← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فصل [تعريف السكاكي للحقيقة اللغوية] عرّف السكاكى الحقيقة اللغوية بالكلمة المستعملة فيما وضعت له، من غير تأويل فى الوضع؛ واحترز بالقيد الأخير عن الاستعارة، على أصح القولين؛ فإنها مستعملة فيما وضعت له بتأويل ... ــ فى استيفاء اللذات أو الأسباب التى قلما تتآخذ فى اتباع الغى إلا أوان الصبا، كالمال والإخوان، فتكون استعارة الأفراس حينئذ تحقيقية على التقديرين، لكون المشبه المتروك محققا عقليا على الأول، وحسيا على الثانى، ويكون لفظ الصبا حقيقة وعلى التقديرين فى البيت استعارة تبعية، ونظير البيت فى تجويز الوجهين قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (١) وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢) على ما ذكره السكاكى، وإن كان المصنف قد جزم بأنها تحقيقية، فإن قلت: المصنف يرى أن الاستعارة بالكناية حقيقة لغوية، وقد جعل هنا لفظ" الصبا" على الاحتمال الأول استعارة بالكناية، وجعله مجازا على الميل والجهل، فقد جعل الاستعارة بالكناية مجازا. قلت: عنه جوابان: أحدهما: أن الصبا ليس مجازا عن الصبوة، بل حقيقة فيها - أيضا - كما يقتضيه كلام الجوهرى. الثانى: أنه إنما أراد بكون الاستعارة بالكناية حقيقة أنها غير مستعملة فى ملزوم واللازم المذكور، الذى هو من خواص المشبه به، والأمر هنا كذلك، فإن الصبا لم يستعمل فى السفر الذى يلزمه الأفراس أما كون لفظ الاستعارة بالكناية تجوز به عن معنى من المعانى، فالمصنف لا يمنع ذلك. تعريف السكاكى للحقيقة اللغوية: ص: (فصل: عرف السكاكى الحقيقة اللغوية إلخ). (ش): هذا فصل يتضمن اعتراضات على السكاكى فى تعريف الحقيقة والمجاز والاستعارة، وفى أقسام الاستعارة، فنقل عن السكاكى أنه حد الحقيقة اللغوية بأنها الكلمة المستعملة فيما وضعت له من غير تأويل فى الوضع، واحترز بالقيد الأخير، وهو قوله:" من غير تأويل فى الوضع" عن الاستعارة فإنها على أصح القولين الذاهب إلى أنها مجاز لغوى مستعملة فيما وضعت له وضعا بالتأويل، وهو ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان: متعارف، وغيره. والمستعار له داخل فى جنس المستعار منه بهذا التأويل، ثم ذكر عنه أنه عرف المجاز اللغوى بالكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له

стр. 807

وعرّف المجاز اللّغوى بالكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له بالتحقيق، فى اصطلاح به التخاطب، مع قرينة مانعة عن إرادته، وأتى بقيد التحقيق خ خ؛ لتدخل الاستعارة؛ على ما مرّ. وردّ: بأن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل، وبأنّ التقييد باصطلاح التخاطب لا بدّ منه فى تعريف الحقيقة. ــ بالتحقيق فى اصطلاح التخاطب، مع قرينة مانعة من إرادته وأتى بقيد التحقيق المتعلق بالوضع، لتدخل الاستعارة فى قسم المجاز، على ما مر تقريره من أنها مجاز لغوى فإنها مستعملة فيما وضعت له لكن بالتأويل، لا بالتحقيق ثم أورد المصنف عليه أمرين: أحدهما: أن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل، فلا حاجة إلى قوله: فى حد الحقيقة فيما وضعت له بتأويل. ولا حاجة إلى قوله: فى حد المجاز بالتحقيق؛ لأن لفظ الوضع والفعل المشتق منه إنما ينصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة، وحقيقة الوضع بالتحقيق من غير تأويل، وأورد على السكاكى فى هذا القيد أنه إذا صدق أنها مستعملة فى غير ما وضعت له بالتحقيق، صدق أنها مستعملة فى غير ما وضعت له مطلقا؛ لأن صدق الأخص يستلزم الأعم. قاله: بعض شراح المفتاح. قلت: ليس من الأخص والأعم، بل من العام والخاص؛ لأن قوله:" فى غير وضع فى معنى النفى" فهو صيغة عموم. وقوله:" بالتحقيق" تخصيص أدخل ما استعمل فى وضع بتأويل. الثانى: أن التقييد باصطلاح التخاطب المذكور فى حد المجاز لا بد من ذكره فى حد الحقيقة أيضا لتدخل الحقائق الثلاث، كما أن ذكره فى حد المجاز أدخل الحقائق الثلاث: الشرعية، والعرفية، واللغوية. قال المصنف: لا يقال: قوله:" من غير تأويل فى الوضع" يغنى عن التقييد باصطلاح التخاطب، فإن الحقيقة الشرعية إذا استعملت فى معناها اللغوى، كإطلاق الصلاة بعرف الشرع على الدعاء، لا يصدق عليه أنه مستعمل فيما وضع له من غير تأويل، بل هو مستعمل فيما وضع له بالتأويل؛ لأن وقوع هذا الاستعمال الشرعى يؤذن بأن إطلاقها على الصلاة بتأويل، لأنا نقول: التأويل بالوضع لا يعم المجازات كلها بل إنما يكون فى الاستعارة على أحد القولين، ولذلك قال: إنما ذكرت هذا لإخراج الاستعارة، يعنى فهب أنه أخرج الاستعارة، فما الذى يخرج بقية أنواع المجازات. وأورد عليه فى الإيضاح - أيضا - أن حد المجاز يدخل فيه الغلط. قلت: أما اعتراضه بأن الوضع إذا أطلق لا يتناول الوضع بتأويل فصحيح، وقد سبق حد الوضع بما يخرج المجاز بجميع أنواعه، فتسمية المجاز موضوعا إن أطلق فهو مجاز، فلا حاجة إلى

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الاحتراز عنه. وقول الخطيبى:" إن ذلك موضوع عند من يقول: الاستعارة موضوعة". فيه نظر؛ لأن القائل: إنها موضوعة، إنما يريد وضعا تأويليا. وقوله:" إذ لو كان كذلك لما صح استفسار" يقال عليه: لا نسلم صحة الاستفسار، بل إذا أطلق الوضع تبادر الذهن إلى الحقيقى، وهذا الكلام منه، هو الذى ألجأه إلى أن يقول فيما سبق: أن المجاز موضوع، ثم قال: وأيضا ذكر قوله:" بتأويل" لدفع من يتوهم أن الاستعارة موضوعة بالتحقيق، وهذا الجواب قد أشار إليه المصنف فى الإيضاح، ولا يصح؛ لأنه لو كان قوله:" بغير تأويل" للإيضاح، لا للاحتراز. والسكاكى قد صرح بأنه احترز بها عن الاستعارة على أصح القولين، فهذا التأويل مصادم لصريح كلام السكاكى، ثم إنى أقول على كلام السكاكى والمعترضين عليه معا: إن هذا القيد لا يحتاج له سواء أكان الوضع أعم من الحقيقى، أم لا، فإن المجاز ليس فيه وضع، لا بالتحقيق ولا بالتأويل، أما بالتحقيق فظاهر، وأما بالتأويل، فلأن الاستعارة لفظ مستعمل بالتأويل فى غير ما وضع له مطلقا، فالاستعمال فى غير الموضوع وقع مصاحبا للتأويل، أو بسبب التأويل، وليس الاستعمال فى" وضع" لا بالتحقيق ولا بالتأويل، وغاية ما فى الاستعارة ادعاء أن المستعار له داخل فى جنس المستعار منه، وهذا هو التأويل والاستعمال ينشأ عنه فإن سميت هذا التأويل وضعا فلا مشاحة (١) فى الاصطلاح، وأما السؤال الثانى من أن التقييد باصطلاح التخاطب لا بد منه فى حد الحقيقة فأجاب الخطيبى عنه: بأنه اكتفى عن ذكره فيها بذكره فى المجاز، لكون البحث عن الحقيقة فى هذا العلم غير مقصود بالذات، وليس بطائل، والذى يظهر فى جوابه ما ذكره المصنف، ولم يرضه، وهو أن قوله:" من غير تأويل فى الوضع" يغنى عن قوله:" فى اصطلاح التخاطب"؛ لأن إطلاق الصلاة بعرف الشرع على الدعاء، وإن كان استعمالا فى الموضوع، لكنه بتأويل فى الوضع، وهو استعمال الصلاة فى الدعاء، لعلاقة بينه وبين ذات الأركان لا يقال: فكان يستغنى عن ذكرها فى حد المجاز، أيضا؛ لأنا نقول: لعله ذكرها لإخراج المستعمل فى غير موضوعها بالتحقيق، لا لعلاقة، فإنه صدق عليه أنه مستعمل فى غير موضوع بالتحقيق، لأن ما استعمل لا فى وضع بالتحقيق ولا بالتأويل، يصدق عليه أنه استعمل فى غير وضع بالتحقيق؛ فأما اعتراض المصنف على هذا الجواب:

стр. 809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأن التأويل فى الاستعارة دون سائر أنواع المجاز، ففيه نظر، فإن الذى ليس فى سائر أنواع المجاز، هو هذا التأويل الخاص، وهو كون المشبه فردا من جنس المشبه به أما مطلق التأويل وهو باعتبار المناسبة بين الموضوع وغيره بالعلاقة، فلا بد منه، ولذلك ذهب جماعة من الأصوليين إلى أن المجاز بجميع أنواعه موضوع، وقوله: إنه ذكر هذا القيد لإخراج الاستعارة يجوز أن يريد لإخراجها وغيرها من المجازات، وذكره الاستعارة لأنها المقصود بالكلام، وأجيب عن السكاكى بأنه ترك ذكر هذا القيد فى حد الحقيقة اكتفاء بتعداد أفرادها، وتقسيمها، إلى الحقائق اللغوية والشرعية، والعرفية، وأما المجاز فلما لم يقسمه احتاج إلى زيادة تدخل أقسامه، وأما الاعتراض بأنه يرد عليه الغلط، فأجاب الخطيبى عنه بأن الغلط خرج بقوله:" مع قرينة عدم إرادته" فإن الغالط لا ينصب قرينة على عدم إرادة الوضع، وفيه نظر؛ لجواز أن يكون نصب القرينة أيضا غلطا بأن تكون قرينة تصرف عن الحقيقة، ولا تصرف إلى ذلك المجاز، كقولك مشيرا إلى كتاب: يأيها الأسد الرامى بالنبل. نعم قد يجاب بأمرين: أحدهما: أن السكاكى صرح فى أثناء هذا البحث بأنا لا نقول فى عرفنا: استعملت الكلمة فيما تدل عليه، أو فى غيره، حتى يقول: الغرض الأصلى طلب دلالتها على المستعمل فيه فيخر (١) الغلط. الثانى: أنه خرج بقوله:" كلمة" فإنه ليس من كلمات العرب كما سبق، بقى على المصنف، والسكاكى معا اعتراض هو أقوى من جميع ما سبق، وهو أن قوليهما: إن قول السكاكى:" فى حد الحقيقة من غير تأويل" احتراز عن الاستعارة، فإنها مستعملة فى موضوعها على أصح القولين يقتضى أنا إذا قلنا: إن الاستعارة حقيقة، لا يكون محترزا عنها بهذا القيد، بل تكون داخلة فى حد الحقيقة، وفيه نظر؛ لأنها حينئذ تكون خارجة عن حد الحقيقة فيكون الحد غير جامع، فإن القائل: إنها حقيقة لا يقطع النظر عن التأويل، وأيضا، فإن مفهوم قوله:" إنها مستعملة فى موضوعها" على أحد القولين يقتضى أنها على الآخر مستعملة فى موضوعها، وليس كذلك بل هى على القولين مستعملة فى موضوعها، وإنما استعمالها فى موضوعها على القول بأنها حقيقة أوضح.

стр. 810

وقسّم المجاز اللغوى إلى الاستعارة وغيرها. وعرّف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفى التشبيه، وتريد به الآخر، مدّعيا دخول المشبّه فى جنس المشبّه به. وقسّمها إلى المصرّح بها، والمكنى عنها. وعنى بالمصرّح بها: أن يكون المذكور هو المشبّه به، وجعل منها تحقيقيّة، وتخييليّة: وفسّر التحقيقيّة بما مرّ، وعدّ التمثيل منها: وردّ: بأنه (١) مستلزم للتركيب المنافى للإفراد ... ــ تقسيم السكاكى المجاز إلى الاستعارة وغيرها: ص: (وقسم المجاز إلى الاستعارة وغيرها إلخ). (ش): هذا اعتراض آخر على السكاكى، وهو أنه قسم المجاز إلى الاستعارة، وغيرها، فلزم أن يكون كل استعارة مجازا، وعرف الاستعارة بأن تذكر أحد طرفى التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه فى جنس المشبه به. (وقسمها) أى الاستعارة إلى: المصرح بها، والمكنى عنها، وعنى بالمصرح بها أن يكون المذكور هو المشبه به وفى العبارة توسع؛ لأن كون المذكور هو المشبه به ليس الاستعارة، بل ذلك ليكون متعلق الاستعارة، وكذلك قوله:" أن تذكر" ليست الاستعارة الاصطلاحية أن تذكر، بل المذكور، وجعل منها أن من المصرح بها تحقيقية وتخييلية، وفيه توسع؛ لأن المصرح بها كلها تحقيقية وتخييلية، وتحرير العبارة أن يقال: قسم المجاز إلى: الاستعارة، وغيرها، وعرف الاستعارة بذكر أحد طرفى التشبيه مرادا به الآخر، وقسمها إلى مصرح بها، ومكنى عنها، وعنى بالمصرح بها أن يذكر المشبه به مرادا به المشبه، وقسمها إلى: تحقيقية، وتخييلية، وفسر التحقيقية بما مر، أى ما كان المشبه فيه حسيا أو عقليا، وعد التمثيل منها أى من الاستعارة التحقيقية، فلزم أن يكون التمثيل قسما من التحقيقية، التى هى قسم من المصرح بها، التى هى قسم من الاستعارة، التى هى قسم من المجاز، الذى هو كلمة، والكلمة مفرد، فيلزم أن يكون التمثيل مفردا، ورد ذلك بأن التمثيل مستلزم للتركيب؛ لأنه مركب والتركيب مناف للإفراد، فيلزم أن يكون التمثيل مفردا ومركبا، وذلك جمع بين الضدين وهو محال. وأجاب الخطيبى: بأن المركب قد يطلق عليه كلمة، فيكون مراده بالكلمة فى حد المجاز ما هو أعم من المفرد والمركب، وفيه نظر؛ لأن إطلاق الكلمة على الكلام مجاز، وأيضا فإنه يستلزم أن يكون

стр. 811

وفسّر التخييلية بما لا تحقّق لمعناه حسّا ولا عقلا، بل هو صورة وهميّة محضة؛ كلفظ الأظفار فى قول الهذلىّ؛ فإنه لمّا شبّه المنيّة بالسّبع فى الاغتيال، أخذ الوهم فى تصويرها بصورته واختراع لوازمه لها، فاخترع لها صورة مثل الأظفار، ثم أطلق عليها لفظ الأظفار: ــ المركب موضوعا؛ لأنه وصف المجاز بأن له موضوعا استعمل فى غيره، والأكثرون على خلافه، وأجاب أيضا: بأنا لا نسلم أنه عد التمثيل من المصرح بها التحقيقية، فجاز أن يكون ذكره فى فصلها لمشابهته لها من جهة تحقيق معنى التشبيه المتروك عقلا، وذكر المشبه به فقط. وأجيب أيضا بأن السكاكى لم يلتزم فى التمثيل، أن يكون مركبا، بدليل أنه جعل منه قوله:" وصاعقة من نصله" وعد منه: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ (١) وأجيب أيضا بأنه عد التمثيل من الاستعارة التحقيقية، لا فى كونه مركبا بل فى جهات أخر تظهر بالتأمل، بقى هنا بحث، وهو أن الاستعارة المصرح بها قسمت إلى تحقيقية وتخييلية، ولم تقسم المكنية إلى ذلك فما المانع من تقسيم المكنية - أيضا - إلى تحقيقية، وهو ما كان المشبه به فيها ثابتا فى الحس أو العقل، وتخييلية، وهو ما لم يكن ثابتا فى الحس ولا العقل، بل فى الوهم، كما ذكره بعض شراح المفتاح، وقد يجاب بأن المكنية لا يكون المشبه به فيها إلا تخييليا؛ لأن المشبه به هو الفرد المدعى دخوله فى حقيقة المشبه به، كما أن المنية مشبهة بالسبع الذى هو مجازى، فالمشبه" المنية"، والمشبه به الذى هو مجازى" السبع" الذى هو موت، هذا على رأى السكاكى فى معنى الاستعارة بالكناية، وأما على رأى المصنف فلا يأتى ذلك. تفسير السكاكى للاستعارة التخييلية: ص: (وفسر التخييلية إلخ). (ش): هذا اعتراض ثالث، وهو أن السكاكى فسر الاستعارة التخييلية بما لا تحقق لمعناه، أى للمراد منه، وهو للمشبه إذ لا يكون للمشبه تحقق فى الحس ولا فى العقل، وعبارة المصنف حسا وعقلا، وينبغى أن يقول حسا ولا عقلا؛ ليكون نعتا لكل منهما، لا لمجموعهما، بل هو أى المشبه به صورة وهمية محضة كلفظ" الأظفار" فى قول الهذلى: وإذا المنيّة أنشبت أظفارها (٢)

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنه لما شبه المنية بالسبع فى الاغتيال أخذ الوهم فى تصويرها بصورته، واختراع لوازمه للمنية من الهيئات والجوارح، وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتياله للنفوس به، فاخترع لها مثل صورة الأظفار ثم أطلق عليها لفظ" الأظفار". قلت: وهذه العبارة تقتضى أن" الأظفار" يكون بها قيام وجه الشبه، لا أنها من القسم الآخر، وهو ما يكمل به وجه الشبه، وقد تقدم عند الكلام فى الاستعارة بالكناية عكسه، فهذا مخالف لما سبق من كلامه فى التلخيص تلويحا، وفى الإيضاح تصريحا والمذكور هنا أقرب إلى الصحة، فإن بالأظفار يكمل وجه الشبه، لا يكون به قوامه، فإن الاغتيال يكون بالأنياب أيضا، وبقى هنا سؤال آخر على المصنف، وهو أن يقال: لا نسلم أن المنية ليس لها أمر عقلى من المقدمات، ولا شك أن له تحققا فى العقل يكون مشبها بالأظفار كما جعلتم للخوف والجوع لباسا متحققا فى العقل، فكانت استعارته تحقيقية فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (١) فإنكم قلتم: إن الاستعارة فيه تحقيقية، إما لأن المشبه فيه حسى ولا تفريع عليه، أو عقلى بأن يكون أريد باللباس الشدائد والدواهى، فكما جعلتم اللباس أريد به الشدائد الحاصلة من الجوع، وقلتم تحقيقية؛ لأن المشبه فيه متحقق فى العقل، فاجعلوا مقدمات الموت المتحققة فى العقل أظفارا، ولا يرد هذا على السكاكى؛ لأنه جعل الاستعارة فى الآية خيالية، فاعترض المصنف عليه بأمور: أحدها: أن فيما ذكره تعسفا لكثرة الأعمال المذكورة. الثانى: أنه مخالف لتفسير غيره، فإن غيره فسرها بأنها جعل الشئ للشئ، أى على سبيل المبالغة، ومثلوه بقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها (٢) فإن تفسيره يقتضى أن يجعل للشمال صورة متوهمة كصورة اليد، لا أن يجعل لها يدا، فإطلاق اسم اليد على تفسيره استعارة، وعلى تفسير غيره حقيقة، وإنما الاستعارة فى إثباتها للشمال، كما قلنا فى المجاز العقلى الذى المشبه فيه حقيقة. قلت: هذا من المصنف يقتضى أن المجاز العقلى استعارة بالكناية، وهو لا يرى ذلك، بل رد على السكاكى القول به، فهو مناقض لما قاله أوائل الكتاب، فليتأمل.

стр. 813

وفيه تعسّف، ويخالف تفسير غيره لها بجعل الشئ للشئ، ويقتضى أن يكون الترشيح تخييليّة؛ للزوم مثل ما ذكره فيه. ــ الثالث: أنه يلزم أن يكون ترشيح الاستعارة استعارة تخييلية للزوم ما ذكر فيه؛ لأن الترشيح فيه إثبات بعض لوازم المشبه به المختصة به للمشبه، إلا أن التعبير عن المشبه فى" التخييلية" بلفظه الموضوع له، وفى" الترشيح" بغير لفظه، وهذا لا يفيد فرقا، والقول بذلك يقتضى أن يكون الترشيح ضربا من التخييلية، وليس كذلك. الرابع: ذكره المصنف فى الإيضاح أن إطلاقه أن التخييلية ما استعمل فى صورة متوهمة مشابهة لمحققة (١)، يقتضى أنه لا يشترط فى" التخييلية" اقترانها بالاستعارة بالكناية لأنه أطلق. ويدل أيضا على إرادته ذلك، أنه قال: حسن التخييلية بحسب حسن المكنى عنها متى كانت تابعة لها كما فى قولك:" فلان بين أنياب المنية ومخالبها" وقلما تحسن الحسن البليغ غير تابعة لها، ولذلك استهجنت فى قول الطائى: لا تسقنى ماء الملام فإنّنى ... صبّ قد استعذبت ماء بكائى (٢) وهذا منه يقتضى أن التخييلية قد تكون غير تابعة للمكنية، فإن قيل: لم لا يجوز أن يريد بغير التابعة للمكنية التابعة لغير المكنية قلنا: غير المكنية هى المصرح بها، فتكون التابعة لها ترشيحا للاستعارة، وهى من أحسن البلاغة، فكيف يصح استهجانه؟ ورأى المصنف أن" التخييلية" لا بد أن تكون تابعة للمكنية، وأجاب عن بيت أبى تمام بجواز أن يكون شبه الملام بظرف الشراب، لاشتماله على ما يكرهه الملوم، كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لبشاعته أو مرارته، فتكون التخييلية تابعة للمكنى عنها، أو بالماء نفسه؛ لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام، فيكون تشبيها على حد قوله: والرّيح تلعب بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء (٣)

стр. 814

وعنى بالمكنىّ عنها: أن يكون المذكور هو المشبّه، على أن المراد بالمنيّة السبع؛ بادّعاء السّبعية لها؛ بقرينة إضافة الأظفار إليها. ــ فيكون تشبيها، كما صرح به المصنف فى التشبيه كما سبق، ولا يكون استعارة، والاستهجان حاصل على التقديرين؛ لأنه كان ينبغى أن يشبهه بظرف شراب مكروه، أو بشراب مكروه؛ ولهذا لم يستهجن" أغلظت لفلان القول" و" جرعته منه كأسا مرة" أو" سقيته أمر من العلقم"، هذا ما أورده المصنف على السكاكى، واعلم أن جعله" لجين الماء" و" ماء الملام" تشبيها، يقتضى جعل لباس الجوع والخوف تشبيها، وقد عده فى أول الكلام على الاستعارة" استعارة" وإنما ردد القول فى أنها تحقيقية أو تخييلية، فهذا الكلام مخالف لما سبق، وأجاب الخطيبى عن الأول، والثانى بأن ما ذكره السكاكى هو الموافق لإجماع الناس على أن الاستعارة التخييلية مجاز لا حقيقة، وما ذكره المصنف يقتضى أنها ليست مجازا، فلا تكون استعارة، وعن الثالث بأنه لا يلزم أن يكون الترشيح تخييلية؛ لأن الترشيح للمبالغة فى الاستعارة، والتخييل لحصول الاستعارة، وبينهما فرق، وهذا هو الفرق الذى ذكره المصنف، وقال: لا يحصل به فرق، والظاهر مع الخطيبى، لأن ما يقوى الشئ الحاصل هو الجدير باسم الترشيح، وما لا تعلم الاستعارة إلا به هو الجدير باسم الاستعارة، وعن الرابع بأن عدم وجدان استعارة تخييلية دون استعارة بالكناية لا يقتضى أن يكون اقترانها بالكناية شرطا، ويشهد لما قاله أن السكاكى قال: الاستعارة بالكناية لا تنفك عن الاستعارة التخييلية، وستقف فى آخر الفصل على تفصيل هنا، ثم ذكر فى آخر الفصل أن المكنية توجد دون التخييلية فقد حصل انفكاك إحداهما عن الأخرى، وإذا صح انفكاك المكنية فكذلك يصح انفكاك التخييلية، ومن جهة المعنى أن الأصل عدم توقف إحدى الاستعارتين على الأخرى، فمدعى الاشتراط هو المحتاج إلى دليل. الاستعارة المكنية: ص: (وعنى بالمكنى عنها إلخ). (ش): هذا اعتراض آخر على صاحب المفتاح، حاصله أن المصنف يرى أن الاستعارة بالكناية أن يذكر لفظ المشبه مرادا به حقيقته، ويدل على أن القصد تشبيهه بغيره بذكر شئ من لوازم ذلك الغير والسكاكى يرى أن المكنية عبارة عن ذكر المشبه مرادا به المشبه به، بعد ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به، فإن قلت: يلزم أن

стр. 815

وردّ: بأن لفظ المشبّه فيها مستعمل فيما وضع له تحقيقا، والاستعارة ليست كذلك، وإضافة نحو (الأظفار) قرينة التشبيه. ــ تكون المنية مثلا فى بيت الهذلى أريد بها" السبع"؛ لأنه المشبه به، فيكون استعارة تحقيقية، ولا يكون معنى المنية مقصودا، والقطع حاصل بخلافه، قلت: بل المنية يعبر بها عن" السبع" الذى هو الموت بعد ادعاء أن الموت فرد من أفراد السباع، فالمراد بالمنية السبع لكن ليس السبع الحقيقى، بل السبع المجازى، فالاستعارة فى الأصل للسبع كأنا عبرنا بالسبع عن المنية، ثم عبرنا بالمنية عن ذلك السبع، فيصح أن يقال حينئذ: المراد بالمنية" السبع"، وأن يقال: المراد بها" الموت" وعلى التقديرين المراد المشبه به، ووضح بذلك أن المنية فى البيت مشبه أريد به المشبه به، فالمشبه المنية التى هى موت مطلق، والمشبه به المنية التى هى موت مقيد بكونه له صورة السبع، ولما كان المصنف مخالفا للسكاكى فى ذلك، ويرى أن المراد بالمشبه" الحقيقة المشبهة" اعترض عليه، فقال: وعنى بالمكنى عنها أن يكون المذكور هو المشبه على أن المراد بالمنية" السبع" أى السبع المجازى الذى ادعى دخوله فى أفراد السبع الحقيقى بادعاء السبعية، أى صفة السبع لها بقرينة إضافة الأظفار إليها، أى إضافتها لضميرها، أى بمعنى نسبتها لها، ورد المصنف هذا بأن لفظ المشبه فيها، أى فى" المنية" مثلا مستعمل فيما وضع له تحقيقا، وعبر المصنف هنا بلفظ المشبه؛ لأنه يرى أن ذلك تشبيه لا استعارة، وهذا استدلال بنفس الدعوى، قال فى الإيضاح: للقطع بأن المراد" بالمنية" فى البيت" الموت" لا الحيوان المفترس. قلت: وهذا لا يدل؛ لأن السكاكى لا ينكر أن يكون المراد" بالمنية"" الموت"، ولك أن تقول: المراد بها الموت بقيد كونه على صورة السبع، كما حققناه آنفا، وهذا القدر هو الذى أوقع المصنف فى هذا الاعتراض، ولم يتأمل أن قول السكاكى: إن المراد" بالمنية"" السبع" لا ينفى ما هو مقطوع به من إرادة الموت، وقول المصنف: إن إدخال المنية فى جنس السبع للمبالغة، لا يقتضى كون اسم المنية يستعمل فيما لم يوضع له على التحقيق ليس صحيحا؛ لأن المنية التى وضع اللفظ لها" موت" هو معنى، والمنية المرادة فى المكنية موت له صورة السبع، وما ذكره السكاكى من كون الاستعارة بالكناية مجازا، عليه الأكثرون، وصرح به الزمخشرى عند قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (١).

стр. 816

واختار ردّ التبعيّة إلى المكنىّ عنها، بجعل قرينتها مكنيّا عنها، والتبعيّة قرينتها، على نحو قوله فى المنية وأظفارها. وردّ: بأنه إن قدّر التبعية حقيقة، لم تكن تخييلية؛ لأنها مجاز عنده، فلم تكن المكنىّ عنها مستلزمة للتخييلية؛ وذلك باطل بالاتفاق؛ وإلّا فتكون استعارة، فلم يكن ما ذهب إليه مغنيا عما ذكره غيره. ــ رد الاستعارة التبعية إلى الاستعارة المكنية: ص: (واختار رد التبعية إلخ). (ش): هذا اعتراض على السكاكى، وهو أنه اختار رد الاستعارة التبعية، أى الواقعة فى الحروف والمشتقات من المصادر إلى المكنى عنها، أى أن التبعية قسم من المكنية، أى بأن تجعل قرينتها، أى ما أسند إليه مثلا تلك التبعية مكنيا عنها، وتجعل التبعية قرينتها أى تخييلية على نحو ما قال فى" المنية" و" أظفارها" فى بيت الهذلى، فيكون معنى قولنا:" نطقت الحال" أن الحال عبر بها عن المتكلم بادعاء دخوله فى جنس المتكلمين، وقولنا:" نطقت" تخييلية، وقد رد المصنف عليه بأنه إن قدر التبعية حقيقة يلزم أن لا تكون تخييلية، لأن التخييلية عند السكاكى مجاز، وإذا كانت حقيقة لا تكون تخييلية، فيلزم أن لا تكون المكنى عنها مستلزمة للتخييلية، وذلك باطل بالاتفاق، يعنى أن وجود المكنية دون التخييلية باطل بالاتفاق، بخلاف وجود التخييلية دون المكنية فإنه جائز عند السكاكى ممتنع عند المصنف، كما سبق، وقد رد عليه الخطيبى: بأنا لا نسلم الاتفاق على أن المكنية تستلزم الخيالية؛ لأن المصنف يرى أن المجاز العقلى استعارة بالكناية، وليس مستلزما للخيالية. قلت: والجواب صحيح، وبرهانه أن السكاكى ذكره فى آخر الكلام على المجاز العقلى أنه عنده استعارة بالكناية، وأن المكنى عنها تنقسم إلى: ما قرينتها أمر وهمى" كالأنياب" فى قولنا: " أنياب المنية" أو أمر محقق" كالإنبات" فى قولنا:" أنبت الربيع البقل" لا يقال: فقد قال السكاكى: إن الاستعارة بالكناية لا تنفك عن التخييلية؛ لأنه قال على تفصيل سنذكره فى آخر الفصل، وهذا هو التفصيل الموعود به، وقال الخطيبى فى شرح المفتاح: إنه يمكن أن تكون" التخييلية" موجودة فى" أنبت الربيع" فيكون تشبيه الإنبات على سبيل التخييل، وهو فاسد، فإن ذلك مجاز إسنادى، ونحن إنما نتكلم فى الاستعارة التخييلية التى هى قسم من مجاز الإفراد. قوله: (وإلا) أى وإن لم يقدر التبعية

стр. 817

فصل [حسن كل من التحقيقية والتمثيل] حسن كل من التحقيقيّة والتمثيل: برعاية جهات حسن التشبيه، وألّا يشمّ رائحته لفظا؛ ولذلك يوصّى أن يكون الشبه بين الطرفين جليّا؛ لئلا يصير إلغازا؛ كما لو قيل: رأيت أسدا وأريد إنسان أبخر، ورأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة (١)، وأريد الناس. ــ حقيقة، بل جعلها" تخييلية" مجازا، فلم يكن ما ذهب إليه مغنيا عما ذكره غيره، أى لم يكن تقسيم الاستعارة إلى: مصرح بها، ومكنى عنها مغنيا عن تقسيمها إلى: تبعية، وغيرها لأن نحو:" نطقت" استعارة تخييلية مقرونة بالمكنية فهى مجاز، وإذا كان كذلك فهى تخييلية تبعية، بخلاف" الأظفار" فى قوله:" أنشبت أظفارها" فإنها تخييلية أصلية؛ فثبت أن تقسيم الاستعارة إلى: أصلية، وتبعية لا بد منه، سواء أكانت التبعية داخلة فى المكنية أم لا. قال بعضهم: لا يلزم ذلك؛ لأن التبعية والأصلية قسمان للتحقيقية، وإذا كانت هذه خيالية لا تسمى تبعية، واعلم أن فى عبارة السكاكى، وقوله:" التبعية من جنس المكنية" نظرا، ينبغى أن يقول:" من جنس الخيالية" كما هو مقصود غايته أن التبعية إذا كانت خيالية، والفرض أنها لا تحسن إلا مع المكنية أطلق عليها مكنية، لاقترانها بها، وفى نقل المصنف أنه اختار رد التبعية إلى المكنية نظر، لأنه لم يصرح باختيار ذلك، بل قال: لو جعل التبعية من المكنية لكان أقرب إلى الضابط، وليس ذلك صريحا فى اختيار هذا، قال فى الإيضاح: لكن يستفاد مما ذكره رد التركيب فى التبعية إلى تركيب الاستعارة بالكناية على ما فسرناها، وتصير التبعية حقيقة واستعارة تخييلية لما سبق؛ لأن التخييلية على ما فسرناها حقيقة لا مجاز. حسن كل من التحقيقية والتمثيل: ص: (فصل حسن كل من التحقيقية إلخ). (ش): لما استوفى أقسام الاستعارة والمجاز المركب شرع فى ضابط حسن كل منهما فقال: حسن كل من التحقيقية والتمثيل، وهو المجاز المركب وعطفه على الاستعارة وإن كان منها؛ لأنه لا يريد الاستعارة التى هى قسم من المجاز المفرد بأمور إن وجد فيها حسنت، وإلا عريت عن الحسن؛ بل ربما اكتسبت قبحا برعاية جهات

стр. 818

وبهذا ظهر: أن التشبيه أعمّ محلّا، ... ــ حسن التشبيه، أى الجهات المقتضية لحسن التشبيه المذكور فى بابه، فإن الاستعارة تشبيه معنوى مثل كون وجه الشبه كثير التفصيل، وكون حصول المشبه نادرا ونحوه، وجعل منه الخطيبى كون وجه الشبه فى المشبه به أتم وفيه نظر؛ لأنه إذا كان كذلك، يأتى بالتشبيه لا بالاستعارة، بل ينبغى أن يعكس فيقول: ويأتى بتساوى الطرفين حتى يأتى بالتشبيه، وأن لا، أى وحسنها أيضا بأن لا يشم رائحته، أى التشبيه لفظا، ولذلك أى ولأجل أن من شرط حسنها أن لا يشم رائحة التشبيه - يوصى، أى يوصى العلماء أن يكون التشبيه بين الطرفين جليا، وذلك إما بنفسه، أو بكونه مشهورا نسبته إلى المشبه به، كالشجاعة للأسد، حتى إذا كان مشهورا لا يحتاج إلى ذكر شئ يدل على التشبيه، فحينئذ يضعف التشبيه ويبطل حسنه، لئلا أى إن لم يكن وجه الشبه جليا، فإن الاستعارة تصير ألغازا، كذا قالوه. ولقائل أن يقول: وماذا يصير إذ صار ألغازا؟ ولا شك أن الألغاز من أنواع البديع المستحسنة، وله مواقع لا يصلح فيها غيره، إنما هو له مواضع لا يستعمل فيها، والمجاز كيف (١) وقع لا بد له من قرينة فربما كان الألغاز بالمجاز مع قرينة ضعيفة، أما دون القرينة فلا يقع استعارة ولا مجازا، وقولهم ذلك - وإن كان من مقاصد الأدباء - فالمقصود من الاستعارة خلافه ممنوع؛ بل كل من الألغاز وغيره يكون تارة بالحقيقة وتارة بالاستعارة، فليحمل ذلك على ما إذا لم يقصد التعميم، ومثال غير الجلى أن نقول:" رأيت أسدا" تريد إنسانا أبخر أو تقول:" رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة" تريد" الناس"، بل حق مثل ذلك أن تأتى بالتشبيه كما قال ﷺ " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" (٢) وكذلك تشبيهه ﷺ " المؤمن بالنخلة" (٣) والخامة، فإن قلت:" رأيت نخلة" أو" خامة" كنت كما قال سيبويه ملغزا تاركا لكلام الناس، نقله الإمام فخر الدين والزنجانى وزاد الزنجانى" وكان تكليفا بعلم الغيب" بل حق مثل ذلك أن يؤتى بالتشبيه كما قال ﷺ :" الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" (وبهذا) أى بكون التشبيه قد يكون بالجلى وغيره والاستعارة لا تكون إلا بالجلى (ظهر أن التشبيه أعم محلا من الاستعارة والتمثيل) فمتى وجد محل الاستعارة وجد محل التشبيه من غير عكس، كذا قالوه، وفيه نظر، فإن الذى ظهر مما سبق

стр. 819

ويتصل به أنه إذا قوى الشبه بين الطرفين حتى اتحدا - كالعلم والنور، والشبهة والظلمة - لم يحسن التشبيه، وتعيّنت الاستعارة. والمكنى عنها - كالحقيقية، والتخييلية - حسنها بحسب حسن المكنى عنها ... ــ أن محل حسن التشبيه أعم من محل الاستعارة؛ لأن محل التشبيه على الإطلاق أعم، ومن أسباب حسن الاستعارة أن لا تكون مطلقة بل تكون مرشحة، وإلا فمجردة. ص: (ويتصل به إلى آخره). (ش): أى، ويتصل بهذا البحث، أنه إذا قوى الشبه، أى وجه الشبه بين الطرفين حتى اتحدا، يريد" حتى صارا كأنهما شئ واحد"، هذا صواب العبارة، وإن كانت عبارة الإيضاح" حتى صار الفرع كأنه الأصل" وليست بجيدة لأنه يفر من شئ، وهو التشبيه، فيقع فى التعبير به؛ لأنه لا يحسن التشبيه وتتعين الاستعارة، وذلك كتشبيه" العلم"" بالنور" و" الشبهة" بالظلمة؛ فيحسن أن تقول:" فى قلبى نور، وليس فيه ظلمة" ولا يحسن أن تأتى بالتشبيه فتقول:" كأن نورا فى قلبى، وكأنك أوقعتنى فى ظلمة" قيل: إن هذين المثالين غير مطابقين لمقصوده؛ لأن لفظ النور والظلمة فيها استعارة، والمعنى: كأن مثل النور مستقر فى قلبى، وقد يجاب عنه بالمنع، فإن قولك:" كأن نورا فى قلبى"" تشبيه" قطعا لذكر الطرفين، وإنما جاء الالتباس فيه من جهة أنه تشبيه مقلوب، فإن أصله" كأن المستقر فى قلبى نور" فقلب، وقيل: كأن نورا فى قلبى؛ لأن الذى يلى كأن هو المشبه فهذا اعتراض، والقول: بأنه استعارة لا يصح، نعم كان ينبغى أن يمثل بتشبيه لا قلب فيه، لأنا لا نوافقه على أن التشبيه المقلوب دون الاستعارة فى المبالغة، وأما دعوى الاستعارة فى" كأنك أوقعتنى فى ظلمة" ففاسد - أيضا - بل هو تشبيه المعنى" أنت مثل موقع فى ظلمة" والظلمة حقيقة بلا شك، فتمثيل المصنف بها لا غبار عليه قوله: (لا يحسن التشبيه) قريب وقوله: (تتعين الاستعارة) قد يرد عليه أنه تقدم أنه إذا وصل الأمر إلى ذلك يأتى بلفظ التشابه لا التشبيه، وهو مخالف لقوله هنا:" تعينت الاستعارة" وقد يجاب بأن قوله:" تعينت الاستعارة" إنما قصد به نفى التشبيه لا انحصار التعبير فى الاستعارة، ولذلك قد تحصل المبالغة التى فى الاستعارة، وأكثر منها بقلب التشبيه، كقولك:" الأسد كزيد" ثم لما بين شروط حسن التحقيقية، والتمثيل قال: (والمكنى عنها) أى حسن الاستعارة المكنى عنها بحسب حسن التحقيقية والتمثيل، وحسن الاستعارة التخييلية بحسب حسن المكنى عنها، أما عند المصنف فلأنها لا تكون إلا تبعا لها وأما عند السكاكى فلأنها إن لم تتابعها لم يحسن حسنها تابعة بالاستقراء.

стр. 820

فصل [قد يطلق المجاز على كلمة تغيّر حكم إعرابها بحذف لفظ أو زيادة لفظ] وقد يطلق المجاز على كلمة تغيّر حكم إعرابها بحذف لفظ أو زيادة لفظ؛ كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ (١)، وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٢)، وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٣) أى: أمر ربّك، وأهل القرية، وليس مثله شئ. ــ فصل: قد يطلق المجاز على كلمة تغير حكم إعرابها: ص: (فصل قد يطلق المجاز إلخ). (ش): هذا النوع الآخر من أنواع المجاز وقوله: قد يطلق إشارة إلى أن تسمية هذا النوع مجازا ليس على التحقيق، لأن المجاز لفظ مستعمل فى غير موضوعه، وليس فى النقص لفظ استعمل فى غير موضوعه، والزيادة - أيضا - لم يستعمل الزائد فى غير موضوعه، وفى الثانى نظر؛ لأن استعماله للتأكيد استعمال فى غير موضوعه لا يقال: شرط المجاز العلاقة بين الموضوع وما استعمل فيه، ولا علاقة، لأنا نقول: العلاقة بين تأكيد المعنى وتأسيسه جلية. وقد بالغ الجرجانى عبد القاهر فى الرد على من سمى هذا مجازا، وقال السكاكى: رأيى أن يقال: هو مشبه للمجاز وملحق به؛ لاشتراكهما فى التعدى عن الأصل: قوله (على كلمة) دخل فيه الاسم، والفعل، والحرف. (تغير حكم إعرابها) أى نقل عن الإعراب الذى كان لها قبل الحذف، والزيادة. (بحذف لفظ) حرفا كان، أم فعلا، أم اسما. (أو زيادة لفظ) كذلك؛ لأن الفعل قد يزاد كما تزاد" كان"، واعلم أن عبارة المصنف تقتضى أن المجاز فى مجاز الزيادة، وهو الكلمة التى تغير بزيادة غيرها إعرابها، وليس كما قال؛ بل التجوز هو فى نفس الكلمة الزائدة، فالحذف (كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ) والأصل وجاء أمر ربك، فكان إعراب" رب" الجر فتغير بالحذف وصار إلى الرفع؛ لأنه أعطى إعراب المضاف المحذوف (وكقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) أى أهلها على أحد الأقوال المتقدمة فى باب الإيجاز، ويرد على المصنف أنه ليس من شرط مجاز الحذف أن يتغير الإعراب، فقد يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على جره، كما هو إحدى اللغتين ومنه قراءة بعضهم: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (٤) الجر، ويكون من مجاز الحذف، والزيادة كقوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ (٥) فإن الإمام فخر الدين اختار أن" مثل" زائدة، وهو أحد القولين، والمشهور تمثيله بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

стр. 821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أى ليس مثله شئ،" فالكاف" زائدة وكان" مثله" منصوبا فتغير حكم إعرابه وصار جرا. قلت: وقد ذكر الوالد فى تفسيره كلاما حسنا فى هذه الآية ها أنا أذكره بنصه لما فيه من الفوائد:" كثر كلام الناس فى الجمع بين" الكاف" و" مثل" وواحد منهما يكفى فى هذا المعنى، وتحصل من ذلك على خمسة أجوبة، أذكرها بعد تقرير الإشكال، وهو أن الجمع بينهما يوهم بظاهره أن المنفى مثل المثل؛ لأن النفى إنما يتسلط على الخبر، و" الكاف" بمعنى" مثل" وهى خبر ليس، وقد دخلت على" مثله" فيكون المنفى مثل مثله، وهو باطل من وجهين: أحدهما، أن مقصود الآية نفى مثله نفسه لا نفى مثل مثله، والآخر أن نفى مثل المثل يقتضى إثبات المثل - تعالى الله عن ذلك - فأقول: أحد الأجوبة أن الكاف زائدة كقول رؤبة: لواحق الأقراب فيها كالمقق (١) المقق الطول، ولا يقال فيها كالطول، إنما يقال:" فيها طول" الثانى: أنها للتأكيد، وهو قريب من الأول إلا أنهم شرحوه بمعنى زائد، وهو أن الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه فإذا أردت المبالغة جمعت بينهما فقلت: زيد كمثل عمرو، ومنه قول أوس بن حجر: وقتلى كمثل جذوع النّخيل (٢) وقول الآخر: ما إن كمثلهم فى النّاس من أحد (٣) وإذا كانت الكاف مؤكدة للتشبيه فى الإثبات انسحب عليها هذا الحكم فى النفى، وقصد بها تأكيد نفى الشبه لا نفى الشبه المؤكد، وأنشد سيبويه:

стр. 822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصاليات ككما يؤثفين (١) فأدخل الكاف على الكاف الثالث زيادة مثل، وأنشدوا عليه: مثلى لا يقبل من مثلكا (٢) الرابع، وهو قريب من الثالث، وينبغى تنزيل الثالث عليه أن لفظة" مثل" يكنى بها عن الشخص نفسه إذا قصدوا المبالغة قالوا:" مثلك لا يبخل"؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده، وعمن هو على أخص صفاته فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربى:" العرب لا تخفر الذمم" فيكون أبلغ من قولك:" أنت لا تخفر" ولك أن ترد الأربعة إلى وجهين: التأكيد، والكناية. الخامس لبعض المتكلمين، أن نفى المثل له طريقان: نفيه، ونفى مثله، لأن من لازم المثل أن له مثلا ونفى اللازم يدل على نفى الملزوم، فتحمل الآية على نفى المثل بهذا الطريق من غير زيادة ولا مجاز، وهذا معنى صحيح غير أن العربى الطبع يمجه من غير تأمل، ويصان القرآن والكلام الفصيح عنه، فإن قلت: كيف تحكم بصحته، وقد أورد بعض المتكلمين عليه أنه يلزم منه نفى الذات؟ قلت: بناء على ظاهر الكلام أن المنفى" مثل المثل" ولم يتأمل تمام المعنى، وهو أن المنفى مثل المثل عن شئ فإن شيئا فى الآية اسم" ليس"، والكاف خبرها، والمدلول نفى الخبر عن الاسم، والذات يصح أن ينفى عنها أنها مثل لمثلها؛ لأنه لا مثل لها، ولا يمكن هنا غير هذه الطريق، أعنى إذا نفينا عنها أنها مثل مثلها انتفى مثلها ولا يمكن ثبوت المثل ونفى مماثلها، لأن ضرورة العقل تشهد بمماثلة كل من المثلين للآخر اه. (تنبيه): قال المصنف فى الإيضاح: فإن كان الحذف والزيادة لا توجب تغيير الإعراب كقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ (٣) إذ أصله كمثل ذوى صيب لدلالة ما قبله عليه وكذلك قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٤) وقوله تعالى:

стр. 823

(الكناية) الكناية: لفظ أريد به لازم معناه، مع جواز إرادته معه؛ فظهر أنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى الحقيقى للّفظ مع إرادة لازمه. وفرّق: بأن الانتقال فيها من اللازم، وفيه من الملزوم: وردّ: بأنّ اللازم ما لم يكن ملزوما لم ينتقل منه؛ وحينئذ: يكون الانتقال من الملزوم [إلى اللازم] (١). ــ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (٢) فلا توصف الكلمة بالمجاز قلت: إذا كان المعنى بالمجاز تغيير الكلام عما كان عليه إلى نقص أو زيادة، فأى فرق بين تغيير حكم الإعراب وبقائه، ثم لا نسلم أن حكم الإعراب لم يتغير فى" كصيب" فإن صيبا لولا الحذف لكان مجرورا بالمحذوف فصار مجرورا فى اللفظ بالكاف، ومن الناس من جعل مجاز الزيادة والنقص من مجاز التركيب، لا من مجاز الإفراد، والجمهور على خلافه، والحق معهم ومحل التجوز هو الكلمة التى قامت مقام المحذوف فى الإعراب، والكلمة التى باشرتها الزيادة، لا ما اقتضاه كلام المصنف من أن المجاز هو الكلمة المزيد عليها، وشرط السكاكى فى مجاز الزيادة أن يكون الكلام مستغنيا عن تلك الكلمة استغناء واضحا، كالباء فى بحسبك ونحو:" كفى بالله" دون" ليس زيد بمنطلق" أو" ما زيد بقائم". وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ص: (الكناية). (ش): تقدم أن مقاصد هذا العلم التشبيه والاستعارة والكناية وقد تقدم الأول والثانى وهذا القسم الثالث قال: (الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه) اعلم أن تحقيق معنى الكناية قدمناه فى أول هذا العلم بما يغنى عن إعادته، وحاصله أن الكناية لفظ استعمل فى لازم معناه مرادا باستعماله فيه إفادة ملزومه، وبذلك تعلم أن قول المصنف: الكناية لفظ أريد به لازم معناه، أى أريد إفادة لازم اللفظ، وقد تقدم الاعتراض عليه فى ذلك، وأن الكناية فى الغالب أريد بها إفادة ملزوم معناها لا لازمه، وقد يكون الأمر بالعكس، وقوله:" مع جواز إرادته معه" أى مع جواز أن يريد معناه مع إرادة اللازم، فإذا قلت:" زيد كثير الرماد" فالمراد كرمه، ولا يمنع مع ذلك أن تريد إفادة كثرة الرماد حقيقة؛ لتكون أردت بالإفادة اللازم والملزوم معا، وقد تقدم أنه

стр. 824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يتخيل أن ذلك جمع بين حقيقة ومجاز ولا بين حقيقتين؛ لأن التعدد هنا ليس فى إرادة الاستعمال بل فى إرادة الإفادة، واللفظ لم يستعمل إلا فى موضوعه، وقد يستعمل اللفظ فى معنى ويقصد به إفادة، معان كثيرة قال: (فظهر أنها تخالف المجاز من جهة إرادة المعنى) أى من جهة جواز إرادة إفادة المعنى الذى هو موضوع اللفظ مع إرادة لازمه. قلت: هذا يقتضى أن الكناية أريد بها اللازم والملزوم معا، وهو مخالف لقوله قبيله:" إن الكناية أريد فيها اللازم مع جواز إرادة الموضوع"، وما ذكره فيما سبق هو الصواب، والذى ذكره هنا ليس بشئ، وسيأتى ما يوافقه فى آخر الباب، قال: (بخلاف إرادة المجاز) فإن إرادته تنافى إرادة الحقيقة لأن المجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة وملزوم معاند الشئ معاند لذلك الشئ، كذا قال المصنف. قلت: لا يمتنع استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه. وإلى ذلك ذهب كثير منهم الشافعى، والقاضيان: أبو بكر وعبد الجبار، وأبو على الجبائى، والغزالى، وأبو الحسين، وسائر المعتزلة فمنهم من قال:" يصح مجازا" ومنهم من قال:" يصح حقيقة" وما ذكره من أن القرينة معاندة لإرادة الحقيقة إن أراد من إرادتها فقط فمسلم، ولا ينتج مقصوده، وإن أراد أن القرينة مانعة من أن تراد الحقيقة مطلقا، فممنوع بل القرينة تدل على إرادة المجاز ولا تمنع إرادة الحقيقة معه، وليس من شرط القرينة أن تكون ذكر وصف لا يصلح معه إرادة الحقيقة، فقد تكون قرينة حالية لإرادة المجاز لا لنفى الحقيقة. ثم إذا جوزنا الجمع بين الحقيقة والمجاز فقلنا: إنه مجاز فلا بد له من قرينة تصرف إلى الجمع بينهما، وبذلك يتضح عدم المنافاة، ثم نقول: الكناية - أيضا - وإن كانت حقيقة - لا بد لها من قرينة تصرف إليها كما أن المجاز لا بد له من قرينة، فلم جعلت القرينة الصارفة إلى المجاز مانعة من إرادة الحقيقة، ولم تجعل القرينة الصارفة إلى الكناية مانعة من إرادة معنى الكلمة؟ ومما يدل على أن الكناية لا بد لها من قرينة كلام المصنف فى آخر هذا الفصل، يدل عليه أيضا قول الجرجانى فى دلائل الإعجاز: " المكنى عنه لا يعلم من اللفظ بل من غيره ألا ترى أن كثير الرماد لم يعلم منه الكرم من اللفظ؛ بل لأنه كلام جاء عندهم فى المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد، وكذلك و" لا أبتاع إلا قريبة للأجل (١) " لا معنى كثير رماده فهذا الكلام صريح فى أن

стр. 825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصارف إلى الكناية القرينة، وكيف لا والكناية على خلاف الأصل؛ لأن الأصل فى الكلام أن يراد به ما استعمل فيه وكل خلاف الأصل محتاج إلى القرينة، وقال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ (١) فى سورة آل عمران وهو مجاز عن الاستهانة بهم، تقول:" فلان لا ينظر إلى فلان" تريد نفى الاعتداد به، فإن قلت: أى فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، فإن من اعتد بإنسان أعاره نظره ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد، والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر انتهى. فجعله الزمخشرى فى حق من لا يجوز عليه النظر مجازا وفى غيره أصله كناية، ثم كثر فصار مجازا، فدل على أنه حيث تمكن الحقيقة تصح الكناية، والمجاز جميعا بحسب الإرادة، فإن أردت نفى النظر ليدل على نفى الاعتداد فكناية، وإن استعملته فى نفى الإحسان كان مجازا، وأشار الزمخشرى فى كلامه السابق إلى أن الكناية، والمجاز قد يجتمعان؛ لأنه جعله فى حق من يجوز عليه النظر أصله الكناية، ثم صار مجازا، واعلم أن هذا الكلام من الزمخشرى يوهم أن الكناية قد تكون مجازا، وقد صرح بذلك، قال فى قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ (٢) الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شئ لم تذكره، وهذا مخالف لما يقتضيه كلام غيره، وقد يقال: إن الكناية قسمان تارة يراد بها المعنى الحقيقى ليدل بها على المعنى المجازى فيكون حقيقة، وتارة يراد بها المعنى المجازى لدلالة المعنى الحقيقى الذى هو موضوع اللفظ عليه فيكون من أقسام المجاز، وقول من قال:" الكناية لا تنافى المجاز" يريد أنها قد تأتى كذلك لمجئ بعض أقسامها عليه فهى إما مجاز خاص، أو حقيقة خاصة، وتريد بقولنا:" خاص" أن الحقيقة والمجاز يراد بهما معناهما من حيث هما هما، والكناية يراد بها المعنى الحقيقى من حيث كونه دالا، والمعنى المجازى من حيث كونه مدلولا، ولعله المراد من إطلاق الفقهاء الكناية على المعنى المجازى، وسنتكلم عليه - إن شاء الله تعالى - ومما يشهد أن الكناية قد تكون نوعا من المجاز قول عبد اللطيف فى قوانين البلاغة:" وقيل: المجاز اسم جنس تحته أنواع: الاستعارة، والتمثيل،

стр. 826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والكناية" وتقرير مذهب الشافعى ﵀ فى هذه المسألة قررناه فى شرح مختصر ابن الحاجب، وكان المصنف مستغنيا عن التكلف لهذا الفرق بأن يفرق بأن المجاز مستعمل فى غير موضوعه، بخلاف الحقيقة فقد قررنا فيما سبق أن الكناية حقيقة خلافا للمصنف فى زعمه أنها خارجة عن الحقيقة والمجاز. قوله: (وفرق) إشارة إلى فرق بينهما ذكره السكاكى، وغيره، وهو أن مبنى الكناية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم، ومبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم. قال: وفيه نظر؛ لأن اللازم ما لم يكن ملزوما يمتنع أن ينتقل منه إلى الملزوم، لأن اللازم إذا لم يكن ملزوما لملزوم كان أعم منه ولا بد أن يكون أخص فى اللزوم الكلى، وإلا للزم وجود الملزوم من حيث هو ملزوم بدون اللازم، وإذا كان أعم منه فالأعم لا يستلزم الأخص، وإذا لم يستلزمه امتنع فهمه منه فيمتنع انتقال الذهن إليه. قال فى الإيضاح:" ولو قيل: اللزوم من الطرفين من خواص الكناية دون المجاز، أو شرط لها دونه اندفع هذا الاعتراض، لكن اتجه منع الاختصاص والاشتراط" (١) وأجاب الخطيبى بأن الأعم وإن لم يستلزم الأخص، لكن لا يمتنع انتقال الذهن إليه بقرينة. قلت: لا شك أن المصنف يريد بقوله:" اللازم ما لم يكن ملزوما ما لم يكن لازما مساويا"، وحينئذ لا يتجه السؤال من أصله، لأنا نقول: إنما كلامنا فى اللازم والمساوى، وقد أوضحت هذا فيما سبق، ولا يلزم من كونه لازما مساويا أن يكون ملزوما؛ لأنا نريد باللازم فى هذا الباب ما كان معروضا لغيره، فقد ثبت أن الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم، والمجاز ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم، وقد قدمنا فى أول هذا العلم تفصيلا فى هذا الانتقال، أنه يصح فى كل من الكناية والمجاز أن يقال: حصل الانتقال من اللازم إلى الملزوم وعكسه باعتبارين مختلفين. فليراجع ذلك منه، وحاصله أن المصنف والسكاكى لا خلاف بينهما إلا فى التسمية، فإنهما متفقان على أن ذهن السامع لقولنا:" كثير الرماد" ينتقل ذهنه من كثرة الرماد إلى الكرم، غير أن السكاكى يسمى كثرة الرماد لازما، وهو الحق؛ لأن اللازم إن كان مشاركا فهو الغرض القائم، والملزوم عكسه، ويكفى إطباق أهل العلم على قولهم:" لازم مساو"، ولا يقولون:" ملزوم الكناية" والمصنف لما تقرر عنده أن اللازم لا ينتقل الذهن فيه إلى الملزوم سماه ملزوما، وجعل الذهن ينتقل منه.

стр. 827

وهى ثلاثة أقسام: الأولى: المطلوب بها غير صفة ولا نسبة: فمنها: ما هى معنى واحد؛ كقوله [من الكامل]: والطّاعنين مجامع الأضغان ــ (تنبيه): قيل فى الفرق بين المجاز والكناية: إن المجاز لا بد له من تناسب بين المحلين، وفى الكناية لا حاجة لذلك فإن العرب تكنى عن الحبس بأبى البيضاء، وعن الضرب بأبى العيناء، ولا اتصال بينهما، بل تضاد، وفيه نظر، فإن التناسب قد يكون بالتضاد كما تقدم أن التضاد علاقة معتبرة. الكناية ثلاثة أقسام: ص: (وهى ثلاثة أقسام إلخ). (ش): الكناية إما أن يكون المقصود بها أى المكنى عنه" صفة" أو" نسبة" أو غيرهما، وقد يقال:" إما أن يكون المكنى عنه الصفة أو الموصوف أو اختصاص الصفة بالموصوف الأول المطلوب بها أمر غير صفة" وليس المراد النعت بل الوصف المعنوى. قال الشيرازى:" والمراد بالوصف هنا ما هو أعم من الوصف النحوى كالجود والكرم" وفيه نظر، فإن المراد بالوصف هنا المعنى، والمراد بالوصف النحوى اللفظ التابع بشروط، فليس بينهما عموم وخصوص، وذلك نوعان: الأول أن يكون معنى واحدا، كقولك: " المضياف"، كناية عن زيد كذا أطلقه المصنف، والصواب تقييده كما فعل فى المفتاح بأن يكون ذلك لعارض اقتضى الاختصاص به، ثم عبارة المفتاح لعارض اقتضى اختصاص" المضياف" بزيد أى لشهرته بذلك حتى صار كاللازم وهو مقلوب، والصواب أن يقال: لعارض اختصاص زيد" بالمضياف" فإن المراد اختصاص زيد بالمضياف ليفهم زيد من لفظ" المضياف" لا اختصاص" المضياف" بزيد وإلا لكانت الكناية ذكر الملزوم، والفرض أنها عنده ذكر اللازم والملزوم يختص باللازم، ولا يقال: يختص اللازم بالملزوم سواء أكان مساويا أم لا، وكذلك قوله كناية عن القلب: الضّاربين بكلّ أبيض مخذم ... والطّاعنين مجامع الأضغان (١)

стр. 828

ومنها: ما هو مجموع معان؛ كقولنا - كناية عن الإنسان -: حى مستوى القامة، عريض الأظفار خ خ. وشرطهما الاختصاص بالمكنىّ عنه. ــ كنى بمجامع الأضغان عن القلوب، والأضغان جمع ضغن وهو الحقد، ونحوه قوله يذكر قتله للذئب: فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ... بحيث يكون اللّبّ والرّعب والحقد (١) فهذه ثلاث كنايات كل منها مستقل، والنوع الثانى أشار إليه بقوله: (ومنها ما هو) أى من الكناية ما فيه (مجموع معان) مطلوب بها غير صفة ولا نسبة (كقولنا فى الكناية عن الإنسان:" حى مستوى القامة عريض الأظفار") فإن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة ليس كناية عن الإنسان، ومجموعها كناية عنه؛ لأنه لا يوجد فى غيره، فهى خاصة مركبة كقولنا فى رسم الخفاش:" طائر مركب" وبه يعلم أن قوله:" عدة معان" لا يريد أن تكون ثلاثة بل أكثر من واحد. قال الخطيبى:" ويظهر من هذا أن الرسوم إذا ذكرت مجردة عن الرسومات كانت كناية". وقال الخطيبى - أيضا - فى شرح المفتاح:" إن الحدود والرسوم كناية" قال:" وقد بينا أن دلالة المعرفات كلها على المعرفات دلالة التزام لا غير" وفيما قاله نظر لا نطيل بذكره، ثم قال: (وشرطها) أى شرط الكناية سواء أكانت معنى واحدا أم أكثر (الاختصاص بالمكنى عنه) أى لا يكون موجودا لغير المكنى عنه، وإلا لما انتقل الذهن فى الكناية إلى المكنى عنه لأن الأعم لا يشعر بالأخص، ولك أن تقول: كل كناية لا بد فيها من هذا الاختصاص، فكيف يشترطون ذلك فى هذا النوع فقط؟ وحينئذ فهذه العبارة مقلوبة، والصواب أن يقال:" شرطها اختصاص المكنى عنه بالمعنى أو بالمعانى". قال المصنف: وجعل السكاكى الأولى قريبة، والثانية بعيدة، وفيه نظر، كأنه يريد أن دلالة الوصف الواحد على الشئ ليست أبعد من دلالة الأوصاف بل ربما كان الحال بالعكس؛ فإن الرسم التام يفصح عن الحقيقة بما لا يفصح به الرسم الناقص، والتفصيل أوضح من الإجمال، وقد يجاب بأن مراد السكاكى أن الأولى قريبة من حيث التناول والاستعمال؛ لأن الأعم لا يشعر بالأخص. قلت: هذا القسم بجملته فى عدّه من الكناية نظر؛ لأن

стр. 829

والثانية: المطلوب بها صفة: فإن لم يكن الانتقال بواسطة: فقريبة واضحة؛ كقولهم - كناية عن طول القامة: طويل نجاده، وطويل النجاد خ خ، والأولى ساذجة، وفى الثانية تصريح ما، لتضمّن الصفة الضمير، أو خفية؛ كقولهم - كناية عن الأبله -: عريض القفا خ خ. ــ الكناية ما تقابل الصريح، والحد والرسم صريحان فى المعنى، وكذلك الكنى التى هى أحد أنواع الأعلام صرحوا بأنها كناية، وفيه نظر؛ لأن الكنية علم، والعلم صريح فى مسماه، فلا فرق بين دلالة أبى عبد الله ودلالة زيد العلمين عليه. الكناية (الثانية المطلوب بها) أى المكنى عنه (صفة) وهى قسمان: قريبة، وبعيدة، لأنها إن لم يكن انتقال الذهن من الكناية إلى المكنى عنه بواسطة فهى قريبة، وإلا فبعيدة، والقريبة إما واضحة، أو خفية فالواضحة كقولهم فى الكناية عن طويل القامة: " طويل نجاده" وذلك كناية ساذجة، وكقولهم:" طويل النجاد" وذلك كناية مشتملة على تصريح ما لتضمن الصفة فيه وهى" طويل" ضمير الموصوف بخلاف المثال قبله، فإن قولك:" طويل نجاده" ليس فى لفظ الطويل منه ضمير؛ لأنه مسند إلى الظاهر، ومنها قول الحماسى: أبت الروادف والثّدىّ لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا (١) والحصة التى لا ينتقل الذهن فيها بواسطة، كقولهم فى الكناية عن الأبله: عريض القفا، قال الشاعر: عريض القفا ميزانه فى شماله (٢) فإن عرض القفا، وعظم الرأس إذا أفرطا دليل الغباوة، ولذلك قال طرفة: أنا الرّجل الضّرب الّذى تعرفونه ... خشاش كرأس الحيّة المتوقّد (٣)

стр. 830

وإن كان بواسطة: فبعيدة؛ كقولهم: كثير الرماد كناية عن المضياف؛ فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ومنها إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأكلة، ومنها إلى كثرة الضّيفان، ومنها إلى المقصود. ــ أما عظم الرأس ما لم يفرط، فإنه دليل على علو الهمة، وقد جاء فى وصف هند بن أبى هالة رسول الله ﷺ " أنه كان عظيم الهامة" (١) وأما البعيدة فهى ما كان انتقال الذهن منها إلى المكنى عنه بواسطة، كقولهم:" كثير الرماد" كناية عن المضياف، فإنه ينتقل الذهن من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ثم ينتقل منها إلى كثرة الطبائخ، ثم ينتقل منها إلى كثرة الأكلة، ثم من كثرة الأكلة إلى كثرة الضيفان، ثم من كثرة الضيفان إلى المقصود، كذا قال المصنف. والسكاكى قال: ينتقل من كثرة الرماد لكثرة الجمر، ومن كثرة الجمر لكثرة إحراق الحطب، وينبغى أن يجعل المكنى عنه هنا كونه كريما لا كونه مضيافا، وإلا فقوله:" من كثرة الضيفان إلى المقصود" إذا جعلنا المقصود فيه كونه مضيافا، فذلك يحصل بكثرة الضيفان، فهو صريح فيه لا مكنى به عنه، ومثل - أيضا - البعيدة بقوله عن الأبله:" عريض الوسادة" فإنه ينتقل من عرض الوسادة إلى عرض القفا، ومنه إلى المقصود من البله، وجعله السكاكى من القريبة على أنه كناية عن عرض القفا، ومنه قوله ﷺ لعدى بن أبى حاتم" إن كان وسادك لعريضا" (٢) وذلك حين نزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (٣) فعمد إلى خيطين: أبيض، وأسود فصار ينظر إليهما. قال المصنف: وفيه نظر، ووجه النظر أنه لو كان كناية عن عرض القفا لكان هو المقصود فلا يكون كناية عن البله، والغرض خلافه، والحق أنه يصح أن يكون مثالا لهما، فإن قصد الكناية عن البله فهو مثال للبعيدة، أو الكناية عن عرض القفا فهو كناية قريبة، ومن البعيدة قوله: وما يك فىّ من عيب فإنّى ... جبان الكلب مهزول الفصيل (٤)

стр. 831

الثالثة: المطلوب بها نسبة؛ كقولهم [من الكامل]: إنّ السّماحة والمروءة والنّدى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج ــ فإن الذهن ينتقل فيه فى الأول من جبن الكلب عن الهرير فى وجه من يدنو، وخروج الكلب عن طبعه المخالف لذلك، ثم إلى استمرار موجب نباحه، وهو اتصال مشاهدته وجوه القادمين، ثم إلى كونه مقصدا للدانى والقاصى، ثم إلى كونه مشهورا بحسن القرى، وفى الثانى ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد الأم، ومنه إلى قوة الداعى لنحرها مع بقاء ولدها مع عناية العرب بالنوق، ومنها إلى صرفها إلى الطبائخ، ومنها إلى أنه مضياف، ومن ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ (١)، (الثالثة: الكناية المطلوب بها نسبة) أى أن ينسب شئ لشئ والمقصود نسبة غيره، وجعله الجرجانى من قبيل المجاز الإسنادى، وأنشد عليه قول يزيد بن الحكم يمدح يزيد بن المهلب فى سجن الحجاج: أصبح فى قيدك السّماحة وال ... مجد وفضل الصّلاح والحسب (٢) وجعل منه إلا أنه فى النفى: يبيت بمنجاة من اللّوم بيتها (٣) وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى وأنشد المصنف على كناية الإسناد قول زياد الأعجم: إن السّماحة والمروءة والنّدى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج (٤)

стр. 832

فإنه أراد أن يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات؛ فترك التصريح بأن يقول: إنه مختصّ بها، أو نحوه خ خ، إلى الكناية، بأن جعلها فى قبة مضروبة عليه. ونحو قولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه خ خ. ــ فإنه أراد أن يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات فترك التصريح بذلك، والتصريح به أن يقول:" هو مختص بها" أى ثابتة له دون غيره إلى أن جعلها فى قبة مضروبة عليه، فأخبر باختصاص القبة المضروبة عليه بالسماحة ليفهم منه اختصاصه بالسماحة، لأنه إذا اختص بالسماحة لزم أن تختص قبته، وهو قريب من المجاز الإسنادى، ولك أن تقول: كل كناية عن وصف كناية عن نسبة، لأنك إذا قلت:" طويل النجاد" فمعناه: طال نجاده فأثبت الطول لنجاده، وإنما تريد إثباته لنفسه، واعلم أن قول المصنّف:" اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات" هو الصواب وهو عكس عبارة السكاكى، حيث سماه اختصاص الصفة بالموصوف وتبعه الطيبى والصواب الأول، فإن المقصود أن السماحة ليست لغير ابن الحشرج، لا أنه ليس لغيرها. قال الطيبى: وبقى قسم عكس هذا لم يذكره السكاكى، وهو اختصاص الموصوف بالصفة أى لم يتجاوز الموصوف حقيقة هذا النوع إلى وصف آخر كقوله: أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك عنها صورة الجود (١) كذا قال، وهو على العكس، وإنما انعكس عليه فى الأول فانعكس فى الثانى، والصواب أن يسمى كلا من القسمين باسم الآخر، ونحو قول الشاعر المذكور قولهم: " المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه" أى لا يتجاوزهما. قيل: وفى المثال نظر؛ لأنه لا يقال:" كرم برده" كما يقال:" طال نجاده"، ليفهم منه كرم نفسه كما يفهم طول قامته، إذ لا تحقق لكرم البرد ولا مناسبة بينه وبين كرم النفس، كما أن لطول النجاد تحققا وله مناسبة، ولزوم لطول القامة، والمصنف أطلق هذا القسم، والسكاكى قسمه إلى قسمين. كما فعل فيما سبق، إلا أنه سماهما فيما سبق قريبا، وبعيدا، وهنا سماهما لطيفا وألطف. قيل:" وبقيت كناية استنبطها الزمخشرى، وهى أن يعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر، فيأخذ الخلاصة منها من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة أو المجاز (٢)، وهذا فى الحقيقة من نوع الإيماء. قلت: وينبغى أن يكون من الاستعارة بالتمثيل، كما

стр. 833

والموصوف فى هذين القسمين قد يكون غير مذكور؛ كما يقال فى عرض من يؤذى المسلمين: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (١). أما القسم الأول - وهو ما يكون المطلوب بالكناية نفس الصفة، وتكون النسبة مصرحا بها -: فلا يخفى أن الموصوف بها (٢) يكون مذكورا لا محالة، لفظا أو تقديرا. ــ تقدم فى قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (٣) قيل: وقد يظن أن من الكناية قسما رابعا، وهو أن يكون المقصود بالكناية الوصف والنسبة معا، كما قال:" يكثر الرماد فى ساحة عمرو" قيل: وليس ذاك كناية واحدة بل كنايتان: إحداهما: عن المضيافة، والثانية: عن إثباتها لعمرو، ثم قال المصنف: الموصوف فى هذين أى الكناية الثانية والثالثة قد يكون مذكورا كما سبق، وقد يكون غير مذكور كما تقول فى عرض من يؤذى المسلمين:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤) فإنه كناية عن كون المؤذى ليس مسلما، وليس المراد إثبات وصف للموصوف المذكور، وهو المؤمن، بل المراد نفى وصف عن مقابله وهو المؤذى، وقد يقال: هذا ذكر الملزوم لإفادة اللازم، لا ذكر اللازم لإفادة الملزوم، وقد قدمنا أن الكناية تنقسم إلى النوعين، فإن قيل: بل هو ذكر اللازم لأنه يلزم من المقصود، وهو أن المؤذى ليس مسلما أن يكون المسلم من سلم الناس منه. قلنا: إنما يلزم من كون المؤذى ليس مسلما أن من سلم الناس منه مسلم، وفرق بين قولنا: من سلم الناس منه مسلم، وقولنا: كل المسلم من سلم الناس منه، واعلم أن المصنف لم يصرح بأن هذه الكناية من القسم الثانى، أو من الثالث لكن ظاهر كلام السكاكى أنها من الثالث، والمطلوب بها نسبة سلبية كما ذكرناه.

стр. 834

قال السكاكىّ: الكناية تتفاوت إلى تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء وإشارة، والمناسب للعرضية: التعريض، ولغيرها - إن كثرت الوسائط -: التلويح، وإن قلّت - ــ تفاوت الكناية عند السكاكى: ص: (السكاكى الكناية تتفاوت إلخ). (ش): قسم السكاكى الكناية إلى خمسة أقسام: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء، وإشارة. قال الشيرازى: إنما قال: تتفاوت ولم يقل: تنقسم؛ لأن التعريض وأمثاله مما ذكر ليس من أقسام الكناية فقط، بل هو أعم، وفيه نظر؛ لأن أقسام الشئ إلى أقسام بعضها أعم من المقسم لا يمتنع بتقدير أن يكون المراد تقسيم ذلك الشئ بقيد كونه أخص من حقيقته إلى أخص من تلك الأقسام، كما تقسم الحيوان إلى أبيض، وأسود أى أبيض، وأسود بقيد الحيوانية، ولعله إنما عدل عن تنقسم إلى تتفاوت إشارة إلى أن رتب هذه الأقسام فى الكناية متفاوتة فى القوة والضعف وقد أشار الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ (١) إلى الفرق بين الكناية، والتعريض بأن الكناية أن يذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له، والتعريض بأن يذكر شيئا يدل على شئ لم يذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه حينئذ لا نسلم عليك، ولذلك قالوا: وحسبك بالتّسليم منّى تقاضيا (٢) قال الوالد: التعريض قسمان: قسم يراد به معناه الحقيقى، ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود وقسم لا يراد معناه الحقيقى، بل ضرب مثلا للمعنى الذى هو مقصود التعريض، فيكون من مجاز التمثيل، ومنه قول إبراهيم ﷺ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا (٣) ولا يحتاج مع هذا إلى تكلف جواب، ثم قال: (والمناسب للعرضية) أى الكناية المسوقة لموصوف غير مذكور (التعريض ولغيرها) أى والمناسب للكناية غير العرضية (إن كثرت الوسائط) بينها وبين المكنى عنه إطلاق اسم (التلويح)، لأن التلويح الإشارة للشئ عن بعد (وإن قلت) أى الوسائط بين الكناية والمكنى عنه

стр. 835

مع خفاء -: الرمز، وبلا خفاء: الإيماء والإشارة خ خ. ثم قال: والتعريض قد يكون مجازا؛ كقولك: آذيتنى فستعرف وأنت تريد إنسانا مع المخاطب دونه، وإن أردتهما جميعا كان كناية، ولا بدّ فيهما من قرينة خ خ. ــ (مع خفاء) أى نوع من الخفاء فالمناسب لها اسم (الرمز)، وذلك نحو:" عريض القفا" كناية عن الأبله ووجه مناسبته أن الرمز الإشارة إلى قريب منك خفية بالشفتين، أو الحاجب، أو العين. (قوله: وإلا) أى وإن قلت: الوسائط ولم يكن نوع من الخفاء (فالمناسب أن يسمى بالإيماء أو الإشارة، ثم قال) أى السكاكى: (والتعريض) كما يكون كناية قد يكون مجازا، كقولك:" آذيتنى فستعرف" وأنت لا تريد المخاطب بل (تريد إنسانا) يسمع دونه، (وإن أردتهما جميعا كان كناية) قوله: (ولا بد فيهما من قرينة) ظاهر عبارته أنه لا بد فى هذا المجاز وهذه الكناية من قرينة، وبه شرح الخطيبى كلامه، وفيه نظر؛ لأن كلا من المجاز والكناية بجميع أنواعهما لا بد له من قرينة كما قدمناه. قال الشيرازى وتبعه الخطيبى: التعريض على سبيل الكناية أن تكون العبارة مشابهة للكناية مشتركة فى بعض صفاتها كما فى المثال المذكور، فإنه ليس فيه تصور لازم، ولا ملزوم، ولا انتقال من لازم لملزوم إلا أن فيه سمة من الكناية، وهى أن تاء الخطاب مستعملة فيها هى موضوعة له، مرادا منه ما ليس بموضوع، وهو الإنسان الآخر. قلت: فيه نظر، بل هو حقيقة الكناية وفيه الانتقال، ولو لم يحصل الانتقال لما حصل التعريض، بل الانتقال موجود، لأن اللازم قد يكون لزومه بالقرائن الحالية، وأيضا، فإن قوله:" آذيتنى فستعرف" ناطق بالوعيد المترتب على الأذى مخاطبا به المخاطب، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وذلك يقتضى بأن الأذى ملزوم للمعرفة، فكان وعيد المخاطب لازما لوعيد المؤذى لاشتراكهما فى الأذى، ثم قال الشيرازى: أما إذا أردت غير المخاطب وحده فيكون المثال مثل المجاز، لاستعمال التاء فيما هو غير موضوعة له، لا أنه مجاز حقيقة لتوقفه على الانتقال من الملزوم إلى اللازم ولا انتقال هنا من ملزوم إلى لازم، قلت: وفيه نظر لما سبق من أن اللازم والملزوم موجود ولولاه لما حصل انتقال، ولكان ذلك استعمالا للفظ فى غير موضوعه لا لعلاقة، وهو خارج عن لغة العرب، لكن قول المصنف:" إن أرادها جميعا" كان كناية يقتضى أمرين: أحدهما: أن الكناية والمجاز فى القسمين لأشبههما، كما شرح به الشيرازى كلام السكاكى، والثانى: أن الكناية أريد فيها المعنيان معا، وقد تقدم فى كلامه

стр. 836

فصل [المجاز والكناية افضل من الحقيقة والتصريح] أطبق البلغاء على أنّ المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، فهو كدعوى الشئ ببيّنة، وأنّ الاستعارة أبلغ من التشبيه؛ لأنها نوع من المجاز. ــ نظيره، وليس بصحيح - وأيضا - مخالف لكلامه فى أول الباب، حيث جعل الكناية أريد بها اللازم مع جواز إرادة الموضوع. فدل على أنهما ليسا مرادين معا، ولا يصح الجمع بينهما إلا بأن تحمل إرادتهما معا على إرادة أحدهما بالاستعمال، وهو المخاطب، وإرادة الآخر بالإفادة، وهو جليسة المؤذى (تنبيه): قال الإمام فخر الدين: " قد تكون الكناية فى الإثبات وقد تكون فى النفى" ومثل الثانى بقوله يصف امرأة بالعفة، والبيت للشنفرى كما أنشده الجرجانى: يبيت بمنجاة من اللّوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلّت (١) فتوصل إلى نفى اللوم عنها بنفيه عن بيتها، وقد قدمنا الكناية فى جانب النفى فى قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ (٢). (تنبيه): ما ذكرناه من الكناية، وهو باصطلاح البيانيين، أما الفقهاء فقد ذكروا الكنايات، والظاهر أنها عندهم مجاز، فإذا قال الزوج:" أنت خلية" مريدا الطلاق فهو مجاز، ويسميه الفقيه كناية، فلو أراد حقيقة اللفظ لكونه لازما للطلاق، ففى وقوع الطلاق نظر، ولا أعلم فيه نقلا، ولم يتعرضوا للفرق بين الكناية والتعريض إلا فى باب اللعان، فإنهم ذكروا التصريح، والكناية، والتعريض، أقساما، وذكروا فى الخطبة على الخطبة التصريح والتعريض، ولم يذكروا الكناية، وذكر الوالد فى شرح المنهاج الثلاثة، واختار أن الكناية فى الخطبة على الخطبة حرام؛ لأنها أبلغ من التصريح. المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح: ص: (فصل أطبق البلغاء إلخ). (ش): لما فرغ من مقاصد هذا العلم شرع فى ذكر ما بين أقسامه من الرتب فى البلاغة، فقال:" أطبق البلغاء على أن المجاز والكناية" أى كلا منهما أبلغ من الحقيقة والتصريح، وهو لف ونشر، أى المجاز أبلغ من الحقيقة، والكناية أبلغ من التصريح، والسبب فى ذلك أن الانتقال فى الكناية والمجاز من الملزوم إلى اللازم، أى انتقال ذهن السامع، وهذا

стр. 837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بناء على رأى المصنف، أما السكاكى فإنه جعل الكناية انتقالا من اللازم إلى الملزوم، وعلى التقديرين يصح الدليل؛ لأن اللازم المساوى له حكم الملزوم، فكان أبلغ لأنه كدعوى الشئ ببينة، وفيه نظر سيأتى، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه، وذلك لأن الاستعارة نوع من المجاز، والمجاز أبلغ من الحقيقة لما سبق، والتشبيه حقيقة سواء أكان مذكور الأداة أم محذوفها، فإذا حذف منه شئ لا يمكن فيه إلا مجاز الحذف، وفى إطلاق أن المجاز أبلغ من الحقيقة نظر، لأن الكناية حقيقة، وهى أبلغ من كل مجاز مرسل، ويحتمل أن يقال: إنها أبلغ من الاستعارة - أيضا - وهو تفريع على أن الكناية ليست حقيقة ولا مجازا، وينبغى أن يراد بالتشبيه ما ليس بتشابه. أما التشابه فسيأتى، واختار الوالد فى تفسيره أن الاستعارة إنما تحسن حيث يكون المستعار أعلى من المستعار له، وأن شرط التشبيه بكأن، أن تقوى الشبه حتى يتخيل، أو يكاد يتخيل أن المشبه عين المشبه به؛ فعلى هذا يكون التشبيه بكأن أبلغ. وزاد المصنف فى الإيضاح أن التمثيل على سبيل الاستعارة أبلغ من التمثيل لا على سبيل الاستعارة. (تنبيه): نقل المصنف عن الشيخ عبد القاهر أن التفاوت بين هذه الرتب ليس لأن الواحد منهما يفيد زيادة فى المعنى نفسه لا يفيدها خلافه، فليست فضيلة:" رأيت أسدا" على قولنا:" هو والأسد سواء فى الشجاعة" أن الأول أفاد زيادة فى مساواته للأسد فى الشجاعة لم يفدها الثانى، بل الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة لم يفدها الثانى، وليس فضيلة:" كثير الرماد" على قولنا:" كثير القرى" أن الأول أفاد زيادة لم يفدها الثانى، بل لأن الأول أفاد تأكيدا لإثبات كثرة القرى لم يفده الثانى، والسبب فى ذلك أن الانتقال فى الجميع من الملزوم إلى اللازم، فيكون إثبات المعنى به كدعوى الشئ ببينة، ولا شك أن دعوى الشئ ببينة أبلغ فى إثباته من دعواه بلا بينة، قال المصنف:" لقائل أن يقول: الاستعارة أصلها التشبيه، والأصل فى وجه الشبه أن يكون فى المشبه به أتم فقولنا:" رأيت أسدا" يفيد للمرئى شجاعة أتم مما يفيدها:" رأيت رجلا كالأسد"، لأن الأول يثبت له شجاعة الأسد، والثانى شجاعة دون شجاعة الأسد، ويمكن الجواب عنه بحمل كلام الشيخ على أن السبب فى كل صورة ليس هو ذلك، لا أن ذلك ليس بسبب فى كل شئ من الصور أصلا. قلت: ما ذكره الشيخ مخالف لاتفاقهم على أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة ولو كان كما قال لما كانت الكناية والمجاز أبلغ، بل كان الأبلغ هو إثبات التشبيه، وأما قوله فى التأكيد: إنما هو لتأكيد التشبيه، ففيه نظر؛ لأن تأكيده التشبيه إنما يكون بما يرد على الجملة من إن واللام مثلا، والتأكيد فى الاستعارة إنما وقع فى لفظ مفرد، والتأكيد يكون لمعناه، كما أن المبالغة فى قولك:" رحيم" لتحويل صيغته من فاعل إنما كان

стр. 838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لزيادة الرحمة لا لتأكيد إثباتها، وأما قوله:" إن الكناية ليست أبلغ من التصريح فى المعنى" فيمكن الذهاب إليه وأن يقال: ليس" كثير الرماد" يدل على كرم لا يدل عليه" كثير القرى" ثم كثرة القرى ليست المكنى عنه، بل المكنى عنه" الكرم"، وكثرة القرى من جملة الوسائط بين المكنى عنه والمكنى به، وأما قوله:" إن التأكيد فيه للتشبيه" فممنوع على نحو منع ما قبله، وأما قوله:" تأكيد الإثبات فى رأيت الأسد" فكأن مراده إثبات وقوع الرؤية على الأسد، وإلا فتأكيد الإثبات يكون فى إثبات المسند للمسند إليه، فكان حقه أن يمثل: " بجاءنى أسد" وأما تمثيله بقولك:" زيد والأسد سواء" فقد يقال: هذا المثال أخص من المدعى، فإن زيدا والأسد سواء من قبيل التشابه المستدعى لاستواء الطرفين، لا من قبيل التشبيه المستدعى لرجحان المشبه به، فلا يلزم من ثبوت التساوى بين التشابه والاستعارة إن سلمناه ثبوت التساوى بين التشبيه والاستعارة مطلقا كما ادعاه، بل الذى يظهر أن التشابه به أبلغ من الاستعارة؛ لأن فى الاستعارة أصلا وفرعا، وليس ذلك فى التشابه، وأما قوله: إنه إثبات الشئ ببينة" فقد يقال: إن هذا لا تحقيق له، وينبغى أن يقال: ادعاء الشئ ببينة، وحينئذ يتضح، أما قولنا:" إثبات الشئ ببينة مع جعلنا التأكيد إنما هو للإثبات، فليس فى إخباره بكثرة الرماد إثبات كثرة الرماد المستلزم للكرم، وبعد أن كتبت هذا الإشكال رأيت الإمام فخر الدين وقع عليه، فحمدت الله - تعالى - ثم عقبه الإمام فخر الدين باعتراض ثان وهو أن الاستدلال بوجود اللازم على الملزوم باطل؛ لأن الحياة لازمة للعلم، ولا يمكن الاستدلال بوجود الحياة على وجود العلم وفيما قاله نظر، وجوابه أن المراد اللازم المساوى، ولا مانع من الاستدلال به بمعنى المعرف، ولهذه الشبهة قال المصنف: إن الانتقال فى الكناية من الملزوم إلى اللازم، وأما موافقة المصنف له على هذه العلة، ومخالفته له فى أن التأكيد للإثبات، بل للمستعار له، ففيه نظر؛ لأن البينة لا تفيد زيادة فى الحق، إنما تؤكد المدعى به، وإنما تختلف حاله بالبينة وعدمها فى إثباته، كما قال عبد القاهر، لا فى كثرته وقلته، فكان من حق المصنف كما منع كلام عبد القاهر أن يمنع دليله وينتقل لدليل منعه، وأما قول المصنف فى الرد على عبد القاهر، فقد رد عليه بنفس دعوى مخالفته، فكان من حقه أن يرد عليه بدليل صحيح، وأما قوله:" الأصل فى التشبيه أن يكون المشبه به أتم فهذا التعميم مخالف لقوله فيما سبق أنه يكون أتم فى بعض الصور دون بعض، ثم هذا القدر لا يحصل به مقصوده؛ لأن لعبد القاهر أن يقول:" والتشبيه المعنوى موجود فى الاستعارة" وبالجملة الذى قاله المصنف هو الحق، ولكنه لم يتوصل إليه بطريقه.

стр. 839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (تنبيه): قولنا فى هذا الفصل كله:" الكناية والمجاز أبلغ" هو بالمعنى اللغوى كقولنا: " فعيل أبلغ من فاعل" وليس من البلاغة المصطلح عليها فى هذا العلم لأمرين: أحدهما: أن تلك لا تكون فى المفرد، ولا شك أن المجاز، والكناية يكونان مفردين غالبا، نعم ما ذهب إليه عبد القاهر من أن الأبلغية فى الإثبات يمشى معه فى تسمية ذلك بلاغة بالاصطلاح. الثانى: أن أبلغ" أفعل تفضيل" فإذا حملت على المعنى اللغوى كان على بابه من التفضيل، لأن الحقيقة بالغة للمقصود بكل حال، فالمجاز أبلغ منها، فإذا حملناه على الاصطلاحى كان من بلغ بالضم وهو دليل على حصول البلاغة فى الحقيقية، وليس كذلك؛ لأن الحقيقة المجردة لا بلاغة فيها، فلا يكون من بلغ بالضم بل من بلغ بالفتح. (تنبيه): لم يتعرض المصنف للتفاوت بين أنواع الاستعارة، والذى يظهر أن الاستعارة بالكناية أبلغ من التصريحية، وبه صرح الطيبى، ولا إشكال فيه على رأى السكاكى، فإنها كالجامعة بين الاستعارة والكناية، وأما على رأى المصنف، فإن وافق على ذلك كان هذا واردا عليه فى قوله:" إن المجاز أبلغ من الحقيقة، وإن الاستعارة أبلغ من التشبيه" لأن الاستعارة بالكناية عند المصنف تشبيه، وحقيقة لا مجاز، إلا أن يقول: الاستعارة بالكناية إنما كانت أبلغ لاشتمالها على المجاز العقلى، كما اقتضاه كلام المصنف فى هذا الباب، لا كما اقتضاه كلامه فى علم المعانى حين تكلم على المجاز العقلى، وأما الاستعارة بالتمثيل فالظاهر أنها أبلغ منهما كما يقتضيه كلام الزمخشرى عند قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (١) ثم تتفاوت كل واحدة من هذه الاستعارات الثلاث إلى درجات تظهر مما سبق بالتأمل، وأما الكناية والاستعارة، فالظاهر أن الاستعارة أبلغ، لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة، والظاهر أن أبلغ أنواعها ما كان المكنى عنه فيه تشبيه، ثم ما كان صفة، ثم ما لم يكن واحدا منهما. (تنبيه): الكناية والاستعارة قد يكون كل منهما إنشاء وقد يكون خبرا، وهذا واضح، وأما التشبيه فالذى يظهر أنه خبر، لأن قولك:" زيد كعمر" له خارجى وهو المشابهة لكن فيه خلاف حكاه الوالد فى تفسيره المسمى بالدر النظيم، واختار أنه خبر عما فى نفس المتكلم من التشبيه كما أن حسبت خبر عن حسبانه، قال: و" لا يختلف الحال فى ذلك بين كأن والكاف، غير أن كأن صريحة فى ذلك من جهة أن موقعها أن تقوى الشبه حتى يتخيل أو يكاد يتخيل أن المشبه هو المشبه به، والكاف محتملة له، وللإخبار عن المماثلة الخارجية كقولك:" مثل". هذا آخر علم البيان بحمد الله ومنه، فله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن.

стр. 840

الفنّ الثالث علم البديع

стр. 841

الفنّ الثالث علم البديع وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدّلالة: ــ الفن الثالث: علم البديع ص: (يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة). (ش): البديع فى اللغة" الغريب" والبديع فى أسماء الله - تعالى - الخالق لا عن مثال سبق، فهو" فعيل" بمعنى" مفعل" وقد تقدم الاعتراض عليهم فى تسميته بهذا الاسم، وأن الإبداع لا ينسب لغيره - تعالى - لا حقيقة، ولا مجازا، على ما قيل: هذا العلم منزل من العلمين السابقين منزلة الجزء من الكل، أو النتيجة من المقدمتين. فقوله: (علم) جنس. قال الخطيبى: أى علم بالقواعد، وفيه نظر، فقد يكون المراد بالعلم المعلوم، وهو مجاز سائغ مشهور فى الحدود، وقد تقدم مثله فى حد علم البيان، ويشهد له قوله: (يعرف به إلخ) وقوله: (بعد رعاية المطابقة) إشارة إلى رعاية ما يجب اعتباره من علم المعانى من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فاللام فيه للعهد. وقوله: (ووضوح الدلالة) إشارة لما يجب اعتباره من علم البيان؛ والمراد وضوح الدلالة المتقدم ذكره، وقوله: (بعد رعاية تطبيقه) يحتمل أن يراد بعد معرفة رعاية تطبيقه ووضوح الدلالة، ويكون المراد" هو قواعد يعرف بها وجوه التحسين، ووجوه التطبيق، والوضوح، ومعرفة التطبيق، والوضوح سابقان على معرفة التحسين، فيكون المعانى والبيان جزأين للبديع"، ويحتمل أن يراد" قواعد يعرف بها بعد معرفة التطبيق والوضوح، وجوه التحسين" فلا يكون المعانى والبيان جزأين للبديع، بل مقدمتين له، وقد صرحوا بأن المراد هو الأول، وفى استخراجه من منطوق عبارة المصنف عسر، لأنك إذا قلت: " عرفت زيدا بعد معرفتى لعمرو" فالمخبر به معرفة زيد مقيدة بسبق معرفة عمرو، لا معرفة زيد وعمرو، وقوله:" بعد" يحتمل أن يكون منصوبا ب" يعرف" وأن يكون منصوبا" بالتحسين" والحق الذى لا ينازع فيه منصف أن البديع لا يشترط فيه التطبيق، ولا وضوح الدلالة، وأن كل واحد من تطبيق الكلام على مقتضى

стр. 842

وهى ضربان: معنوىّ، ولفظى: المحسّنات المعنويّة أما المعنوىّ: فمنه: المطابقة: وتسمّى الطباق، والتضادّ أيضا، وهى الجمع بين متضادّين، أى: معنيين متقابلين فى الجملة، ــ الحال، ومن الإيراد بطرق مختلفة، ومن وجوه التحسين قد يوجد دون الآخرين، وأدل برهان على ذلك أنك لا تجدهم فى شئ من أمثلة البيان يتعرضون إلى بيان اشتمال شئ منها على التطبيق، ولا تجدهم فى شئ من أمثلة البديع يتعرضون لاشتماله على التطبيق والإيراد، بل تجد كثيرا منها خاليا عن التشبيه والاستعارة والكناية التى هى طرق علم البيان، هذا هو الإنصاف، وإن كان مخالفا لكلام الأكثرين، ولا يخفى أن هذا التعريف من الرسوم غير الحقيقية لما فيه من التعدية التى هى أمر إضافى. وجوه تحسين الكلام البليغ: ص: (وهى ضربان إلخ). (ش): وجوه تحسين الكلام البليغ ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى، أشار إليه بقوله:" معنوى" وضرب يرجع إلى اللفظ، أشار إليه بقوله:" لفظى"، وقدم ما يرجع إلى المعنى لأنه أهم، وأورد أن الأقسام ثلاثة فإن منها: ما يرجع إليهما، وقد يجاب عنه بأن ما يرجع إليهما يدخل فى القسمين لانقسامه إلى كل منهما، أما المعنوى، فهو عبارة عما يزيد المعنى حسنا، وقسموه قسمين: أحدهما: ما يزيد المعنى حسنا لزيادة تنبيه، والثانى: ما يزيده تناسبا، والمصنف أطلق المعنوى ليدخل فيه النوعان منه من غير تمييز بعضها عن بعض، فذكر أقساما فقال: فمنه المطابقة، وتسمى الطباق، لأنه من طابق الفرس إذا وقع رجله مكان يده، ومصدر فاعل المفاعلة، والفعال، وهو تحسين ما لم يكثر فيسمج، قاله التنوخى، وتسمى التضاد وفيه تجوز كما سيأتى. قال الشيرازى:" وتسمى أيضا التطبيق والتكافؤ" قوله: (وهى) أى المطابقة (الجمع) أى فى الذكر (بين متضادين) أى معنيين متضادين، والمراد بالمتضادين: المتقابلان فى الجملة، أى سواء أكان التقابل من وجه ما أم من

стр. 843

ويكون بلفظين: ــ كل وجه، وسواء أكان التقابل حقيقيا أم اعتباريا، وسواء أكان بين وجوديين كما هى حقيقة التضاد أم بين وجودى وعدمى، أو عدميين، فإن قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا (١) ليس فيه تقابل حقيقة بين العلم المنفى، والعلم المثبت فى الآية ولكن بينهما تقابل فى الجملة إذا أخذا على الإطلاق، كذا قالوه، وفيه نظر لأنهما إذا أخذا على الإطلاق كان بينهما تناقض لا تضاد، ويمكن الجواب بأنه إذا كان المراد بالتضاد التقابل فهو بين النقيضين أوضح، وقد جمع بين الحقيقى وغيره فى قوله: يجزون من ظلم أهل الظّلم مغفرة ... ومن إساءة أهل الشّرّ إحسانا (٢) فمقابلة الإحسان بالإساءة حقيقية ومقابلة الظلم بالمغفرة غير حقيقية، واعلم أن إطلاق المطابقة والطباق على الجمع بين المتقابلين واضح، بمعنى أن الجامع فى الذكر بين المتقابلين طابق بينهما، أى قابل كأنه جعل أحدهما منطبقا على الآخر بمقابلته له، أو لأنهما تطابقا، أى توافقا فى التضاد، فإن التناسب فيه موافق، كما أن التضاد يجعل علاقة كما سبق، أو من باب تسمية الشئ باسم ضده، وهو الشبه بمطابقة الفرس إذا وضعت رجلها مكان يدها، وإطلاق التضاد على الجمع فيه بعد، لأن التضاد فى نفس الأمرين المجموع أحدهما مع الآخر لا نفس الجمع، وهذا اصطلاح لا مشاحّة فيه، والمجاز فيه سائغ، ثم أخذ المصنف فى تقسيم الطباق فهو إنما يكون بلفظين كما اقتضاه كلام المصنف، ولا يرد عليه الاسم المشترك بين ضدين، كالجون إذا ذكر مرتين بمعنييه فإنه لفظان بالشخص، نعم يرد عليه إذا قلنا: إنه يجوز استعمال المشترك فى معنييه، فأطلقنا الجون - مثلا - مريدين معنييه فإنه يصدق عليه حد الطباق، وليس فيه لفظان، لكن الجمهور لا يجيزون استعمال المشترك فى

стр. 844

من نوع: اسمين؛ نحو: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١)، أو فعلين؛ نحو: يُحْيِي وَيُمِيتُ (٢)، أو حرفين؛ نحو: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٣) أو من نوعين؛ نحو: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٤) ... ــ معنييه، فهما إما من نوع واحد باعتبار الاسمية، أو الفعلية، أو الحرفية، أو من نوعين. هذا رأى الجمهور، ونقل المطرزى وصاحب المعيار أنه لا بد فى الطباق من مراعاة التقابل، فلا يجئ باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم، وشرط قدامة فى الطباق اتحاد اللفظ، أى اشتراك المعنيين المتقابلين فى لفظ واحد، قال: وأما ذكر الشئ وضده من غير اتحاد اللفظ فيسمى التكافؤ، كذا نقله عنه جماعة منهم حازم وابن الأثير وعبد اللطيف وغيرهم، وإليه مال ابن الحاجب فى المختصر فى مسألة المشترك، وشرط غير قدامة فى التكافؤ أن يكون الضدين حقيقة والآخر مجازا، فهو أخص من الطباق، وشرط فيه بعضهم اتحاد المسند إليه، وشرط فيه صاحب بديع القرآن أن يكونا ضدين لا أكثر، وشرط فيه أن يكون الضدان حقيقيين، وإلا فهو تكافؤ كما سبق، فإن كان اللفظان من نوع واحد فإما أن يكون النوع الواحد هو الاسم بأن يكون اللفظان اسمين كقوله تعالى: تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ أو فعلين كقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ وحرفين كقوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ لأن" لها" يدل على الثواب و" عليها" يدل على العقاب وفى هذا الكلام توسع فإن التقابل بين معنيى متعلقى الحرفين لا بين الحرفين ومنه قوله: على أنّنى راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علىّ ولا ليا (٥) وإن كانا من نوعين فهو كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فإن أحدهما اسم والآخر فعل، وكذلك قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا

стр. 845

وهو ضربان: طباق الإيجاب؛ كما مر. وطباق السلب: نحو: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ (١)، ونحو: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ (٢). ــ فَأَغْنى (٣) وهذا مثال للنوعين أحدهما اسم، والآخر فعل، وهو أحد الأقسام الممكنة. الثانى: أن يكون أحدهما اسما، والآخر حرفا كقولك:" ثواب زيد حاصل وعليه وزره." الثالث: أن يكون أحدهما حرفا، والآخر فعلا، مثل:" أثيب زيد وعليه ما اكتسب". الطباق ضربان: ص: (وهو ضربان إلخ). (ش): الطباق ينقسم باعتبار آخر، وهو أنه طباق الإيجاب، وطباق السلب. طباق الإيجاب مثل الأمثلة السابقة، وطباق السلب هو الجمع بين فعلى مصدر واحد أحدهما مثبت، والآخر منفى، أو فى حكمهما، كالأمر والنهى، وقسمه صاحب بديع القرآن ثلاثة أقسام: طباق إيجاب، وطباق سلب، وفرق بينهما بما لا حاصل له، ومثل المصنف لطباق السلب بقوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وقول الشاعر: وننكر إن شئنا على النّاس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول (٤) وفى جعل الآية من باب الطباق نظر؛ لأن الطباق إن أخذ بين الفعلين فهما فى الآية غير متضادين لأن مفعول لا يعلمون غير مفعول يعلمون، وإن أخذ بين مطلق النفى والإثبات فيلزم أن يكون" ما جاء زيد وتكلم" طباقا، وليس كذلك وسيأتى ما يوضح هذا، ومثال الأمر والنهى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ قالوا: ومنه: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥) أى لا يعصون الله فى الحال: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فى المستقبل قال المصنف: وفيه نظر؛ لأن العصيان يضاد فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضاد؟ قلت: لا يعنون
следующие страницы →