كقراءة ابن ذكوان: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ (١) بالتخفيف،
ــ
(قلت): إذا تأملت ما تقدم من الأمثلة اتجه لك المنع هنا ثم لو سلمنا ما تقدم تنزلا فنقول: قولك: إن الفعل المنفى ليس فيه دلالة على الحصول؛ لكونه منفيا مسلم ولكن المضارع المنفى ليس فيه حكم بانتفاء الحدث عن الحال، فإذا قلت: زيد لا يقوم فقد حكمت بانتفاء قيامه فى الحال فإذا قلت: جاء زيد لا يضرب عمرا فمعناه جاء زيد غير ضارب لعمرو وهو قد قرر أن الحال المفردة على الإطلاق تدل على الحصول والمقارنة، فقولك: جاء زيد غير ضارب، إن لم يكن دالا على الحصول فسدت قاعدته ووجب تخصيص قوله: إن الحال المفردة دالة على الحصول، وإن كان" جاء زيد غير ضارب" دالا على الحصول فليكن جاء زيد لا يضرب عمرا كذلك، ثم إن الحصول إذا لم يكن فى الفعل المنفى يلزم منه أن لا يكون الحصول فى الحال المفردة إذا كان عاملها منفيا، نحو: ما جاء زيد ضاربا؛ لأن صفة غير الحاصل غير حاصلة والتحقيق ما ذكرناه، ووجهه أن معناه:
يرجع إلى الكف عن الفعل كما تقول: المطلوب بالنهى فعل وهو الكف، فقولك: جاء زيد غير قائم، معناه: كافا عن
القيام، وكذلك: جاء زيد لا يقوم، ولو مشينا على إطلاقه لامتنع: جاء زيد فاقدا لكذا أو عادما له، ولا يمنع ذلك أحد.
وقولهم: العدم لا يتجدد، عنه أجوبة:
الأول: أن يجعل الحال مصروفا إلى الكف، كما سبق.
الثانى: أنه قد يقال: إن العدم فى كل وقت غير العدم فى الذى قبله.
الثالث: أن عدم الموجود يتجدد قطعا، كقولك: صار زيد لا يتكلم بعد أن كان متكلما، فقد أخبرت هنا بتجدد العدم حقيقة، والذى ذكره جمهور النحاة أن المضارع المنفى بلا هو كالمضارع المثبت، فلا تدخله الواو وإنما المصنف تبع المفصل، وقد استشهد المصنف لثبوت الواو بقوله تعالى: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ بالتخفيف فإنها قراءة ابن ذكوان، وهى إحدى قراءتيه. وقيل: هو خبر فى معنى النهى، ولذلك استدل غيره بقوله تعالى:
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (٢) وقد تأولوا ذلك كله على ما تأولوا عليه الأبيات من تقدير مبتدأ فلا دلالة فيه حينئذ، وأنشد المصنف فى الإيضاح:
стр. 562
ونحو: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ (١)؛ لدلالته على المقارنة؛ لكونه مضارعا، دون الحصول؛ لكونه منفيّا.
وكذا إن كان ماضيا لفظا أو معنى؛ كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (٢) وقوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (٣)،
ــ
بغانى مصعب وبنو أبيه ... فأين أحيد عنهم لا أحيد
أقادوا من دمى وتوعّدونى ... وكنت وما ينهنهنى الوعيد (٤)
ومحل الشاهد البيت الثانى لا الأول، فإن" لا أحيد" ليس جملة حالية، وكذلك أنشد:
أكسبته الورق والبيض أبا ... ولقد كان ولا يدعى لأب (٥)
وأنشده ابن الزملكانى وغيره: أكسبته الزرق، والبيض أبا. أراد: الرماح، والسيوف، ويحتمل أن يكون حذف المبتدأ، واستدل المصنف على تركها بقوله تعالى:
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وهو غنى عن الاستدلال؛ لكثرته، وللإجماع عليه، وألحق السكاكى المضارع المنفى بما بالمنفى بلا وهو أولى لدلالتها على الحال.
(سؤال) كيف يجتمع قول سيبويه إن الفعل المضارع إذا نفى بلا يختص به المستقبل وقوله: إن المضارع المنفى بلا يقع حالا، وقوله وقول غيره: إن الجملة المفتتحة بدليل استقبال لا تقع حالا.
ص: (وكذا إن كان ماضيا إلى آخره).
(ش): يعنى إذا كان الماضى لفظا أو معنى جاز الأمران من غير ترجيح فإثبات الواو كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ. وتركها كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ وهما مثالان للماضى لفظا ومعنى: أما حصرت فواضح، وأما بلغنى فلأنها حال من اسم يكون، وهو مستقبل المعنى فهو ماض بالنسبة
стр. 563
وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (١)، وقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (٢)، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (٣):
أما المثبت: فلدلالته على الحصول؛ لكونه فعلا مثبتا، دون المقارنة؛ لكونه ماضيا؛ ولهذا شرط أن يكون مع (قد) ظاهرة أو مقدّرة.
ــ
إلى وقت كون الولد على أحد الاحتمالين الآتيين، والأول معه قد دون الثانى، ثم استشهد للماضى معنى لا لفظا بالمضارع المجزوم بلم كقوله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ فقد ثبتت الواو، وقوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ فقد استعمل بغير واو وفيه نظر؛ لاحتمال أن تكون الجملة خبرية وقطعت لقصد الاستئناف أو بدلا والمجزوم بلما كقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وقد تضمن كلامه أن المضارع المنفى بلا أو لم أو لما، والماضى كل منهما يجوز فيه دخول الواو وتركها على السواء، فأما المنفى بلا فقد تقدم، وأما الماضى فقد أطلقه المصنف، ولكنه لا يريد الإطلاق بل يريد الماضى
المثبت كما سيأتى فى تعليله، وقد ادعى المصنف أنه يجوز فيه ترك الواو وذكرها، وعلل ذلك بأنه دال على الحصول دون المقارنة، فهو كالمضارع المنفى فى أنه اشتمل على أحد الأمرين الموجودين فى المضارع المثبت، وهو الحصول دون المقارنة، كما أن المضارع المنفى اشتمل على أحد الأمرين، وهو المقارنة دون الحصول فقد تساوى الماضى والمضارع المنفى فى أن كلا منهما وجد فيه جزء المقتضى لامتناع الواو، فلم يترتب حكم امتناع الواو، أما دلالة الماضى على الحصول فلأنه فعل مثبت، وأما عدم دلالته على المقارنة فلأنه ماض.
(قلت): قد تقدم ما يرد عليه والفعل الماضى الواقع حالا دال على مقارنته أو مقارنة الوصف به لزمن عامله، فإذا قلت: جاء زيد أمس وقد ضرب عمرا كان معناه أن الضرب أو الوصف مقترن بزمن المجئ، وكذلك سيجئ زيد وقد ضرب عمرا (قوله: ولهذا شرط أن يكون مع قد ظاهرة أو مقدرة) قال فى الإيضاح: حتى تقربه إلى الحال فيصح وقوعه حالا.
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت): ليت شعرى كيف يكون تقريب الفعل من الحال يصحح وقوعه حالا والفرض أن المصنف لا يجعل مضمون الفعل الماضى واقعا مع الحال؟ فإذا لم يكن واقعا فماذا يجدى قربه؟ وكأنه لاحظ أنه لما قرب من وقت العامل فى الحال صار كأنه واقع وهذا لا يجدى شيئا؛ لأن العقل قاض بأن الحال لا بد من مقارنتها فالصواب ما قدمناه من أن قولنا: جاء زيد وقد ضرب عمرا، أن معناه اقتران الضرب بالمجئ أو اقتران الوصف السابق بالضرب، ثم يلزم أن تكون هذه حالا مقدرة وليس كذلك، وما ذكرناه من احتمال جاء زيد وقد ضرب لأن يكون الضرب موجودا مع المجئ أو سابقا عليه، والمقارن هو الوصف قريب من احتمالين ذكرهما الوالد ﵀ فى قولك: كان زيد قد قام، هل معناه كان أمس قد قام أمس، أو كان أمس قد قام قبله، واختار الأول، والله أعلم.
وما ذكره المصنف من اشتراط قد ظاهرة أو مقدرة هو أحد قولين. ونقل شيخنا أبو حيان عن الجمهور، وعن الكوفيين، والأخفش أن قد لا تقدر بل قد يخلو اللفظ منها لفظا وتقديرا كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (١) وقوله تعالى: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا (٢) وقال: إنه الصحيح ثم يستثنى مما ذكره قولهم: لأضربن زيدا ذهب أو مكث فلا تدخل عليه الواو ولا قد، ويستثنى من قوله: إن قد تدخل ما إذا كان الماضى أداة نفى وهو" ليس" فلا تدخل عليه
قد، ولا يستوى فيه الأمران بل يترجح ذكر الواو، وهى كما سبق واردة على قوله: إن الفعل دال على الحصول لأنها لا تدل على حدث إلا أن يقال: هى دالة على حصول خبرها، هذا حكم المثبت الماضى لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا، وأما الماضى لفظا لا معنى فقد دخل فى كلامه، ولا تكاد تجد له مثالا، والظاهر أنه فاسد؛ لأنه إذا كان ماضيا لفظا فقط كان للاستقبال فلا يصح؛ لأن الحال لا يصح أن يراد بها الاستقبال إلا فى المقدرة أو للحال فى الإنشاء، والإنشاء لا يقع حالا، وإن سلمنا صحة ذلك امتنعت الواو فيه كقولهم: لأضربنه ذهب أو مكث. فإنهم قالوا: معناه ذاهبا أو ماكثا، فكأنهم أرادوا وهو ذاهب أو ماكث.
стр. 565
وأما المنفىّ: فلدلالته على المقارنة دون الحصول:
أما الأول: فلأنّ (لمّا): للاستغراق، وغيرها (١): لانتفاء متقدّم مع أن الأصل استمراره، فيحصل به (٢) الدلالة عليها (٣) عند الإطلاق؛ بخلاف المثبت: فإنّ وضع الفعل على إفادة التجدد، وتحقيقه: أنّ استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب، بخلاف استمرار الوجود.
وأما الثانى (٤): فلكونه منفيّا.
ــ
على أنا لا نسلم أنهم أرادوا ذلك، بل أرادوا موصوفا بذهاب سابق أو بمكث سابق، ولا يصح حمله على الماضى فى الجملة الشرطية نحو: جاء زيد إن أكرمته أكرمنى؛ لأنا إن جوزناه وجبت الواو، وأيضا فالذى يجعل حالا فى المعنى هو الارتباط لا مضمون الماضى لفظا.
(قوله وأما المنفى) دخل فيه الماضى لفظا ومعنى وهو منفى، مثل: جاء زيد ما ضرب عمرا، ودخل فيه الماضى معنى فقط، وهو الذى مثل له بنحو وَلَمْ يَمْسَسْنِي * ويرد عليه أيضا الماضى لفظا فقط وحاصل ما ذكره أن ما قرره من كون المنفى ليس فيه حصول، والماضى ليس فيه حال يقتضى وجوب الواو فى الماضى المنفى لانتفاء المعنيين؛ لأنه لم يشابه الحال المفردة فى واحد من معنييها بخلاف المثبت فإنه يشابهها فى الحصول فاستحق عدم الواو، ولم يشابهها فى الدلالة على المقارنة فاستحق الواو بخلاف المضارع المنفى فإنه شابهها فى المقارنة، ولم يشابهها فى الدلالة على الحصول؛ فجاز الأمران فيه أما الماضى المنفى فقد بعد كل البعد عن الحال المفردة، فينبغى أن تجب الواو لكنه لم يجب فيه ذلك، بل كان مثله، أما المنفى بلما فلأنها لاستغراق الأزمنة؛ لأنها تدل على
اتصال نفيها بالحال، وأما المنفى بغيرها كقولك: جاء زيد ولم يضرب عمرا، وقولك: وما ضرب عمرا؛ فلأنه وإن دل على الانتفاء فى زمن متقدم فالأصل استمرار ذلك الانتفاء فصار كالدال على الانتفاء المتصل مثل" لما" فحصلت فى كل من الثلاثة الدلالة على المقارنة فصار كالمضارع المنفى. قال: (وأما الثانى) أى: وأما أنه لا يدل على الحصول (فلكونه منفيا) كما تقدم تقريره فى المضارع المنفى.
стр. 566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قلت) ما ذكره فى الماضى معنى نحو: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (١) هو الصحيح خلافا لابن خروف فإنه أوجب الواو على حذف المبتدأ والمنفى بلما كذلك كما قاله يجوز بالواو وغيرها، ومجيئه بالواو هو الكثير، وأما بغير واو فقال ابن مالك فى باب الحال: إنه لم نجد له مثالا. وقد أنشد هو فى أول شرحه للتسهيل:
فقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحدّرتا كالدّرّ لما يثقب (٢)
وأما كون" لما" تدل على الاستمرار فإنما كان لأن النكرة فى سياق النفى للعموم، وذلك موجود فى جميع أدوات النفى، غير أن" لما" تدل على اتصال النفى بالحال فنفيها بالنسبة إلى الحال أظهر من نفيها بالنسبة إلى ما قبله بخلاف" لم" فإن دلالتها على جميع الأزمنة على السواء، فقولهم: إن" لم" تدل على نفى الفعل فى زمن ما، والأصل عدم استمراره ليس بجيد، بل تدل على النفى فى جميع الأزمنة، ثم لو سلمناه فقولهم: إن" لما" يشترط اتصال نفيها لا يقتضى الاستغراق، بل يقتضى تقييد مطلق النفى بما قبل الحال وذلك لا يقتضى الاستغراق، والحق أن أدوات الشرط كلها موضوعة للاستغراق غير أن" لما" دلالتها على نفى ما اتصل بالحال أقوى من دلالتها على غيره، وقد قال ابن الحاجب فى مقدمته للنحو: إن" لم يقم" لا يدل على الاستمرار بخلاف" لما" وما ذكره ممنوع ومخالف لما ذكره هو فى أصول الفقه، فإن قلت نحو قوله تعالى:
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٣) لم يعم الأزمنة. قلت: عام مراد به الخصوص، ثم بعد تسليم ذلك مقصوده غير حاصل فإن الماضى المنفى يدل على اتصال النفى بالحال، ولا تلزم المقارنة فإن الاتصال يستدعى استمرار ذلك إلى وقت العامل، وأما المقارنة فتستدعى أن يكون معه وليس فى الفعل ما يدل عليه إلا بضميمة أن الأصل الاستمرار
فحينئذ استوت" لما" و" لم".
(قوله: والتحقيق) أى: تحقيق الفرق بين الماضى المثبت، والماضى المنفى - أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب؛ لأن استمرار العدم عدم، والعدم لا يفتقر إلى سبب
стр. 567
وإن كانت اسمية: فالمشهور جواز تركها؛
ــ
فإذا حصل فالأصل استمراره بخلاف استمرار الوجود، فإنه يفتقر إلى سبب لأن أصله وهو الوجود يحتاج إلى سبب، وأورد عليه أنه إن أراد أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب أصلا فذلك باطل؛ لأن عدم الممكن يفتقر إلى انتفاء علة الوجود؛ إذ لو تحققت لتحقق الوجود فاستمرار العدم يفتقر إلى استمرار انتفاء علة الوجود. (قلت): عدم المانع لا يكون مقتضيا، فعلة الوجود مانع من العدم فكيف يقال: انتفاء علة الوجود سبب للعدم؟! قال: وإن أراد أنه لا يفتقر إلى سبب جديد غير سبب العدم فذلك باطل فيما يكون عدمه على سبيل التجدد.
(قلت): هذا صحيح وقد تقدم ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم الشئ بعد وجوده لا يتوقف على سبب بل الوجود يزول بزوال المقتضى له، وهو الإيجاد، فيحصل العدم لا لحصول سببه، بل لزوال مقتضى الوجود. قال: وأما الثانى: وهو عدم دلالته على الحصول فلكونه منفيا كما تقدم فى المضارع المنفى.
ص: (وإن كانت اسمية إلى آخره).
(ش): إذا كانت الحال جملة اسمية، قال: فالمشهور جواز تركها، يشير إلى أنه يجوز الأمران وهو المشهور وهما فصيحان، وذهب الفراء إلى أن ترك الواو نادر وتبعه ابن الحاجب، والزمخشرى، وقال: إن تركها خبيث. وقال الشيخ أبو حيان: إنه رجع عنه، ومستند الشيخ فى ذلك أنه جوز فى قوله تعالى: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (١) أن تكون جملة حالية وأيضا قال فى سورة الأعراف: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (٢) فى موضع الحال أى متعادين إلا أن هذه الآية قد لا تنقض قاعدته؛ لأنها كقولهم كلمته فوه إلى فىّ. وقد قال ابن الحاجب: معناه مشافها، والوجه أنه لما كثر استعمالها حتى علم منه معنى المشافهة من غير نظر إلى التفصيل، حتى يفهم ذلك من لا يحضر بباله مفرداتها صارت كالمفرد. قال الطيبى: قلت: وهو يؤدى إلى أنه إن صح أن تنتزع من طرفى الجملة هيئة تدل على مفرد جاز، وإلا فلا
مثل: جاءنى زيد هو فارس، ثم نقول: كل جملة حالية لا بد أن ينحل منها مفرد، لكنه قد يقرب وقد يبعد. وأما قوله تعالى:
أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٣) فسيأتى - إن شاء الله تعالى، وذهب الأخفش إلى أنه إن كان خبر
стр. 568
لعكس ما مرّ فى الماضى المثبت؛ نحو: كلّمته فوه إلى فىّ.
ــ
المبتدأ اسما مشتقا وقد تقدم وجب تركها كقولك: جاء زيد حسن وجهه، فلا يجوز، وحسن وجهه، وإن تأخر اكتفى بالضمير نحو: جاء زيد وجهه حسن، وتجوز الواو، وقد تمتنع الواو فى الاسمية إذا عطفت على حال نحو: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (١).
(قلت): قال الزمخشرى هنا: إن ترك الواو خبيث، وإنما حسن هنا حتى لا يجتمع حرفا عطف يعنى أن واو الحال أصلها العطف كما سبق تقريره، وإنما تركت هنا حتى لا يجتمع حرفا عطف، وما ذكره إنما أحوجه إليه إنكاره ترك الواو، وليس بصحيح. قال بعضهم: وفى العلة التى قالها نظر؛ فإنه لا يقبح الجمع بين حرفى عطف مختلفى المعنى، ولا يقبح أن تقول: سبح الله وأنت راكع أو وأنت ساجد، ثم علل المصنف جواز دخول الواو وتركها بقوله: (لعكس ما مر فى الماضى المثبت) يعنى أنها عكس كعكس الماضى المنفى فإن الجملة الاسمية تدل على المقارنة لأنها ليست ماضية، ولا تدل على الحصول لأن الدال على الحصول أى التجدد إنما هو الفعل المثبت، وهذه منفية، وليست فعلا وهذا يلجئ إلى أن المقارنه المستفادة من المضارع إذا كان حالا من كونه لا لكونه مضارعا وهو خلاف ما مر، ثم هو منتقض بالاسمية إذا كان خبرها فعلا نحو: جاء زيد وأبوه يقوم، فإنها دالة على الحصول والمقارنة فيلزم أن تمتنع الواو، والمصنف قد مثل بجملة اسمية خبرها فعل وهى قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢) ويرد عليه أيضا نحو: بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٣) فإنه يجب فيه ترك الواو مع العلة المذكورة، وسيأتى وينتقض بنحو: جاء زيد وهو ما ضرب عمرا؛ فإنه لا يدل على حصول ولا مقارنة على ما زعم المصنف.
(تنبيه): لك فى نحو قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ (٤) أن تجعل الواو فى" ولكم" عاطفة، ويكونان حالا واحدة، وأن تجعلها واو الحال ويكونان حالين مستقلين، كقولك: جاء زيد راكبا لابسا.
стр. 569
وأنّ دخولها أولى؛ لعدم دلالتها على عدم الثبوت، مع ظهور الاستئناف فيها، فحسن زيادة رابط؛ نحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١).
وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ ضمير ذى الحال، وجبت، نحو: جاءنى زيد، وهو يسرع أو وهو مسرع خ خ، وإن جعل نحو: على كتفه سيف حالا كثر فيها تركها؛
ــ
(قوله: وأن دخولها أولى) أى: والمشهور أن دخولها أولى من تركها (قوله: لعدم دلالتها على عدم الثبوت) تعليل لجواز الواو، أى لكونها ليست فعلا؛ لأن الدال على عدم الثبوت هو الفعل، وقوله: مع ظهور الاستئناف فيها تعليل لكون دخولها أولى، فإنه لما قرر أنها دالة على المقارنة دون الحصول، وقدم أن الفعل المضارع المنفى كذلك لزمه أن يكون الأمران على السواء، كما هما فى الفعل المضارع، ففرق بينهما بأن هذه الجملة الاسمية الاستئناف فيها ظاهر لاستقلالها بالفائدة، وعلل هذا بأن الجملة الأولى فعلية أو فى حكمها، وهذه اسمية فلا تناسبها؛ فلذلك كان ذكر الواو فيها أولى؛ لأنها لما استقلت حسن زيادة ربطها بالواو والضمير معا.
(قلت): قد يعارض هذا بأن نوع دلالة المضارع على المقارنة باللفظ إذا قلنا بما فرع عليه من كونه موضوعا للحال فهو يدل على المقارنة تضمنا بخلاف دلالة الجملة الاسمية على الحال، ومثال ذكرها قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ومثال تركها قوله: كلمته فوه إلى فىّ، ومنه قول بلال - رضى الله عنه:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بمكة حولى إذخر وجليل (٢)
كذا أنشده الجوهرى ولكن فى البخارى بواد وحولى، ثم ذكر عن الجرجانى تفصيلا فقال: وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ ضمير ذى الحال أى: صاحب الحال وجبت الواو، سواء أكان الخبر اسما أو فعلا نحو: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع؛ لأن الفائدة كانت حاصلة بقوله: يسرع من غير ذكر الضمير فالإتيان به يشعر بقصد الاستئناف المنافى
стр. 570
نحو [من الطويل]:
خرجت مع البازى علىّ سواد
ــ
للاتصال فلا يصلح الضمير حينئذ أن يستقل بإفادة الربط فتجب الواو، ثم نقل عنه أيضا تفصيلا آخر وهو أنك إذا قلت: جاء زيد على كتفه سيف، على أن يكون: على كتفه سيف حالا، كثر فيه ترك الواو. يعنى إذا كان الخبر ظرفا مقدما، كقول بشار:
خرجت مع البازى على سواد (١) ... إذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها
يعنى إذا أنكرنى أهل بلدة، خرجت مع الصبح على بقية من الليل، والبازى الصبح كذا قالوه، وقد يقال: كيف يجتمع أن يكون خرج مع الصبح عليه بقية من الليل؟
والليل ينقضى بطلوع الصبح، إلا عند من يقول: الليل إلى الشمس، وكذا قوله:
فى رأس غمدان دارا منك محلالا (٢) ... واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا
وغمدان: قصر باليمن على وزن غفران، هو مبنى على أربعة أوجه: أحمر، وأخضر، وأبيض، وأصفر. وداخله قصر على سبعة سقوف، بين كل سقفين أربعون ذراعا، ويرى ظله، إذا طلعت عليه الشمس من ثلاثة أميال. والمحلال: بمعنى المنزل صيغة مبالغة.
واعلم أن الزمخشرى وعبد القاهر لما رأيا حذف الواو كثيرا، فى نحو: جاء زيد على كتفه سيف، أخرجاه عن كونه جملة اسمية حالية. أما الزمخشرى؛ فلأنه يرى وجوب الواو فى مثله، وأن تركه قبيح.
وأما الجرجانى؛ فلأنه يرى أنهما سيان، أو الذكر أكثر. فلو كانت اسمية، لاستوى فى نحوه ترك الواو واستعمالها؛ فلذلك جعلا التقدير: مستقرا على كتفه سيف.
وسيف: فاعلا به، وعمل لاعتماده على ما قبله. واختار أن يكون الظرف هنا فى تقدير اسم الفاعل، وإن كان فى غيره، يقدره بالفعل كما أفهمه من قوله فى الإيضاح
стр. 571
ويحسن الترك: تارة لدخول حرف على المبتدأ؛ كقوله [من الطويل]:
فقلت: عسى أن تبصرينى كأنما ... بنىّ حوالىّ الأسود الحوارد
ــ
هنا خاصة. وإنما اختار تقديره هنا باسم الفاعل؛ لأن فيه رجوع الحال إلى أصلها من الإفراد؛ فلذلك كثر مجيئها بغير واو.
(قلت): وإذا علمت ذلك، علمت أن ما أوهمه كلام المصنف من أن الجرجانى يفصل فى الجملة الاسمية غير صحيح؛ لأن هذا القسم عنده ليس بجملة، فليس قسمان من الجملة الاسمية. وجوز الجرجانى أن يكون فى تقدير فعل ماض مع قد أى: استقر على كتفه سيف لأنه جاء بالواو قليلا، كذا قال المصنف (قلت): الفعل الماضى بقد لا يقل فيه وجود الواو فكيف يجعل قلة مجئ الواو ملحقة بالفعل الماضى المثبت فكأن المصنف قصد التعليل بورودها بالواو وغفل عن قيد القلة، ثم يرد عليه أيضا أن هذا ليس تقسيما للجملة الاسمية بل يجعلها فعلية لا اسمية ومنع عبد القاهر تقديرها بفعل مضارع لأنه لا يستعمل الواو فى المضارع المثبت أن لو صرح به فالمقدر كذلك. (قلت):
ونحن إذا قلنا: زيد فى الدار، إنما نقدره ماضيا لا مضارعا: ما لم يدل على المضارع دليل من ضرب مستقبل، أو غيره. فلا حاجة إلى تعليل منع هذا. وقد ذهب كثيرون إلى أن الجملة فى نحو ما نحن فيه اسمية حالية.
ص: (ويحسن الترك تارة إلى آخره).
(ش): هذا من جملة المنقول عن عبد القاهر، يريد أن الجملة الاسمية وإن حسن فيها إتيان الواو، فقد يحسن تركها لعارض يعرض.
فمن ذلك: أن يدخل حرف غير الواو على المبتدأ، كقوله:
فقلت: عسى أن تبصرينى كأنما ... بنى حوالىّ الأسود الحوارد (١)
فدخول" كأنما" على" بنى" وهو مبتدأ، أوجب لها استحسان ترك الواو؛ لكيلا يتوارد على الجملة حرفان.
стр. 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد جعل منه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١) ولعله ترك الاستشهاد به، لأنها قد لا تكون حالية بل مستأنفة، وبنى هو المبتدأ أصله: بنوى، مثل: أو مخرجى هم، والأسود الخبر، وحوالى: ظرف مكان فى موضع نصب على الحال، والعامل فيها ما دل عليه معنى كأن كما فى قوله:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى (٢)
وجوز فيه أن يكون صفة لأسود، ويقدر العامل فيه اسم فاعل، أى الأسود المستقرين حوالى، أو حالا من الأسود، أى: الأسود مستقرين فى جوانبى، أو حالا فقط إن قدرت العامل فعلا أى: الأسود يستقرون حوالى. والحوارد: من حرد أى غضب حردا وحردا بتسكين الراء وتحريكها فهو حارد وحردان، ولعله جمع لجماعة حاردة، كما تقدم فى عواذل، كذا قيل، ولا حاجة إلى التأويل، فإنه جمع جائز مثل: صواهل ونجوم طوالع، كما سبق.
وقد وردت الواو فى المصدرة بكأن، كقولهم: جاء وكأنه أسد. قال بعضهم: هذا بناء على أن كأن مركبة من كاف التشبيه وأن؛ لأنه حينئذ كالجار والمجرور، وقد عرف أن الترك فيه أكثر، وإن لم يقل به فلعل السبب ما تقدم من اجتماع حرفين.
واعلم أن إطلاقه أن الجملة الاسمية يحسن فيها ترك الواو، يدخل فيها غير كأن من الحروف مثل: أن، كقوله:
ما أعطيانى، ولا سألتهما ... إلّا وأنّى لحاجزى كرمى (٣)
فقد استعملت بالواو وبغير واو، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (٤) ولا التبرئة، كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (٥).
стр. 573
وأخرى (١) لوقوع الجملة الاسمية بعقب مفرد؛ كقوله (٢) [من السريع]:
والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم
ــ
ص: (وأخرى لوقوع الجملة إلى آخره).
(ش): يستحسن ترك الواو إذا وقعت عقب مفرد، يريد عقب حال مفردة، فيلطف موقعها بخلاف ما إذا أفردت، وذلك كقول ابن الرومى:
فالله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم (٣)
وقد جوز فى برداك أن يكون حالا متداخلة لا مترادفة، فلا يأتى ما ذكره عبد القاهر. وقوله: وقعت عقب مفرد، يدخل فيه ما لو عطفت على حال مفرد، نحو فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فإنها عقب مفرد ولا اعتداد بالعاطف، وليس ترك الواو حينئذ حسنا. وقد قال الشيخ أبو حيان: إن الواو فيه واجبة إلا أن يقال:
الواو فاصلة فليس عقبه. وفيه نظر فإن المعتبر إنما هو اعتمادها على المفرد، فتستغنى به عن الواو؛ لعدم الاستقلال. وهذا المعنى موجود وإن فصل العاطف بينهما.
(تنبيه): قال المصنف فى الإيضاح: هذا كله إذا لم يكن صاحب الحال نكرة مقدمة عليها، بأن يكون معرفة، أو نكرة وأخر فإن كان نكرة مقدمة نحو: جاءنى رجل وعلى كتفه سيف، وجبت الواو، لئلا يشتبه الحال بالنعت.
(قلت): هذا لا يصح بناء على رأى الزمخشرى الذى تبعه المصنف فيه من أن الصفة تعطف على الموصوف، وقد تقدم الكلام عليه، وأنه غير صحيح.
(تنبيه): بقى من الأقسام: الجملة الشرطية نحو: جاء زيد، وإن يسأل يعط. والواو فيها لازمة خلافا لابن جنى؛ وهى ماشية على قاعدة المصنف، فإنه ليس فيها حصول ولا مقارنة؛ فلذلك لزمت الواو؛ لبعدها عن المفردة بزوال كل من خاصيتها. وقد جزم الشيخ أبو حيان فى الارتشاف: بأن الجملة الشرطية تقع حالا. وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ (٥) الجملة الشرطية حال. وقال المرزوقى: قد يكون فى الحال معنى الشرط كما يكون فى الشرط معنى الحال، نحو: لأقتلنه كائنا من كان انتهى.
стр. 574
الإيجاز والإطناب والمساواة
السكاكى: أما الإيجاز والإطناب فلكونهما نسبيين (١) لا يتيسّر الكلام فيهما إلا بترك التحقيق والتعيين، وبالبناء على أمر عرفى، وهو متعارف الأوساط، أى كلامهم فى مجرى عرفهم فى تأدية المعنى، وهو لا يحمد فى باب البلاغة ولا يذم فالإيجاز: أداء المقصود بأقلّ من عبارة المتعارف،
ــ
وأحسن منه فى التمثيل: لأضربنه ذهب أو مكث. وينبغى تقييد الجملة الشرطية الواقعة حالا بما إذا كان جوابها خبرا، فإنها تكون حينئذ خبرية.
أما إذا كان جوابها إنشاء فإن الجملة الشرطية تكون إنشائية، والإنشاء لا يقع حالا.
وأما إطلاق السكاكى فى الحالة المقتضية لكون المسند إليه جملة، أن الجملة الشرطية ليست إلا خبرية فممنوع، بل هى بحسب جوابها إن كان إنشاء فهى إنشائية، أو خبرا فهى خبرية، والله أعلم.
ص: (الإيجاز والإطناب والمساواة).
(السكاكى: أما الإيجاز إلى آخره).
(ش): هذا هو الباب الثامن. والإيجاز والإطناب باب عظيم، حتى نقل صاحب سر الفصاحة أن منهم من قال: البلاغة هى الإيجاز والإطناب، كما قيل مثل ذلك فى الفصل والوصل.
اعلم أن إخراج الكلام على مقتضى الحال، يكون تارة بالإيجاز والإطناب، وتارة بالمساواة على خلاف فى المساواة، فلا بد من بيان حقائقها.
أما فى اللغة فالإيجاز التقصير. تقول: أوجزت الكلام، أى: قصرته. وكلام موجز من أوجز زيد الكلام متعديا، وموجز من أوجز الكلام قاصرا، ووجيز من وجز ووجز ووجز منطقه، بالضم وجازة ووجز وجزا ووجوزا. والإطناب: المبالغة. أطنب فى الكلام، أى: بالغ فيه.
والمساواة: واضحة. وأما فى الاصطلاح، فقال السكاكى: (أما الإيجاز والإطناب فلكونهما نسبيين) أى إضافيين (لا يتيسر الكلام فيهما إلا بترك التحقيق، والبناء على أمر عرفى، وهو متعارف الأوساط) يريد: أوساط الناس، ومتعارفهم: ما يتعارفونه (فى مجرى عرفهم فى تأدية المعانى وهو) أى: ذلك العرفى الذى هو متعارف أوساط الناس (لا يحمد ولا يذم. فالإيجاز: أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف) وفى هذه العبارة نظر؛
стр. 575
والإطناب: أداؤه بأكثر منها خ خ.
ثم قال: الاختصار - لكونه نسبيّا: يرجع فيه تارة إلى ما سبق، وأخرى إلى كون المقام خليقا بأبسط مما ذكر خ خ؛ وفيه نظر؛ لأن كون الشئ نسبيّا لا يقتضى تعسّر تحقيق معناه. ثم البناء على المتعارف والبسط الموصوف: ردّ إلى الجهالة.
ــ
لأن المتعارف هو الكلام، فكأنه قال: عبارة الكلام. ولا يصح أن يكون من قولهم: مسجد الجامع؛ لأن المتعارف مذكر لا يصح أن يوصف به العبارة المؤنثة.
(والإطناب أداؤه بأكثر منها) قال ابن رشيق: والإيجاز عند الرمانى التعبير عن المعنى بأقل ما يمكن من الحروف. مثل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وهو الذى يسميه غيره المساواة. ثم نقل المصنف عن السكاكى، أنه قال: (الاختصار لكونه نسبيا يرجع تارة إلى ما سبق) أى إلى اعتباره بكلام الأوساط (وتارة إلى كون المقام خليقا بأبسط مما ذكر) ثم اعترض عليه بأن كون الشئ نسبيا لا يقتضى تعسر تحقيق معناه، وبأن البناء على المتعارف، والبسط الموصوف رد إلى جهالة أى: البناء على المتعارف رد إلى تعريف بشئ مجهول والبسط الموصوف فى الاختصار، رد إلى جهالة، فحذف المصنف خبر أحدهما؛ لدلالة الآخر، أو أخبر بالرد عنهما؛ لأنه مصدر، أو عطف البسط على المتعارف، وأراد بالبناء الأعم منهما.
وقد أجيب عن السكاكى فى السؤال الأول بأن السكاكى أراد أن النسبى يتعسر حده، لأن الحد غير حقيقى بالنسبة إلى الأمور الإضافية، فإن حقيقتها تتوقف على حقيقة أخرى خارجة عنها. وأجيب عنه أيضا، بأن صاحب المفتاح لم يجعل كل شئ نسبى لا يتيسر حده لأنه مع كونه نسبيا منسوب إلى ما تحقق له، ولا انضباط وهو كلام جمهور الناس، وما جرى به عرفهم. وقد اعترف المصنف بذلك فى الاعتراض الذى سيأتى. قال بعضهم: وتقريره شرط معرفة الإيجاز.
والإطناب: كلام لا إيجاز فيه ولا إطناب ولا شئ من كلام كذلك بموجود ينتج من الأول شرط معرفة الإيجاز، والإطناب ليس بموجود. وإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
(قلت): فيه نظر؛ لأن الصغرى ممنوعة ولا يلزم من قولنا: شرط معرفة الإيجاز والإطناب: معرفة كلام الأوساط، أن نقول: شرط معرفته معرفة ما لا إيجاز فيه، ولا إطناب، فيكون دورا؛ لأن النسبيين وإن توقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر فذلك
стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من حيث كونه إضافيا، لا من حيث ذاته. كما أن الأقل إضافى للأكثر يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر. وقد تعلم حقيقة الشئ الذى هو أكثر من حيث جنسه وفصله، وإن لم تعلم أكثريته. ثم إن الكبرى ممنوعة لأن كلام الأوساط قد يخلو من الإيجاز والإطناب.
وأجيب عن الثانى: بأن كلام الأوساط معروف؛ لأنه الذى يؤدى به أصل المراد بالمطابقة من غير اعتبار مقتضى الحال، بل يكون صحيح الإعراب.
وأجيب عن الثالث: بأن السكاكى يشير بما ذكره فى الاختصار إلى تفاوت مراتب الإيجاز فى المواد الجزئية؛ لكونه أبسط، أو لا.
فإنه قد يكون أبسط باعتبار أصل جزئى، وغير أبسط باعتبار أصل آخر، فلا يلزم من كونه أبسط باعتبار أصل دونه، أن لا يكون إيجازا باعتبار متعارف الأوساط.
فالإيجاز: يطلق على ما هو أقل من عبارة الأوساط مطلقا، ويطلق على ما هو أخص منه وهو الأول، وعبارة الأوساط بالنسبة إلى كلام دون كلام، فإنه قد يوصف الكلام بالإطناب والإيجاز، معا باعتبار أصلين كما يأتى فى كلام المصنف، كقوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (١) فيه إيجاز بالنسبة إلى يا رب، إنى وهنت عظام بدنى، وإطناب بالنسبة إلى رب إنى ضعفت. وجعلوا منه: نعم الرجل زيد، فإن فيه إطنابا بالنسبة إلى نعم زيد، وإيجازا بالنسبة إلى نعم الرجل هو زيد. (قلت): ومن هذا المثال يعلم أن الإيجاز قد يكون بأصل وضع اللغة، وبالحذف الواجب؛ فإن نعم الرجل هو زيد، لا يجوز إذا جعلنا هو مبتدأ؛ لأنه حينئذ واجب الحذف؛ فعلم أن الإيجاز أعم من الجائز والواجب.
بقى على السكاكى والمصنف اعتراض، وهو أن كلام أهل العرف إذا كان رتبة وسطى بين الإيجاز والإطناب، فإما أن يكون هو المساواة، أو لا. فإن كان هو المساواة، فهى محمودة إذا طابقت مقتضى الحال، ومذمومة إذا لم تطابقه؛ لأن كل ما خرج عن البلاغة التحق بأصوات البهائم كما سبق، فكيف يقول المصنف: إن كلام الأوساط لا
يحمد ولا يذم؟ والعجب أن الخطيبى جعل قوله: إن ما خرج عن ذلك التحق بأصوات البهائم مصححا لكلامه، لا مفسدا.
стр. 577
والأقرب أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله بلفظ مساو له أو ناقص عنه، واف أو زائد عليه،
ــ
(تنبيهان):
الأول: اعلم أن كلام الأوساط ليس مدفوعا عن إيجاز ولا إطناب، فإن ما فى الإيجاز من الحذف وغيره، يكثر فى كلام الأوساط، ولعل المراد: غالب كلامهم الذى لا يطابق غالبا مقتضى الحال.
الثانى: الإيجاز المصطلح عليه هنا هو الاختصار، وإن كان الإيجاز لغة هو تقليل اللفظ مطلقا. ولا فرق عند السكاكى بين الإيجاز والاختصار، كما صرح به الخطيبى فى شرح المفتاح، وهو صريح لفظ المفتاح.
وأما قول بعضهم: إن مراده أن الاختصار فى حذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز، فليس بشئ.
ص: (والأقرب إلى آخره).
(ش): يريد الأقرب إلى الصواب، ويقال: هذا أقرب إلى الصواب، يريد أنه يحتمل الصواب والخطأ، واحتمال الصواب فيه أظهر. وتقول: هذا أقرب إلى الصواب، تريد أنه صواب جزما. قال تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (١). وقال تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ (٢). إن لم يكن من باب التنزل. ويريد المصنف أنه أقرب من كلام السكاكى، وفيه بعد؛ لأنه حينئذ يكون مقربا لما تضمن اعتراضه الثانى فساده لأن أفعل التفضيل للمشاركة أو يريد أنه أقرب من غيره مطلقا، يشير إلى أنه أقرب من قول ابن الأثير الذى سيأتى، وهو أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله، أى: معناه بلفظ مساو للمراد، أى: نطبق على المراد. بمعنى أنه دال عليه بالمطابقة أى: ليس فيه حذف عن أصله، ولا زيادة بتكرير، أو تتميم، أو اعتراض، أو غيرها، أو ناقص عنه إما واف بأداء المراد وهو الإيجاز، أو لا وهو الإخلال، أو زائد. ما لفائدة وهو الإطناب، أو لا لفائدة وهو الحشو والتطويل.
(قلت): فيه نظر، فإنه يقتضى أن المساواة مقبولة مطلقا، وإن كان المقام يقتضى
стр. 578
لفائدة:
واحترز ب واف عن الإخلال؛ كقوله [من مجزوء الكامل]:
والعيش خير فى ظلال ... النّوك ممّن عاش كدّا
أى: الناعم، وفى ظلال العقل.
ــ
الإطناب أو الإيجاز، والذى يظهر لى من كلامه، وهو الصواب أن قوله: (لفائدة) يتعلق بالثلاثة من جهة المعنى، وإن كانت عبارته تقتضى أن: (لفائدة) يتعلق بزائد، فليس كذلك، بل يقال: المساواة: تأدية أصل المعنى بلفظ مساو له لفائدة. والإيجاز: تأديته بلفظ ناقص واف لفائدة. والإطناب: تأديته بلفظ زائد لفائدة. فخرجت المساواة حيث المقام يقتضى إيجازا، أو إطنابا، وهى التى جعلها السكاكى معيارا للإيجاز والإطناب. وقد خرج الحشو والتطويل عن الإطناب، وخرج الإخلال عن الإيجاز. والإطناب أخص من الإسهاب، فإن الإسهاب: التطويل لفائدة، أو لا لفائدة كما ذكره التنوخى وغيره.
واعلم أن ما ذكره المصنف، وما ذكره السكاكى، متفقان على ثبوت الواسطة بين الإيجاز والإطناب. إلا أن المصنف يجعل المساواة تنقسم إلى: مقبول وغيره، والسكاكى يجعل المساواة أبدا غير مقبولة، بل بها يعتبر الإيجاز والإطناب المقبولان على ما يظهر من عبارته. فإن أراد ذلك فكلام المصنف أقرب إلى الصحة (١)، وإن أراد أن المساواة هى المعتبرة، فإن اقتضاها المقام، فلا عدول عنها، وتكون حينئذ محمودة، وإلا فلا. وعلى ما ذكره ابن الأثير لا واسطة بينهما قطع فإن الإيجاز عنده التعبير عن المراد بلفظ غير زائد عنه، فإنه يدخل فى غير الزائد المساوى.
قال المصنف: (واحترز بواف عن الإخلال) وهو أن يقصر اللفظ عن أداء المعنى على وجه يطابق مقتضى الحال وإن كان لغويا، كقول الحارث بن حلزة:
والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممن عاش كدا (٢)
فإن مراده العيش الناعم فى ظلال الجهل، خير من العيش الشاق فى ظلال العقل.
وفيه نظر؛ لأن المحذوف من هذا الكلام، دلت عليه القرينة التى عرفتنا أن المراد الناعم،
стр. 579
وب فائدة عن التطويل؛ نحو [من الوافر]:
وألفى قولها كذبا ومينا (١)
وعن الحشو المفسد ك الندى فى قوله [من الطويل]:
وصبر الفتى لولا لقاء شعوب ... ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى
ــ
وأن المراد فى ظلال العقل. فإن لم تكن قرينة، فالحذف يفسد الكلام لغة، ولا كلام فيه، إنما الكلام فى كلام عربى وإذا كانت قرينة تسوغ الحذف فلا إخلال. قال: (وبفائدة) أى احترز بقوله: لفائدة (عن التطويل) أى عن الزائد لا لفائدة، وهو شيئان: أحدهما:
تطويل، وذلك بأن لا يتعين الزائد فى الكلام، كقول عدى بن زيد العبادى:
فقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا (٢)
فإن الزائد هو كذبا، أو مينا، ولا يتعين أحدهما للزيادة، ولا يترجح. والراهشان:
عرقان فى باطن الذراع، وقيل: الرواهش عروق ظاهر الكف، وقيل: عروق ظاهر الكف وباطنها، وقيل: الراهش: عصب فى باطن الذراع. يذكر الزباء وغدرها لجذيمة، ولها قصة طويلة. (قلت:) وفيه نظر؛ لأن ذكر الشئ مرتين فيه فائدة التأكيد، وقد قال النحاة: إن الشئ يعطف على نفسه تأكيدا، وعدم تعين الزائد لا يدفعها. والفائدة التأكيدية معتبرة فى الإطناب كما ستراه فى غير ما موضع. ثم قولهم: إن الزائد لم يتعين ولم يترجح كما صرح به بعضهم، فيه نظر: فإن الأول مترجح أو متعين؛ لأنه السابق لتكملة الكلام، ولأن الثانى مؤكد، والمؤكد متأخر عن المؤكد أبدا. قيل: إن الرواية: كذبا مبينا، وهو الأوفق لبقية القصيدة؛ لأن أبياتها كلها مكسور فيها ما قبل الياء. لكنه بخلاف ما رواه الجمهور، والظاهر: أنه وهم. والثانى يسمى الحشو، وهو ما تعين أنه زائد. وهو ضربان:
أحدهما يفسد المعنى، كقول أبى الطيب:
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب (٣)
стр. 580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شعوب المنية لا تنصرف يقول: لا خير فى الدنيا للشجاعة والصبر، لولا الموت، وهو صحيح؛ لأنه إنما تفضل الشجاعة والصبر، لما فيهما من الإقدام على الموت والمكروه للنفس، ولو كان الإنسان يعلم أنه مخلد، لما كان له فى الشجاعة فضل. وأما الندى:
فبالعكس، لأن الموت سبب يسهل الندى، ولا يجعل له فضلا؛ لأن من علم أنه يموت جدير بأن يجود بماله، كما قال طرفة:
فإن كنت لا تسطيع (١) دفع منيّتى ... فذرنى أبادرها بما ملكت يدى (٢)
وقول مهيار:
فكل إن أكلت، وأطعم أخاك ... فلا الزّاد يبقى ولا الآكل
وأجيب عنه: بأنه أراد بالندى بذل النفس، كقول مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٣)
وهذا الجواب نقله الخفاجى فى سر الفصاحة عن الشريف المرتضى. ورد بأن لفظ الندى لا يكاد يستعمل فى بذل النفس، وإن استعمل فمضافا، أما مطلقا فلا يفيد إلا بذل المال ورد أيضا بأنه يلزم التكرار، فإن بذل النفس هو الشجاعة. قال ابن جنى:
معنى البيت: أن فى الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر ما يسكن النفوس، ويسهل البوس، فعلى هذا يكون عدم الموت يقتضى الجود، كما قال المتنبى. وقيل: معناه: لولا تباين الناس فى التوطين على الموت لما فضل الكريم البخيل بقلة رغبته فى المال الذى هو متاع الدنيا. ونقل هذا أيضا عن الواحدى. ثم أقول: فى جعل هذا القسم من أصله من قسم الحشو نظر؛ لأن لفظ الندى أفاد معنى زائدا أراده المتكلم قطعا، وكونه لم يكن ينبغى له أن يزيد هذا المعنى أمر آخر يلحق نقصا بالكلام؛ فلا يكون زائدا؛ لأن الحشو تأدية المعنى بلفظ زائد عن المراد، وهذا إنما
يكون، لو كان لفظ الندى أفاده لفظ الشجاعة.
стр. 581
وغير المفسد؛ كقوله [من الطويل]:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ــ
الثانى: أن يكون حشوا غير مفسد، وهو ما كان فيه زائد متعين، ولكن ذكره لا يفسد المعنى، كقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى (١)
فإن قوله: (قبله) لا فائدة فيه. (قلت): وفيه نظر من أوجه:
الأول: أنه يجوز أن يقال فى قبله: إن له فائدة، كأنه يقول: أعلم ما كان قبل هذا اليوم أى: لا يشغلنى اليوم عن علم منى سابق، فإن قبلية الشئ وصف يؤذن بالاشتغال بالحاضر عنه.
الثانى: أنه يجوز أن يكون الضمير فى قبله، يعود إلى العلم، أى أعلم ما كان أمس، قبل علمى بما كان اليوم، مبالغة فى قوته الحافظة، وأنه يستحضر الماضى، قبل استحضاره الحاضر.
الثالث: أن قبله تأكيد معنوى، والوصف التأكيدى جائز، وليس حشوا، بل هو كقولهم: أمس الدابر، ومثله فى الإيضاح بقوله:
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرّأس والوصب (٢)
فإن الرأس حشو؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا فى الرأس، وقد قيد ابن مالك فى المصباح هذا الحشو بما ليس فيه بديع، فإن كان فيه بديع حسن، كقول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتى، لرأيت فيه جهنما (٣)
стр. 582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): مما يكثر حشو الكلام به لفظ أصبح وأمسى، وعدا وأخواتها، ولفظ إلا، وقد، واليوم. قال حازم: الواجب اعتبار حالها، فإن كان الأمر الذى ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أمسى فيه فليست حشوا، وإلا فهو حشو، كقولك: أصبح العسل حلوا. والرمانى أجاب عن قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (١) بأن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل، فيرجو الفرج عند الصباح، فاستعمل: أصبح لأن الخسران حصل لهم فى الوقت الذى يرجون فيه الفرج، فليست حشوا. وقد أشار لما قلناه الخفاجى وحازم وغيرهما.
(تنبيه): قال الخفاجى فى سر الفصاحة: أصل الحشو ما يقصد به فى الشعر إصلاح الوزن، أو تناسب القوافى وحرف الروى. وفى النثر: قصد السجع، وتأليف الفصول من غير معنى يفيده. ثم نقل عن أبى هاشم أنه زل فألحق الحشو الجيد بالردئ فقال فى البغداديات فى مسألة ذكرها فى إيجاز القرآن: إن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن، ذكر ما لا يحتاج إليه فى النثر. ألا ترى إلى قول امرئ القيس:
ورضت فذلت صعبة أى إذلال
فلو كان فى النثر لأسقط صعبة، أو أسقط أى إذلال. ثم أفسد الخفاجى كلام أبى هاشم وأبان فائدة ذكرهما، وأنهما من الحشو المحمود، ثم قال: وأبو هاشم وإن كان العالم المقدم فى صناعة الكلام، فليس معرفته بالجواهر والأعراض، وكلامه فى القدر والألطاف، مما يفيده العلم بصناعة نقد الكلام المؤلف، وفهم النظم والنثر كما أن فى أهل هذا العلم من يجهل أول ما يجب على العاقل، فضلا عما يجاوزه، ونعوذ بالله من تعاطى ما لا نحسنه. قال: ومن العجب أن الرمانى نقض على أبى هاشم مسائله هذه بكتاب معروف، قصره على بعضها، واعتمد فيه المناقشة لأبى هاشم فى لفظة لفظة فلما وصل هذا الموضع، لم يتعرض له بنفى ولا إثبات، بل ظهر منه أنه موافق مسلم قال:
وما يعلم السبب فى خفاء مثله على الرمانى مع مكانه المشهور من الأدب، ثم جعل الحشو أقساما:
стр. 583
(المساواة)
المساواة: نحو قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (١)،
ــ
حسنا يفيد معنى حسنا، مثل:
إنّ الثّمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (٢)
وما يؤثر نقصا فى المعنى ويفسد، كقول المتنبى:
ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا ... قبل اكتهال أديبا قبل تأديب (٣)
والأستاذ بعد الملك مفسد، وينقص المدح، ثم اعتذر بأن الأستاذ صار لكافور، كاللقب الذى لا يريد تغييره؛ لأنه كان إذ ذاك مدبرا لأمر ولد أخشيد يفتخر بخدمته.
المساواة:
ص: (والمساواة إلى آخره).
(ش): شرع فى الكلام على الأقسام الثلاثة، مقتصرا فى الغالب على الأمثلة؛ فإن محال الإيجاز علمت مما سبق من مقتضيات ترك المسند، أو المسند إليه، أو متعلق أحدهما. ومحال الإطناب علمت مما سبق من أسباب ذكر المسند من قصد البسط، أو لرعاية الفاصلة، أو تكرير الإسناد وغير ذلك، لا لكونه الأصل، فإن رعاية ذلك مساواة لا إطناب. إذا عرف هذا فالمساواة مثلها بقوله : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. وأورد على المصنف أن فيه إطنابا؛ لأن السيئ زيادة فإن كل مكر لا يكون إلا سيئا، ونسبة المكر إلى الله تعالى فى قوله سبحانه: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (٤) مجاز للمقابلة، ولو وقع استعماله وحده، فهو مجاز على الصحيح، وسيأتى ما عليه فى باب المجاز. وقول النابغة الذبيانى:
стр. 584
وقوله [من الطويل]:
فإنّك كالّليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ــ
فإنّك كالليل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (١)
(قلت): فى المثالين نظر؛ لأن الآية الكريمة إن كان الاستثناء فيها مفرغا، ففيه إيجاز القصر. وإن كان غير مفرغ، ففيه إيجاز قصر بالاستثناء، وإيجاز حذف بحذف المستثنى منه، فإن تقديره بأحد. وقال الخطيبى: هنا الاستثناء فيه مفرغ، فالمستثنى منه محذوف. وهو غلط؛ فإن الحذف لا يكون مع التفريغ. وأورد أيضا أن فيها إيجازا فإنها حاثة على كف الأذى عن جميع الناس يحذره عن جميع ما يؤدى إلى الأذى، وبأن فيها إيجاز تقدير؛ لأن الأصل يضر بصاحبه مضرة بليغة، فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعية الواقعة على سبيل التمثيلية؛ لأن" يحيق" بمعنى يحيط، فلا يستعمل إلا فى الأجسام بالنظر إلى الكلام السابق فيه إطناب؛ لأنه تذييل، لقوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ وأما البيت ففيه إيجاز، لحذف جواب الشرط، وإن كانت الكاف حرفا، ففيه إيجاز آخر بحذف خبر إن على القول الصحيح، خلافا لمن ذهب إلى أن الجار والمجرور نفسه هو الخبر، وخلافا لمن ذهب إلى أن القول بذلك فيما إذا كان الجار الكاف دون غيره. وفيه الإطناب بذكر دليل الجواب، فإنه زائد على مدلول الكلام فإن الأصل الإتيان بالشرط وجوابه، إلا أن يقال: النظر للملفوظ به ولا زيادة فيه، والأول أظهر كما سيأتى.
كل ذلك تفريع على أن الجواب لا يتقدم على الشرط، كما هو مذهب البصريين.
ومن المساواة على ما يقتضيه كلام المصنف:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (٢)
стр. 585
(الإيجاز) والإيجاز ضربان:
إيجاز القصر، وهو: ما ليس بحذف؛ نحو: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (١)؛ فإنّ معناه كثير، ولفظه يسير، ولا حذف فيه، وفضله على ما كان عندهم أوجز كلام فى هذا المعنى، وهو: القتل أنفى للقتل خ خ:
ــ
على كلام ذكره فى الإيضاح مطول، ومثل فى الإيضاح بقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا (٢). وفيه نظر؛ لأن فيه حذف موصوف الذين.
الإيجاز:
ص: (والإيجاز ضربان إلى آخره).
(ش): الإيجاز ضربان: إيجاز القصر، وإيجاز الحذف. والفرق بينهما أن الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه، فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاما يعطى معنى أطول منه فهو إيجاز قصر. وقد يجتمعان فى نحو قولك: ما رأيت إلا زيدا، إذا جعلت المفعول محذوفا، فالأول إيجاز القصر، وهو ما ليس بحذف. ومنهم من قال: هو تكثير المعنى، وتقليل اللفظ. ويرد عليه فلان يعطى ويمنع. فإن فيه ذلك، كما صرح به السكاكى، وليس إيجاز قصر بل إيجاز حذف. وكذلك كل إيجاز حذف فيه هذا المعنى. والتحقيق أن فلانا يعطى ويمنع، إن أردت جعل الفعل فيه قاصرا، فهو إيجاز قصر، وإن أردت جعله متعديا، وحذفت مفعوله؛ لإرادة العموم فهو إيجاز حذف. ومن أبلغ الإيجاز، قوله تعالى:
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ فإن لفظه يسير، ومعناه كثير؛ لأنه قام مقام قولنا: الإنسان إذا علم أنه إذا قتل يقتص منه، كان ذلك داعيا له قويا مانعا من القتل فارتفع بالقتل، الذى هو قصاص، كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم.
(وقوله: ولا حذف فيه) فيه نظر؛ لأن متعلقى الطرفين محذوفان على رأى الجمهور، وكذلك مضاف فإن التقدير فى مشروعية القصاص إلا أن يقال: أريد بالقصاص شرعه فيكون مجازا. قال: (وفضله على ما كان عندهم أوجز كلام فى هذا المعنى وهو) قولهم: (القتل أنفى للقتل) من وجوه، بل قال ابن الأثير: إنه لا نسبة بين كلام الخالق ، وكلام المخلوق. وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.
стр. 586
بقلة حروف ما يناظره منه، والنصّ على المطلوب (١)، وما يفيده تنكير (حياة) من التعظيم؛ لمنعه عمّا كانوا عليه من قتل جماعة بواحد، أو النوعيّة الحاصلة للمقتول والقاتل بالارتداع،
ــ
الأول: أن ما يناظره من كلامهم وهو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أقل حروفا من كلامهم، فإن حروفه عشرة. وقول الخطيبى: إن التنوين حرف، فيكون أحد عشر، ليس بجيد؛ لأن التنوين إنما يأتى إذا وصلت بما بعدها، والكلام فيها وحدها موقوفا عليها. ولو قرئت موصولة، فالمقصود من نقصان حروفها حاصل، فإن: القتل أنفى للقتل حروفه أربعة عشر، ووقع فى كلام الإمام فخر الدين فى نهاية الإيجاز، وكلام العسكرى فى الصناعتين أن الذى يؤدى معنى كلامهم فى الآية الكريمة، قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ وفيه نظر؛ لأن القصاص حياة مخالف معنى لما تضمنه الآية الكريمة، من جعل القصاص ظرفا للحياة.
فالصواب أن يقال: فى القصاص حياة. (ثم أقول): فى ذلك من أصله نظر؛ لأن الإيجاز بتقليل الحروف بالنسبة إلى كلام آخر، ليس مما نحن فيه، بل هو نوع أفرده المصنف فى الذكر آخر الباب. ونحن إنما نتكلم فى هذا الباب على كلامين متساويى المعنى، أحدهما أقل حروفا من الآخر. وإنما الآية وهذا الكلام بينهما تفاوت فى المعنى، كما ستراه وقولهم: إنه يمكن فى قولهم ما هو أوجز منه، وهو أن يقال: القتل أنفى له ليس بصحيح؛ لأنه يصير معناه القتل قصاصا أنفى للقتل قصاصا، وهو فاسد.
الثانى: النص على المطلوب الذى هو الحياة، فيكون أزجر عن القتل العدوان.
الثالث: أن تنكير حياة، يفيد تعظيما لمنعهم عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحد. أو النوعية أى الحاصلة للمقتول، أى: بالكف عنه والقاتل بانكفافه. وقولنا: يفيد تعظيما أو نوعية، ليس معناه تقدير موصول محذوف، كما قاله الطيبى وقد تقدم الكلام عليه فى التنكير.
الرابع: اطراده، فإنه ليس كل قتل ينفى القتل بخلاف القصاص، فإنه فيه حياة أبدا.
(قلت): هذا إن كانت الأداة فى القصاص جنسية، فإن كانت للشمول، فليس صحيحا؛ لأن عدم اطراده يكذبه.
стр. 587
واطّراده، وخلوّه عن التكرار، واستغنائه عن تقدير محذوف والمطابقة.
ــ
الخامس: خلوه من تكرار لفظ القتل، فإن التكرار من عيوب الكلام.
(قلت): وليس التكرار من عيوب الكلام مطلقا، بل ربما استحسن، كقوله تعالى:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (١) وغير ذلك؛ لأسباب يطول ذكرها.
وقد تقدم الكلام عليه أول الكتاب. والتأكيد اللفظى فيه تكرار، وهو بليغ؛ ولذلك قال الرمانى: فيه تكرير غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصر عن أقصى طبقة البلاغة
السادس: استغناؤه عن تقدير محذوف بخلاف قولهم: فإن فيه حذف من التى بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف قصاصا مع القتل الأول، وظلما مع القتل الثانى. وقد يمنع أنهما محذوفان؛ بل مرادان بالقتل من غير حذف. وقد تقدم منع عدم الحذف فى الآية الكريمة. والصواب أن يقال: لاستغنائه عما ذكره أكثر من حذفه، وهو من بعد أفعل التفضيل الواقع خبرا، بخلاف المحذوفين فى الآية الكريمة، فإن حذفهما أكثر أو مطرد حتى قيل: إنه لا حذف. وكذلك حذف المضاف فى غاية الكثرة.
السابع: أن فى الآية الكريمة طباقا، فإن القصاص ضد الحياة. (قلت): القصاص سبب للموت الذى هو ضد الحياة فهو ملحق بالطباق كما سيأتى. وزاد المصنف فى الإيضاح وجها آخر وهو هذا.
الثامن: جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بإدخال (فى) عليه.
وزاد غيره، فقال:
التاسع: أن فى كلامهم توالى أسباب كثيرة خفيفة، وقد تقدم أن ذلك مستكره.
العاشر: أنه كالتناقض من حيث الظاهر؛ لأن الشئ لا ينفى نفسه.
الحادى عشر: أنه لا يستقيم لو أجرى على ظاهره؛ لأن ظاهره أن كل واحد من أفراد القتل، أو جنس القتل، ينفى القتل. وليس كذلك، بل المراد أن القتل قصاصا، ينفى القتل ظلما. (قلت): وهذان متقاربان، وهما يرجعان إلى الرابع، فالأحسن أن يعبر عنهما بأن يقال: الاسم قد تقرر أنه إذا تكرر مرتين، وهو فيهما معرفة فالثانى هو الأول. وهنا يلزم خلاف القاعدة فإن الثانى غير الأول.
стр. 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى عشر: أن القتل ليس نافيا للقتل، بل النافى له كراهة القتل. وهو ضعيف؛ فإن الحياة ليست فى القصاص، بل فى ترك القتل المرتب على مشروعية القصاص.
الثالث عشر: تقدم الخبر المفيد للاختصاص فى قوله : وَلَكُمْ.
الرابع عشر: سلامة الآية الكريمة من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة، وبعدها عن غنة النون.
الخامس عشر: اشتمالها على تكرير الصاد المستجلب باستعلائها وإطباقها مع الصفير للفصاحة.
السادس عشر: أنها رادعة عن القتل والجرح، قاله الإمام فخر الدين وغيره، والضرب قاله الطيبى.
(قلت): يعنى الجروح التى يمكن القصاص فيها المرادة بقوله تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ (١) وفيه نظر، لأن لفظ حياة تصرف القصاص المذكور فى الآية الكريمة إلى القصاص فى النفس. فإن مشروعية القصاص فى الطرف، ليس سببا للحياة بل لبقاء ذلك الطرف، إلا أن يقال: بقاء العضو حياته أو يقال: قطع الطرف ربما سرى إلى النفس، فأزال الحياة؛ فشرع القصاص فى الطرف فيه حياة للنفس. وأما الضرب فلا قصاص فيه أصلا على مذهبنا.
السابع عشر: سلامة الآية الكريمة من لفظ القتل المشعر بالوحشة، وعكسه الحياة.
الثامن عشر: إبانة العدل بلفظ القصاص.
التاسع عشر: الاستدعاء بالرغبة والرهبة بحكم الله به.
العشرون: ملاءمة الحروف فيها؛ لأن الخروج من القاف إلى الصاد، أعذب من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لبعد اللام من الهمزة، والخروج من الصاد إلى الحاء، أعذب من الخروج من اللام إلى الألف. ذكر الأوجه الثلاثة الرمانى.
(تنبيه): أذكر فيه - إن شاء الله - أنواعا من إيجاز القصر، ربما يخفى أكثرها فمنها باب القصر بإلا سواء أكان الاستثناء مفرغا نحو: ما قام إلا زيد، أم تاما نحو: ما قام أحد إلا زيدا؛ لأن الأول موجز فقط، والثانى موجز من وجه، مطنب من وجه. أو
стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القصر بإنما نحو: إنما زيد قائم؛ أو بالتقديم نحو: أنا قمت؛ لأن فى كل منها نابت الجملة مناب جملتين؛ حكم فى إحداهما على المستثنى، وفى الأخرى على المستثنى منه. وكذلك جميع أنواع القصر، وليس شئ من ذلك بإيجاز حذف؛ لأن الكلام مستوفى الأجزاء، لم ينقص منه شئ.
ومنها: نحو: قام زيد وعمرو، فإنه فى معنى: وقام عمرو، وحصل بالواو الإيجاز والإغناء عن تقدير الفعل على مذهب البصريين.
ومنها: الاقتصار على المبتدأ، وطرح الخبر لفظا، ومنه نحو: أقائم الزيدان، لأن قائم مبتدأ لا خبر له، وكذلك زيد
وعمرو قائم على القول بأن: قائم خبر عن أحدهما، واستغنى عن خبر الآخر. ومثل: ضربى زيدا قائما، على القول بأن: قائما ليس خبرا، وليس ثم خبر محذوف. لا يقال: لا إيجاز فى نحو: أقائم الزيدان، ونحو: ضربى زيدا قائما؛ لأن الخبر المستغنى عنه فيهما، أقيم شئ مقامه، فزاد بدل ما نقص؛ لأنا نقول:
الإيجاز تقصير الكلام عما يستحقه، سواء أقيم شئ عوض ما لم يذكر، أم لا. وبرهان ذلك أن المصنف وغيره قسموا إيجاز الحذف إلى: ما يقام شئ فيه مقام المحذوف، وما لا يقام. فنحن ننقل ذلك التقسيم بعينه إلى إيجاز القصر.
ومنها: باب علمت أنك قائم. فإذا جعلنا الجملة سادة مسد المفعولين، فإن الجملة تنحل لاسم واحد، سد مسد اسمين مفعولين من غير حذف.
ومنها: باب النائب عن الفاعل فى ضرب زيد. فزيد يدل على الفاعل بإعطائه حكمه، وعلى المفعول بوضعه.
ومنها: باب التنازع عند الفراء؛ لأنه ذهب إلى أن الاسم فى: قام وقعد زيد، معمول للفعلين معا.
ومنها: طرح المفعول، بمعنى استعمال المتعدى لازما. وهذا القسم هو الذى يسميه النحوى: الحذف اقتصارا، ويعبر عنه بالحذف لا لدليل. والعبارتان مختلفتان، والتحرير:
أنه لا حذف فيه بالكلية. ومنها: جميع باب أسماء الاستفهام، وأسماء الشروط. فإن: كم مالك، يغنى عن عشرين، أو ثلاثين. ومن يقم أكرمه، يغنى عن زيد وعمرو، قاله ابن الأثير فى الجامع.
ومنها: الألفاظ الملازمة للعموم، مثل أحد وديار. قاله ابن الأثير أيضا.
ومنها: لفظ الجمع، فإن: الزيدين، يغنى عن زيد وزيد وزيد.
стр. 590
و إيجاز الحذف ، والمحذوف إمّا جزء جملة مضاف؛ نحو قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١)، أو موصوف؛
ــ
إيجاز الحذف:
ص: (وإيجاز الحذف إلى آخره).
(ش): الضرب الثانى من ضربى الإيجاز إيجاز الحذف، وهو ما يكون بحذف شئ من أصل الكلام. لا يقال: إيجاز القصر فيه أيضا حذف لكلام كثير؛ لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل، يؤدى معنى لفظ كثير غيره. وإيجاز الحذف يترك فيه شئ من ألفاظ التركيب الواحد، مع إبقاء غيره بحاله.
والمحذوف: إما جزء من جملة، أو جملة، أو أكثر. وجزء الجملة إما مضاف، أو لا.
الأول: جزء الجملة المضاف، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أى: أهل القرية، فحذف المضاف. كذا قاله المصنف، وفيه نظران: الأول: أن هذا ليس بجزء جملة؛ لأنه مفعول، فهو متعلق الجملة لا جزؤها، وكذا غالب ما ذكر فى هذا الباب. فيجب حمل قولهم: جزء الجملة، على ما له بها تعلق. الثانى: أنه قيل: إن القرية عبر بها عن أهلها، والتأنيث فيها على اللفظ لا على المعنى، فيكون مجازا ولا حذف فيه. وقيل: أريد الحقيقة على سبيل المعجزة. وقيل: القرية: اسم مشترك بين المكان وأهله، نقله داود الظاهرى عن بعض أهل اللغة. ومثله المصنف بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٢) أى: أكلها؛ لأن التحريم لا يتعلق بالأجرام، وقد سلم هذا المثال من السؤال الأول، ولم يسلم من الثانى، لجواز أن يكون عبر بالميتة عن أكلها. وينقل عن الحنفية أن التحريم يتعلق بالذوات.
والأحسن التمثيل بقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى (٣) فإنه لا بد من تقدير: ذا البر أو بر من اتقى، إلا أن يكون من قوله: فإنما هى إقبال وإدبار.
الثانى: جزء جملة موصوف، فقول المصنف: (أو موصوف) معطوف على قوله:
مضاف، كما اقتضاه كلام الإيضاح، ومثله بقوله:
стр. 591
نحو [من الوافر]:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا
أى أنا ابن رجل جلا، أو صفة؛ نحو: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (١) أى: صحيحة، أو نحوها؛ بدليل ما قبله، أو شرط؛ كما مر، أو جواب شرط:
ــ
أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى (٢)(٣)
التقدير: أنا ابن رجل جلا. وعليه ما على الأول، فإن رجل ليس جزء جملة، بل فضلة، على أنه قيل: أى: جلا اسم علم فلا حذف. حينئذ، وهو مستند عيسى ابن عمر فى أن فعل عنده وزن يمنع من الصرف، فلذلك لم ينون جلا. وقال سيبويه: كأنه قال: أنا ابن الذى جلا، فعلى هذا الوجه، يكون حذف الموصول.
الثالث: جزء جملة هو صفة، كقوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أى كل سفينة صحيحة، أو صالحة بدليل فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وقيل: إن ابن عباس قرأ كل سفينة صالحة.
الرابع: جزء جملة هو شرط كما مر فى آخر الإنشاء، نحو: ليت لى مالا أنفقه أى: أن أرزقه.
الخامس: جزء جملة هو جواب شرط، ويسمى الشرط فى الأول، والجواب فى الثانية جزء جملة، وإن كان جملة كاملة، باعتبار أنه غير مستقل، وكان الأحسن أن يقول: جزء كلام فإن الشرط جزء كلام، وإن كان جملة كاملة، وحذفه
стр. 592
إما لمجرد الاختصار؛ نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١)، أى: أعرضوا؛ بدليل ما بعده، أو للدّلالة على أنه شئ لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن، مثالهما: قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (٢)، أو غير (٣) ذلك؛ نحو قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ (٤) أى: ومن أنفق بعده وقاتل؛ بدليل ما بعده.
ــ
إما لمجرد الاختصار، نحو قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أى: أعرضوا، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: مُعْرِضِينَ (٥).
ولك أن تقول: يمكن أن يكون من القسم الثانى بأن يكون حذف إشارة إلى أنهم إذا قيل ذلك فعلوا شيئا لا يحيط به الوصف، وإما لقصد أن يذهب السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا، ولا مكروها، إلا ويجوز أن يكون الأمر أعظم منه، بخلاف ما لو اقتصر على ذكر شئ، فربما خف أمره عنده، ومثله المصنف بقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ.
وقول المصنف: (مثالهما) يحتمل أن يريد هذا المثال صالح لهما على البدل، وإنما هو لأحدهما، ويحتمل أن يكون ذكر هذين المعنيين، لأنهما عنده واحد أو يتلازمان. ولك أن تقول: الفصاحة هاهنا حصلت من حذف متعلق الجواب، لا من حذف الجواب نفسه؛ لأنك لو قلت: لرأيت وحذفت المفعول لحصل هذا المعنى.
قال السكاكى: ولهذا المعنى حذفت الصلة من قولهم: جاء بعد اللتيا والتى أى:
بعد الشدائد التى بلغت فظاعتها مبلغا يبهت السامع، فلا يدرى ما يقول.
السادس: أن يكون حذف جزء الجملة لغير ذلك، كقوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أى: ومن أنفق من بعده وقاتل، بدليل ما بعده، وإنما كان هذا جزء جملة؛ لأن الموصول وصلته فى حكم المفرد.
ومن هذا الباب أيضا حذف الموصول، كما قيل فى قوله تعالى: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (٦) وقول حسان رضى الله عنه:
стр. 593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (١)
على ما ذكره النحاة، وفيه نظر. ومنه حذف المضاف والمضاف إليه، كقوله:
وقد جعلتنى من جذيمة أصبعا (٢)
أى ذا مسافة إصبع، وكذلك مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (٣) أى حافر فرس الرسول، وحذف المضاف إليه فقط، نحو قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤) وكذلك كل ما قطع عن الإضافة مما وجبت إضافته معنى لا لفظا. وحذف الصلة، مثل: جاء من بعد اللتيا والتى، وهو كثير، وحذف المفعول تقدم، والجار والمجرور نحو قوله تعالى:
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً (٥) أى بسيئ وَآخَرَ سَيِّئاً أى: بصالح، ومن بعد أفعل التفضيل، كقولك: الله أكبر أى: من كل شئ قال الزمخشرى فى المفصل: أفعل التفضيل له معنيان:
أحدهما: أن يراد أنه زائد على المضاف إليه فى الخصلة التى هو وهم فيها شركاء.
والثانى: أن توجد مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا، ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليه، لكن لمجرد التخصيص، كما يضاف ما لا تفضيل فيه نحو قولك: الناقص والأشج أعدلا بنى مروان، كأنك قلت: عادلا بنى مروان. انتهى.
стр. 594
وإما جملة مسبّبة عن مذكور؛ نحو: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ (١) أى: فعل ما فعل، أو سبب لمذكور؛ نحو: فَانْفَجَرَتْ (٢) إن قدّر: فضربه بها خ خ، ويجوز أن يقدّر:
فإن ضربت بها فقد انفجرت خ خ،
ــ
فهذا يقتضى أنك إذا قلت: زيد أفضل، فقد قطع عن متعلقه قصدا لنفس الزيادة، كقولك: فلان يعطى ويمنع، فيكون كالفعل المتعدى إذا جعل قاصرا للمبالغة، فعلى هذا لا يكون ذلك إيجاز حذف، بل يكون إيجاز قصر. ويحتمل أن يريد أن تقديره: زيد أفضل من كل أحد. فالمبالغة فى تعميم المفضل عليه، فيكون حينئذ إيجاز حذف، كأحد تقديرى فلان يعطى ويمنع.
ص: (وإما جملة إلى آخره).
(ش): أى قد يكون الإيجاز بحذف جملة مسببة عن مذكور، كقوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أى فعل ما فعل، ويصح أن يقال فى مثله أيضا: إنها جملة سبب لمذكور، لأن الفعل سبب لحقية الحق وبطلان الباطل، وكل علة غائية يصح أن يقال عليها اسم السبب واسم المسبب؛ لأنها علة فى الأذهان معلول فى الأعيان، أو تكون الجملة سببا
لمذكور، نحو: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ قال المصنف: إن قدر فضربه بها فانفجرت، وطوى ذكر فضرب، هذا إشارة لسرعة الامتثال حتى إن أثره وهو الانفجار لم يتأخر عن الأمر، ثم قيل: فضرب كله محذوف. وقال ابن عصفور: حذف ضرب، وفاء فانفجرت، والفاء الباقية: فاء فضرب؛ ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه.
قال الشيخ أبو حيان: وفيه تكلف.
(قلت): لكنه أقرب إلى اللطيفة التى ذكرناها فى الحذف.
(قوله: ويجوز أن يقدر: فإن ضربت بها فقد انفجرت) هو تقدير جوزه الزمخشرى هنا، وفى قوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ (٣) وأمثاله، وفيه نظر من وجوه:
الأول - أن حذف أداة الشرط وفعله معا فى جوازه نظر، وقد تقدم الكلام عليه، حيث ذكره المصنف فى باب الإنشاء.
الثانى - أنه يلزم أن يكون جواب الشرط ماضيا لفظا ومعنى؛ لأن فقد انفجرت ماض لفظا ومعنى لأجل الفاء وقد، ولأجل قوله تعالى قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ
стр. 595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَشْرَبَهُمْ (١) وجواب الشرط لا يجوز أن يكون ماضى المعنى. ومن ذهب إلى جواز كون الجواب ماضى المعنى إنما هو حيث كان المعنى يلجئ إليه، والمعنى هنا على الاستقبال، لأن الانفجار يترتب على الضرب المستقبل بأداة الشرط.
وأما قول ابن مالك: إن فعل الجزاء قد يكون ماضى المعنى، مع كون فعل الشرط مستقبل المعنى، فقد تقدم أن ذلك مما لا يتعقل، إلا أن يريد أن الجواب محذوف، ويكون سمى المذكور جوابا مجازا لسده مسد الجواب. ثم إن الزمخشرى أورد هذا السؤال بعينه فى قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٢) وقال:
من حق الجزاء أن يتعقب الشرط، وهذا سابق. وأجاب بأن التقدير: وإن يكذبوك فتأس، فوضع: فقد كذبت، موضع: فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب - أعنى بالتكذيب عن التأسى - وهذه العبارة منه يحتمل أن يريد بها أن الجواب محذوف، وفيه نظر؛ لأن الجواب لا يحذف إذا كان فعل الشرط مضارعا. ويحتمل أن يريد أن: فقد كذبت ضمن
معنى تأس. وفيه نظر؛ لأن الفعل الماضى لا يستعمل فى الإنشاء إذا كان معه" قد" على ما يظهر لنا.
وعلى كل من التقديرين؛ لا يصح ذلك فى: فانفجرت؛ لأنه إن أراد أن الجواب محذوف، صار التقدير: إن ضربت فقد انفجرت. وهذا يمجه الطبع السليم؛ لأنه تقدير ما لا داعى إليه، ولا دليل عليه، وفيه حذف جملتى الشرط والجواب، وتكلف ما لا حاجة إليه. وإن أراد أنه حذف الشرط والفاء وقد، وبقى: فانفجرت.
وهذا الجواب لزم أن يكون الجواب ماضى المعنى، فإن قال: إن فقد انفجرت قام مقام: انفجرت، وضمن معناه، فليت شعرى كيف يجعل: انفجرت فى تقدير:
فقد انفجرت، ثم يضمن: قد انفجرت معنى: انفجرت الماضى لفظا، والمستقبل معنى؟! ونحن إذا وجدنا قد الصارفة للمضى، نحتاج أن نتكلف لها، وكيف نقدرها ثم نحتاج إلى الاعتذار عنها؟ فهذا كلام عجيب، إلا أن يكون الزمخشرى أراد تفسير معنى، لا تفسير صناعة، ويكون غير مريد لتقدير قد فيصح كلامه حينئذ.
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالث: أن المصنف بعد أسطر يسيرة فى الإيضاح أنكر أن يكون الجواب المصاحب لقد جوابا كما ستراه.
(تنبيه): قال الزمخشرى بعد تجويزه أن يكون التقدير: فانفجرت، أو فإن ضربت فقد انفجرت. وهى على هذا فاء فصيحة، لا تقع إلا فى كلام بليغ.
(قلت): والفاء الفصيحة هى الدالة على محذوف قبلها، هو سبب لما بعدها. سميت فصيحة؛ لإفصاحها عما قبلها. وقيل: لأنها تدل على فصاحة المتكلم بها، فوصفت بالفصاحة على الإسناد المجازى، ونسب الطيبى هذا إلى الحواشى المنسوبة إلى الزمخشرى. واختلفوا: هل شرط ذلك المحذوف ألا يكون شرطا، حتى تكون هى عاطفة لا جزائية أو لا؟ فاشترط الطيبى فيها ذلك، وقال: إن كلام صاحب المفتاح يشعر به، وأنه يعضده قول الزمخشرى: إنها لا تقع إلا فى كلام بليغ، وفاء الجزاء يكثر وقوعها فى الكلام العامى.
(قلت): ليس فى المفتاح ما يشعر بما ذكره، نهايته أنه ذكر أن التقدير: فضرب، وقال: إن الفاء فصيحة، ولم يذكر تقدير الشرط بالكلية، فضلا عن أن يقول: إنها تكون حينئذ فصيحة أو لا.
وقوله: أنه يعضده قوله: لا تقع إلا فى كلام بليغ فيه نظر؛ لأنها على التقديرين لا تقع إلا فى كلام بليغ، فالبلاغة فيه من جهة حذف جملة سابقة شرطية كانت، أو غيرها؛ والإشعار بأن المأمور لم يتوقف عن امتثال الأمر، فكان
المطلوب الانفجار لا الضرب. ثم قول الزمخشرى على هذا ظاهره العود إلى تقدير الشرط ولا حاجة إلى تأويله وإعادته إلى الأول. والأحسن أن يجعله عائدا إلى ما سبق من مطلق التقدير، ليصلح للتقديرين معا، فقد تبين أن الفاء هذه فصيحة على التقديرين، على ما تراه عاطفة فيها معنى السببية على القول الأول، جزائية على الثانى. وعلى ما قاله الطيبى فصيحة على الأول لا الثانى. ومما يدل لما قلناه من أن الزمخشرى، لم يشترط فى الفاء الفصيحة أن لا يكون المقدر قبلها شرطا، أنه قال فى قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (١): وفيه معنى الشرط، أى: إن صح هذا فقد
стр. 597
أو غيرهما (١)؛ نحو: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ على ما مر (٢).
وإما أكثر من جملة؛ نحو: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ (٣) أى: إلى يوسف؛ لأستعبره الرؤيا، ففعلوا وأتاه، فقال له: يا يوسف.
والحذف على وجهين: ألّا يقام شئ مقام المحذوف؛ كما مر، وأن يقام؛ نحو:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ (٤) أى: فلا تحزن واصبر.
ــ
كرهتموه، وهى الفاء الفصيحة. فهذا كالصريح فى أن الفاء الفصيحة، يجوز أن يقدر الشرط قبلها؛ لأن قوله: أى إن صح الظاهر، أنه يريد تقديرا لفظيا.
(قوله: أو غيرهما) أى أن يكون جملة غير سببية ولا مسببة، تحذف لمعنى من المعانى، كقوله سبحانه: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٥) أى: هم نحن على أحد القولين السابقين.
ص: (وإما أكثر إلى آخره).
(ش): وقد يكون المحذوف أكثر من جملة نحو: فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ التقدير: إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه فقال له .. وأمثلته كثيرة، فلا نطيل بذكرها.
(تنبيه): أذكر فيه - إن شاء الله تعالى - تقسيما لإيجاز الحذف، فنقول: المحذوف أقسام:
الأول: جزء كلمة، مثل: حذف النون فى:" لم يك" فإنها حذفت للتخفيف؛ وكالحذف فى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٦) حذفت الياء للتخفيف، ورعاية الفاصلة.
وحكى عن الأخفش: أن المؤرخ السدوسى سأله، فقال: لا أجيبك حتى تنام على بابى ليلة، ففعل، فقال له: إن عادة
العرب أنها إذا عدلت بالشئ عن معناه، نقصت حروفه. والليل لما كان لا يسرى، وإنما كان يسرى فيه، نقص منه حرف، كما فى قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٧) الأصل: بغية، فلما حول ونقل عن فاعل، نقص منه حرف. انتهى.
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورأيت الطيبى ذكر هذا الجواب من غير أن يذكر هذه الحكاية. ولك أن تجعل:
فعولا وفعيلا حيث كانا لمؤنث مطلقا، من باب الإيجاز.
الثانى: حذف كلمة أو أكثر، فهى إما اسم، أو فعل، أو حرف.
الأول: الاسم، فمنه حذف المبتدأ فقط، وحذف الخبر فقط، ومنه حذف المضاف، والمضافين والثلاثة، وحذف الصفة، وحذف الموصوف، وحذف المعطوف مع حرف العطف مثل: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ (١) وحذف الحال، مثل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ (٢) أى قائلين: سلام.
وحذف التمييز مثل: كم مررت؟ أى: كم ميلا؟ وحذف المستثنى، مثل: ليس إلا.
واختلفوا فى حذف المبدل منه، وخرج عليه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ (٣) وأما حذف الفعل فكثير، حيث دلت عليه قرينة. وحذف الحرف كثير أيضا، جوز جماعة حذف الواو العاطفة، وخرج عليه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٤) وهمزة الاستفهام تحذف كثيرا. وحذف الفاء فى جواب الشرط لا يجوز إلا ضرورة. وحذف لام الأمر جوزه بعضهم.
الثالث: الجمل، فيحذف جواب لولا نحو: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ (٥) وجواب لما نحو: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (٦) ويحذف الشرط بلو، نحو: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وجواب أما، نحو: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ (٧) وجواب إذا نحو: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا (٨). ومنها حذف القسم منها حذف جوابه، قال القاضى التنوخى: وكل ذى جواب
جوز حذف جوابه. ومنها:
باب الإغراء، وباب التحذير، وباب نعم وبئس، وباب التنازع والاختصاص، والنصب على المدح.
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(تنبيه): من تأمل ما سبق علم أن الإيجاز ليس من شرطه إمكان المساواة، فيكون جائزا، بل قد يكون واجبا بحيث لا يجوز خلافه. فهو حينئذ قسمان: قسم مفوض إلى المستعمل، وقسم هو من أصل الوضع، وهو أن يوضع الكلام على اقتصار وحذف مثل المبتدآت التى يجب حذفها، وغير ذلك مما هو واجب الحذف، كالعامل فى الإغراء والتحذير، وفى مصدر بدل من اللفظ بفعله، والخبر فى باب نعم وبئس على أحد الأقوال، وفى خبر المبتدأ بعد لولا غالبا وغير ذلك.
(تنبيه): واعلم أن الذى ذكر المصنف من تقسيم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف، وتقسيم تقليل اللفظ إلى إخلال وغيره، وتقسيم زيادته إلى تطويل وغيره، تبع فيه جميعه الرمانى. قال الرمانى: والإيجاز على ثلاثة أوجه: الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، والإيجاز باعتماد الغرض دون سعة، ومن الإيجاز بإظهار الفائدة ما يستحسن دون ما يستقبح. ثم قال: الإيجاز: تهذيب الكلام بما يحسن به البيان، والإيجاز: تصفية الألفاظ من الكدر، والإيجاز: إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير.
قال عبد اللطيف البغدادى فى قوانين البلاغة: إنه يوافقه فى المعنى لا فى اللفظ وقال: هى ستة أزواج متقابلة، البسط وهو يعبر بقول عما يمكن أن يعبر عنه باسم، أو بقول كثير الأجزاء عما يمكن أن يعبر عنه بقول قليلها، ويقابله القبض وهو عكس ذلك والاختصار وهو أن يقتصر من أشياء يقصد التعبير عنها، على ما إذا صرح بلفظ فهم به
الباقى. ويقابله: التطويل، وهو أن يصرح بجميع الألفاظ التى يلزم بعضها بعضا، أو يذكر بعضها ببعض، والإجمال: وهو أن يعبر عن الأشياء الكثيرة باسم جنسها، ويقابله التفصيل، وهو أن يذكر تلك الأشياء واحدا واحدا. والتكرير: إما بإعادة اللفظ بعينه، أو بلفظ مرادف للأول، أو يذكر مبسوطا مرة، ومقبوضا أخرى. أو يذكر مجملا مرة، ومفصلا أخرى. ويقابله الإفراد والإضمار أن يسكت عن أشياء اتكالا على أن السامع يأتى بها من قبل نفسه، ويضيفها إلى التى نطق بها القائل؛ لوضوحها أو لقرينة حالية. والفرق بينه وبين الاختصار: أن الذى ينبه على الشئ فى الاختصار، هو شئ من نفس القول، والمنبه فى الإضمار شئ من خارج، والتصريح عكسه.
والإيجاز: الاقتصار على المعانى الضرورية فى بلوغ الغرض، وعلى أقل ألفاظها الدالة عليها عددا. والتذييل: أن يضيف إلى المعانى الضرورية سائر الأشياء التابعة للتزيين والتفخيم.
стр. 600
وأدلته كثيرة:
منها: أن يدل العقل عليه، والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف؛ نحو:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (١).
ــ
ص: (وأدلته كثيرة إلى آخره).
(ش): لما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل، احتاج إلى ذكر أدلته؛ ليعلم أنه لا بد للحذف من أحدها. فإن قلت: قد قسم النحاة الحذف إلى حذف اقتصار، وحذف اختصار، وفسروا الحذف اقتصارا: بأن يحذف لا لدليل. فقد أثبتوا حذفا لا لدليل.
(قلت): هى عبارة مختلة أو اصطلاح لا مشاحة فيه، والحق أنه لا حذف فيه إذا ثبت ذلك، فالدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين. فمنها العقل إذا دل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه، بل يستفاد التعيين من دليل آخر، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة؛ لأن التحريم لا يضاف إلى الأجرام، فتعين حذف شئ. (قلت): وقد تقدم أنه ينقل عن الحنفية أنهم يرون أن التحريم والتحليل يضافان إلى الذوات، وأما تعيين ذلك المحذوف وأنه التناول، فاستفيد من دليل آخر، وهو أن التناول هو المقصود الأظهر، أى: الأغلب فى الميتة إرادة أكلها، وكذلك: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٢) فى إرادة النكاح، وهذا الذى قاله بناء على مذهب الجمهور. أما من جعله مجملا، فلا ظهور، ولا تعيين، إلا بدليل خارجى. وأما من قال: الميتة عبر بها عن أكلها، فلا حذف.
(قلت): وفيما قاله المصنف نظر من وجهين:
أحدهما: أن الدليل المسوغ للحذف لا بد أن يكون دليلا على تعيين المحذوف، إما لفظيا كالمعين، أو خارجيا كما فى المجمل، لا على أصل الحذف. فإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، فليس ذلك دليلا مسوغا للحذف، إلا لغرض الإبهام.
وإن أراد أن العقل دل على أصل الحذف، والظهور دل على تعيينه. فالدال حينئذ على المحذوف المعين، وهو الظهور فالأولى أن يقال: ظهور إرادة المحذوف دليل عليه. وتارة يجوز العقل مع ذلك إرادة المنطوق به، وتارة لا يجوز بأن يدل العقل على استحالة إرادته.