والتهويل؛ كقراءة ابن عباس - رضى الله عنه -: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ (١) بلفظ الاستفهام، ورفع فرعون خ خ؛ ولهذا قال: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٢)، والاستبعاد؛ نحو: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ (٣)
ــ
لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وليس منه: لا تأكل السمك وتشرب اللبن فى المعنى؛ لأن كلا منهما على انفراده ليس مذموما، بل المذموم مجموعهما، وكل منهما جزء علة.
قلت: لا يرتاب فى أن فعل المعصية مع النهى عنها أفحش؛ لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض، وتجعل القول كالمخالف للفعل؛ ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل، ولكن الجواب عن قوله: إن الطاعة الصرفة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها فيه دقة، ومن ذلك التهويل كقراءة ابن عباس: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ بلفظ الاستفهام ورفع فرعون؛ ولذلك قال تعالى: إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ فذكر ذلك عقبه يرشد لإرادة التهويل؛ ولذلك قال تعالى: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (٤) وفى الصحيحين عن ابن عباس - رضى الله عنهما - فى" مرض رسول الله يوم الخميس" (٥) إلى آخره.
والتعظيم قريب من التهويل، ومن ذلك الاستبعاد مثل قوله تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، أى: يستبعد ذلك منهم بعد أن جاءهم الرسول ثم تولوا عنه.
هذا ما ذكره المصنف فى التلخيص، وزاد فى الإيضاح أنه قد يراد به التعجب والتوبيخ معا، كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ (٦) وزاد أيضا الأمر نحو قوله تعالى:
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٧)، وقوله تعالى: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٨).
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تقدم أن" هل" تستعمل فى التمنى فهذا أيضا مما نحن فيه، وزاد غيره التهديد، ومثله: بألم أؤدب فلانا؟ وقد تقدم التمثيل به للوعيد. ولا شك أن معناهما متقارب، وزيد أيضا العرض نحو: ألا تنزل فتصيب خيرا؟ والتحضيض كقولك: لمن بعثته لمهم فلم يذهب: أما ذهبت؟ والزجر، كقولك لمن يؤذى أباه: أتفعل هذا؟ ذكر الثلاثة فى المصباح، وقد تأتى الهمزة للأمر كما قيل فى قوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ (١) معناه أسلموا.
وتأتى الهمزة للتسوية المصرح بها، كقوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٢) وغيرها، كقوله حكاية: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ (٣).
وقال أبو سعيد السيرافى فى: علمت أزيد فى الدار أم عمرو؟ هذا ليس باستفهام، والمتكلم به بمنزلة المسئول عنه، والمخاطب بمنزلة السائل. وقد خرجت الهمزة أيضا عن معناها فى أرأيتك موافقة أخبرنى قال فى المصباح: وقد تأتى للمبالغة فى المدح كقوله:
بدا فراغ فؤادى حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشّخص أم ملك
أو فى الذم كقول زهير:
فما أدرى وسوف أخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء (٤)
أو التدله فى الحب كقوله:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر (٥)
وعليه اعتراض سيأتى فى البديع، والتحقيق فى أكثر هذه الأمور رجوعها إلى الاستفهام الحقيقى.
(تنبيه): هذا النوع من خروج الاستفهام عن حقيقة يسمى الإعنات، وسماه ابن المعتز تجاهل العارف، وهل تقول: إن معنى الاستفهام فيه موجود، وانضم إليه معنى
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آخر أو تجرد من الاستفهام بالكلية؟ محل نظر، والذى يظهر الأول ويساعده ما قدمناه عن التنوخى من أن" لعل" تكون للاستفهام مع بقاء معنى الترجى. وقال التنوخى أيضا فى نحو: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ (١): ليس استفهاما محضا، ومما يرجح الأول أن الاستبطاء فى قولك: كم أدعوك؟ معناه أن الدعاء قد وصل إلى حد لا أعلم عدده، فأنا أطلب أن أفهم عدده، والعادة تقضى بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه، وفى طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء، وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر؛ لأن من تعجب من شئ فهو بلسان الحال سائل عن سببه، وكأنه يقول: أى شئ عرض لى فى حال عدم رؤية الهدهد؟ وأصله أى شئ عرض له؟ لكنه قلبه إلى نفسه مبالغة فى الصفة، وأما التثنية على الضلال فى نحو قول الإنسان: أين تذهب؟
مريدا التنبيه على الضلال، فالاستفهام فيه حقيقى؛ لأنه يقول: أخبرنى إلى أى مكان تذهب فإنى لا أعرف ذلك، وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أن تنتهى، فأما قوله تعالى:
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢)، فيأتى ما حصل به تحقيق المراد منه، وأما التقرير فاعلم أنهم لم يفصحوا عن مرادهم به، فهل نقول: إن المراد به الحكم بثبوته كقولك: قررت هذا الأمر، أى: أثبته، فيكون حينئذ خبرا، فإن المذكور عقب الأداة واقع نفيا كان أم إثباتا. فالتقرير فى أَلَمْ نَشْرَحْ للفعل وهو الشرح، أو المراد أنه طلب إقرار المخاطب به، مع كون
السائل يعلم، فهو استفهام يقرر المخاطب، أى: يطلب منه أن يكون مقرّا به. ورأيت فى كلام أهل الفن ما يقتضى كلا من الاحتمالين.
وأنت إذا تتبعت الأمثلة فى ذلك قطعت فى بعضها بأن المراد الأول كقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٣) إن جعلناه تقريرا، وفى البعض بأن المراد الثانى كقوله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا (٤) فإنهم يطلبون إقراره به، كما صرح به المصنف فى الإيضاح، وينتظرون جوابه، فإذا أريد باستفهام التقرير المعنى الأول فذلك خبر صرف، وإن أريد الثانى فهل معنى الاستفهام باق فيه أو لا؟ الذى يقتضيه كلام الجميع أنه لا، والذى يظهر خلافه، وأقدم عليه دقيقة وهى أن الاستفهام
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طلب الفهم، ولكن طلب فهم المستفهم أو طلب وقوع فهم لمن يفهم كائنا من كان، فإذا قال: من يعلم قيام زيد لعمرو بحضور بكر الذى لا يعلم قيامه: هل قام زيد؟ فقد طلب من المخاطب الفهم أعنى فهم بكر، إذا تقرر هذا، فلا بدع فى صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه، وإذا سلمت ذلك انزاحت عنك شكوك كثيرة، وظهر لك أن الاستفهامات الواردة فى القرآن لا مانع أن يكون طلب الفهم فيها مصروفا إلى غير المستفهم عنه، فلا حاجة إلى تعسفات كثير من المفسرين، وبهذا انجلى لك أن الاستفهام التقريرى بهذا المعنى حقيقة، وأن قوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي (١) حقيقة، فإنه طلب به أن يقر بذلك فى ذلك المشهد العظيم تكذيبا للنصارى وتحصيلا لفهمهم أنه لم يقل ذلك، وهذا ما قدمنا الوعد به فى قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢). فإن قلت: المقرر به هو ما يلى الهمزة، كما تقرر؛ فيلزم أن يكون طلب منه أن يقر بأنه قال ذلك، وهذا لم يطلب، بل طلب منه أن يقر بالواقع، والواقع أنه لم يقل: قلت: بل المطلوب منه أن يقر بالأمر الواقع، ولا ينافى هذا قولهم: إن المقرر به هو ما يلى الهمزة؛ فإن المراد أن المقرر به هو الفاعل، وتقديره: أَأَنْتَ فَعَلْتَ (٣) أم غيرك؟ فقد طلب منه أن يقر بالفاعل منه ومن غيره، وهذا معنى قولهم: إن المستفهم عنه ما يلى الهمزة، وإن كان المستفهم عنه فى قولك: أزيد قائم أم عمرو، كلا من زيد وعمرو، ولكن مقصودهم ما يليها من مسند مع معادلة أو مسند إليه، كذلك وقد انجلى لك بهذا قول
السكاكى: إن ذلك استفهام تقرير، بعد أن كان فى غاية البشاعة، واتضح لك إمكان حمل الاستفهامات الواردة فى القرآن على حقيقتها مع تنزيه البارئ عن أن يطلب الفهم لنفسه ﵎، وهذا ما قدمت الوعد.
وأما استفهام الإنكار فقد يكون الاستفهام به لطلب فهم السامعين لذلك الشئ المنكر فينكرونه. وأما التهكم فقد يكون فيه الاستفهام أيضا مصروفا إلى المخاطب. وأما التحقير فقد يكون استفهاما بمعنى أن ذلك وصل فى الحقارة إلى أن لا يعلم حقيقته فيستفهم عنه. وأما الاستبعاد فيمكن فيه ما سبق فى التنبيه على الضلال. والأمر يجوز أن يكون مفهوما مع بقاء قصد إفهام الناس حالهم، وطلب نطقهم بذلك.
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والعرض والتحضيض والزجر والمبالغة لا تعد فى اجتماع الاستفهام مع كل منها، فحاصله تكمل المحافظة على معنى الاستفهام مع معنى آخر بمعاونة القرائن اللفظية أو الحالية. ومما يؤيد ما قلناه أن ابن الحاجب قال فى شرح المفصل: إن الطلب لا يمكن أن يستعمل مرادا به نوع آخر من الطلب، بل قد يستعمل ويراد به الخبر، وأما طلب آخر فلا، وأنت تجد كثيرا من هذه المعانى السابقة طلبا فإذا تكلفت لبقاء معنى الاستفهام فيه، وأن القرينة دلت على إرادة شئ آخر معه، خلصت من هذا.
(تنبيه): قوله سبحانه: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (١)، يحتمل أن يكون استفهام تقرير، وكذا صرح به بعضهم، ووجهه أنه طلب منهم أن يقروا بما عندهم فى ذلك؛ ولهذا قال مجاهد: التقدير لا فإنهم لما استفهموا استفهام تقرير بما لا جواب له إلا أن يقولوا لا جعلوا كأنهم قالوها، وهو قول الفارسى والزمخشرى. ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التوبيخ على محبتهم لأكل لحم أخيهم فيكون ميتة، والمراد بمحبتهم لأكل لحم أخيهم غيبته على سبيل المجاز، وجاء فكرهتموه بمعنى الأمر، أى: أكرهوه، قيل: إن" فكرهتموه" أمر، وقد يأتى الأمر بصيغة الماضى، نحو: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه. ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التكذيب؛ لأنهم لما كانت حالتهم حال من يدعى أنه يحب أكل لحم أخيه نسب إليهم ذلك وكذبوا فيه ويكون فكرهتموه خبرا.
(تنبيه): نقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون" بهل" إنما تستعمل فيه الهمزة، ثم نقل الشيخ عن بعضهم أن (هل) تأتى تقريرا وإثباتا فى قوله تعالى:
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٢) فأما قول الزمخشرى: إن هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ (٣) للتقرير فتحمل على أنها بمعنى" قد" كما هو مذهبه، فإن الهمزة مقدرة قبله، فالتقرير حينئذ بالهمزة. وقال شيخنا أيضا: إن طلب بالاستفهام تعيين أو توبيخ أو إنكار أو تعجيب كان بالهمزة دون هل، وإن أريد به الجحد كان بهل ولا يكون بالهمزة، ومراده بالجحد القسم الثانى من قسمى الإنكار المتقدمين، ومراده بالإنكار القسم الأول فتعين فى (هل) التى للجحد الاستثناء مثل: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٤).
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر، ولا يجوز: أزيد إلا قائم.
стр. 461
ومنها: الأمر، والأظهر: أنّ صيغته من المقترنة باللام؛ نحو: ليحضر زيد وغيرها؛ نحو: أكرم عمرا، ورويد (١) بكرا، موضوعة لطلب الفعل استعلاء؛ لتبادر الفهم عند سماعها إلى ذلك المعنى.
ــ
الأمر من أنواع الطلب:
ص: (ومنها الأمر ... إلخ).
(ش): من أنواع الطلب الأمر، وهو يعنى أمر حقيقة فى القول الطالب للفعل إيجابا، وكذا ندبا على المشهور، وصيغته نحو: أكرم زيدا، والمقترن باللام، نحو:
ليحضر زيد واسم الفعل نحو: نزال ودراك.
قال: (والأظهر أن هذه الصيغ موضوعة لطلب الفعل استعلاء). وينبغى أن يقول:
طلبا جازما؛ فإنه يدخل فى عبارته المندوب، والصحيح أن صيغة أفعل موضوعة للإيجاب، وإن كان الأمر الأعم منه ومن المندوب. والمصنف لم يفرق بين الأمر وبين صيغة أفعل. والتحقيق ما قلناه، وقوله: الأظهر يحتمل أن يريد به كونها لطلب الفعل ليكون دفعا لمن ادعى أنها حقيقة فى الإباحة مثلا، ويحتمل أن يكون دفعا لقول من قال: إنها للطلب، ولكن اشترط العلو كالمعتزلة أو لم يشترط الاستعلاء ولا العلو، كالإمام فخر الدين وأتباعه مستدلين
بقوله تعالى: فَماذا تَأْمُرُونَ (٢) ولا حجة فيه إما لكونه مشتقا من الأمر، بمعنى المشورة والفعل، وإما لأن فرعون إذ ذاك كان مستعليا لهم، وكلامه فى الإيضاح يدل على إرادة كونها لطلب الفعل؛ لأنه لا يستدل على ذلك بإطباق أئمة اللغة على إضافة هذه الألفاظ للأمر بقولهم: صيغة الأمر، واستدل المصنف عليه بتبادر الذهن عن سماع هذه الألفاظ على ذلك، وهذا بناء منه على أن التبادر علامة الحقيقة، كما هو المشهور، وإن كان قد منع ذلك المصنف بما يطول ذكره، وقد تكلمنا عليه فى شرح مختصر ابن الحاجب، بقى على المصنف إشكال وهو أن قوله: الأظهر أن صيغته موضوعة لطلب الفعل، وقوله: لتبادر الذهن إليه عند سماع هذه الصيغة يقتضى أن مجرد سماعها يفضى بتبادر الذهن إلى أنها أمر، وذلك ينفى اشتراط الاستعلاء، وإن كان يتبادر إليها بقرينة الاستعلاء فالتبادر بشرط القرينة شأن المجاز لا الحقيقة، ثم لو أراد هذا لكان الاستدلال على الاستعلاء لا على
стр. 462
وقد تستعمل لغيره؛ كالإباحة؛ نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين،
ــ
كونها للطلب، وهو خلاف ما سبق، ويرد على المصنف النهى فإنه طلب لفعل؛ لأن مطلوبه كف النفس، وخرج بقوله الاستعلاء: الدعاء والالتماس، واعترض على المصنف بأن اسم الفعل لا يسمى أمرا فى اصطلاح النحاة، وأجيب بأنه يسمى أمرا، فى اصطلاح أهل المعانى، وقد عده صاحب المفصل أمرا وقول المصنف: لطلب الفعل استعلاء لا يقتضى أنه للوجوب أو له وللندب كما توهمه بعضهم، وربما استفيد الأمر من غير هذه الصيغ، مثل: أوجبت، وما أشبهه. وقول المصنف: استعلاء، لا يصح أن يكون مفعولا من أجله، لكن أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض، تقديره: على الاستعلاء، أى:
على جهة الاستعلاء، والنصب يكون بإسقاط تعلى كما مر فى قوله تعالى:
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (١) على قول، ثم إذا ثبت أنها حقيقة فى طلب استعلائى، فقد تستعمل لغيره، وذلك على أقسام:
الأول: الإباحة، نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، أى: ابحث لك مجالسة أيهما شئت. قلت: إن كانت أو فى هذا المثال على بابها، فالمعنى: جالس أحدهما، فإن أرادوا أن ذلك لا يجب فهو ممنوع، وما الذى صرفه عن وجوب مجالسة أحد لا بعينه وهو صريح اللفظ، وكون الأصل الجواز أو الحظر لا يقتضى ذلك، وإن أرادوا مع ذلك أنها للإباحة بمعنى أن مجالسة أيهما شاء مباحة، فذلك لا يدفع الجواز، ثم تصير" أو" حينئذ للتخيير، مثل: خذ من مالى درهما أو دينارا، وإن كان المراد أنها بمعنى الواو فما الذى صرفه عن وجوب مجالستها؛ كقولك: جالس الحسن
وابن سيرين، والنحاة يقولون: إن" أو" فى هذا للإباحة، وكلامهم مشكل؛ لأنهم بين قائل: إنها بمعنى الواو، وإنها للإباحة، ولا أدرى ما الذى اقتضى أنها للإباحة إذا كانت بمعنى الواو وهذا رأى ابن مالك، وشيخنا أبو حيان يقول: هى ليست بمعنى الواو، والفرق بينهما أنه لو قال: جالس الحسن أو ابن سيرين، كان له أن يجالس أيهما كان وحده، وأن يجالسهما معا، وإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين كان له أن يجالسهما معا، وليس له أن يجالس أحدهما وحده.
قلت: ولا أدرى ما الذى أباح له مجالستهما معا إذا كانت" أو" على معناها
стр. 463
والتهديد؛ نحو: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (١)، والتعجيز؛ نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢)،
ــ
الحقيقى؟ ولا أدرى ما الذى منع أن يجالس كلا وحده إذا أتى بالواو، وهى لا تدل على المعية؟ نعم لو كانت مجالسة الحسن وابن سيرين حراما فقال: جالس الحسن أو ابن سيرين، قلنا: إنها للإباحة بمعنى أنه أباح مجالسة أحدهما؛ لأنه أمر بها، والأمر بعد الحظر للإباحة على الصحيح، والعلاقة بين الإباحة والطلب أن كلا منهما مأذون فيه، ولا يقال: الجزئية؛ لأن المباح جنس للواجب على قول فإن كلامنا فى المباح المستوى الطرفين، وليس جنسا للواجب فتأمل ذلك فقد غلط فيه الأكابر، ثم قولهم: الشئ إن كان أصله على التحريم، ثم أمر به فأو للتخيير، مثل: خذ من مالى درهما أو دينارا، وإن لم يكن فهو للإباحة، مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين كلام عجيب؛ فإن الإباحة فى جالس الحسن أو ابن سيرين ليست من اللفظ، وكذلك التحريم فى خذ درهما أو دينارا، بل من خارج فحينئذ كل من هذين المثالين كالآخر يقتضى إباحة أحدهما، والتخيير، وأما إباحة الأخذ من أحدهما، وامتناع ذلك فى المثال الآخر فليس من اللفظ، ثم إن الأصوليين قاطبة فسروا الإباحة بالتخيير، وإن كان التحقيق خلافه فإن الإباحة إذن فى الفعل، وإذن فى الترك ينظم إذنين معا، والتخيير إذن فى أحدهما لا بعينه.
الثانى: التهديد مثل: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وفيه خروج عن الإنشاء، فإن التهديد خبر دل على إرادته القرينة والعلاقة فيه المضادة؛ ولذلك لا يمكن إرادة الإيجاب، والتهديد بصيغة واحدة، وإن جوزنا استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه أو فى معنييه الحقيقيين، وهذا أحسن ما يمثل به لقولنا: شرط استعمال المشترك أو الحقيقة والمجاز فى معنييهما عدم التضاد، أى: عدم تضاد الاستعمالين، لا عدم تضاد المعنيين.
الثالث: التعجيز كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إذ ليس المراد طلب ذلك منهم، قال بعضهم: لأنه محال، قلت:
التكليف بالحال جائز على الصحيح، لكن القرائن تفيد القطع بعدم إرادة هذا؛ فإنه غير مناسب لما هو المقصود قطعا من التعجيز، والعلاقة فيه أيضا المضادة، وهو أيضا خبر بعجزهم دلت على إرادته القرينة.
стр. 464
والتسخير؛ نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١)، والإهانة؛ نحو: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٢)، والتسوية؛ نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (٣)، والتمنّى؛ نحو [من الطويل]:
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى
ــ
الرابع: التسخير نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ والتسخير فى اللغة: التذليل والإهانة، والمراد أنه عبر بهذا عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالا لهم، فإما أن يكون المراد أنه لم يصدر قول، ولكن حالهم حال من قيل لهم ذلك، أو يكون المراد أنهم قيل لهم ذلك قولا لم يقصد به طلب، بل قصد به الإخبار عن هوانهم، وعلى التقديرين يكون خبرا، والعلاقة فيه تحتم مقتضاه لتحتم مقتضى الخبر عن الماضى، وتوهم القرافى أن المراد بالتسخير الاستهزاء، فيقال: ينبغى أن يقال: السخرية، وليس كما قال.
الخامس: الإهانة مثل: قُلْ كُونُوا حِجارَةً الآية والفرق بين هذا والذى قبله أن المقصود من: كونوا حجارة، الإهانة والذى قبله قصد فيه صيرورة الشئ إلى الحالة التى صدرت بها صيغة الأمر، فهذا أعم مما قبله، ومثله المصنف فى الإيضاح والأصوليون بقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤) وفيه نظر؛ لجواز أن تكون حقيقة الأمر، والإهانة مفهومة من أمرهم بذلك مع كونه فاعلوه فى من قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ بالاستعارة التهكمية.
السادس: التسوية مثل فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا أى: صبركم وعدمه فى عدم النفع سواء، وعلاقته مضادة التسوية بين الشيئين للوجوب، وهو أيضا خروج من الإنشاء إلى الخبر.
السابع: التمنى كقول امرئ القيس:
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل (٥)
стр. 465
والدعاء؛ نحو: ربّ اغفر لى، والالتماس؛ كقولك لمن يساويك رتبة: افعل بدون الاستعلاء.
ــ
فإن الليل لا يقبل أن يطلب منه الانجلاء، وإنما هذه الصيغة كناية عن تمنى أمنية فيكون باقيا على إنشائيته وجعلوه تمنيا لا ترجيا؛ لأن التمنى لما بعد ومن شأن المحب أن يستبعد انجلاء الليل، والياء ثابتة فى قوله: انجلى؛ لإشباع الكسرة لقصد التصريع، لا أنها من أصل الكلمة كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
الثامن: الدعاء، وهو الطلب من الأعلى على سبيل التضرع، مثل: اللهم اغفر لى.
التاسع: الالتماس، وهو الطلب من المساوى كقولك بلا استعلاء لمن يساويك رتبة:
اسقنى ماء، قلت: والدعاء والالتماس استعمال افعل لهما حقيقة، فلا ينبغى أن يعدا مما خرجت فيه صيغة الأمر عن حقيقته، هذا ما ذكره المصنف، وزاد غيره شيئا آخر، ويمكن أن تزاد تلك الزيادة فنقول حينئذ.
العاشر: الندب، وهذا لم يحتج لعده المصنف؛ لأنه اقتضى كلامه أن صيغة افعل حقيقة فى الندب أيضا، فهو داخل فى حقيقة افعل، وهو إنما يذكر هنا ما خرج عنها غير أن الصحيح أن صيغة افعل للندب مجازا، وعدوا منه قوله: فَكاتِبُوهُمْ والشافعى نص على أن الأمر فيه للإباحة، وأنه من الأمر بعد الحظر، ونقل صاحب التقريب قولا أنها واجبة إذا طلبها العبد، وجعلوا منه التأديب مثل: كل مما يليك، فإن الأدب مندوب إليه، لكنه متعلق بمحاسن الأخلاق، فهو أخص من المندوب، وقد نص الشافعى فى الأم والبويطى والرسالة على أن الأكل من غير ما يليه إذا لم يكن نحو: التمر حرام.
الحادى عشر: الإرشاد، كقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (١) قال الغزالى والإمام: الإرشاد: الندب لمصالح الدنيا والآخرة، فيحتمل أن يكون قسرا من المندوب تحصل به مصلحتان دنيوية وأخروية، فيكون حكما شرعيا، ويحتمل أن يكون من نوع الإشارة والإخبار أن ذلك مصلحة فى الدنيا، فيكون قسما آخر ليس من الحكم الشرعى.
стр. 466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى عشر: الإنذار، نحو قُلْ تَمَتَّعُوا (١) فمنهم من عده من التهديد، ومنهم من جعله قسما آخر، وأهل اللغة قالوا: التهديد: التخويف، والإنذار: الإبلاغ، فهما متقابلان.
الثالث عشر: الامتنان، نحو: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (٢) والظاهر أنه قسم من الإباحة، لكن معه امتنان.
الرابع عشر: الإكرام، مثل قوله تعالى ادْخُلُوها بِسَلامٍ (٣) وهو أيضا من الإباحة.
الخامس عشر: الاحتقار، نحو أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤) وفيه نظر أيضا، ولولا أن الإلقاء سحر لكنت أقول: إنه أمر إباحة.
السادس عشر: التكوين، كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (٥) وهو قريب من التسخير، إلا أن هذا أعم.
السابع عشر: الخبر، نحو" إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٦)؛ إذ الواقع أن من لم يستح يفعل ما يشاء، وقيل: المعنى إذا وجدت الشئ مما لا يستحيا منه فافعله، فيكون إباحة، وقد تقدم أن غالب هذه الاستعمالات بنقل صيغة افعل إلى الخبر.
الثامن عشر: بمعنى الإنعام، مثل: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (٧) ذكره الإمام فى البرهان قال: وإن كان فيه معنى الإباحة، فالظاهر منه تذكر النعمة.
التاسع عشر: التفويض، كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ (٨) زاده الإمام أيضا.
العشرون: التعجب، ذكره الهندى، ومثل له بقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً (٩) وقد تقدم التمثيل له بغيره، وذكره أيضا العبادى فى ترجمة الفارسى من أصحابنا
стр. 467
ثم الأمر: قال السكاكى: حقّه الفور؛ لأنه الظاهر من الطلب، ولتبادر الفهم عند الأمر بشئ بعد الأمر؛ بخلافه إلى تغيير الأمر الأول، دون الجمع، وإرادة التراخى خ خ؛ وفيه نظر.
ــ
ومثله بقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ (١) والظاهر أنه أمر إيجاب معه تعجب.
الحادى والعشرون: الأمر بمعنى التكذيب، ذكره العبادى عن الفارسى أيضا كقوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها (٢) وقوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا (٣).
الثانى والعشرون: بمعنى المشورة، مثل: فَانْظُرْ ماذا تَرى (٤) ذكره عن الفارسى أيضا.
الثالث والعشرون: الأمر بمعنى الاعتبار، ذكره العبادى أيضا فى ترجمة غير الفارسى، ومثله بقوله تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ (٥).
الرابع والعشرون: التحريم، فإن جماعة ذهبوا إلى أن الأمر مشترك بين معان، أحدهما: التحريم، كما نقله الأصوليون، فإذا كنا نذكر الاستعمالات لغير الأمر مجازا فذكر هذا أولى؛ لأنه استعمال حقيقى عند القائل به ولا بدع فى استعماله عند غيره فى التحريم مجازا بعلاقة المضادة، ويمكن أن يمثل له بقوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٦) لكنه يبعده فإن مصيركم إلى النار، فإنه لا يناسب التحريم، وكذلك: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٧).
الخامس والعشرون: التعجب، نحو: أحسن بزيد، وقد ذكره السكاكى فى استعمال الإنشاء بمعنى الخبر، وغالب هذه المعانى فيها نظر.
اختلاف صيغة الأمر عند تجردها عن القرائن:
ص: (ثم الأمر: قال السكاكى: حقه الفور ... إلخ).
(ش): اختلف الناس فى صيغة الأمر عند تجردها عن القرائن، هل تقتضى الامتثال على الفور أم على التراخى أم لا تدل على أحدهما بل على الأعم؟ فالجمهور على الأخير،
стр. 468
ومنها: النهى (١)، وله حرف واحد، وهو (لا) الجازمة فى نحو قولك: لا تفعل خ خ، وهو كالأمر فى الاستعلاء. وقد يستعمل فى غير طلب الكفّ (٢) أو الترك (٣)؛ كالتهديد؛ كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمرى! خ خ.
ــ
ونسب إلى الشافعى - رضى الله عنه - وأكثر أصحابه؛ وقيل: على الفور عن الحنفية، وهم ينكرونه وهو اختيار أبى حامد المروزى والصيرفى من أصحابنا، والمتولى كما ذكره فى كتاب الزكاة؛ وقيل: على التراخى، وهذا القول نقل عن كثيرين، واستدل عليه بما يقتضى أن مرادهم أنه لا يوجب الفور، فهو قول الجمهور، وإطلاق التراخى على ذلك لا بدع فيه، ألا ترى إلى قول الناس أجمعين: الحج على الفور أو التراخى قولان، يعنون بالتراخى جواز التأخير، ولم يقل أحد: إنه يجب تأخيره وأما القول بأن الأمر على التراخى بمعنى أنه يجب تأخيره، فقال إمام الحرمين فى البرهان وفى الملخص: إنه ليس معتقد أحد. قلت:
ورأيت فى العدة فى الأصول لابن الصباغ أن طائفة من الواقفية قالوا: لا يجوز على الفور، وهذا يخدش فى قول الإمام: إنه ليس معتقد أحد، لكن قال عنهم: إنهم خرقوا الإجماع، وقيل: بالوقف، بمعنى لا أدرى، وقيل: بالوقف بمعنى أنه مشترك، ومحل الحجاج على هذه المسألة أصول الفقه، واستدل السكاكى بأنه الظاهر من الطلب، وقد ينازع فى ذلك.
والمثال الذى ذكره من اسقنى الماء، لا يدل؛ لأن معه قرينة، وهو أن طلب الماء إنما يكون لعطش يوجب الفور، واستدل أيضا بأن من قال لعبده: افعل كذا، ثم قال له: افعل كذا يفهم منه أنه رجع عن الأول، ولو لم يكن للفور لما أفاد ذلك وعبارة المصنف دون الجمع وإرادة التراخى والصواب أن يقول: أو إرادة التراخى وإطلاق المصنف ليس بجيد؛ فإن السكاكى قيده بالأمرين المتضادين، مثل: قم، ثم تقول: اضطجع، فإنه لا يمكن إرادة الجمع لاستحالته، ولا التراخى. قال المصنف: (وفيه نظر) يحتمل أن يريد النظر فى أصل الدعوى، فإن الحق أنه ليس على الفور، ويحتمل أن يعود إلى هذين الدليلين فإنهما ممنوعان، ولم يتعرض المصنف لكون الأمر للتكرار أو المرة، ولا لغيره من مسائل الأمر؛ لأنه أحاله على كتب الأصول.
النهى من أقسام الإنشاء:
ص: (ومنها النهى ... إلخ).
стр. 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ش): من أقسام الإنشاء: النهى، وهو طلب كف عن فعل على جهة الاستعلاء، وفيه من الخلاف فى اشتراط العلو أو الاستعلاء ما فى الأمر، ومذهب أبى هاشم وكثير أن المطلوب به نفى الفعل، وأما حكاية الخطيبى الخلاف أن مطلوبه الكف أو الترك فغلط؛ لأن الكف هو الترك والترك فعل وهو غير نفى الفعل، وقد صرح الأصوليون بما قلنا، نعم فى كلام بعض شراح المختصر أن الترك ليس بفعل، وليس كذلك، والقول به ضعيف، نسبه الشيخ أبو الحسن الأشعرى لبعضهم، ورد عليه. (وصيغته) أى: صيغة النهى (لا تفعل) بلا الجازمة احتراز عن لا غير الجازمة، وحقيقته المذكورة أعم من التحريم والكراهة، ولكن صيغة" لا تفعل" حقيقة فى التحريم، وكلام المصنف يقتضى أنها حقيقة فى الطلب الأعم من التحريم والكراهة، كما فعل فى الأمر وليس كذلك، وقد تخرج صيغة" لا تفعل" عن حقيقتها فتستعمل مجازا فى أحد أمور، منها: الكراهة وهو كثير، ومنها: التهديد، كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمرى، ومنها: الإباحة، وذلك فى النهى بعد الإيجاب، فإنه إباحة الترك، ومنها: بيان العاقبة كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا (١) أى: عاقبة الظلم العذاب لا الغفلة، كذا قيل، وعلل بأن النبى لا يخاطب بمثل ذلك. قلت: النبى ﷺ منهى عن كل ما نهى عنه غيره، إلا ما خص، وأما خطابه بذلك مع القطع بأنه لا يصدر منه فلعله ليعلم أن غيره منهى عنه من باب أولى، ومثله الإمام بقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا (٢)، ومنها: الدعاء نحو:
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا (٣)، ومنها: الالتماس، كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا، والظاهر أن صيغة" لا تفعل" فيهما حقيقة. ومنها: اليأس كقوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (٤) ولا يخفى ما فى هذا، ومنها: الإرشاد كقوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (٥) قاله فى البرهان، وفيه نظر، بل هو للتحريم، وينبغى أن يمثل له بقوله عز
وجل: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ (٦)، ويمكن أن يكون منها التسوية مثل: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (٧)،
стр. 470
وهذه الأربعة (١) يجوز تقدير الشرط بعدها؛ كقولك: ليت لى مالا أنفقه (٢) وأين بيتك أزرك؟ وأكرمنى أكرمك ولا تشتمنى يكن خيرا لك.
ــ
ومنها: الإهانة مثل: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (٣)، ومنها: التمنى نحو قولك: لا ترحل أيها الشباب، ومنها: الامتنان نحو: وَلا تَأْكُلُوا (٤). ومنها: الاحتقار والتقليل كقوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ (٥) فهو احتقار للدنيا، قاله الإمام فى البرهان، وفيه نظر، بل هو للتحريم. ومنها: نحو: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (٦) وفيه نظر؛ لأنه نهى تحريم. وغالب ما تقدم من المعانى التى استعملت فيها صيغة افعل ممكن وروده هاهنا.
هذه الأربعة تقدير الشرط بعدها:
ص: (وهذه الأربعة يجوز تقدير الشرط بعدها ... إلخ).
(ش): أى: هذه الأنواع الأربعة من الإنشاء، وهى: التمنى، والاستفهام، والأمر، والنهى يجوز أن يجزم بعدها المضارع، وإنما قال: يجوز؛ لأنه لا يجب، بل يجوز رفعه على الاستئناف. وفى جازمه أقوال:
الأول: أن كلا منهما ضمن معنى حرف الشرط وفعله، فمعنى أسلم تسلم، إن تسلم وضمن أسلم معنى أن تسلم، ونسب هذا للخليل وسيبويه، واختاره ابن مالك.
الثانى: أن جملة الشرط حذفت، ونابت هذه الأشياء عنها فى العمل، وهذا مذهب الفارسى والسيرافى، وصححه ابن عصفور.
الثالث: أن الجزم بلام مقدرة.
الرابع: أنها مجزومة بشرط مقدر قبلها، واختاره شيخنا أبو حيان، أى: قبل المجزوم؛ وبعد هذه الأمور. وهذا هو الذى قاله المصنف، فقوله: يجوز تقدير الشرط بعدها، أى: بعد التمنى والاستفهام والأمر والنهى، وإنما حصل الجزم بعد الأربعة، لأن الشرط سبب للجزاء، أعنى: سببا فى الأعيان، وإن كان مسببا فى الأذهان فتناسبا، وبما ذكرناه يعلم الجواب من كونه لم يقع الجزم بعد النداء، وإن كان أيضا طلبا؛ لأنا نراعى فى الطلب الذى يجزم جوابه أن يكون قصد منه فائدة
стр. 471
وأما العرض (١) - كقولك: ألا تنزل تصب خيرا - فمولّد من الاستفهام.
ــ
سبب يترتب عليها، والنداء ليس فيه طلب غير إقبال المخاطب، وقد أورد على تقدير الشرط قوله : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا (٢)، فإنه لو كان التقدير إن تقل لهم يغفروا، للزم من القول الغفران، وأجيب عنه بأن القول لهم سبب، وقد يتخلف الغفران لمانع، وقيل: يغفروا محكى بالقول، وأصله اغفروا، ولكنه جاء على المعنى، كقوله: قال زيد قام، ويكون لفظه قمت، ومنه حلف زيد ليخرجن، وإنما قال: لأخرجن، ونظير الآية قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ (٣) وأما قوله تعالى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي (٤) على قراءة الرفع، فقال الزمخشرى: إنه على الصفة، وقال السكاكى: إنه على الاستئناف، كأنه قيل له: ما تصنع به؟ قال: يرثنى. فلم يكن داخلا فى المطلوب بالدعاء، ولا يكون صفة لما يلزم عليه من عدمه استجابة الدعاء، فإن يحيى مات فى حياة زكريا - عليهما الصلاة السّلام - قلت: يرد عليه شيئان:
أحدهما: أن هذا المحذور الذى فر منه لازم له على قراءة الجزم، فمهما كان عذر عنهما كان عذرا عن كونه صفة، وعن استجابة الدعاء.
الثانى: أن هذا الذى ذكره من عدم استجابة الدعاء لا يترتب عليه محذور، بخلاف الاستئناف فإنه يلزم عليه أن يكون أخبر بأنه يرثه فيلزم الخلف وهو ممتنع فى هذا المحل، وأجيب عن هذا بأنه لا يلزم الخلف، بل يلزم عدم ترتب الغرض، فإن التقدير: أطلبه ليرثنى، وفيه نظر، وإنما الصواب أن المراد إرث العلم والنبوة، كما ذكره المفسرون والسلف. وقد وقع ذلك واستجيبت دعوته وحصل له مقصوده بتمامه قبل موت يحيى - عليهما الصلاة والسّلام -.
العرض مولد عن الاستفهام:
ص: (وأما العرض إلى آخره).
(ش): العرض كقولك: ألا تنزل تصب خيرا، تقدم أنه مولد عن الاستفهام؛ فلذلك يجزم الفعل فى جوابه، كما يجزم الاستفهام. وإنما لم يقل: إنه استفهام؛ لأنه لا
стр. 472
ويجوز فى غيرها لقرينة؛ نحو: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (١) أى: إن أرادوا أولياء بحق.
ــ
يريد نقل ما فى الخارج لما فى الذهن؛ فإنه عارف. قلت: وقد تقدم أنه يمكن رجوعه إلى الاستفهام، وكأن المصنف يريد أنه لما كان صيغة استفهام، ألحق بالاستفهام وكلام غيره يقتضى أنه نوع خامس من الطلب يجزم الجواب بعده، كما يجزم بعد الأربعة.
القرينة تجوز فى غير الأمور الأربعة:
ص: (ويجوز فى غيرها لقرينة).
(ش): أى: يجوز فى غير هذه الأمور تقدير الشرط نحو: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ التقدير: إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولى لا غيره، والفاء هى القرينة فى ذلك، وحذف الجملة الشرطية أطلق الجمهور جوازه، فأما حذفها وبقاء إن فالأكثرون على الجواز، وذهب بعضهم إلى أنه يحذف الفعل إلا مع بقاء" لا" التى قبله منفيا بها، وهو الذى ذكره الشيخ أبو حيان فى تفسير قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ (٢). وإن كان اختار فى شرح التسهيل الجواز مطلقا. ويجب أن يستثنى
من عبارة من تكلم على حذف فعل الشرط إن سيفا فسيف: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (٣)، فالكلام حينئذ إنما هو فى حذف جملة الشرط بأسرها، وأما حذفها مع إن فالزمخشرى كثير الاستعمال له، ورد عليه الشيخ أبو حيان حيث قدر إن فعلتم فتاب عليكم بأن حذف حرف الشرط وفعله لا يجوز إلا بعد الأمر ونحوه مما يجزم فى جوابه، غير أن الشيخ نقل عند قوله تعالى:
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ (٤) عن الفارسى جواز ذلك، وتقديره كما قيل: فَيُقْسِمانِ وفيه تكلف ولم يمنعه، وكذلك نقله عن الزمخشرى فى تقديره فى قوله تعالى: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ولم ينكره، قال السكاكى وغيره: يحذف الجزاء كقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٥) الآية، وذكر غيره أنه يحذف الشرط والجزاء معا قال الشاعر:
стр. 473
ومنها: النداء، وقد تستعمل صيغته؛ كالإغراء فى قولك لمن أقبل يتظلّم: يا مظلوم، والاختصاص فى قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل، أى: متخصّصا من بين الرجال
ــ
قالت بنات العمّ يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن (١)
ونص ابن مالك وابن عصفور على أن ذلك ضرورة، وغيرهما أطلق الجواز، هذا إذا حذفا مع بقاء" إن" فإن حذفت" إن" أيضا فالظاهر جوازه إذا دل عليه دليل.
النداء من أنواع الإنشاء:
ص: (ومنها النداء ... إلخ).
(ش): أى الخامس من أنواع الإنشاء: النداء، وحقيقته طلب إقبال المدعو على الداعى بأحد حروف مخصوصة، وأحكامه معلومة فى النحو، وقد يستعمل فى غير معناه مجازا، فمن ذلك: الإغراء، وهو فى الاصطلاح إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد عليه، والمراد به هنا الابتلاء، وقد تستعمل فيه صيغة النداء كما نقول لمن يتظلم
ويتشكى من الظلم: يا مظلوم، فإنه ليس نداء حقيقة؛ لأن الغرض أن المخاطب أقبل يتظلم، ولكنه ترغيب له فى شكوى الظلم، ومن ذلك: الاختصاص، كقوله: أنا أفعل أيها الرجل، وغفر الله لنا أيتها العصابة، أى: مخصصا به دون الرجال، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب، والاختصاص حقيقة اسم ظاهر بعد ضمير متكلم أو مخاطب مسند إليه حكم على معنى التخصيص والتأكيد، وأى هذه مبنية على الضم كحالها فى النداء وليست منادى. وزعم السيرافى أنها فى الاختصاص معربة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ تقديره: هو أيها الرجل، أى المخصوص به، وأن تكون مبتدأ تقديره: أيها الرجل المخصوص أنا المذكو. وذهب الأخفش إلى أنه منادى، قال: ولا يمتنع أن ينادى الإنسان نفسه، كقول عمر - رضى الله عنه - " كل إنسان أفقه منك يا عمر" (٢). وإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن الاختصاص على قول الجمهور ليس طلبا
стр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى رأى الأخفش طلب؛ لأنه نداء، ولا يكون ذلك فى ضمير الغائب، فلا يجوز:
اللهم اغفر لهم أيتها العصابة. قال سيبويه: أراد أن يؤكد؛ لأنه قد اختص حين قال:
أنا ولكنه أكد ولم يعرف المختص إلا بلفظ أيها وأيتها، وإنما وقع علما أو مضافا أو معرفا بالألف واللام، وقد خالف النداء فى أنه لا يبدأ به، ولا يستعمل بسائر أحرف النداء، واستعمل معرفا بالألف واللام، وهو أقسام؛ قسم منقول من النداء وهو ما سبق، وقسم تتبع فيه النقل، مثل: نحن العرب أقرى الناس للضيف، وقسم يجوز فيه الأمران، وهو خمسة: أهل، كقوله ﷺ :" سلمان منا أهل البيت" (١) وآل، نحو: نحن آل فلان كرام، ومعشر:" نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٢)، وبنى:
إنا بنى نهشل لا ندعى لأب
والعلم، نحو: بك الله نرجو الفضل، بنا تميما يكشف الضباب.
(تنبيه): اقتصر المصنف من الإنشاء الطلبى على ما ذكره، وبقى عليه الترجى، نحو:
لعل الله يأتينا بخير، ونقل القرافى الإجماع على أنه إنشاء وإذا كان الترجى إنشاء فهو
стр. 475
ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء: إمّا للتفاؤل، أو لإظهار الحرص فى وقوعه، كما مر، والدعاء بصيغة الماضى من البليغ - كقوله: رحمه الله تعالى - يحتملهما، أو للاحتراز عن صورة الأمر، أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون ممّن لا يحبّ أن يكذّب الطالب (١).
ــ
طلب كالتمنى، وما قيل من أنه قد يكون" لعل" إشفاقا لتوقع محذور كقوله تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (٢) إن سلم لا يقضى على غيره مما فيه طلب، ولا يقال: استغنى بذكر التمنى عن ذكر الترجى؛ لأنهما بابان مختلفان، ولأنه قال فى التمنى: إنه قد يتمنى:
بلعل، فيعطى حكم ليت. وتقع" لعل" للتقليل عند السكاكى والأخفش، وللاستفهام عند الكوفيين كما سبق، وللشك عند الفراء والطوال. قال التنوخى فى الأقصى القريب: وقد تجئ" لعل" للإشفاق والتقليل والاستفهام مع بقاء معنى الترجى، وأما القسم فهو إنشاء إجماعا، كما نقله القرافى أيضا، قيل: وإنما لم يذكره لكونه ليس طلبا؛ لأنه لتأكيد الخبر مثل: والله لأفعلن، أو الطلب على سبيل الاستعطاف مثل: بحياتك أخبرنى. وفيه نظر؛ لأن تأكيد الطلب طلب، ولا ينحصر ذلك فى الاستعطاف، فإنك تقول: بالله اضرب زيدا.
وأما التحضيض فهو إنشاء فذكره المصنف فى باب التمنى، وجعله قسما منه. وأما العرض فهو إنشاء، وقد جعله مولدا عن الاستفهام، ويرد عليه أنه كان ينبغى أن يجعل العرض قسما من الاستفهام، كما جعل التحضيض قسما
من التمنى، أو يجعلهما قسمين برأسهما؛ لأن حرف الاستفهام فى كل منهما؛ لأن فى كل منهما أداة استفهام اتصل بها" لا" بل أولى لأن" هلا" استعملت فيها" هل" للتمنى، ثم زيد عليها" لا" فاستمر فيها عنده معناها المجازى من التمنى، وأما: ألا تنزل عندنا، فإن الهمزة لم تنتقل عن الاستفهام قبل العرض لغيره.
الخبر يقع موقع الإنشاء:
ص: (ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء ... إلخ).
(ش): يعنى أن الخبر، أى: صيغته وهى ما ليست من صيغ الإنشاء قد تستعمل ويراد بها الإنشاء، وذلك إما للتفاؤل نحو: غفر الله لك، فإنه أبلغ من" رب اغفر له"
стр. 476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن صيغة غفر أصلها للمضى، والماضى لا يتعلق به الطلب، فالتعبير عنه بذلك يحصل به تفاؤل ومسرة، ولقصد التفاؤل سميت الفلاة مفازة، والعطشان ناهلا، واللديغ سليما، إلا أن هذه العلة قاصرة من صور التعبير بالخبر عن الإنشاء على الماضى، وقد يؤتى بصيغة الخبر لإظهار الحرص على وقوع المطلوب، وقد مر هذا فى صيغ الشرط كقولك: أحيا الله السنة، بمعنى الدعاء بإحيائها، والدعاء بصيغة الماضى إذا صدر من البليغ احتمل التفاؤل، واحتمل إظهار الحرص معا؛ لأنه قد يريدهما بخلاف غير البليغ فإنه لا يعلم ذلك، ولا يخلو هذا الكلام عن نظر كما سبق فى نظيره وقد يأتى الإنشاء بصيغة الخبر، كقول العبد للمولى إذا حول وجهه إليه: ينظر المولى إلىّ، فإنه أكثر تأدبا من قوله: انظر إلى، بصيغة الأمر، وإن كان الأمر يشترط فيه الاستعلاء ولا استعلاء هنا إلا أنه لما كان صيغة أمر اجتنب، وعلل السكاكى حسنه بأمر آخر وهو أن فيه كناية؛ لأنه ذكر اللازم وأراد الملزوم؛ لأن وقوع النظر لازم لقوله: ينظر، أى: لازم فى الغالب.
قلت: فيه نظر؛ لأنا إن جعلناه كناية كان خبرا لفظا ومعنى، وكان حقيقة وهو قد جعله إنشاء بصيغة الخبر وأفهم كلامه أنه مجاز فليتأمل، وأما بحمل المخاطب على المطلوب منه، أى: ترغيبه فيه بأن يكون المخاطب يرغب فى تصديق الطالب، فإذا قال له: أنت تحسن إلى غدا، وقصد أن لا يكذبه أحسن إليه، فإن قلت: الفرض أنه إنشاء فتكذيبه لا يحصل أبدا، سواء أحسن إليه أم لم يحسن. قلت: وإن كان إنشاء إلا أن صيغته صيغة الخبر، فربما توهم السامع
أنه خبر فكذبه، والأحسن أن يقول: يجب أن لا يتوهم كذبه من لم يفهم إرادة الإنشاء ومن مجئ الإنشاء بلفظ الخبر قوله تعالى:
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ (١) وقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٢) وقيل: إنه نهى مجزوم، ولكن ضمت السين إتباعا للضمير كقوله ﷺ :" إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (٣). وقال القاضى أبو بكر فى كل ما يقال: إنه خبر بمعنى الإنشاء: إنه باق على خبريته، ولا يلزم الخلف بالنسبة إلى العصاة فإنه خبر عن الحكم الشرعى، وفيما قاله بحث محله أصول الفقه.
وأما استعمال صيغة الإنشاء للخبر فقد تقدم كثير منه فى صيغة أفعل.
стр. 477
تنبيه الإنشاء كالخبر فى كثير مما ذكر فى الأبواب الخمسة السابقة؛ فليعتبره الناظر.
ــ
الإنشاء كالخبر فى الأبواب الخمسة السابقة:
ص: (تنبيه: الإنشاء كالخبر فى كثير مما ذكر فى الأبواب الخمسة السابقة فليعتبره الناظر).
(ش): لما قدم الأبواب الخمسة السابقة على الإنشاء من أحوال الإسناد الخبرى، والمسند والمسند إليه، وأحوال متعلقات الفعل، والقصر أراد أن يبين أن غالب ما سبق اعتباره فى الخبر يمكن أن يعتبر فى الإنشاء من الحقيقة والمجاز، وكونه عقليا وغيره، وكون الخطاب مؤكدا وغير مؤكد إلى غير ذلك مما لا يخفى على الفطن، والله تعالى أعلم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(تم الجزء الثانى ويليه الجزء الثالث وأوله الفصل والوصل)
стр. 478
الفصل والوصل الوصل عطف بعض الجمل على بعض، والفصل تركه.
ــ
الجزء الثالث
الفصل والوصل
ص: (الفصل والوصل).
(ش): هذا الباب من أعظم أبواب هذا العلم؛ لعظم خطره وصعوبة مسلكه ودقة مأخذه، ولقد قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل من الوصل، كذا نقله الخفاجى فى سر الفصاحة والبيانيون. قلت: والذى قال ذلك هو أبو على الفارسى، نقله عن العسكرى فى الصناعتين وقصد بذلك المبالغة وأن من كمل فيه لا بد أن يكون كمل فى غيره، كذا قالوا، وقد يقال: إن علم الفصل والوصل يتوقف على معرفة ما يجب لكل واحد من الجملتين، وذلك يتوقف على جميع الأبواب الماضية من أحوال المسند والمسند إليه وغير ذلك، فإذا توقف إحدى الجملتين على غير هذا الباب توقف العلم بحال الجملتين معا عليه ضرورة أن ما توقف عليه الجزء توقف عليه الكل، حينئذ يصح قصر البلاغة على الفصل والوصل من غير مبالغة لا يقال: حسن الفصل والوصل قد يكون مع كون الجملتين على وجه بليغ ودونه، لأنا نقول: الأمر كذلك، ولكن ما للبليغ والتعب فى اعتبار ما بين جملتين ركيكتين.
ص: (الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه).
(ش): أراد أن يعرف حقيقتى الفصل والوصل بالاصطلاح وكان ينبغى أن يقدم تعريف الفصل؛ لأنه الموافق لقوله فى الترجمة الفصل والوصل، لكنه أعاد الأول للثانى على أضعف أسلوبى اللف والنشر. فالفصل والوصل أمران دائران بين الجمل على اصطلاحهم.
فالوصل عطف بعض الجمل على بعض، والمراد بالجمل جنس الجمل فربما لم يكن فى الكلام غير جملتين والفصل تركه ومدلول هذه العبارة: أن الفصل تركه عطف بعض الجمل على بعض، ولا يخفى أن ذلك يشمل الجملة الاستئنافية إذا عطف عليها بل قد يقال: إنه يشملها وإن لم يعطف عليها؛ لأن من نطق بجملة واحدة يصدق عليه، أنه ترك عطف بعض الجمل على بعض؛ لأنه لم يقل: الجمل المذكورة ولو قال
стр. 479
فإذا أتت جملة بعد جملة، فالأولى: إما يكون لها محل من الإعراب، أو لا:
ــ
ذلك لورد عليه الجملتان، لكنه لا يريد ذلك وإنما يريد ترك العطف حال إمكانه لفظا مع بقاء الكلام على حاله، ولا يتأتى ذلك إلا فى جملة مذكورة بعد أخرى، وكأنه اكتفى بلفظ الفصل فإنه لا يعقل إلا بين أمرين فخرجت المفردة؛ ولأنه قطع شئ من شئ ولا يتأتى ذلك فى الجملة المستأنفة وإن كان بعدها أخرى.
ص: (فإذا أتت جملة بعد أخرى إلخ).
(ش): هذا باب عريض لا بد له من التشمير عن ساق الجد ولنقدم مقدمة لا بد منها.
اعلم أنى نظرت فى كلام المصنف وغيره فى هذا الباب فوجدت أقساما متداخلة بين كثير منها وكثير عموم وخصوص من وجه، وبعضها يدفع بعضا ووجدتهم قرروا فيه قواعد لا تخلو عن إشكال، وذكروا أمورا على غير الصواب من جعل ما ليس له محل من الإعراب ذا محل وعكسه إلى غير ذلك مما ستراه إن شاء الله، فاقتضى لى ذلك أنى اخترعت لهذا الباب قاعدة وتقسيما يسهل به تعاطيه، ولا عليك إذا وقفت عليه أن لا تعجل بالرد واستنكار مخالفة ظاهر عبارات القوم التى أقطع أن أكثرها لم يقصدوه، بل اللائق أن تتمهل فى إنكار ذلك حتى تأتى على آخره، على أن غالب ما أذكره من هذه القواعد ليس فيه مخالفة لكلام صاحب المفتاح، إذا تأملته حق التأمل، وإنما وقع الخلل فى كلام من بعده؛ لأنهم لم يتأملوا كلامه فأقول وبالله التوفيق، وهو حسبى ونعم الوكيل: الوصل يكون بين جملتين مشتركتين مع جامع اصطلاحى بلا مانع، وذلك يحصل بأن يتقدم معطوف عليه على معطوف وهما مشتركان فى الجهة الجامعة - على ما سيأتى - ولا يكون لإحداهما حكم تختص به على الأخرى - على ما سيأتى - سواء كان للأولى إعراب يمكن إعطاؤه للثانية وهو معنى قولهم: لها محل أو لم يكن، والجملة التى لا محل لها وغيرها سيان فى اقتضاء العطف وعدمه، والواو وغيرها سواء فى اقتضاء الوصل وعدمه، فليس المعتبر غير الجهة الجامعة سواء أكانت الجملة الأولى لها محل أم لا، وسواء أكان العطف بالواو أم بغيرها، غير أن الجملة السابقة إن كان لها محل من الإعراب كانت الجهة الجامعة أو بعضها ظاهرا، ربما تدرك بالبديهة وإن لم يكن؛ كانت الجهة تحتاج إلى فكر ولا سيما فى الجامع الخيالى، وسبب ذلك أن الجملتين إذا كان لهما محل فلهما طالب لفظى يستدعيهما استدعاء واحدا
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وينصبّ إليهما انصبابا واحدا، وإذا لم يكن لهما محل فليس بينهما جامع لفظى، والعطف لا بد له من جامع فاحتجنا إلى النظر فى الجامع المعنوى، لا يقال: ليس العامل فى الجملتين هو الجامع؛ بل بعضه - كما سيأتى - من أنه لا بد له من الاتحاد فى المسند والمسند إليه معا - على رأى المصنف - لأنا نقول: إن سلمنا فللجملتين طالب يطلبهما إما لكونه جامعا أو بعض جامع غير أن العطف إذا كان بحرف غير الواو كان الجامع قريب التناول، ولا يكاد يستعمل ذلك إلا مع حصول الجامع الكامل؛ لأن للمعنى الذى يدل عليه غير الواو من تراخ أو غيره معنى يدور بين الجملتين ويشتركان فيه، كاشتراكهما فى المعنى الإعرابى، إذا كان لها محل فى نحو: زيد يكتب ويشعر، فكما أن زيدا يطلب: يكتب ويشعر، ويشتركان فيه، كذلك الترتيب الذى يقتضى تقديم أحد الأمرين عن الآخر فى نحو: أقوم ثم أقعد، علقة تجعل بين الجملتين جامعا إلا أنه أضعف من الأول؛ لأن الجامع فى الأول وهو العامل فى الجملتين لفظى وفى الثانى الترتيب فهو معنوى لا يقال: مطلق الاشتراك الذى تقتضيه الواو أيضا جامع معنوى؛
لأنه علقة بين الشيئين فيلزم أن يكون مقتضيا لقرب الجامع ووضوحه، لأنا نقول:
التراخى مثلا لا بد له من دليل فاحتجنا فيه لحرف يدل عليه وكفى بذلك سببا للعطف بخلاف الاشتراك فى نحو: قمت وقعدت فإن الاشتراك مستفاد من ذكر الجملتين دون عاطف لا يقال: فيلزم العطف بغير الواو حينئذ ليستفاد هذا المعنى؛ لأنا نقول: العطف من شرطه الجامع - على ما سيأتى - فحيث لم يوجد شرطه تعذر فلا يمكن سلوكه فليعدل إلى استفادة التراخى ونحوه من التصريح بالظرف وغيره من الطرق الإطنابية، فإن اجتمع العطف بغير الواو وكون الجملة الأولى ذات محل من الإعراب تضاعف قرب الاطلاع على الجامع كقولك: زيد يغضب ثم يرضى.
إذا سلمت ذلك فاعلم أنى ذاكر تقسيما لهذا الباب وبعض أمثلة ينشرح لها الصدر لبعض ما سبق مع ما يأتى به - إن شاء الله تعالى - فأقول:
الجملتان المذكورتان سواء كان لهما محل من الإعراب أم لا وسواء قصدت عطف الثانية على الأولى بالواو أم غيرها، وسواء كان بينهما جامع أم لا، وسواء كان بينهما اتصال أم انقطاع إما أن يحصل إيهام غير المراد بفصل إحداهما عن الأخرى دون وصلها، أو يحصل إيهام غير المراد بوصلها دون فصلها أو يحصل بكل منهما أو
стр. 481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يحصل بواحد منهما، فإن حصل إيهام غير المراد بالفصل وجب الوصل مثل:
لا ويرحمك الله، وإن حصل إيهام غير المراد بالوصل فصلت، سواء كان الإيهام؛ لأن لإحدى الجملتين حكما لا تريد أن تعطيه للأخرى على ما سنبينه إن شاء الله تعالى، أو كان لأن عطفها على الأخرى يوهم العطف على غيرها، وإن حصل الإيهام؛ بكل منهما مثل: أن يقول السيد لعبده: أتعصينى إن أمرتك، فيقول: لا وأكرمك الله، فإن العطف يقتضى أن الدعاء معلق بالشرط وهو خلاف المراد، وتركه يوهم أنه دعاء عليه، والذى يظهر فى مثله أنه يختلف باختلاف الأمثلة والمقامات والقرائن والسياق، وعلى البليغ أن ينظر فى ذلك ويدفع أقوى الضررين بأخفهما، وإن لم يحصل إيهام بواحد من الأمرين فإما أن يكون بينهما جامع أو لا، وأعنى بالجامع التناسب المعنوى على ما سأبينه - إن شاء الله تعالى - فإن لم يكن فلا وصل، سواء كان للجملة الأولى محل من الإعراب أم لا، وسواء أردت العطف بالواو أم غيرها وسأذكر أمثلة هذه الأقسام - إن شاء الله وإذا كان بينهما جامع فإن كان بينهما كمال الاتصال أو كمال الانقطاع وجب الفصل وامتنع الوصل سواء كان بالواو أم غيرها بمحل وغيره، وإن لم يكن فإن كان الوسط فإما أن تكون الثانية منزلة منزلة جواب سائل أو لا، فإن كانت وجب الفصل، وهذه حالة شبه كمال الاتصال وإلا وجب الوصل فتلخص أن الوصل يجب بين كل جملتين لا يوهم عطف
إحداهما على الأخرى غير المراد، وبينهما جامع وتوسط بين الكمالين وليست كالجواب وإن أردت الأمثلة فها أنا أذكر شيئا مما يدل على ما فيه غير مراع للتقسيم السابق، بل بتقسيم أقرب لاصطلاحهم مع المحافظة على ما قررناه من القواعد، فأقول: إما أن يكون بين الجملتين تناسب أو لا، فإن لم يكن فإما أن يحصل الاتحاد فى المسندين أو فى أحدهما أو فى طرف أحدهما وأقسام ذلك مائتان وأربعون قسما، ستأتى مفصلة حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى، أو لا يحصل الاتحاد فى شئ من ذلك فصارت الأقسام مائتين وواحدا وأربعين على كل منهما فإما أن يكون العطف بالواو أو بغيرها وإما أن يكون للأولى محل أو لا، هذه أربعة أقسام مضروبة فيما سبق تبلغ تسعمائة وأربعة وستين على كل منها، إما أن يكون بينهما كمال الانقطاع، أو كمال الاتصال أو شبه كمال الانقطاع، أو شبه كمال الاتصال أو توسط هذه خمسة تضرب فيما سبق،
стр. 482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تبلغ أربعة آلاف وثمانمائة وعشرين وعلى كل منها إما أن يحصل بالقطع إيهام غير المراد أو لا، قسمان مضروبان فيما سبق تبلغ تسعة آلاف وستمائة وأربعين كلها يمتنع فيها الوصل إلا ما كان فى تركه إيهام غير المراد، كل ذلك إذا لم يكن بينهما جامع، وإذا كان بينهما جامع جاء مثل هذه الأقسام ثم نقول: على كل من أقسام الجامع إما أن يكون الجامع عقليا وهو الاتحاد أو التماثل أو التضايف، أو وهميا وهو شبه التماثل أو التضاد أو شبهه، أو خياليا فهذه سبعة، نص المصنف عليها، تضرب فى أقسام الجامع السابقة وهى: تسعة آلاف وستمائة وأربعون، تبلغ سبعة وستين ألفا وأربعمائة وثمانين، وتضاف إليها أقسام عدم الجامع السابقة وهى: تسعة آلاف وستمائة وأربعون، تبلغ سبعة وسبعين ألفا ومائة وعشرين - وعلى كل - إما أن يكون ما وقع الاتحاد فيه فى الطرفين ضميرين أو ظاهرين أو الأول ضمير والثانى ظاهر أو عكسه، أربعة أقسام تضرب فيما سبق، تبلغ ثلثمائة ألف وثمانية آلاف وأربعمائة وثمانين - على كل منها - إما أن تكون الجملتان متناسبتين بالاسمية أو الفعلية أو غير متناسبتين - على ما سنذكره - فهذان قسمان يضربان فيما سبق، تبلغ ستمائة ألف وستة عشر ألفا وتسعمائة وستين قسما، ويمكن تضعيفها بحسب الأصناف إلى ما لا يعلمه إلا الله، كأصناف التضايف والخيالى وغيره، غير أنى اقتصرت على ما صرح المصنف بذكره أو كان يترتب على ذكره اختلاف معنوى وتفاوت فى موارده، وإنما أمثل الطرف الأبعد والطرف الأقرب، فالأبعد أن لا يكون بينهما جامع ولا اتحاد فى مسند ولا مسند إليه ولا إيهام وهو أربعة أقسام:
الأول: أن لا يكون لهما محل من الإعراب.
والثانية: معطوفة بالواو نحو: زيد منطلق وكم الخليفة طويل، الثانى كذلك، والعطف بغيرها كقولك: طال كم
الخليفة ثم طلعت الشمس.
الثالث: كالأول وللأول محل كقولك: بلغنى أن كم الخليفة طويل وأن الشمس طلعت.
الرابع: كذلك وهو: بثم والأقرب أن يكون بينهما اتحاد فى المسند والمسند إليه، ولكن لا تناسب بينهما فى المعنى ولا إيهام غير المراد فإما أن يكون للجملتين محل أو لا ويكون بالواو أو غيرها، هذه أربعة وعلى كل منها إما أن يكون بينهما تمام
стр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انقطاع أو غيره من الأقسام الخمسة، تبلغ عشرين، الأول: أن يكون بينهما كمال الانقطاع، وليس للأول محل والعطف بالواو مثل: قمت أنا وقعدت أنت الثانى كذلك، والعطف بثم، الثالث: كمال الانقطاع، وللأول محل والعطف بالواو زيد يشعر وهل يكتب؟ الرابع: كذلك، والعطف بثم، الخامس: بينهما كمال الاتصال، ولا محل لهما والعطف بالواو مثل: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ (١) فلا يجوز الوصل، السادس: كذلك بثم، لو قلت: أمدك زيد بما تعلم ثم أمدك بكذا وأردت بالثانى الأول، السابع: كمال الاتصال ولها محل وعطفت بالواو، كما تقول: إن الله أمدك بما تعلم أمدك بأنعام، الثامن: كذلك وهى بثم، التاسع: بينهما شبه كمال الانقطاع، ولا محل والعطف بالواو، كقولك:
وتظنّ سلمى أنّنى أبغى بها ... بدلا أراها فى الضّلال تهيم (٢)
قالوا: ولا يجوز العاشر: كذلك، وهو بثم لو قلت: ثم أراها، الحادى عشر: شبه كمال الانقطاع ولها محل والعطف بالواو، كقولك: إن سلمى تظن أننى أبغى بها بدلا وأراها تهيم، الثانى عشر: كذلك، والعطف بثم، ثم أراها، الثالث عشر: شبه الاتصال والعطف بالواو ولا محل لو قلت: زيد عليل وسهره دائم، على إرادة الاستئناف، الرابع عشر: كذلك، والعطف بالواو وبثم، الخامس عشر: شبه الاتصال، وللجملة محل والعطف بالواو، زيد يحمده الناس وكرمه دائم، السادس عشر: زيد يحمده الناس ثم كرمه دائم، وفى هذه الأمثلة - وما تجد عليها من الركاكة حتى إن قائلها ليصير ضحكة، ويعد فى حيز الحيوان مع القطع بجوازها من جهة اللغة مع الاتحاد فى المسند والمسند إليه مع العطف فى كثير منها بغير الواو - ما يوضح لك على ما ستراه - إن شاء الله تعالى - أن الاتحاد فى المسند والمسند إليه غير كاف ولا شرط، وأن كلا من العطف بالواو وغيره يدخله الانقطاع والاتصال، وأن كلا من كون الجملتين لهما محل وكونهما لا محل لهما يدخله الفصل والوصل، وإنما ذكر المتقدمون من أهل هذا العلم
стр. 484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقسيمها إلى ما له محل وما ليس له محل؛ لأنهم قصدوا به بيان ما كان قريب الجامع وبعيده كما صرح به فى المفتاح، وأن ما ذكره المصنف من خلاف ذلك، ومشى الشارحون عليه ليس بصحيح قال فى المفتاح: وذلك قسمان: قسم يسهل تعاطيه، وقسم يبعد ذلك فيه وسنمرّ - إن شاء الله تعالى - على ما تضمنه هذا التقسيم من القواعد ونتكلم عليه فى كلام المصنف شيئا فشيئا بعد أن أذكر قواعد هى شرح لما سبق وأساس لما سيأتى، الأولى: أصل الجملة، أن لا يكون لها محل من الإعراب، وإنما يكون لها محل إذا صح أن يسد المفرد مسدها هذا هو الضابط وأما التفصيل فالجمل التى لها محل من الإعراب، سبع: الخبرية نحو: زيد أبوه قائم فمحلها رفع، وكان زيد أبوه قائم فمحلها نصب، والحالية مثل: جاء زيد وهو يضحك ولا يكون محلها إلا نصبا، والواقعة مفعولا إما محكيا بالقول نحو: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ (١) أو فى محل المفعول الثانى من باب ظن، نحو: ظننت زيدا يقوم، أو معلقا عنها نحو: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى (٢) والمضاف إليها نحو: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٣) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ (٤) ومحلها الجر، والواقعة جواب شرط بالفاء، نحو: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ (٥) أو بعد إذا الفجائية نحو: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٦) ومحلها الجزم، فأما نحو: إن قام زيد قام عمرو فالفعل مجزوم المحل لا الجملة كلها، والتابعة لمفرد كالجملة الموصوف بها وهى على حسب موصوفها والتابعة لجملة لها محل نحو: زيد قام وقعد، وأما الجمل التى لا محل لها من الإعراب فهى الابتدائية المستأنفة، والواقعة صلة لاسم أو حرف، والمعترضة، والتفسيرية: وهى الكاشفة لحقيقة ما تليه وقيل: هى بحسب ما تفسره، والواقعة جواب قسم نحو: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) والواقعة بعد أدوات التحضيض وهى داخلة فى المستأنفة، والواقعة بعد أدوات التعليق، والواقعة جوابا لها غير ما سبق، والتابعة ما لا موضع له من الإعراب.
стр. 485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): إذا قال: زيد قام وقعد بكر، فهاتان الجملتان لا محل لهما للاستئناف، فإذا حكيتهما فقلت: قال زيد قام زيد وقعد بكر، فهذه الجملة يصدق عليها أن لها محلا فى الحكاية وإن لم يكن لها محل فى الكلام المحكى، والجملتان هنا هما معا فى محل نصب وليست الأولى فى محل نصب والثانية تابعة فإذا وقع الكلام فى عطف الثانية على الأولى كان ذلك من قبيل العطف على ما لا محل له، لأن العاطف عطفها قبل حكايتها، إما تحقيقا كهذا المثال أو تقديرا مثل: سيقول زيد قام عمرو وقعد بكر فلو كان المحكى عنه قال قام عمرو وقعد بكر إما فى وقت أو وقتين فحكيته فقلت: قال زيد قام زيد وقعد بكر، كنت عطفت اعتبارا بالحكاية لا بالمحكى وكان العطف على ما له محل، إذ المعنى: قال هذا وقال هذا.
ولهذا البحث تتمات ذكرناها فى شرح المختصر.
(الثانية): تقدم فى كلامنا أنه تارة يكون لإحدى الجملتين حكم لا يريد إعطاءه للأخرى، يعنى بذلك: أن تكون مشتملة على قيد لفظى كالشرط ونحوه وخرج بقولنا:
قيد أن يكون لها حكم غير قيد كدلالتها على الثبوت بكونها اسمية دون الأخرى، فإن ذلك ليس مما نحن فيه بدليل أنهم سيفردونه بالذكر فى آخر الباب، وكذلك تأكيد إحدى الجملتين بإن واللام، أما القيد اللفظى فإذا قلت: إن جاء زيد أكرمته وهو جدير بذلك احتمل أن تكون الجملة الاسمية معطوفة على الجزاء فيكون معناه: إن جاء زيد فهو جدير بالإكرام، واحتمل أن يكون معطوفا على الجملة الشرطية فتكون غير مقيدة، وإن لم يحصل مرجح لأحد الاحتمالين فينبغى أن يمتنع - كما سيجئ - فإذا قلت:
إن أسلم الناس دخلوا الجنة وهم عبيد الله، تعين أن يكون معطوفا على الجملة الشرطية؛ لأنه لو كان معطوفا على الجواب وله حكم وهو اختصاصه بالشرط؛ لكان الشرط فى المعطوف عليه كذلك، فيلزم أن يكون المعنى إن أسلموا فهم عبيد الله، وليس هو المراد لأنهم عبيد الله أسلموا أم كفروا.
واعلم أن عبارة أهل هذا الفن إذا كان للأولى حكم لا يقصد إعطاؤه للثانية، وإنما عدلت عن عبارتهم إلى قولى، إذا كان لإحدى الجملتين، ومقصودى بهذا أنه لو كان القيد فى الجملة الثانية كان الأمر كذلك، فإنك إذا قلت: أكرم المسلمين وأهن الكافرين إن رأيتهم، كان الشرط عائدا إلى الجملتين معا، عند من قال: إن الاستثناء
стр. 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عائد إلى الكل، وعند أكثر من ذهب إلى أن الاستثناء عائد إلى الأخير حتى نقل بعضهم الإجماع على ذلك، وإذا
كانت اللغة تقضى بعود الشرط إلى الجمل السابقة فلو أردت أن الشرط عائد إلى الأخيرة امتنع العطف، كقولك: الإسلام حق والكفار فى النار إن لم يتوبوا، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول: إن ما قبل الشرط جواب على رأى الكوفيين، أو دليل جواب على رأى البصريين هذا فى الشرط بإن أما الشرط بإذا، وهو الذى نصّ عليه أهل هذا العلم ففيه بحث شريف، سأذكره حيث ذكره المصنف - إن شاء الله تعالى - وأما غير ذلك من القيود فلم يتعرضوا له، والذى يظهر أن يقال: أما الاستثناء فإن كان بعد الجملتين ففيه الخلاف المشهور فى عوده إليهما أو إلى الأخيرة إن قلنا: يعود إلى الأخيرة فلا يمنع أن تعطف الجملة التى فيها الاستثناء على جملة استثناء فيها، وإن قلنا: يعود إلى الجميع فيمتنع أن تعطف الجملة المذكورة على جملة لا تريد أن تستثنى منها شيئا إلا بقرينة؛ لأن ذلك حكم للثانية لا تريد أن تعطيه للأولى، ومثاله: أكرم الناس واقتل المشركين إلا أباك، تريد الاستثناء من الأخير فقط وإن كان الاستثناء بين الجملتين، فهل هو كما لو كان بعدهما وإذا أردت أن لا تستثنى من الثانية امتنع الوصل أو لا؟ لم أر فيه نقلا فيحتمل أن يقال: إن الأمر كذلك؛ لأن علة تعدى الاستثناء الأخير إلى الجميع أن العطف يصيّر المتعدد كالمفرد، وهذا المعنى حاصل تقدم الاستثناء أم توسط وقد يقال: إن (إلا) من شأنها أن تخرج مما قبلها لا مما بعدها، لأن الأصل فى المستثنى منه أن يكون مقدما على المستثنى، ويحتمل أن يقال: إن قلنا العامل فى المستثنى هو إلا كما هو الصحيح عند سيبويه والمبرد فلا يتعدى الاستثناء إلى الجملة بعده؛ لأنه يلزم منه تأخير المستثنى منه عن المستثنى والمنسوب إليه معا، وهو ممتنع عند الجمهور، وقد حملوا على الشذوذ قول الشاعر:
خلا الله لا أرجو سواك فإنّما ... أعدّ عيالى شعبة من عيالك (١)
стр. 487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن قلنا: العامل فى المستثنى، هو ما قبلها أو الاستثناء منه، فليعد إلى الجميع؛ لأنا حينئذ لم نؤخر المستثنى منه عن المستثنى بل نقدر استثناء آخر عقب الثانية، كما يقدر استثناء عقب ما قبل الأخيرة إذا تأخر الاستثناء عنها، ويكون حذف من أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه، ولا وجه لعود المستثنى المتأخر للكل مع القول: بأن العامل ما قبلها إلا ذلك وقد انحل لنا بهذا الإشكال كثير على الشافعية، وهو أن إعادتهم الاستثناء إلى الكل مع القول: بأن العامل فى المستثنى هو العامل فى المستثنى منه يلزم منه توارد عوامل على معمول واحد فاندفع الإشكال بحمد الله تعالى
وأما غير ذلك من القيود كالظرف نحو:
ضربت زيدا وأكرمت عمرا اليوم، وعكسه والصفة مثل: أكرم المسلمين وأهن الكافرين الذين عندك، فالذى يظهر أنه كالشرط وأنه يتقيد سواء أتوسط القيد أم تأخر، فيمتنع الوصل إلا عند إرادة التشريك فى الحكم، وقد قال شيخنا أبو حيان فى أول شرح التسهيل: إنه لا خلاف لعلمه فى أن عطف الفعل على الفعل يقتضى اشتراكهما فى الزمان، وأن يقوم زيد الآن، ويخرج ويقوم زيد، ويخرج الآن، يتخلص الفعل فيهما معا للحال، وابن الحاجب اختار فى مسئلة" لا يقتل مسلم بكافر" (١) أن القيد فى أحد المتعاطفين يستلزم القيد فى الآخر وردد القول فى نحو: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا، هل يقتضى أنهما يوم الجمعة أم لا؟ ولكن تلك المسئلة فرضها فى عطف المفردات ولا يلزم من تعدى قيد أحد المتعاطفين إلى الآخر فى عطف المفردات تعديه فى عطف الجمل، وقد تكلمنا معه فى ذلك فى شرح المختصر بما لا يستغنى عن مراجعته، وأما الصفة فإذا جاءت بعد الجمل، قال أصحابنا فى الوقف: إنها تعود على الجميع، ومما نحن فيه قولك: إنما زيد قائم وعمرو جالس، تريد عطف الجملة الثانية على ما بعد إنما، ومن ذلك الحال وقد تكلموا عليها فى قوله تعالى:
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً (٢).
(الثالثة): حيث قلنا فى هذا الباب: يجب الوصل أو قلنا: يجب الفصل نريد به الوجوب بحسب البلاغة وتطبيق الكلام على مقتضى الحال ولا نعنى الوجوب بحسب اللغة إلا فى مواضع يسيرة، ننبه عليها فى موضعها، إن شاء الله تعالى.
стр. 488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الرابعة): لا يخفى أن الفصل والوصل يكونان بين المفردات كما يكونان بين الجمل، وسنعقد لذلك فصلا فى آخر الكلام، إن شاء الله تعالى.
(الخامسة): لا يخفى أن ذكر الفاء ههنا إنما هو إذا كانت لمجرد العطف، أما إذا كانت للسببية فقد تقع حيث يمتنع العطف بغيرها، كقولك: أكرمنى زيد فأكرمه، فإن بينهما كمال الانقطاع، والوصل حسن.
(السادسة): قدمنا أن كون الجملة لها محل مما يقرب الجامع بخلاف ما إذا لم يكن لها محل، وليس ذلك على إطلاق فربما كانت الجملة لا محل لها والجامع أقرب منه، حيث لها محل كالجملة الموصول بها إذا عطف عليها، فإنها لا محل لها، كقولك: رأيت الذى يعطى ويمنع، فإن استدعاء الموصول لتمام صلته أتم من استدعاء الإعراب للجملة المعطوفة، وكذلك الموصول الحرفى كقوله:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
أى: فى الجمع بين الأمرين، ومن ذلك الجملتان اللتان يطلبهما شرط، مثل: إن جاء زيد وجاء عمرو فأكرمه فإن الفعل مجزوم لا الجملة كلها.
وقد آن لنا أن نرجع إلى كلام المصنف فقوله: إذا أتت جملة بعد جملة - يعنى: إذا أردت أن تأتى بها؛ لأنه لا يقال: إذا أتت - فتارة توصل وتارة تفصل؛ لأنها بعد إتيانها لا تتغير عما وقعت عليه من فصل ووصل، وقوله: فالأولى ينبغى أن يقول:
السابقة؛ فإن الأول حقيقة فيما لم يسبقه غيره، والكلام فى كل جملة بعدها أخرى، كالثانية مع الثالثة والثالثة مع الرابعة، وعذره فى ذلك أن كل واحدة أولى بالنسبة لما بعدها، ومنه قولهم: ادخلوا الأول فالأول، وقوله ﷺ : - " أول أشراط السّاعة طلوع الشّمس من مغربها" (١) مع قوله ﷺ : - " أول أشراط السّاعة نار تحشر النّاس" (٢) فقد جمع بينهما بذلك (قوله: فالأولى إما أن يكون لها محل من الإعراب) قد تقدم تفصيله، وأن هذا التفصيل ليس صحيحا إنما المحل موضع يظهر به الجامع والسكاكى لم يقصد هذا التفصيل،
стр. 489
وعلى الأول: إن قصد تشريك الثانية لها فى حكمه، عطفت عليها كالمفرد؛ فشرط كونه مقبولا بالواو ونحوه: أن يكون بينهما جهة جامعة؛
ــ
وقوله: (وعلى الأول إما أن يقصد التشريك أو لا) بناء على توهم أن ذلك فرع كون الأولى لها محل، وهذا لا يختص به ذلك بل لو لم يكن للأولى محل من الإعراب فإما أن يقصد ربط الثانية بالأولى أو لا يقصد، غير أنه إذا
كان للأولى محل يعبر بقصد التشريك فى حكم الإعراب، وإذا لم يكن يعبر بقصد الربط لجهة جامعة إذ لا إعراب إذا لم يكن محل، وسيأتى ذكر هذا فى كلام المصنف فى القسم الثانى، فلو جعله مورد التقسيم فى الأول لكان أحسن وعلى كل تقدير ذكره لا فائدة فيه؛ لأن من المعلوم أن من قصد التشريك عطف وهذا لا يتعلق بعلم المعانى بل هو من بداية قواعد النحو وينبغى أن يقيدها بما لا يوهم فإن كان الوصل يؤدى إلى إيهام غير المراد امتنع كما سيأتى فى العطف على ما له محل، وقوله: إن قصد تشريك الثانية لها فى حكمه، أى: حكم الإعراب؛ وإنما لم يقل الإعراب، لأنها ليس لها إعراب بل حكم إعراب معناه فى الإعراب الحكمى، ويحتمل أن يريد فيما للإعراب من حكم خبرية أو فاعلية أو غيرهما، وحاصله: أنه إذا كان للجملة محل وقصد ثبوت حكم إعرابها للاحقة عطفت عليها، ويجب فيها الوصل ووجوب هذا الوصل لغوى؛ لأن قصد التشريك فى الإعراب لا يتصور إلا بالوصل؛ ولهذا قال المصنف: عطفت ولم يقل: وصلت؛ لأن الوصل إذا أريد به اللغوى يعبر عنه بالعطف.
(قوله: كالمفرد) أى: كما يعطف المفرد إشارة إلى أن كون الجملة لها محل؛ إنما هو لأنها فى تقدير المفرد ويحتمل أن يريد: كما أنه إذا قصد تشريك مفرد لمفرد فى الإعراب يعطف (قوله: فشرط كونه) أى: كون العطف مقبولا أى فى فن البلاغة، ولو لم يكن كذلك كان العطف قبيحا وإن كان سائغا لغة. (أن يكون بينهما) أى:
بين المتعاطفين (جهة جامعة) أى: تناسب فى المعنى وهذا بشرط أن يكون بينهما التوسط، فإن كان بينهما كمال اتصال أو انفصال أو شبه أحدهما فلا، فإذا وجد التناسب وجب الوصل، وإلا امتنع ووجب الفصل، فوجوب الوصل لغوى فى الصورتين؛ لوجوب التشريك وبحسب ما تقتضيه البلاغة واجب فى الصورة الأولى لا الثانية، وقوله: فى الواو ونحوه - يعنى: من حروف العطف - ولا أدرى ما الذى أحوجه إلى ذكر الواو وحروف العطف كلها كذلك إلا أن يكون ذكرها؟ لأنها أم الباب وإن
стр. 490
نحو: زيد يكتب ويشعر، أو: يعطى ويمنع؛ ولهذا عيب على أبى تمام قوله [من الكامل]:
لا والّذى هو عالم أنّ النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم
ــ
كان يريد أن غير الواو يوصل بها من غير جهة جامعة فسيأتى الكلام معه ثم لا معنى حينئذ لقوله: نحوه؛ لأن الواو عنده منفردة بهذا الحكم مثال ذلك: زيد يكتب ويشعر، لأن بين الشعر والكتابة تناسبا والمسند إليه متحد، أو زيد يعطى ويمنع؛ لأن بين الإعطاء والمنع تناسبا وإن كانا متضادين والمسند إليه واحد فإن معناه الإخبار بأنه جامع للوصفين، واستحضار أحدهما يسبب استحضار الآخر، ولهذا كانت المضادة من علاقات المجاز، ومنه قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيبسط (١) وسيأتى الكلام - إن شاء الله تعالى - على الجامع الخيالى وما نحن فيه منه، وكذلك
فى عطف المفرد، يشترط أن يكون بين المفردين تناسب كقوله : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها (٢) والتناسب فيه على ما سبق ولعدم التناسب عيب على أبى تمام قوله:
لا والّذى هو عالم أنّ النّوى ... صبر وأنّ أبا الحسين كريم (٣)
إذ لا تناسب بين مرارة النوى وكرم أبى الحسين، وقد تمحل الناس إلى أجوبة منها: أن مرارة النوى سبب يقتضى انتجاع أبى الحسين لمكارمه التى تزيل شظف النوى، أو نعنى: كرم الأخلاق الذى يزيل عنه النوى، وقد بالغ الطيبى فى استحسانه إشارة إلى أنه جمع بين متضادين هما: مرارة النوى، وحلاوة كرم أبى الحسين، فأبرزهما فى معرض التوخى، كالجمع بين الضب والنون (قوله: وإلا) أى: وإن لم يقصد إعطاء الجملة اللاحقة حكم إعراب السابقة (فصلت): عنها فلم تعطف عليها، وجوب الفصل فى هذه لغوى؛ لأن من قصد عدم إعطاء حكم الإعراب السابق لا يستطيع أن يعطف وينبغى أن يقول: استؤنف، كما قال فى القسم قبله عطفت وينبغى أن يقسم هذا قسمين:
стр. 491
وإلا: فصلت عنها؛ نحو: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ؛ لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ؛ لأنه ليس من مقولهم. وعلى الثانى: إن قصد ربطها بها على معنى عاطف سوى الواو -
ــ
أحدهما: غير مقبول، وهو أن يكون بينهما جهة جامعة فكان من حق المتكلم أن يقصد العطف فالعدول عنه غير بليغ فتعين تقسيم هذا إلى الأحوال الخمسة من كمال الانقطاع أو الاتصال أو شبه أحدهما أو التوسط كما سبق.
والثانى: مقبول، وهو إذا لم يكن بينهما جهة جامعة كقوله : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ التى هى فى محل نصب بالقول؛ لأنه لم يقصد إعطاؤها حكم إعراب إِنَّا مَعَكُمْ وإنما لم يقصد ذلك؛ لأن الله يستهزئ بهم ليس من مقولهم فلا يمكن أن يعطى حكم مقولهم من العطف عليه المستلزم أن يكون مقولا، كذا قال المصنف وغيره ولك أن تقول: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ جملة مستأنفة ولا يصح عطفها على إِنَّا مَعَكُمْ وإنما يكون الفصل فى شئ يمكن أن يعطف على غيره،
فيفصل عنه وتكون الجملتان من كلام متكلم واحد، وهاتان ليستا كذلك، ويمكنك أن تجعل الكلام هنا بين جملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ وبين جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ والحال كذلك، ثم لك أن تقول: إِنَّا مَعَكُمْ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، فليست من هذا القسم فى شئ كما سبق، وكأنه لاحظ أنها فى محل نصب بالقول اعتبارا بالحكاية لا بالمحكى وهو أحد الاعتبارين السابقين.
القسم الثانى: أن لا يكون لها محل (قوله: وعلى الثانى) أى: وعلى تقدير أن لا يكون للجملة السابقة محل (فإن قصد ربطها) أى: الجملة اللاحقة (بها) أى:
بالسابقة (على معنى) حرف (عاطف سوى الواو) وهذا القسم هو نظير القسم الأول، إلا أن هناك عبر بتشريك حكم الإعراب؛ لأن للجملة الأولى إعرابا، وهنا لما لم يكن للأولى إعراب، عبر بقصد الربط أى ربطها ربطا يفيد فائدة تحصل من حرف العطف غير
стр. 492
عطفت به، نحو: دخل زيد فخرج عمرو خ خ، أو: ثمّ خرج عمرو خ خ؛ إذا قصد التعقيب، أو المهلة.
ــ
الواو، كالتعقيب المستفاد من الفاء والتراخى المستفاد من ثم، (عطفت) أى: وجب وصلها (به) أى بذلك الحرف العاطف (نحو: دخل زيد فخرج، أو ثم خرج عمرو إذا قصد بالأول والتعقيب) وبالثانى (التراخى) وهذا الربط حينئذ واجب لغة وبلاغة، هكذا قال المصنف، وقد قدمنا أنه إذا كان العطف بغير الواو كان كالواو، فيأتى فيه التفصيل: إن كان فيه توسط الانقطاع أو الاتصال بشروطه وجب، وإلا لم يجب، وليت شعرى كيف يصح أن نقول: جالينوس طبيب؟ ثم سورة الإخلاص من القرآن، ثم إن القرد يشبه الآدمى واتسع كمّ الخليفة، وإنما لم أمثل بالفاء؛ لأن الفاء يكثر مجيئها للسببية وذلك لا يحصل إلا مع اعتبار مناسب، ثم ليت شعرى هلا فصل بين الواو وغيرها فيما إذا كان للأولى محل، وأى فرق بين زيد يفعل كذا ويفعل كذا وبين قولك:
زيد يفعل كذا ثم عمرو يفعل، وحيث كان مساويا لقولك: ثم يفعل كذا فتفصل فى قولك: زيد يفعل كذا، ثم يفعل كذا التفاصيل السابقة، وقولك: زيد يفعل كذا، ثم عمرو يفعل كذا، لا نفصل فيه بل يجب الوصل ولا يشك عاقل أن قولك: زيد يفعل كذا ثم يفعل كذا، أجدر بالاتصال من قولك: زيد يفعل كذا، ثم عمرو يفعل كذا، وكلام المصنف يقتضى العكس، والصواب أن غير الواو يقرب الجامع من الذهن سواء أكان للأولى محل أم لا، وأعظم برهان على أن غير الواو فى التى لها محل كغير الواو فى التى لا محل لها: أن السكاكى لما ذكر غير الواو وأنها تقرب الجامع
ذكر من الحروف العاطفة لا، وإطلاق المصنف شملها، وقد علم أن لا العاطفة لا يعطف بها جملة كما نص عليه النحاة، فان قلت: زيد قائم لا عمرو جالس، لم تكن لا هذه عاطفة، وهذا نصّ من السكاكى على أن الحرف العاطف إذا كان غير الواو والجمل لا محل لها يخالف الواو عنده كما يخالفها فيما إذا كان للجملة محل، ومما وقع للمصنف هنا على خلاف الصواب أنه مثل للعطف بغير الواو، حيث لا محل للجملتين بقوله تعالى: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (١) وهو غريب، فإن محلهما النصب، وقد أكثر فى هذا الفصل من أمثال هذا؛ لأنه قسّم قسمين وصار يأخذ من المفتاح أمثلة لا يختص بها أحدهما دون الآخر، فوقع فى أوهام سلم السكاكى منها،
стр. 493
وإلّا: فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية - فالفصل؛ نحو: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ الآية، لم يعطف: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على: قالُوا؛ لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف؛ لما مرّ.
ــ
(قوله: وإلا) أى: وإن لم يكن للجملة السابقة محل، ولم يقصد ربطها بالثانية على معنى عطف خاص، فإما أن يكون للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية، أو لا، وقد تقدم بيان الحكم ما هو، وليت شعرى هلا فصّل هذا التفصيل فيما إذا كان للأولى محل، ولا شك أنه يجرى فيه قطعا لو قلت: زيد إن قام فأكرمه وهو ابنك، عاطفا على الجواب لم يجز فإن كان (فالفصل) أى: فالفصل واجب (نحو): قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢) على قالُوا إذ لو عطف عليه لثبت له حكمه وحكم قالُوا أنه يختص به الظرف أى: لا يقولون إلا وقت خلوهم فيلزم أن يكون استهزاء الله بهم كذلك، والواقع أن الله يستهزئ بهم وقت خلوهم وغيره (قوله: لما مر) أى: من كون تقديم الظرف يفيد الاختصاص.
وهنا أسئلة أحدها: أن قوله: لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف مقلوب صوابه أن يقول: فى اختصاص الظرف به، الثانى: أن قوله: إن جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ لو عطفت على قالُوا لاقتضى اختصاص الاستهزاء بالظرف، قد يقال: لا نسلم؛ لأن تقييد المعطوف عليه بالظرف قد لا يلزم أن يتقيد به المعطوف، وقد أشار ابن الحاجب فى المختصر إلى احتمالين فى قولك: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا، هل يلزم أن يكون ضرب عمرو أيضا يوم الجمعة أو لا؟ وقد تقدم الكلام على شئ من ذلك، فإذا احتمل ذلك فى المفردات فالجمل أولى بأن لا تتقيد الثانية منها بظرف الأولى؛ لكن قد يجاب عن هذا: بأن التقييد بالظرف هنا ما جاء من كونه ظرفا للمعطوف عليه، بل لكونه شرطا، والمعطوف على الجواب لا بد أن يكون معلقا على الشرط قطعا، والثالث: أنا لا نسلم أنه تقديم معمول يقتضى الاختصاص
بالنسبة إلى قالُوا فإنه جار أن يكون العامل فى إذا هو الفعل الذى يليها كما هو قول مشهور اختاره شيخنا أبو حيان، فلا يكون قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ تقدم له معمول يؤذن باختصاص.
стр. 494
وإلّا: فإن كان بينهما كمال الانقطاع بلا إيهام، أو الاتصال، أو شبه أحدهما - فكذلك.
وإلّا فالوصل متعيّن:
أمّا كمال الانقطاع: فلاختلافهما خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى؛ نحو [من البسيط]:
ــ
(الرابع): سلمنا أن إِذا خَلَوْا معمول قالُوا كما هو قول الجمهور، ولا نسلم أن ذلك تقديم يؤذن بالاختصاص؛ لأن المعمول إذا اقتضى تقديمه للاختصاص لتحويله عن محله، وإذا إن كانت متقدمة؛ لكونها معمولة ووضع المعمول المتأخر عن عامله فهى شرط وحق الشرط أن يتقدم على مشروطه فلا تقديم فيها، بل هى بخصوص كونها شرطا فى محلها غير متقدمة ويستحيل تأخرها عن مشروطها على المذهب البصرى، وبعموم كونها معمولا متقدمة ومراعاة خصوصها أولى من مراعاة عمومها، ولا نسلم أن المعمول السابق إذا كان وضعه يسبق عامله يؤذن بالاختصاص، وقد تقدم عند الكلام على الاختصاص تنبيه على شئ من ذلك، وإنما يتأتى ما ذكروه فى إذا المتجردة عن الشرط (قوله: وإلا) أى:
وإن لم يكن للأولى حكم لا يقصد إعطاؤه للثانية سواء قصد عدم إعطائه أم لم يقصد، وليس للأولى محل من الإعراب، وهذا القيد يضرّ ولا ينفع؛ لأن الأحوال الخمسة جارية، وإن كان لها محل فذلك خمسة أقسام، يجب الفصل فى أربعة منها، وهو أن يكون بينهما كمال الاتصال أو يكون بينهما كمال الانفصال أو شبههما والخامس: أن يكون ما بينهما متوسطا بين كمال الاتصال وكمال الانفصال، فيجب الوصل، وإنما وجب الفصل فى الأولى؛ لأن الواو للتشريك، والتشريك إنما يكون بين المتناسبين والفرض أن كمال الانقطاع موجود بينهما فلا تناسب، وأما فى الثانية: فإنهما إذا كان بينهما كمال الاتصال وصارا كالشئ الواحد فيكون كعطف الشئ على نفسه وهو ممتنع، وأما إن كان بينهما ما يشبه كمال الانقطاع أو ما يشبه كمال الاتصال، فلما تقدم؛ لأن شبيه الشئ له حكمه، وأما وجوب الوصل فى الخامسة فلارتباط بعض الكلام ببعض ولا موجب للعدول.
ص: (أما كمال الانقطاع إلخ).
(ش): القسم الأول من الخمسة: أن يكون للجملة الأولى حكم يقصد إعطاؤه للثانية وبينهما كمال الانقطاع بلا إيهام خلاف المقصود، وذلك أن الأمر يرجع إلى الإسناد أو إلى طرفيه.
стр. 495
ومعنى؛ نحو [من البسيط]:
فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار ... وقال رائدهم أرسوا نزاولها
ــ
الأول: أن يرجع إلى الإسناد كأن يختلفا خبرا وإنشاء ولفظا ومعنى، والمراد: أن تكون إحداهما خبرية لفظا ومعنى، والأخرى إنشائية لفظا ومعنى، كذا ذكروه وفيه نظر، فإن مدلول هذه العبارة: أن كل واحدة منهما تخالف الأخرى فى اللفظ وفى المعنى معا وذلك بأن تكون الأولى: خبرية اللفظ إنشائية المعنى، والثانية: إنشائية اللفظ خبرية المعنى أو عكسه، وبأن تكون الأولى إنشائية لفظا ومعنى، والأخرى خبرية لفظا ومعنى وعكسه فقد دخل فى كلامه أربع صور فلا معنى لتخصيصه باثنين منها.
واعلم: أن الخبر والإنشاء المتمحضين لا يعطف أحدهما على الآخر فيجب الفصل بلاغة وأما لغة فاختلفوا فيه فالجمهور على أنه لا يجوز واختاره ابن عصفور فى شرح الإيضاح وابن مالك فى باب المفعول معه فى شرح التسهيل، وجوزه الصفار وطائفة ونقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه جواز عطف المختلفتين بالاستفهام والخبر مثل: هذا زيد ومن عمرو؟ وقد تكلموا على ذلك فى قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١) وحاصله أن أهل هذا الفن متفقون على منعه، وظاهر كلام النحاة جوازه، ولا خلاف بين الفريقين؛ لأنه عند من جوزه يجوزه لغة ولا يجوزه بلاغة واختلفوا فى: باسم الله وصلّى الله على محمد فى إثبات الواو وإسقاطها، ثم أنشد المصنف على ذلك قول الشاعر وهو الأخطل كذا ذكر سيبويه وإن كان لا يوجد فى ديوانه:
(وقال رائدهم أرسوا نزاولها) ... فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار (٢)
لأن أرسوا فعل أمر، فهو إنشاء لفظا ومعنى، ونزاولها خبر لفظا ومعنى؛ لأن الغرض تعليل الأمر بالإرساء بالمزاولة إما للحرب على قول ابن الحاجب وهو