وهى (١) باعتبار الطرفين قسمان؛ لأنّ اجتماعهما فى شئ: إمّا ممكن؛ نحو:
(أحييناه) فى قوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٢) أى: ضالّا فهديناه، ولتسمّ وفاقيّة ...
ــ
أصبع تكلف لا حاجة له، وأما القرائن، فإن كان المراد استعارة الصاعقة للسيف، فالقرينة لذلك هى قوله:" من نصله" وذكر" السحائب" فإن السحائب ليس من شأنها أن تأتى بالصاعقة، ويكونان قرينتين متفاصلتين لا حقيقة ملتئمة منهما، وأما على أرؤس الأقران فليس قرينة لأن الصاعقة الحقيقية تنكفى على الرؤوس إلا أن يقال: معناه على رؤوسهم دون غيرهم، والصاعقة من شأنها أنها تقصم من واجهته، فإن سلمنا هذا فهى قرينة ثالثة منفصلة، وأما قوله:" ثم قال خمس" فظاهره أن ذكر هذا العدد قرينة، وليس كذلك؛ لأن هذا العدد ليس مصروفا أن ينسب إلى السحائب والخمس، وإن لم يكن لها خصوصية بالسحائب، وليس لها خصوصية فالمصروف معناها، بل القرينة ذكر السحائب، فينبغى أن يقال: ثم قال:" خمس سحائب" وحاصله أن القرينة هنا ليست حقيقة ملتئمة، وإن كان المراد استعارة السحائب للأصابع كما ذكره الطيبى، فالقرينة له ذكر الصاعقة، لأن السحائب الحقيقية لا تنكفى بها الصاعقة، وكذلك قوله:" من سيفه" فإن السحائب لا تنكفى بها السيوف، فهما قرينتان متفاصلتان.
الاستعارة باعتبار طرفيها قسمان: ص: (وهى باعتبار الطرفين قسمان إلخ).
(ش): الاستعارة تنقسم إلى أقسام، وانقسامها تارة يكون: بحسب اعتبار الطرفين أى طرفى التشبيه المضمر فى النفس، وهما المشبه والمشبه به وتارة باعتبار الجامع، وتارة باعتبار الثلاثة جميعا أى الطرفين، والجامع، وتارة باعتبار اللفظ، وتارة باعتبار أمر خارج عن جميع ذلك.
التقسيم الأول باعتبار الطرفين، فهى تنقسم باعتبارهما قسمين: أحدهما أن يكون اجتماعهما أى الطرفين فى شئ ممكنا كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أى ضالا فهديناه فالإحياء والهداية يمكن أن يجتمعا فى شئ (ولتسم وفاقية) أى تسمى الاستعارة إذا كان طرفاها يمكن اجتماعهما وفاقية؛ لتوافق طرفيها.
стр. 772
وإما ممتنع؛ كاستعارة اسم المعدوم للموجود؛ لعدم غنائه، ولتسمّ عناديّة، ومنها (١) التهكمية والتمليحيّة، وهما ما استعمل فى ضدّه أو نقيضه؛ لما مر؛ نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢).
ــ
الثانى أن يكون اجتماعهما فى شئ ممتنعا، والمراد به ما كان وضع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وان كانت موجودة؛ لخلوها مما هو ثمرتها، كاستعارة اسم المعدوم للموجود بواسطة عدم غنائه، أى نفعه فإن الموجود والمعدوم لا يجتمعان، وتسمى هذه الاستعارة عنادية، لتعاند طرفيها فى الاجتماع، وكان المصنف مستغنيا عن هذا المثال بأن يجعل: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ مثالا للوفاقية والعنادية، فإن" ميتا" الاستعارة فيه عنادية؛ لأنه شبه فيه الموجود الضال بالميت، والضلال والموت لا يجتمعان، لأن الضلال هو الكفر الذى شرطه الحياة؛ ولهذا مثل فى الإيضاح للعنادية بإطلاق الميت على الحى الجاهل (قوله:" ومنها") أى من العنادية التهكمية والتمليحية، وهما لفظ مستعمل فى ضده، أى ضد موضوعه، أو نقيضه كما مر فى التشبيه أن التشبيه قد ينتزع من نفس التضاد لاشتراك الضدين فيه، ثم ينزل منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم، فيقال للجبان:" ما أشبهه بالأسد" وللبخيل:" هو كحاتم" ونحو قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فالبشارة والإنذار لا يجتمعان فالاستعارة عنادية، ولك أن تقول: استعارة أحد النقيضين للآخر، لم يمثل له المصنف، وقد عطفه على استعارة اسم المعدوم للموجود، واستعارة المعدوم للموجود هو استعارة الوجود والعدم؛ لأن الاستعارة فيهما تبعية وهما نقيضان، إلا أن يقال: النقيضان هما الوجود وأن لا وجود، لا الوجود والعدم، فنقول حينئذ: إن ثبت ذلك، فليكن الوجود والعدم ضدين، وحاصله أن التهكمية والتمليحية إذا فسرنا بما ذكره لزم أن يكون كل استعارة عنادية كذلك، فينبغى أن يفسر التهكمية والتمليحية بما لا يجتمع طرفاه، ولم يقصد فيه تهكم ولا تمليح، وليعم أن إطلاق البشارة لا يكون إلا فى الخير عند الإطلاق، وإن كانت فى أصل اللغة لكل خبر تتغير له البشرة من خير وشر، فتكون حقيقة لغوية، ثم غلب استعمالها فى الخبر السار الصادق بالأول حتى صار استعمالها فى غيره مجازا، وما ذكره المصنف هو المشهور.
وقد أغرب الخفاجى، فقال فى سر الفصاحة: إن فبشرهم بعذاب أليم من مجاز المقابلة، لأنه لما ذكرت بالبشارة فى أهل الجنة ذكرت فى أهل النار، وقد تقدم النزاع معه فى ذلك عند الكلام فى مجاز المقابلة.
стр. 773
وباعتبار الجامع قسمان؛ لأنه: إما داخل فى مفهوم الطرفين؛ نحو: (كلّما سمع هيعة، طار إليها) (١)؛ فإن الجامع بين العدو والطيران: هو قطع المسافة بسرعة، وهو داخل فيهما؛ وإما غير داخل، كما مر (٢).
ــ
الاستعارة باعتبار الجامع قسمان: ص: (وباعتبار الجامع إلخ).
(ش): هذا هو التقسيم الثانى، وهو باعتبار الجامع بين المشبه، والمشبه به فقط، وذكر له بذلك الاعتبار تقسيمين وإليهما أشار بقوله: وهما قسمان وأشار إلى الأول بقوله:
لأنه أى لأن الجامع بين الشيئين لما داخل فى مفهوم الطرفين، يريد أن يكون الجامع أمرا أعم مما فى كل من الطرفين، فهو داخل فى مفهومهما، كتشبيه ثوب بآخر فى نوعهما، أو فى جنسهما، كما سبق قال: نحو:" كلما سمع هيعة طار إليها"، والذى فى صحيح مسلم من قوله ﷺ فى الغازى:" كلما سمع هيعة أو قرعة طار عليه" (٣) هذا لفظه، وعليه أى على الفرس فإن الجامع بين طار وعدا هو قطع المسافة بسرعة، وهو أمر موجود فى الطرفين اللذين هما العدو والطيران، لأنه أعم منهما. قال الجوهرى:
" والهيعة كل ما أفزعك من صوت أو فاحشة تشاع" قال الشاعر:
إن يسمعوا هيعة طاروا بها فرحا ... منّى وما سمعوا من صالح دفنوا (٤)
كذا فى الصحاح، والبيت لمعتب ورأيته فى شعره: إن يسمعوا ريبة.
(قوله:" أو غير داخل") عطفه على قوله:" داخل" يعنى أو لا يكون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين، بأن يكون وجه الشبه صفة على ما سبق، كتشبيه" زيد بالأسد" فى الشجاعة، والوجه المنير والوجه المتهلل بالشمس، فى قولك:" رأيت أسدا وشمسا" وقوله:" وأيضا" إشارة إلى التقسيم الثانى من نوعى تقسيم الاستعارة بحسب الجامع، وإنما لم يجعله من الأصل أربعة أقسام، لأن كلا من القسمين السابقين ينقسم
стр. 774
وأيضا: إمّا عاميّة، وهى المبتذلة؛ لظهور الجامع فيها؛ نحو: رأيت أسدا يرمى.
أو خاصّيّة، وهى الغريبة، والغرابة قد تكون فى نفس المشبّه؛ كقوله [من الكامل]:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر
وقد تحصل بتصرف فى العامّيّة؛ كما فى قوله [من الطويل]:
وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (١)
إذ أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى أو أعناقها، وأدخل الأعناق فى السير.
ــ
لكل من القسمين اللاحقين وعكسه (قوله:" إما عامية") أى الاستعارة تارة تكون عامية، أى منسوبة إلى العوام وهى المبتذلة، لكون الجامع فيها ظاهرا، نحو:" رأيت أسدا يرمى وبحرا يتكلم" وقد تقدم ذكر هذا فى التشبيه، ولعمرى لقد كان المصنف مستغنيا بذكر كثير مما هنالك عن كثير مما ههنا، وعكسه، فإن الاستعارة تشبيه فى المعنى وتارة تكون خاصة، أى لا تستعملها إلا جماعة خواص الناس، وهم أصحاب الأذهان السليمة، وهى الغريبة، لأنها لا يدركها إلا من ارتفع عن درجة العوام.
ثم الغرابة قد تكون من نفس الشبه، أى يكون التشبيه غريبا كما فى تشبيه هيئة العنان فى موقعة من قربوس بهيئة الثوب فى موقعة من ركبة المحتبى، كقول زيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا بأنه مؤدب:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر (٢)
والقربوس: بفتح القاف والراء، ولا يجوز تسكين الراء إلا ضرورة؛ لأن فعلولا ليس موجودا (وقد تحصل) أى الغرابة (بتصرف فى العامية) بأن يكون التشبيه مشهورا، ولكنه يذكر على وجه غير مشهور، كما فى قوله:
ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
فإنه استعمل:" سالت" بمعنى سارت بسرعة وسلاسة ولين، حتى كأنها سيل، وأصل تشبيه السير السريع بالسيل معروف، وإنما حسن التصرف فيه أفاد الغرابة، فإنه
стр. 775
وباعتبار الثلاثة (١) ستة أقسام؛ لأن الطرفين إن كانا حسيّين، فالجامع إمّا حسىّ؛ نحو: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا (٢)؛ فإنّ المستعار منه ولد البقرة؛ والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله تعالى من حلى القبط، والجامع لها الشكل؛ والجميع حسىّ.
ــ
أسند الفعل إلى الأباطح دون المطى وأعناقها والأنصار، أو وجوههم، حتى أفاد أن الأباطح امتلأت من الإبل. كذا قاله المصنف، وقد يقال: الكلام فى استعارة" سالت"" لسارت" وأما إسناد السيل إلى الأباطح فذلك مجاز آخر إسنادى، لا يتصل بتلك الاستعارة السابقة، وقول المصنف:" وأدخل الأعناق فى السير" يشير إلى أن الباء فى قوله:" بأعناق المطى" للتعدية، نعم قد تحصل الغرابة لإدخال الأعناق فى السير، لأن سرعة سير الإبل أكثر ما تظهر فى أعناقها. وقال فى الإيضاح: قد تحصل الغرابة بالجمع بين عدة استعارات؛ لإلحاق الشكل، بالشكل كقول امرئ القيس:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (٣)
أراد وصف الليل بالطول، فاستعار له صلبا يتمطى به، إذ كان كل صلب يطول عند التمطى، وبالغ بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على كل قلب ساهر لمكابدته، فاستعار له كلكلا ينوء به أى يثقل. قال عبد اللطيف البغدادى: ينبغى أن لا تبعد الاستعارة جدا، فتعزب عن الفهم، ولا تقرب جدا فتستبرد، وخير الأمور أوسطها. ص: (وباعتبار الثلاثة إلخ) (ش): أى الاستعارة باعتبار الثلاثة، وهى الطرفان والجامع ستة أقسام، وإنما كان باعتبارها، وإن كان التقسيم بالحقيقة للجامع، لأن اختلاف الجامع كان باعتبار ما للطرفين من حسى وغيره، والستة تشبيه محس شئ بمحس شئ بوجه حسى، أو عقلى، أو مختلف، أو عقلى بعقلى، أو مختلفان، والحسى المستعار منه أو عكسه، والثلاثة لا تكون إلا بوجه عقلى، لما سبق فى التشبيه، وعلل كونها ستة بما يتضمن ذكر التشبيه، فقال: لأن الطرفين إن كانا حسيين، فالجامع على أقسام.
الأول يكون حسيا مثاله قوله تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فإن المستعار منه حقيقة العجل، وهو ولد
البقرة، والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله - تعالى - من حلى القبط، والجامع الشكل، والجميع حسى. كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن
стр. 776
وإما عقلىّ؛ نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١)؛ فإنّ المستعار منه كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسّيّان، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر.
ــ
الجامع ليس مجرد الشكل بل الشكل والخوار إما كل منهما على انفراده أو مجموع الأمرين، ومثله قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (٢) فإن المستعار منه حركة الماء على الوجه المسمى موجا، والمستعار له حركة الإنس والجن أو يأجوج ومأجوج وهما حسيان والجامع ما يشاهد من شدة الحركة والاضطراب قال السكاكى:
ومنه قوله عز اسمه: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فالمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع بينهما هو الانبساط، والثلاثة حسية (قلت): مراد السكاكى: أن الشيب هنا استعارة بالكناية، استعير لفظ الشيب، والمراد النار، بعد ادعاء أن الشيب فرد من أفراد النار، ثم ذكر اشتعل استعارة تخييلية؛ لأن الاستعارة التخييلية، تقترن بالاستعارة بالكناية، وقد اعترض عليه المصنف بأن قال:" ليس ذلك مما نحن فيه؛ لأن فيه تشبيهين: تشبيه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته، وتشبيه انتشاره فى الشعر باشتعاله فى سرعة الانبساط مع تعذر تلافيه، والأول استعارة بالكناية، والجامع فى الثانى عقلى، وكلامنا فى غيرهما.
قلت: فيما قاله نظر، أما قوله:" ليس كلامنا فى الاستعارة بالكناية" فصحيح بالنسبة إلى المصنف، فإنه لم يتكلم فى الاستعارة بالكناية فى هذا الباب. أما السكاكى، فإنه ذكر جميع أقسام الاستعارة، ثم عقبها بتقسيم الاستعارة على الإطلاق إلى هذا التقسيم، فكلامه أعم من ذلك، نعم المصنف لا يصح منه هذا المثال؛ لأن الاستعارة بالكناية عنده مستعملة فى موضوعها حقيقة، فلا مدخل له فى هذا القسم، إذ الحقيقة ليس فيها مستعار ومستعار منه، وجامع، وأما قوله:" الجامع فى الثانى عقلى" فليس كذلك لأن الجامع فى الثانى مركب من عقلى وحسى، لأن الانبساط حسى، وتعذر التلافى عقلى، لا يقال: هذا لا ينجى السكاكى من الاعتراض، لأنه جعل الجامع حسيا، لأنا نقول: السكاكى لم يجعل تعذر التلافى جزءا من الجامع، بل قال: الجامع هو الانبساط. ورأى الطيبى (٣) فى الجواب عن
هذا السؤال أن التشبيه
стр. 777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هنا على سبيل التمثيل، وليس من شرط التمثيل رعاية جميع الألفاظ، بل أن يكون التشبيه منتزعا من عدة أمور متوهمة، سواء حصل ذلك من كلمة واحدة أم من كلمات، وقال: إنه على رأى الزمخشرى لا يكون فيه تشبيهان كما فى الإيضاح، بل ثلاثة:
تشبيه الشيب بالكناية، واشتعل بالتخييل والرأس - أيضا - فإنها كالحطب بالنسبة إلى النار وأشار إلى القسم الثانى بقوله: (وإما عقلى) أى تشبيه محسوس بوجه عقلى نحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١) فالمستعار منه كشط الجلد عن لحم الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان اللّيل، وهما حسيان، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أمر على آخر، أى على آخر يضاده ويعقبه، وقد يقال: الجامع خروج شئ من شئ. قال المصنف: وقيل: المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، وليس بسديد، لأنه لو كان كذلك لقال: فإذا هم مبصرون، ولما قال: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٢) أى داخلون فى الظلام.
قلت: عبارة السكاكى هى عبارة الإمام فخر الدين والزنجانى، وليس ما ذكره مراد السكاكى، بل مراده بظهور النهار من ظلمة الليل زوال النهار وبقاء الظلمة، غير أنه تجوز فى إطلاق ظهور النهار على زواله، وهذا يستعمل كثيرا، كما تقول: ظهر فلان من هذا المكان أى خرج منه وكتب عمر إلى أبى عبيدة رضى الله عنهما: أظهر من معك من المسلمين إلى الأرض أى اخرج بهم إلى ظاهرها والتحقيق أن ما أراده المصنف وما أراده السكاكى متعاكسان إلا أنهما راجعان لمعنى واحد فإن المصنف بنى على أن النهار والجلد ظرفان للظلمة ولحم الشاة فتقول: سلخت النهار عن الليل كما تقول: سلخت الجلد عن الشاة والسكاكى نبه على أن الظلمة ظرف للنور ألا ترى أنه قال: المستعار له ظهور النهار وظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته فلا بد أن تعتقد أنه أراد الظلمة ظرف للنور ليكون المسلوخ منه مشبها بالمسلوخ منه والمسلوخ مشبها بالمسلوخ ولكل من القولين مرجح أما كلام المصنف فيشهد له أمر أن أحدهما لفظى وهو أن كلام اللغويين يشهد أن المسلوخ هو الجلد
والمسلوخ عنه الشاة ونحوها والشاة وإن سميت مسلوخة فلاعتبار أنها مسلوخ عنها الجلد كذا
стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقتضيه كلام جماعة من اللغويين فلا يشك أن النهار هو المسلوخ لأنه مفعول نسلخ فليكن هو الظرف والثانى معنوى وهو أن الظلمة سابقة على النور لسبق الليل على النهار والطارئ على الشئ المستولى عليه هو الجدير بالظرف وأيضا فإن النور هو المنكشف قال الفراء: الأصل الظلمة والنهار طار عليها وهو الذى يشهد له أصول علم الهيئة من أن مخروط النور الحاصل من وقوع شعاع الشمس على وجه الأرض وانعكاسه محيط بمخروط ظل الأرض إحاطة الجلد الأسود بالمسلوخ، فإذا زال ضوء الشمس عن وجه الأفق بواسطة (١) مخروط الظل إليه فهو زمان الليل، وأما كلام السكاكى فيرجحه قوله تعالى:
" منه" فإن الجلد وإن كان مسلوخا، والشاة مسلوخ عنها إلا أن الشاة مسلوخة من الجلد فحينئذ إن حملناه على الأول لزم تأويل" من" فيه بمعنى عن وتكون للمجاوزة كما قيل فى قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (٢) أى" عن" تأويل" نسلخ"" ينخرج" ويشهد له قول الواحدى فى الآية:" نسلخ" نخرج منه النهار إخراجا، وكذلك قال الرمانى، وبالجملة ما ذكره المصنف أقرب، والقولان مجتمعان على أن المراد زوال النور ووجود الظلمة بغروب الشمس. قال السكاكى: إنما أراد بظهور النور خروجه وزواله بالكلية بالغروب، فلا يبقى سوى الظلمة قال الشيرازى:" السلخ" يستعمل بمعنى النزع، تقول: سلخت الإهاب عن الشاة، أى نزعته عنها، ويستعمل بمعنى الإخراج تقول: سلخت الشاة من الإهاب، فهما صحيحان، وتقدير الآية على الأول نزعنا النهار، وكان كاللباس فصار ليلا، فإذا هم داخلون فى الظلام على الفور، كما هو موضوع الفاء، وتقديرها على الثانى أخرجنا النهار من الليل فلم يبق شئ من الليل، وذلك بطلوع الشمس، ثم أورد على نفسه أنه لو كان كذلك لما قال - تعالى -: فإذا هم مظلمون، والفاء للتعقيب، وأجاب بأن الفاء قد تستعمل لمجرد الترتيب، فالمراد فإذا هم مظلمون بعد انقضاء النهار، ولما كان النهار المتوسط بينهما يزول قطعا جعل كالزائل واستعملت" الفاء" و" إذا" الفجائية. قال: ولا تستقيم إذا الفجائية إلا إذا كان السلخ بمعنى الإخراج، إذ لا
стр. 779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يستقيم أن تقول:" نزعت ضوء الشمس ففاجأ الظلام" كما لا يقال:" كسرت الكوز ففاجأ الانكسار" بخلاف قولك:" أخرجت النهار من الليل ففاجأ الليل" قلت: ما ذكره من أنه لا يقال:" غابت الشمس فإذا الظلام ممنوع" وقد قال - تعالى -: حَتَّى إِذا جاؤُها (١) بعد قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً (٢) وإن كان مجيئهم عقب سوقها إليها، والذى ألجأ الشيرازى إلى هذا التكلف أنه ظن أن ظهور النور من الظلمة لا يكون إلا ببقاء النور ظاهرا وطلوع الشمس. وليس كذلك فإنما يريد السكاكى بخروج النور وظهوره خروجه عن الأفق، فلا يبقى منه شئ عند غروب الشمس وزوال الشعاع والله أعلم.
بقى على الجميع اعتراض، وهو أن قولهم: إن الطرفين حسيان والجامع عقلى ممنوع، يحتمل أن يقال: إن ترتيب أمر من هذين على الآخر حسى، فإن خروج الجلد وانصراف النهار وظهور الظلمة والشاة كله محسوس مشاهد فهو حسى، ويمكن أن يقال: كشف الضوء وهو إزالته غير محسوس بل متعقل وإنما المحسوس الضوء نفسه.
وقد يجاب عنه بأن إزالة النور هو إغابة الشمس وهو مشاهد وبروز الظلمة مشاهد، وذلك ترتيب لا ترتب، والجامع ليس ذلك بل هو الترتب، فالترتيب حسى والترتب الذى هو أثره عقلى، وكذلك كشف النور عن الظلمة حسى، وانكشافه المرتب على الكشف عقلى، لكن هذا التحقيق يجر إلى فساد أن يكون الترتيب وهو الجامع، ويقتضى أن يكون الجامع هو ترتب شئ على آخر فحينئذ يصح الاعتراض، ويرجع حاصله إلى أن الجامع ليس الترتيب بل الترتب والترتب حسى، ومثل السكاكى استعارة ما طرفاه حسيان ووجه عقلى بقوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٣) فالمستعار له الريح، والمستعار منه المرأة، والجامع المنع عن ظهور النتيجة والأثر، فالطرفان حسيان والجامع عقلى. قال المصنف: فيه نظر، لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها، ولذلك جعله صفة للريح لا اسما، كأنه يريد أن العقيم هو المستعار منه، وهو صفة فهو عقلى، وقد تقدم لنا فى باب التشبيه الكلام على المستعار من اسم الفاعل ونحوه وأنهم عدوها عقلية، وإن كانت واقعة على ذات كقوله:
стр. 780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخو العلم حىّ خالد بعد موته (١)
وكلام المصنف واعتراضه ماش على هذا لأن العقيم صفة لا ذات وقد تقدم منا الاعتراض على ذلك بأن قولنا:" أخو العلم حى" معناه رجل حى فى صفة جارية على ذات محسوسة وتلك الذات هى المشبه به، فيكون المشبه به محسوسا، وهذا السؤال جار بعينه هنا، وفيه تأييد لما يقوله السكاكى، بل عقيم أقرب إلى أن يكون محسوسا من نحو الحى والعالم، لأن الحى مدلوله شئ له الحياة لا يدل على خصوص جسم أو غيره، وعقيم ليس مدلوله على ما ذكروه شيئا له العقم بل هو خاص بالعقيم عن الولادة، فمدلوله إنسان له العقم، فقد يقال: إنه من هذه الحيثية أقرب للدلالة على الذات، فيصح ما زعمه السكاكى ويصح بذلك قوله: المستعار له المرء، إما لأن العقيم يفيد ذلك، وإما لأنه ليس المشبه به على التحقيق، بل المشبه به المرء العقيم، والمعنى: إذ أرسلنا عليهم الريح المشبه للمرء العقيم.
واعلم أن هذا المكان أشكل على الشيرازى فمن بعده حتى قالوا: إن هذا عند السكاكى استعارة له بالكناية، فإنه ذكر المشبه وهو الريح، ولم يذكر المشبه به وهو المرء، بل ذكرت صفته وهو العقيم، وهو غلط، فإن الاستعارة بالكناية أن يراد بالمشبه المشبه به لادعاء أنه فرد من أفراد المشبه به كما تريد بالمنية السبع لادعاء أن المنية فرد من أفراد السباع، تثبت بذلك اغتيالها الذى هو صفة جنس السباع، وهذا المعنى لا يتأتى هنا لأنه ليس الغرض إثبات أن الريح فرد من جنس النساء فإن ثبوت ذلك للريح لا يفيد أنها عقيم لأن العقيم ليست صفة ثابتة للنساء مطلقا، ولا غالبا والذى أوقعهم فى ذلك قول السكاكى: إن المشبه به المرء، وهو لا يريد أن المشبه غير مذكور، بل يريد أن المشبه به المرء المستعار من لفظ العقيم على ما سبق فليتأمل، ثم قال المصنف: الحق أن المستعار منه ما فى المرأة من الصفة التى تمنع الحمل، المستعار له ما فى الريح من الصفة المانعة من إنشاء المطر وإلقاح الشجر والجامع لهما ما ذكر وهو المنع من ظهور الشجر اه. وفيه نظر؛ لأن المستعار منه وهو اللفظ المجازى المسمى بالاستعارة وهو هنا لفظ عقيم فكيف يجعل المستعار له الصفة وهى لم تذكر، والاستعارة عبارة
стр. 781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ذكر أحد طرفى التشبيه، وقال بعضهم: المشبه والمشبه به ههنا الريح، والمرأة وهما حسيان، والاستعارة هنا مكنية لكون المذكور هو المشبه، وهو الريح دون المشبه به، وهو المرأة، والعقيم استعارة تخييلية.
واعلم أن جميع ما تقدم هو مبنى على أن استعمال عقيم فى الريح مجاز، وقد قال الجوهرى: يقال:" رجل عقيم وريح عقيم لا تلقح سحابا ولا شجرا فيحتمل أن يكون العقم للريح حقيقة وقال الراغب: أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر، يقال:" ريح عقيم" يصح أن يكون بمعنى فاعل، وهى التى لا تلقح سحابا ولا شجرا، ويصح أن تكون بمعنى المفعول، كالعجوز العقيم وهى التى لا تقبل أثر الخير، وإذا لم تقبل ولم تتأثر لم تعط ولم تؤثر، ومثل السكاكى أيضا لما نحن فيه بقوله تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (١) قال: فالمستعار له الأرض المزخرفة والمستعار منه النبات وهما حسيان، والجامع الهلاك وهو أمر عقلى قال الشيرازى: وغيره يريد أن الاستعارة هنا بالكناية لكون المشبه مذكورا دون المشبه به بقرينة، وهو الحصد. وفيه نظر، لجواز أن يكون استعارة تحقيقية مصرحا بها بأن يراد بالأرض حقيقتها، وقوله:
" حصيدا" أى نباتا حصيدا فالمشبه به فى الحكم المذكور لأن حصيدا صفته التقدير:
فجعلناها نباتا وقوله: حصيدا ولا شك أنك إذا قلت: زيد كالراقم على الماء وطرفا التشبيه مذكوران لأن تقديره: كالشخص الراقم، لا يرتاب فى ذلك، ثم إن الزمخشرى قال: التقدير: فجعلنا زرعها حصيدا، مشبه بما يحصد من الزرع، وكأن لم يغن زرعها، على حذف المضاف فى هذه المواضع لا بد منه، وإلا لم يستقم المعنى اه. وهذا يقتضى أنه لا يرى أن هذا استعارة بالكلية، ثم قول السكاكى: إن الهلاك عقلى. فيه نظر، لأن المراد به فى جانب النبات الحصد هو حسى وفى جانب الأرض زوالها وهو حسى، وإلا فأى فرق بين ذاك وبين كشف الضوء عن الظلمة، وكشف الجلد عن الشاة، وكل منهما زوال شئ، وقد جعلهما حسيين، وإن قال: إن الحسى إنما هو الإهلاك لا الهلاك، كما أن الكشف والانكشاف عقلى. قلنا: مسلم، ولكن لا تسلم أن الجامع الهلاك بل هو الإهلاك، لأنه مدلول فجعلناها حصيدا.
стр. 782
وإما مختلف؛ كقولك: رأيت شمسا وأنت تريد إنسانا كالشمس فى حسن الطلعة، ونباهة الشأن.
وإلا (١) فهما إمّا عقليان؛ نحو: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا (٢)؛ فإنّ المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل؛ والجميع عقلىّ.
ــ
(مجئ الجامع مختلفا): ص: (وإما مختلف إلخ).
(ش): هذا هو القسم الثالث، وهو أن يكون الطرفان حسيين والجامع مختلف فبعضه حسى وبعضه عقلى، كقولك:" رأيت شمسا" نريد إنسانا كالشمس فى حسن الطلعة ونباهة الشأن، والإنسان والشمس وحسن الطلعة حسيات، ونباهة الشأن عقلى.
قال المصنف: وأهمل السكاكى هذا القسم، وأجاب عنه بعض الشارحين: بأنه لم يهمله لأن التقسيم إلى حسى وعقلى منفصلة مانعة الخلو فهى تصدق بكل منهما وبمجموعهما فإنها ليست مانعة الجمع. (قلت): والتحقيق أنه إن أريد بالجامع المختلف، أنهما جامعان مستقلان، فهذا القسم داخل فى كلام السكاكى، وأدل دليل على المصنف أنه صنع ما صنع السكاكى فيما سيأتى، فإنه قسم الاستعارة إلى ثلاثة أقسام: مطلقة، ومرشحة، ومجردة، ولم يجعل منها رابعا، وهو مجردة مرشحة، لكن قال: بعد الثلاثة قد يجتمع الترشيح والتجريد فهذا نظير ما صنعه السكاكى فى كونه لم يجعل القسمة رباعية، فإما أن يفسد المصنف الآتى، أو يكون السكاكى لا حاجة به إلى ذكر هذا القسم وإن أريد أنه جامع واحد مركب من أمرين حسى وعقلى فلم يدخل، إذ لا يصدق عليه أنه حسى، ولا أنه عقلى، والظاهر أن المراد الأول؛ لأن حسن الطلعة، ونباهة الشأن جامعان لم يقصد منهما التئام حقيقة واحدة (قوله: و" إلا") إشارة إلى القسم الرابع، أى وإن لم يكن الطرفان حسيين فهما عقليان نحو قوله تعالى: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فإن المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل، والثلاثة عقلية، وقد يقال: المرقد اسم مكان الرقاد كالمضجع فيكون مستعارا للممات موضع الموت إن كان يطلق عليه، أو للمصدر، فعلى الأول يكون استعارة محسوس لمحسوس بجامع عقلى، ومثل السكاكى لهذا القسم بقوله تعالى:
стр. 783
وإمّا مختلفان، والحسى هو المستعار منه، نحو: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (١)؛ فإنّ المستعار منه كسر الزجاجة، وهو حسىّ، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثير؛ وهما عقليان، ...
ــ
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢) فالمستعار منه القدوم، والمستعار له الأخذ فى الجزاء بعد
الإمهال، والجامع وقوع المدة فى البين. وفيه نظر، لأن قدوم المسافر حسى، وكون قدومه بعد مدة لا ينفى أن يكون حسيا بقيد عقلى، وكذلك مثل بقوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣) استعير نفرغ لنجازى، وهما عقليان، وقد يقال: الفراغ من شغل البدن حسى (قوله: وإما مختلفان) إشارة إلى القسم الخامس، وهو استعارة محسوس لمعقول، كقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فإن المستعار منه كسر الزجاجة وهو حسى. كذا قال المصنف، وفى قوله: إن الصدع كسر الزجاجة نظر، فإن الصدع فى اللغة هو الشق، سواء أكان للزجاجة أم غيرها، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثير وهما عقليان، كأنه قال: أبن الأمر إبانة لا تنمحى، كما لا يلتئم صدع الزجاجة، كذا قالوه، وفيه نظر، لأن التبليغ حسى يدرك بحاسة السمع فهما على هذه حسيان، ولو أن المصنف قال: المستعار له إظهار الدين لكان أقرب، فإن الإظهار قد يكون بطريق حسى، أو بطريق عقلى. قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر أى أظهر دينك، ثم إن الآية لم يرد بها مطلق التبليغ، بل التبليغ جهارا، ومطلق التبليغ كان واقعا قبل نزول الآية، والتأثير فى الزجاجة حسى، وفى التبليغ عقلى، فالجامع بعضه حسى، وبعضه عقلى. والسكاكى أخذ فى التبليغ قيد بذل الإمكان وهو قيد عقلى، فهو أقرب من كلام المصنف.
ومنه قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ (٤) أى جعلت كالقبة المضروبة عليهم، أو ملصقة بهم، حتى أنها صارت منهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فالمستعار منه: إما ضرب القبة على الشخص، أو ضرب الطين على الحائط، والمستعار له حالهم مع الذلة، والجامع الإحاطة أو اللزوم، وهما عقليان، وقد يعترض على هذا بأن بعض أهل اللغة وهو صاحب إيراد المقاييس ذكر أن الصدع الإظهار فعلى هذا يكون" اصدع" فى الآية الكريمة حقيقة.
стр. 784
وإمّا عكس ذلك؛ نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١)؛ فإن المستعار له كثرة الماء؛ وهو حسىّ، والمستعار منه التكبّر، والجامع الاستعلاء المفرط؛ وهما عقليان.
وباعتبار اللفظ قسمان؛ لأنه إن كان اسم جنس فأصليّة؛ كأسد وقتل، وإلا فتبعيّة (٢)؛ كالفعل، وما اشتقّ منه،
والحرف: ...
ــ
(قوله: وإما عكس ذلك) إشارة إلى القسم السادس، وهو أن يكونا مختلفين، والحسى مستعار له، والعقلى مستعار منه، كقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ فالمستعار له كثرة الماء، وهو حسى، والمستعار منه التكبر، فإن الطغيان حقيقة فى التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط، وهما عقليان، وفى إطلاق أن الجامع عقلى نظر، لأن استعلاء الماء حسى، واستعلاء التكبر عقلى، وقد مثل السكاكى وابن مالك فى المصباح لهذا القسم بقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ (٣) وهو وهم، لأنه استعارة محسوس لمعقول على العكس مما ذكروه، فإن النبذ حسى والتعرض للغفلة عقلى.
الاستعارة باعتبار اللفظ قسمان: ص: (وباعتبار اللفظ قسمان إلخ).
(ش): الاستعارة تنقسم باعتبار اللفظ قسمين: أصلية، وتبعية. فالأصلية ما كان التجوز به بطريق الأصالة، والتبعية ما كان التجوز به تبعا. وضابطه أن لفظ الاستعارة إن كان اسم جنس فهى أصلية وإلا فتبعية، والمراد باسم الجنس ما وضع للذات إما للأعيان" كأسد، ورجل" أو للمعانى" كالقيام والقعود" وإنما كانت الاستعارة أصلية لأسماء الأجناس لأنها تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا بمشاركته للمشبه به فى وجه، فلا بد أن يكون المشبه به أيضا موصوفا، لأن المشاركة تستدعى شيئا من الطرفين. قال المصنف: وإنما يصلح للموصوفية الحقائق، كقولك:" جسم أبيض" و" بياض صاف" دون معانى الأفعال والصفات المشتقة منها والحروف. فإن قلت: فقد قيل فى نحو:" شجاع باسل"، و" جواد فياض"، و" عالم نحرير" أن باسلا وصف لشجاع، وفياضا وصف لجواد، ونحريرا وصف لعالم. قلت: ذلك متأول بأن
стр. 785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثوانى لا تقع صفات إلا لما يكون موصوفا بالأول انتهى كلام المصنف وهو معنى كلام المفتاح، إلا أنه لم يقل: إنما يصلح للموصوفية الحقائق، بل قال: الأصل فى الموصوفية هى الحقائق، وإنما قلنا: الأصل ولم نقل: لا يعقل الوصف إلا للحقيقة قصرا للمسافة حيث يقولون فى نحو: شجاع باسل، وذكر السؤال والجواب، ووافقهما
الخطيبى وزاد أن قال: لأن معنى الموصوفية كون الشئ قائما به غيره، ومعنى الوصفية كون الشئ قائما بغيره، فالأصل فى الموصوف أن يكون جوهرا، وفى الصفة أن تكون عرضا (قلت):
قولهم: إن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا، مسلم، لكن ليس من شرط التشبيه أن يكون المشبه موصوفا بوصف قائم به، بل أن يصح وصفه بأمر داخل فيه أو خارج عنه حقيقى أو إضافى. وقوله: إنما يصلح للوصفية الحقائق إن أراد قيام الصفة بالموصوف، فمسلم، بل لا يكون ذلك إلا للجواهر، فيلزم أن لا يتجوز بأسماء الأجناس الموضوعة للمعانى، كالعلم والجهل، لأنها لا تقوم بها الصفات، فإن العرض لا يقوم بالعرض عند الجمهور، وإن أراد الصفة المحتاج لها فى التشبيه فتلك لا يشترط فيها ما ذكره. ثم قوله:" إن الوصف إنما يكون للحقائق" يقال عليه: مسلم ذلك، ولكن ما الذى صرف الصفات المشتقة عن أن تكون حقائق، ومدلولها ليس هو الصفة، بل الذات باعتبار الصفة؟ قال ابن الحاجب فى النحو: الصفة ما دل على ذات باعتبار معنى هو المقصود، وقال فى مختصره فى الأصول: الأسود ونحوه من المشتق يدل على ذات متصفة بسواد. وقال الإمام فى المحصول فى باب الاشتقاق: مدلول المشتق مركب، والمشتق منه مفرد. وقال البيضاوى: المشتق ما دل على صفة، فلا شك أن مدلول الضارب ذات متصفة بضرب، واعتبار الوصف فى مدلوله أو اعتبار الزمان لا ينفى كون مدلوله الذات، كما أن اعتبار الناطق فى مدلول الإنسان قيدا فى كونه حيوانا لا ينفى كونه اسما لذات، لا يقال: المراد بالحقائق الذوات المتقررة فيها غير ثابتة، لأنا نقول: الذات بقيد الضرب المسماة بالضارب حقيقة متقررة فى الذهن لا يقال فيها: غير ثابتة، إنما الضرب إذا أخذ صفة للإنسان هو الذى يقال فيه: صفة غير ثابتة فلقائل أن يقول: كل كلى يدخله المجاز، وأطبق الأصوليون على قولهم: اسم الجنس إذا دخلته الألف واللام هل يعم؟ واسم الجنس كلى وغير ذلك لا يريدون به اسم الجنس المصطلح عليه فى العربية بل
стр. 786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكلى مشتقا كان أم غيره، وليت شعرى إذا كان الرجل اسم جنس يصح أن يوصف، والضرب القائم به اسم جنس يصح أن يوصف، فالمتركب منهما وهو ضارب ما منعه من أن يوصف، فيستعار منه بحسب المعنى المتركب منهما، أو بحسب أحدهما.
واعلم أن الصفة فى المعنى غير الصفة فى اللفظ فأنت إذا قلت: مررت بزيد القائم، فصفة زيد التى تضمنها كلامك فى المعنى هى القيام، وصفته فى اللفظ هى لفظ قائم، وإنما أتينا باسم الفاعل؛ لعدم إمكان وصف الذات بالمصدر، إذ لا يصح أن تقول: مررت بزيد القيام، فاحتجنا إلى الإتيان بالاسم الدال على الذات باعتبار الصفة، وكما أن الصفة
لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بموصوفها، كذلك الصفة فى اللفظ لا يمكن إجراؤها على موصوفها إلا بذكر ما يدل على ذاتها، وإذا تقرر هذا فالحقيقة والمجاز قد علمت أنهما لفظان، فالمحكوم بكونه مجازا إنما هو اللفظ، وكون المقصود إنما هو الصفة لا يقضى بأن اللفظ لم يستعمل مدلوله أصالة لغيره، فقد وضح بذلك استشكال ما ذكروه من أن المشتق ليس مجازا بالأصالة، ولم يبق إلا أن يقال:" الناطق" مثلا إذا كان مشتقا من النطق فلا بد أن يكون فرعا له؛ لأن المشتق فرع المشتق منه. ولا بد أن يكون مشتقا من النطق الحقيقى، لأن المشتق شرطه أن يوافق أصله بالمعنى والحروف، فتعين أن يكون مشتقا من نطق مجازى؛ لتكون استعارته تبعية بهذا الاعتبار، وقد يعترض على هذا بمنع اشتمال المشتق على جميع معنى المشتق منه، بل يكون فيه شئ من معناه، وقد يكون بين الضارب المجازى والضارب الحقيقى اشتقاق فى جزء المعنى بقى أن يقال:
إذا كان مدلول المشتق مركبا فالتجوز فيه يكون باعتبار الصفة فقط، كما إذا أردت أن تكون الصفة التى اشتق الاسم منها هى الجامع وهذا هو الذى يبتدر إليه الذهن، لأنك إذا شبهت" زيدا" بالقائم" فالظاهر أن تشبهه به فى القيام، لأن ترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، فإن كان المصنف يعنى بكون الاستعارة فيه تبعية أن المقصود إنما هو الصفة فى الغالب، فنحن نسلم ذلك، وقد يكون التشبيه باعتبار الذات والصفة معا فيكونان مقصودين بأن يجعل الجامع تلك الصفة، وأمرا آخر يشتركان فيه من جنس، أو نوع، أو غير ذلك على ما سبق فى التشبيه، ويحتمل أن يكون الجامع هو أمر ذاتى فقط، ولا ينظر إلى الصفة وجواز هذا بعيد، ولا يكاد يقع وقد يكون التشبيه فى المشتقات، والاستعارة فيها بحسب الزمان،
стр. 787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كإطلاق الضارب على من وقع منه ضرب ماض، لا باعتبار إطلاقه عليه لأنه كان عليه، فإن ذلك مجاز مرسل، بل باعتبار تشبيه حالته بعد الضرب بحالته ضاربا، فهو استعارة باعتبار الصفة. وأما قولهم فى:" جواد فياض" أن فياضا صفة لجواد، فالجواب عنه صحيح. إنما القول بأن فياضا صفة جواد، هو أحد القولين. وقيل: إنهما صفتان للجامد قبلهما. وعلى القولين فليس مما نحن فيه، لأن ذلك فى الصفة النحوية، وكلامنا فى الصفة المعنوية. وأما تقرير الخطيبى لما قاله المصنف وأتباعه بقوله: لأن الموصوفية للجوهر لا للعرض فكلام عجيب، لأنه يقتضى أن لا يتجوز بأسماء الأجناس الموضوعة للمعانى، وقد مثل هو بها قبل ذلك فى هذا الكلام، والمصنف والسكاكى لم يقولا: إنما تكون للجوهر، وإنما قالا: إنما تكون للحقائق، والحقائق أعم من الجواهر والأعراض.
وقول المصنف:" نحرير" و" باسل" لا يصح أن يكون مثالا للمشتق من الاستعارة؛ لأن باسلا معناه شجاع ليس
حقيقة فى" الأسد" حتى يستعار لغيره، والظاهر أن نحريرا حقيقة قال الجوهرى: النحرير، العالم، ثم يرد على الجميع علم الجنس، فإنه يتجوز به قطعا، وكذلك يرد عليهم الأسماء التى أصلها صفات، واستعملت استعمال الأسماء، فإنها لا إشكال أن الاستعارة فيها أصلية حتى إن منها ما لا يحتاج إلى تقدير موصوف قبله، بل يباشر العوامل بنفسه، كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (١) فإن الجوارى هنا لا تحتاج لموصوف قبلها، كما صرحوا به، فإذا سلمت ما ذكرناه فانقل منه إلى الأفعال والحروف ما يمكن نقله، وبالجملة نحن ماشون على ما ذكره الأئمة (قوله: وإلا) أى وإن لم يكن اسم جنس، يعنى والفرض أنها استعارة حتى لا يرد عليه الأعلام، فإنها ليست مجازات.
الاستعارات الواقعة ضمائر أو أسماء إشارات: واعلم أن الاستعارات الواقعة ضمائر، أو أسماء إشارات لها حكم ما يطابقه من مفسر إن كانت ضمائر ومشار إليه إن كانت أسماء إشارة، والظاهر أنها كلها داخلة فى التبعية، فإن الاستعارة فيها باعتبار الاستعارة فيما ترجع إليه، أو يقال: إنها لا يتجوز بها، فإن وضعها أن تعود على ما يراد بها من حقيقة ومجاز، فإذا قلت:" رأيت
стр. 788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أسدا يرمى فأكرمته" فضمير المفعول حقيقة لعوده على مفسره، وذلك وضعه. وإذا قلت:
" يأيها الأسد الرامى بالنبل" مشيرا إلى الإنسان، فالضمير فى قولك: الرامى حقيقة (قوله: كالفعل) يشير إلى أن الأفعال استعارتها تبعية، فإنها إنما تستعار باعتبار استعارة المصدر، فإذا قلت:" نطق الحال" فقد استعرت أولا النطق للدلالة، ثم أطلقت نطقت، فالمشبه الدلالة، والمشبه به النطق، والجامع حصول الفائدة. ويرد عليه ما سبق من أن المجاز لفظ المصدر الذى هو النطق، ولم يلفظ به حتى يكون هو المستعار أولا، ثم اشتق منه النطق، وجوابه أنه المستعار أولا تقديرا لا تحقيقا، ثم يلزم أن يكون نطق الفعل الملفوظ به مستعارا من النطق المجازى. والغزالى فى طائفة من الأصوليين يقولون:
إن المجاز لا يشتق منه، ومراد المصنف استعارة الفعل بحسب مصدره، ولا شك أن الفعل يدل على حدث وزمان، ودلالته على كل منهما بالتضمن، وعلى مجموعهما بالمطابقة وقيل: يدل على الحدث بالمطابقة، وعلى الزمان بالالتزام وقيل: يدل على كل منهما بالمطابقة كالمشترك. وفيه مباحث ذكرناها فى شرح المختصر. فالفعل إذا
تجوز به تارة يتغير حدثه فقط مثل:" نطقت الحال" بمعنى دلت، وهو الذى ذكره المصنف، وليس اللفظ فيه مستعملا فى غير موضوع بالكلية (؟) فى بعض مدلوله وهو الزمان، وغير مدلوله وهو الحدث، وتارة يتغير زمانه فقط، كقولك:" أتى زيد" بمعنى أنه يأتى، فالمصدر لم يتجوز به، بل تجوز بالتعبير بالماضى عن المستقبل، وهذا أشبه بالمجاز المرسل، وقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ (١) يحتمل أن يكون المراد قارب الإتيان، أو أتت مقدماته، فيكون من تحويل المصدر. ويحتمل أن يكون المراد يأتى، فيكون من تحويل الزمان، وتارة يقصد تحويل مدلولى الفعل، فتقول:" نطقت الحال" بمعنى أنها ستدل، فهو دائر بين الاستعارة والمرسل بحسب مدلوليه. (قوله: ما يشتق منه) يشير إلى الصفات" كالناطق" فهو مستعار للدالّ، وكقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٢)، وقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٣) فالمستعار فى الأصل هو المصدر. وما قاله ضعيف، فإن الصحيح أن الصفات مشتقة من المصدر لا من الفعل وقد تقدم الكلام على كون استعارة المشتقات تبعية وقوله: و" الحروف" يشير إلى أن
стр. 789
فالتشبيه فى الأولين (١) لمعنى المصدر، وفى الثالث (٢) لمتعلّق معناه (٣)؛ كالمجرور فى:
(زيد فى نعمة)؛ فيقدّر فى: (نطقت الحال) و: (الحال ناطقة بكذا): للدّلالة بالنّطق، وفى لام التعليل؛ نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٤): للعداوة والحزن بعد الالتقاط، بعلّته الغائية.
ــ
استعارة الحروف تبعية. قال السكاكى: الاستعارة تقع فى متعلقات معانيها ثم يسرى فيها، وأعنى بمتعلقات معانيها ما يعبر عنها عند تفسيرها، كقولنا:" من" لابتداء الغاية، فليس الابتداء معناها، إذ لو كان معناها لكانت اسما، وإنما هى متعلقات معانيها، فإذا أفادت هذه الحروف معانى رجعت إلى هذه بنوع استلزام، فإذا أردت استعمال" لعل" لغير معناها قدرت الاستعارة فى معنى الترجى، ثم استعملت هناك" لعل" وهذا معنى قول المصنف: (فالتشبيه فى الأولين) يعنى الفعل والصفات (لمعنى المصدر وفى الثالث) أى الحرف (لمتعلق معناه)، (قوله: كالمجرور فى: زيد فى نعمة) مثال للاستعارة فى الحرف. قال الخطيبى: وفيه نظر، لأن المجرور هو قولنا: نعمة، وليست متعلق معناه، وهو مطلق الظرفية، ومعناه هو ظرفية النعمة للاستقرار فيها. وقرره غير الخطيبى بأن المعنى أن" فى" معناها الظرفية، وللظرفية متعلق" بالفتح" قام ذلك المعنى به، وهو" الدار" مثلا فى الظرف
الحقيقى، فهنا وقع تشبيه النعمة المشتملة على زيد بالدار المشتملة عليه، واستعمل فى النعمة كلمة" فى" التى من حقها أن تستعمل فى" الدار" فالاستعارة فى الحرف استعماله فيما لا يكون متعلق معناه، بل هو شبيه بمتعلق معناه. (قوله: فيقدر) أى التشبيه فى قولنا:" نطقت الحال بكذا" وهو مثال للفعل وفى قولنا:" الحال ناطقة بكذا" وهو مثال للصفة للدلالة بالنطق بجامع ما بينهما من الإيضاح، ثم يعبر عن ذلك بالفعل، أو الوصف، فتقول: نطقت الحال وهى ناطقة بكذا. قلت: وقولنا: الحال ناطقة بكذا. كيف يصح عده من الاستعارة وهو عند المصنف تشبيه؟ فهذا مخالف لكلامه الماضى، وموافق لما حققناه: (قوله: وفى لام التعليل) أى ويقدر التشبيه فى لام التعليل فى نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً للعداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط على إرادة العلة الغائية للالتقاط لترتب وجودهما على وجود الالتقاط، وليست اللام هنا للغرض؛ لأن حقيقة الغرض ترتب أمر على أمر،
стр. 790
ومدار قرينتها فى الأولين على الفاعل؛ نحو: نطقت الحال بكذا خ خ، أو المفعول؛ نحو: [من الرمل]:
قتل البخل وأحيا السّماحا
ــ
وهما مطلوبان، ولا شك أن العداوة والحزن لم يكونا مطلوبين بالالتقاط. وقول المصنف:
للدلالة: أى التشبيه للدلالة يعنى أن الدلالة هى المشبه، وكذلك قوله:" للعداوة" أى العداوة هى المجعولة كالعلة الغائية، فالتجوز وقع فى اللام هنا باعتبار أن ما استقرت عليه عاقبة الالتقاط من العداوة صير الالتقاط كأنه علته الغائية بجامع ما بين العلة الغائية والعداوة التى صار إليها الالتقاط من شئ مترتب على فعل كان غايته فى الواقع، وإن لم يكن غايته فى الذهن عند وجدان الالتقاط، والعداوة والحزن مشبهان، والعلة الغائية وهى الانتفاع مشبه به. وقال بعضهم: إن الاستعارة فى الآية ليست فى اللام، وأسند ذلك بأن ما تعلقت به هو الكون المستفاد من أن، ويكون، لا العداوة والحزن. قال: بل الاستعارة فى" عدوا وحزنا" وهى تهكمية أى ليكون لهم حبيبا وفرحا، وكذلك حالهم قرينة لهذا المعنى ولو أريد حقيقة العداوة لقيل عليهم.
ولما كانت التبعية لا بد لها من القرينة كسائر الاستعارات أخذ فى بيان قرينتها فقال: (ومدار قرينتها فى الأولين)
أى فى الفعل والصفة المشتقة منه (على الفاعل) أى بأن لا يكون صالحا لأن ينسب الفعل، أو الوصف إليه على سبيل الحقيقة نحو:
" نطقت الحال بكذا" فإن الحال ليست مما ينطق حقيقة وهذا مثال للفعل، ومثال الوصف:" رأيت رجلا ناطقا حاله بكذا" وكذلك قولك:" الحال ناطق بكذا" فإن الفاعل وهو الضمير، وهو قرينة على الاستعارة (أو) على (المفعول) بأن لا يكون الفعل، أو الوصف قابلا لأن ينسب إليه حقيقة كقول ابن المعتز:
جمع الحقّ لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيا السّماحا (١)
أى أزال البخل، وأظهر السماح، فالقرينة فى هاتين الاستعارتين جعل البخل والسماح مفعولين، وقد تكون القرينة كلا من الفاعل والمفعول، كقوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ (٢) كذا قيل. وفيه نظر؛ لأن وقوع الخطف على الإبصار ليس
стр. 791
ونحو [من البسيط]:
نقريهم لهذميّات نقدّ بها
أو المجرور؛ نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (١).
ــ
هو متعذرا على سبيل الحقيقة، هذا فى المفعول الأول وتارة تكون القرينة المفعول الثانى نحو قوله:
نقريهم لهذميات نقدّ بها ... ما كان خاط عليهم كلّ زرّاد (٢)
قال فى الإيضاح: أو إلى المفعولين الأول والثانى كقول الحريرى (٣):
وأقرى المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
(قوله" أو المجرور") أى قد يكون المجرور قرينة فى صرف الفعل للاستعارة، نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٤) فذكر العذاب قرينة فى صرف" فبشرهم بعذاب أليم" إلى الاستعارة التهكمية (٥)، وكان المصنف مستغنيا عن ذكر هذا، فإن المجرور هنا مفعول فى المعنى. قال السكاكى: أو تكون القرينة الجميع. قال الشيرازى: يعنى الفاعل، والمفعول الأول والثانى، والمجرور كقوله:
تقرى الرّياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النّوم فى الأجفان إيقاظا (٦)
قال المصنف: وفيه نظر، قيل: وجه النظر أن مجموع ذلك ليس قرينة، بل كل واحد منهن قرينة مستقلة. ورد عليه بأن السكاكى: ما قصد إلا ذلك، ويحتمل أن يكون مراد المصنف بالنظر أنا لا نسلم أن" فى الأجفان" هو قرينة؛ لأنه ليس مجرورا معلوما للاستعارة التى هى تقرى، بل هو معمول لقوله:" تقرى" واعترض على المصنف
стр. 792
وباعتبار آخر ثلاثة أقسام:
مطلقة: وهى ما لم تقرن بصفة ولا تفريع، والمراد (١): المعنوية، لا النعت النحوىّ ...
ــ
فى قوله:" مدار قرينتها على الفاعل إلخ" بأن ما دار على الشئ غيره فيقتضى أن مدار القرينة غير الفاعل، والغرض أنه هو، وأجيب عنه بأنه تجريد، كأنه جرد من الفاعل حقيقة جعلت مدارا، وإن كان الفاعل نفسه هو المدار والأحسن فى الجواب أن" مدار" القرينة نفسها غير الفاعل، إنما الفاعل شئ تكون القرينة حوله والقرينة مسبب عن الفاعل ونحوه، وقد استحسن الطيبى ذلك.
الاستعارة ثلاثة أقسام باعتبار آخر: ص: (وباعتبار آخر ثلاثة أقسام إلخ).
(ش): هذا هو التقسيم الخامس، والمراد ما كان باعتبار غير الطرفين، والجامع، واللفظ، أى باعتبار أمر خارج عن ذلك، وفيه نظر؛ لأن انقسام الاستعارة للثلاثة هو باعتبار الطرفين، لأن المرشحة اعتبر فيها المستعار منه، والمجردة اعتبر فيها المستعار، والمطلقة لم يعتبر واحد منهما، وحاصله أن الاستعارة ثلاثة أقسام، لأن الاستعارة إما أن تقترن بشئ أولا وإذا اقترنت فإما بما يلائم المستعار، أو المستعار منه، وسيأتى نظر فى أن هذا التقسيم حاصر.
الأول: تسمى مطلقة، وهى ما لم تقترن بصفة، ولا تفريع كلام، والمراد بالصفة هنا المعنوية لا النعت، كقولك:"
رأيت أسدا" ومثل له الطيبى بقولك:" رأيت أسدا يرمى بالنشاب" قال: وإن كان يرمى صفة ملائمة للمستعار له، فلا يخرجها ذلك عن كونها مطلقة، لأن يرمى قرينة صارفة عن الحقيقة لولاها لما حصلت الاستعارة، والتفريع والتعقيب إنما يكونان بعد تمام الاستعارة. (قلت): وفيما قاله نظر، فإن القرينة لا مانع أن يحصل بها التجريد. وقوله: إنما يحصل التفريع بعد تمام الاستعارة صحيح، ولكن تمام الاستعارة ليس بالقرينة، فإن القرينة كاشفة عن الاستعارة لا جزء منها، لا يقال:
فيلزم أن تكون كل استعارة مجردة، فإن كل استعارة لا بد لها من قرينة لأنا نقول:
ليس من شرط القرينة أن تكون لفظية، فقد تكون حالية فتكون الاستعارة مطلقة، فمتى كانت القرينة ليست من أوصاف المستعار، ولا المستعار منه؟
стр. 793
ومجرّدة: وهى ما قرن بما يلائم المستعار له؛ كقوله [من الكامل]:
غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال
ــ
الثانى: تسمى مجردة وذلك ما قرن بما يلائم المستعار له كقول كثير:
غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال (١)
المستعار هنا هو الرداء استعير للمعروف بجامع الصون والستر، فإن المعروف يستر عرض صاحبه ستر الرداء لما يلقى عليه، والصفة هى قوله:" غمر" لأنها صفة تلائم المعروف لا الرداء، ثم فرع على ذلك قوله:" إذا تبسم ضاحكا" فإنه صفة صاحب الرداء، وليس صفة للرداء.
قال المصنف: وعليه قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢) حيث قال: أذاقها، ولم يقل: كساها، فإن المراد بالإذاقة إصابتهم بما استعير له اللباس، كأنه قال: فأصابها الله بلباس الجوع والخوف. قال الزمخشرى: الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها فى البلايا وما يمس منها، يقولون: ذاق فلان البؤس، وأذاقه العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضر والألم بما يدرك من طعم المر، فإن قيل: الترشيح أبلغ من التجريد. فهلا قيل: كساها الله لباس الجوع. قلنا: لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان فى الإذاقة إشعار بشدة الإصابة، فإن قيل: ما الحكمة فى أن لم يقل: فأذاقها الله طعم الجوع. قلنا: لأن الطعم وإن لاءم الإذاقة فهو مفوت، لما يفيده لفظ اللباس من بيان أن الجوع والخوف عم أثرهما جميع البدن عموم الملابس اه.
وحاصله أن تجريد الاستعارة ههنا احتاج إلى إيضاح؛ لأن الإذاقة لا تلائم المستعار له، وهو إنزال العذاب إذ الذوق حقيقة فى الطعوم، فلذلك احتاج إلى أن يجعل الذوق استعارة عن إصابة العذاب، ثم أوقع على اللباس، فصار اللباس استعارة تجريدية؛ لأنها وإن كان ما قرنت به لا يلائم المستعار له على سبيل الحقيقة، فإنه يلائمه على سبيل الاستعارة، فعلم بذلك أن قولنا فى الاستعارة التجريدية والترشيحية: الاقتران بما يناسب المستعار أو المستعار منه، إنما نريد ما يلائمه، سواء أكانت ملاءمته
стр. 794
ومرشّحة: وهى ما قرن بما يلائم المستعار منه؛ نحو: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١).
وقد يجتمعان فى قوله [من الطويل]:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم
ــ
له حقيقية أم مجازا ونظير الآية الكريمة فى أن تجريد الاستعارة وقع بما يلائمها مجازا بيت كثير السابق، فإن الغمر حقيقة فى الماء الكثير، فإطلاقه على الكثير من المعروف، وتجريده لاستعارة الرداء للمعروف تجريد بما يلائم المستعار له مجازا لا حقيقة.
والقسم الثالث: المرشحة، وهى المقرونة بما يلائم المستعار منه كقوله تعالى:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فإنه استعير الشراء للاختيار، فرشح بالربح، والتجارة اللذين هما من متعلقات الشراء. وقال الطيبى: إنه اجتمع فى هذه الآية الكريمة الترشيح، والتجريد، فالترشيح فى قوله تعالى: اشْتَرَوُا والتجريد فى قوله تعالى: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٢) وفيه نظر، ومن هقوله الشاعر (٣):
ينازعنى ردائى عبد عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لى الشّطر الذى ملكت يمينى ... ودونك فاعتجر منه بشطر
فقد استعار الرداء للسيف، ووصفه بالاعتجار الذى هو وصف الرداء رعاية للمستعار.
وقوله: و" قد يجتمعان" أى يجتمع التجريد، والترشيح كما فى قول زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم (٤)
(تنبيهات): أحدها: اعلم أن المراد بقولنا:" الوصف الملائم" فى هذا الباب ما كان مناسبا سواء أكان بالحقيقة أم
المجاز، ممكنا أم مستحيلا، فإن المستحيل قد يوصف به باعتبار التخييل وغير الملائم ما لم يكن مناسبا سواء أكان ممكنا أو مستحيلا، وأعنى بالمناسب ما يذكر معه غالبا ويختص به، إذا تقرر ذلك، فاعلم أن الوصف المذكور مع الاستعارة على أقسام: الأول: ما لا يلائم واحدا من الطرفين لا حقيقة ولا مجازا، مثل:" رأيت أسدا بحرا" فإن بحرا استعارة ثانية لا يحصل بها ترشيح، لقولك:" أسدا" لأن البحر ليس مناسبا للشجاع، ولا مناسبا للحيوان المفترس.
стр. 795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى: ما لا يلائم واحدا منهما باعتبار الحقيقة ويلائمهما باعتبار المجاز، كقوله:
" غمر الرداء" فإن لفظ" غمر" لا يلائم باعتبار الحقيقة:" الرداء" الحقيقى، ولا المعروف، وباعتبار المجاز يناسب كلا منهما، فتقول:" ثوب غمر" و" معروف غمر" على سبيل المجاز، وبهذا يتبين لك أن ما ادعاه المصنف، وغيره من أن قول كثير:
" غمر الرداء" متعين لأن يكون مقرونا بما يلائم المستعار له. فيه نظر، نعم قد تكون ملاءمة ذلك الوصف المجازى للمستعار له، أو للمستعار منه أوضح من ملاءمته للآخر، فحينئذ يترجح ذلك، مثل قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (١) فإن استعارة الإذاقة للحوادث والدواهى أوضح من استعارتها للباس.
الثالث: أن يكون الوصف يلائم كل واحد منهما حقيقة، كقولك:" رأيت أسدا قويّا" أو" باسلا" فهذا وصف يلائم كلا منهما فيصدق عليه أنها استعارة مجردة مرشحة، ولفظ" القوى" و" الباسل" حقيقة، والمراد بهما الرجل الشجاع.
الرابع: أن يكون الوصف ملائما للمستعار له حقيقة، ولا يلائم المستعار منه كقولك:
" رأيت أسدا يرمى بالنشاب" تريد حقيقة الرمى، فهذه استعارة مجردة لا مرشحة، خلافا للطيبى، فإنه زعم أنها مطلقة، وقد رددنا عليه فيما سبق.
الخامس: أن يكون الوصف ملائما للمستعار له حقيقة، ولكنه تجوز فيه، فذكر على وجه يلائمهما معا، كقولك:" رأيت أسدا ترمى هيبته القلب بالنبل" فهذا وصف يلائمهما - أيضا، لكن على سبيل المجاز فيهما، فقد يقال: إن هذه تسمى مرشحة ومجردة - أيضا -.
السادس: أن يكون الوصف ملائما للمستعار منه، بأن يكون وصفا حقيقيّا له، ولا يلائم المستعار له، لا حقيقة ولا مجازا، فهذا القسم متعذر؛ لأن ذلك الوصف ما لم يلائم المستعار له لا مدخل له فى الكلام، لأن المراد بالاستعارة إنما هو المستعار له، فالأوصاف لا بد أن تكون له معنى إذ لا يصح أن تقول:" رأيت أسدا يمشى على أربع" مريدا حقيقة المشى على أربع، ومريدا بالأسد الرجل الشجاع.
стр. 796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السابع: أن يكون الوصف ملائما للمستعار منه حقيقة، ويلائم المستعار له مجازا، وهذه هى المرشحة، فلا يمكن أن يراد بقوله تعالى: رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١) حقيقة الربح والتجارة الموجودين فى حقيقة الشراء، بل المراد بهما الربح والتجارة الواقعان فى الاختيار على سبيل المجاز فليتنبه لذلك، ولا يمكن أن يراد فى قوله:
ودونك فاعتجر منه بشطر
حقيقة الاعتجار، وقد اتضح بهذا أن الأوصاف فى قوله: لدى أسد، البيت، كلها يلائم المستعار له، فبعضها يلائم المستعار له حقيقة، ويلائم المستعار منه مجازا، كقوله:
شاكى السلاح، غير أنا نقول: استعماله حقيقة، لأن شاكى السلاح لا يمكن أن يراد به الحيوان المفترس، حتى يكون مجازا، بل هو صفة واقعة على المستعار له فكان حقيقة، وإنما أردنا بملاءمتها للمستعار منه جواز استعمالها فى الحيوان المفترس مجازا، وبعضها يلائم المستعار منه حقيقة، ويلائم المستعار له مجازا، كقوله:" أظفاره لم تقلم" فإن المراد به المستعار له، ولم يقصد حقيقة أظفاره ولا حقيقة القلم، وإنما قصد شجاعته، فهو وصف يلائم الشجاع مجازا، لا يقال: وهو وصف يلائمه أيضا باعتبار الحقيقة؛ لأن للشجاع أظفارا، لأنا نقول: حقيقة تقليم الأظفار لا تقصد فى الشجاعة أصلا، وبهذا صح قولهم: إن" لدى أسد" مرشحة ومجردة؛ لأنها قرنت بما يلائم المستعار منه حقيقة، ويلائم المستعار له مجازا، وبما يلائم المستعار له حقيقة. وإذا تأملت ما ذكرناه، ظهر لك أن كلام المصنف، وغيره - فى هذا الباب - غير محرر، وأن غالب ما أطلقوه يحتاج إلى تقييد، وفى كثير منه
منع، وأما قول الخطيبى: إن" لدى أسد" يلائم المستعار منه فغريب؛ لأن أسدا نفس الاستعارة لا ملائم لها.
التنبيه الثانى: وهو كالفرع عما قبل، قد علم بما ذكرناه: أن التحقيق خلاف ما ذكره المصنف وغيره، من وجوه منها: قوله: إن الاستعارة بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام وإنما هى أربعة: مطلقة، ومجردة، ومرشحة، ومرشحة مجردة معا فإن قيل: إذا ثبت أنها تكون مرشحة، وتكون مجردة، ثبت جواز كونها مرشحة مجردة؛ لأن مانعة الخلو لا منع الجمع مطلقا، قلت: الأمر كذلك، ولكن هلا فعل ذلك فى أقسام الاستعارة بحسب
стр. 797
والترشيح أبلغ؛ لاشتماله على تحقيق المبالغة، ومبناه على تناسى التشبيه، حتّى إنه يبنى على علوّ القدر ما يبنى على علوّ المكان؛
ــ
الطرفين، ولم يفعل، بل ذكر أن الجامع حسى، وعقلى، وبعضه حسى، وبعضه عقلى، مريدا بما بعضه حسى، وبعضه عقلى، ما كان له جامعان: أحدهما حسى، والآخر عقلى، أورد على السكاكى كونه أسقط هذا القسم، فما أورده على السكاكى وارد على نفسه، والحق أنه لا يرد عليهما إلا على الطريق السابقة، ثم ومنها قوله: إن المطلقة ما لم تقترن بوصف، وليس كذلك مطلقا، بل لم تقترن بوصف ملائم للمعنى الذى به الاستعارة بالنسبة إلى أحد الطرفين، احترازا من قولك:" رأيت أسدا بحرا" فإن الاستعارة الأولى اقترنت بوصف، ولم تخرج بذلك عن كونها مطلقة مقرونة باستعارة أخرى، ومنها أن قوله فى بيت كثير وهو:" غمر الرداء" البيت، أنها مجردة قد يمنع على ما سبق، ومنها أن اجتماع الترشيح والتجريد ليس من شرطه أن تذكر أوصاف بعضها يلائم المستعار له، وبعضها يلائم المستعار منه، بل قد يكون بوصف واحد يلائمهما.
التنبيه الثالث: قول المصنف فى هذا الباب: الاقتران بما يلائم المستعار له، أو المستعار منه، أحسن من قول السكاكى، فإنه جعل المرشحة والمجردة ما عقبت بما يلائم، وهو يقتضى أن الوصف الملائم لا بد أن يكون متأخرا، وهو فاسد، فإنه لا فرق بين أن يتأخر أو يتقدم، كقوله: غمر الرداء خ خ، ولما رأى الشيرازى هذا الكلام ظاهر الفساد أوله على أن المراد بالتعقيب الزيادة، على معنى الاستعارة، سواء أكان المعقب قبل المستعار أم بعده، أم كان بعضه بعده وبعضه قبله، قال: كالأمثلة التى ذكرها المصنف، فإنها كلها من هذا القبيل. قلت: وجميع الأمثلة التى ذكرها السكاكى كلها ليس فيها ترشيح إلا بعد الاستعارة. بخلاف ما قاله الشيرازى.
الترشيح أبلغ من التجريد: ص: (والترشيح إلخ).
(ش): الترشيح أبلغ من التجريد فتكون الاستعارة المقرونة بما يلائم المستعار منه أبلغ من المقرونة بما يلائم المستعار له، وإنما كان الترشيح أبلغ من التجريد؛ لاشتماله على تحقيق المبالغة، ولهذا كان مبناه على تناسى التشبيه. قال المصنف: حتى إنه يبنى على علو القدر ما يبنى على علو المكان، كقوله وهو أبو تمام:
стр. 798
كقوله [من المتقارب]:
ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة فى السّماء
ونحوه: ما مرّ من التعجّب والنهى عنه؛ وإذا جاز البناء على الفرع مع الاعتراف بالأصل - ...
ــ
ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة فى السّماء (١)
فإنه قصد تناسى التشبيه والتصميم على إنكاره فجعله صاعدا فى السماء من حيث المسافة المكانية ومنه قول ابن الرومى:
شافهتم البدر بالسّؤال عن ال ... أمر إلى أن بلغتم زحلا (٢)
وكقول بشار:
أتتنى الشّمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا (٣)
وقول غيره:
ولم أر قبلى من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد (٤)
(وقوله:" ونحوه") أى فى البناء على تناسى التشبيه (ما مر من التعجب والنهى عنه) فى قوله:
قامت تظلّلنى ومن عجب ... شمس تظلّلنى من الشّمس
وقوله:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر
(قوله: وإذا جاز) يريد أن مذهب التعجب على عكس مذهب النهى عنه، فإن مذهبه إثبات وصف يمتنع ثبوته للمستعار منه، ومذهب النهى عنه إثبات خاصة من خواص المستعار منه، (وإذا جاز البناء على الفرع) أى بناء الكلام على الفرع، وهو المشبه به سماه فرعا؛ لأنه مجاز فى الاستعارة، والمجاز فرع الحقيقة، ولأن الغرض من التشبيه فى الاستعارة فى الغالب عائد إلى المشبه لا المشبه به (مع الاعتراف بالأصل)
стр. 799
كما فى قوله [من المتقارب]:
هى الشّمس مسكنها فى السّماء ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصّعودا ... ولن تستطيع إليك النّزولا
فمع جحده (١) أولى.
المجاز المركّب
وأما المركّب: فهو اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلىّ تشبيه التمثيل؛ للمبالغة؛ كما يقال للمتردّد فى أمر: إنّى أراك تقدّم رجلا، وتؤخّر أخرى خ خ، وهذا التمثيل على سبيل الاستعارة، وقد يسمّى التمثيل مطلقا، ومتى فشا استعماله كذلك، سمّى مثلا؛ ولهذا لا تغيّر الأمثال.
ــ
أى مع ذكر المشبه ليكون الكلام تشبيها لا استعارة كقوله وهو العباس بن الأحنف:
هى الشّمس مسكنها فى السّماء ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا (٢)
فلن تستطيع إليها الصّعودا ... ولن تستطيع إليك النّزولا
(فمن جحده أولى) أى إذا جاز البناء على تناسى التشبيه بذكر التفريع على المشبه به فى التشبيه، ففى الاستعارة التى فيها جحده جوازه أولى، وقد يعترض على هذا بأن يقال: البناء على المشبه به فى الاستعارة أولى من البناء على المشبه به فى التشبيه، أما البناء على المشبه فى التشبيه، فلا يدل على جواز البناء عليه فى الاستعارة، وما ذكره من الدليل هو شامل لصورتى البناء على كل منهما، فلا يصح ذلك، بل إنما يدل على جواز البناء على المشبه به فى الاستعارة بما يلائم المستعار منه.
المجاز المركب: ص: (وأما المركب إلخ).
(ش): لما فرغ من المجاز المفرد شرع فى المجاز المركب، وهو المسمى بالتمثيل، وحقيقة التمثيل، أن تريد العبارة عن معنى فتعدل عن المعنى والعبارة الدالة عليه إلى
стр. 800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معنى آخر يكون مثالا للمعدول عنه، ورسمه المصنف بأنه: اللفظ المركب المستعمل، فأخرج المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، وقبل الوضع وخرج المجاز المفرد، بقوله:
" المركب" وقوله:" فيما شبه بمعناه الأصلى" يحترز عن الحقيقة، فإنها مستعملة، لا فيما شبه بمعناها، وقوله:" تشبيه التمثيل" للمبالغة، أى تشبيها على أسلوب التمثيل بالشئ لغيره، أى تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين، أو أمور بالأخرى، ثم تدخل المشبهة فى جنس المشبه بها مبالغة من غير تغيير بوجه من الوجوه، كما كتب به الوليد بن يزيد لما بويع إلى مروان بن محمد، وقد بلغه أنه متوقف فى البيعة له: أما بعد، فإنى أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابى هذا، فاعتمد على أيهما شئت والسّلام. شبه صورة تردده بصورة تردد من قام ليذهب، فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا، وتارة لا يريد فيؤخر أخرى، ومنه قولهم لمن يعمل فى غير معمل: أراك تنفخ فى غير فحم، وتخط على الماء، ومنه قوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١) وذكر فى الإيضاح كثيرا من أمثلته وتحقيق ذلك أن الكلام فى نفسه حقيقة باعتبار مفرداته، ولكنه مثل لغيره، فالاستعارة تقع فى مجموعه، فهو يخالف مجاز الإفراد، لأن التجوز فيه يقع فى الكلمة المفردة؛ ويخالف المجاز العقلى، المسمى بالمجاز المركب - أيضا - فإن التجوز يقع فيه فى الإسناد، وأما التمثيل فالمفردات فيه حقائق، وكذلك ما فيها من إسناد بعضها لبعض، والتجوز يقع فى مجموعها، فإن قلت: إذا كان التمثيل حقيقة فقد قصدت مفرداته، فكيف يكون مجموعه مجازا؟ قلت: قد عرفت فى الكلام على الكناية فيما سبق، وستعرف فيما سيأتى أن الإرادة على قسمين: إرادة استعمال، وإرادة إفادة، والتمثيل قريب منه، فإن قولك:" زيد يقدم رجلا ويؤخر أخرى" حقيقة، لأنه قصد مدلوله استعمالا، ولم يقصد إفادة، بل المقصود بالإفادة ما يماثل معناه التركيبى من التردد، إلا أن الفرق بينهما أن الكناية يكون مدلول لفظها واقعا، فإذا قلت:" زيد كثير الرماد" فأنت تقصد الإخبار بكثرة رماده ليفهم لازمه، وكثرة رماده واقع، والتمثيل لا يشترط فيه وقوع ذلك المخبر به، وفى كلام الطيبى فى شرح التبيان ما يقتضى أنك إذا قلت:" زيد كثير الرماد" لا يلزم أن يكون ذلك بنفسه واقعا، وفيه
стр. 801
[فصل [إخماد التشبيه في النفس] (١)]
قد يضمر التشبيه فى النفس؛ فلا يصرّح بشئ من أركانه سوى المشبّه، ويدلّ عليه:
بأن يثبت للمشبّه أمر يختصّ بالمشبّه به، ...
ــ
نظر ويحتاج إلى شاهد (قوله: ولهذا) (٢) أى ولكون المقصود بالإفادة ليس من معنى التمثيل، بل صورة تشابهه (يسمى التمثيل على سبيل الاستعارة، وقد يسمى التمثيل مطلقا) أى ولا يسمى استعارة وكأن ذلك اجتناب للفظ الاستعارة، فإنه يوهم التجوز فى المفردات، (وإذا فشا) أى كثر (استعماله كذلك) أى على سبيل الاستعارة (فإنه يسمى مثلا) فعلم أن المثل تشبيه تمثيلى، ولكون الأمثال واردة على سبيل الاستعارة لا تغير، لأنها مستعملة فى معناها الأصلى، وإنما يستعملها الإنسان استعارة على سبيل المثال، فتستعمل فى المفرد والجمع، وإن كانت جمعا أو تثنية، وفى المذكر وإن كانت مؤنثة، وعكسهما.
إخماد التشبيه فى النفس: ص: (فصل قد يضمر التشبيه فى النفس إلخ).
(ش): لما أن فرغ من الاستعارة التحقيقية شرع فى الاستعارة بالكناية، وتحقيق معنى الاستعارة بالكناية يأتى فى الفصل الثانى إن شاء الله - تعالى -، وحاصله أن المصنف يرى أن الاستعارة بالكناية حقيقة لغوية، وأعنى بكونها حقيقة لغوية أنها لم تستعمل فى المشبه به، لا أنها يلزم أن تكون حقيقة، بل يجوز أن يتجوز بها عن معنى بينه وبين معناها علاقة، كما سيأتى ذكره فى بيت زهير، وقد قدمنا الاعتراض على المصنف عند ذكر صور التشبيه الثمانى، لهذا الكلام فليراجع. قال: وإنما تسمى الاستعارة بالكناية استعارة، مجازا اصطلاحيا، فلذلك قال:" قد يضمر التشبيه فى النفس" فسماه تشبيها باعتبار حقيقته الاصطلاحية، فلا يصرح بشئ من أركانه سوى المشبه، أى ويطوى بقية الأركان، وهى المشبه به، والأداة، والوجه، وقد قدمنا الاعتراض على المصنف عند ذكر صور التشبيه الثمانى بهذا الكلام، فليراجع. قال: ويدل عليه بأن يثبت للمشبه المذكور أمر يختص بالمشبه به، أى يثبت له لازما مساويا
стр. 802
فيسمّى التشبيه استعارة بالكناية، أو مكنيّا عنها، وإثبات ذلك الأمر للمشبّه استعارة تخييلية؛ ...
ــ
إنما شرطنا أن يكون مساويا - وإن أطلق الجمهور اللازم - لأن اللازم غير المساوى لا يدل به على المشبه به، إذ لا يفهم منه. وقولهم: أمر يختص بالمشبه به معكوس، وصوابه أن يقال: أمر يختص به المشبه به يظهر بالتأمل. (قوله: فيسمى التشبيه استعارة بالكناية أو مكنيا عنها) وإنما سميت استعارة بالكناية إن فسرنا الاستعارة بالكناية بما فسر به المصنف؛ لأن فيها حقيقة الكناية المصطلح عليها، لأنه أطلق فيها اللفظ على شئ لإفادة لازمه، فأطلقت المنية على حقيقتها اللغوية لإفادة لازمها، وهو أن لها اغتيال السبع المدلول عليه بقوله:" أنشبت أظفارها" وكان الواجب على هذا عدها من قسم الكنايات وتسميتها كناية، لكنه لما كان هذا اللازم الذى دل عليه لفظ المنية من السبعية لازما بطريق الادعاء لا بطريق الحقيقة، فإن حقيقة اغتيال السبع لا يوجد فى المنية، فسميت استعارة، فأشير إلى المعنيين، بقولنا: استعارة بالكناية، وأما على رأى السكاكى، فيحتمل أن يقال: إنما سميت بذلك مراعاة - أيضا - للكناية، والاستعارة المصطلح عليها على العكس مما سبق، فإن المنية استعملت فى السبع فكان تسميتها استعارة حقيقة اصطلاحية، ولما كان كونها استعارة غير مقصودة بالإفادة، بل المقصود إفادة أن لها اغتيال السبع ذكر فيها لفظ الكناية؛ لأن اللفظ استعمل فى شئ، والمراد إفادة لازمه، وفيه نظر؛ لأن ذلك يستلزم أن الاستعارة التحقيقية - أيضا - تسمى استعارة بالكناية؛ لأنك إذا قلت:" رأيت أسدا" لا تريد الإخبار بكون زيد من جنس الأسد، بل تريد استعماله فى ذلك لإفادة لازمه، وهو الشجاعة، ويحتمل أن يريد بالكناية الكناية اللغوية، وأما تسميتها مكنيا عنها، فعلى رأى المصنف واضح؛ لأن اللفظ ليس استعارة حقيقية، بل هو حقيقة، ولكن كنى بها عن الاستعارة، أى لم يصرح بها؛ لأن جملة الكلام معناه استعارة فالاستعارة غير مصرح بها، وعلى رأى السكاكى، فلأن الأصل إنما هو استعارة السبع للمنية لا استعارة المنية للسبع، فلما عكس فى الصورة كانت استعارة مكنيا عنها، فإن الاستعارة بالحقيقة الاصطلاحية هى استعارة السبع للمنية وهى غير مصرح بها، بل كنى عنها، وما ذكرناه أحسن من قول من قال: سميت استعارة بالكناية ومكنيا عنها؛ لأن المشبه به غير مذكور، بل كنى عنه بذكر لازمه. (قوله:
وإثبات ذلك الأمر للمشبه) أى يسمى إثبات ذلك الأمر الذى هو اللازم المساوى للمشبه: (استعارة تخييلية)؛ لأنها ليست ثابتة للمشبه بالتحقيق بل بالتخييل، وعلم منه أن الاستعارة
стр. 803
كما فى قول الهذلىّ [من الكامل]:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
ــ
بالكناية لا توجد دون الاستعارة التخييلية، وأما عكسه فظاهر كلام المصنف أنه كذلك، فلا توجد التخييلية دون المكنية، وكلام السكاكى على خلافه، وأشار إلى أن الاستعارة التخييلية معنى، لا لفظ بقوله:" ويسمى إثبات ذلك تخييلية" ولم يقل ويسمى ذلك؛ اللازم استعارة وسيأتى تحقيق ذلك وتحقيق المراد بالاستعارة التخييلية فى الفصل بعده - إن شاء الله تعالى - وقد مثل المصنف فى الإيضاح للاستعارة المكنية والتخييلية بقول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها (١)
فإنه شبه الشمال بالإنسان فى تصريفها به، فجعل لها يدا بالتخييل، وكذلك الزمام مع القرة التى هى مرادة بالضمير فى قوله:" زمامها" فالقرة استعارة بالكناية، والزمام للتخييل، وسيأتى على التمثيل بهذا البيت بالنسبة إلى يد الشمال سؤالان، ومثل المصنف هنا، وهو مثال لأحد قسميها على ما سيأتى بقول الهذلى وهو أبو ذؤيب الهذلى يرثى بنين له خمسة ماتوا فى عام واحد مطعونين، وكانوا ممن هاجر إلى مصر، ومات أبو ذؤيب فى زمن عثمان - رضى الله عنه - ومستهل القصيدة:
أمن المنون وريبها تتوجّع ... والدّهر ليس بمعتب من يجزع
أودى بنىّ وأعقبونى حسرة ... عند الرّقاد وعبرة ما تقلع
فالعين بعدهم كأنّ حداقها ... سمّت بشوك فهى عور تدمع
سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكلّ جنب مصرع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... وإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
стр. 804
شبّه المنيّة بالسبع فى اغتيال النفوس بالقهر والغلبة، من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار، فأثبت لها الأظفار التى لا
يحمل ذلك فيه بدونها، وكما فى قول الآخر:
ولئن نطقت بشكر برّك مفصحا ... فلسان حالى بالشّكاية أنطق
شبّه الحال بإنسان متكلّم فى الدّلالة على المقصود؛ فأثبت لها اللسان الذى به قوامها فيه.
ــ
وتجلّدى للشّامتين أريهم ... أنّى لريب الدّهر لا أتضعضع
حتّى كأنّى للحوادث مروة ... بصفا المشرّق كل يوم تقرع
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع (١)
فشبه المنية بالسبع فى اغتيال النفوس بالقهر والغلبة، من غير تفرقة بين نفاع وضرار، فإن المنية لا توقر أحدا، ويستوى فيها مستحق النفع والضر، كما أن السبع لا يعرف حقيرا ولا عظيما، بل يغتال من وجده، فأثبت للمنية الأظفار التى لا يكمل ذلك أى، الاغتيال فى السبع بدونها تحقيقا للمبالغة فى التشبيه، وليس للمنية شئ موجود حسا أو عقلا، يكون مشبها بالأظفار، بل هو أمر موجود فى المنية على سبيل التوهم؛ فلذلك سميت تخييلية، وقد قسم المصنف فى الإيضاح الاستعارة بالكناية إلى قسمين:
أحدهما: ما كان الأمر المذكور معها المختص به" المشبه به" أمرا لا يكمل وجه الشبه فى المشبه به بدونه، وهذا البيت مثال لهذا القسم على ما قال المصنف هنا، وسيأتى منه ما يقتضى خلافه، والقسم الثانى: ما يكون اللازم المذكور معه به قوام وجه الشبه فى المشبه به، ولما كان الوجهان متقاربين، لم يصرح بهذا القسم فى التلخيص، بل اقتصر على المثالين، وأشار إلى الثانى بقوله: وكما فى قول الآخر:
ولئن نطقت بشكر برّك مفصحا ... فلسان حالى بالشّكاية أنطق (٢)
فإنه شبه الحالة الدالة على المقصود بإنسان متكلم فى الدلالة على المقصود، فأثبت لها اللسان الذى به قوام الدلالة فى الإنسان، وقد أورد على المصنف أنه وقع فيما رمى به السكاكى فى أول الكتاب، حيث قال: هناك أنه لو صح ما ذكره السكاكى من أن
стр. 805
وكذا قول زهير [من الطويل]:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله
أراد أن يبيّن أنه ترك ما كان يرتكبه زمن المحبّة من الجهل، وأعرض عن معاودته فبطلت آلاته، فشبّه الصّبا بجهة من جهات المسير؛ كالحجّ والتجارة، قضى منها الوطر؛ فأهملت آلاتها، فأثبت لها الأفراس والرواحل، فالصّبا من الصّبوة بمعنى الميل إلى الجهل والفتوّة؛ ويحتمل أنه أراد بالأفراس والرواحل: دواعى النفوس، وشهواتها، والقوى الحاصلة لها فى استيفاء اللذات، أو الأسباب التى قلّما تتآخذ فى اتباع الغى، إلا أوان الصّبا؛ فتكون الاستعارة تحقيقية.
ــ
نحو:" أنبت الربيع البقل" استعارة بالكناية لما صحت الإضافة فى قولنا:" نهاره صائم"؛ لبطلان إضافة الشئ إلى نفسه، لأنه يصير المراد بالنهار" الصائم" فهذا لازم له هنا، لأنه جعل الحال استعارة بالكناية، والإنسان استعارة تخييلية، لأنه شبه الحال بإنسان متكلم، وذكر اللسان لأنه لازم الإنسان المتكلم، وقد أضاف الإنسان إلى الحال الذى هو مضاف الإنسان، فقد أضاف الشئ إلى نفسه (قوله: وكذا قول زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله) (١)
قد جعله فى المفتاح قسما ثالثا، وهو ما احتمل أن تكون تحقيقية أو تخييلية، فلذلك جوز فيه فى الإيضاح وجهين: أحدهما: وهو الذى بدأ به فى كلامه فى التلخيص أن تكون استعارة تخييلية، أى تكون لفظ" الصبا" بأن يريد أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه من المحبة والجهل والغى، وأعرض عن معاودته فبطلت آلاته، فشبه الصبا بجهة من جهات المسير، كالحج والتجارة، وقد قضى منها الوطر فأهملت آلاتها فأثبت لها الأفراس والرواحل على سبيل الاستعارة بالكناية، فالصبا على هذا من الصبوة بمعنى الميل إلى الجهل، فالاستعارة بالكناية، هو لفظ الصبا وهو المشبه، والمشبه به جهة الأسفار كالحج، والتجارة، بجامع ما بينهما من الجهد والمشقة والاهتمام، ولازم المشبه به وهو السفر" الأفراس" و" الرواحل" فذكرها استعارة تخييلية، وأشار إلى الاحتمال الثانى بقوله: ويحتمل أنه أراد دواعى النفوس وشهواتها والقوى الحاصلة لها
стр. 806
فصل [تعريف السكاكي للحقيقة اللغوية]
عرّف السكاكى الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما وضعت له، من غير تأويل فى الوضع؛ واحترز بالقيد الأخير عن الاستعارة، على أصح القولين؛ فإنها مستعملة فيما وضعت له بتأويل ...
ــ
فى استيفاء اللذات أو الأسباب التى قلما تتآخذ فى اتباع الغى إلا أوان الصبا، كالمال والإخوان، فتكون استعارة الأفراس حينئذ تحقيقية على التقديرين، لكون المشبه المتروك محققا عقليا على الأول، وحسيا على الثانى، ويكون لفظ الصبا حقيقة وعلى التقديرين فى البيت استعارة تبعية، ونظير البيت فى تجويز الوجهين قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (١) وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢) على ما ذكره السكاكى، وإن كان المصنف قد جزم بأنها تحقيقية، فإن قلت: المصنف يرى أن الاستعارة بالكناية حقيقة لغوية، وقد جعل هنا لفظ" الصبا" على الاحتمال الأول استعارة بالكناية، وجعله مجازا على الميل والجهل، فقد جعل الاستعارة بالكناية مجازا. قلت: عنه جوابان: أحدهما: أن الصبا ليس مجازا عن الصبوة، بل حقيقة فيها - أيضا - كما يقتضيه كلام الجوهرى. الثانى: أنه إنما أراد بكون الاستعارة بالكناية حقيقة أنها غير مستعملة فى ملزوم واللازم المذكور، الذى هو من خواص المشبه به، والأمر هنا كذلك، فإن الصبا لم يستعمل فى السفر الذى يلزمه الأفراس أما كون لفظ الاستعارة بالكناية تجوز به عن معنى من المعانى، فالمصنف لا يمنع ذلك.
تعريف السكاكى للحقيقة اللغوية: ص: (فصل: عرف السكاكى الحقيقة اللغوية إلخ).
(ش): هذا فصل يتضمن اعتراضات على السكاكى فى تعريف الحقيقة والمجاز والاستعارة، وفى أقسام الاستعارة، فنقل عن السكاكى أنه حد الحقيقة اللغوية بأنها الكلمة المستعملة فيما وضعت له من غير تأويل فى الوضع، واحترز بالقيد الأخير، وهو قوله:" من غير تأويل فى الوضع" عن الاستعارة فإنها على أصح القولين الذاهب إلى أنها مجاز لغوى مستعملة فيما وضعت له وضعا بالتأويل، وهو ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان: متعارف، وغيره. والمستعار له داخل فى جنس المستعار منه بهذا التأويل، ثم ذكر عنه أنه عرف المجاز اللغوى بالكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له
стр. 807
وعرّف المجاز اللّغوى بالكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له بالتحقيق، فى اصطلاح به التخاطب، مع قرينة مانعة عن إرادته، وأتى بقيد التحقيق خ خ؛ لتدخل الاستعارة؛ على ما مرّ.
وردّ: بأن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل، وبأنّ التقييد باصطلاح التخاطب لا بدّ منه فى تعريف الحقيقة.
ــ
بالتحقيق فى اصطلاح التخاطب، مع قرينة مانعة من إرادته وأتى بقيد التحقيق المتعلق بالوضع، لتدخل الاستعارة فى قسم المجاز، على ما مر تقريره من أنها مجاز لغوى فإنها مستعملة فيما وضعت له لكن بالتأويل، لا بالتحقيق ثم أورد المصنف عليه أمرين: أحدهما:
أن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل، فلا حاجة إلى قوله: فى حد الحقيقة فيما وضعت له بتأويل. ولا حاجة إلى قوله: فى حد المجاز بالتحقيق؛ لأن لفظ الوضع والفعل المشتق منه إنما ينصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة، وحقيقة الوضع بالتحقيق من غير تأويل، وأورد على السكاكى فى هذا القيد أنه إذا صدق أنها مستعملة فى غير ما وضعت له بالتحقيق، صدق أنها مستعملة فى غير ما وضعت له مطلقا؛ لأن صدق الأخص يستلزم الأعم. قاله: بعض شراح المفتاح. قلت: ليس من الأخص والأعم، بل من العام والخاص؛ لأن قوله:" فى غير وضع فى معنى النفى" فهو صيغة عموم. وقوله:" بالتحقيق" تخصيص أدخل ما استعمل فى وضع بتأويل. الثانى: أن التقييد باصطلاح التخاطب المذكور فى حد المجاز لا بد من ذكره فى حد الحقيقة أيضا لتدخل الحقائق الثلاث، كما أن ذكره فى حد المجاز أدخل الحقائق الثلاث: الشرعية، والعرفية، واللغوية. قال المصنف: لا يقال:
قوله:" من غير تأويل فى الوضع" يغنى عن التقييد باصطلاح التخاطب، فإن الحقيقة الشرعية إذا استعملت فى معناها اللغوى، كإطلاق الصلاة بعرف الشرع على الدعاء، لا يصدق عليه أنه مستعمل فيما وضع له من غير تأويل، بل هو مستعمل فيما وضع له بالتأويل؛ لأن وقوع هذا الاستعمال الشرعى يؤذن بأن إطلاقها على الصلاة بتأويل، لأنا نقول: التأويل بالوضع لا يعم المجازات كلها بل إنما يكون فى الاستعارة على أحد القولين، ولذلك قال: إنما ذكرت هذا لإخراج الاستعارة، يعنى فهب أنه أخرج الاستعارة، فما الذى يخرج بقية أنواع المجازات.
وأورد عليه فى الإيضاح - أيضا - أن حد المجاز يدخل فيه الغلط. قلت: أما اعتراضه بأن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل فصحيح، وقد سبق حد الوضع بما يخرج المجاز بجميع أنواعه، فتسمية المجاز موضوعا إن أطلق فهو مجاز، فلا حاجة إلى
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاحتراز عنه. وقول الخطيبى:" إن ذلك موضوع عند من يقول: الاستعارة موضوعة". فيه نظر؛ لأن القائل: إنها موضوعة، إنما يريد وضعا تأويليا. وقوله:" إذ لو كان كذلك لما صح استفسار" يقال عليه: لا نسلم صحة الاستفسار، بل إذا أطلق الوضع تبادر الذهن إلى الحقيقى، وهذا الكلام منه، هو الذى ألجأه إلى أن يقول فيما سبق:
أن المجاز موضوع، ثم قال: وأيضا ذكر قوله:" بتأويل" لدفع من يتوهم أن الاستعارة موضوعة بالتحقيق، وهذا الجواب قد أشار إليه المصنف فى الإيضاح، ولا يصح؛ لأنه لو كان قوله:" بغير تأويل" للإيضاح، لا للاحتراز. والسكاكى قد صرح بأنه احترز بها عن الاستعارة على أصح القولين، فهذا التأويل مصادم لصريح كلام السكاكى، ثم إنى أقول على كلام السكاكى والمعترضين عليه معا: إن هذا القيد لا يحتاج له سواء أكان الوضع أعم من الحقيقى، أم لا، فإن المجاز ليس فيه وضع، لا بالتحقيق ولا بالتأويل، أما بالتحقيق فظاهر، وأما بالتأويل، فلأن الاستعارة لفظ مستعمل بالتأويل فى غير ما وضع له مطلقا، فالاستعمال فى غير الموضوع وقع مصاحبا للتأويل، أو بسبب التأويل، وليس الاستعمال فى" وضع" لا بالتحقيق ولا بالتأويل، وغاية ما فى الاستعارة ادعاء أن المستعار له داخل فى جنس المستعار منه، وهذا هو التأويل والاستعمال ينشأ عنه فإن سميت هذا التأويل وضعا فلا مشاحة (١) فى الاصطلاح، وأما السؤال الثانى من أن التقييد باصطلاح التخاطب لا بد منه فى حد الحقيقة فأجاب الخطيبى عنه: بأنه اكتفى عن ذكره فيها بذكره فى المجاز، لكون البحث عن الحقيقة فى هذا العلم غير مقصود بالذات، وليس بطائل، والذى يظهر فى جوابه ما ذكره المصنف، ولم يرضه، وهو أن قوله:" من غير تأويل فى الوضع" يغنى عن قوله:" فى اصطلاح التخاطب"؛ لأن إطلاق الصلاة بعرف الشرع على الدعاء، وإن كان استعمالا فى الموضوع، لكنه بتأويل فى الوضع، وهو استعمال الصلاة فى الدعاء، لعلاقة بينه وبين ذات الأركان لا يقال: فكان يستغنى عن ذكرها فى حد المجاز، أيضا؛ لأنا نقول: لعله ذكرها لإخراج المستعمل فى غير موضوعها بالتحقيق، لا لعلاقة، فإنه صدق عليه أنه مستعمل فى غير موضوع بالتحقيق، لأن ما استعمل لا فى وضع بالتحقيق ولا بالتأويل، يصدق عليه أنه استعمل فى غير وضع بالتحقيق؛ فأما اعتراض المصنف على هذا الجواب:
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأن التأويل فى الاستعارة دون سائر أنواع المجاز، ففيه نظر، فإن الذى ليس فى سائر أنواع المجاز، هو هذا التأويل الخاص، وهو كون المشبه فردا من جنس المشبه به أما مطلق التأويل وهو باعتبار المناسبة بين الموضوع وغيره بالعلاقة، فلا بد منه، ولذلك ذهب جماعة من الأصوليين إلى أن المجاز بجميع أنواعه موضوع، وقوله: إنه ذكر هذا القيد لإخراج الاستعارة يجوز أن يريد لإخراجها وغيرها من المجازات، وذكره الاستعارة لأنها المقصود بالكلام، وأجيب عن السكاكى بأنه ترك ذكر هذا القيد فى حد الحقيقة اكتفاء بتعداد أفرادها، وتقسيمها، إلى
الحقائق اللغوية والشرعية، والعرفية، وأما المجاز فلما لم يقسمه احتاج إلى زيادة تدخل أقسامه، وأما الاعتراض بأنه يرد عليه الغلط، فأجاب الخطيبى عنه بأن الغلط خرج بقوله:" مع قرينة عدم إرادته" فإن الغالط لا ينصب قرينة على عدم إرادة الوضع، وفيه نظر؛ لجواز أن يكون نصب القرينة أيضا غلطا بأن تكون قرينة تصرف عن الحقيقة، ولا تصرف إلى ذلك المجاز، كقولك مشيرا إلى كتاب: يأيها الأسد الرامى بالنبل. نعم قد يجاب بأمرين: أحدهما: أن السكاكى صرح فى أثناء هذا البحث بأنا لا نقول فى عرفنا: استعملت الكلمة فيما تدل عليه، أو فى غيره، حتى يقول: الغرض الأصلى طلب دلالتها على المستعمل فيه فيخر (١) الغلط.
الثانى: أنه خرج بقوله:" كلمة" فإنه ليس من كلمات العرب كما سبق، بقى على المصنف، والسكاكى معا اعتراض هو أقوى من جميع ما سبق، وهو أن قوليهما: إن قول السكاكى:" فى حد الحقيقة من غير تأويل" احتراز عن الاستعارة، فإنها مستعملة فى موضوعها على أصح القولين يقتضى أنا إذا قلنا: إن الاستعارة حقيقة، لا يكون محترزا عنها بهذا القيد، بل تكون داخلة فى حد الحقيقة، وفيه نظر؛ لأنها حينئذ تكون خارجة عن حد الحقيقة فيكون الحد غير جامع، فإن القائل: إنها حقيقة لا يقطع النظر عن التأويل، وأيضا، فإن مفهوم قوله:" إنها مستعملة فى موضوعها" على أحد القولين يقتضى أنها على الآخر مستعملة فى موضوعها، وليس كذلك بل هى على القولين مستعملة فى موضوعها، وإنما استعمالها فى موضوعها على القول بأنها حقيقة أوضح.
стр. 810
وقسّم المجاز اللغوى إلى الاستعارة وغيرها. وعرّف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفى التشبيه، وتريد به الآخر، مدّعيا دخول المشبّه فى جنس المشبّه به. وقسّمها إلى المصرّح بها، والمكنى عنها.
وعنى بالمصرّح بها: أن يكون المذكور هو المشبّه به، وجعل منها تحقيقيّة، وتخييليّة: وفسّر التحقيقيّة بما مرّ، وعدّ التمثيل منها:
وردّ: بأنه (١) مستلزم للتركيب المنافى للإفراد ...
ــ
تقسيم السكاكى المجاز إلى الاستعارة وغيرها: ص: (وقسم المجاز إلى الاستعارة وغيرها إلخ).
(ش): هذا اعتراض آخر على السكاكى، وهو أنه قسم المجاز إلى الاستعارة، وغيرها، فلزم أن يكون كل استعارة مجازا، وعرف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفى التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه فى جنس المشبه به. (وقسمها) أى الاستعارة إلى: المصرح بها، والمكنى عنها، وعنى بالمصرح بها أن يكون المذكور هو
المشبه به وفى العبارة توسع؛ لأن كون المذكور هو المشبه به ليس الاستعارة، بل ذلك ليكون متعلق الاستعارة، وكذلك قوله:" أن تذكر" ليست الاستعارة الاصطلاحية أن تذكر، بل المذكور، وجعل منها أن من المصرح بها تحقيقية وتخييلية، وفيه توسع؛ لأن المصرح بها كلها تحقيقية وتخييلية، وتحرير العبارة أن يقال: قسم المجاز إلى:
الاستعارة، وغيرها، وعرف الاستعارة بذكر أحد طرفى التشبيه مرادا به الآخر، وقسمها إلى مصرح بها، ومكنى عنها، وعنى بالمصرح بها أن يذكر المشبه به مرادا به المشبه، وقسمها إلى: تحقيقية، وتخييلية، وفسر التحقيقية بما مر، أى ما كان المشبه فيه حسيا أو عقليا، وعد التمثيل منها أى من الاستعارة التحقيقية، فلزم أن يكون التمثيل قسما من التحقيقية، التى هى قسم من المصرح بها، التى هى قسم من الاستعارة، التى هى قسم من المجاز، الذى هو كلمة، والكلمة مفرد، فيلزم أن يكون التمثيل مفردا، ورد ذلك بأن التمثيل مستلزم للتركيب؛ لأنه مركب والتركيب مناف للإفراد، فيلزم أن يكون التمثيل مفردا ومركبا، وذلك جمع بين الضدين وهو محال. وأجاب الخطيبى: بأن المركب قد يطلق عليه كلمة، فيكون مراده بالكلمة فى حد المجاز ما هو أعم من المفرد والمركب، وفيه نظر؛ لأن إطلاق الكلمة على الكلام مجاز، وأيضا فإنه يستلزم أن يكون