← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وإلا: فصلت عنها؛ نحو: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ؛ لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ؛ لأنه ليس من مقولهم. وعلى الثانى: إن قصد ربطها بها على معنى عاطف سوى الواو - ــ أحدهما: غير مقبول، وهو أن يكون بينهما جهة جامعة فكان من حق المتكلم أن يقصد العطف فالعدول عنه غير بليغ فتعين تقسيم هذا إلى الأحوال الخمسة من كمال الانقطاع أو الاتصال أو شبه أحدهما أو التوسط كما سبق. والثانى: مقبول، وهو إذا لم يكن بينهما جهة جامعة كقوله : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على إِنَّا مَعَكُمْ التى هى فى محل نصب بالقول؛ لأنه لم يقصد إعطاؤها حكم إعراب إِنَّا مَعَكُمْ وإنما لم يقصد ذلك؛ لأن الله يستهزئ بهم ليس من مقولهم فلا يمكن أن يعطى حكم مقولهم من العطف عليه المستلزم أن يكون مقولا، كذا قال المصنف وغيره ولك أن تقول: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ جملة مستأنفة ولا يصح عطفها على إِنَّا مَعَكُمْ وإنما يكون الفصل فى شئ يمكن أن يعطف على غيره، فيفصل عنه وتكون الجملتان من كلام متكلم واحد، وهاتان ليستا كذلك، ويمكنك أن تجعل الكلام هنا بين جملة إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ وبين جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ والحال كذلك، ثم لك أن تقول: إِنَّا مَعَكُمْ مستأنفة لا محل لها من الإعراب، فليست من هذا القسم فى شئ كما سبق، وكأنه لاحظ أنها فى محل نصب بالقول اعتبارا بالحكاية لا بالمحكى وهو أحد الاعتبارين السابقين. القسم الثانى: أن لا يكون لها محل (قوله: وعلى الثانى) أى: وعلى تقدير أن لا يكون للجملة السابقة محل (فإن قصد ربطها) أى: الجملة اللاحقة (بها) أى: بالسابقة (على معنى) حرف (عاطف سوى الواو) وهذا القسم هو نظير القسم الأول، إلا أن هناك عبر بتشريك حكم الإعراب؛ لأن للجملة الأولى إعرابا، وهنا لما لم يكن للأولى إعراب، عبر بقصد الربط أى ربطها ربطا يفيد فائدة تحصل من حرف العطف غير

стр. 492

عطفت به، نحو: دخل زيد فخرج عمرو خ خ، أو: ثمّ خرج عمرو خ خ؛ إذا قصد التعقيب، أو المهلة. ــ الواو، كالتعقيب المستفاد من الفاء والتراخى المستفاد من ثم، (عطفت) أى: وجب وصلها (به) أى بذلك الحرف العاطف (نحو: دخل زيد فخرج، أو ثم خرج عمرو إذا قصد بالأول والتعقيب) وبالثانى (التراخى) وهذا الربط حينئذ واجب لغة وبلاغة، هكذا قال المصنف، وقد قدمنا أنه إذا كان العطف بغير الواو كان كالواو، فيأتى فيه التفصيل: إن كان فيه توسط الانقطاع أو الاتصال بشروطه وجب، وإلا لم يجب، وليت شعرى كيف يصح أن نقول: جالينوس طبيب؟ ثم سورة الإخلاص من القرآن، ثم إن القرد يشبه الآدمى واتسع كمّ الخليفة، وإنما لم أمثل بالفاء؛ لأن الفاء يكثر مجيئها للسببية وذلك لا يحصل إلا مع اعتبار مناسب، ثم ليت شعرى هلا فصل بين الواو وغيرها فيما إذا كان للأولى محل، وأى فرق بين زيد يفعل كذا ويفعل كذا وبين قولك: زيد يفعل كذا ثم عمرو يفعل، وحيث كان مساويا لقولك: ثم يفعل كذا فتفصل فى قولك: زيد يفعل كذا، ثم يفعل كذا التفاصيل السابقة، وقولك: زيد يفعل كذا، ثم عمرو يفعل كذا، لا نفصل فيه بل يجب الوصل ولا يشك عاقل أن قولك: زيد يفعل كذا ثم يفعل كذا، أجدر بالاتصال من قولك: زيد يفعل كذا، ثم عمرو يفعل كذا، وكلام المصنف يقتضى العكس، والصواب أن غير الواو يقرب الجامع من الذهن سواء أكان للأولى محل أم لا، وأعظم برهان على أن غير الواو فى التى لها محل كغير الواو فى التى لا محل لها: أن السكاكى لما ذكر غير الواو وأنها تقرب الجامع ذكر من الحروف العاطفة لا، وإطلاق المصنف شملها، وقد علم أن لا العاطفة لا يعطف بها جملة كما نص عليه النحاة، فان قلت: زيد قائم لا عمرو جالس، لم تكن لا هذه عاطفة، وهذا نصّ من السكاكى على أن الحرف العاطف إذا كان غير الواو والجمل لا محل لها يخالف الواو عنده كما يخالفها فيما إذا كان للجملة محل، ومما وقع للمصنف هنا على خلاف الصواب أنه مثل للعطف بغير الواو، حيث لا محل للجملتين بقوله تعالى: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (١) وهو غريب، فإن محلهما النصب، وقد أكثر فى هذا الفصل من أمثال هذا؛ لأنه قسّم قسمين وصار يأخذ من المفتاح أمثلة لا يختص بها أحدهما دون الآخر، فوقع فى أوهام سلم السكاكى منها،

стр. 493

وإلّا: فإن كان للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية - فالفصل؛ نحو: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ الآية، لم يعطف: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على: قالُوا؛ لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف؛ لما مرّ. ــ (قوله: وإلا) أى: وإن لم يكن للجملة السابقة محل، ولم يقصد ربطها بالثانية على معنى عطف خاص، فإما أن يكون للأولى حكم لم يقصد إعطاؤه للثانية، أو لا، وقد تقدم بيان الحكم ما هو، وليت شعرى هلا فصّل هذا التفصيل فيما إذا كان للأولى محل، ولا شك أنه يجرى فيه قطعا لو قلت: زيد إن قام فأكرمه وهو ابنك، عاطفا على الجواب لم يجز فإن كان (فالفصل) أى: فالفصل واجب (نحو): قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (١) لم يعطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢) على قالُوا إذ لو عطف عليه لثبت له حكمه وحكم قالُوا أنه يختص به الظرف أى: لا يقولون إلا وقت خلوهم فيلزم أن يكون استهزاء الله بهم كذلك، والواقع أن الله يستهزئ بهم وقت خلوهم وغيره (قوله: لما مر) أى: من كون تقديم الظرف يفيد الاختصاص. وهنا أسئلة أحدها: أن قوله: لئلا يشاركه فى الاختصاص بالظرف مقلوب صوابه أن يقول: فى اختصاص الظرف به، الثانى: أن قوله: إن جملة اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ لو عطفت على قالُوا لاقتضى اختصاص الاستهزاء بالظرف، قد يقال: لا نسلم؛ لأن تقييد المعطوف عليه بالظرف قد لا يلزم أن يتقيد به المعطوف، وقد أشار ابن الحاجب فى المختصر إلى احتمالين فى قولك: ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا، هل يلزم أن يكون ضرب عمرو أيضا يوم الجمعة أو لا؟ وقد تقدم الكلام على شئ من ذلك، فإذا احتمل ذلك فى المفردات فالجمل أولى بأن لا تتقيد الثانية منها بظرف الأولى؛ لكن قد يجاب عن هذا: بأن التقييد بالظرف هنا ما جاء من كونه ظرفا للمعطوف عليه، بل لكونه شرطا، والمعطوف على الجواب لا بد أن يكون معلقا على الشرط قطعا، والثالث: أنا لا نسلم أنه تقديم معمول يقتضى الاختصاص بالنسبة إلى قالُوا فإنه جار أن يكون العامل فى إذا هو الفعل الذى يليها كما هو قول مشهور اختاره شيخنا أبو حيان، فلا يكون قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ تقدم له معمول يؤذن باختصاص.

стр. 494

وإلّا: فإن كان بينهما كمال الانقطاع بلا إيهام، أو الاتصال، أو شبه أحدهما - فكذلك. وإلّا فالوصل متعيّن: أمّا كمال الانقطاع: فلاختلافهما خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى؛ نحو [من البسيط]: ــ (الرابع): سلمنا أن إِذا خَلَوْا معمول قالُوا كما هو قول الجمهور، ولا نسلم أن ذلك تقديم يؤذن بالاختصاص؛ لأن المعمول إذا اقتضى تقديمه للاختصاص لتحويله عن محله، وإذا إن كانت متقدمة؛ لكونها معمولة ووضع المعمول المتأخر عن عامله فهى شرط وحق الشرط أن يتقدم على مشروطه فلا تقديم فيها، بل هى بخصوص كونها شرطا فى محلها غير متقدمة ويستحيل تأخرها عن مشروطها على المذهب البصرى، وبعموم كونها معمولا متقدمة ومراعاة خصوصها أولى من مراعاة عمومها، ولا نسلم أن المعمول السابق إذا كان وضعه يسبق عامله يؤذن بالاختصاص، وقد تقدم عند الكلام على الاختصاص تنبيه على شئ من ذلك، وإنما يتأتى ما ذكروه فى إذا المتجردة عن الشرط (قوله: وإلا) أى: وإن لم يكن للأولى حكم لا يقصد إعطاؤه للثانية سواء قصد عدم إعطائه أم لم يقصد، وليس للأولى محل من الإعراب، وهذا القيد يضرّ ولا ينفع؛ لأن الأحوال الخمسة جارية، وإن كان لها محل فذلك خمسة أقسام، يجب الفصل فى أربعة منها، وهو أن يكون بينهما كمال الاتصال أو يكون بينهما كمال الانفصال أو شبههما والخامس: أن يكون ما بينهما متوسطا بين كمال الاتصال وكمال الانفصال، فيجب الوصل، وإنما وجب الفصل فى الأولى؛ لأن الواو للتشريك، والتشريك إنما يكون بين المتناسبين والفرض أن كمال الانقطاع موجود بينهما فلا تناسب، وأما فى الثانية: فإنهما إذا كان بينهما كمال الاتصال وصارا كالشئ الواحد فيكون كعطف الشئ على نفسه وهو ممتنع، وأما إن كان بينهما ما يشبه كمال الانقطاع أو ما يشبه كمال الاتصال، فلما تقدم؛ لأن شبيه الشئ له حكمه، وأما وجوب الوصل فى الخامسة فلارتباط بعض الكلام ببعض ولا موجب للعدول. ص: (أما كمال الانقطاع إلخ). (ش): القسم الأول من الخمسة: أن يكون للجملة الأولى حكم يقصد إعطاؤه للثانية وبينهما كمال الانقطاع بلا إيهام خلاف المقصود، وذلك أن الأمر يرجع إلى الإسناد أو إلى طرفيه.

стр. 495

ومعنى؛ نحو [من البسيط]: فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار ... وقال رائدهم أرسوا نزاولها ــ الأول: أن يرجع إلى الإسناد كأن يختلفا خبرا وإنشاء ولفظا ومعنى، والمراد: أن تكون إحداهما خبرية لفظا ومعنى، والأخرى إنشائية لفظا ومعنى، كذا ذكروه وفيه نظر، فإن مدلول هذه العبارة: أن كل واحدة منهما تخالف الأخرى فى اللفظ وفى المعنى معا وذلك بأن تكون الأولى: خبرية اللفظ إنشائية المعنى، والثانية: إنشائية اللفظ خبرية المعنى أو عكسه، وبأن تكون الأولى إنشائية لفظا ومعنى، والأخرى خبرية لفظا ومعنى وعكسه فقد دخل فى كلامه أربع صور فلا معنى لتخصيصه باثنين منها. واعلم: أن الخبر والإنشاء المتمحضين لا يعطف أحدهما على الآخر فيجب الفصل بلاغة وأما لغة فاختلفوا فيه فالجمهور على أنه لا يجوز واختاره ابن عصفور فى شرح الإيضاح وابن مالك فى باب المفعول معه فى شرح التسهيل، وجوزه الصفار وطائفة ونقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه جواز عطف المختلفتين بالاستفهام والخبر مثل: هذا زيد ومن عمرو؟ وقد تكلموا على ذلك فى قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (١) وحاصله أن أهل هذا الفن متفقون على منعه، وظاهر كلام النحاة جوازه، ولا خلاف بين الفريقين؛ لأنه عند من جوزه يجوزه لغة ولا يجوزه بلاغة واختلفوا فى: باسم الله وصلّى الله على محمد فى إثبات الواو وإسقاطها، ثم أنشد المصنف على ذلك قول الشاعر وهو الأخطل كذا ذكر سيبويه وإن كان لا يوجد فى ديوانه: (وقال رائدهم أرسوا نزاولها) ... فكلّ حتف امرئ يجرى بمقدار (٢) لأن أرسوا فعل أمر، فهو إنشاء لفظا ومعنى، ونزاولها خبر لفظا ومعنى؛ لأن الغرض تعليل الأمر بالإرساء بالمزاولة إما للحرب على قول ابن الحاجب وهو

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصحيح أى: أرسوا السفينة نزاول الحرب، أو للسفينة على قول غيره فلا يحسن جزمه ولا جعله حالا لفوات معنى التعليل حينئذ، بل يتعين الرفع على القطع، قال الخطيبى مثل: قم يدعوك؛ لأن المراد بقوله: يدعوك تعليل الأمر بالقيام، ولا يحسن جعله مجزوما؛ لأنه ينعكس المعنى ويصير القيام سببا للدعاء ولو أردت ذلك لجزمت، قلت: وفى هذا نظر؛ لأن نزاولها لا يمنع جزمه ولا ينعكس المعنى لأن المزاولة قد تترتب على الإرساء، ولا سيما إذا عاد الضمير على الحرب ويكون المراد مزاولتهم وأهل السفينة، وقوله: قم يدعوك، فى التمثيل به نظر؛ لأن يدعوك خبر فى معنى الإنشاء، فليس مما نحن فيه، ولو كان لى تصرف فى هذا البيت لقدمت حتف على كل، وقلت: حتف كل امرئ يجرى بمقدار، لما لا يخفى من أن الحتف ليس متجزئا ولا متعددا بالنسبة إلى كل فرد حتى يؤتى فيه بكل بخلاف امرئ، فإنه يؤتى فيه بكل ليفيد استغراق الأفراد، وجعل المصنف هذا من قسم ما ليس له محل؛ رعاية للكلام المحكى كما سبق، لا للحكاية وقد جعل السكاكى مما نحن فيه قول اليزيدى: ملّكته حبلى، ولكنّه ... ألقاه من زهد على غاربى وقال: إنّى فى الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب (١) وحمله الجرجانى على الاستئناف بتقدير قلت: المعنى، وقال: أنت فى الهوى كاذب، قلت: انتقم وهو واضح؛ فإنه لا يصح أن يكون مما نحن فيه إلا إذا كان انتقم الله من كلام المحكى عنه وفيه بعد، وينبغى أن يعلم أنا إذا جعلناه استئنافا كان مقطوعا عن وقال، فيمكن أن يقال: إنه من قطع الاحتياط الذى يكون لشبه الانقطاع؛ لأن عطفها على قال يوهم عطفها على إنى. (تنبيه): اعترض الخطيبى على المصنف فقال: التقدير أن الجملة الأولى لا محل لها، والأولى فى البيت لها محل؛ لأنه مقول إما مفعول به أو مفعول مطلق على اختلاف

стр. 497

أو معنى فقط؛ نحو: مات فلان، ﵀! أو لأنه لا جامع بينهما؛ كما سيأتى. وأمّا كمال الاتصال: فلكون الثانية: مؤكدة للأولى؛ لدفع توهّم تجوّز، أو غلط؛ نحو: لا رَيْبَ فِيهِ؛ * فإنه لمّا بولغ فى وصفه ببلوغه الدرجة القصوى فى الكمال؛ بجعل المبتدأ ذلك خ خ، وتعريف الخبر باللام -: جاز أن يتوهّم - السامع قبل التأمّل: أنّه ممّا يرمى به جزافا؛ فأتبعه نفيا لذلك التوهّم؛ فوزانه وزان نفسه فى: جاءنى زيد نفسه خ خ، ونحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ؛ فإنّ معناه: أنه فى الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنّه هداية محضة؛ وهذا معنى: ذلِكَ الْكِتابُ؛ لأنّ معناه - كما مرّ -: الكتاب الكامل، والمراد بكماله: كماله فى الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت فى درجات الكمال؛ فوزانه وزان زيد الثانى فى: جاءنى زيد زيد خ خ. ــ فى القول هل هو متعد أو لازم؟ قلت: الأولى فى البيت لها محل باعتبار الحكاية؛ لأن قال متسلط عليها على المشهور، وباعتبار المحكى هى مستأنفة لا محل لها؛ لأن أرسوا جملة مستأنفة، والمقصود هنا إنما هو تعليل عدم وصل المحكى عنه. (الثانى): أن يختلفا خبرا وإنشاء ويكون اختلافهما معنى لا لفظا فيجب الفصل، كقولك: مات فلان ﵀، فالأولى: خبرية لفظا ومعنى والثانية: إنشائية معنى لا لفظا؛ لأن لفظ الفعل خبر لا أمر ولا تقل: لأنه ماض كما قال الشارح؛ لأن صيغة المضارع أيضا صيغة خبر ما لم يدخل عليه لام الأمر أو النهى، ويدخل فى هذا القسم صور، أن يكونا خبرين، أولهما: معناه إنشاء، وأن يكونا خبرين، أولهما: معناه خبر، وأن يكونا إنشاءين، أولهما: معناه خبر، وأن يكونا إنشاءين، أولهما: معناه إنشاء، وهذا القسم أيضا مما يأتى فيه الأقسام السابقة كما قدمناه، فالصواب أن ذلك يوجب القطع سواء أكان للأولى محل أم لا بالواو أم غيرها. (الثالث): أن لا يكون بين الجملتين جامع، وسيأتى تفصيله. ص: (وأما كمال الاتصال إلى آخره). (ش): هذا القسم أيضا لا يخفى أنه لا يعود إليه أقسام العطف بغير الواو، وأقسام المحل وعدمه، فكان الاتصال لأحد ثلاثة أمور: أن تكون الثانية مؤكدة أو بدلا أو عطف بيان، وقال السكاكى: وكذا النعت أيضا، والمصنف أسقطه، وسنتكلم عليه،

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذلك لأن التوابع هى هذه الأربعة، والبدل هو المقصود، فإن المبدل منه فى حكم الطرح، وكذلك النعت والمعطوف بيانا والمؤكد كلها هى عين المتبوع، وإذا كان عينه، والعطف يقتضى التشريك كان العطف منافيا لكل من هذه التوابع فعلم أنه لا يجوز حيث أريد أحدهما. واعلم: أن المراد ينزل منزلة المتبوع هو معنى النسبة ففى قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١) الاستهزاء ينزل منزلة التابع للاستقرا فى معكم، ولما قرر السكاكى أن كل واحد من هذه التوابع الأربعة لا مدخل للعطف فيه ذكر ما قد يتخيل أنه صفة، وإن كان فيه الواو فمنه قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٢) فأجاب بأن الواو للحال والجملة حالية ووقعت الحال من النكرة؛ لأنها بعد النفى أولى بذلك من النهى فى قوله لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفا لحمام (٣) وقصد مخالفة الزمخشرى فإنه قال: وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ صفة لقرية، وتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما نقول: جاءنى زيد عليه ثوب وجاءنى وعليه ثوب، وتبعه أبو البقاء وتبعهما المصنف فى الإيضاح قبيل باب الإيجاز عند الكلام على واو الحال، وليس كما قالوه فإن الواو لا تقع بين الصفة والموصوف وإن وقعت بين الصفتين، ولأن إلا لا تفصل بين الموصوف والصفة، وقال ابن مالك: إن ما زعمه منفرد به، وليس كذلك، فقد تابعه عليه صاحب البديع وابن هشام ومما يدل لما قلناه، وأن النفى يسوغ كون صاحب الحال نكرة قول الفارسى: تقول ما مررت بأحد إلا قائما، حال من أحد، ولا يجوز إلا قائم؛ لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف، وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٤): كذلك، وليس

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكلام فيه من غرضنا، وقال فى قوله تعالى: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (١): هى صفة لقوله تعالى: سَبْعَةٌ وهى الداخلة على الجملة الواقعة صفة لنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالا وما ذكره ضعيف؛ لأن الحال يخالف الصفة بتقدمها على صاحبها ومخالفتها له فى الإعراب ولتخالفهما بالتعريف والتنكير غالبا ذكره ابن مالك، وأيضا فإن الواو إنما دخلت بين الحال وصاحبها؛ لأن الحال فى معنى الجملة، فإن معنى: جاء زيد راكبا جاء وهو راكب بخلاف جاء زيد الراكب، نقله الطيبى ثم رده وقال: الصواب العكس، وعندى أن الصواب فى الأول وسنفصل بين الكلامين عند الكلام على الجمل الحالية - إن شاء الله تعالى - وقد صرح ابن الحاجب فى الأمالى بما قلناه: من عدم عطف الصفة على الموصوف، وقد قدمنا الإشارة إلى شئ من ذلك، واختار الطيبى صحة قول الزمخشرى فى دخول الواو بين الصفة والموصوف، وزعم أنها سلبت معنى التغاير وصارت للربط فقط، فتكون بمعنى الباء، فإن صاحب اللباب نقل عن سيبويه: أن الواو بمعنى الباء فى قوله: بعت الشاء شاة ودرهما أن معناه: بدرهم، ووجهه: أن الواو للجمع والاشتراك والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق، من واد واحد، ويكون خروج الواو عن التغاير، كما فعل بالهمزة وأم فى قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢) وبالنداء فى: أيتها العصابة انتهى، وقال ابن الحاجب فى أماليه - بعد أن قرر أنه لا تقع الواو بين الصفة والموصوف -: إن وثامنهم كلبهم عطف خبر على خبر؛ لأن الأخبار يعطف بعضها على بعض كقولك: زيد قائم وعالم، وأما جاء رجل ومعه آخر فإما أن يكون من عطف جملة على جملة أو آخر معطوف على رجل، ومن ذلك قوله: عليك ورحمة الله السّلام، لا يتوهم أن الواو وقعت بغير عطف؛ لأنه فى نية التقديم والتأخير وأما وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٣) فتقديره: ارهبوا فارهبون، وأما قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا (٤) فقال الزمخشرى: معناه تكذيب على تكذيب وقولك: أعجبنى زيد وعلمه، فالعطف فيه للدلالة على أن لذات زيد مدخلا فى أن يتعجب منه، وليس كقولك: أعجبنى زيد علمه فهو كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَرَسُولَهُ (١) ولما كان ﷺ من الله بمكان عظيم كان إيذاؤه إيذاءه وعطف الصفات بعضها على بعض إشارة لاستقلال كل واحد منها - كما هو معروف فى موضعه وسيأتى - وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ (٢) قالوا: من عطف الخاص على العام وفيه نظر؛ لأن المعطوفات إذا اجتمعت فإما أن تقول: إن كلها معطوف على الأول فقوله تعالى: وَجِبْرِيلَ معطوف على لفظ الجلالة وإن كان كل واحد على ما قبله فيكون جبريل معطوفا على رسله، والظاهر أن المراد بهم: الرسل من بنى آدم لعطفهم على الملائكة فليس منه والتحقيق أن يقال: هو من عطف الخاص بعد العام أو من ذكر الخاص بعد ذكر العام وقوله تعالى: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٣) عكسه إلا أن يكون المراد بالسبع المثانى وبالقرآن العظيم واحدا. ولنرجع إلى كلام المصنف. فالقسم الأول: أن تكون الثانية مؤكدة للأولى والموجب للتأكيد دفع توهم الغلط أو التجوز وهو قسمان تارة بتنزل الثانية من الأولى مع الاختلاف فى معنى الجملتين منزلة التأكيد المعنوى من متبوعه فى إفادة التقرير، كقوله : الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (٤) فإن لا رَيْبَ فِيهِ وزان نفسه فى قولك: جاء الخليفة نفسه، فإنه بولغ فى وصف الكتاب ببلوغه إلى أقصى الكمال، فجعل المبتدأ ذلك وعرف الخبر باللام، ومع ذلك جائز أن يتوهم السامع قبل التأمل فى قوله ذلك مجازا فأتبع ذلك بلا ريب فيه، دفعا لهذا التوهم، كما أتبع الخليفة فى قولك: جاء الخليفة نفسه كذا قالوه ولا يخلو عن نظر؛ لأنه أقصى ما يمكن أن يقال: إن دلالة ذلِكَ الْكِتابُ (٥) على نفى الريب باللازم أما إنه بالمطابقة حتى يكون مثل: جاء زيد فبعيد، ولا يخفى أن هذا تفريع على أن لا ريب ليس نهيا، وقد قيل: إنه نهى معناه لا ترتابوا فرارا مما يوهمه الخبر من نفى وقوع الريب من أحد - وللكلام فى ذلك سبح طويل ليس هذا محله - وكذلك قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (٦) وجعله كأن لم يسمعها من قسم ما لا موضع له من الإعراب فيه نظر،

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذا قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١)؛ لأن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثبوتهم على اليهودية، وإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد رفع الإسلام ورفع نقيض الشئ إثبات له، كذا قيل وفيه نظر؛ لأن الاستهزاء أخص من الثبات على اليهودية لجواز أن يكونوا على اليهودية ولم يكونوا مستهزئين، بأن يتلفظوا بالإسلام خوفا أو لغير ذلك إلا أن يقال: دلالته على معنى زائد لا ينفى تأكيده لمعنى سابق، وقد يعترض أيضا بأن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثبوتهم على اليهودية ولا ينافى ذلك أن يكون إسلامهم السابق حقا فقولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد أنهم لم يكونوا مسلمين حين أظهروا الإسلام وحاصله أن إِنَّا مَعَكُمْ أفاد ثباتهم على اليهودية، وإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أفاد شيئا زائدا، لا يقال: ليست هذه الآية الكريمة من هذا الباب؛ لأن قوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ ليست لا محل لها لنصبها بالقول؛ لأنا نقول: هى مستأنفة فى كلام الكفار وقد تقدم مثله وقوله: نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ إشارة إلى القسم الثانى، وهو أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظى فى اتحاد المعنى مثل: هدى للمتقين، فإن معناه أنه بالغ فى الهداية درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة وهذا معنى ذلِكَ الْكِتابُ فإن مدلوله أنه الكتاب الكامل دون غيره وكماله باعتبار الهداية (فوزانه وزان زيد الثانى من قولك: جاء زيد زيد) ولا يخفى أن فى كون ذلِكَ الْكِتابُ (٢) لا محل لإعرابه نظرا وإن كان هو المختار عند الزمخشرى قال فى الإيضاح: وكذلك سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣) فإن معنى لا يؤمنون معنى ما قبله ويجوز أن يكون لا يؤمنون خبرا وسَواءٌ عَلَيْهِمْ اعتراض (قلت): وعلى الأول لا يصح أيضا أن يكون من هذا القسم؛ لأن سواء عليهم لها محل من الإعراب؛ لأنها خبر إن، ومن الغريب: أن أهل هذا الفن لم يذكروا من أقسام كمال الاتصال أن تكون الثانية صريحة فى تأكيد الأولى بإعادتها بلفظها مثل: قام زيد قام زيد فهى تأكيد بنفسها، فهى أجدر أن يحكم عليها بكمال الاتصال مما هو فرع عنها وملحق بها، ولعلهم إنما تركوا ذلك؛ لأن المؤكد الصريح هو نفس المؤكد فكأنهما جملة واحدة فلا تعدد.

стр. 502

أو بدلا منها؛ لأنها غير وافية بتمام المراد، أو كغير الوافية، بخلاف الثانية، والمقام يقتضى اعتناء بشأنه لنكتة؛ ككونه مطلوبا فى نفسه، أو فظيعا، أو عجيبا، أو لطيفا؛ نحو: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١) فإنّ المراد التنبيه على نعم الله تعالى، والثانى أوفى بتأديته؛ لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين؛ فوزانه وزان وجهه فى: أعجبنى زيد وجهه لدخول الثانى فى الأوّل، ــ القسم الثانى: أن تكون بدلا وإليه أشار بقوله (أو بدلا منها) أى تكون الجملة الثانية بدلا من الأولى وقوله: (لأنها) تعليل للإبدال أى: إنما أبدلت منها لكون الأولى غير وافية بتمام المراد، وهى المنزلة منزلة بدل البعض أو الاشتمال أو كغير الوافية وهى المنزلة منزلة بدل الكل، ومع ذلك فلا بد أن يكون المقام يقتضى اعتناء بشأنه لنكتة ما وتلك النكتة مثل: (كونه مطلوبا فى نفسه أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا) ثم ذلك ضربان، الأول: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه وإليه أشار بقوله: (نحو أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) فإنه سيق للتنبيه على عظم نعم الله عند المخاطبين فهو مقام يقتضى الاعتناء به، والثانية أوفى من الأولى لدلالتهما على التفصيل من غير إحالة على علمهم فإنهم معاندون، وقول المصنف: لدلالة الثانية عليه بالتفصيل فيه نظر، فإن الثانية إذا كانت بدل بعض تكون دلت على أن المراد بالأولى البعض، فالثانية كالمخرجة لبعض الأفراد ليست مفصلة لمعنى الأولى، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما تعلمون (فوزان الثانية وزان وجهه من قولك: أعجبنى زيد وجهه) قال فى الإيضاح: ويحتمل أن يكون أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ مستأنفة (قلت): فيه نظر؛ لأنه كان يلزم أن يكون التأكيد مستحسنا كما سيجئ وكما سبق، وقول المصنف: والثانية أوفى مخالف لقوله فى الأول أن تكون الأولى غير وافية؛ لأن أوفى يشعر بالمشاركة ثم أشار إلى القسم الآخر وهى أن تكون الأولى غير وافية بالشروط السابقة وهى التى تنزل مما قبلها منزلة بدل الاشتمال من متبوعه بقوله تعالى: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢) فإنه أريد به حمل المخاطبين على اتباع الرسل وقوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ أوفى بتأدية المعنى ولك أن تقول: اتباع

стр. 503

ونحو قوله [من الطويل]: أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلّا فكن فى السّرّ والجهر مسلما فإنّ المراد به إظهار كمال الكراهة لإقامته، وقوله: (لا تقيمنّ عندنا) أوفى بتأديته؛ لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد؛ فوزانه وزان حسنها فى: أعجبتنى الدار حسنها خ خ؛ لأنّ عدم الإقامة مغاير للارتحال، وغير داخل فيه، مع ما بينهما من الملابسة. ــ المرسلين واتباع من لا يسأل أجرا ليسا كبدل الاشتمال ومبدله لأن الاتباع الأول لم يشتمل على الاتباع الثانى بل هو هو وهذا بخلاف أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١) فإن نفس الإمداد والأنعام والبنين بعض من الإمداد العام بما تعلمون، ومثّله المصنف بقوله: أقول له: ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلّا فكن فى السّرّ والجهر مسلما (٢) فإن لا تقيمن عندنا أوفى بتأدية المعنى المقصود من كراهتهم المقام عندهم من قولهم؛ لأن لا تقيمن يدل على ذلك بالمطابقة مع التأكيد، بخلاف ارحل فإنه يدل عليه بالتضمن، وينبغى أن يقال: يدل على النهى عن الإقامة بالمطابقة، وارحل يدل عليه لا بالمطابقة فإنا قد نمنع أن يكون لا تقيمن يدل على الكراهة بالمطابقة، ومع ذلك لا يصح أن يكون ارحل يدل على لا تقيمن بالتضمن إلا بعد التفريع، على أن الأمر بالشئ يتضمن النهى عن ضده، قلنا: باللازم أو لا يدل فليس مما نحن فيه، ووزان كل من الجملة الثانية فى الآية الكريمة والبيت وزان حسنها فى قولك: أعجبتنى الجارية حسنها (لأن عدم الإقامة مغاير للارتحال) يعنى: أن حقيقتهما مختلفة، أى: لا يتوهم أنهما شئ واحد فيكون بمنزلة بدل الكل بل أحدهما ملزوم والآخر لازم. وقوله: (وغير داخل فيه) يعنى: ليس عدم الإقامة داخلا فى مدلول الرحيل وهذا صحيح؛ لأن العدم لا يدخل فى الموجود لكن الذى قصده لا يصح؛ لأنه يعنى: أنه بدل اشتمال وأن ارحل يلزم منه مضمون لا تقيمن، فكأنه يريد: أن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده؛ لكن لا يصح أن يعبر عن ذلك بالعدم، فإن مدلول لا ترحل

стр. 504

أو بيانا لها؛ لخفائها؛ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١)؛ ــ ليس العدم بل الكف، فإنه مطلوب النهى خلافا لأبى هاشم وما تضمنه كلامه من أن الأمر بالشئ يستلزم النهى عن ضده قد خالف فيه السكاكى وهو قول مشهور، وقوله: مع ما بينهما من الملابسة لكى لا يتخيل أن أحدهما لا يدل على الآخر كما هو قول قد قيل، ولم يتعرض المصنف لحالة كون الثانية بمنزلة بدل الكل؛ لأنه استغنى عنه بعطف البيان؛ لأنه قريب منه، وقال فى الإيضاح: لأن بدل الكل تأكيد إلا أن لفظه غير لفظ متبوعه، يعنى: أنه تأكيد معنوى وأنه لا يتوافق لفظهما إلا بزيادة نحو: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (٢)؛ ولأنه مقصود دون متبوعه بخلاف التأكيد المعنوى واللفظى وما ادعاه المصنف فى هذه الآية الكريمة والبيت من أن الجملة الأولى لا محل لها، جار على ما قررناه من أن المعتبر فى ذلك الكلام المحكى لا الحكاية. القسم الثالث: من صورة كمال الانقطاع: أن تكون الثانية بيانا للأولى فتنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه للإيضاح، وقوله: (لخفائها) يعنى: أن المقتضى لإثباتها بيانا خفاء معنى الجملة السابقة. قال فى الإيضاح: مع اقتضاء المقام إزالته ولا بد من هذا القيد فإن قلت: إذا كان فى الجملة السابقة خفاء فالأولى غير وافية أو كغير الوافية بتمام المراد، وهى حالة البدل فيلزم أن تتحد حالتا البدل والبيان، قلت: المقصود فى الإبدال هو الثانى لا الأول، فلهذا كان الأول غير واف أو كغير الوافى والمقصود فى البيان هو الأول والثانى توضيح له، وإن اشتركا فى أصل خفاء الجملة السابقة، وقوله: خفاء معنى الجملة السابقة يشير إلى أنها هى المقصودة - وذلك هو الفاصل بين البابين - ومثال هذا القسم قوله : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (٣) فإنه فصل، قال عن وسوس؛ لأن فيها تفسيرا وبيانا لها، ويحتمل أن يكون استئنافا، قلت: وفى جعل هذا من هذا القسم نظر، فإن وسوس الظاهر أن له محلا من الجر، فإنه معطوف على قلنا الذى أضيف له إِذْ * ثم إن

стр. 505

فإنّ وزانه وزان عمر فى قوله [من الرجز]: أقسم بالله أبو حفص عمر (١) ــ الجملة التى هى قال: ليس فيها بيان لوسوس، فإن قال: أخص من وسوس من وجه فكيف يبينه؛ بل العكس أقرب، فإن القول يبين بالوسوسة؛ لكن البيان على هذا وقع فى متعلق الجملة وهو ذكر المقول وذكر فى الإيضاح قوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٢)، وقال: يحتمل التبيين، فإنه إذا خرج من جنس البشر فقد دخل فى جنس آخر فاحتاج إلى بيان يعينه ويحتمل التأكيد؛ لأنه إذا كان ملكا لم يكن بشرا، وقول المصنف: (فإن وزانه وزان أقسم بالله أبو حفص عمر) يشير إلى ما روى أن أعرابيا أتى عمر رضى الله عنه فقال: إن أهلى بعيد وإنى على ناقة دبراء عجفاء نقباء واستحمله، فظنه كاذبا فلم يحمله فأخذ الأعرابى بعيره واستقبل البطحاء وهو يقول: أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما إن بها من نقب ولا دبر اغفر له اللهمّ إن كان فجر (٣) وعمر رضى الله عنه مقبل، فجعل كلما قال: اغفر له اللهم إن كان فجر، يقول عمر رضى الله عنه: اللهم صدق حتى التقيا فأخذ بيده فقال: ضع عن راحلتك، فوضع فإذا هى نقباء عجفاء، فحمله على بعير وزوده وكساه، وقيل: إن الذى قاله عمر: اللهم صدق ظنى، وقال ابن يعيش فى باب عطف البيان، وقول المصنف فى غير موضع: وزانه وزان كذا، أى: موازنة الثانية للأولى موازنة البدل للمبدل ونحوه؛ لأن الوزان فى اللغة الموازنة.

стр. 506

وأما كونها كالمنقطعة عنها: فلكون عطفها عليها موهما لعطفها على غيرها، ويسمّى الفصل لذلك قطعا؛ مثاله [من الكامل]: وتظنّ سلمى أننى أبغى بها ... بدلا أراها فى الضّلال تهيم (١) ويحتمل الاستئناف. ــ ص: (وأما كونها كالمنقطعة إلخ). (ش): يعنى لن تكون الجملتان ليس بينهما كمال الانقطاع؛ بل بينهما شبه كمال الانقطاع، بأن تكون الجملة اللاحقة كالمنقطعة عما قبلها والمعنى بذلك أن يكون عطفها على السابقة يوهم عطفها على غيرها. (ويسمى الفصل لهذا المعنى قطعا مثاله: بدلا أراها فى الضّلال تهيم) ... وتظن سلمى أنّنى أبغى بها فلو عطف أراها على تظن لتوهم أنه معطوف على أبغى مع أنه ليس بمراد، بل يفسد المعنى. قال المصنف: (ويحتمل الاستئناف) يعنى: أن لا يكون أصل الكلام العطف وترك لهذا المعنى؛ بل يكون كلا ما قصد به إجابة سؤال مقدر، قال المصنف: وقسم السكاكى القطع أى: الفصل فى هذا القسم إلى: قطع الاحتياط وهو ما لم يكن لمانع من العطف كما فى البيت، ويحتمل أن يريد بالاحتياط: أن الاحتياط سبب وجوبه من حيث البلاغة وإن لم يكن واجبا لغة بخلاف القسم الثانى فإنه واجب لغة، أى: بالذات وذاك وجوبه بالغير، وهذا كما يقول الفقيه: يجب على الخنثى كيت وكيت وكيت احتياطا، ويحتمل أن يريد بقوله احتياطا: جواز الترك وإلى ما هو واجب وهو ما كان لمانع كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢) وقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (٣) وقوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (٤) قال: لأنه لو عطفت لعطف على جملة قالوا أو جملة إِنَّا مَعَكُمْ وكلاهما لا يصح لما مر قال المصنف: وفيه نظر لجواز أن يكون المقطوع فى المواضع الثلاثة معطوفا على الجملة المصدرة بالظرف،

стр. 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا القسم لم يبين امتناعه، (قلت): قد تقدم من المصنف موافقة السكاكى على أن الله يستهزئ بهم لا يصح عطفه على قالوا ولا يصح على إِنَّا مَعَكُمْ فيبطل أن يكون مراد المصنف بالجملة المصدرة بالظرف الجواب كما توهم بعضهم، ولا يجوز أن يكون أراد عطفه على خَلَوْا لوضوح فساده إذ يصير التقدير قالوا ذلك وقت خلوهم ووقت استهزاء الله بهم فيلزم ما فر منه فيما سبق من تقييد استهزاء الله بهم بالظرف ويصير المعنى: إذا استهزأ الله بهم، قالوا: والمعنى على العكس إذا قالوا: استهزأ الله بهم أى: عذبهم أو يلزم عطف الاسمية على الفعلية وهو إن جاز مستهجن - كما سيأتى - وإن أراد أنه معطوف على الظرف وما أضيف إليه وهو قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا (١) وكذلك أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ من قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا (٢) قال الخطيبى: فهو ظاهر الفساد؛ لأنها معطوفة إما على يَكْذِبُونَ أو على جملة يَقُولُ من قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ (٣) فيصير التقدير من أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وكذلك أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ قال: وأما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فالنظر صحيح يعنى: لأنه يصح عطف اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على يَكْذِبُونَ وعلى يَقُولُ التقدير: ومن الناس من الله يستهزئ بهم أو بما كانوا الله يستهزئ بهم وهذا الذى قال الخطيبى بعيد أعنى: عطف الله يستهزئ بهم على يكذبون؛ لأن الجملتين مختلفتان فى الاسمية والفعلية؛ ولأن استهزاء الله هو عذابه وهو معلول للتكذيب فكيف يعطف على علته؟ فيلزم انقلاب المعلول علة فهذا فساد من جهة المعنى ويفسد ما ذكره المصنف من جهة التركيب فى الآيات الثلاث أن جملة الظرف معمولة للجواب، فيلزم أن يكون قالوا عاملا فى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ كما أنه عامل فى متبوعها وهو إذا خلوا فكيف يكون اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ معمولا ل قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إلا أن يقول: هو معطوف على جملة الشرط وجوابها معا، أحدهما: تقديرا، والآخر: تحقيقا، وحاصله أن عطفها على إِنَّا مَعَكُمْ متعذر؛ لعدم المقتضى وعلى الظرف وما بعده أو على جوابه أو على خَلَوْا ممتنع؛ لوجود المانع.

стр. 508

وأما كونها كالمتّصلة بها: فلكونها جوابا لسؤال اقتضته الأولى؛ فتنزّل منزلته فتفصل عنها؛ كما يفصل الجواب عن السؤال. السكاكى: فينزّل ذلك منزلة الواقع لنكتة؛ كإغناء السامع عن أن يسأل، أو مثل ألّا يسمع منه شئ، ويسمّى الفصل لذلك استئنافا، وكذا الثانية، وهو ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال: ــ (تنبيه): بقى من التوابع الوصف، أى: حال تنزيل الجملة الثانية منزلة الوصف من السابقة، وكأنه تركه اقتداء بالسكاكى، غير أن السكاكى جعل هذا القسم الأخير مما نزلت فيه الثانية منزلة التبيين، ولم يقل: عطف البيان، وكأنه قصد ما هو أعم من عطف البيان والنعت، لا كما قال قطب الدين: أنه أراد عطف البيان إذ ليس فى كلامه ما يدل عليه ولا بد من ذكر هذا القسم والفرق بينهما: أن الثانية إذا كانت فى معنى الوصف تكون مبينة لمعنى الأولى المقصودة كالمؤكدة والمنزلة منزلة عطف البيان، تدل على ما دلت عليه الأولى بلفظ أوضح، والمنزلة منزلة الوصف تدل على صفة لا حقة لمعنى الجملة السابقة. (تنبيه): هذا القسم أيضا يداخل كثيرا من الأقسام الماضية والآتية بحسب الاعتبارات. ص: (وأما كونها كالمتصلة إلخ). (ش): أى: حال شبه كمال الاتصال، وهو أن تكون بمنزلة المتصلة بها؛ لكونها، أى: الثانية، جوابا عن سؤال اقتضته الجملة السابقة، ومراده بالأولى: ما هو أعم من المذكورة والمحذوفة لما سيأتى (فتنزل) أى الأولى (منزلته) أى: منزلة السؤال (فتفصل) أى: الثانية (عنها) أى عن السابقة (كما يفصل الجواب عن السؤال) وهذه ضمائر مختلفة، ويحتمل أن يريد: فتنزل الثانية منزلة الجواب فتفصل، أى: الثانية (قوله: السكاكى) أى السكاكى قائل بتنزيله، أى: السؤال منزلة الواقع، أى: منزلة السؤال الواقع (قوله: لنكتة) أى تنزيل السؤال منزلة الواقع وعبارة المفتاح والإيضاح: لتنزيله منزلة السؤال الواقع بالفحوى، والمراد بالفحوى: مدلول اللفظ لا فحوى الخطاب الذى هو مفهوم الموافقة، كذا قيل والذى يظهر لى أن قول المصنف: تنزل الأولى منزلة السؤال، فالثانية منزلة جوابها، والسكاكى يقدر السؤال واقعا، فالثانية جوابه فعلى هذا المراد بالفحوى المفهوم من لازم اللفظ والذى يظهر أن الجملة الأولى إن ظهر منها

стр. 509

إمّا عن سبب الحكم مطلقا؛ نحو [من الخفيف]: قال لى: كيف أنت قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل ــ استدعاء السؤال وطلبه فهى منزلة منزلته كما قال المصنف مثل: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (١) فإنه يشوق السائل إلى السؤال عنها وإن لم يكن، ولكنه استفيد التشوق إليه من القرائن فالسؤال مقدر كقوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي (٢) وتقدير السؤال لأحد أمور: كإغناء السائل أن يسأل، والمراد السائل بلسان الحال وإلا فالفرض أنه لم يسأل أو قصد أن لا يسمع منه إما لاحتقاره أو تعظيمه، زاد فى الإيضاح: أو قصد أن لا ينقطع كلامك بكلامه أو قصد تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف. والباء فى قوله: بتقليل اللفظ للمعية، أى: تكثير المعنى للسؤال مع تقليل اللفظ بطى السؤال والعاطف كما قال قطب الدين فى شرح المفتاح، وقال الكاشى: يجوز أن تكون للسببية وهو أولى؛ لأن ترك العاطف سبب فى تقدير السؤال وهو فاسد؛ لأنه مقلوب فإن تقدير السؤال هو السبب فى ترك العطف لا بالعكس إذ يلزم أن يكون ترك العطف بلا مقتض أو تنبيه السامع على موقعه قال: أو لغير ذلك مما هو منخرط فى هذا السلك، أى: مثل ادعاء أن هذا السؤال لا يحتاج لذكره، أو امتحان السامع هل يعلم أن ذلك جواب سؤال؟ ويسمى الفصل لذلك استئنافا (وكذا الثانية) أى: الجملة تسمى أيضا استئنافا، وهو، أى: الاستئناف ثلاثة أضرب؛ لأن السؤال الذى تضمنته الأولى على رأيه أو المقدر على رأى السكاكى إما عن سبب أو لا والأول إما سبب عام أو لا فالسبب العام كقوله: قال لى كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل (٣) كأن المخاطب لما سمع عليل، قال: ما سبب علتك؟ فقال: سهر دائم وحزن طويل. والخاص: أشار إليه بقوله: وإما عن سبب خاص كقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٤) فكأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ وهذا الضرب

стр. 510

أى: ما بالك عليلا؛ أو: ما سبب علّتك؟ وإمّا عن سبب خاص؛ نحو: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (١)؛ كأنه قيل: هل النفس أمّارة بالسوء؟ وهذا الضرب يقتضى تأكيد الحكم؛ كما مر (٢). ــ يقتضى تأكيد الحكم كما سبق فى أحوال الإسناد فإن الخطاب طلبى فلذلك أكد بإن فإن قلت: لأى شئ كان السؤال فى البيت لطلب السبب العام، وفى الآية: لطلب السبب الخاص؟ ولأى شئ قدر السؤال فى الأول بما التى هى لطلب التصور، وفى الثانى بهل التى هى لطلب التصديق؟ ولأى شئ لم يكن هذا القسم الاستئنافى كله خطابا طلبيا فيؤكد دائما كما سبق؟ (قلت): أما الأول فلأنا إنما نقدر من السؤال ما دلت عليه الجملة السابقة والذى دل عليه قوله:" عليل" وقوع العلة المستدعية لسبب ما، فلا نزيد فى السؤال المقدر عنه فنقدر ما سبب علتك؟ ليكون طلبا لتعيين السبب ولو قلت: هل سبب علتك موجود؟ لما صح؛ لأن ذلك معلوم الوجود والذى دلت عليه الجملة الأولى فى الآية الكريمة عدم تبرئة النفس، وذلك صريح فى اعتقاد المتكلم أنها أمارة بالسوء؛ لأن عدم تبرئة النفس لا سبب له فى مثل ذلك المقام إلا كونها أمارة بالسوء فلا شك أن الجملة الأولى أشارت إلى اعتقاده أن النفس أمارة بالسوء، ولكنه لما لم يكن بالصريح فربما تشكك السامع فى وقوع هذه النسبة فلذلك راجع المتكلم وقال: هل النفس أمارة بالسوء؟ أى: كما اقتضاه كلامك أولا فهو طلبى فى معنى الإنكارى؛ فلذلك أكد بإن واللام، وبهذا ظهر جواب الثانى، وأما جواب الثالث؛ فلأن ما تقدم من التأكيد فى الخطاب الطلبى والإنكارى شرطه أن يكون الاستفهام فيه عن التصديق لا عن التصور، وكذلك نقول فى هذا الباب كله: حيث دلت الجملة الأولى على سؤال تصديقى تأتى الثانية مؤكدة وإلا فلا وإنما شرطنا التصديق فى الطلبى لأن التأكيد بإن إنما يكون للنسبة لا لأحد الطرفين. بقى فى كلام المصنف اعتراض آخر: وهو أنه قد يقال: أنا عليل يستدعى سؤالا وهو ما ترتب على علتك فأجاب: سهر دائم، وعلى هذا فلا يكون سؤالا عن السبب بل يكون من القسم الثالث، واعتراض آخر: وهو أنه جعل هذا من السؤال عن السبب العام وليس ذلك سؤالا عن العام؛ لأن العام معلوم وإنما هو سؤال عن تعيين

стр. 511

وإما عن غيرهما؛ نحو: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ (١) أى: فماذا قال؟ وقوله [من الكامل]: زعم العواذل أنّنى فى غمرة ... صدقوا ولكن غمرتى لا تنجلى ــ الخاص، فالسؤال عن السبب العام لا يمكن إلا بطلب التصديق بأن يقال: هل وقع لذلك سبب؟ واعتراض ثالث: وهو أنه جعل السبب مطلقا وخاصا، والمطلق والخاص ليسا متقابلين بل المطلق يقابله المقيد وهما الأعم والأخص، والخاص يقابله العام، لكن هو جار على إطلاق المتكلمين، العام على الأعم والخاص على الأخص. القسم الثالث من هذا القسم: أن يكون السؤال عن غير السبب العام وغير السبب الخاص كقوله : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ * كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم؟ فقيل: قال: سلام. قال الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز: كل ما فى القرآن من قال بلا عاطف فقدره على هذا، يعنى على الاستئناف، وكذلك قال ابن الزملكانى فى التبيان، ومنه قول الشاعر: زعم العواذل أنّنى فى غمرة ... صدقوا ولكن غمرتى لا تنجلى (٢) كأنه قيل: هل صدقوا؟ فقال: صدقوا، وهذا البيت أحد ما يدل على أن زعم تستعمل فى القول الصحيح، وللناس فيه قولان، قيل: كل قول قام الدليل على بطلانه، وقيل: لم يقم على صحته ولم يستعمل الزعم فى القرآن العظيم إلا للباطل، واستعمل فى غيره للصحيح كقول هرقل لأبى سفيان: زعمت (٣)، وهو كثير فى الحديث؛ لكن إذا تأملته تجده حيث يكون المتكلم شاكا، فهو كقول: لم يقم الدليل على صحته، وإن كان صحيحا فى نفس الأمر وسيأتى قريبا بقية لهذا الكلام، وقد يستشكل قول الشاعر: صدقوا، وهو ضمير المذكر والعواذل جمع عاذلة وعاذلة مؤنث،

стр. 512

وأيضا: منه ما يأتى بإعادة اسم ما استؤنف عنه؛ نحو: أحسنت إلى زيد؛ زيد حقيق بالإحسان خ خ، ومنه: ما يبنى على صفته؛ نحو: أحسنت إلى زيد؛ صديقك القديم أهل لذلك خ خ؛ وهذا أبلغ. ــ قيل: ولا يصح أن يكون جمع عاذل؛ لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا ما هو معهود، ولا يصح إطلاق أن فاعلا لا يجمع على فواعل إنما يمتنع ذلك ويتوقف على السماع فى صفة العاقل كما نحن فيه، أما فاعل الجامد أو صفة غير العاقل أو صفة المؤنث كطوالق فيجوز جمعه على فواعل، ذكره سيبويه وغيره، ومن هذا نواقض الوضوء جمع ناقض، وغلط النسفى حيث قال: جمع ناقضة لتوهمه أن نواقض لا يكون جمع ناقض، وقد وقع جمع فاعل على فواعل فى ألفاظ غير فوارس وهوالك وهى نواكس وسوابق: (قوله: وأيضا منه) هذا تقسيم آخر للاستئناف أى: من الاستئناف ما يأتى بإعادة اسم ما استؤنف عنه مثل: أحسنت إلى زيد حقيق بالإحسان. (ومنه ما يبنى على صفته) أى: تذكر صفته (كقولك: أحسنت لزيد صديقك القديم أهل لذلك) وهذا القسم بذكر الصفة أبلغ من الذى قبله بذكر الاسم؛ لأن فى هذا ذكر السبب بخلاف الأول وأنت إذا عرضت هذه الأقسام الاستفهامية على ما تقدم وعلى ما سيأتى من الأقسام أمكن استعمال مادة الاستفهام فى غالبها وبأن ذلك التداخل فى تقسيم المصنف كما ذكرناه. (وقوله: وقد يحذف صدر الاستئناف) هذا تقسيم آخر للاستئناف، أى: يحذف صدر الجملة المستأنفة لقيام قرينة مثل قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١) فى قراءة من بناه للمفعول فإنه قرأ رجال التقدير: يسبحه رجال أو المسبح رجال. ومنه: نعم الرجل أو رجلا زيد، وبئس الرجل أو رجلا عمرو على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أى: هو زيد - كما تقدم - أما إذا قلنا: نعم الرجل خبر وزيد مبتدأ فلا، والمعنى أنه لما انبهم أمره قيل: من هو وتمثيل المصنف لهذا القسم كان مستغنيا عنه بقوله: قال لى كيف أنت قلت عليل

стр. 513

وقد يحذف صدر الاستئناف؛ نحو: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ (١) وعليه: نعم الرجل زيد على قول (٢). وقد يحذف كلّه: إمّا مع قيام شئ مقامه؛ نحو قول الحماسىّ: [من الوافر]: زعمتم أنّ إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف ــ فإنه مثال له (قوله: وقد يحذف الاستئناف) أى: تحذف الجملة المستأنفة كلها، أما مع قيام شئ مقامه كقول الحماسى: زعمتم أنّ إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف (٣) التقدير: أصدقنا أم كذبنا، فقال تقديرا: كذبتم، ثم استدل عليه بقوله: لهم إلف وليس لكم إلاف، وجملة لهم إلف وليس لكم إلاف تدل على المحذوف، وإذا قلنا: الزعم هو القول الباطل استغنينا عن تقدير كذبتم بزعمتم فلا يكون من هذا القبيل، وقد تقدم فى حقيقة الزعم قولان، قال فى الكشاف: الزعم ادعاء العلم ومنه قوله ﷺ : " زعموا مطية الكذب" (٤) وعن شريح: لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا. اه. لكن سيبويه يكثر فى كتابه من قوله: زعم الخليل لا يريد إبطال قوله وقال أبو طالب: ودعوتنى وزعمت أنّك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا وقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٥) فانظر إلى أن التقدير: إن كنتم صادقين فى زعمكم ويجوز أن يقدر لهم إلف إلخ.

стр. 514

أو بدون ذلك؛ نحو: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (١) أى: نحن؛ على قول (٢). وأما الوصل لدفع الإيهام: فكقولهم: (لا وأيّدك الله). ــ جواب الاستئناف كأنه قال: هل كذبوا؟ فقال: لهم إلف فإنه تكذيب بالمعنى، ويجوز أن يقدر لهم إلف جواب سؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأن المتكلم قال: كذبتم، فقالوا: لم كذبنا؟ فقال: لهم إلف. (قوله: أو بدون ذلك)، أى: يحذف الاستئناف بلا إقامة شئ مقامه كقوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أى: نحن على قول، وفى عبارته نظر، إذ ينبغى أن يقول: أى: هم نحن، لكن لما كان هم هذا واجب الإضمار لم ينطق به، وكان الأحسن أن يذكره؛ لأنه إنما يمنع النطق به حيث كان فى تركيب، أما إذا قصد تفسير المعنى فلا تقول ضربا زيدا معناه اضرب ضربا وإن كنت لا تنطق به فى الاستعمال كذلك، وهذا إنما يتأتى على أحد هذين القولين، أما إذا جعلنا فَنِعْمَ الْماهِدُونَ خبرا مقدما ونحن مبتدأ كما يوهمه ظاهر قول المصنف، أى: نحن، فليس مما نحن فيه فى شئ، ولك أن تقول: الفصل لا يعقل إلا بين كلامين منطوق بهما فإذا كانت الجملة المستأنفة عما قبلها محذوفة فكيف يسمى ذلك فصلا إلا أن يقال: المصنف استطرد إلى أنواع الجملة المستأنفة ولم يسمه فصلا فليس من هذا الباب. (تنبيه): قال ابن الزملكانى فى التبيان: إن هذا السؤال مخالف للسؤال المنطوق به فى أنه يحذف الفعل، كقوله: من قام، فتقول: زيد، بخلاف السؤال المقدر فإنه لا يحذف منه شئ، وهذا خلاف ما ذكره المصنف والذى يظهر أن يقال: السؤال المقدر الأولى أن لا يحذف من جوابه شئ بخلاف المنطوق به فالأولى ذكره؛ لأنه مع التصريح بطرفى الإسناد يخرج عن كونه جوابا؛ وإنما قلنا: الأولى ذكره فى جواب المنطوق لضعف السؤال بالتقدير. ص: (وأما الوصل إلخ). (ش): تقدم أنه إذا كان بين الجملتين كمال الانقطاع تفصل إحداهما عن الأخرى بشرط عدم إيهام الفصل خلاف المراد فإن أوهم وصلت وذلك كقولهم:

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا وأيدك الله فوصلت، وإن كان بينهما كمال الانقطاع؛ لأن الأولى المقدرة خبرية والثانية إنشائية؛ لأنه لو لم يوصل توهم أن" لا" داخلة على جملة" أيدك الله" فتكون دعاء عليه، وحكى صاحب المغرب عن أبى بكر رضى الله عنه، أنه مر برجل يقال له: أبو اللعانة فى يده ثوب فقال له الصّدّيق: أتبيع هذا الثوب؟ فقال: لا رحمك الله، فقال له الصديق: قد قوّمت ألسنتكم لو تستقيمون لا تقل هكذا، قل: عافاك الله لا، وحكاه الزمخشرى فى ربيع الأبرار، فقال: إن الصديق قال له: قل لا، ويرحمك الله، ولك أن تقول: الإيهام كما يدفعه الفصل بين الجملتين اللتين بينهما كمال الانقطاع يدفعه وإن كان بينهما كمال الاتصال، وكذلك غيره من الأقسام السابقة واللاحقة، فليعتبره الناظر، والإيهام مشروط بأن لا يعارضه إيهام آخر - كما سبق - على أن عندى فى ذكر هذا القسم فى باب الوصل إشكالا فإن هذه الواو إذا جاءت لدفع الوهم، فالظاهر أنها زائدة وليست عاطفة؛ بل زيدت لدفع توهم النفى لما بعدها فهى فى الحقيقة دخلت زائدة لتأكيد عودها لما قبلها، وذلك شأن الزائد يؤتى به للتأكيد، والتأكيد أكثر ما يأتى لدفع إيهام غير المراد وقد جوز الكوفيون زيادتها وتبعهم ابن مالك وجوزه الأخفش فى بعض المواضع وجعلوا منه قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (١) وقيل: المزيد الواو فى: وقال لهم خزنتها وأنشدوا عليه: فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوى من سفاهته كسرى (٢) وقوله: ولقد رمقتك فى المجالس كلّها ... فإذا وأنت تعين من ينعينى وإذا لم يجز زيادة الواو فالظاهر أن المعطوف محذوف، التقدير: لا، وأقول: أكرمك الله وعلى التقديرين لا يعد ذلك مما نحن فيه إنما نتكلم فى الوصل بحرف عاطف؛ حذرا

стр. 516

وأما التوسّط: فإذا اتّفقتا خبرا وإنشاء، لفظا ومعنى، أو معنى فقط بجامع؛ كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (١)، وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (٢) وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (٣) ــ من إيهام عطف شئ على ما لا يصلح أن يعطف عليه، وليس الأمر هنا كذلك إما لعدم العاطف إن لم يجعل حرف عطف أو لتقدير معطوف خبرى يصح عطفه على ما قبله من غير حذر الإيهام والأحسن جعل الواو زائدة وإذا كان الوصل الصورى بالحرف الزائد يدفع الوهم فأى داع إلى أن يؤتى بالوصل المعنوى فى غير محله مع الاستغناء عنه. ص: (وأما التوسط). (ش): هذه الحالة الأخيرة وهى أن يكون بين الجملتين التوسط بين كمال الانقطاع وكمال الاتصال وإن شئت قلت: بين الاتصال والانقطاع وذلك قسمان: أحدهما أن تتفق الجملتان خبرا لفظا ومعنى، أو إنشاء لفظا ومعنى أو خبرا معنى أو إنشاء معنى، ويحصل من ذلك صور: أن يكونا خبرين لفظا أو معنى أو إنشاءين معنى والأول إنشاء أو خبرين معنى والأول خبر أو إنشاءين معنى خبرين لفظا، أو خبرين لفظا، أو خبرين معنى إنشاءين لفظا، فهذه ثمانية أقسام تدخل فى قوله: فإذا اتفقتا خبرا وإنشاء لفظا ومعنى فإن كل واحد من قوله: لفظا ومعنى يعود لكل واحد من قوله: خبرا وإنشاء وكان ينبغى أن يقال: خبرا أو إنشاء لأنه لا يمكن اجتماع الخبر والإنشاء على كل من الجملتين فى حالة واحدة والثانى: أن يتفقا إنشاء وخبرا معنى لا لفظا وقوله: بجامع أى لا بد أن يكون مع ذلك بينهما جامع على ما سيأتى فى بيان الجامع، مثال اتفاقهما لفظا ومعنى فى الخبرية قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ فإنهما خبران وبينهما جامع وهو الاتحاد فى المسند، وفى المسند إليه، ولك أن تقول: لم يتحدا فى المسند فإن المسند فى الأول المخادعة وهو غير الخدع، ولك أن تقول: جملة يخادعون لها محل، وهو خبران، فكيف ذكرها المصنف فى قسم ما لا محل له، وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ والجامع التضاد ومثاله فى الإنشاء قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا فإن كلا من الثانية مع الثالثة

стр. 517

وكقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (١) أى: لا تعبدوا، وتحسنون، بمعنى: أحسنوا، أو: وأحسنوا. ــ والأولى مع الثانية إنشاء فالجامع الاتحاد فى المسند إليه كذا قال الخطيبى وفيه نظر، لأن الاتحاد فى المسند إليه لا يكفى عند المصنف وكان ينبغى أن يقول: الاتحاد فى المسند إليه وفى المسند التضاد بين الأكل والشرب، وملازمة النهى السرف للأكل فكان ذلك جامعا فوجب اتحادهما فى الخيال. [مثال لقسم الاتفاق بين المسند والمسند اليه معنا] ومثال القسم الثانى: وهو اتفاقهما معنى لا لفظا وكل إنشاء قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فإن قوله: وقولوا إنشاء لفظا ومعنى عطف على لا تَعْبُدُونَ وهو خبر لفظا إنشاء معنى فقد اتفقتا إنشاء معنى وإن اختلفتا لفظا فإن لفظ الأولى خبر والثانية إنشاء وبينهما جامع وهو اتحاد المسند إليه كذا قاله الخطيبى وعليه من السؤال ما سبق وأما لا تَعْبُدُونَ مع وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فإن كان التقدير: وأحسنوا فتكون الجملتان إنشاء معنى وخبرا لفظا والأولى خبر والثانية إنشاء وإن كان التقدير: تحسنون، فالجملتان خبر لفظا إنشاء معنى ويرجع أن فيه مبالغة وإشارة إلى أنه سورع إلى امتثاله وفيه مشاكلة فى اللفظ لما قبله ويرجح أحسنوا أن فيه مشاكلة لما بعده وإن فيه إضمارا فقط وفى الأول إضمار وتحسنون مجاز فى التعبير عن أحسنوا ولك أن تقول: المصنف جزم بأن وقولوا معطوف على لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وفيه نظر؛ لأن إحسانا، إن كان معمولا لأحسنوا فعطف قولوا عليه أولى لاتفاقهما لفظا ومعنى وإن كان التقدير: وتحسنون فهو كالذى قبله، والعطف على القريب أولى، وكأنه رأى أن المعطوفات إذا تعددت، كان كلها معطوفا على الأول، وقد تقدم أن فيه قولين سمعتهما من شيخنا أبى حيان، وأما اتفاقهما معنى لا لفظا وكل خبر فقال السكاكى: مثاله قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصاكَ (٢)، قال: وألق عصاك جملة إنشائية لفظا خبرية معنى، التقدير: قيل له:

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بورك، وقيل له: ألق. (قلت): هذا كلام عجيب؛ لأنه إن أراد تقدير قول قيل: ألق لفظا كانت ألق إنشائية قطعا لفظا ومعنى، كقولك: قال زيد: قم، هى إنشائية وإن حكيت بالقول لأن العبرة بالمحكى كما قالوا فى: وقال رائدهم أرسوا نزاولها (١) إذ جملة قيل معطوفة على نودى، وهما خبريتان قطعا، وإن أراد تقدير قيل من جهة المعنى وكانت الواو فى قوله تعالى محكية بأن يكون قيل له: الجملتان بالوصل، فالأولى خبرية لفظا ومعنى، وذلك لا يمكن لأن بينهما حينئذ كمال الانفصال، وإن كانت الواو غير محكية فلا عطف حينئذ والجملتان متفاصلتان، والثانية إنشاء لفظا ومعنى، والذى يظهر أن الواو ليست محكية والتقدير من جهة المعنى وقيل له: ألق، ويشهد له أن جملة ألق فى الكلام المحكى مستأنفة بدليل قوله تعالى فى الآية الأخرى: وَأَنْ أَلْقِ (٢) وهذا هو الذى دعا الزمخشرى إلى قوله: أن ألق معطوف على بورك، والمعنى وقيل له: ألق، واعترض عليه بأن تقدير وقيل له يمنع العطف على بورك، وجوابه أن الزمخشرى إنما أراد تقدير المعنى، ألا تراه قال: المعنى ولم يقل: التقدير، وقد جوّز غيره فى ألق أن يكون عطفا على بورك لكنه تجويز لا يتأتى لوجوب الفصل حينئذ، وإلا حسن ما ذكره الزمخشرى ولا محذور فيه؛ لأنه كقولك: قلت: قام زيد، واضرب عمرا، والجملتان فى المحكى منفصلتان، وبالجملة الزمخشرى لم يقل: أن ألق فيها معنى الخبر كما زعم السكاكى، ثم فيما قاله السكاكى أيضا من أن جملة بورك خبر لفظا ومعنى نظر لجواز أن يكون دعاء وهو إنشاء، وقد ذكر هذا التقدير الفارسى وشيخنا أبو حيان وأبو البقاء وغيرهم، فتكون الجملتان متفقتين معنى فى الإنشاء، فيكون مثل: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (٣)، ولا شك أن كون بورك إنشاء أو خبرا يتوقف على كون أن هذه تفسيرية أو الناصبة فهى خبر وإن كانت المخففة من الثقيلة فقال الفارسى: إنها دعاء، وجوزه شيخنا أبو حيان فى هذه الآية الكرية، وجزم به أبو البقاء لكن ذكر

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو حيان عند قوله تعالى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها (١) أن ذلك عند الفارسى، ورد عليه بأن المشهور أن الجملة الطلبية لا تقع خبر إن، ولذلك أولوا قوله: إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما (٢) قلت: وكذا قوله: أكثرت فى العذل ملحّا دائما ... لا تكثرن إنّى عسيت صائما (٣) (قلت): ولعل الزمخشرى لأجل هذا قال: إن أن هذه لا يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنه لا بد من قد إشارة إلى ملازمة الخبرية والتحقيق فى جعل خبر إن إنشاء أنه يجوز إن كان طلبيا ولفظه خبر لتكرره فى أدعية النبى ﷺ :" اللهمّ إنى أسألك رحمة من عندك" (٤)،" اللهمّ إنى أعوذ بك من المغرم والمأثم" (٥)،" اللهم إنى أعوذ بك من فجأة نقمتك وتحول عافيتك" (٦)،" اللهم إنى أعوذ بك من أن أضلّ أو أضلّ" (٧)، وهو كثير، ولا يجوز أن يكون مثل: أنى بعتك، والفرق أن الطلبى يفيد التأكيد لتأخر متعلقه فيؤكد طلبه كما تؤكد النسبة الخبرية بخلاف الإنشاء الذى وقع متعلقه معه فلا يقبل التأكيد، وهذا تفصيل قلته بحثا، وهو مخالف للقولين فلينظر فيه، ولعل ابن مالك من أجل هذا قال: قد تدخل أن على ما خبره نهى ولم يطلق الإنشاء، ومما ذكروه فى هذا الفصل قوله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٨)، قالوا: جملة (امتازوا) معطوفة على أن

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحاب الجنة لأنها فى معنى الإنشاء، لأن مجموع هاتين الجملتين تفصيل لما أجمله قوله تعالى: فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (١)، وقوله: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢)، فعموم هذه الجمل اقتضى تفصيلها، فقيل: عند سوق أهل الجنة إليها، كما ورد أن ذلك يقال عند سوقهم إلى المحشر تنزيلا لما يكون منزلة الكائن أن أصحاب الجنة أى سيروا إليها، والسكاكى قال معنى هذا الكلام، ثم قال: التقدير أن أصحاب الجنة منهم يا أهل المحشر، وفيه نظر؛ لأنه إذا كانت طلبية ومعناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى الجنة فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر؛ لأن المخاطب فى الخبرية هنا هو المأمور فيها معنى، ولعله لأجل هذا الإشكال قال بعض شراح المفتاح: إن تضمين أن أصحاب الجنة الطلب ليس المراد منه أن الجملة نفسها طلبية بل معناه: أنه تقدر جملة إنشائية بعدها بخلاف: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (٣)، وما قاله مشكل؛ لأنه إذا أخرج أن أصحاب الجنة عن الإنشاء فكيف يجعلها متضمنة والتقدير عند هذا القائل: سيروا أيها المؤمنون وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا (٥)، قال الزمخشرى: ليس الذى اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد جملة وصف ثواب المؤمنين فهى معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقتل وبشر عمر بالعفو، وجوز الزمخشرى أن يكون معطوفا على فاتقوا، واعترض بأنه يلزم أن يكون مقيدا بالشرط، والتقدير: فإن لم تفعلوا وليس كذلك فإن البشارة على كل تقدير وجوابه أن الواقع أنهم لا يفعلون ثم مهما كان جوابا عن تعليق اتقاء النار على الشرط كان جوابا هنا قال المصنف: وفيه نظر ووجه النظر قيل له: إنه ليس بينهما اتحاد فى المسند إليه وفيه نظر؛ لأن بين المسند إليهما تناسبا كما يقول الوزير للملك: ارسم لهؤلاء بما شئت وامتثلوا أيها الرعية، وإنما استبعد هذا لما فيه من اختلاف المخاطب، وقد مثله الزمخشرى بقولك: يا تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بنى أسد بإحسانى إليهم، قلت: بل ما نحن فيه أولى لأنه الآية الكريمة تقدم فيها

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خطاب عام بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ (١)، ثم فصل فقيل للكفار: فإن لم تفعلوا وقيل لغيرهم: وبشر ونظيره أيها الناس أنا راض عنك وساخط عليك، والخطاب لشخصين، وذلك أوضح مما مثل به نعم يشكل على ما قاله أن الخطاب وقع هنا مع شخصين فى كلامين مستقلين، وأما وبشر إذا كانت معطوفة على الجواب صار كأنك قلت: إن قمت فأنت كذا، ويكون الخطاب فى الشرط مع شخص وفى الجزاء مع غيره، وذلك لا يكاد يجوز لأنه كلام واحد وإن كان جملتين لا يقال: قد وقع ذلك فى قول العرجى: فإن شئت حرّمت النّساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا (٢) فإن سواكم تعظيم، وربما خوطبت المرأة والواحدة بخطاب الجماعة الذكور، يقول الرجل عن أهله: فعلوا كذا، مبالغة فى سترها حتى لا ينطق بالضمير الموضوع لها، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى ﵊: فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا (٣) ولذلك كان الأكثرون على أن الضمير فى قوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ (٤) للأزواج ليتحد فاعل الشرط مع فاعل الجزاء، وأما قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٥) فليس شرطا وجزاء فلا مانع من اختلاف المخاطب فى النداء مع ما بعده أو (ارجعون) خطاب لله تعالى للتعظيم، فهو كقوله: (حرمت النساء سواكم) فإنه خطاب للواحدة تعظيما، أو قال رب استغاثة وارجعون خطاب للملائكة أو جمع لتكرر القول كما قيل فى قفا نبك، وأما يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ (٦)، فذكر النبى للتشريف ثم خوطب الجميع نعم يمكن أن يمنع ذلك من أصله ويقال: وبشر ليس مختصا بخطاب واحد دون غيره بل لكل واحد وأفرد إشارة إلى أن ذلك لا يؤمر به شخص دون غيره قال الزمخشرى فى قوله تعالى فى سورة الصف: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٧)

стр. 522

والجامع بينهما: يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين جميعا؛ نحو: يشعر زيد ويكتب، ويعطى ويمنع، وزيد شاعر، وعمرو كاتب، وزيد طويل، وعمرو قصير؛ لمناسبة بينهما؛ بخلاف: زيد شاعر، وعمرو كاتب؛ بدونهما، وزيد شاعر وعمرو طويل؛ مطلقا. ــ إنه معطوف على تُؤْمِنُونَ (١) لأنه بمعنى آمنوا، قال المصنف: وفيه نظر لأن المخاطبين فى تُؤْمِنُونَ هم المؤمنون وفى وَبَشِّرِ هو النبى ﷺ ثم قوله: تُؤْمِنُونَ (٢) بيان لما قبله على طريق الاستئناف فكيف يصح عطف بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه؟ قلت: أما اختلاف المخاطبين فى الجملتين فلا يمتنع كما سبق ثم جائز أن يكون وَبَشِّرِ خطابا لكل واحد وكون جملة تُؤْمِنُونَ بيانا أو استئنافا، فأما الذى يمنع منه صحة العطف عليها مع كون مضمون بَشِّرِ مما يصح أن يستأنف به عما قبل تُؤْمِنُونَ، وذهب السكاكى إلى أنهما معطوفان على قل مرادا قبل يأيها الناس ويأيها الذين آمنوا، لأن إرادة القول بواسطة انصباب الكلام إلى معناه غير عزيزة فى القرآن الكريم ومن ذلك: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا (٣) وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا (٤) وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا (٥)، قال المصنف: والأقرب فى الآيتين الكريمتين أن يكون الأمر معطوفا على مقدر يدل عليه ما قبله، أى: فأنذر ونحوه كما قدره الزمخشرى فى قوله وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٦) معطوفا على محذوف يدل عليه قوله: لأرجمنك ومن هذا الباب قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (٧) وقال السكاكى: إنه معطوف على قل مثل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ (٨) ص: (والجامع بينهما إلخ). (ش): تقدم أن الجامع بين الجملتين هو المعتمد فى اعتبار الوصل. اعلم أن الذى يظهر والله أعلم من كلام السكاكى وغيره من أهل هذا الفن أن الجامع المعتبر فى الوصل هو التناسب بين الجملتين لا غير على ما

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سيأتيك دليله - إن شاء الله تعالى - غير أن هذه المناسبة المذكورة لها سبب ومظنة، أما سببها فاجتماعهما فى القوة المفكرة بطريق العقل أو الوهم أو الخيال وأما مظنتها فحصول الاتحاد إما حقيقة أو بتأويل قريب أو بعيد، وأنت تعلم أن المظنة غير ملازمة للمظنون فربما تخلف عنها وتخلفت عنه فقد يحصل التناسب والاتحاد فى الطرفين، كقولك: يعطى زيد ويمنع وقد يحصل التناسب المفضى إلى الاجتماع فى المفكرة وإن لم يتحدا فى الطرفين بل فى المسند إليه كمن ذكر فى مجلسه الحركة والبياض فتقول له: الحركة عرض نقلة والبياض لون صفته كيت وكيت، فالتناسب هنا موجود والوصل حسن ولم يقع الاتحاد فى المسند؛ إنما حصل الاتحاد فى المسند إليه بالجامع الخيالى، وهو اجتماعهما فى أن كلا منهما مسئول مذكور فى المجلس، وكذلك قد يحصل التناسب مع الاتحاد فى المسند فقط ومثاله أن يأخذ الشخص فى ذكر ما وقع فى هذا اليوم من الأفعال، فيقول: انطلق زيد واستوى الطعام، فهذا وقع فيه التناسب فى المسندين لأنهما مسئول عنهما ولا تناسب فيه بين المسند إليهما؛ لأن السؤال واقع عن الأفعال لا عن الفاعلين، ومن وقع الاتحاد فى أحد الطرفين ولا تناسب قولك: السكوت يعجبنى والحركة عرض نقلة. وقولك: جالينوس ماهر فى الطب وأخوه رأيته أمس وغزر الماء فى البئر وغزر علم زيد. وهو كثير بخلاف الأول، وقد يقع الاتحاد فى الطرفين ولا تناسب كقولك: انظر إلى علم زيد وانظر إلى هذا القطع الذى فى ثوبك. على ما اقتضاه كلام المصنف صريحا فى آخر الكلام على الجامع الخيالى، وكقولك: زيد أخوك وعمر وصاحبك. فإنه لا يجوز كما اقتضاه كلام ابن الزملكانى فى التبيان، وفيهما اتحاد المسند والمسند إليه كما سأبينه فى قولنا: زيد يعطى وعمر يمنع. حيث لا مناسبة بينهما فإنهما متحدان فى الطرفين كما سأقرره على خلاف ما زعم المصنف، وهو غير سائغ كما ذكره المصنف إذا تقرر ذلك فحيث لا اتحاد فى شئ فلا سبيل إلى التناسب، فيجب الفصل مثل: جالينوس طبيب والماء فى البئر. وحيث حصل الاتحاد فى أحدهما فتارة تقع المناسبة وتارة لا تقع، وقد يقع فى المثال الواحد الاتحاد فى الطرفين وعدمه فيوصل ويفصل فإذا جرى فى مجلس ذكر ما عند زيد من الأشياء الضيقة، فتقول: الخاتم ضيق والخف ضيق. وقع الاتحاد فى الطرفين وذلك حسن، وإن جرى ذكر الخاتم فقلت: الخف ضيق والخاتم ضيق لم يحسن لعدم

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المناسبة والاتحاد حينئذ فى المسند بل قد يحصل الاتحاد فى المسند وفى قيد المسند إليه كقولك: خفى ضيق وخاتمى ضيق. حيث لم يتقدم للخف ذكر وهذا هو الذى أشار السكاكى إلى امتناعه إذا تقرر ذلك، فاعلم أن المصنف اختار أنه لا بد فى الجامع من الاتحاد فى المسند إليه والمسند إما حقيقة أو مجازا بأن يكونا مجتمعين فى الفكرة على ما سيأتى، ونقل السكاكى أنه قال فى موضع من المفتاح: أنه يكفى اتحادهما فى المسند أو المسند إليه أو فى قيد من قيودهما، ثم أنكر عليه وقال: إنه منقوض بنحو: هزم الأمير الجيش يوم الجمعة وخاط عمرو ثوبى فيه. قال: ولعله سهو، فإنه صرح فى موضع آخر منه بامتناع خفى ضيق وخاتمى ضيق مع اتحادهما فى المسند، وأجاب الطيبى والخطيبى عن السكاكى بأنه موافق على أنه لا بد من الاتحاد فى المسند والمسند إليه، وأن قوله: يكفى الاتحاد فى أحدهما يريد أن الاتحاد فى أحدهما جامع لكنه ليس بمعتبر، قلت: هذا الجواب لا يصح لأنه إنما تكلم فى الجامع المرعى المعتبر، ومن وقف على كلامه تحقق ما قلناه، ولكن السؤال لا يرد وجوابه ما استثناه من القاعدة، فإن السكاكى حيث قال: يكفى الاتحاد فى إحداهما، أراد حيث وجد التناسب الخيالى أو العقلى أو الوهمى فيهما، وحيث قال: إن خفى ضيق وخاتمى ضيق ممتنع أراد حيث لا يجتمع الخف والخاتم فينبغى المناسبة حينئذ كما يعلم بالبديهة من وقف على كلامه فإنه فرض الأمر فيما إذا جرى ذكر خواتيم ولم يتقدم للخف ذكر فالامتناع هنا ليس لعدم الاتحاد فى المسند والمسند إليه بل لعدم الجامع فإن الجامع هو المرعى كما قررناه، وليت شعرى أين اتحاد المسند والمسند إليه فى مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ (١) فالمسندان المس والمجئ والمسند إليهما الضر والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والمناسبة فيه كالشمس، فإن قلت: مس الضر والمجئ ببضاعة مزجاة متحدان، قلت: إنما ذلك من قيود المسندين، وإن سلمناه فأين اتحاد المسند إليه؟ فالحق ما قلناه، وكذلك: كان زيد يعطى وعمرو يمنع، متحدين فى الطرفين كما سأبينه، وهو لا يجوز عند المصنف، وقوله منتقض بنحو: هزم الأمير الجيش اليوم وخاط عمرو ثوبى فيه، قلنا: إن هذا المثال قد يحسن وصله بأن وقع ذكر ما اتفق فى هذا اليوم، ولذلك كان

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المصنف هنا مقتصرا على قوله بشرط الاتحاد للطرفين، ولكنه سيذكر اشتراط الجامع موافقا عليه، فمعناه بشرطه، وحيث اتضح ذلك فاعلم أن الاتحاد هنا ليس على حقيقته فإن اتحاد الشيئين بمعنى أنهما يصيران شيئا واحدا مستحيل، لأن الشيئين لا يتداخلان، ولكن المراد أن الشيئين فى الصورة أو فى اللفظ يكونان متحدين فى المعنى، ولا شكّ أن هذه الأقسام الأربعة من الاتحاد فيهما أو فى المسند أو المسند إليه أولا فى واحد منهما كل من طرفى الإسناد فيهما متعددة، فتارة يكونان ظاهرين، مثل: رضى زيد وغضب زيد، يريد زيدا آخر فإنهما وإن اتفق لفظهما فهما مختلفان بالشخص أو اختلفا بالحروف مثل: غضب عمرو ورضى سيبويه، وتارة يكونان ضميرين مثل: زيد يعطى ويمنع، وتارة يكون الأول ظاهرا والثانى ضميرا مثل: أعطى زيد ومنع، وتارة عكسه مثل: زيد أعطى ومنع أبوه إذا عرف هذا، فقول المصنف: الجامع بينهما، أى: بين الجملتين وقوله: يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين أى يجب أن يكون مستقرا باعتبارهما أى باعتبار اتحادهما ولا يلزم من ذلك أن يكون يريد أن اتحادهما هو نفس الجامع بل الجامع يحصل بالاتحاد والباء للمصاحبة، أى: مع الاتحاد ويصح جعلها للسببية، فإن العلم بالجامع يحصل بسبب الاتحاد، فإن قلت: التناسب بين الشيئين كيف يكون باتحادهما، والاتحاد ينافى التعدد الذى هو لازم المناسبة؟ قلت: المراد التناسب فى المعنى بين المسند إليهما مثلا ولا مناسبة بين المسند إليهما أعظم من كونهما سببا واحدا هذا بالنسبة إلى الاتحاد الحقيقى أما بالنسبة إلى الاتحاد الاعتبارى - على ما سيأتى - فالجواب واضح فإن قلت: كلامهم هنا يقتضى أن الاتحاد شرط وسيأتى أن الجامع قد يكون الاتحاد وقد يكون غيره، قلت: المراد هناك الاتحاد الحقيقى وهنا الاتحاد أعم من الحقيقى والاعتبارى. (تنبيه): خص المصنف الاتحاد فى المسند إليه والمسند وبقى قسم وراء ذلك وهو أن يتحد المسند إليه فى إحداهما مع المسند فى الأخرى مثل: الإيمان حسن والقبيح الكفر فالجامع هنا إنما هو بين المسند إليه والمسند فى الأولى والمسند إليه والمسند فى الثانية وهذا وارد عليهم أجمعين. ثم إن المصنف أهمل الاتحاد فى قيد المسند أو قيد المسند إليه فلا بد من تقسيم محيط بجميع أقسام الاتحاد الحقيقى وقس عليه غيره فنقول: الاتحاد الحقيقى سواء أكان

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بجامع مناسب يسوغ الوصل أم لا إما فى المسند إليه فقط أو فى المسند فقط أو فى قيد المسند إليه فقط أو فى قيد المسند فقط أو فى الأول والثانى أو فى الأول والثالث أو فى الأول والرابع أو فى الثانى والثالث أو فى الثانى والرابع أو فى الثالث والرابع أو فى الأول والثانى والثالث أو فى الأول والثانى والرابع أو فى الأول والثالث والرابع أو فى الثانى والثالث والرابع أو فى الأربعة فهذه خمسة عشر قسما وعلى كل تقدير منها إما أن يكون الاتحاد الواقع فى طرف واقعا بين ذلك الطرف ومثله من الطرف الآخر أو غيره وأقسام ذلك بعد طرح المتكرر ستة عشر تضرب فى الخمسة عشر تبلغ مائتين وأربعين. وها أنا ذاكر أمثلة الاتحاد فى طرف واحد فقط، تستدل بها على غيرها، سواء كان التناسب المسوغ للعطف موجودا فيجوز الوصل أو مفقودا فيمتنع. الأول: اتحاد المسند إليه فى الأولى والمسند إليه فى الثانية مثل: زيد يعطى ويمنع، جائز، وزيد يعطى وينام، قبيح. الثانى: اتحاد مسند إليه فى الأولى ومسند فى الثانية زيد يعطى والمانع زيد وبلا مناسبة نحو: زيد يعطى والأبيض زيد. الثالث: عكسه بأن تؤخر. الرابع: مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: الفرس حرون والضارب فرسا مصيب، وغير مناسب: الفرس حرون والذى اشترى الفرس أبيض. الخامس: عكسه، بأن تقدم الجملة المتأخرة. السادس: مسند إليه فى الأولى مع قيد المسند فى الثانية بمناسب: الفرس ماشية والضرب ينفع الفرس، وغير مناسب: الفرس ماشية والشعير غذاء الفرس. السابع: عكسه. الثامن: مسند فى الأولى ومسند فى الثانية وهذا لا يتصور إلا مع اتحاد المسند إليه لاستحالة صدور الفعل الواحد من اثنين - كما سبق -. التاسع: مسند فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: العالم زيد والضارب زيدا جهول، وغير مناسب العالم زيد والذى باع زيدا ثوبا اسمه كذا.

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العاشر: عكسه. الحادى عشر: مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: العالم زيد والناس تحب زيدا، وبغير مناسب: العالم زيد والخف الضيق كان لزيد. الثانى عشر: عكسه. الثالث عشر: قيد مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية: الضارب زيدا جهول والمكرم زيدا رشيد، وبغير مناسب: الضارب زيدا جهول والناظر لزيد شعره أسود. الرابع عشر: قيد مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: زيد يقاتل الآن والخوخ كثير الآن، وبغير مناسب: زيد قائم الآن والشمس طلعت الآن. الخامس عشر: قيد مسند إليه فى الأولى، وقيد مسند فى الثانية: المحسن إلى الناس مرحوم والله راحم لمن أحسن إلى الناس. السادس عشر: عكسه، ولنرجع لعبارة المصنف. فقوله: والجامع بينهما، أى: بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين قد علمت ما يرد عليه ولعله إنما أهمل ذكر القيد لأنه لا يرى اشتراط الاتحاد فيه ولأنه قد تخلو الجملتان عنه وعلمت ما يرد عليه من اتحاد المسند مع المسند إليه وقد يقال: إن قوله باعتبار المسند إليهما والمسندين يشمل ذلك وجعله الاتحاد شرطا مطلقا لا ينافى قوله بعد ذلك: إن الجامع قد يكون الاتحاد وقد لا يكون لما يبين من أن الاتحاد الحاصل فى كل جامع، إما حقيقة وإما مجازا. وقوله: كزيد شاعر وعمرو كاتب وزيد طويل وعمرو قصير لمناسبة بينهما واضح وقوله نحو يشعر زيد ويكتب فبين المسند إليهما جامع وهو الاتحاد، وبين المسندين جامع وهو ما بين الكتابة والشعر من التناسب، وقوله: يعطى ويمنع، كذلك والمناسبة فى المعنيين باعتبار التضاد - كذا قالوه - ويحتمل أن يقال: إن يعطى ويمنع فى معنى خبر واحد كقولهم: حلو حامض أى: مز أى صفته الجمع بين الأمرين، غير أنه لما كان العطاء والمنع فعلين عطف أحدهما على الآخر، وأيضا فإن الإعطاء والمنع لا يجتمعان فى محل واحد يصدق عليه الأمران، بخلاف الحلاوة والحموضة فقد يتخيل اجتماعهما فى المز، إن لم يكونا ضدين وقوله: وزيد شاعر وعمرو كاتب فبينهما علقة

стр. 528

السكاكسي: "الجامع بين الشيئين": ــ كأن يكونا أخوين أو صاحبين أو متلازمين بوجه ما، أو ذكرا فى مجلس الخطاب، وزيد طويل وعمرو قصير، كذلك وقوله: لمناسبة بينهما قيد فى المثالين الأخيرين. والمناسبة فى المثال الأول والثانى فى المسند إليه الاتحاد والمناسبة فى الثالث والرابع هو تعلق أحدهما بالآخر وقوله: يجب أن لا يجوز غيره يحترز به من أن تكون المناسبة فى المسندين فقط فلا يصح الوصل وإليه أشار بقوله: بخلاف زيد شاعر وعمرو كاتب بدونها أى: بدون المناسبة فى المسند إليهما. (قلت): وهذا الذى ذكره ليس بجيد؛ لأن بين زيد وعمرو تماثلا سواء كان بينهما علقة، أو كما سيذكره المصنف، فالصواب: أن المناسبة شرط لاعتبار الاتحاد فى الطرفين كما سبق ويحترز عن عدم المناسبة لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، وإليه أشار بقوله: (وزيد شاعر وعمرو طويل مطلقا)، يعنى: سواء أكان المسند إليهما لا تعلق بينهما؛ فيكون مثالا لعدم الجامع لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، أم كان زيد وعمرو أخوين فتكون المناسبة بين المسند إليهما لا بين المسندين فلا يجوز أيضا. (قلت): ليس كذلك؛ بل بينهما مناسبة التماثل بكل حال فهذا مثال لاتحاد المسند إليه بكل حال سواء أكان بينهما تعلق أم لا. ص: (السكاكى: الجامع بين الشيئين إلخ). (ش): هذا الفصل ذكره المصنف كالموافق للسكاكى عليه وهو لا ينافى ما سبق من اشتراط الاتحاد فى الطرفين، لأنك قد عرفت أن الاتحاد أعم من الحقيقى والاعتبارى، وذلك الاتحاد المعتبر يكون بجامع - وهو ما سنذكره - فذكر أن الجامع ثلاثة أقسام عقلى ووهمى وخيالى، العقلى هو علاقة تجمع الشيئين فى القوة المفكرة جمعا يكون مسندا إلى العقل بأن يكون أمرا حقيقيا، أى: واقعا فى نفس الأمر من حيث هو هو، والمراد بالوهمى أن تجمعهما تلك العلاقة فى القوة المفكرة جمعا يكون من جهة الوهم بأن لا يكون أمرا حقيقيا بل اعتباريا، ويكون أمرا غير محسوس بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، فإن الوهم باصطلاح القوم ما يحكم بالمعانى الجزئية غير المحسوسة، والخيال أن يكون بينهما علاقة تجمعهما فى القوة المفكرة جمعا اعتباريا مسندا لإحدى الحواس الخمس، ووجه الانحصار فى الثلاثة أن العلاقة الجامعة للشيئين فى القوة المفكرة إن كان أمرا حقيقيا فهو العقلى، وإن لم يكن بأن كان اعتباريا فإما

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يكون غير محسوس وهو الوهمى فإنه يحكم بالمعانى غير المحسوسة حكما كاذبا، وإن كان محسوسا فهو الخيالى فإن القوة الخيالية هى الحافظة لصور المحسوسات بالحواس الظاهرة بعد مفارقتها، وبدأ المصنف بالعقلى لأنه الذى يدرك الأشياء على حقيقتها، وها أنا أذكر أمثلة الجامع العقلى الحقيقى، قسم المصنف الجامع إلى عقلى وغيره، وقسم العقلى إلى ما هو سبب الاتحاد فى التصور وغيره، والمراد بالاتحاد فى التصور أن يكونا شيئا واحدا حقيقة بالشخص والنوع، وها أنا أذكر لك أمثلة لتستدل بها على غيرها. الاتحاد المذكور إما فى الطرفين أو فى المسند أو فى المسند إليه أو لا فى واحد منهما بأن يكون الجامع غير الاتحاد الأول فى الطرفين، مثاله: قام زيد أمس وقام زيد أمس مريدا بذلك قياما واحدا، وقام زيد أمس ثم قام زيد أمس وصم غدا وصم غدا أو ثم صم غدا. وهذا يستعمل لقصد التأكيد حتى يفهم السامع أن ذلك من شأنه أن يتكرر الإخبار به أو يتكرر طلبه؛ لأن الإخبار بالشئ مرتين أو طلبه مرتين كان مؤسسة لنسبته إخبارا أو إنشاء لقصد تقرير فائدة الخبر وتأكيد الطلب بطلب آخر أبلغ، فإن قلت: إذا كان للتأكيد فلا تعطف كما سبق؟ قلت: لم أرد أن الجملة الثانية مؤكدة بل هى تأسيس والتأكيد وقع فى تكرار التأسيس وهذا أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز والعطف يحصل بتكرار الإسناد وفائدته زيادة تقرير لثبوت النسبة أو طلبها، وفائدة التأكيد تقرير الإخبار بالنسبة ولا أقول بذلك مطلقا بل حيث لا إلباس بأن يكون المخبر به أو المطلوب لا يقبل التكرار مثل: صمت أمس وصمت أمس، أو صم غدا وصم غدا، فإن توقفت فى صحة هذا التركيب فعليك بقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (١)، وفى كلام الزمخشرى ما يومئ إلى أن الثانية تأسيس لا تأكيد؛ لأنه جعل الثانية أبلغ فى الإنذار وبقوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (٢)، ومنه قوله ﷺ :" إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" (٣)، وقوله تعالى:

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١) يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين على ما سيأتى، ومنه قول الشاعر: ألا يا اسلمى ثمّ اسلمى ثمّت اسلمى (٢) وانظر لقول ابن مالك فى التسهيل الأجود فى مثل ذلك الوصل ليت شعرى لو كان تأكيدا لفظيا كيف يقول الأجود الوصل؟ وما الذى يسلب قول الإنسان: اسلمى اسلمى الجودة وهو تأكيد لفظى لو كان غير جيد لكان كل تأكيد لفظى كذلك، إنما يريد - والله تعالى أعلم - ما قلناه، فإذا قلت: سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف؛ لأنه بالعطف لا يكون خبرا مؤكدا بل خبرين، وبدون العطف يكون تأكيدا وخبرا واحدا وهو أجود لجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به، ولتعلم أن التأكيد بينه وبين التابع خصوص وعموم من وجه، فإن قلت: هذا ثبت فى العطف بثم فلا أسلمه فى غيرها، قلت: إذا ثبت مع ثم مع دلالتها على التراخى فإن الواقع بعدها فى زمن غير الواقع قبلها المستلزم للتغاير المفقود المخبر به فيما نحن فيه فلأن يعطف بالواو، وهى لا تقتضى ترتيبا أولى، فإن قلت: هذا قياس فى اللغة وهو ممتنع أو لعل ما ورد من ذلك عطف فيه الإخبار أى ثم أخبركم، قلت: أطلق بدر الدين بن مالك فى شرح الألفية أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص به، وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص ثم يكفيك فى جواز ذلك بالواو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (٣) فإن الزمخشرى وابن النحاس والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين بن عبد السّلام ذكروا أن المأمور به فيهما واحد ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشئ غير التقوى الثانية مع إمكان إرادته. فإن قلت: قد قالوا: إنه تأكيد، قلت: يريدون ما ذكرناه من تأكيد المأمورية بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد
следующие страницы →