرا فيكون طلب تصور فلا يقبح، وهذا الذى ذكره فاسد؛ لأن المصنف والشارح المذكور قالا: إن المستفهم عنه هو ما يلى الهمزة فتعين أن يكون المستفهم عنه هو (زيدا) فيكون تصورا؛ ولذلك جزم المصنف بعدم قبحه؛ لأنه لا يحتمل عنده غير التصور، نعم يمكن أن يقال: (زيدا) هو المستفهم عنه، فتارة يستفهم عنه أهو الذى وقع له التخصيص بالضرب، أو لا وذلك طلب تصور، وتارة يستفهم عن ثبوت تخصيصه بالضرب؛ لأن تقدير: أزيدا ضربت: أما ضربت أحدا إلا زيدا، وأنت لو صرحت بذلك لكنت طالبا للتصديق والمستفهم عنه هو زيد باعتبار تخصيصه فلم يخرج

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زيدا أن يكون مستفهما عنه، أى: عن اختصاصه كأنك قلت: أشاركه أحد أم لا؟ وإنما قلنا ذلك محافظة على أن يكون المستفهم عنه ما يلى الهمزة على رأى المصنف. بقى النظر فيما هو موضوع اللفظ، والذى يظهر إن قلنا بالاختصاص أن موضوع اللفظ طلب التصديق، وأن التقدير: أما ضربت أحدا غير زيد، لكن المصنف قال: إن ذلك لا يصح، وكأنه لاحظ أن المعنى طلب التصور، وهو واضح عند تقدير عدم الاختصاص، أما على تقدير الاختصاص ففيه عسر؛ لأن مدلول زيدا عرفت ما عرفت إلا زيدا، فإذا دخلت الهمزة صار معناه: ما عرفت إلا زيدا، وذلك استفهام تصديق وما ذكره المصنف يؤدى إلى أن يكون التقدير: أزيدا الذى ما ضربت إلا هو، وفى تنزيل اللفظ عليه عسر، نعم يشكل على أنه إذا كان لطلب التصديق فى الموجب لقبحه. قولكم: لأن التخصيص يستدعى حصول التصديق؛ قلنا: مسلم؛ ولكن التخصيص يستدعى التصديق بإسناد أصل الفعل لا حصول التصديق بالاختصاص، فقولك: أزيدا ضربت، يستدعى حصول التصديق بأن ثم مضروبا، وليس هو المستفهم عنه، بل المستفهم عنه اختصاصه بالمضروبية، ولم يحصل به تصديق، ويمكن أن ينازع فى أصل حصول التصديق؛ لأن قولك: أزيدا ضربت إذا جعلناه للاختصاص وحللناه لنفى وإثبات صار كقولنا: أما ضربت إلا زيدا، وأنت لو قلت: ما ضربت أحدا غير زيد لما دل على ضرب زيد إلا بالمفهوم الذى ينكره كثير من الناس، ولو كانت غير استثنائية، فالاستثناء من النفى ذهب ذاهبون إلى أنه ليس بإثبات ثم قال: (والمسئول عنه بها ما يليها) أى: المسئول عنه بالهمزة هو ما يليها مثال ذلك: أقائم أم قاعد زيد إذا استفهمت عن المسند، وإن استفهمت عن المسند إليه قلت: أزيد أم عمرو قائم، أو عن تعلقات الفعل قلت: أزيدا أم عمرا ضربت، وأقائما أو جالسا ضربت، وقوله: (كالفعل فى أضربت زيدا) عبارة توهم أن المراد الفعل فقط، ويكون لتصوير المسند، وإنما تريد عن وجود الفعل ويكون استفهام تصديق كما بينه فى الإيضاح، وقد تقدم الكلام على ما فى هذا المثال من النظر، وقوله: (والفاعل فى أأنت ضربت) يريد به الفاعل المعنوى لا الصناعى، فإنه لا يتقدم على فعله، وقد يقال: هذا يفضى إلى أن أزيد قام استفهام عن زيد لا عن القيام، وذلك يفضى إلى أنه لا يصح: أزيد قام أم قعد، وأنه لا يصح أزيد فعل كذا، حتى يكون الفعل قد تحقق وقوعه، وفيه بعد، ثم يخدش

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيما جزموا به من أن المستفهم عنه ما يليها نص سيبويه فيما نقله شيخنا أبو حيان عنه، قال فى تمثيله: أزيد عندك أم عمرو، وأزيدا لقيت أم بشرا فتقديم الاسم أحسن، ولو قلت: ألقيت زيدا أم عمرا لكان جائزا حسنا، أو قلت: أعندك زيد أم عمرو كان جائزا حسنا، كما جاز: أزيد عندك أم عمرو، وتقديم الاسمين جميعا مثله وإن كان ضعيفا. انتهى كلام سيبويه. واختاره الشيخ أبو حيان، ثم نقول:" إذا كان مع الهمزة أم وجعلنا المستفهم عنه ما يليها يلزم تقديم الاسمين؛ لأن المستفهم عنه أحدهما، فلا يحصل تقديم المستفهم عنه إلا بتقديمهما، وقد قال سيبويه: إنه ضعيف، ثم إن السكاكى والمصنف جعلا من أمثلة الاستفهام عن التصديق قولك: أزيد منطلق، ولو كان المستفهم عنه، هو زيد لكان ذلك طلبا للتصور لا للتصديق ثم نقول: التصديق ليس له لفظ واحد يلى الهمزة بل معناه دائر بين المبتدأ والخبر، فلا يمكن أن يلى لفظة الهمزة إلا أن يقال: المعتبر فيه هو الفعل، ثم نقول: يستحيل أن يلى الهمزة المستفهم عنه، بل بعضه. ألا ترى أن المستفهم عنه فى قولك: أزيدا ضربت أم عمرا المضروب مبهما لا زيد فقط، ثم قوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ (١) يلزم أن يكون استفهاما عن المسند إليه، وليس كذلك بل عن النسبة بدليل: أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٢) وقول المصنف: (والمسئول عنه بها هو ما يليها) ظاهر، وقوله: بها وذكره لذلك فى هذا المحل وقطعه النظير عن النظير دون ذكره لذلك فى أول الكلام أو آخره - يقتضى أن غيرها من أدوات الاستفهام لا يطلب بها ما يليها، وليس كذلك، بل غيرها يشاركها فى ذلك، وقد ذكره الطيبى فى التبيان. (تنبيه): قولنا: لا يستفهم عن المسند إليه حتى يتحقق حصول مطلق النسبة، قد يلزم أن تكون النسبة ماضية فلا يصح: أزيد سيقوم أم عمرو، وليس كذلك، بل يستفهم عن الفعل المستقبل وعن فاعله إذا ترجح وقوعه، وهذا مع كونه واضحا صرح به صاحب الأقصى القريب. (تنبيه): إن قيل: التصديق مسبوق - بالتصور، فإذا حصل التصديق كيف يطلب التصور، وقد قلتم: إنه تارة يسأل عن التصور والتصديق معلوم؟ قلنا: إنما نعنى بالتصديق اعتقاد وجود النسبة فمن قال: أزيد قام أم عمرو مصدق بأن ثم قياما لكنه يجهل فاعله.

стр. 431

وهل خ خ: لطلب التصديق فحسب؛ نحو: هل قام زيد؟ وهل عمرو قاعد؟ ولهذا امتنع: هل زيد قام أم عمرو؟ وقبح: هل زيدا ضربت؟ لأنّ التقديم يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل دون: هل زيدا ضربته؟ خ خ، لجواز تقدير المفسّر قبل (زيدا). ــ [اداة الاستفهام] (هل) لطلب التصديق: ص: (وهل لطلب التصديق ... إلخ). (ش): الأداة الثانية (هل) وهى لطلب التصديق، وقول المصنف (فحسب) أى: فقط، وهذه الكلمة ملازمة للإضافة معنى وتقطع عنها لفظا، فتبنى على الضم فى الأكثر، وقد أوضحنا ما يتميز به طلب التصديق فى الهمزة وأمثلته وهى بعينها أمثلة الاستفهام بهل، وعبارة الطيبى فى التبيان: هل مختصة بطلب التصديق، وهى فاسدة. والصواب أن طلب التصديق مختص بها، وذلك كقولك: هل قام زيد؟ ولا يحتاج أن نقول هنا على أحد التقادير؛ لأنه لا يصلح إلا للتصديق فيحمل عليه، وقوله: وهل عمرو قاعد؟ فيه ما سبق من البحث، وذكر المثالين؛ لأن أحدهما جملة اسمية والآخر فعلية، ثم قال: (ولهذا) أى: ولكون هل لا يطلب بها إلا التصديق (امتنع هل زيد قام أم عمرو)؟ لأن أم المتصلة إنما تستعمل عند طلب التصور وإرادة التعيين بعد العلم بالنسبة، والتصديق طلب النسبة فيلزم طلبها وكونها حاصلة، وهما متنافيان. قال السراج تبعا لصاحب المفتاح: بخلاف أم المنقطعة فيجوز أن تعادل هل فنقول: هل قام زيد أم قعد بشر؟ قال سيبويه: تقول هل تأتينى أم تحدثنى؟ قلت: (أم) لا تقع بعد (هل) إلا منقطعة؛ لأنها لا يطلب بها إلا التصديق ولا تكون (أم) معه إلا منقطعة كما سبق، ولأنه يشترط فى اتصالها أن يكون قبلها استفهام بالهمزة. قال ابن الصائغ: ولا يجوز استعمال (أم) بعد (هل) إلا أن تريد المنقطعة، كقوله: ألا ليت شعرى هل تغيّرت الرّحى ... رحى الحرب أم أضحت بفلج كما هيا (١) قال سيبويه: هو على كلامين، فقول السكاكى حينئذ: امتنع أن يقال: هل عندك عمرو أم بشر؟ بخلاف: أم عندك بشر، يقضى بأن هذا التركيب ممتنع وأن (أم) هذه

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ متصلة، وقد اعترض عليه فى ذلك، ولا اعترض؛ لأنه يعنى أنا إذا لم نقدر عندك قبل العاطف تكون (أم) هذه متصلة، وهذا التركيب ممتنع عند البيانيين لما قاله، وعند النحاة لعدم تقدم الهمزة فلو ساغ هذا التركيب لكانت (أم) هذه متصلة. نعم إطلاق امتناع: هل قام زيد أم عمرو، من السكاكى والمصنف فيه نظر؛ لأنه إنما يمتنع حيث لم يقدر فعل قبل العاطف، فإن قدر جاز، وكان على كلامين كما صرح به ابن الصائغ واقتضاه كلام سيبويه، ونص عليه ابن مالك فى شرح الألفية وقال السكاكى: إنه يقبح: أعندك زيد أم عندك عمرو بانقطاع (أم)، قلت: بل ينبغى أن يمتنع؛ لأن الظاهر من (أم) هذه أنها متصلة، فإنه على معنى: أعندك زيد أم عمرو، ولا فرق بينهما إلا أن هذا جملتان ولا أثر لذلك فى الاتصال وعدمه، بل يكون المعنى على كلامين فى الثانى منهما استفهام مع إضراب، وهذا المثال يظهر منه أنه استفهام واحد ولا إضراب، فالظاهر أن (أم) فيه متصلة، وأنه لا يجوز قوله: وقبح هل زيدا ضربت؟ لأن التقديم على ما قرره يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل، والمستفهم عنه لا بد أن يكون غير حاصل وقت الطلب، فقولك: هل زيدا ضربت؟ لا يكون استفهاما عن التصديق؛ لأنه تحصيل الحاصل، ولا عن التصور؛ لأن (هل) لم توضع له، وقد تقدم ما عليه من الاعتراض. قال الشارح: وإنما قال: (قبح)، ولم يقل: (امتنع) وإن كان ما ادعاه جمعا بين متنافيين فهو يقتضى المنع؛ لأنه يحتمل أن يكون مفعولا بمحذوف تقديره: هل ضربت زيدا ضربته، لكن هذا التقدير بعيد؛ لأن فيه حذف عامل المفعول المذكور، وحذف مفعول الثانى؛ فلذلك كان بعيدا فكان الحمل على غيره راجحا، وقيل: إنما حكم بقبحه دون امتناعه؛ لأن الذى أدى إلى الامتناع هو التخصيص، والتخصيص ليس بلازم، بل راجح ولا سيما فى نحو: هل رجل قام، فلو كان التخصيص لازما لامتنع هذا التركيب، فلما كان المفضى إلى الامتناع راجحا كان هذا قبيحا لمخالفته الراجح. قال المصنف: (دون ضربته) أى: لا يقبح: هل زيدا ضربته؛ لأن القبح إنما جاء فى: هل زيدا ضربت لتحقق التقديم المقتضى للاختصاص المقتضى لحصول التصديق بالنسبة، وأما: هل زيدا ضربته، فيجوز أن يكون العامل فى (زيدا) متقدما عليه، التقدير: هل ضربت زيدا ضربته، فلا يكون فيه تقديم فلا اختصاص فليس فى الجملة ما يقتضى التصديق فصح الاستفهام بهل عن التصديق. قلت: وما ذكره المصنف من

стр. 433

وجعل السكاكىّ قبح: هل رجل عرف؟ لذلك، ويلزمه ألا يقبح: هل زيد عرف؟ ". ــ صحة: هل زيدا ضربته، وعدم قبحه، ومن قبح: هل زيدا ضربت المقتضى لجوازه فى الجملة ممنوع؛ فإن أدوات الاستفهام غير الهمزة إذا وقع بعدها الفعل والاسم قدم الفعل على الاسم، ولا يجوز تقديم الاسم على الفعل إلا فى ضرورة شعر. هذا نص ابن عصفور فى المقرب، وقال سيبويه فى باب ما يختار فيه النصب من أبواب الاشتغال: ولو قلت: هل زيد ذهب؟ لم يجز، وكذلك قال غيره، وقال شيخنا أبو حيان: لو قلت: هل زيدا ضربت لم يجز إلا فى الشعر، فإذا جاء فى الكلام. هل زيدا ضربته، كان ذلك على الاشتغال. هذا مذهب سيبويه، وخالفه السكاكى، وجوز أن يليها الاسم، وإن جاء بعده الفعل. انتهى. وإنما المصنف تبع فى ذلك قول الزمخشرى فى المفصل فإنه قال: فصل وقد يجئ الفاعل ورافعه مضمر، إلى أن قال: والمرفوع فى قولهم: هل زيد خرج فاعله فعل مضمر يفسره الظاهر، لا يقال: إذا قدر الفعل قبل الاسم فإنما وليها الفعل؛ لأنا نقول: مرادهم أن يليها الفعل لفظا، وهذا كما أن لم وقد وسوف ولن لما كان الفعل مختصا بها لم يلها إلا صريح الفعل، وكذلك لو على مذهب البصريين، وإن كان الصحيح خلافه لمصادمته لقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ (١) ثم نقول: إن جاز ذلك على رأى الكسائى وجب فيه الاشتغال، وتقدير الفعل قبله، وحينئذ فلا تقديم فلا اختصاص فلا قبح، فحينئذ قبح هذا باطل قطعا، بل هو بين امتناع وحسن، فجوازه مع قبحه لم يقل به قائل، ثم يرد على الزمخشرى من جهة المعنى ما سيأتى، ثم اعترض المصنف على السكاكى بأنه جعل قبح: هل رجل عرف، للتقديم المفيد للاختصاص قال: ويلزمه أن لا يقبح: هل زيد عرف؛ لأنه يرى أن نحو: زيد عرف ليس فيه اختصاص. قلت: ومن أين للمصنف أن السكاكى يوافق على قبح: هل زيد عرف، إذا كان المقتضى لقبح: هل رجل عرف، عنده إنما هو التقديم المفيد للاختصاص، بل قد يكون له وقد لا يكون، وإنما يقول به غالبا إذا لم يكن للابتداء بالنكرة مسوغ سواه، وقولنا: هل رجل عرف، للابتداء بالنكرة فيه مسوغ، وهو حرف الاستفهام فليس متعينا للاختصاص، ولا راجحا فيه، فكان من

стр. 434

وعلّل غيره قبحهما بأنّ (هل) بمعنى قد فى الأصل. وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها فى الاستفهام. ــ حقه أن يفصل فيه بين أن يقصد الاختصاص، فيقبح أو لا فلا يقبح، والزمخشرى لا فرق عنده بين زيد عرف، ورجل عرف فى إفادتهما الاختصاص، وقد جوز هذين التركيبين ولم يقبحهما، وسببه أنه يرى أن العامل سابق فلا تقديم فلا اختصاص، لكن يلزمه القول بقبحهما؛ لأن المستفهم عنه ما يلى الأداة فيلزم أن يكون هو المسند إليه هنا فيكون تصورا، وهو لا يجوز بها ولا عذر عن ذلك، إلا أن يقال: المستفهم عنه ما يليها إما لفظا أو تقديرا، والذى ولى هنا تقديرا الفعل قوله: (وعلل غيره) أى: علل غير السكاكى قبح: هل زيد عرف وهل رجل عرف (بأن هل فى الأصل بمعنى قد) كما جاء فى قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ (١) فإذا استعملت فى الاستفهام كان أصله أن يؤتى معها بالهمزة إلا أنه لما كثر وقوعها فى الاستفهام تركوا الهمزة، وكما قبح: قد زيد عرف، يقبح هل زيد عرف. هذا معنى كلام المصنف. قلت: قوله: أصل هل أن تكون بمعنى قد، إن عنى به أنها حال كونها استفهامية بمعنى قد فهو بعيد؛ لأن ذلك يخالف إطباق المعربين على تسميتها حرف استفهام، وإن عنى أن معناها الأصلى قد، ثم استعملت فى الاستفهام، فذلك ممنوع ولو صح لا يقضى بمساواتها لقد فى هذا الحكم، وقولهم: إنهم تركوا الهمزة قبلها؛ لكثرة وقوعها فى الاستفهام يعنى أنها لما كانت متعينة للاستفهام استغنى عن ذكر همزته وفيه نظر؛ لأنه ليس كل شئ كان متعينا لشئ يلتزم فيه ترك أداة ذلك الشئ، فترك الهمزة قبلها لئلا يجمع بين حرفى استفهام لا لكثرة وقوعها فى الاستفهام، والذى أوقع المصنف فى ذلك كلام الزمخشرى فى المفصل حيث قال: وعند سيبويه: أن (هل) بمعنى (قد) إلا أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لا تقع إلا فى استفهام، وقد جاء دخولها عليها فى قوله: سائل فوارس يربوع بسدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذى الأكم (٢)

стр. 435

وهى تخصص المضارع بالاستقبال، فلا يصحّ: هل تضرب زيدا وهو أخوك؟ "، ــ وإذا أخذ على إطلاقه يلزم أن تكون (هل) حيث وقعت بمعناها، فتخرج عن الاستفهام بالكلية، والذى أوقعه فى ذلك قول سيبويه، وكذلك (هل) إنما هى بمنزلة (قد) إلا أنهم تركوا الألف واللام قبلها إذا كانت لا تقع إلا فى الاستفهام، وقد أول السيرافى كلام سيبويه على أن المراد أن (هل) يستقبل بها الاستفهام، كما أن قد يستقبل بها الخبر وقال السيرافى فى هذا البيت: وهذا غير معروف، والرواية أم هل رأونا، وقال ابن مالك: (هل) يتعين مرادفتها لقد إذا دخلت عليها الهمزة، ورد عليه شيخنا أبو حيان وقال: لا تقع مرادفة لها أصلا وخرج البيت على الزيادة وبالجملة فهما وأكثر النحاة متفقون على أنه عند إرادة الاستفهام ليست بمعنى قد، وقد أورد بعض الشارحين أنها لو حملت على قد لامتنع: هل زيد قائم، كما امتنع: قد زيد قائم، وأجيب بأنها حملت على الهمزة فى ذلك، وإنما لم تحمل على الهمزة فى عدم قبح: هل زيدا ضربت؛ لأنها وجدت ما تستحقه، فلم تحمل على ما هو غير أصلها، وبالجملة ما ذكره الزمخشرى من كون (هل) بمعنى (قد) إن أراد المرادفة فهو فى غاية البعد، وأما قول المصنف: إنها فى الأصل بمعنى (قد) وما أوهمه كلامه من أن أصلها ذلك، ثم صارت للاستفهام، فلم يقل به أحد فيما علمت. (هل) تخصص المضارع بالاستقبال: ص: (وهى تخصص المضارع بالاستقبال ... إلخ). (ش): لما كانت (هل) ليست أصلا فى الاستفهام، بل فرعا تقاصرت عن الهمزة فاختص المضارع بعدها بالاستقبال، فلا يجوز أن تقول: هل تضرب زيدا، وهو أخوك لأن هذا استفهام توبيخ، والتوبيخ لا يكون على المستقبل إنما يكون على الحال أو الماضى، واستفهام التوبيخ لا يكون إلا بالهمزة، ويصح أن تقول: أتضرب زيدا وهو أخوك توبيخا على ضرب واقع. هذا مراد المصنف، ومراده بالحال حال الضرب فلا يتوهم ما يوهمه كلام بعضهم من أنه يمتنع لأجل الحال الصناعية فى قوله: وهو أخوك، وكلام السكاكى شاهد لما قلناه، لأنه قال: وهو فى حال الفعل لم يبق إلا أن يقال: لا نسلم أن التوبيخ لا يكون إلا على مستقبل، فربما يوبخ على مستقبل لظهور القرائن من وعيد وغيره على أنه سيقع ثم وقعت بنقل يشهد لما قلت: إنه مراد المصنف، وهو أن سيبويه قدر فى قول الشاعر:

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فما أنا والسّير فى متلف ... يبرح بالذكر الضابط (١) ما كنت وقدر فى قولهم: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ كيف تكون بالمضارع، قال ابن ولاد وجماعة: إنما قدر كنت مع ما وقدر تكون مع كيف؛ لأن ما أنت والسير استفهام توبيخ، وهو لا يكون إلا على ماض بخلاف كيف أنت وقطعة من ثريد، ونقل ذلك جماعة من النحاة ولم يردوا على القائل: إن استفهام التوبيخ لا يكون إلا على ماض، بل منهم من وافقه، ومنهم من قال: إن سيبويه لم يقصد ذلك فثبت بهذا أن استفهام التوبيخ لا يكون إلا على ماض، ذكروا ذلك فى باب المفعول معه، ثم رأيت القاضى التنوخى قال فى الأقصى القريب: إن الإنكار قد يكون على مستقبل، وجعل منه قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (٢) وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣) قال: أنكر أن حكم الجاهلية مما يبغى لحقارته، وأنكر عليهم سلب العزة عن الله تعالى، وهو منكر فى الماضى والحال والاستقبال، وهو كلام لا ينتهض لدفع ما ذكره الأئمة من أن الآيتين لا دليل فيهما؛ لأن الإنكار فيهما وقع على ماض، وإن كان منكرا، سواء أوقع ماضيا أم مستقبلا، ولا يشهد له قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (٤) لأن الاستبدال وهو طلب البدل وقع ماضيا نعم قد يشهد له قوله تعالى: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ (٥) وكذلك قول الشاعر: أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنّى إذا للئيم (٦)

стр. 437

ولاختصاص التصديق بها، وتخصيصها المضارع بالاستقبال: كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانيّا أظهر؛ كالفعل؛ ولهذا كان فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (١) أدلّ على طلب الشكر من: فهل تشكرون؟ خ خ، فهل أنتم تشكرون؟ خ خ؛ لأن إبراز ما سيتجدّد فى معرض الثابت أدلّ على كمال العناية بحصوله، ومن: أفأنتم شاكرون؟ خ خ؛ وإن كان للثبوت؛ لأن (هل) أدعى للفعل من" الهمزة"؛ فتركه معها أدلّ على ذلك؛ ولهذا لا يحسن: هل زيد منطلق؟ إلا من البليغ. ــ (هل) لاختصاص التصديق بها إلى آخره: ص: (ولاختصاص التصديق بها إلى آخره). (ش): يريد أن (هل) لها مزيد اختصاص بما هو أظهر فى الزمان عن الهمزة، كالفعل فإن الفعل أظهر فى الزمان من الاسم؛ لأنه يدل عليه تضمنا على الصحيح، والاسم المشتق وإن دل على الزمان فدلالته التزامية، وقوله: كالفعل مقتضى الكاف أن شيئا آخر أظهر فى الدلالة على الزمان من غيره، ويحتاج إلى مثال؛ فإن دلالة الفعل على الزمان أظهر من دلالة الاسم، وليست دلالة الاسم أظهر من غيرها، وغيرهما لا يدل بالكلية على الزمان إلا أن يقال: إن اسم الفعل يدل على الزمان دلالة متوسطة بين دلالتى الفعل وسائر الأسماء، إذا تقرر هذا فهذا الاختصاص بالفعل نشأ عن كل واحد من الأمرين السابقين. أحدهما: تخصيصها بالمضارع، وهذا واضح؛ لأنها إذا كانت تخصص المضارع بالاستقبال صار لها فيه تأثير يوجب اختصاصا، فإذا كان لها تأثير فى المضارع وهو أخص من الفعل صار لها تأثير فى مطلق الفعل ضرورة. الثانى: اختصاص التصديق بها؛ لأن الفعل صفة لكونه عرضا، والمطلوب بالتصديق لا يكون إلا صفة لأنه حكم بالإثبات أو النفى لأنهما لا يتوجهان إلى الذوات من حيث إنها ذوات، بل لما يتعلق بها من وجود وعدم، فثبت لكل واحد من الأمرين أن (هل) لها مزيد اختصاص بالفعل (ولهذا) إذا ثبت هذا الاختصاص (كان قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أدل على طلب الشكر من قولنا: فهل تشكرون، ومن قولنا: فهل أنتم تشكرون؛ لأن إبراز ما سيتجدد) وهو الفعل فى

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قالب الثابت المستقر، بحيث تكون الجملة اسمية، والمبتدأ والخبر فيها اسمان (أدل على كمال العناية بحصوله) من إبقائه على أصله من الإتيان بالفعل، وكذا: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أدل على طلب الشكر من: أفأنتم شاكرون؛ لأن ترك الفعل من (هل) أدل على كمال العناية لتحويله عن أصله، بخلاف الهمزة، وقول المصنف: فهل أنتم تشكرون، أخذه من السكاكى، وفيه نظر؛ فإن هذا التركيب لا يصح كما سبق من وجوب تقديم الفعل فيه على الاسم لفظا، إلا إن كان فرعه على القول الضعيف، وقد أورد أن ما ذكره المصنف قد يعكس فيقال: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أقل دلالة من أفأنتم شاكرون؛ لأن الجملة الاسمية الدالة على الثبوت لا معارض لها مع الهمزة، فلا تنقص قوتها الثابتة، إلا إذا غلب فأما إذا لم يغلب فلا أثر له، وعندى أن السؤال أقوى من الجواب، وجوابه عندى أن (هل) لا دلالة لها على التجدد، بل الفعل هو الدال عليه، فإذا لم يوجد فليس فيها شئ يعارض بالجملة الاسمية، وكونها لها اختصاص بالفعل الدال على التجدد لا يقضى لها بدلالة على التجدد؛ حيث لا فعل. قوله: (ولهذا) أى: ولكون هل أدعى من الهمزة للفعل (لا يحسن: هل زيد منطلق، إلا من البليغ) لأن البليغ لا يستعمل ذلك إلا حيث كان يستفهم عن استمرار الانطلاق، ويحوله لذلك عن الإتيان بالفعل بخلاف غيره. قلت: والكلام إذا ذكرت قواعده استعمله من له فهم، وهذا لا يختص بهذا المحل، وإنما يصرف البيانى كل كلام إلى قواعده، بناء على أنه إذا على أصل وضعه فى اللغة، وأما من لا يتكلم على الوضع فليس الكلام معه، فهذا فيه نظر إن كان المراد بأنه لا يحسن أنه لا ينبغى أن يقع فيكون فى معنى النهى، وإن كان المراد الإخبار بأن ذلك لا يحسن إلا إذا صدر من البليغ، فإن صدر من غيره لم يحسن، أى: لم يستحسن لعدم العلم بأن كلامه مطابق بقرينة. (تنبيه): قول المصنف: ولاختصاص التصديق بها هو الصواب، وعبارته فى الإيضاح: ولاختصاصها بالتصديق، والصواب ما فى التلخيص فإن (هل) لا تختص بالتصديق، ولو اختصت به لما استفهم عن التصديق بالهمزة، بل التصديق مختص بهل بمعنى أن (هل) لا تكون بغيره. أما قول المصنف: وهى تخصص المضارع بالاستقبال فهو مقلوب، فإن الاستقبال قد يكون للفعل الماضى، ثم هذه العبارة لا ينبغى أن يقع المضارع بعدها للحال،

стр. 439

وهى قسمان: بسيطة: وهى التى يطلب بها وجود الشئ، كقولنا: هل الحركة موجودة؟ خ خ. ومركبة: وهى التى يطلب بها وجود شئ لشئ؛ كقولنا: هل الحركة دائمة؟ خ خ. والباقية: لطلب التصوّر فقط. قيل: فيطلب ب ما شرح الاسم؛ كقولنا: ما العنقاء؟ أو ماهية المسمّى؛ كقولنا: ما الحركة؟ وتقع (هل) البسيطة فى الترتيب بينهما (١). ــ بل الصواب أن يقال: تخصص الاستقبال بالمضارع بمعنى أنه لا يكون المضارع إلا للاستقبال، وهو المقصود وكذلك قوله فى الهمزة مقلوب كما سبق. هل قسمان: بسيطة ومركبة: ص: (وهى قسمان إلى آخره). (ش): يعنى أن (هل) قسمان: أحدهما: تسمى بسيطة، وهى التى يطلب بها وجود الشئ كقولنا: هل الحركة موجودة؟ والثانى: مركبة وهى التى يطلب بها وجود شئ لشئ كقولنا: هل الحركة دائمة؟ ولك أن تقول: لا يطلب وجود شئ إلا لشئ؛ لأن الوجود لا يقوم بنفسه، ولكن المراد بالأول الصفة، وبالثانى حال يعرض للصفة، ثم لك أن تقول ذلك، ولكن لا يختص بهل بل الهمزة كذلك، ثم البساطة والتركيب ليسا فى (هل) بل فى متعلقها. ثم قوله: يطلب بها وجود يرد عليه أنه قد يطلب بها العدم والتحقيق أنه لا يطلب إلا النسبة الواقعة من وجود وعدم، فليحمل قولهم الوجود على تحقق النسبة من وجودها وعدمها. (تنبيه): ذكر بعضهم أن الهمزة لا يستفهم بها حتى يهجس فى النفس إثبات ما يستفهم عنه بخلاف (هل)، فإنه لا يترجح عنده نفى ولا إثبات، نقله شيخنا أبو حيان، وللهمزة وهل أحوال معنوية سنعقد لها فصلا فى آخر الباب، ولها أحكام لفظية محلها علم النحو. بقية ألفاظ الاستفهام يطلب بها التصور إلى آخره: ص: (والباقية يطلب بها التصور إلى آخره). (ش): هذا هو القسم الثالث وهو ما يطلب به التصور فقط، وهى بقية ألفاظ الاستفهام، وقد استدل عليه بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صادِقِينَ (١) فإن" إن كنتم صادقين" يدل على أن المطلوب التصور وعلى أن من شرط طلبه تقدم التصديق، ألا تراه معلقا على الصدق، وبقية ألفاظ الاستفهام تقاس على متى، وقوله: الباقية إن أراد باقى ما ذكره فصحيح، وإن أراد باقى ألفاظ الاستفهام فيرد عليه أم المنقطعة، كما تقدمت الإشارة إليه فإنها لا تكون إلا للتصديق بخلاف المتصلة، فإنها لا تكون إلا للتصور، ولا شك أنها من أدوات الاستفهام وقد عدها معهن السكاكى فى المفتاح، ووجهه أنها إن كانت متصلة فالاستفهام فيها واضح، أو منقطعة فهى مقدرة ببل، والهمزة لا يقال: إن كانت متصلة فليست مستقلة بالاستفهام؛ لأنها لا تستعمل إلا مع الهمزة، وإن كانت منقطعة ففيها إضراب؛ لأنا نقول: كون المتصلة لا تستعمل إلا مع الهمزة لا يخرجها عن الاستفهام، ولا شك أن كل واحد مما قبلها وما بعدها مستفهم عنه، وكون المنقطعة فيها إضراب لا يخرجها عن أن تكون استفهامية؛ لأن الاستفهام جزء معناها أو أحد معنييها، وإنما نعنى المنقطعة التى فيها الاستفهام دون المتمحضة للإضراب، وقد صرح النحاة بعدّ (أم) من حروف الاستفهام، وذكره الشيخ أبو حيان وغيره، إذا عرف ذلك، فمن ألفاظ استفهام التصور" ما" ويطلب بها أحد أمرين، إما شرح الاسم، أى: شرح مدلول الاسم لغة، وكان الأولى أن يقول: الكلمة لتعم الفعل والحرف، لكنه ذكر الاسم لمشاكلته للمسمى أو يقال: الاستفهام عن الفعل والحرف يرجع إلى الاستفهام عن الاسم؛ لأنك إذا قلت: ما ضرب، وما من تقديره" ما" مدلول ضرب وما مدلول من، وإما أن يطلب بها ماهية المسمى كقولك: ما الإنسان؟ وتريد شرح الحقيقة الإنسانية، وإنما سمى الأول شرح الاسم؛ لأن تقديره" ما" مدلول هذا الاسم وما وضع له وتقدير الثانى: ما هذه الماهية التى هى مسمى هذا الإنسان، فإن الشخص قد يعرف أن الإنسان اسم لرجل من بنى آدم، تقول: ما الإنسان؟ سائلا عن حقيقته، وأول هذين القسمين، وهو السؤال عن الاسم يكون متقدما فى الزمان عن قسمى (هل) أى: عن الاستفهام بهل البسيطة، وبهل المركبة؛ لأن شرح الاسم سابق عليهما، لأن الاستفهام عن ثبوت شئ، أو عن ثبوت شئ لشئ فرع عن معرفة معنى اسم ذلك الشئ، فتقول أولا: ما العنقاء، ثم تقول: هل هى موجودة؟ ثم تقول: هل هى تستمر أبدا؟ وأما القسم الثانى وهى" ما" التى يطلب بها المسمى، فهو متقدم على المركبة؛ فهى متوسطة بين

стр. 441

وب (من): العارض المشخّص لذى العلم؛ كقولنا: من فى الدار؟ ــ " هل" البسيطة" وهل" المركبة، لأن طلب وجود الشئ مسبوق بالعلم بماهية ذلك الشئ تقول: ما الحركة؟ فإذا عرفت مدلولها لغة، تقول: هل هى موجودة؟ فإذا عرفت أنها موجودة تقول: ما هى؟ أى: ما ماهيتها؟ فإذا عرفتها تقول: أهى دائمة؟ لأن الاستفهام عن وجود الشئ لا يشترط أن يكون مسبوقا بالعلم بماهية ذلك الشئ، وأما العلم بدوام ذلك الشئ فإنه يستدعى العلم بحقيقته، كذا قالوه، ولا يخلو عن نظر؛ فإنه إن كان السؤال عن الدوام يستدعى سبق علم الماهية فالسؤال عن الوجود كذلك. (من) للاستفهام للعارض المشخص: ص: (وبمن عن العارض المشخص لذى العلم كقولنا: من فى الدار). (ش) من ألفاظ الاستفهام عن التصور" من" فإن قلت: إذا كانت" من" لا يسأل بها إلا عن التصور فكيف حصل الجواب عن قول عيسى عليه مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ (١) وهو طلب تصور كما زعموا بالتصديق، وهو قول الحواريين: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ «١» قلت: أجاب الوالد ﵀ فى بعض تعاليقه عن ذلك بأن" من" وإن كانت سؤالا عن التصور فالسائل بها تارة يجزم بحصول المبهم، ولكن يسأل عن تعيينه؟ وتارة لا يجزم، كمن يرجو ناصرا يجوز أن لا يوجد، ويرجو أن يوجد ويطلب تعيينه، فقوله: من أنصارى، محمول على ذلك قاله عيسى ﵊ راجيا من الله تعالى إقامة ناصر له، سائلا عن عينه، فهو سؤال عن التصديق والتصور، لكنه أخرجه مخرج التصور ثقة بالله وأدبا معه تعالى ومع السامعين، فكان الأكمل السؤال عن التصور، وجعل السؤال عن التصديق مطلوبا فيه. والحواريون تفطنوا لذلك فأجابوا بالتصديق ليحصلوا المقصودين معا كأنهم قالوا هنا: من ينصرك وهم نحن، وقالوا: أنصار الله؛ لأن نصرته نصرة الله، بمعنى نصرة دينه وليبينوا أن نصرتهم له خالصة لله لا يشوبها غيره من حظوظ البشرية. (تنبيه): قولنا: من عندك؟ يطلب بها التصور لا التصديق كما سبق؛ لأنه يتضمن أمرين: أحدهما: استقرار شخص أو أشخاص عند المخاطب، وأن المتكلم عالم بذلك فلا يسأل عنه.

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثانى: تعيين ذلك الشخص أو الأشخاص، وهو المطلوب بالسؤال فهو تصور محض، وإن كان يستلزم نسبة الاستقرار عند المخاطب إلى ذلك الشخص، وهو أخص من النسبة التى كانت حاصلة للمتكلم أو لا؛ لأنها نسبة الأعم ذكره الوالد ﵀ قال: ومن هنا غلط بعض الناس فظن أن المطلوب بها التصديق. (فائدة): تترتب على هذا ذكرها الوالد أيضا أن الجواب مفرد لا مركب، ولا يقدر له مبتدأ ولا خبر، فإذا قلت: من عندك؟ فقيل: زيد، كان بمنزلة قولك: ما الإنسان فتقول: حيوان ناطق، فهو ذكر حد يفيد التصور فقط، وعلى ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١) وقد جاء فى الآية الأخرى: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٢) وهو ابتداء كلام يتضمن الجواب، وليس اقتصارا على نفس الجواب بخلاف الآية قبلها. (فائدة أخرى): تترتب على ذلك يقال فى الجواب عن ذلك: زيد، إن كان واحدا، أو زيد وعمرو وإن كانا اثنين، أو زيد وعمر وبكر إن كانوا ثلاثة، وعلى هذا إلى أن يستغرق، ولو ذكر بعض من عنده لم يكن جوابا صحيحا، بل الجواب المطابق ما لا يزيد ولا ينقص، كما أن الجواب الصحيح بالحد أن يكون جامعا مانعا، ومن هنا تعلم أن المسئول عنه بمن هو ماهية من عنده، أعم من القليل والكثير، وبه تعلم أن" من" الاستفهامية ليست للعموم فى الإفراد، بل للماهية بخلاف ما قاله الأصوليون؛ حيث استدلوا بذلك على العموم فإن أرادوا العموم بالمعنى الذى ذكرناه فصحيح، وإن أرادوا أنها تدل على الإفراد فممنوع. (فائدة أخرى):" من" صالحة للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والمجموع، هذا حظ النحوى منها، وحظ الأصولى أنها للعموم. قال الوالد ﵀ فهل - العموم فى جميع هذه المراتب أو فى الآحاد، وتظهر فائدة ذلك إذا قال من دخل دارى من هؤلاء فأعطه درهما، فإن قلنا بالأول أخذ كل واحد درهما، وإن قلنا بالثانى أخذ كل واحد درهما بدخوله ونصف درهم بدخوله مع آخر، وإن دخل ثلاثة فعلى الأول يعطيهم ثلاثة لكل واحد درهم، وعلى الثانى يعطيهم ثلاثة؛ بدخول الآحاد لكل واحد

стр. 443

وقال السكاكى: يسأل ب (ما) عن الجنس؛ تقول: ما عندك؟، أى: أى أجناس الأشياء عندك؟ وجوابه: كتاب ونحوه، أو عن الوصف؛ تقول: ما زيد؟ وجوابه: الكريم ونحوه، وب من عن الجنس من نوى العلم؛ تقول: من جبريل؟ أى: أبشر هو أم ملك أم جنّىّ؟: وفيه نظر (١). ــ درهم، ودرهما بدخول الثلاثة لكل واحد ثلثه وثلاثة، لأن صفة الأعمية فيهم ثلاث مرات فيستحقون بها ثلاثة لكل واحد درهم فمجموع ما يستحقونه سبعة، وعلى هذا القياس قال: ولم أره منقولا ولا مخلص عنه فيما يظهر لى الآن، إلا أن يقال: لا عموم لها إلا فى مراتب الأفراد، ولكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح، وهى تصلح للأفراد ولمجموع الأفراد، ولكل مرتبة من مراتب المثنى والمجموع، وفيه احتمال آخر، وهو أنه لا يعطى المجموع إلا درهما ومأخذه ما حققناه من أن" من" لا تدل على الأفراد، بل على الماهية مجردة عن وحدة وتعدد، ويظهر أثر ذلك فى النفى فإذا قلت: لا تشتم من يشتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه غير معنى لا تشتم كل من شتمك، إذا عرف ذلك، فقول المصنف يسأل بها عن العارض، يعنى أن الكلى لا يوجد فى الخارج إلا فى ضمن جزئى وذلك الجزئى مشخص لذلك الكلى فزيد مثلا عارض لماهية الإنسان الكلى ومشخص لها، فتقدير كلامه يسأل بمن عن الشئ العارض للماهية الكلية المشخص لها كقولك: من فى الدار؟ فتقول: زيد، المعنى أى: عارض مشخص لحقيقة الإنسان هو، ومثله المصنف فى الإيضاح بقولك: من فلان؟ فتقول: زيد، وهو فاسد؛ لأن فلانا كناية عن العلم فكيف يجاب بذكر العلم؟ ولعل المراد إذا قال شخص: فلان يعمل كذا فتقول: من فلان؟ فيقال: زيد، لكن فى الاستفهام عن ذلك بمن فيه نظر، فينبغى أن يقال: ما فلان؟ لأنه استفهام عن الاسم، فليكن بما سبق، وأورد عليه المصنف أن ما ذكره لا يطرد؛ لأنك تقول: من زيد؟ كقوله: للجارية السوداء: (٢) " من أنا"؟ وقوله تعالى: مِنْ فِرْعَوْنَ (٣) على قراءة الاستفهام، ولست تطلب بها مشخصا لذى العلم؛ لأن زيدا هو المشخص، (وقال السكاكى: يسأل بما عن الجنس تقول ما عندك؟ أى: أى الأجناس عندك؟) وجوابه: إنسان أو حيوان، مثلا

стр. 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن الجنسية شاملة، قال تعالى: فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (١) أى: أى جنس خطبكم؟ فكان جوابهم بعين جنسهم، وهو قولهم: إِنَّا أُرْسِلْنا (٢)، ويسأل بما عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: كريم أو فاضل، وبمن عن الجنس من ذوى العلم، تقول: من جبريل؟ أى إنسىّ أم ملك؟ قال فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٣) أى: من أى جنس؟ قال المصنف: وفيه نظر، يريد أنه لا يقال فى جواب: من زيد؟ هو بشر، ونحوه كذا ادعاه، قيل: وهو ممنوع، بل يقال فى جوابه ذلك، قلت: لعل المصنف لاحظ أن" من" إنما تستعمل لما يعقل والجنس الكلى ليس بعاقل؛ لأنه حقيقة كلية، ولا يسأل عنه بمن؛ ولذلك قال النحاة: إنه حيث أريد الجنس يؤتى بما، وقال بعض شراح المفتاح: إنه يسأل" بمن" عن الجنس أى الحقيقة، والحقيقة أعم من المطلقة والمقيدة، فإذا قيل: من فلان؟ فالسؤال عن الحقيقة المقيدة بالشخص، فيجاب بالحقيقة المشخصة، كما يقال: إنه بشر، صفته كيت وكيت، فيصح الجواب بنحو: جنى أو بشر، لا مطلقا بل مقيدا، فالمثال الذى أورده صاحب الإيضاح ليس منافيا لما قاله صاحب المفتاح، والذى قاله فى الإيضاح: إنه يجاب بزيد صحيح، لأن معنى زيد البشر المتصف بصفات معينة. انتهى. ولا يرتاب أن" من" يسأل بها عن المشخص كما قال المصنف، ويدل عليه قراءة بعضهم: مِنْ فِرْعَوْنَ (٤) على قراءة الرفع وقوله ﷺ :" من أنا" (٥) وهو سؤال عن الصفات، وقد وقع السؤال بها عن الاسم، كحديث الإسراء:" من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ " (٦)، وقيل: إنما نظر فيه من جهة أن قوله: يسأل بما عن الجنس، وعن الوصف يخرج عنه السؤال عن النوع وعن الحد وفيه نظر؛ لأنه إنما أراد بالجنس الكلى، وهو أعم من الجنس والنوع، يدل عليه أنه جعل من جبريل سؤالا عن الجنس، وقال: إن جوابه يصح بأن يقال: بشر، وهو نوع لا جنس، ويحتمل أن يكون نظر فيه من جهة قول السكاكى إنه يسأل بما عن الوصف، فإن المنطقيين قالوا: لا يسأل عن الصفات المميزة بما، بل يسأل عنها بأى، وإنما يسأل بما عن مفهوم اللفظ، وعن حقيقة الشئ؛ ولذلك انفرد

стр. 445

وب أىّ عما يميّز أحد المتشاركين فى أمر يعمّهما؛ نحو: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً (١) أى: أنحن أم أصحاب محمّد ﵇؟. ــ النوع والجنس بأن كلا منهما مقول فى جواب ما هو، بخلاف الفصل والخاصة والعرض العام، وقد يجاب عنه بأن مراد السكاكى أنها قد تخرج عن حقيقتها، فيستفهم بها عن الصفات، وهذا لا ينافى كلام المنطقيين فإنهم إنما يتكلمون فى موضع اللفظ الحقيقى، وما ذكره السكاكى يوافق كلام ابن الشجرى فإنه قال: يقال: ما معك؟ فتقول: درهم أو ثوب أو فرس، ويقال: من معك؟ فتقول: زيد، فيقال بعد ذلك فى السؤال فى صفته: فما زيد؟ فتقول: رجل فقيه أو طويل أو بزاز انتهى. ولم يذكر المصنف أن" من" يسأل بها عن الوصف، وقال بعض الشارحين: إن" من" يسأل بها عن الوصف، كما يسأل بما، إذ لا فرق بينهما إلا إن ما لما لا يعقل. قلت: وهذا الفرق يلجئ إلى أنها لا يسأل بها عن الوصف؛ لأن الوصف ليس بعاقل، فلا يسأل عنه بمن التى هى للعاقل، فإنه أراد بالوصف نحو: عالم وقائم، فإنه يسمى وصفا باصطلاح النحاة فقد دخل ذلك فى قولنا: إن" من" يسأل بها عن العارض المشخص على ما سبق. (تنبيه): قد يعترض على السكاكى فى قوله: يسأل" بما" عن الجنس، فيقال: ما عندك؟ أى: أى الأجناس، فيقال: أى لما يميز أحد المتشاركين عن الآخر فى أمر يعمهما، وما على رأى السكاكى سؤال عن الجنس، وكيف يفسر أحدهما بالآخر، وجوابه أن يقال: الأجناس مشتركة فى مطلق حقيقة الجنسية، فيسأل بأى عن الجنس، أى تعيين الجنس من بين الأجناس فتأتى بأى لتميز جنسا معينا بين مطلق الجنسية. يسأل بأى (عما) يميز أحد المتشاركين فى أمر يعمهما: ص: (ويسأل بما عما يميز أحد المتشاركين فى أمر يعمهما نحو: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً (٢) أى: أنحن أم أصحاب محمد ﷺ ؟ (ش): أى من أسماء الاستفهام، فإذا أريد به الاستفهام يسأل بها عن شئ يميز، أى: يعين، ولو قال: يطلب بها التمييز لصح، وقوله: فى أمر يتعلق بالمتشاركين، والمراد أنه يطلب بأى تمييز أحد المتشاركين فى أمر من الأمور شامل لهما، سواء كان ذاتيا أم غيره، مثاله: قولك: أى الرجلين أو الرجال عندك؟ فالرجلان مثلا مشتركان فى الرجولية، وهو أمر يعمهما، والذى يميز أحدهما هو الوصف الذى يذكره المجيب،

стр. 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتمييزه يقع باعتبار النسبة التى تضمنتها عندك، ومنه قوله تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً الأمران المشتركان هما الفريقان، ولكن لا بأس باعتبار ما يشتركان فيه أيضا من الإقامة المدلول عليها بقوله تعالى: خَيْرٌ مَقاماً والذى يميز أحدهما من الآخر هو الجواب بالتعيين، والأمر الذى يقع التمييز به هو الخيرية، هذا هو الظاهر والمراد بالعموم حينئذ عموم الشمول، ويحتمل أن يقال: معناه: ما يميز أحد المتشاركين بالنسبة إلى أمر يعمهما باعتبار الصلاحية، فقولك: أى الرجلين قام؟ يكون الأمر أن فيه الرجلين والأمر الذى يعمهما باعتبار الصلاحية هو القيام، وهو الذى يقع التمييز فيه، فإن قلت: السكاكى قال: إنه يسأل" بمن" عن الجنس فتقول: من جبريل؟ أملك أم بشر؟ وقد قال هنا فى: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها (١): معناه الإنسى أم الجنى؟ فيلزم اتحاد الاستفهام" بمن"" وبأى" قلت: أخذه هناك باعتبار الجنسية، وهنا باعتبار دورانه بين ما يصلح فيه، ولا شك أن بين السؤال" بأى"" وبمن" على رأى السكاكى عموما، وخصوصا من وجه فإن أيا يطلب بها تمييز أحد المتشاركين فى شئ أعم من أن تكون تلك الأفراد أجناسا أم غيرها، إلا أنه خاص بتلك الأفراد، ويسأل بما عن الأجناس أعم من أن تكون محصورة فى أشياء معينة أو لا، إلا أنه خاص بالأجناس واعلم أن إطلاق البيانيين هنا يقتضى أن أيا يسأل بها عن المتشاركين فى أى شئ كان، وهو مخالف لكلام المنطقيين، فإنهم جعلوا السؤال عن الجنس والنوع ما هو، والسؤال عن الفصل أى شئ هو، وهو يقتضى أن لا يقال: أى شئ زيد، ويريد السؤال عن الجنس أو النوع. بقى على المصنف فى قوله:" أحد المتشاركين" فإنه إن كان قاله بالتثنية فيرد عليه الجمع مثل: أى الرجال وهم متشاركون، لا متشاركان وبأن قال: متشاركين بالجمع والواو والنون، فيرد عليه نحو: أى الثياب أو الثوبين فإنه لا يقال فيه: متشاركين، بل متشاركة أو متشاركين، وقد يجاب بأنه إنما قال: متشاركين بالتثنية ومراده بهما المسئول وغيره، سواء كان واحدا أم أكثر، فإذا قلت: أى الرجال قام؟ معناه: زيد أم غيره.

стр. 447

وب كم خ خ: عن العدد؛ نحو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (١). وب كيف": عن الحال. ــ (كم) للاستفهام عن العدد: ص: (وبكم عن العدد نحو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ). (ش):" كم" تقع فى الغالب للاستفهام عن العدد، فإذا قلت: كم درهما لك؟ كأنك قلت: أعشرون أم ثلاثون، وقد يكون الشئ واحدا فيكون التمييز لأجزائه، وقد يحذف المميز ويقال: كم درهمك؟ وكم مالك؟ أى: كم دانقا؟ وكم ثوبك؟ أى كم شبرا، وكم زيد ماكث؟ أى: كم يوما، وكم رأيتك؟ أى: كم مرة، وكم سرت؟ أى: كم فرسخا، أو كم يوما؟ قال تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ (٢) أى: كم يوما، أو كم سنة، أو كم ساعة. قال الفرزدق: كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علىّ عشارى قال المصنف: على رواية النصب، وعلى رواية الرفع تحتمل الاستفهامية والخبرية، فعلى الأول يقدر المميز منصوبا، وعلى الثانى مجرورا. قلت: والذى يظهر من جهة المعنى أن المراد الخبرية، وقول المصنف: إنه على رواية النصب يتعين الاستفهام ليس صحيحا، فإن كم الخبرية قد تنصب المميز، وعلى ذلك أنشد سيبويه هذا البيت، وأنشده ابن عصفور على ذلك، وأما على رواية الجر فتتعين الخبرية أيضا. (كم) للاستفهام عن الحال: ص: (وبكيف عن الحال). (ش): أى: ويستفهم بكيف الاستفهامية عن الحال، تقول: كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ أطويل أم قصير؟ وفى كلام بعضهم أنه إنما يسأل بها عن الصفات الغريزية لا الخارجية، وإنه لا يقال: كيف زيد أقائم أم قاعد؟ قلت: ويرد عليه قوله تعالى: أَنَّى شِئْتُمْ (٣) فإنه بمعنى فأتوا حرثكم كيف شئتم على ما ذكره هو، وهى حال غير غريزية، وفى كلام النحاة وغيرهم أن معنى كيف: على أى حال، ولا يتوهم من هذا أن كيف أخص من أى. قال بدر الدين بن مالك: ليست (كيف) موضوعة لهذا المعنى،

стр. 448

وب أين خ خ: عن المكان. وب متى خ خ: عن الزمان. وب أيّان خ خ: عن الزمان المستقبل، قيل: وتستعمل فى مواضع التفخيم؛ مثل: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ. ــ بل تستلزمه، ألا ترى أن جوابها إنما هو بالصفات لا بالمصادر. اه. قال شيخنا أبو حيان: وهو كلام جيد. (أين) للاستفهام عن المكان: ص: (وبأين عن المكان، وبمتى عن الزمان). (ش): يعنى أين إذا كانت استفهاما، وهذا واضح تقول: أين زيد؟ جوابه: فى السوق أو فى البيت، وتقول: متى يحضر؟ فجوابه: اليوم أو غدا. (أيان) للاستفهام عن المستقبل: ص: (وبأيان عن المستقبل، قيل: وتستعمل فى مواضع التفخيم مثل: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ). (ش): أيان يستفهم بها عن الزمان، تقول: أيان تجئ، وقصرها المصنف على المستقبل فى هذا المختصر، ولكنه فى الإيضاح أطلق أنها للزمان، وكذلك أطلقه السكاكى، وقد مثلاه بأيان جئت وهو صريح فى أنها تستعمل للماضى، فهو مخالف لكلامه هنا، لكن ما ذكره هنا هو الصواب، وهو الذى جزم به ابن مالك والشيخ أبو حيان، ولم يذكرا فيه خلافا، وحمل ذلك على ما إذا وليها فعل دون ما إذا وقع بعدها اسم كقوله تعالى: أَيَّانَ مُرْساها (١) وفيه نظر؛ لأن مرساها المراد به المستقبل، فكذلك ما أشبهه، وقوله: قيل: وتستعمل فى مواضع التفخيم، ينبغى أن يقول: لا تستعمل إلا فى مواضع التفخيم كما هو مقصوده على ما يظهر، وقد نقله فى الإيضاح عن على بن عيسى الربعى، ومثله المصنف بقوله تعالى: أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (٢)، أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٣) قلت: وفى تمثيل المصنف بهذه الآية نظر فإنه كلام محكى عن الإنسان الذى يحسب أن لن نَجْمَعَ عِظامَهُ (٤)، وذلك لا يقصد تفخيم يوم القيامة الذى لا يقر به، والمشهور عند النحاة أنها" كمتى" تستعمل فى التفخيم وغيره.

стр. 449

وإنّى خ خ: تستعمل تارة بمعنى كيف خ خ؛ نحو: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (١)، وأخرى بمعنى من أين خ خ؛ نحو: أَنَّى لَكِ هذا (٢) ... ــ استعمالات أنّى: ص: (وأنى إلى آخره). (ش): أنى إذا كانت استفهاما فلها استعمالات أحدها بمعنى كيف، ومن أحسن أمثلته قوله تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (٣) وبه مثل الأعلم، والثانى بمعنى من أين، وهى عبارة سيبويه كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا أى: من أين، والفرق بين أين ومن أين، أن أين سؤال عن المكان الذى حل فيه الشئ، ومن أين سؤال عن المكان الذى برز منه الشئ، ويقع فى عبارة كثير أنها بمعنى أين والظاهر أن مراده من أين، وأنه تجوز فى العبارة، والثالث بمعنى متى، وقد نقل عن الضحاك فى قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، ويرده سبب النزول، وأما تمثيل المصنف وغيره لأنى الاستفهامية بقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ففيه نظر؛ لأنها لو كانت هنا استفهامية لاكتفت بما بعدها؛ لأن من شرط الاستفهامية أن يكتفى بما بعدها من فعل كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ (٤) أو اسم مثل: أَنَّى لَكِ هذا، والذى اختاره شيخنا أبو حيان أنها فى هذه الآية شرطية، وأقيمت فيها الأحوال مقام الظروف المكانية، وجوابها محذوف، وقال قطب الدين الشيرازى: إن" أنى شئتم" فى هذه الآية الكريمة بمعنى: من أى جهة شئتم، وجعلها بهذا المعنى قسما غير كونها بمعنى من أين، وهو فاسد؛ لأن قولنا: من أى جهة شئتم مساو لقولنا: من أين شئتم فتكون بمعنى من أين. (تنبيه): لا يخفى أنك يمكن أن تستعمل لفظ أى فى جميع مواضع هذه الألفاظ المستفهم بها عن التصور، فتقول فى: أزيد أم عمرو قائم، أى: الرجلين قام؟ وفى: أقائم أم قاعد زيد، أى الأمرين فعل؟ وكذلك فى الجميع كما تقول فى اسم أبيك: أى شئ اسمه؟ وفى: ما ماهيته: أى شئ ماهيته؟ وفى: من جبريل؟ أى شئ جبريل؟ وفى كم عدد هذا؟ أى شئ هو؟ وفى: كيف زيد؟ أى حال عليه زيد؟ وفى: أين هو؟ أى مكان فيه هو؟ وفى: متى تقوم؟ أى زمان تقوم فيه؟ وفى: أنى تذهب؟ أى مكان تذهب فيه؟

стр. 450

ثم إن هذه الكلمات كثيرا ما تستعمل فى غير الاستفهام؛ كالاستبطاء؛ نحو: كم دعوتك؟، ــ ثم بين" متى" و" أيان" عموم وخصوص فإن متى أعم، وأى وما بينهما عموم وخصوص من وجه كما سبق، وأما البقية فالظاهر أنهما متباينان، وإن تلازم بعضها فإن قلت: قد قال المنطقيون: إن مقولة الكم أعم من مقولة الكيف وجودا، ويلزم منه أن يكون المسئول عنه بكم أعم من المسئول عنه بكيف، إما مطلقا أو من وجه. قلت: [لا شك أن الكم كيف لا كون تريد طوله على وجه مخصوص هو كم، وهو كيف] (١)، ولكن لفظ كم لا يصلح أن يحل موضعه لفظ كيف، والأخص قد يوجد على وجه يستعمل له لفظ لا يستعمل له اللفظ الموضوع للأعم، ألا ترى أنك لا تقول: كم زيد إلا إذا أردت أجزاءه، وأنها لا تستعمل إلا مع متعدد أو ذى أجزاء يصح إرادة كل منها بخلاف كيف، ولا تكاد العرب تجيز كيف دراهمك تريد كم عددها، وأيضا لو كانت" كيف" بمعنى" كم" لصح أن تقول فى نحو: كم عمة لك يا جرير وخالة كيف عمة لك، وهو ظاهر الامتناع لتغاير المعنى. هذه الكلمات تستعمل كثيرا فى غير الاستفهام: ص: (ثم هذه الكلمات كثيرا ما تستعمل فى غير الاستفهام). (ش): يعنى أن هذه الكلمات الموضوعة للاستفهام قد تستعمل فى غيره مجازا، فمن ذلك الاستبطاء كقولك: كم أدعوك، لمن أكثرت من دعائه، ويحتمل أن يكون أريد به النهى عن التأخر، والأحسن أن يجعل الفعل مضارعا، فيقال: كم أدعوك؛ لأنه أدل على بقاء الطلب والاستبطاء، بخلاف دعوتك قد يصدر من موبخ قد انقطع غرضه من إجابة دعائه، أو بعد تعذر الإجابة، وكلام المصنف يقتضى أن ذلك لا يختص به" كم"؛ لأنه قال فى الإيضاح: وعليه قوله تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ (٢)، وكلام الخطيبى يقتضى أنه فهم أن ذلك فى" كم" فقط، وليس كما قال، ومن ذلك التعجب، ونعنى ما ليس معه توبيخ، وهو

стр. 451

والتعجّب؛ نحو: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ (١)، والتنبيه على الضلال؛ نحو: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢)، والوعيد؛ كقولك لمن يسئ الأدب: ألم أؤدّب فلانا؟ إذا علم المخاطب ذلك، والتقرير بإيلاء المقرّر به الهمزة؛ كما مر (٣)، ــ يشارك الاستفهام فى أن التعجب مما خفى سببه والاستفهام يكون عما خفى نحو: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ وتقول: أى رجل هو، للتعجب، ومن ذلك التنبيه على ضلال المخاطب نحو: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وجعله السكاكى من استفهام التوبيخ والإنكار، ومنه قول أبى عمرو بن العلاء للأصمعى: أين عزب عنك عقلك؟ ومن ذلك الوعيد كقولك لمن يسئ الأدب: ألم أؤدب فلانا؟ إذا كان عالما بذلك، ومن ذلك التقرير، وسيأتى تحرير حقيقته، وقد جعل منه السكاكى على ما يوجد فى بعض نسخ المفتاح قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي (٤) وهو مشكل؛ لأن ذلك لم يقع منه، وسيأتى حل هذا الإشكال فى آخر الكلام - إن شاء الله تعالى -. ثم يكون المقرر به تاليا للهمزة، كما مر من أن المستفهم عنه ما يلى الهمزة، وقد تقدم ما عليه من الأسئلة، فإن أردت التقرير بالجملة، قلت: أفعلت؟ وإن أردت التقرير بالمفعول قلت: أزيدا ضربت؟ وإن أردت التقرير بالفاعل قلت: أأنت فعلت؟ فإن قلت: لو كان الاستفهام فيه عن الفاعل لاستدعى العلم بالنسبة فى قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ وهو القول والقول مفعوله اتخذونى، فهو قول لا يمكن صدوره من عيسى ﷺ ، وهو لم يقله، فلم يقع التصديق بأصل النسبة فلا تكون صورة الاستفهام هنا عن الفاعل، وإنما قلنا: صورة الاستفهام، لأنه لا يخفى أن الاستفهام هنا ليس على حقيقته، قلت: قد قيل: اتخذوا عيسى إلها، وهذا القول لو صدر عنه لكان التعبير عنه باتخذونى، فعبر به فى الاستفهام، فأصل النسبة معلوم بهذا الاعتبار. قال فى الإيضاح: وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكى وجماعة فى قوله تعالى: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٥) إنه من هذا الباب لأنهم لم يستفهموا هل وقع كسر الأصنام؟ بل أرادوا أن يقر بكونه قد فعله، فإنما سألوا عن الفاعل؛ ولذلك أشاروا إلى الفعل بقولهم: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا ولذلك: قالَ بَلْ فَعَلَهُ

стр. 452

والإنكار كذلك؛ نحو: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ (١)؛ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا (٢)؛ ومنه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ (٣) أى: الله كاف عبده؛ لأنّ إنكار النفى نفى له، ونفى النفى إثبات؛ ــ كَبِيرُهُمْ هذا (٤) ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: فعلت أو لم أفعل، وفيه نظر؛ لجواز أن تكون الهمزة فيه على أصلها؛ إذ ليس فى السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه ﵇ هو الذى كسر أصنامهم. انتهى. قلت: ما نقله عن عبد القاهر والسكاكى إنما هو تقرير لكون المقرر به هو الفاعل لا الفعل، وهذا لا يناسب قولهما: لو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: فعلت أو لم أفعل، ولا يناسب أيضا ذكر هذا بعد قوله: المقرر به ما يلى الهمزة، وعلى كل تقدير فقول المصنف: إذ ليس فى السياق أنهم كانوا عالمين فيه نظر، أما أولا فلأن الدليل لا ينحصر فيما تضمنه السياق، وهم كانوا كفارا، ولم يكن فيهم من يقدم على كسر أصنامهم، وأما ثانيا فلقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فإن" بل" فى الغالب إذا وقعت الجملة بعدها كانت إضرابا عما قبلها على وجه الإبطال له، ولو كانت استفهاما محضا قصد إبطاله بالنفى كأنهم قالوا له: أأنت فعلت؟ فقال: لم أفعل، بل فعله كبيرهم، وأما ثالثا فبالقرائن السابقة مثل: لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ (٥)، قولهم: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ (٦). قال الخطيبى: ولو سلم فلا يلزم من عدم علمهم مدعى المصنف؛ لأنه ما ادعى لزوم عدم العلم، بل ادعى عدم لزوم العلم. وقوله: (والإنكار كذلك) أى: فى إيلاء المنكر الهمزة نحو: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ فالمنكر هنا المفعول، وهو غير الله ، لا نفس الدعاء، وقد يكون المنكر الفعل كقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ، فالمنكر عدم كفاية الله عبده. قوله: (لأن نفى النفى إثبات) يعنى أن الإنكار إذا دخل على النفى كان لنفى النفى، وهو إثبات، ولذلك قيل: إن أمدح بيت قالته العرب: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح نقله ابن الشجرى فى أماليه، ولولا صراحته فى تقدير المدح لما قيل ذلك.

стр. 453

وهذا مراد من قال: إنّ الهمزة فيه للتقرير بما دخله النفى لا بالنفى خ خ. ولإنكار الفعل صورة أخرى، وهى نحو: أزيدا ضربت أم عمرا؟ لمن يردّد الضرب بينهما. ــ قوله: (وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير) يعنى أن من قال: إنها للتقرير أراد تقرير ما دخله النفى وهو الله كاف عبده، ومن قال للإنكار أراد إنكار الجملة المنفية، والأول هو معنى قول الزمخشرى: إن الهمزة فى قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) للتقرير، وما قاله متعين إن كان الخطاب فى ألم تعلم للنبى أو لا أحد من المسلمين، وإن كان الخطاب لجنس الكافر الجاحد لقدرة الله ، فيحتمل أن يقال: الاستفهام للتوبيخ، بمعنى أنهم وبخوا على عدم العلم، وإن كان مع الكافر المعاند بلسانه فقط فيصح أن يكون استفهام إنكار وتكذيب لهم فيما يتضمنه كفرهم من قولهم: إن الله تعالى ليس كذلك، وهذه الاحتمالات الثلاثة فى أن الخطاب للمسلمين أو لأحد من المسلمين أو الجاحدين من مشركى أهل مكة أو المنكرين بألسنتهم وهم اليهود، وهى أقوال ثلاثة حكاها الإمام فيما يعود إليه ضمير: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ (٢) فالظاهر أن الخطاب فى" ألم تعلم" للواحد من صاحب ذلك الضمير. قوله: (ولإنكار الفعل صورة أخرى) يعنى: أنه قد يلى الاسم الهمزة، ويكون المنكر الفعل، وذلك بأن يكون الفعل دائرا بين اسمين لا يتجاوزهما، فإذا أنكر وقوعه من أحدهما أو على أحدهما لزم منه إنكار الفعل (كقولك: أزيدا ضربت أم عمرا)؛ حيث لا يمكن ضرب ثالث إذا كان للإنكار، فإنه إنكار لضرب كل منهما، ويلزم من ذلك إنكار الفعل؛ لأن نفى المتعلق نفى للمتعلق؛ ولذلك قال: (لمن يردد الضرب بينهما) يعنى إذا علم أن الضرب لا يتجاوزهما لثالث. ومنه قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ (٣) فإن المقصود إنكار أصل التحريم، وأخرج فى قالب طلب التعيين، وكذلك: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ (٤) لأنه إذا نفى الفعل عمن لا فاعل له غير المنفى عنه انتفى الفعل من أصله، ويكون استفهام الإنكار بكم وكيف مثل: كم تدعونى، وكيف تؤذى أباك، ثم استفهام الإنكار على قسمين:

стр. 454

والإنكار: إمّا للتوبيخ، أى: ما كان ينبغى أن يكون؛ نحو: أعصيت ربّك؟ أو لا ينبغى أن يكون؛ نحو: أتعصى ربّك؟ أو للتكذيب، أى: لم يكن؛ نحو: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ (١)، أو لا يكون؛ نحو: أَنُلْزِمُكُمُوها (٢) ــ أحدهما: يراد به التوبيخ، وهو من أنكر عليه إذا نهاه، أى ما كان ينبغى أن يكون هذا نحو: أعصيت ربك؟ أى: بمعنى لا ينبغى أن يكون، كقولك للرجل يركب الخطر: أتركب فى غير الطريق؟ والغرض منه الندم على ماض والارتداع عن مستقبل، ويقال: أين مغيبك للتوبيخ والتقريع؟ قال تعالى: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٣) وضابط هذا القسم أن يكون ما يلى الهمزة فيه واقعا، لكنه مستقبح. الثانى: للتكذيب، وضابطه أن يكون ما يلى الهمزة فيه غير واقع وقصد تكذيبهم فيه، وسواء أكان زعمهم له صريحا مثل: أَفَسِحْرٌ هذا (٤)، أم إلزاما مثل: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ (٥) فإنهم لما جزموا بذلك جزم من شاهد خلق الملائكة كانوا كمن زعم أنه شهد خلقهم، وتسمية هذا استفهام إنكار من أنكر إذا جحد، وهو إما بمعنى لم يكن كقوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً أو بمعنى لا يكون، نحو: أَنُلْزِمُكُمُوها، وقوله: أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنّى إذا للئيم ويقال: متى قلت للجحد، وحمل الزمخشرى تقديم الاسم فى قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ (٦) على أن المعنى: أفأنت تقدر على إكراههم على سبيل القصد؟ أى: إنما يقدر على ذلك الله، ولم يقدر السكاكى فيه تقديما، بل جملة على الابتداء دون تقدير التقديم كما هو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما فى: أنا قمت، فلا يفيد غير تقوى الحكم، ونقل فى الإيضاح عن السكاكى أنه قال: إياك أن تغفل عما سبق فى: أنا ضربت من احتمال الابتداء، واحتمال التقديم، وتفاوت المعنى بينهما، فلا تحمل قوله تعالى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ (٧) على التقديم، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن احمله على الابتداء مرادا به تقوية حكم الإنكار.

стр. 455

والتهكم؛ نحو: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا (١)، والتحقير؛ نحو: من هذا؟ ــ قال المصنف: وفيه نظر؛ لأنه إن أراد أن الاسم إذا كان مظهرا وولى الهمزة لا يفيد توجه الإنكار إلى كونه فاعلا لما بعده، فممنوع، وإن أراد أنه يفيد ذلك إن قدر تقديم وتأخير وإلا فلا على ما ذهب إليه، فهذه الصورة مما منع هو ذلك فيها. انتهى. يعنى فيلزم أن لا يحصل الإنكار فى نحو:" أأنت فعلت" على شئ من التقادير عنده، ولا شك أن كلامه مشكل؛ فإن التقديم والتأخير لا تعلق له بكون المنكر أو المستفهم عنه الاسم الذى يلى الهمزة مقدر التقديم والتأخير أم لا، ومن ذلك التهكم نحو قوله: قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وقد تقدم تفسير التهكم فى باب المسند إليه، وقد قيل: إن تقدير الآية: تأمرك أن تأمر أن نترك؛ لأن الشخص لا يطالب بفعل غيره، ومن ذلك التحقير كقولك:" من هذا" و" ما هذا"؟ فإن قلت: المنكر ما يلى الهمزة على ما تقرر، والذى يليها فى قوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ (٢) الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر، إنما المنكر قولهم: إنه اتخذ من الملائكة إناثا، قلت: إما أن يقال: إن لفظ الإصفاء يشعر بزعم أن البنات لغيرهم، وإما أن يقال: المراد مجموع الجملتين ينحل منهما كلام واحد، التقدير: جمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات، وتكون الواو فيه لمعية؛ لأن زعمهم لمجموع الجملتين أفحش من اقتصارهم على واحدة منهما، وإن كانت فاحشة، فإن قلت: فقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (٣) لا جائز أن يكون المنكر أمر الناس بالبر كما تقتضيه قاعدة أن ما يلى الهمزة هو المنكر، ولا أن يكون المنكر نسيان النفس فقط؛ لأنه يصير ذكر أمر الناس بالبر لا مدخل له، ولا مجموع الأمرين؛ لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر، ولا نسيان النفس بشرط الأمر؛ لأن النسيان منكر مطلقا، ولا يكون نسيان النفس حال الأمر أشد منه حال عدم الأمر؛ لأن المعصية لا تزداد شناعتها بانضمامها إلى الطاعة؛ لأن جمهور العلماء على أن الأمر بالبر واجب، وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه، وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف معصية نسيان النفس؟! ولا يأتى الخير بالشر، وقريب منه فى المعنى قوله:" إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث" (٤) فإن الرفث مذموم مطلقا. ومنه قول الشاعر:

стр. 456

والتهويل؛ كقراءة ابن عباس - رضى الله عنه -: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ (١) بلفظ الاستفهام، ورفع فرعون خ خ؛ ولهذا قال: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٢)، والاستبعاد؛ نحو: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ (٣) ــ لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وليس منه: لا تأكل السمك وتشرب اللبن فى المعنى؛ لأن كلا منهما على انفراده ليس مذموما، بل المذموم مجموعهما، وكل منهما جزء علة. قلت: لا يرتاب فى أن فعل المعصية مع النهى عنها أفحش؛ لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض، وتجعل القول كالمخالف للفعل؛ ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل، ولكن الجواب عن قوله: إن الطاعة الصرفة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها فيه دقة، ومن ذلك التهويل كقراءة ابن عباس: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ بلفظ الاستفهام ورفع فرعون؛ ولذلك قال تعالى: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ فذكر ذلك عقبه يرشد لإرادة التهويل؛ ولذلك قال تعالى: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (٤) وفى الصحيحين عن ابن عباس - رضى الله عنهما - فى" مرض رسول الله يوم الخميس" (٥) إلى آخره. والتعظيم قريب من التهويل، ومن ذلك الاستبعاد مثل قوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، أى: يستبعد ذلك منهم بعد أن جاءهم الرسول ثم تولوا عنه. هذا ما ذكره المصنف فى التلخيص، وزاد فى الإيضاح أنه قد يراد به التعجب والتوبيخ معا، كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ (٦) وزاد أيضا الأمر نحو قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٧)، وقوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٨).

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد تقدم أن" هل" تستعمل فى التمنى فهذا أيضا مما نحن فيه، وزاد غيره التهديد، ومثله: بألم أؤدب فلانا؟ وقد تقدم التمثيل به للوعيد. ولا شك أن معناهما متقارب، وزيد أيضا العرض نحو: ألا تنزل فتصيب خيرا؟ والتحضيض كقولك: لمن بعثته لمهم فلم يذهب: أما ذهبت؟ والزجر، كقولك لمن يؤذى أباه: أتفعل هذا؟ ذكر الثلاثة فى المصباح، وقد تأتى الهمزة للأمر كما قيل فى قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ (١) معناه أسلموا. وتأتى الهمزة للتسوية المصرح بها، كقوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٢) وغيرها، كقوله حكاية: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ (٣). وقال أبو سعيد السيرافى فى: علمت أزيد فى الدار أم عمرو؟ هذا ليس باستفهام، والمتكلم به بمنزلة المسئول عنه، والمخاطب بمنزلة السائل. وقد خرجت الهمزة أيضا عن معناها فى أرأيتك موافقة أخبرنى قال فى المصباح: وقد تأتى للمبالغة فى المدح كقوله: بدا فراغ فؤادى حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشّخص أم ملك أو فى الذم كقول زهير: فما أدرى وسوف أخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء (٤) أو التدله فى الحب كقوله: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر (٥) وعليه اعتراض سيأتى فى البديع، والتحقيق فى أكثر هذه الأمور رجوعها إلى الاستفهام الحقيقى. (تنبيه): هذا النوع من خروج الاستفهام عن حقيقة يسمى الإعنات، وسماه ابن المعتز تجاهل العارف، وهل تقول: إن معنى الاستفهام فيه موجود، وانضم إليه معنى

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آخر أو تجرد من الاستفهام بالكلية؟ محل نظر، والذى يظهر الأول ويساعده ما قدمناه عن التنوخى من أن" لعل" تكون للاستفهام مع بقاء معنى الترجى. وقال التنوخى أيضا فى نحو: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ (١): ليس استفهاما محضا، ومما يرجح الأول أن الاستبطاء فى قولك: كم أدعوك؟ معناه أن الدعاء قد وصل إلى حد لا أعلم عدده، فأنا أطلب أن أفهم عدده، والعادة تقضى بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه، وفى طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء، وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر؛ لأن من تعجب من شئ فهو بلسان الحال سائل عن سببه، وكأنه يقول: أى شئ عرض لى فى حال عدم رؤية الهدهد؟ وأصله أى شئ عرض له؟ لكنه قلبه إلى نفسه مبالغة فى الصفة، وأما التثنية على الضلال فى نحو قول الإنسان: أين تذهب؟ مريدا التنبيه على الضلال، فالاستفهام فيه حقيقى؛ لأنه يقول: أخبرنى إلى أى مكان تذهب فإنى لا أعرف ذلك، وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أن تنتهى، فأما قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢)، فيأتى ما حصل به تحقيق المراد منه، وأما التقرير فاعلم أنهم لم يفصحوا عن مرادهم به، فهل نقول: إن المراد به الحكم بثبوته كقولك: قررت هذا الأمر، أى: أثبته، فيكون حينئذ خبرا، فإن المذكور عقب الأداة واقع نفيا كان أم إثباتا. فالتقرير فى أَلَمْ نَشْرَحْ للفعل وهو الشرح، أو المراد أنه طلب إقرار المخاطب به، مع كون السائل يعلم، فهو استفهام يقرر المخاطب، أى: يطلب منه أن يكون مقرّا به. ورأيت فى كلام أهل الفن ما يقتضى كلا من الاحتمالين. وأنت إذا تتبعت الأمثلة فى ذلك قطعت فى بعضها بأن المراد الأول كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٣) إن جعلناه تقريرا، وفى البعض بأن المراد الثانى كقوله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا (٤) فإنهم يطلبون إقراره به، كما صرح به المصنف فى الإيضاح، وينتظرون جوابه، فإذا أريد باستفهام التقرير المعنى الأول فذلك خبر صرف، وإن أريد الثانى فهل معنى الاستفهام باق فيه أو لا؟ الذى يقتضيه كلام الجميع أنه لا، والذى يظهر خلافه، وأقدم عليه دقيقة وهى أن الاستفهام

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طلب الفهم، ولكن طلب فهم المستفهم أو طلب وقوع فهم لمن يفهم كائنا من كان، فإذا قال: من يعلم قيام زيد لعمرو بحضور بكر الذى لا يعلم قيامه: هل قام زيد؟ فقد طلب من المخاطب الفهم أعنى فهم بكر، إذا تقرر هذا، فلا بدع فى صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه، وإذا سلمت ذلك انزاحت عنك شكوك كثيرة، وظهر لك أن الاستفهامات الواردة فى القرآن لا مانع أن يكون طلب الفهم فيها مصروفا إلى غير المستفهم عنه، فلا حاجة إلى تعسفات كثير من المفسرين، وبهذا انجلى لك أن الاستفهام التقريرى بهذا المعنى حقيقة، وأن قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي (١) حقيقة، فإنه طلب به أن يقر بذلك فى ذلك المشهد العظيم تكذيبا للنصارى وتحصيلا لفهمهم أنه لم يقل ذلك، وهذا ما قدمنا الوعد به فى قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢). فإن قلت: المقرر به هو ما يلى الهمزة، كما تقرر؛ فيلزم أن يكون طلب منه أن يقر بأنه قال ذلك، وهذا لم يطلب، بل طلب منه أن يقر بالواقع، والواقع أنه لم يقل: قلت: بل المطلوب منه أن يقر بالأمر الواقع، ولا ينافى هذا قولهم: إن المقرر به هو ما يلى الهمزة؛ فإن المراد أن المقرر به هو الفاعل، وتقديره: أَأَنْتَ فَعَلْتَ (٣) أم غيرك؟ فقد طلب منه أن يقر بالفاعل منه ومن غيره، وهذا معنى قولهم: إن المستفهم عنه ما يلى الهمزة، وإن كان المستفهم عنه فى قولك: أزيد قائم أم عمرو، كلا من زيد وعمرو، ولكن مقصودهم ما يليها من مسند مع معادلة أو مسند إليه، كذلك وقد انجلى لك بهذا قول السكاكى: إن ذلك استفهام تقرير، بعد أن كان فى غاية البشاعة، واتضح لك إمكان حمل الاستفهامات الواردة فى القرآن على حقيقتها مع تنزيه البارئ عن أن يطلب الفهم لنفسه ﵎، وهذا ما قدمت الوعد. وأما استفهام الإنكار فقد يكون الاستفهام به لطلب فهم السامعين لذلك الشئ المنكر فينكرونه. وأما التهكم فقد يكون فيه الاستفهام أيضا مصروفا إلى المخاطب. وأما التحقير فقد يكون استفهاما بمعنى أن ذلك وصل فى الحقارة إلى أن لا يعلم حقيقته فيستفهم عنه. وأما الاستبعاد فيمكن فيه ما سبق فى التنبيه على الضلال. والأمر يجوز أن يكون مفهوما مع بقاء قصد إفهام الناس حالهم، وطلب نطقهم بذلك.

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعرض والتحضيض والزجر والمبالغة لا تعد فى اجتماع الاستفهام مع كل منها، فحاصله تكمل المحافظة على معنى الاستفهام مع معنى آخر بمعاونة القرائن اللفظية أو الحالية. ومما يؤيد ما قلناه أن ابن الحاجب قال فى شرح المفصل: إن الطلب لا يمكن أن يستعمل مرادا به نوع آخر من الطلب، بل قد يستعمل ويراد به الخبر، وأما طلب آخر فلا، وأنت تجد كثيرا من هذه المعانى السابقة طلبا فإذا تكلفت لبقاء معنى الاستفهام فيه، وأن القرينة دلت على إرادة شئ آخر معه، خلصت من هذا. (تنبيه): قوله سبحانه: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (١)، يحتمل أن يكون استفهام تقرير، وكذا صرح به بعضهم، ووجهه أنه طلب منهم أن يقروا بما عندهم فى ذلك؛ ولهذا قال مجاهد: التقدير لا فإنهم لما استفهموا استفهام تقرير بما لا جواب له إلا أن يقولوا لا جعلوا كأنهم قالوها، وهو قول الفارسى والزمخشرى. ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التوبيخ على محبتهم لأكل لحم أخيهم فيكون ميتة، والمراد بمحبتهم لأكل لحم أخيهم غيبته على سبيل المجاز، وجاء فكرهتموه بمعنى الأمر، أى: أكرهوه، قيل: إن" فكرهتموه" أمر، وقد يأتى الأمر بصيغة الماضى، نحو: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه. ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التكذيب؛ لأنهم لما كانت حالتهم حال من يدعى أنه يحب أكل لحم أخيه نسب إليهم ذلك وكذبوا فيه ويكون فكرهتموه خبرا. (تنبيه): نقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون" بهل" إنما تستعمل فيه الهمزة، ثم نقل الشيخ عن بعضهم أن (هل) تأتى تقريرا وإثباتا فى قوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٢) فأما قول الزمخشرى: إن هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ (٣) للتقرير فتحمل على أنها بمعنى" قد" كما هو مذهبه، فإن الهمزة مقدرة قبله، فالتقرير حينئذ بالهمزة. وقال شيخنا أيضا: إن طلب بالاستفهام تعيين أو توبيخ أو إنكار أو تعجيب كان بالهمزة دون هل، وإن أريد به الجحد كان بهل ولا يكون بالهمزة، ومراده بالجحد القسم الثانى من قسمى الإنكار المتقدمين، ومراده بالإنكار القسم الأول فتعين فى (هل) التى للجحد الاستثناء مثل: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٤). وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر، ولا يجوز: أزيد إلا قائم.
следующие страницы →