. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بجامع مناسب يسوغ الوصل أم لا إما فى المسند إليه فقط أو فى المسند فقط أو فى قيد المسند إليه فقط أو فى قيد المسند فقط أو فى الأول والثانى أو فى الأول والثالث أو فى الأول والرابع أو فى الثانى والثالث أو فى الثانى والرابع أو فى الثالث والرابع أو فى الأول والثانى والثالث أو فى الأول والثانى والرابع أو فى الأول والثالث والرابع أو فى الثانى والثالث والرابع أو فى الأربعة فهذه خمسة عشر قسما وعلى كل تقدير منها إما أن يكون الاتحاد الواقع فى طرف واقعا بين ذلك الطرف ومثله من الطرف الآخر أو غيره وأقسام ذلك بعد طرح المتكرر ستة عشر تضرب فى الخمسة عشر تبلغ مائتين وأربعين.
وها أنا ذاكر أمثلة الاتحاد فى طرف واحد فقط، تستدل بها على غيرها، سواء كان التناسب المسوغ للعطف موجودا فيجوز الوصل أو مفقودا فيمتنع.
الأول: اتحاد المسند إليه فى الأولى والمسند إليه فى الثانية مثل: زيد يعطى ويمنع، جائز، وزيد يعطى وينام، قبيح.
الثانى: اتحاد مسند إليه فى الأولى ومسند فى الثانية زيد يعطى والمانع زيد وبلا مناسبة نحو: زيد يعطى والأبيض زيد.
الثالث: عكسه بأن تؤخر.
الرابع: مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: الفرس حرون والضارب فرسا مصيب، وغير مناسب: الفرس حرون والذى اشترى الفرس أبيض.
الخامس: عكسه، بأن تقدم الجملة المتأخرة.
السادس: مسند إليه فى الأولى مع قيد المسند فى الثانية بمناسب: الفرس ماشية والضرب ينفع الفرس، وغير مناسب: الفرس ماشية والشعير غذاء الفرس.
السابع: عكسه.
الثامن: مسند فى الأولى ومسند فى الثانية وهذا لا يتصور إلا مع اتحاد المسند إليه لاستحالة صدور الفعل الواحد من اثنين - كما سبق -.
التاسع: مسند فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية بمناسب: العالم زيد والضارب زيدا جهول، وغير مناسب العالم زيد والذى باع زيدا ثوبا اسمه كذا.
стр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العاشر: عكسه.
الحادى عشر: مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: العالم زيد والناس تحب زيدا، وبغير مناسب: العالم زيد والخف الضيق كان لزيد.
الثانى عشر: عكسه.
الثالث عشر: قيد مسند إليه فى الأولى وقيد مسند إليه فى الثانية: الضارب زيدا جهول والمكرم زيدا رشيد، وبغير مناسب: الضارب زيدا جهول والناظر لزيد شعره أسود.
الرابع عشر: قيد مسند فى الأولى وقيد مسند فى الثانية: زيد يقاتل الآن والخوخ كثير الآن، وبغير مناسب: زيد قائم الآن والشمس طلعت الآن.
الخامس عشر: قيد مسند إليه فى الأولى، وقيد مسند فى الثانية: المحسن إلى الناس مرحوم والله راحم لمن أحسن إلى الناس.
السادس عشر: عكسه، ولنرجع لعبارة المصنف.
فقوله: والجامع بينهما، أى: بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما والمسندين قد علمت ما يرد عليه ولعله إنما أهمل ذكر القيد لأنه لا يرى اشتراط الاتحاد فيه ولأنه قد تخلو الجملتان عنه وعلمت ما يرد عليه من اتحاد المسند مع المسند إليه وقد يقال: إن قوله باعتبار المسند إليهما والمسندين يشمل ذلك وجعله الاتحاد شرطا مطلقا لا ينافى قوله بعد ذلك: إن الجامع قد يكون الاتحاد وقد لا يكون لما يبين من أن الاتحاد الحاصل فى كل جامع، إما حقيقة وإما مجازا.
وقوله: كزيد شاعر وعمرو كاتب وزيد طويل وعمرو قصير لمناسبة بينهما واضح وقوله نحو يشعر زيد ويكتب فبين المسند إليهما جامع وهو الاتحاد، وبين المسندين جامع وهو ما بين الكتابة والشعر من التناسب، وقوله: يعطى ويمنع، كذلك والمناسبة فى المعنيين باعتبار التضاد - كذا قالوه - ويحتمل أن يقال: إن يعطى ويمنع فى معنى خبر واحد كقولهم: حلو حامض أى: مز أى صفته الجمع بين الأمرين، غير أنه لما كان العطاء والمنع فعلين عطف أحدهما على الآخر، وأيضا فإن الإعطاء والمنع لا يجتمعان فى محل واحد يصدق عليه الأمران، بخلاف الحلاوة والحموضة فقد يتخيل اجتماعهما فى المز، إن لم يكونا ضدين وقوله: وزيد شاعر وعمرو كاتب فبينهما علقة
стр. 528
السكاكسي: "الجامع بين الشيئين":
ــ
كأن يكونا أخوين أو صاحبين أو متلازمين بوجه ما، أو ذكرا فى مجلس الخطاب، وزيد طويل وعمرو قصير، كذلك وقوله: لمناسبة بينهما قيد فى المثالين الأخيرين.
والمناسبة فى المثال الأول والثانى فى المسند إليه الاتحاد والمناسبة فى الثالث والرابع هو تعلق أحدهما بالآخر وقوله: يجب أن لا يجوز غيره يحترز به من أن تكون المناسبة فى المسندين فقط فلا يصح الوصل وإليه أشار بقوله: بخلاف زيد شاعر وعمرو كاتب بدونها أى: بدون المناسبة فى المسند إليهما.
(قلت): وهذا الذى ذكره ليس بجيد؛ لأن بين زيد وعمرو تماثلا سواء كان بينهما علقة، أو كما سيذكره المصنف، فالصواب: أن المناسبة شرط لاعتبار الاتحاد فى الطرفين كما سبق ويحترز عن عدم المناسبة لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، وإليه أشار بقوله: (وزيد شاعر وعمرو طويل مطلقا)، يعنى: سواء أكان المسند إليهما لا تعلق بينهما؛ فيكون مثالا لعدم الجامع لا بين المسندين ولا بين المسند إليهما، أم كان زيد وعمرو أخوين فتكون المناسبة بين المسند إليهما لا بين المسندين فلا يجوز أيضا.
(قلت): ليس كذلك؛ بل بينهما مناسبة التماثل بكل حال فهذا مثال لاتحاد المسند إليه بكل حال سواء أكان بينهما تعلق أم لا.
ص: (السكاكى: الجامع بين الشيئين إلخ).
(ش): هذا الفصل ذكره المصنف كالموافق للسكاكى عليه وهو لا ينافى ما سبق من اشتراط الاتحاد فى الطرفين، لأنك قد عرفت أن الاتحاد أعم من الحقيقى والاعتبارى، وذلك الاتحاد المعتبر يكون بجامع - وهو ما سنذكره - فذكر أن الجامع ثلاثة أقسام عقلى ووهمى وخيالى، العقلى هو علاقة تجمع الشيئين فى القوة المفكرة جمعا يكون مسندا إلى العقل بأن يكون أمرا حقيقيا، أى: واقعا فى نفس الأمر من حيث هو هو، والمراد بالوهمى أن تجمعهما تلك العلاقة فى القوة المفكرة جمعا يكون من جهة الوهم بأن لا يكون أمرا حقيقيا بل اعتباريا، ويكون أمرا غير محسوس بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، فإن الوهم باصطلاح القوم ما يحكم بالمعانى الجزئية غير المحسوسة، والخيال أن يكون بينهما علاقة تجمعهما فى القوة المفكرة جمعا اعتباريا مسندا لإحدى الحواس الخمس، ووجه الانحصار فى الثلاثة أن العلاقة الجامعة للشيئين فى القوة المفكرة إن كان أمرا حقيقيا فهو العقلى، وإن لم يكن بأن كان اعتباريا فإما
стр. 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يكون غير محسوس وهو الوهمى فإنه يحكم بالمعانى غير المحسوسة حكما كاذبا، وإن كان محسوسا فهو الخيالى فإن القوة الخيالية هى الحافظة لصور المحسوسات بالحواس الظاهرة بعد مفارقتها، وبدأ المصنف بالعقلى لأنه الذى يدرك الأشياء على حقيقتها، وها أنا أذكر أمثلة الجامع العقلى الحقيقى، قسم المصنف الجامع إلى عقلى وغيره، وقسم العقلى إلى ما هو سبب الاتحاد فى التصور وغيره، والمراد بالاتحاد فى التصور أن يكونا شيئا واحدا حقيقة بالشخص والنوع، وها أنا أذكر لك أمثلة لتستدل بها على غيرها. الاتحاد المذكور إما فى الطرفين أو فى المسند أو فى المسند إليه أو لا فى واحد منهما بأن يكون الجامع غير الاتحاد الأول فى الطرفين، مثاله: قام زيد أمس وقام زيد أمس مريدا بذلك قياما واحدا، وقام زيد أمس ثم قام زيد أمس وصم غدا وصم غدا أو ثم صم غدا. وهذا يستعمل لقصد التأكيد حتى يفهم السامع أن ذلك من شأنه أن يتكرر الإخبار به أو يتكرر طلبه؛ لأن الإخبار بالشئ مرتين أو طلبه مرتين كان مؤسسة لنسبته إخبارا أو إنشاء لقصد تقرير فائدة الخبر وتأكيد الطلب بطلب آخر أبلغ، فإن قلت: إذا كان للتأكيد فلا تعطف كما سبق؟ قلت: لم أرد أن الجملة الثانية مؤكدة بل هى تأسيس والتأكيد وقع فى تكرار التأسيس وهذا أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز والعطف يحصل بتكرار الإسناد وفائدته زيادة تقرير لثبوت النسبة أو طلبها، وفائدة التأكيد تقرير الإخبار بالنسبة ولا أقول بذلك مطلقا بل حيث لا إلباس بأن يكون المخبر به أو المطلوب لا يقبل التكرار مثل: صمت أمس وصمت أمس، أو صم غدا وصم غدا، فإن توقفت فى صحة هذا التركيب فعليك بقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (١)، وفى كلام الزمخشرى ما يومئ إلى أن الثانية تأسيس لا تأكيد؛ لأنه جعل الثانية أبلغ فى الإنذار وبقوله :
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (٢)، ومنه قوله ﷺ :" إن بنى هشام بن المغيرة استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" (٣)، وقوله تعالى:
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١) يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين على ما سيأتى، ومنه قول الشاعر:
ألا يا اسلمى ثمّ اسلمى ثمّت اسلمى (٢)
وانظر لقول ابن مالك فى التسهيل الأجود فى مثل ذلك الوصل ليت شعرى لو كان تأكيدا لفظيا كيف يقول الأجود الوصل؟ وما الذى يسلب قول الإنسان: اسلمى اسلمى الجودة وهو تأكيد لفظى لو كان غير جيد لكان كل تأكيد لفظى كذلك، إنما يريد - والله تعالى أعلم - ما قلناه، فإذا قلت: سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف؛ لأنه بالعطف لا يكون خبرا مؤكدا بل خبرين، وبدون العطف يكون تأكيدا وخبرا واحدا وهو أجود لجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به، ولتعلم أن التأكيد بينه وبين التابع خصوص وعموم من وجه، فإن قلت: هذا ثبت فى العطف بثم فلا أسلمه فى غيرها، قلت: إذا ثبت مع ثم مع دلالتها على التراخى فإن الواقع بعدها فى زمن غير الواقع قبلها المستلزم للتغاير المفقود المخبر به فيما نحن فيه فلأن يعطف بالواو، وهى لا تقتضى ترتيبا أولى، فإن قلت: هذا قياس فى اللغة وهو ممتنع أو لعل ما ورد من ذلك عطف فيه الإخبار أى ثم أخبركم، قلت: أطلق بدر الدين بن مالك فى شرح الألفية أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص به، وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص ثم يكفيك فى جواز ذلك بالواو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (٣) فإن الزمخشرى وابن النحاس والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين بن عبد السّلام ذكروا أن المأمور به فيهما واحد ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشئ غير التقوى الثانية مع إمكان إرادته. فإن قلت:
قد قالوا: إنه تأكيد، قلت: يريدون ما ذكرناه من تأكيد المأمورية بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد
стр. 531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لفظى على ما يعرفه من نظر كلامهم، ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعاطف، وتسمية النحاة لمثل ذلك تأكيدا مجاز أو على ما أردناه، وفى خصوص الآية الكريمة لو كان توكيدا لما فصل بينه وبين متبوعه بقوله تعالى: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ فإن قلت: اتقوا الثانية معطوفة على ولتنظر، قلت: قد اتفقوا على أن وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (١) معطوف على لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ لا على قوله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وهو نظير ما نحن فيه، وقوله تعالى: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٢) وقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ (٣) يحتمل أن يكون اصطفاءين وذكرين، وهو الأولى فى الذكر؛ لأنه محل طلب فيه تكرار الذكر، والظاهر أنه ليس مما نحن فيه، وكفاك دليلا على ما ذكرناه قول الآمدى وغيره ممن لا أحصيهم عددا أن نحو: صم يوم الجمعة وصم يوم الجمعة، صحيح، ويكون أمرا مرتين، ونحو صل ركعتين وصل ركعتين، هل هو تأسيس أو تأكيد؟ قولان: لا يقال: تكرير ذلك تحصيل الحاصل؛ لأنا نقول: طلب الشئ مرتين ليس تحصيلا للحاصل بل طلب بعد طلب كما يدعو الإنسان ربه بالمغفرة مرارا كثيرة، نعم إنما يمتنع ذلك فيما يلزم فيه تحصيل الحاصل، وهو الإنشاء غير الطلبى مثل: أنت طالق وأنت طالق، فإنه ثبت عليه أثره بالأول فلا يمكن إنشاء إيقاع تلك الطلقة بعد وقوعها وكذلك الخبر قد يقصد الإخبار به مرتين وقد أمر الله تعالى فى كتابه العزيز بالصلاة غير مرة، (فإن قلت): فيحصل بذلك الالتباس؛ فإن العطف يقتضى المغايرة فيظن أن المأمور به ثانيا والمخبر به ثانيا غير الأول.
(قلت): إنما أقول به حيث لا إبهام لقرينة أو لأن ذلك الشئ لا يقبل التكرار كما سبق فليتأمل ما ذكرناه فإنه تحقيق شريف.
القسم الثانى: الاتحاد بالشخص فى المسند فقط نحو: زيد يكتب وأخوه يكتب، هذا القسم مستحيل؛ لأنه متى اتحد المسند بالشخص لزم اتحاد المسند إليه لاستحالة أن يصدر الفعل الواحد بالشخص من اثنين، هذا القسم لا يأتى فى الاتحاد بالشخص؛ بل بالنوع - فتأمله - فقد غلطوا فيه.
стр. 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالث: فى المسند إليه فقط وهو إما أن يكون محلّا للوصل، مثل: زيد يكتب ويشعر، فيحسن أولا أن يكون لعدم
المناسبة، مثل: جالينوس طبيب ماهر ولبس ثوبه.
الرابع: لا فى واحد منهما؛ لمناسبة زيد يكتب وأخوه يشعر فيحسن أو لغير مناسبة فلا يوصل، نحو: سورة الإخلاص من القرآن والزيت فى الزق، وهذه الأقسام الأربعة تتعدد وتتضاعف باعتبار اختلاف لفظ المسند إليه أو اتحاده، مثل: سيبويه صنف الكتاب وعمرو صنف الكتاب، أو سيبويه صنف الكتاب وعمرو ألف الكتاب، ومثل الإتيان بضميرين أو ضمير وظاهر، ويأتى فيها العطف بالواو وغيرها.
وكون الجملة الأولى لها محل أو لا محل لها إلى غير ذلك مما لا يخفى وإذا تقرر هذا فلنعد إلى عبارة المصنف، فقوله: أن يكون بينهما اتحاد فى التصور، أى: بين المسندين أحدهما مع الآخر وبين المسند إليهما أحدهما مع الآخر ونحن نمشى مع المصنف على ما رآه من اشتراط اتحاد فيها، ونعنى بالاتحاد فى التصور: أن تصورهما واحد، أى: وإن كانا مسندا إليهما، وهما شيئان فى الصورة واللفظ، فهما فى المعنى واحد، وقد مثل قطب الدين الشيرازى وغيره من شراح المفتاح والتلخيص الاتحاد فى المسند إليه بقولك: زيد يضع ويرفع وهو صحيح ومثلوا الاتحاد فى المسند بقولك: زيد كاتب وعمرو كاتب، وهو فاسد؛ لأن كتابة زيد وكتابة عمرو ليستا متحدتين بالشخص حقيقة فى التصور؛ بل اتحادهما بمعنى التماثل فهو من القسم الذى سيأتى، ومثلوا الاتحاد فى قيد المخبر عنه، بقولك: القائم عندنا شجاع والجالس عندنا عالم، وهو مثال الاتحاد فى القيد مع وجدان جامع فى المسند إليه وهى المضادة ومع عدم الجامع فى المسند، إذ لا جامع بين شجاع وعالم، ثم هو فاسد أيضا؛ لأن الظرف بالنسبة إلى القائم والجالس ليس متحدا حقيقة؛ بل هما ظرفان متماثلان؛ لأن المكان الواحد بالشخص لا يكون فيه اثنان إلا أن فرض ذلك بحسب وقتين مختلفين، ومثلوا الاتحاد فى قيد المخبر به، بقولك: زيد كاتب فى الدار وعمرو جالس فيها، وهو أيضا فاسد؛ لأن مكان الجالس والكاتب مختلفان بالشخص، ثم هو مثال للاتحاد فى القيد مع عدم الجامع فى المسند، ومثله الخطيبى بقولك: هزم الأمير الجيش يوم الجمعة وذهب السلطان فيه، وهو مثال صحيح بشرط أن يقصد أن الفعلين وقعا فى زمن واحد بالشخص، فإن الزمن الواحد يكون ظرفا لأشياء كثيرة، أما لو قصد أن أحدهما فى
стр. 533
إمّا عقلىّ: بأن يكون بينهما اتحاد فى التصوّر أو تماثل؛ فإنّ العقل بتجريده المثلين عن التشخّص فى الخارج يرفع التعدّد بينهما،
ــ
بكرة النهار، والآخر فى آخره مثلا، فليس مما نحن فيه ثم هو مثال لاتحاد القيد مع عدم الجامع فى المسند، وهذه الأمثلة كلها مما تعرفك أن قول السكاكى يكفى الاتحاد فى المسند أو المسند إليه، أو القيد على حقيقته كما تقدم.
ص: (أو تماثل إلى آخره).
(ش): هذا النوع الثانى من الجامع العقلى وهو أن يكون الجامع فى المسند أو المسند إليه التماثل والمثلان هما المتساويان فى الذاتيات؛ ولذلك حدهما أصحابنا بأنهما موجودان مشتركان فى الصفات النفسية، ومن لازم ذلك أنه يجب لكل منهما ويمتنع، ويجوز ما يجب للآخر ويمتنع ويجوز. (قوله: فإن العقل إلى آخره) تعليل لكون التماثل جامعا، أى الجامع بالحقيقة إنما هو الاتحاد؛ لأن المثلين متحدان بالذات؛ لأن العقد يجرد المثلين عن التشخص فى الخارج برفع العوارض المقتضية للتعدد، فيرجع الاتحاد، ثم هذا التماثل إما فى المسند إليه فقط أو فى المسند فقط أو فى قيد من قيودهما على الأقسام السابقة فى الاتحاد فى التصور، وإذا تأملت ما سبق من الأمثلة أمكنك سلوك ما يناسب هذا المقام، مثال التماثل فى المسندين: زيد يعطى وزيد يعطى، أو هو يعطى، فإن المسند إليه متحد لا متماثل والمسند متماثل إذا أردت بالإعطاء الثانى غير الإعطاء الأول، فالاتحاد هنا فى المسند إليه بالشخص وفى المسند بالنوع، ولا شك فى سلوك هذا الوصل إذ لو ترك لتوهم أن الثانى هو الأول وأنه تأكيد، وقد قال الزمخشرى فى قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا (١) معناه: كذبوا تكذيبا فى أثر تكذيب وهو عين ما قلناه، ومثال التماثل فى المسند إليه زيد يعطى وأخوه يمنع أو زيد يعطى وعمرو يمنع وإن لم يكن بينهما علقة؛ لأن ما علل به من رفع التماثل يقتضى أن أفراد الإنسان كلها يلازم الجامع كل اثنين منها، وهذا ما قدمناه أن كلام المصنف السابق مناف له؛ لأنه شرط فى الاتحاد أن يكون بين زيد وعمرو مناسبة لا يقال: تحمل المماثلة على المشابهة فى العوارض؛ لأمرين أحدهما: أنه خلاف ما صرحوا به كلهم، والثانى: أن تلك المشابهة إذا وقعت لا تتحد الحقيقة؛ بل يرجعان إلى التماثل بالذات، ومثال التماثل فيهما: زيد يعطى
стр. 534
أو تضايف كما بين العلّة والمعلول، أو الأقلّ والأكثر.
أو وهمىّ: بأن يكون بين تصوّريهما شبه تماثل؛ كلونى بياض وصفرة؛ فإنّ الوهم يبرزهما فى معرض المثلين؛ ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة التى فى قوله [من البسيط]:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر
ــ
وأخوه يعطى، ومثال عدم التماثل فيهما: زيد يعطى ويمنع. ولنقتصر على هذه المثل الأربعة؛ لأن من تأمل ما سبق فى أمثلة الاتحاد، أمكنه سلوك كل فى محله.
ص: (أو يكون بينهما تضايف).
(ش): هذا النوع الثالث من الجامع العقلى، فإن التضايف هيئة بين ماهيتين، تقتضى توقف تعقل كل منهما على تعقل الأخرى، وقولهم: التضايف هيئة تكون ماهيتها معقولة بالنسبة إلى تعقل هيئة أخرى، وبالعكس حد لأحد المتضايفين لا للتضايف، ويكون التضايف بين المعقولات أو المحسوسات وغيرهما بالكم والكيف أو الزمان أو المكان أو الوضع؛ كالعلة والمعلول، والأب والابن، والصغير والكبير، والأعلى والأسفل، والأبرد والأحر، والأصغر والأكبر، والأقدم والأحدث، والأشد انتصابا وانحناء، والأقل والأكثر، وسواء أكانت الإضافة فى الطرفين متفقة على صفة واحدة، كالأخوة فإنها فى كل من الطرفين أو مختلفة كالأخوة، فانها ليست من الطرفين؛ بل يقابلها البنوة ومثاله فى المعقولات: العلة مع المعلول، كقولك: العالم معلول للصانع والصانع علة للعالم، وهذا أصغر من ذلك وذاك أكبر من هذا فى الكم، وهذا أبرد من ذلك وذاك أحمى من هذا فى الكيف، وهذا أعلى من ذاك وذاك أسفل من هذا فى المكان الذى يسمونه الأين، وهذا أقدم من ذاك وذاك أحدث من هذا فى الزمان الذى يسمونه المتى، وهذا أشد انتصابا وذاك أشد انحناء فى الوضع، وأما الوهمى فبأن يكون بين تصورهما شبه تماثل كلون بياض ولون صفرة إنما كان ذلك جامعا؛ لأن الوهم يبرزهما فى معرض المثلين والوهم قوة مدركة لمعان جزئية فتقطع الشخص عنهما وتجردهما فيحصل الجامع؛ وإنما أبرزهما فى معرض المثلين لتقاربهما؛ فيتوهم أنهما مثلان؛ ولذلك أنكرت الفلاسفة التضاد بينهما - كما سبق - كما تقول: صفرة الذهب تسر وبياض الفضة ينفع، ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة فى قوله:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحاق والقمر (١)
стр. 535
أو تضادّ؛ كالسواد والبياض، والكفر والإيمان، وما يتصف بها؛ كالأبيض والأسود، والمؤمن والكافر؛
ــ
وهذا ليس مثالا لما نحن فيه، فإنه من عطف المفردات، والصفرة والحمرة مثال ضدين بينهما شبه تماثل، وشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر مثال لمختلفين بينهما شبه تماثل.
(قوله: أو تضاد) معطوف على شبه، أى: أو يكون بين تصورهما تضاد واعلم أن الضدين على مذهب أهل السنة هما كل عرضين يستحيل اجتماعهما فى محل واحد لذاتيهما من جهة واحدة، فقولنا: عرضان يعلم منه أن التضاد لا
يكون بين المعدومين، ولا بين موجود ومعدوم، ولا بين جوهرين، ولا بين عرض وجوهر، ولا بين القديم والحادث، وقولنا: يستحيل اجتماعهما خرج به نحو السواد مع الحلاوة، وقولنا: فى محل واحد احتراز عن مذهب المعتزلة؛ فإنهم لم يشترطوا المحل، وقالوا: الإرادة الربانية مضادة الكراهة الربانية، وكلاهما لا فى محل، ويقولون: إن الضدين يقومان بمحلين من القلب، وقولنا: لذاتيهما، احتراز عن العلم الإنسانى بسكونه حال تحركه، فإنه يمتنع الجمع بينهما لا لذاتيهما؛ بل لأن العلم بالسكون يلزمه السكون المضاد للحركة، وقولنا: من جهة واحدة احتراز عن نحو القرب والبعد بالنسبة إلى شيئين فلا يتضادان وإن كانا فى محل واحد إلا بالنسبة لشئ واحد، كذا قال الآمدى فى الإنكار ولا يخفى ما فيه وقد دخل فى حد المتضادين، هذا نحو الحمرة مع البياض، والحمرة مع الصفرة وغيرهما من الألوان الوسائط بين السواد والبياض.
وأما ما وقع فى كلام أهل هذا العلم من أن الضدين كل ذاتين يتعاقبان على موضع واحد، ويستحيل اجتماعهما وبينهما غاية الخلاف والبعد فهو فاسد؛ لأنه على رأى الفلاسفة الذاهبين إلى أن الوسائط لا تضاد بينها وبين السواد والبياض مثلا، وقد مثل المصنف الضدين بالسواد والبياض فى الألوان، والكفر والإيمان فى المعانى فهما ضدان إذ يرتفعان فى حق غير المكلف، وقوله: (وما يتصف بها)، مثاله: المؤمن والكافر والأسود والأبيض، وفيه نظر؛ لأن الأسود والأبيض ليسا ضدين فإنهما ليسا عرضين، وقول المصنف: أو تضاد قد يقال: السواد والبياض بينهما تضاد، أما تصورهما فكيف يقال بينهما تضاد؟ ولا شك أن تصور الأبيض وتصور الأسود فى وقت واحد ممكن لا يقال: الجمع بين الضدين لا يتصور فى الذهن على ما اختاره
стр. 536
أو شبه تضادّ؛ كالسماء والأرض، والأول والثانى؛ فإنه ينزّلهما منزلة التضايف؛ ولذلك تجد الضّدّ أقرب خطورا بالبال مع الضدّ.
أو خيالىّ: بأن يكون بين تصوّريهما تقارن فى الخيال سابق، وأسبابه مختلفة؛ ولذلك اختلفت الصور الثابتة فى الخيالات ترتّبا ووضوحا؛ ولصاحب علم المعانى فضل احتياج إلى معرفة الجامع، لا سيّما الخيالىّ؛ فإنّ جمعه على مجرى الإلف والعادة.
ــ
ابن سينا فى الشفاء؛ لأنا نقول: الممتنع على هذا القول تصورهما مجتمعين، وأما تصورهما فى وقت واحد منفردين فلا يمتنع إلا إذا قلنا: إن العلم يستحيل أن يتعلق بأمرين فى وقت واحد؛ لكن المصنف لا يريد ذلك؛ لأن القول به لا اختصاص له بالضدين، بل فى كل أمرين مطلقا ولو قال: أو يكون المسند إليهما أو المسندان متضادين، سلم من هذا؛ وإنما كان التضاد جامعا؛ لأن الوهم ينزلهما منزلة المتضادين اللذين يلزم من تصور
أحدهما تصور الآخر.
(قوله: أو شبه تضاد)، أى: يكون بين تصورهما شبه تضاد وعليه من السؤال ما سبق فينبغى أن يقول: أو يكون بين الشيئين شبه تضاد (كالسماء والأرض) وإنما لم يحكم عليهما بالتضاد، لأنهما لا يتعاقبان على محل، وليسا بعرضين؛ ولكنهما يشبهان المتضادين لما بينهما من الاختلاف (و) من شبه التضاد (الأول والثانى) وينبغى أن يعد منه الأبيض والأسود - كما سبق - وإنما عد الأول والثانى من شبه التضاد ولم يعدا متضادين؛ لأن فى كل منهما قيد العدم؛ لأن الأول ما لم يسبقه غيره والثانى ما سبقه واحد فقط، والضدان لا يكونان عدميين، (قوله: فإنه)، أى: لأن الوهم (ينزلهما) أى الضدين (منزلة التضايف) ينبغى أن يقول: منزلة المتضايفين أو يقول: ينزل المضادة منزلة التضايف (ولذلك تجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد) كالسواد والبياض.
وأما الخيالى فهو أن يكون بين تصوريهما تقارن فى الخيال سابق أى سابق فى الخيال، والخيال قوة حافظة لما يدركه الحس المشترك. وينفرد الخيالى عن العقلى والوهمى؛ بأن فى العقلى علاقة حقيقية - كما سبق - وفى الوهمى علاقة اعتبارية حاصلة فى ذات تلك المقارنات، وأما الخيالى فإنها صور تثبت فى قوة الخيال وتصل إليها من الحواس وإن كانت تلك الأشياء بحسب ذلك الشخص؛ لكونه كثير الاستعمال لها فى خياله؛ لكثرة مشاهدتها واشتمال حواسه الظاهرة عليها؛ ولذلك كثر الاختلاف فى ثبوت الصور فى الخيالات، وربّ شيئين يجتمعان فى خيال زيد دون خيال عمرو، لملابسته
стр. 537
ومن محسّنات الوصل: تناسب الجملتين فى الاسمية أو الفعلية، والفعليتين فى المضى والمضارعة، إلا لمانع.
ــ
لها دون غيره أو جريان ذكرهما فى مجلسه دون غيرهما، وربما كان بين الأمرين جامع خيالى بالنسبة إلى قوم دون قوم كقوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (١) فإن هذه الأمور مجتمعة فى خيال أهل البوادى، فإن أكثر انتفاعهم بالإبل وانتفاعهم بها بالرعى الناشئ عن المطر النازل من السماء، المقتضى لتقلب وجوههم إليها ولا بد لهم من مأوى وحصن فكثر نظرهم إلى الجبال ولا بد لهم من التنقل من أرض لأرض، فذكرت الأرض فصور هذه الأمور حاضرة فى ذهنهم على الترتيب المذكور بخلاف الحاضر فإنه إذا تلا الآية قبل تأمل هذه الأمور ربما وسوس إليه الشيطان ظن أن هذا الوصل معيب.
(قلت): وأنت تعلم كما سبق أن الاتحاد فى المسند والمسند إليه موجود فى هذه المتعاطفات بالنسبة لكل أحد، ومع ذلك قال المصنف: لولا اجتماع هذه الأمور فى خيال البدوى لما ساغ هذا العطف ففسد بذلك قوله - فيما سبق -:
إن الاتحاد فى المسند والمسند إليه يكون كافيا وعلم صحة ما قلناه من أن المعتبر المناسبة وهذه الآية الكريمة ليست مما نحن فيه؛ لأنها من عطف المفردات لكن يعلم به حكم الجمل على هذا الأسلوب، بل أولى؛ لأن الاتصال بين المفردات أوضح منه بين الجمل واعلم أنك لو قلت: انظر إلى السماء كيف رفعت وانظر إلى البرغوث الذى يأكلك لكان ممتنعا، ولصاحب علم المعانى احتياج كثير إلى معرفة الجامع لا سيما الخيالى فإن مبناه على الإلف والعادة.
ص: (ومن محسنات الوصل إلخ).
(ش): لما ذكر مواطن الوصل والفصل، شرع فى فرع غير ذلك وهو أنه إذا ساغ الوصل فربما يستحسن وربما لا يستحسن فإن قلت: ذلك يستدعى جواز الوصل والفصل حتى يستحسن أحدهما فى حالة والآخر فى حالة ولم يتقدم لنا صورة يجوز فيها بلاغة الأمرين بكل اعتبار بل صور يجوز فيها القطع والوصل باعتبارين؛ فأى
стр. 538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اعتبار سلكته وجب ما يقتضيه وقطع الاحتياط المتقدم إن حملناه على جواز الأمرين فلا شك أن الفصل فيه أرجح ومتى ترجح الفصل من حيث المعنى لا ينظر إلى التناسب اللفظى.
(قلت): لا مانع من انقسام الوصل الواجب إلى مستحسن وغيره؛ لأن المعنى بوجوبه امتناع الفصل، فإن كان مع تناسب بحسب الوصل، كان التركيب حسنا وإلا كان التركيب قبيحا، أو يكون المراد إذا أردت أن تصل فعليك بالتناسب ويحتمل أن يريد بالمحسن الموجب؛ لأن واجبات البلاغة يستند أكثرها إلى التحسين فإنه كل ما وجب لغة وجب بلاغة من غير عكس، ويشهد لذلك أن السكاكى قال: إن محسنات الوصل أن يكون الجملتان متناسبتين فى الاسمية أو الفعلية، فإذا كان المراد من الإخبار مجرد نسبة الخبر إلى المخبر عنه، من غير تعرض لقيد زائد لزم أن يراعى ذلك، انظر كيف جعله من المحسنات ثم جعله لازما، وقد ذكر من محسنات الوصل أمرين، أحدهما:
تناسب الجملتين بالاسمية والفعلية، أى: بأن يكونا اسميتين أو فعليتين كذا ذكروه والأحسن أن يقال: أو ذواتا وجهين؛ لأن الجملة التى طرفاها اسمان اسمية، والتى أحد طرفيها فعل إن كانت مصدرة بالفعل سميت فعلية أو باسم سميت ذات وجهين ويطلق عليها أيضا الاسمية كثيرا.
واعلم أولا: أن النحاة اختلفوا فى جواز عطف الجملة الاسمية على الفعلية وعكسه، وعطف الاسم على الفعل وعكسه، على أربعة أقوال، قيل: يمتنع حكاه عبد اللطيف البغدادى فى شرح مقدمة ابن بابشاذ، ويلزم امتناع الرفع على الابتداء فى قام زيد وعمرو ضربته إذا لم تكن الثانية حالا وهو خلاف ما أطلق النحاة عليه، وقيل: إن كان
العطف بالواو جاز، أو غيرها فلا يجوز، قاله ابن جنى فى سر الصناعة ونقله عن الفارسى، وقال: إنه الصواب، وقيل: يجوز مطلقا وهو المشهور الصحيح، ولهذه المسألة فرع سنذكره فى آخر الكلام إن شاء الله تعالى، والرابع: وهو تجويزه فى عطف الاسم على الفعل، وعكسه قاله ابن الشجرى فى أماليه وهو أن الفعل المضارع يعطف على اسم الفاعل وعكسه، لما بينهما من المضارعة التى استحق بها يفعل الإعراب واسم الفاعل الإعمال فتقول: زيد يتحدث وضاحك وضاحك ويتحدث ولا يجوز زيد سيتحدث وضاحك؛ لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدث هنا؛
стр. 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنه لا يصلح لمباشرة السين وكذلك لا يجوز مررت بجالس ويتحدث، فإن عطف اسم الفاعل على فعل ماض لم يجز إذ لا ملازمة بينهما إلا إذا قربت الماضى من الحال بأن تقربه بقد، كقوله:
أم صبىّ قد حبا أو دارج
أو يكون اسم الفاعل مرادا به الماضى فيجوز عطفه عليه مثل: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ (١) وعليه بنى المصنف وغيره ما ذكره كأنه يقول: إن قلنا:
يجوز عطف الاسمية على الفعلية وعكسه، فهو غير مستحسن لما فيه من عدم التناسب، وذلك نحو: قام زيد وعمرو قعد؛ ولذلك كان المعطوف على الجملة الاسمية نحو: زيد قام وعمرو ضربته يختار فى ضربه النصب، ولو كانت الجملة الاسمية ذات وجهين نحو: زيد قام وقعد عمرو فقد جعله السكاكى من عطف الفعلية على الاسمية، والظاهر أنه فى الرتبة الوسطى لا يصل فى القبح إلى عطف فعلية على اسمية محضة ولا فى الحسن إلى عطف اسمية محضة على اسمية، وعكسه فإنه يشارك الفعليتين والاسميتين فى اشتمال كل من الجملتين على فعل واسم، بل يزيد عليهما بتوالى الفعلين المحمولين؛ ولكنه ينقص عنهما بالاختلاف بجعل محمول إحداهما مقدما ومحمول الأخرى مؤخرا، وقول المصنف: (فى الفعلية والاسمية) فيه نظر، وينبغى أن يقول: أو الاسمية؛ لأن التناسب لا يكون فى كل منهما، بل فى إحداهما.
الأمر الثانى من التناسب: أنهما إذا كانا فعليتين يتناسبان فى المضى والمضارعة وينبغى أن يقول: أو المضارعة فإن التناسب لا يكون إلا فى إحداهما - كما سبق - كقولك: قام زيد وقعد أو يقوم ويقعد فلو قلت: قام زيد ويقعد أو عكسه، لم يحسن وهذا بشرط أن يكون المضارع والماضى مرادا بهما المضى أو الاستقبال، أما لو أريد بأحدهما المضى وبالآخر الاستقبال أو الحال لم يجز بالكلية، كما تقدم عن الشيخ أبى حيان نقل الإجماع فيه.
ومن التناسب أيضا ولم يتعرض له المصنف: أن تكون الجملتان سواء فى الشرطية والظرفية، أى: إذا كان المعطوف عليها شرطية فليكن المعطوف كذلك أو كانت المعطوف عليها ذات ظرف؛ فلتكن الثانية كذلك.
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): فيه نظر؛ لأنه إذا كانت الأولى ظرفية فإن قصدت إعطاء الظرف للأخرى وصلت وإلا وجب الفصل - كما سبق - وينبغى أن يدخل فى هذا القسم إذا كان فى إحداهما أداة حصر، مثل: إنما زيد قائم وعمرو جالس تريد عطف عمرو وجالس على إنما وما بعده، وكذلك إذا كانت إحداهما مؤكدة بإن أو اللام دون الأخرى.
وقوله: (إلا لمانع) هو استثناء عائد إلى القسمين السابقين فالتناسب فى الاسمية والفعلية يعتبر إلا لمانع مثل: أن تريد بإحداهما التجدد وبالأخرى الاستمرار، كقولك:
قام زيد وعمرو قاعد إذا أردت أن قيام زيد تجدد وقعود عمرو لم يزل؛ لأن رعاية المعنى تقدم على رعاية التناسب اللفظى، قال السكاكى فى المفتاح: وعليه قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) أى سواء أجددتم الدعوة أم استمر عليكم صمتكم عن دعائهم؛ لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله دون أصنامهم لقوله تعالى:
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ (٢) وكانت حالهم المستمرة أن يكونوا عن دعوتهم صامتين واعترض عليه بأنه إنما يتجه لو كان المدعو الله تعالى، وإنما المدعو الأصنام فلا يصح المثال؛ لأن دعاءهم الأصنام أمر ثابت لهم (قلت): والجواب أن السكاكى أراد أن الثابت لهم الصمت عن دعائهم؛ لأن الدعاء فى الغالب إنما يكون عند مسّ الضر وهم عند مس الضر إنما يدعون الله ودعاء الله صمت عن دعائهم، ولذلك قال السكاكى: إن حالتهم المستمرة الصمت عن دعائهم، واستدل عليه بأنهم كانوا يدعون الله تعالى بدليل الآية الكريمة والمعنى سواء تجدد دعاؤكم الأصنام عند نزول الضر وتركتم ما أنتم عليه من دعاء الله تعالى عند الضر أم أنتم صامتون عن دعاء الأصنام مستمرون على دعاء الله ومن أمثلة هذا أيضا قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٣)؛ لأنهم كانوا يزعمون أن اللعب حالة مستمرة له ﷺ فاستفهموا عن تجدد مجيئه لهم بالحق ولا فرق فى التمثيل بهذه الآية الكريمة بين أن نقول: أم منقطعة أو نقول: متصلة قيل: ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (٤) على قراءة النصب فإنه معطوف على فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا (٥) فإن
стр. 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: الجملة لا تخلو عن أن تكون اسمية فتكون للثبوت أو فعلية فتكون للتجدد، فإن أريد التجدد فيهما وجب كونهما فعليتين لذلك لا للتناسب، أو أريد الثبوت فيهما وجب كونهما اسميتين لذلك أو أريد الثبوت فى إحداهما والتجدد فى الأخرى وجب اختلافهما لذلك، فليس لرعاية الاسمية والفعلية محل تكون فيه للتناسب اللفظى.
(قلت): الجملة فى نفسها لا تخلو عن دلالة على الثبوت إن كانت اسمية أو التجدد إن كانت فعلية؛ لكن وراء إرادة الثبوت وإرادة التجدد قسم ثالث وهو: إرادة مطلق النسبة من غير نظر لثبوت أو تجدد وإن كانت لا يقع الإخبار بها إلا على إحدى الكيفيتين، وبهذا ظهر الجواب عن قول السكاكى: إن كان المراد مجرد النسبة روعى التناسب فى الفعلية والاسمية وأما المانع من رعاية التناسب فى عطف أحد الفعلين على الآخر فهو أن يكون الفعلان المستقبلان مثلا يقصد إتيان أحدهما بصيغة الماضى لنكتة كالدلالة على أن هذا الأمر صورته صورة الواقع وقد تقدم الكلام على هذا ومثله وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ (١) إشارة إلى أن الفزع المترتب على النفخ كأنه قد وقع حتى عبر عنه بلفظ الماضى. (تنبيه): إذا تأملت ما ذكرناه فى هذه الأمثلة وتأملت كلام السكاكى علمت أن المراد فى هذا المكان بقولهم: الفعل المتجدد أنه للإخبار بتجدد الشئ ووقوعه بعد أن لم يكن ويشهد لذلك قول السكاكى: سواء عليكم أجددتم دعاءهم بخلاف قولنا:
الفعل المضارع للتجدد فمعناه: أن الشئ يتجدد وقتا بعد وقت ويتكرر كما سبق تقريره.
(تنبيه): ينبغى أن يستثنى من الفعل المضارع المجزوم بلم أو لما فيعطف على الماضى تقول: زيد قام ولم يقعد ولا يعطف على المضارع المراد به الاستقبال فتقول:
سيقوم ولم يقم؛ وكأنهم استغنوا عن هذا بقولهم: إلا لمانع فإن إرادة المضى بالمضارع المجزوم لا يؤثر معها رعاية التناسب فى عطفه على مضارع للاستقبال كما أن إرادة الاستقبال بفزع منعت رعاية التناسب.
(تنبيه): جميع ما سبق فى الجملتين سواء أكانا كلامين مستقبلين أم لم يكونا مثل:
جملتى الشرط أو جملتى الجواب فيراعى فيهما ما سبق أما جملتا شرط وجواب مثل
стр. 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولك: إن قام زيد قعد عمرو وإن خرج بكر دخل خالد، فهل يشترط فى عطف الثانية على الأولى الاتحاد فى المسندين والمسند إليهما فى الجمل الأربع إذا مشينا على رأى المصنف أو يكفى الاتحاد بين مسندى الشرط والمسند إليهما أو يعتبر الجواب لم يتعرضوا لذلك فلينظر فيه.
(تنبيه): قد علم حكم الجملتين فى الوصل والفصل أما المفردات فلم يتعرضوا لها فى ذلك والظاهر أنهم إنما تركوا ذلك؛ لأنه فى الغالب واضح؛ أو لأنه يعلم حكمه من الجملتين ولذلك تجد فى أمثلة المفتاح وغيره، حين يمثل بوصل إحدى الجملتين بالأخرى كثيرا من المفردات والذى ينبغى التعرض لذلك، فنقول: الأصل فى المفرد فصله مما قبله، لأن ما قبله إما عامل فيه مثل: زيد قائم فلا يعطف المعمول على عامله أو معمول فلا يعطف العامل على معموله أو كلاهما معمول، والفعل يطلبهما طلبا واحدا، فلا يمكن عطفه؛ لأنه يلزم قطع العامل عن الثانى مثل: علمت زيدا قائما، ونحو ذلك إلا ما سنذكره فى عطف أحد الخبرين على الآخر؛ لكن قد يأتى ذلك فى بعض المفردات فلا بد له من ضابط، فنقول: إذا اجتمع مفردان وأمكن من جهة الصناعة عطف أحدهما على الآخر، فإن كان بينهما جامع وصلت وإلا فصلت ولنمش على اصطلاحهم فى الجمل، فنقول: ذلك أقسام أحدها: أن يكون بين المفردين كمال انقطاع بلا إيهام غير المراد، مثل: زيد عالم قائم، فإنه لا جامع بين هذين الخبرين معتبر، وكذلك جاء زيد لابسا ثوبا ضاربا عمرا، وكذلك الأسماء قبل التركيب، نحو: واحد اثنان ثلاثة وحروف الهجاء، نحو: ألف باء، الثانى: أن يكون بينهما كمال الانقطاع، وفى الفصل إيهام غير المراد نحو: ظننت زيدا ضاربا وعالما، فيجب العطف إذ لو لم يعطف لتوهم أن عالما معمول لقولك ضاربا، الثالث:
كمال الاتصال، بأن يكون تأكيدا معنويا أو لفظيا أو عطف بيان أو نعتا أو بدلا، نحو: جاء زيد نفسه، وجاء زيد أبو عبد الله، وجاء زيد القائم فلا يعطف شئ من ذلك أو يكون فى معنى واحد من هذه الأمور - كما سبق فى الجمل - أو يكونا بمنزلة خبر واحد كقوله:
هذا حلو حامض إذا جعلناهما خبرين، فإن قلت: قد وقع عطف بعض الصفات على بعض، قلت: على خلاف الأصل، وأكثر ما يقع ذلك للجمع بين صفتين أو للتنبيه على تغايرهما، كقوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْباطِنُ (١) إن جعلناها صفات لرفع وهم من يستبعد أن تكون هذه الصفات لذات واحدة؛ لأنه إذا قصد فى العرف تضاد أحوال الشخص الواحد، يقال: هو قائم قاعد، وجاء العطف فى قوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٢)؛ دون ما قبله؛ لأن الثيوبة والبكارة قسمان متضادان للموصوف، لا يجتمعان فى محل واحد بخلاف الصفات قبله.
وكذلك قوله ﵎: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ (٣) فإنه لما كان الأمر بالمعروف ملازما للنهى عن المنكر، وعكسه عطف عليه، ليكونا صفتين مستقلتين بالفضل، بخلاف ما قبله فإنه لا يتوهم أن أمرين منهما صفة واحدة وأما قولهم واو الثمانية فهو كلام ضعيف ليس له أصل طائل، وإن كان وقع فى كلام كثير من الأئمة واستندوا فيه إلى أن السبعة نهاية العدد عند العرب. وأما غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ (٤) فلأن غافر الذنب وقابل التوب من صفات الأفعال، وعطف أحدهما على الآخر أيضا يتوقف على تحرير المقتضى لاختلاف هذه الصفات تعريفا وتنكيرا، وللكلام فيه سبح طويل ليس هذا محله، فإن غافر وقابل قد يظن أنهما وصف واحد لتناسبهما، فبين بعطف أحدهما أنهما متغايران وشَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ كالمتضادين بالنسبة إلى غير الله .
وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ (٥) إلى آخرها:
العطف الأول: نحو قوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٦) فى أنهما جنسان مختلفان إذا اشتركا فى حكم، لم يكن بد من توسط العاطف بينهما.
وأما العطف الثانى: فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع فكان معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم مغفرة. اهـ.
قال الوالد - رحمه الله تعالى -: الصفات المتعاطفة إن علم أن موصوفها واحد إما من كل وجه كقوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ فإن الموصوف الله تعالى، وإما بالنوع كقوله تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٧) فإن الموصوف الأزواج، وقوله تعالى:
стр. 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١) فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدمة، وإن لم يعلم أن موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ، فإن دل دليل على أنه من عطف الصفات، أتبع كهذه الآية الكريمة، فإن هذه الأعداد لمن جمع هذه الطاعات العشر، لا لمن انفرد بواحد منها؛ إذ الإسلام والإيمان كل منهما شرط فى الأجر، وكلاهما شرط فى حصول الأجر على البواقى، ومن كان مسلما مؤمنا له أجر، لكن ليس هذا الأجر العظيم الذى أعده الله فى هذه الآية الكريمة، وقرن به إعداد المغفرة، وإعداد المغفرة زائد على المغفرة، فلخصوص هذه الآية جعل الزمخشرى ذلك من عطف الصفات والموصوف واحد، فلو لم يكن كذلك واحتمل تقدير موصوف مع كل صفة وعدمه حمل على التقدير، فإن ظاهر العطف يقضى بالتغاير، ولا يقال: الأصل عدم التقدير؛ لأن هذا الظاهر مقدم على رعاية ذلك الأصل، ومثاله قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ (٢) ولو كانت من عطف الصفات لم يستحق الصدقة إلا من جمع الصفات الثمان، ولذلك إذا وقف على الفقراء والفقهاء والنحاة استحقه من به إحدى هذه الصفات، والله تعالى أعلم.
الرابع: شبه كمال الانقطاع بأن يكون للمفرد الأول حكم لا يقصد إعطاؤه للثانى نحو: زيد مجيب إن قصد صالح، إذا أردت الإخبار بأنه صالح مطلقا فإن عطف صالح على مجيب يوهم أنه صالح إن قصد؛ لأن الشرط فى أحد المتعاطفين شرط فى الآخر بخلاف الشرط فى واحد من خبرى المبتدأ، وتارة يكون عطفه على المفرد قبله يوهم عطفه على غيره، نحو:
كان زيد ضاربا عمرا قائما، فلو قلت: وقائما؛ لأوهم أنه معطوف على عمرا المفعول.
الخامس: شبه كمال الاتصال كقولك: زيد غضبان ناقص الحظ، كأن سائلا سأل لم غضب وهذا تقدير معنوى لا صناعى، ولو كان صناعيا لدخل فى عطف الجمل.
السادس: أن يكون بينهما التوسط من كمال الانقطاع وكمال الاتصال كقولك: زيد معط مانع على أن يكونا خبرين فإنك إذا أردت جعل الثانى صفة تعين الوصل - كما سبق - إلا بتأويل ثم ذلك فى المفردات يكون أيضا بالاتحاد، فتارة يتحد فيه باعتبار المسند، ونعنى به مدلول المفرد والمسند إليه، وهو العامل فى المفردين، مثل: زيد
стр. 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كاذب ومائن أو قاعد وجالس، فإنه يجوز عطف أحدهما على الآخر مع اتحاد اللفظ كقوله:
فقدّدت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا (١)
وكذلك: جاء زيد راضيا وضاحكا؛ يتحدان باعتبار المناسبة بين الضحك والرضا، وليسا هنا مسندين، بل هما متعلقان بصاحب الحال، أو الاتحاد بمعنى عمل الفعل السابق فيهما، ولا حرج عليك فى تسمية ذلك إسنادا إن شئت، فقد سبق عند أسباب العلمية نظيره عن سيبويه والسكاكى.
وتارة يقع الاتحاد فى المسند فقط وإن لم يوافق على تسمية ذلك إسنادا، فقل فى النسبة: جاء زيد وعمرو ضاحكا وباكيا فقد اشتركا فى جاء.
وتارة يقع الاتحاد فى المسند إليه فقط مثل: زيد عالم آكل.
(تنبيه): إذا علمت حكم الوصل والفصل بالنسبة إلى الجملتين وبالنسبة إلى المفردين، فلا يخفى عليك حالهما بالنسبة إلى جملة ومفرد، وقد جوز أكثر النحاة عطف الفعل على الاسم، وعطف الاسم على الفعل إذا كان كل منهما فى تقدير الآخر، وقال السهيلى: يحسن عطف الفعل على الاسم إذا كان اسم فاعل - ويقبح عطف الاسم على الفعل، قال: فمثل: مررت برجل يقوم وقاعد، ممتنع إلا على قبح، وجوزه الزجاج كعطف الفعل على الاسم، والأكثرون على الجواز، قال تعالى: صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ وقال تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٢) وقال الزمخشرى: إن قوله : وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً (٣) معطوف على معنى الفعل فى المصدقين كأنه قال: الذين اصدقوا وأقرضوا. قال شيخنا أبو حيان: تبع الزمخشرى فى ذلك الفارسى، ولا يصح العطف على المصدقين؛ لأن المعطوف على الصلة
стр. 546
تذنيب أصل الحال المنتقلة: أن تكون بغير واو؛ لأنها فى المعنى حكم على صاحبها كالخبر،
ــ
صلة، وقد فصل بينهما بمعطوف وهو والمصدقات، ولا يصح عطفه على صلة أل فى المصدقات لاختلاف الضمائر؛ لأن ضمير المصدقات مؤنث فليخرج ذلك على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه، كأنه قيل: والذين أقرضوا.
(قلت): وأجاب الوالد عن هذا السؤال، بأن هذا إنما يلزم فى العطف على اللفظ، وهذا عطف على المعنى وهو أن ينتزع من اسم الفاعل فعل يقدر ملفوظا به ويعطف عليه، وهنا اسم الفاعل وهو مصدق شئ واحد، وإنما تعدد بحسب جمعى المذكر والمؤنث وعلامتا الجمع زائدتان على حقيقة اسم الفاعل المنتزع منه الفعل، فتنتزع منهما فعلا واحدا تنسبه إلى ضمير المذكرين والمؤنثين معا وإنما يقوى الإشكال إذا تعدد معنى اسم الفاعل ولفظه مثل: إن الضاربين والقاتلين، وأيضا فقد ذكر النحاة أنه قد ترد الصلة بعد موصولين وأكثر مشتركا فيها كقول الشاعر:
صل الّذى والّتى منّا بآصرة ... وإن نأت عن مدى مرماهما الرّحم
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (١) قال الزمخشرى: إن مخرج معطوف على فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ويُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ مبينة لمعنى فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، وقال الإمام فخر الدين: إن الاعتناء بشأن إخراج الحى من الميت لما كان أشد أتى بالفعل المضارع ليدل على استمرار التجدد، كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (٢) فإنه أقوى فى إفادة الاستمرار والتجدد من إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (٣).
ص:
(تذنيب).
ص: (أصل الحال المنتقلة أن تكون بغير واو إلى آخره).
стр. 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ش): لما كانت الحال الواقعة جملة تارة تدخلها الواو، وتارة لا تدخل، صار لها فى الصورة حالتا فصل ووصل، فناسب ذكره ذلك تبعا لباب الفصل والوصل، وجعل كالذنب لما قبله، فلذلك سمى ذكره تذنيبا وهذا الباب كله تفريع على أن هذه الواو أصلها العطف، قال شيخنا أبو حيان: ليست واو الحال عاطفة، ولا أصلها العطف، خلافا لمن زعم من المتأخرين بأنها عاطفة مستدلا بأن" أو" لا يصح دخولها عليها فى نحو قوله تعالى: أَوْ هُمْ قائِلُونَ (١)
فلو كانت خلاف العاطفة لم يمتنع ذلك.
(قلت): أما كونها ليست عاطفة فلا شك فيه، وأما كونها ليس أصلها العطف ففيه نظر، ولعل الشيخ يريد بالذى زعم أنها عاطفة الزمخشرى فإنه ذكر فى قوله تعالى:
بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ إن الواو حذفت من أَوْ هُمْ قائِلُونَ استثقالا لاجتماع حرفى عطف؛ لأن واو الحال هى واو العطف، استعيرت للتوكيد، ورد الشيخ أبو حيان عليه بأنها لو كانت واو العطف للزم أن لا تقع إلا بعد ما يصلح حالا، وليس كذلك، بل تقع حيث لا يكون ما قبلها حالا، نحو: جاء زيد والشمس طالعة، فجاء لا يمكن أن يكون حالا، وفى هذا الرد نظر؛ لأمرين: أحدهما: أن الزمخشرى لم يقل: إنها عاطفة؛ بل مراده أن أصلها العطف، واستعيرت للربط كما أن أصل الفاء العطف واستعيرت لربط الشرط بالجواب، وبرهان إرادته ذلك أنه قال فى تفسير قوله تعالى: وَأَصابَهُ الْكِبَرُ (٢) هذه الواو واو الحال وليست واو العطف، وقوله: استثقالا لاجتماع حرفى عطف، أى:
فى الصورة.
وسيأتى عن عبد القاهر استثقال اجتماع واو الحال مع حرف غير عاطف وهو كأنما، فما صورته وأصله العطف أولى.
الثانى: أن قوله: إنها تجئ فيما لا يمكن فيه أن يكون ما قبلها حالا مثل: جاء زيد والشمس طالعة، إن أراد أن الجملة السابقة غير حالية فصحيح؛ ولكن هى ملازمة لذلك فلا يصح قوله: إنها تجئ فيما لا يمكن فإنها لا تقع الا كذلك، وإن أراد أنه لو عكست وقلت: طلعت الشمس وجاء زيد لم يصح، فليس كذلك، وإن أراد أنها تقع حيث لا يكون قبلها حال فيقول القائل: إنها عاطفة نقول: لا؛ لأنها عاطفة على الحال
стр. 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلها؛ بل على الجملة العاملة فى الحال فمعنى" جاء زيد والشمس طالعة": جاء زيد ووقع طلوع الشمس معه، فإذا قلت: جاء زيد قائما والشمس طالعة، وجعلت الواو للحال كان العطف على الفعل، لا على الحال، لا يقال: كيف يعطف المعمول على عامله، لأنا نقول: إنما أردنا العطف المعنوى لا الصناعى.
هذا كله لو قال الزمخشرى: إنها عاطفة، والفرض أنه لا يريد ذلك، إنما يريد أن أصلها العطف كما صرح به السكاكى فى المفتاح، وللكلام على هذه الآية الكريمة بقية تأتى حيث نتكلم على الجملة الاسمية - إن شاء الله
تعالى - فإن قلت: لو كانت هذه الواو العاطفة لما عطفت الاسمية على الفعلية فى الكلام الفصيح.
(قلت): إنما يمتنع فى الفصيح عطف الاسمية على الفعلية إذا كانت عاطفة حقيقة، أما إذا كان أصلها العطف فلا.
وقد قدم المصنف على ما ذكره مقدمة، وهى أن الحال تنقسم إلى: منتقلة ومؤكدة، فالمؤكدة: لا تدخلها الواو أبدا، وسببه أنها فى معنى ما قبلها، والواو تؤذن بالمغايرة، والمنتقلة سواء كانت مفردا أو جملة أصلها أن تكون بغير واو؛ واستدل عليه بأمرين:
أحدهما: أنها فى المعنى حكم على صاحبها كما أن الخبر حكم عليه، والمحكوم به لا يعطف على المحكوم عليه، كما لا يعطف الخبر على المبتدأ، وقد يخدش فى قولنا: إن الخبر لا تدخله الواو أن الأخفش فى طائفة جوز دخول الواو فى خبر كان وأخواتها إذا كان جملة، وقال ابن مالك: إن ذلك جائز فى خبر ليس إذا كان جملة موجبة بإلا، وكذلك فى خبر كان بعد نفى، وأنشدوا:
ليس شئ إلّا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار (١)
وقوله:
ما كان من بشر إلّا وميتته ... محتومة لكن الآجال تختلف (٢)
وقوله:
فظلّوا ومنهم سابق دمعه له ... وآخر يبقى دمعة العين بالمهل (٣)
стр. 549
ووصف له كالنعت، لكن خولف هذا إذا كانت جملة، فإنها من حيث هى جملة مستقلّة بالإفادة؛ فتحتاج إلى ما يربطها بصاحبها،
ــ
وقوله:
دخلت على معاوية بن حرب ... وكنت وقد يئست من الدّخول
وقد يجاب عن ذلك كله إما بمنعه وحمل ما ورد منه على الضرورة، أو حذف الخبر. وإما بأن دخولها فى هذه المواطن حملا لها على الحالية، كما صرح به الأخفش، وإنما قال فى المعنى؛ لأن الحال ليست حكما فى اللفظ؛ لأن الحكم فى اللفظ إنما يكون بالمسند كالخبر من قولك: زيد قائم، والفعل من نحو: جاء زيد، غير أن الحال حكم فى
المعنى؛ لأن قولك: جاء زيد راكبا، فيه حكم بالركوب على زيد، لكن لا بالأصالة، بل استفادة هذا الحكم؛ لكونه جعل قيدا للفعل العامل فإنك إذا قلت: جاء زيد راكبا، حكمت بالركوب تبعا، وإذا قلت: زيد راكب، حكمت بالركوب استقلالا، وتحقيق ذلك أنك: إذا قلت: جاء زيد راكبا، تضمن هذا الكلام ثلاثة أشياء: مجئ زيد، وركوبه، واقتران ركوبه بمجيئه.
فالأول: مستفاد بالنص من قولك: جاء زيد، والحال قيدت ذلك المجئ بقيد، وأثبتت أن المجئ الذى أخبرت به مجئ مقيد لا مطلق؛ لأن المفهوم من قولك: ضربت زيدا، حكم بوقوع ضرب، وبأنه على زيد فكأنك قلت: المجئ المقارن للركوب حصل من زيد، والإخبار بالمقيد يدل على وقوع القيد التزاما لا يتوهم كونه تضمنا؛ لأن القيد جزء المخبر به، فإن القيد ليس جزء المخبر به، بل المخبر به شئ مقيد لا شيئان، أحدهما:
مطلق، والآخر: مقيد، فليس مدلولا عليه بالتضمن ولا بالمطابقة، بل من حيث إنه يلزم من وقوع المقيد وقوع القيد فكان الحكم بالمجئ من الراكب حكما بالركوب التزاما، فليتأمل.
والدليل الثانى: أشار إليه بقوله: (ووصف له كالنعت)، أى: الحال فى الحقيقة وصف لصاحبها فكما أن النعت لا يدخله الواو، كذلك الحال لا يدخلها الواو لأن قولك: جاء زيد راكبا، معناه: جاء زيد الراكب، فلو عطفت الراكب على زيد، لم يصح، فكذلك عطف الحال على صاحبها، الأصل أنه لا يجوز، قيل: إنما يأتى ذلك على رأى الجمهور، وأما الزمخشرى والمصنف - كما سيأتى - فيقولان: يجوز دخول الواو بين الصفة والموصوف.
стр. 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): ولا شك أنه عنده على خلاف الأصل. (فإن قلت): فما الفرق بين هذا الدليل والذى قبله وما الفرق فى المعنى بين الوصف والحال؟ (قلت): الحال والوصف مشتركان فى أن المسند فيهما مقيد، فإنك إذا قلت: جاء زيد العالم، كنت مخبرا بمجئ مقيد بكونه صادرا من عالم، كما أن جاء زيد عالما إخبار بمجئ مقيد بكونه من عالم، ويشتركان فى اقتران الصفة بالموصوف والحال تصاحبها، فإن قولك: جاء زيد العالم، معناه: العالم وقت المجئ، وهذا معنى قولهم: اسم الفاعل حقيقة فى الحال، ليس المراد منه حال النطق، بل حال تعلق النسبة فتأمله؛ فقد غلط فيه بعض الأكابر، غير أن دلالة الحال على المقارنة أقوى من دلالة الصفة، ألا ترى أن الحال لا تقع ماضية فلا تقول: جاء زيد اليوم راكبا أمس، واسم الفاعل يطلق على الماضى مجازا مشهورا أو حقيقة، على الخلاف المشهور، ووقوع الحال مقدرة مرادا بها الاستقبال مجازا، ثم يفترقان أيضا بأن الحال محكوم بها بمعنى أن المتكلم قصد الإخبار بالمجئ وبالركوب، بخلاف" جاء زيد الراكب"، فإن المتكلم إنما قصد الإخبار بالمجئ.
وبعد أن كتبت هذا رأيت بخط والدى ﵀ ما نصه: إذا قلت: جاء زيد راكبا، فقد أخبرت بمجيئه وبأنه كان
راكبا فهما خبران يحتمل أن يصدقا أو يكذبا أو يصدق أحدهما ويكذب الآخر، والخبر عن الحال تابع للخبر عن الذات، وهو مقيد للخبر لا للمخبر عنه وبيان لصفة الخبر لا لصفة المخبر عنه، وأما الصفة فهى مقيدة للمخبر عنه لا للخبر، وذلك أن زيدا إذا قلت:" الراكب" قيدته قبل أن تخبر عنه، فإذا أخبرت عنه بالمجئ فالإخبار حصل عن ذلك المقيد فهو خبر واحد لا خبران فليس فيه إلا صدق أو كذب، فالحال تابع للخبر والحكم تابع للصفة فافهم ذلك، انتهى.
وهو موافق لما قلته غير أن فيه فرقا بين الحال وصفة المسند إليه، لا بين الحال وصفة المسند فى قولك: جاء زيد الضارب الراكب، وقولك: زيد الضارب راكبا، والفرق أن صفة المسند ليس حكما بالركوب؛ بل ذكره عرفنا أن الضارب المذكور إنما أريد به المتصف بالركوب، وسبيله سبيل قولك: زيد الضارب مقتصرا عليه مريدا به الراكب من الضاربين، وأن الأداة عهدية واستفادة هذا القيد من كون المقيد يستحيل وجوده دون قيده، ويستحيل وجود الموصوف دون الصفة بخلاف الحال فإنك قصدت فيها إفادة وقوعها. (فإن قلت): يلزمكم عدم صحة تكذيب النصارى
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى قولهم: كنا نعبد المسيح ابن الله وإنهم ليقال لهم: كذبتم. (قلت): إما أن يراد كذبتم فى عبادتكم لمسيح موصوف بهذه الصفة أو يكون فهم عنهم أن قولهم: ابن الله بدل أو هو مجاز فلا يلزم أن يكون فى قول الكافرين: المعبود ابن الله، حكمان:
(فإن قلت): قد قدمتم أن الخبر الموصوف يدل على وقوع الصفة بالالتزام، وقد جعلتم الحال يدل على وقوع القيد بالالتزام فاستويا، فكيف فرقتم بينهما؟ (قلت):
المخبر به إذا وصف هو النسبة غير مقيدة بنسبة أخرى ولم يقصد المتكلم الإخبار بالقيد غير أنه ساقه التقييد إليه والمخبر به مع الحال ليس مطلق النسبة، بل هى متصفة بقيدها، وفرق واضح بين أن يقصد المتكلم الإخبار بشئ ويتفق أن ذلك الشئ مقيد فلا يكون ذلك القيد مخبرا به لا التزاما ولا غيره، وبين أن يقصد الإخبار به متصفا بالقيد، ففى الحال وقع الإخبار بالقيد التزاما، وفى الصفة حصل القيد التزاما، ولم يحصل الإخبار به التزاما ولا غيره. (فإن قلت): إذا كان الحال حكما يلزمه أن يكون أحد ركنى الإسناد والفرض أنها ليست كذلك. (قلت): هى حكم تبعى لا استقلالى؛ فلذلك لم لكن ركنا فى الإسناد لفظا، وإن كانت ركنا معنى، وإذا تأملت ما ذكرناه انبسط لك عذر من قال: الحال فيها نسبة تقييدية، وعذر من قال: إن فيها نسبة إسنادية، فكلاهما صحيح، فصحة الأول: باعتبار أنها قيدت نسبة العامل فى صاحبها ولم تنشئ نسبة جديدة، بل زادت قيدا فى النسبة الحاصلة. وصحة
الثانى: باعتبار أنها أسندت القيد، ومن لاحظ الثانى منع أن يكون قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (١) جملة حالية لأنه يلزم أن تكون العداوة مأمورا بها، ومن لاحظ الأول قال: هذه نسبة تقييدية فلا يلزم ذلك، والقولان مذكوران فى الآية الكريمة وها أنا أذكر قاعدة تلخص ما سبق وتقيده وأرجو أن تكون على التحقيق، الأمر بشئ مقيد بشئ فيه أمران:
أحدهما: أصل الفعل الذى توجه الأمر به وهو مأمور به مطابقة بلا إشكال.
والثانى: القيد الذى دلت عليه الحال وهو ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون بعض أنواع الفعل المأمور به مثل: حج مفردا أو حج متمتعا أو حج قارنا، فالإفراد والتمتع والقرآن أنواع للحج فالحال مأمور بها والمأمور به ماهية مركبة
стр. 552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مأمور بكل من جزأيها، وقد صرح بالحج فدل عليه مطابقة والظاهر أن صفة الإفراد مثلا مدلول عليها أيضا بالمطابقة لتصريحه بها، ويحتمل أن يقال: الدلالة عليها تضمن، وهو بعيد.
القسم الثانى: أن لا يكون بعض أنواع الفعل المأمور به، ولكنه من فعل الشخص المأمور، مثل: ادخل مكة محرما، فهو أيضا أمر بثلاثة أشياء: الدخول، والإحرام، والجمع بينهما، ويشهد لذلك قول الفقهاء: لو نذر أن يعتكف صائما أو يصوم معتكفا لزمه الصوم والاعتكاف والجمع بينهما، ولا يعكر عليه قولهم: لو نذر الاعتكاف مصليا أو عكسه لم يلزمه الجمع لأن الجمع وإن نذره الشخص واقتضاه اللفظ لغة فإن الشارع ألغاه؛ لأن أحدهما ليس قربة فى الآخر، بخلاف الصوم والاعتكاف، وهل نقول: الحال فى هذا القسم مقصودة أو هى من ضرورة تحصيل المأمور به على تلك الصفة؟ فيه احتمالان، ويشهد للأول قول الفقهاء: لو نذر أن يعتكف صائما فاعتكف فى رمضان لا يجزيه.
القسم الثالث: أن لا يكون من نوع الفعل ولا من فعل الشخص المأمور، مثل: اضرب الزيدين جالسين فى الدار، فالمأمور به الضرب فقط، ولكنه لا يجزئ إلا إذا كان على تلك الحال، فإذا لم يكن للمأمور قدرة على تحصيل تلك الحال لا يكون مأمورا حتى توجد، وكذلك إذا قلت: اضربهما مجردين، ولم يكن لك قدرة على تجريدهما، فإن كان لك قدرة على تجريدهما وجب، لا لكون التجريد مأمورا به لفظا؛ بل لأنه لا يتم الواجب إلا به، فقد انقسمت الحال كما ترى إلى ما هو مأمور به مطابقة أو تضمنا أو التزاما أو ليس مأمورا به بالكلية، فقوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ *
علمنا من خصوص المادة أن الله تعالى لا يأمر بالعداوة فإنها تستلزم وقوع الكفر من الكافر ليأمر المسلم بعداوته أو أمر الكافر بعداوة المسلم على إسلامه وهما ممتنعان، والحمل على أن المراد أن المسلمين فقط أعداء الكفار فقط فى غاية البعد، فإن هذا التركيب إنما يستعمل غالبا فيما استوت أبعاضه فيه، مثل:
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ * ولا يستعمل ذكر بعضين متقابلين فى كلام على هذا الوجه، وهما مختلفان إلا بقرينة مثل: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ (١) فلهذا نقول: إن
стр. 553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذه الجملة غير مأمور بمعناها، بل هى إما خبر مستأنف أو حال مقدرة، والحال المقدرة لا يجب فيها ذلك، بل معناها إذا كانت حالا من فعل مأمور به أنه مأمور بذلك الفعل صائرا عاقبته إلى تلك الحال فترجع إلى معنى الخبر، لكن بينهما فرق فإن الخبر يقتضى الإخبار بأنهم الآن وقت الخطاب على صفة العداوة والحال لا يقتضى ذلك، بل يقتضى أن مصيرهم أن يكونوا متعادين إما وقت الهبوط إن كانت مقارنة أو بعده إن كانت مقدرة، ثم العداوة لا يمكن أن تكون مأمورا بها؛ لأنها ليست من فعل الشخص ولا يمكنه تحصيلها إلا بتعاطى أسبابها على بعد، فالمراد أن الله تعالى خلق أو يخلق فيهم عداوة بعضهم لبعض، إما ذلك الوقت وهو وقت خطابهم أو وقت هبوطهم أو بعده، فعلى الأول: خبر محض، وعلى الثانى: حال مقارنة، وعلى الثالث: حال مقدرة. (فإن قلت): إذا اختلف معنى الحال ومعنى الصفة فكيف قال المصنف: إنها بمعنى الصفة، وإذا كانت الحال محكوما بها والصفة غير محكوم بها فالوجه الأول ينافى الثانى؟
(قلت): يريد أنها كالصفة فى المعنى الذى اشتركت الصفة والحال فيه، وهو أنهما حكم بأمر مقيد، وذكر فى الإيضاح وجها ثالثا وهو أن إعراب الحال ليس إعرابا تبعيا، وما ليس إعرابه تبعيا لا تدخله الواو، وهذه الواو وإن كانت تسمى واو الحال فأصلها العطف، وقد أورد على قوله: إن كل ما ليس إعرابه تبعيا لا تدخله الواو: أن الجملتين اللتين بينهما توسط الانقطاع والاتصال ليس إعرابهما تبعيا، ومع ذلك تعطف إحداهما على الأخرى، وأن التوابع غير العطف إعرابها تبعى ولا تدخلها الواو. (قلت):
الجملتان إن فرض أن لا محل لهما من الإعراب فلا يقال: إعرابهما غير تبعى؛ لأنهما لا إعراب لهما وإن فرض أن لهما محلا، مثل: زيد يقوم ويقعد، فإعراب الثانية تبعى؛ لأن الأولى هى الخبر والسؤال الثانى إنما أورده على العكس لا على الطرد ثم لا يرد، فإنه إنما يريد تبعية عطف النسق. (قوله: لكن خولف) أى: خولف هذا الأصل فدخلت
الواو إذا كانت الحال جملة، فإنها إذا نظر إليها من حيث كونها جملة تكون مستقلة بنفسها متجردة لإفادة معناها فاحتيج إلى الواو؛ لتربطها بصاحبها، ولقائل أن يقول:
إنما يعدل عن الأصل لضرورة ولا ضرورة؛ لأنه يمكن ارتباطها بصاحبها بالضمير.
стр. 554
وكلّ من الضمير والواو صالح للربط، والأصل هو الضمير؛ بدليل المفردة، والخبر، والنعت.
فالجملة: إن خلت عن ضمير صاحبها، وجب الواو، وكلّ جملة خالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال: يصحّ أن تقع حالا عنه بالواو،
ــ
(قوله: وكل من الضمير والواو صالح للربط)، أى: لربطها بصاحبها، ولقائل أن يقول: ليس فى الواو والضمير معا فضلا عن أحدهما ما يعين الجملة للحالية؛ فإنك إذا قلت: جاء زيد وقد ضرب عمرا احتمل أن تكون حالا وأن تكون معطوفة.
(قوله: والأصل) أى: الأصل الربط بالضمير بدليل أنه موجود دون الواو فى الحال المفردة، وفى الخبر والنعت، نحو: جاء زيد قائما، جاء زيد القائم، وزيد قائم.
ص: (فالجملة إن خلت إلخ).
(ش): أخذ فى تقسيم حال الجملة الحالية، فقال: هى على قسمين إما خالية من ضمير صاحبها أو لا.
القسم الأول: الخالية، فيجب الواو؛ لأنه تقرر أنه لا بد من رابط وأن الربط منحصر فى الضمير والواو، فإذا فقد الضمير تعينت الواو ويرد على المصنف أن الجملة الحالية قد تخلو من الواو والضمير، كقولهم: مررت بالبر قفيز بدرهم، وقد يجاب بأن الضمير لا بد منه إما منطوقا به أو محذوفا، وهو هنا محذوف التقدير: قفيز منه بدرهم، ثم قال:
(وكل جملة خالية عن ضمير) يعود على شئ، وكان ذلك الشئ (يجوز أن ينتصب الحال عنه يصح أن تقع حالا عنه) إذا كانت مع الواو فقوله: بالواو، أى: بشرط الواو، فإن لم توجد الواو لم يصح أن تقع حالا، ومثال ذلك: قام زيد والشمس طالعة، أو وما يقوم عمرو أو وقد خرج عمرو أو وما خرج عمرو، هذا رأى الجمهور خلافا لابن جنى، فإنه يقدر فى ذلك ضميرا، التقدير: والشمس طالعة وقت مجيئه، ومعنى: جاء زيد والشمس طالعة، جاء موافقا طلوع الشمس، ويرد على المصنف الجمل التى لا يصح أن تقع حالا كالإنشائية والمفتتحة بدليل استقبال فإنها لا تقع حالا ويصدق عليها أنها خالية من ضمير شئ يصح أن يقع عنه حال، بل ولو اشتملت على ضميره أيضا.
стр. 555
إلا المصدّرة بالمضارع المثبت؛ نحو: جاء زيد خ خ، ويتكلّم عمرو خ خ؛ لما سيأتى (١).
وإلّا (٢) فإن كانت فعلية، والفعل مضارع مثبت: امتنع دخولها؛
ــ
(قوله: إلا المصدرة بالمضارع المثبت، نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو) فإنه لا يجوز الإتيان بالواو (لما سيأتى) من أنه يجب فى مثلها الاقتصار على الضمير، ولا يجوز الإتيان بالواو، وسنتكلم فيه إن شاء الله تعالى.
ويرد على المصنف المضارع المنفى بلا أو ما، نحو: جاء زيد ولا يضحك عمرو، أو وما يضحك عمرو، أو الماضى اللفظ التالى إلا نحو: ما جاء زيد إلا وضحك عمرو، أو مع أو ولا ضمير، مثل: اضرب زيدا وذهبت هند أو مكثت؛ فكل هذه الصور لا تغنى فيها الواو عن الضمير.
(قوله: وإلا) أى: وإن لم تكن خالية عن ضمير صاحبها بأن كانت مشتملة عليه، فذلك على أقسام: تارة تمتنع، وتارة يجب الإتيان بالواو، وتارة يترجح الإتيان بها، وتارة يترجح تركها وتارة يستوى الأمران.
ونخلص مما ذكره المصنف: أن الحال إما أن تدل على الحصول والمقارنة أو لا إن دلت عليهما وجب ترك الواو، وذلك هو المضارع المثبت، وإن لم تدل على واحد منهما جاز الأمران على السواء، وذلك المنفى، سواء أكان بلم أو لما أو كان ماضى اللفظ، وإن دل على أحدهما فإن دلت على الحصول فقد جاز الأمران على السواء، وذلك الماضى المثبت، وإن دلت على المقارنة فقط فإن كان مضارعا منفيا بلا فالأمران على السواء، وإن كان جملة اسمية، فإن كان المبتدأ ضمير ذى الحال وجبت، وإلا فإن كان خبر المبتدأ ظرفا مقدما ترجح الترك، وإلا ترجح الذكر، هذا ملخص ما ذكره المصنف عن نفسه، وعن عبد القاهر كالمرتضى له كما تشير إليه عبارة الإيضاح.
وأما السكاكى فملخص ما ذكره فى المفتاح أنه إن كانت الجملة جملة اسمية فإن كان خبرها ظرفا فالأمران على السواء، وإن كان خبرها اسما فالوجه الواو، وإن كانت فعلية فإن كان مضارعا مثبتا امتنعت الواو، وإن كان ماضيا وهو لفظ ليس رجح الذكر، وإن كان مضارعا منفيا أو ماضيا مثبتا أو منفيا فالأرجح الترك.
стр. 556
نحو: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (١)؛ لأنّ الأصل المفردة، وهى تدل على حصول صفة غير ثابتة مقارنة لما جعلت قيدا له، وهو كذلك؛ أما الحصول: فلكونه فعلا مثبتا، وأما المقارنة: فلكونه مضارعا.
ــ
وأما النحاة فلهم تفصيل يوافق بعض ما سبق دون بعض، وهم مختلفون فى كثير من الصور، كما ستراه.
القسم الأول: أن يمتنع الإتيان بالواو، وها أنا أذكر كلام المصنف ثم أذكر ما يرد عليه. قال: وهى إذا كانت فعلية بمضارع مثبت امتنعت الواو نحو قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وقوله تعالى: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٢)، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (٣) وعلله المصنف: بأن أصل المفردة أن تدل على حصول صفة غير ثابتة، مقارن ذلك الحصول لما جعلت قيدا له وهو العامل فيها، أما دلالتها على الحصول فلأنها إثبات والإثبات حصول بخلاف النفى، وأما دلالتها على أنها غير ثابتة، فلكونها هيئة للفعل الذى هو عامل فيها، وهيئة الشئ كالصفة له، وإذا كان ناصب الحال فعلا أو فى معناه، والفعل يدل على التجدد لزم أن تكون صفة ذلك الفعل دالة على التجدد لاستحالة تجدد الموصوف دون الصفة، وما فى معنى الفعل مما ينصب الحال كالفعل فى الدلالة على التجدد، وأيضا فهى منتقلة والانتقال تجدد، وأما أنها تدل على المقارنة فواضح ونعنى به: الحال الحقيقية، أما المقدرة فلا تلزم فيها المقارنة، مثل: رأيت زيدا فى يده صقر صائدا به غدا إلا أن يقال: لا بد من المقارنة إلا أنها فى المقدرة حاصلة مجازا، وإذا ثبت هذا فى الحال المفردة فالفعل المضارع المثبت كذلك؛ لأن المضارع المثبت يدل على حصول صفة غير ثابتة، لأن الفعل يدل على التجدد، بل هنا أقرب؛ لأن دلالة الحال هنا على التجدد بنفسها، ودلالة الحال المفردة باعتبار اتصالها بالفعل العامل الدال على التجدد، ويدل أيضا على المقارنة؛ لكونه مضارعا وهو يصلح للحال، فإذا ثبت أن المضارع المثبت كالحال المفردة - وجب خلوه من الواو، كما وجب خلو الحال - المفردة من الواو، قال فى الإيضاح: ولذلك أى: ولكون الواو لا تدخل على المضارع المثبت إذا كان حالا امتنع، نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو، يعنى: لأن الواو لا يصح دخولها فى مثله.
стр. 557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): أما قوله لأن الواو لا يصح دخولها فى مثله ففيه نظر؛ لأن الموجب لامتناعه خلوه من الضمير مع عدم صلاحية الواو للربط فى مثله، فعدم صلاحية الواو للربط فى مثله جزء علة الامتناع لا علة كاملة، وقد ذكره هو على الصواب قبل ذلك بأسطر، وجوابه أن الواقع فى هذا المثال عدم الضمير فاستغنى عن ذكره، وأما قوله: إن الواو لا تدخل على المضارع المثبت إذا كان للحال فهو كذلك عندهم؛ وأما قوله: إن العلة فى امتناع الواو أنه شابه الحال المفردة فى التجدد والمقارنة فقد يقال عليه: إن التجدد والمقارنة إذا كانا لازمين للحال المفردة؛ لكونها حالا فهما
لازمان لكل جملة هى حال؛ لأن الحال المفردة لا يلزمها ذلك؛ لكونها مفردة، بل إفرادها من حيث الوضع يقتضى خلاف ذلك؛ لأن المفرد اسم والاسم يدل على الثبوت وإنما لزمها ذلك لكونها حالا، وهذا وصف لا يفارق الجملة الحالية أبدا، أما المقارنة فلأن كل حال يستحيل أن لا تكون مقارنة، ففى قولك: جاء زيد وضرب عمرا، إن لم تقدر قد كان معناه جاء ضاربا فهى للمقارنة، وإن قدرت قد، أو قلت: جاء وقد ضرب عمرا، فإن جعلت معناه أنه وقع ضرب عمرو فى زمن سابق على زمن المجئ فالتحقيق أن معنى الكلام: جاء موصوفا بأنه قد ضرب عمرا وهذه الصفة ثبتت له حال مجيئه وإن انقضى الضرب وإذا كنا نقدر فى: جاء والشمس طالعة، جاء موافقا طلوع الشمس، فلنقدر هنا موصوفا، لأنه أقرب إلى اللفظ من قولنا: موافقا طلوع الشمس، ثم يمكن أن تجعل هذه الحال على هذا تحقيقية باعتبار وقوع الفعل فى زمن سابق، ويمكن أن تجعل تقديرية، كقولك: صائدا به غدا، بجامع ما بينهما من وقوع الحدث فى غير وقت حدث العامل.
وأما الجملة الاسمية فالمقارنة فيها قد اعترفوا بها، والحصول إذا كان موجودا فى الحال المفردة كيف لا يكون موجودا فى الجملة الاسمية، وكون المضارع للحال إن أريد لوقوعه حالا فكل حال كذلك، وإن أريد لكونه مضارعا فقط، فذلك إن سلم بالوضع لا لكونه ألحق بالحال المفردة، كما سأبينه فى موضعه - إن شاء الله تعالى - ثم كون المضارع للحال فقط محل منع، فإن قلت: إنه للحال إذا وقع حالا، قلنا:
فالماضى أيضا للحال إذا وقع حالا، فمعنى: جاء زيد وقد ضرب عمرا، جاء موصوفا بأنه ضرب عمرا، فإن قلت: هلا جاز: جاء زيد سيضرب، أى: موصوفا بأنه سيضرب
стр. 558
وأما ما جاء من نحو: قمت وأصكّ وجهه خ خ، وقوله [من المتقارب]:
فلمّا خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا
ــ
كما جاز جاء، موصوفا بكونه ضرب، قلنا: لأن الموصوف بالماضى وصف بأمر قد ثبت واستقر فهو قوى؛ ولذلك ذهب قوم إلى أن إطلاق اسم الفاعل باعتبار الماضى حقيقة وباعتبار المستقبل ضعيف؛ ولذلك اتفقوا على أنه مجاز، وأورد عليه الشارح الخطيبى: الجملة الاسمية مثل: جاء زيد والشمس طالعة، فإنها إذا وقعت حالا خرجت عن الثبوت وصارت للتجدد، والذى قاله صحيح إلا أنه قاصر، والصواب أن يورد عليه كل حال وتمثيله بقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (١) برفع الراء صحيح وما ذكره هو الظاهر، وجوز الزمخشرى فيه. أن يكون أصله أن، فحذفت، فيظل عملها كما روى قوله:
ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الوغى (٢)
ورد عليه بأن ذلك لا يجوز إلا ضرورة، وقد يمنع فقد قيل: به فى قوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ (٣) وقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٤) وفى قولهم: تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه ثم شرع المصنف فى تأويل ما لعله يتوهم أنه من ذلك، فقال: وأما ما جاء من نحو: قمت وأصك وجهه، ويروى عينه، وقول الشاعر وهو عبد الله بن همام السلولى:
فلمّا خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا (٥)
стр. 559
فقيل: على حذف المبتدأ، أى: وأنا أصكّ، وأنا أرهنهم.
وقيل: الأوّل شاذّ والثانى ضرورة.
وقال عبد القاهر: هى فيهما للعطف، والأصل: وصككت خ خ، ورهنت خ خ؛ عدل عن لفظ الماضى إلى المضارع؛ حكاية للحال.
ــ
واعلم أن هذه الرواية خلاف المشهور، والذى أنشده الجوهرى: وأرهنتهم مالكا، ونقل عن ثعلب أنه قال: الرواة كلهم على أرهنهم، على أنه يجوز رهنته وأرهنته إلا الأصمعى فإنه رواه: وأرهنهم واستحسنه ثعلب ذاهبا إلى أنه لا يقال: أرهنته، وإنما يقال: رهنته، وأنشده ابن سيده أيضا وأرهنهم فعلى الأول، قيل: على حذف المبتدأ التقدير: وأنا أصك وأنا أرهنهم فتكون الجملة اسمية.
وقيل: الأول: وهو أصك شاذ، والثانى: وهو أرهنهم ضرورة؛ لأن الضرورة تكون فى النظم لا فى النثر، وقال
عبد القاهر الجرجانى: ليست الجملة فى واحد منهما حالا؛ بل الواو للعطف أصله: قمت وصككت ونجوت ورهنت، وعدل إلى صيغة المضارع لحكاية الحال، وهذا جواب عن كونه وقع عطف المضارع على الماضى، وجعل ذلك كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبنى ... فمضيت ثمت قلت لا يعنينى (١)
فإنه أتى فيه بالفعل الماضى بصيغة المضارع لقصد حكاية الحال الماضية إلا أن المضارع هنا معطوف عليه وهناك معطوف ويدل لذلك استعمال الفاء التى لا ترتبط بها الحال مكان الواو فى مثله، كقول عبد الله بن عتيك:" فأهويت نحو الصوت
стр. 560
وإن كان منفيّا: فالأمران؛
ــ
فأضربه (١) " وقد منع الخطيبى الشارح شذوذ قمت وأصك عينه مستدلا بقوله تعالى: يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (٢) وهو فاسد؛ لأن قَدْ تَعْلَمُونَ المراد به المضى وعبر بالمضارع لاستصحاب الحال كما ذكره المفسرون وأيضا فالمضارع هنا مقرون بقد وقد نصوا على وجوب الواو حينئذ؛ لأن المضارع حينئذ ليس حالا محلّ اسم الفاعل؛ لأن قد تنافى ذلك، واستدل غيره على جواز ذلك بقوله تعالى: قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ (٣) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (٤) وقول الشاعر:
علّقتها عرضا وأقتل قومها ... زعما وربّ البيت ليس بمزعم (٥)
وأجيب عن الجميع بتقدير مبتدأ محذوف أو أريد بالمضارع الماضى كما سبق.
ص: (وإن كان منفيا).
(ش): القسم الثانى: ما يجوز فيه إثبات الواو وتركها على السواء من غير ترجيح، وهى الجملة الحالية المصدرة
بمضارع منفى؛ لأن المانع من دخول الواو كما سبق مجموع كون الفعل المضارع دالا على الحصول والمقارنة، فأحد هذين الأمرين وهو المقارنة؛ لكونه مضارعا للحال المفردة موجودة فى المضارع المنفى، والأمر الآخر وهو الحصول ليس بموجود لكونه منفيا والنفى إعدام فلا حصول فلما زال جزء العلة وهو الحصول زال الامتناع فصار الإتيان بالواو جائزا لعدم علة المنع وتركها جائزا اكتفاء بربط الضمير.
стр. 561
كقراءة ابن ذكوان: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ (١) بالتخفيف،
ــ
(قلت): إذا تأملت ما تقدم من الأمثلة اتجه لك المنع هنا ثم لو سلمنا ما تقدم تنزلا فنقول: قولك: إن الفعل المنفى ليس فيه دلالة على الحصول؛ لكونه منفيا مسلم ولكن المضارع المنفى ليس فيه حكم بانتفاء الحدث عن الحال، فإذا قلت: زيد لا يقوم فقد حكمت بانتفاء قيامه فى الحال فإذا قلت: جاء زيد لا يضرب عمرا فمعناه جاء زيد غير ضارب لعمرو وهو قد قرر أن الحال المفردة على الإطلاق تدل على الحصول والمقارنة، فقولك: جاء زيد غير ضارب، إن لم يكن دالا على الحصول فسدت قاعدته ووجب تخصيص قوله: إن الحال المفردة دالة على الحصول، وإن كان" جاء زيد غير ضارب" دالا على الحصول فليكن جاء زيد لا يضرب عمرا كذلك، ثم إن الحصول إذا لم يكن فى الفعل المنفى يلزم منه أن لا يكون الحصول فى الحال المفردة إذا كان عاملها منفيا، نحو: ما جاء زيد ضاربا؛ لأن صفة غير الحاصل غير حاصلة والتحقيق ما ذكرناه، ووجهه أن معناه:
يرجع إلى الكف عن الفعل كما تقول: المطلوب بالنهى فعل وهو الكف، فقولك: جاء زيد غير قائم، معناه: كافا عن
القيام، وكذلك: جاء زيد لا يقوم، ولو مشينا على إطلاقه لامتنع: جاء زيد فاقدا لكذا أو عادما له، ولا يمنع ذلك أحد.
وقولهم: العدم لا يتجدد، عنه أجوبة:
الأول: أن يجعل الحال مصروفا إلى الكف، كما سبق.
الثانى: أنه قد يقال: إن العدم فى كل وقت غير العدم فى الذى قبله.
الثالث: أن عدم الموجود يتجدد قطعا، كقولك: صار زيد لا يتكلم بعد أن كان متكلما، فقد أخبرت هنا بتجدد العدم حقيقة، والذى ذكره جمهور النحاة أن المضارع المنفى بلا هو كالمضارع المثبت، فلا تدخله الواو وإنما المصنف تبع المفصل، وقد استشهد المصنف لثبوت الواو بقوله تعالى: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ بالتخفيف فإنها قراءة ابن ذكوان، وهى إحدى قراءتيه. وقيل: هو خبر فى معنى النهى، ولذلك استدل غيره بقوله تعالى:
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (٢) وقد تأولوا ذلك كله على ما تأولوا عليه الأبيات من تقدير مبتدأ فلا دلالة فيه حينئذ، وأنشد المصنف فى الإيضاح:
стр. 562
ونحو: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ (١)؛ لدلالته على المقارنة؛ لكونه مضارعا، دون الحصول؛ لكونه منفيّا.
وكذا إن كان ماضيا لفظا أو معنى؛ كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (٢) وقوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (٣)،
ــ
بغانى مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد
أقادوا من دمى وتوعّدونى ... وكنت وما ينهنهنى الوعيد (٤)
ومحل الشاهد البيت الثانى لا الأول، فإن" لا أحيد" ليس جملة حالية، وكذلك أنشد:
أكسبته الورق والبيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب (٥)
وأنشده ابن الزملكانى وغيره: أكسبته الزرق، والبيض أبا. أراد: الرماح، والسيوف، ويحتمل أن يكون حذف المبتدأ، واستدل المصنف على تركها بقوله تعالى:
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وهو غنى عن الاستدلال؛ لكثرته، وللإجماع عليه، وألحق السكاكى المضارع المنفى بما بالمنفى بلا وهو أولى لدلالتها على الحال.
(سؤال) كيف يجتمع قول سيبويه إن الفعل المضارع إذا نفى بلا يختص به المستقبل وقوله: إن المضارع المنفى بلا يقع حالا، وقوله وقول غيره: إن الجملة المفتتحة بدليل استقبال لا تقع حالا.
ص: (وكذا إن كان ماضيا إلى آخره).
(ش): يعنى إذا كان الماضى لفظا أو معنى جاز الأمران من غير ترجيح فإثبات الواو كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ. وتركها كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وهما مثالان للماضى لفظا ومعنى: أما حصرت فواضح، وأما بلغنى فلأنها حال من اسم يكون، وهو مستقبل المعنى فهو ماض بالنسبة
стр. 563
وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (١)، وقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (٢)، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٣):
أما المثبت: فلدلالته على الحصول؛ لكونه فعلا مثبتا، دون المقارنة؛ لكونه ماضيا؛ ولهذا شرط أن يكون مع (قد) ظاهرة أو مقدّرة.
ــ
إلى وقت كون الولد على أحد الاحتمالين الآتيين، والأول معه قد دون الثانى، ثم استشهد للماضى معنى لا لفظا بالمضارع المجزوم بلم كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ فقد ثبتت الواو، وقوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ فقد استعمل بغير واو وفيه نظر؛ لاحتمال أن تكون الجملة خبرية وقطعت لقصد الاستئناف أو بدلا والمجزوم بلما كقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وقد تضمن كلامه أن المضارع المنفى بلا أو لم أو لما، والماضى كل منهما يجوز فيه دخول الواو وتركها على السواء، فأما المنفى بلا فقد تقدم، وأما الماضى فقد أطلقه المصنف، ولكنه لا يريد الإطلاق بل يريد الماضى
المثبت كما سيأتى فى تعليله، وقد ادعى المصنف أنه يجوز فيه ترك الواو وذكرها، وعلل ذلك بأنه دال على الحصول دون المقارنة، فهو كالمضارع المنفى فى أنه اشتمل على أحد الأمرين الموجودين فى المضارع المثبت، وهو الحصول دون المقارنة، كما أن المضارع المنفى اشتمل على أحد الأمرين، وهو المقارنة دون الحصول فقد تساوى الماضى والمضارع المنفى فى أن كلا منهما وجد فيه جزء المقتضى لامتناع الواو، فلم يترتب حكم امتناع الواو، أما دلالة الماضى على الحصول فلأنه فعل مثبت، وأما عدم دلالته على المقارنة فلأنه ماض.
(قلت): قد تقدم ما يرد عليه والفعل الماضى الواقع حالا دال على مقارنته أو مقارنة الوصف به لزمن عامله، فإذا قلت: جاء زيد أمس وقد ضرب عمرا كان معناه أن الضرب أو الوصف مقترن بزمن المجئ، وكذلك سيجئ زيد وقد ضرب عمرا (قوله: ولهذا شرط أن يكون مع قد ظاهرة أو مقدرة) قال فى الإيضاح: حتى تقربه إلى الحال فيصح وقوعه حالا.
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): ليت شعرى كيف يكون تقريب الفعل من الحال يصحح وقوعه حالا والفرض أن المصنف لا يجعل مضمون الفعل الماضى واقعا مع الحال؟ فإذا لم يكن واقعا فماذا يجدى قربه؟ وكأنه لاحظ أنه لما قرب من وقت العامل فى الحال صار كأنه واقع وهذا لا يجدى شيئا؛ لأن العقل قاض بأن الحال لا بد من مقارنتها فالصواب ما قدمناه من أن قولنا: جاء زيد وقد ضرب عمرا، أن معناه اقتران الضرب بالمجئ أو اقتران الوصف السابق بالضرب، ثم يلزم أن تكون هذه حالا مقدرة وليس كذلك، وما ذكرناه من احتمال جاء زيد وقد ضرب لأن يكون الضرب موجودا مع المجئ أو سابقا عليه، والمقارن هو الوصف قريب من احتمالين ذكرهما الوالد ﵀ فى قولك: كان زيد قد قام، هل معناه كان أمس قد قام أمس، أو كان أمس قد قام قبله، واختار الأول، والله أعلم.
وما ذكره المصنف من اشتراط قد ظاهرة أو مقدرة هو أحد قولين. ونقل شيخنا أبو حيان عن الجمهور، وعن الكوفيين، والأخفش أن قد لا تقدر بل قد يخلو اللفظ منها لفظا وتقديرا كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (١) وقوله تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا (٢) وقال: إنه الصحيح ثم يستثنى مما ذكره قولهم: لأضربن زيدا ذهب أو مكث فلا تدخل عليه الواو ولا قد، ويستثنى من قوله: إن قد تدخل ما إذا كان الماضى أداة نفى وهو" ليس" فلا تدخل عليه
قد، ولا يستوى فيه الأمران بل يترجح ذكر الواو، وهى كما سبق واردة على قوله: إن الفعل دال على الحصول لأنها لا تدل على حدث إلا أن يقال: هى دالة على حصول خبرها، هذا حكم المثبت الماضى لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا، وأما الماضى لفظا لا معنى فقد دخل فى كلامه، ولا تكاد تجد له مثالا، والظاهر أنه فاسد؛ لأنه إذا كان ماضيا لفظا فقط كان للاستقبال فلا يصح؛ لأن الحال لا يصح أن يراد بها الاستقبال إلا فى المقدرة أو للحال فى الإنشاء، والإنشاء لا يقع حالا، وإن سلمنا صحة ذلك امتنعت الواو فيه كقولهم: لأضربنه ذهب أو مكث. فإنهم قالوا: معناه ذاهبا أو ماكثا، فكأنهم أرادوا وهو ذاهب أو ماكث.
стр. 565
وأما المنفىّ: فلدلالته على المقارنة دون الحصول:
أما الأول: فلأنّ (لمّا): للاستغراق، وغيرها (١): لانتفاء متقدّم مع أن الأصل استمراره، فيحصل به (٢) الدلالة عليها (٣) عند الإطلاق؛ بخلاف المثبت: فإنّ وضع الفعل على إفادة التجدد، وتحقيقه: أنّ استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود.
وأما الثانى (٤): فلكونه منفيّا.
ــ
على أنا لا نسلم أنهم أرادوا ذلك، بل أرادوا موصوفا بذهاب سابق أو بمكث سابق، ولا يصح حمله على الماضى فى الجملة الشرطية نحو: جاء زيد إن أكرمته أكرمنى؛ لأنا إن جوزناه وجبت الواو، وأيضا فالذى يجعل حالا فى المعنى هو الارتباط لا مضمون الماضى لفظا.
(قوله وأما المنفى) دخل فيه الماضى لفظا ومعنى وهو منفى، مثل: جاء زيد ما ضرب عمرا، ودخل فيه الماضى معنى فقط، وهو الذى مثل له بنحو وَلَمْ يَمْسَسْنِي * ويرد عليه أيضا الماضى لفظا فقط وحاصل ما ذكره أن ما قرره من كون المنفى ليس فيه حصول، والماضى ليس فيه حال يقتضى وجوب الواو فى الماضى المنفى لانتفاء المعنيين؛ لأنه لم يشابه الحال المفردة فى واحد من معنييها بخلاف المثبت فإنه يشابهها فى الحصول فاستحق عدم الواو، ولم يشابهها فى الدلالة على المقارنة فاستحق الواو بخلاف المضارع المنفى فإنه شابهها فى المقارنة، ولم يشابهها فى الدلالة على الحصول؛ فجاز الأمران فيه أما الماضى المنفى فقد بعد كل البعد عن الحال المفردة، فينبغى أن تجب الواو لكنه لم يجب فيه ذلك، بل كان مثله، أما المنفى بلما فلأنها لاستغراق الأزمنة؛ لأنها تدل على
اتصال نفيها بالحال، وأما المنفى بغيرها كقولك: جاء زيد ولم يضرب عمرا، وقولك: وما ضرب عمرا؛ فلأنه وإن دل على الانتفاء فى زمن متقدم فالأصل استمرار ذلك الانتفاء فصار كالدال على الانتفاء المتصل مثل" لما" فحصلت فى كل من الثلاثة الدلالة على المقارنة فصار كالمضارع المنفى. قال: (وأما الثانى) أى: وأما أنه لا يدل على الحصول (فلكونه منفيا) كما تقدم تقريره فى المضارع المنفى.