الفنّ الثالث علم البديع
وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية المطابقة، ووضوح الدّلالة:
ــ
الفن الثالث: علم البديع ص: (يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة).
(ش): البديع فى اللغة" الغريب" والبديع فى أسماء الله - تعالى - الخالق لا عن مثال سبق، فهو" فعيل" بمعنى" مفعل" وقد تقدم الاعتراض عليهم فى تسميته بهذا الاسم، وأن الإبداع لا ينسب لغيره - تعالى - لا حقيقة، ولا مجازا، على ما قيل: هذا العلم منزل من العلمين السابقين منزلة الجزء من الكل، أو النتيجة من المقدمتين. فقوله:
(علم) جنس. قال الخطيبى: أى علم بالقواعد، وفيه نظر، فقد يكون المراد بالعلم المعلوم، وهو مجاز سائغ مشهور فى الحدود، وقد تقدم مثله فى حد علم البيان، ويشهد له قوله: (يعرف به إلخ) وقوله: (بعد رعاية المطابقة) إشارة إلى رعاية ما يجب اعتباره من علم المعانى من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فاللام فيه للعهد. وقوله:
(ووضوح الدلالة) إشارة لما يجب اعتباره من علم البيان؛ والمراد وضوح الدلالة المتقدم ذكره، وقوله: (بعد رعاية تطبيقه) يحتمل أن يراد بعد معرفة رعاية تطبيقه ووضوح الدلالة، ويكون المراد" هو قواعد يعرف بها وجوه التحسين، ووجوه التطبيق، والوضوح، ومعرفة التطبيق، والوضوح سابقان على معرفة التحسين، فيكون المعانى والبيان جزأين للبديع"، ويحتمل أن يراد" قواعد يعرف بها بعد معرفة التطبيق والوضوح، وجوه التحسين" فلا يكون المعانى والبيان جزأين للبديع، بل مقدمتين له، وقد صرحوا بأن المراد هو الأول، وفى استخراجه من منطوق عبارة المصنف عسر، لأنك إذا قلت:
" عرفت زيدا بعد معرفتى لعمرو" فالمخبر به معرفة زيد مقيدة بسبق معرفة عمرو، لا معرفة زيد وعمرو، وقوله:" بعد" يحتمل أن يكون منصوبا ب" يعرف" وأن يكون منصوبا" بالتحسين" والحق الذى لا ينازع فيه منصف أن البديع لا يشترط فيه التطبيق، ولا وضوح الدلالة، وأن كل واحد من تطبيق الكلام على مقتضى
стр. 842
وهى ضربان: معنوىّ، ولفظى:
المحسّنات المعنويّة
أما المعنوىّ: فمنه: المطابقة: وتسمّى الطباق، والتضادّ أيضا، وهى الجمع بين متضادّين، أى: معنيين متقابلين فى الجملة،
ــ
الحال، ومن الإيراد بطرق مختلفة، ومن وجوه التحسين قد يوجد دون الآخرين، وأدل برهان على ذلك أنك لا تجدهم فى شئ من أمثلة البيان يتعرضون إلى بيان اشتمال شئ منها على التطبيق، ولا تجدهم فى شئ من أمثلة البديع يتعرضون لاشتماله على التطبيق والإيراد، بل تجد كثيرا منها خاليا عن التشبيه والاستعارة والكناية التى هى طرق علم البيان، هذا هو الإنصاف، وإن كان مخالفا لكلام الأكثرين، ولا يخفى أن هذا التعريف من الرسوم غير الحقيقية لما فيه من التعدية التى هى أمر إضافى.
وجوه تحسين الكلام البليغ: ص: (وهى ضربان إلخ).
(ش): وجوه تحسين الكلام البليغ ضربان: ضرب يرجع إلى المعنى، أشار إليه بقوله:" معنوى" وضرب يرجع إلى اللفظ، أشار إليه بقوله:" لفظى"، وقدم ما يرجع إلى المعنى لأنه أهم، وأورد أن الأقسام ثلاثة فإن منها: ما يرجع إليهما، وقد يجاب عنه بأن ما يرجع إليهما يدخل فى القسمين لانقسامه إلى كل منهما، أما المعنوى، فهو عبارة عما يزيد المعنى حسنا، وقسموه قسمين: أحدهما: ما يزيد المعنى حسنا لزيادة تنبيه، والثانى: ما يزيده تناسبا، والمصنف أطلق المعنوى ليدخل فيه النوعان منه من غير تمييز بعضها عن بعض، فذكر أقساما فقال: فمنه المطابقة، وتسمى الطباق، لأنه من طابق الفرس إذا وقع رجله مكان يده، ومصدر فاعل المفاعلة، والفعال، وهو تحسين ما لم يكثر فيسمج، قاله التنوخى، وتسمى التضاد وفيه تجوز كما سيأتى.
قال الشيرازى:" وتسمى أيضا التطبيق والتكافؤ" قوله: (وهى) أى المطابقة (الجمع) أى فى الذكر (بين متضادين) أى معنيين متضادين، والمراد بالمتضادين: المتقابلان فى الجملة، أى سواء أكان التقابل من وجه ما أم من
стр. 843
ويكون بلفظين:
ــ
كل وجه، وسواء أكان التقابل حقيقيا أم اعتباريا، وسواء أكان بين وجوديين كما هى حقيقة التضاد أم بين
وجودى وعدمى، أو عدميين، فإن قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا (١) ليس فيه تقابل حقيقة بين العلم المنفى، والعلم المثبت فى الآية ولكن بينهما تقابل فى الجملة إذا أخذا على الإطلاق، كذا قالوه، وفيه نظر لأنهما إذا أخذا على الإطلاق كان بينهما تناقض لا تضاد، ويمكن الجواب بأنه إذا كان المراد بالتضاد التقابل فهو بين النقيضين أوضح، وقد جمع بين الحقيقى وغيره فى قوله:
يجزون من ظلم أهل الظّلم مغفرة ... ومن إساءة أهل الشّرّ إحسانا (٢)
فمقابلة الإحسان بالإساءة حقيقية ومقابلة الظلم بالمغفرة غير حقيقية، واعلم أن إطلاق المطابقة والطباق على الجمع بين المتقابلين واضح، بمعنى أن الجامع فى الذكر بين المتقابلين طابق بينهما، أى قابل كأنه جعل أحدهما منطبقا على الآخر بمقابلته له، أو لأنهما تطابقا، أى توافقا فى التضاد، فإن التناسب فيه موافق، كما أن التضاد يجعل علاقة كما سبق، أو من باب تسمية الشئ باسم ضده، وهو الشبه بمطابقة الفرس إذا وضعت رجلها مكان يدها، وإطلاق التضاد على الجمع فيه بعد، لأن التضاد فى نفس الأمرين المجموع أحدهما مع الآخر لا نفس الجمع، وهذا اصطلاح لا مشاحّة فيه، والمجاز فيه سائغ، ثم أخذ المصنف فى تقسيم الطباق فهو إنما يكون بلفظين كما اقتضاه كلام المصنف، ولا يرد عليه الاسم المشترك بين ضدين، كالجون إذا ذكر مرتين بمعنييه فإنه لفظان بالشخص، نعم يرد عليه إذا قلنا: إنه يجوز استعمال المشترك فى معنييه، فأطلقنا الجون - مثلا - مريدين معنييه فإنه يصدق عليه حد الطباق، وليس فيه لفظان، لكن الجمهور لا يجيزون استعمال المشترك فى
стр. 844
من نوع: اسمين؛ نحو: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١)، أو فعلين؛ نحو:
يُحْيِي وَيُمِيتُ (٢)، أو حرفين؛ نحو: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٣)
أو من نوعين؛ نحو: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٤) ...
ــ
معنييه، فهما إما من نوع واحد باعتبار الاسمية، أو الفعلية، أو الحرفية، أو من نوعين.
هذا رأى الجمهور، ونقل المطرزى وصاحب المعيار أنه لا بد فى الطباق من مراعاة التقابل، فلا يجئ باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم، وشرط قدامة فى الطباق اتحاد اللفظ، أى اشتراك المعنيين المتقابلين فى لفظ واحد، قال:
وأما ذكر الشئ وضده من غير اتحاد اللفظ فيسمى التكافؤ، كذا نقله عنه جماعة منهم حازم وابن الأثير وعبد اللطيف وغيرهم، وإليه مال ابن الحاجب فى المختصر فى مسألة المشترك، وشرط غير قدامة فى التكافؤ أن يكون الضدين حقيقة والآخر مجازا، فهو أخص من الطباق، وشرط فيه بعضهم اتحاد المسند إليه، وشرط فيه صاحب بديع القرآن أن يكونا ضدين لا أكثر، وشرط فيه أن يكون الضدان حقيقيين، وإلا فهو تكافؤ كما سبق، فإن كان اللفظان من نوع واحد فإما أن يكون النوع الواحد هو الاسم بأن يكون اللفظان اسمين كقوله تعالى:
تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ أو فعلين كقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ وحرفين كقوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ لأن" لها" يدل على الثواب و" عليها" يدل على العقاب وفى هذا الكلام توسع فإن التقابل بين معنيى متعلقى الحرفين لا بين الحرفين ومنه قوله:
على أنّنى راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علىّ ولا ليا (٥)
وإن كانا من نوعين فهو كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فإن أحدهما اسم والآخر فعل، وكذلك قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا
стр. 845
وهو ضربان: طباق الإيجاب؛ كما مر.
وطباق السلب: نحو: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ (١)، ونحو: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ (٢).
ــ
فَأَغْنى (٣) وهذا مثال للنوعين أحدهما اسم، والآخر فعل، وهو أحد الأقسام الممكنة.
الثانى: أن يكون أحدهما اسما، والآخر حرفا كقولك:" ثواب زيد حاصل وعليه وزره." الثالث: أن يكون أحدهما حرفا، والآخر فعلا، مثل:" أثيب زيد وعليه ما اكتسب".
الطباق ضربان:
ص: (وهو ضربان إلخ).
(ش): الطباق ينقسم باعتبار آخر، وهو أنه طباق الإيجاب، وطباق السلب. طباق الإيجاب مثل الأمثلة السابقة، وطباق السلب هو الجمع بين فعلى مصدر واحد أحدهما مثبت، والآخر منفى، أو فى حكمهما، كالأمر والنهى، وقسمه صاحب بديع القرآن ثلاثة أقسام: طباق إيجاب، وطباق سلب، وفرق بينهما بما لا حاصل له، ومثل المصنف لطباق السلب بقوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وقول الشاعر:
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول (٤)
وفى جعل الآية من باب الطباق نظر؛ لأن الطباق إن أخذ بين الفعلين فهما فى الآية غير متضادين لأن مفعول لا يعلمون غير مفعول يعلمون، وإن أخذ بين مطلق النفى والإثبات فيلزم أن يكون" ما جاء زيد وتكلم" طباقا، وليس كذلك وسيأتى ما يوضح هذا، ومثال الأمر والنهى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ قالوا: ومنه: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥) أى لا يعصون الله فى الحال:
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فى المستقبل قال المصنف: وفيه نظر؛ لأن العصيان يضاد فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضاد؟ قلت: لا يعنون
стр. 846
ومن الطباق نحو قوله [من الطويل]:
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها اللّيل إلّا وهى من سندس خضر
ــ
بالطباق أن يكون مضمون الكلامين متضادا بل يعنون أن يكون المذكوران لو جرّدا من النفى والإثبات كانا فى أنفسهما متضادين، فالتضاد هنا بين العصيان، وفعل المأمور به، ألا ترى أن المصنف وغيره جعلوا من الطباق: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١) وإن كان تحسبهم أيقاظا يفهم أنهم رقود، فيوافق وهم رقود ولا تضاد وكذلك قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وأخذنا الموت والحياة باعتبار الإسناد لما كان بينهما تضاد، فإن كان ميتا يفهم أنه
حى، لدلالة كان - غالبا - على الانقطاع، فهو يوافق أحييناه، وكذلك: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ليس الطباق بين عدم خشية الناس، وخشية الله، فإن الذى بينهما تلازم لا تقابل، بل الطباق بين مطلق خشية الناس، وخشية الله، ولا يرد على هذا إلا جعلهم:
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ (٢) طباقا، وقيل: الطباق فى الآية بين الحال والاستقبال فى لا يَعْصُونَ، وَيَفْعَلُونَ قوله: (ومن الطباق إلخ) يشير إلى نوع من الطباق يسمى" التدبيج" وهو أن يذكر فى معنى من المدح أو غيره ألوان لقصد الكناية أو التورية، فالأول كقول أبى تمام:
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر (٣)
فإنه كنى بقوله" سندس خضر" عن دخول الجنة، وقد توهم بعض الشارحين أن قوله:" خضر" مجرور، واعتذر عن وصف السندس المفرد بالجمع، وليس كذلك، فإن القافية مرفوعة و" خضر" خبر وهى، ولو كانت مجرورة كان الأحسن الاعتذار بأن" سندسا" جمع سندسة، كما قيل. وأما التورية فلقول الحريرى:
" فمذ ازورّ المحبوب الأصفر ... واغبر العيش الأخضر
اسودّ يومى الأبيض ... وابيضّ فودى الأسود
حتى رثى (٤) لى العدوّ الأزرق ... فيا حبّذا الموت الأحمر" (٥)
стр. 847
ويلحق به نحو: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (١)؛ فإن الرحمة مسبّبة عن اللين،
ــ
فقول: المحبوب الأصفر تورية عن الذهب، وإنما كان تورية لأن المحبوب الأصفر معناه القريب" الإنسان" والبعيد" الذهب" ولا شك فى كون الأصفر هنا مرادا به الذهب، ومن عادة الحريرى استعمال ذلك فيه كقوله:
أكرم به أصفر راقت صفرته
وقوله:
أصفر ذى وجهين كالمنافق
ولمنازع أن ينازع فى أن ذلك تورية، ويمنع تبادر الذهن من المحبوب الأصفر إلى الإنسان، وقد يعترض على المصنف فى قوله:" ألوان"، وليس فى البيت السابق إلا لونان، وليست التورية فى كلام الحريرى إلا فى واحد منها، وجوابه عن الثانى أن المراد أن يذكر ألوان تقع التورية فى بعضها وعنه وعن الأول أنه أراد جنس الألوان لا حقيقة الجمع قوله:" ويلحق به إلخ" يشير إلى أمرين يلحقان بالطباق: أحدهما:
نحو قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ فإن الرحمة مسببة عن اللين الذى هو ضد الشدة فلما ذكر المسبب عن أحد الضدين كان مع ذكر الآخر كالطباق كذا قاله المصنف، وفيه نظر؛ لأن الرحمة من الإنسان ليست مسببة عن اللين، بل هى نفس اللين، لأنها رقة القلب وانعطافه وكذلك قوله تعالى:
لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (٢) لأن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون. قال المصنف: ومن فاسد هذا الضرب قول المتنبى:
لمن تطلب الدّنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبّ أو إساءة مجرم (٣)
فإن ضد المحب المبغض والمجرم قد لا يكون مبغضا، وله وجه بعيد. يريد المصنف أن بين الإجرام والبغض تلازما بالادعاء، كأنه يشير إلى أن المجرم لا يكون إلا مبغضا له لمنافاة حاله حال المجرم، وكذلك السرور والإساءة لا تقابل بينهما إلا بهذا الاعتبار.
والقسم الثانى الملحق بالطباق، ويسمى إيهام التضاد، كقول دعبل:
стр. 848
ونحو قوله [من الكامل]:
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
ويسمى الثانى إيهام التضادّ.
المقابلة
ودخل فيه ما يختصّ باسم المقابلة؛ وهى أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر، بما يقابل ذلك على الترتيب،
ــ
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى (١)
فإنه لا تضاد بين الشيب الذى هو ضحك المشيب وبين البكاء، بل هما متناسبان، إلا أنه لما كان الضحك الحقيقى معناه السرور، أوهم باستعارته للمشيب أنه ضحك حقيقة فقابله بضد الضحك الحقيقى وهو البكاء، ومن الناس من زعم أن الضمير فى فبكى يعود إلى المشيب بتأويل ودعاه إلى ذلك توهم أن المقابلة تستدعى اتحاد المسند إليه، وليس كذلك، وسيأتى مع عدم الاتحاد فى قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٢) الآية وقد جعل من هذا قوله:
لو ذقت برد رضاب تحت مبسمها ... يا حار ما لمت أعضائى الّتى ثملت
فإن من سمع يا حار توهم أنه ضد، برد، وكذلك لو قال: يا صاح لطابقه قوله:" ثملت" وقد يعترض عليهما بأن حار لا يوهم المطابقة إلا لو شدّدت راؤه، وكذلك" صاح" إنما أن لو كان صاحبى، لأن الموهم إنما هو صاحبى بالياء.
المقابلة: ص: (ودخل فيه ما يختص باسم المقابلة إلخ).
(ش): أى: دخل فى الطباق ما يسمى مقابلة، وهى - أى: المقابلة - أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر، بأن يكون معان متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب بأن يكون الأول للأول؛ والثانى للثانى، وقال المطرزى فى شرح المقامات:
المقابلة أعم من الطباق، فإن المقابلة يدخل فيها نحو:" أنت ابن الدنيا وغيث الجود" فلم
стр. 849
والمراد بالتوافق خلاف التقابل؛ نحو: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً (١)، ونحو قوله [من البسيط]:
ما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل
ونحو: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (٢)، المراد باستغنى: أنه زهد فيما عند الله تعالى كأنه مستغن عنه؛ فلم يتّق، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ فلم يتّق.
ــ
يعتبر التنافى، وصاحب بديع القرآن شرط فى المقابلة أن تكون بأكثر من اثنين من الأربعة إلى العشرة، وعلى هذا المراد" بالتوافق" ليس" التناسب"، بل خلاف التقابل مطلقا سواء كانا متناسبين أم لا، ولا شك أن الطباق كله
تقابل كما سبق فى حده، فاسم التقابل صادق عليه إلا أنهم اصطلحوا على تسمية هذا النوع فقط تقابلا، وهو ما كان الطباق فيه مكررا، فإن قلت: إذا كان التقابل المراد أخص من الطباق فكيف يدخل فى الطباق، والأخص لا يدخل فى الأعم بل الأعم يدخل فى الأخص؟ قلت: كثيرا ما يقال عن الفرد: إنه داخل فى الجنس، والمراد إعلام أنه فرد من أفراد الجنس غير خارج عنه، لم يريدوا دخول النوع بجميع أجزائه بل دخول ما فيه من حصة الجنس، وذلك إما أن يكون تقابل اثنين باثنين كقوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً وتوافق الضحك، والقلة لكونهما لا يتقابلان، وكذلك البكاء مع الكثرة، وإما تقابل ثلاثة بثلاثة كقوله:
ما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل (٣)
فقد قابل أحسن بأقبح والدين بالكفر والدنيا بالإفلاس، والمراد بالدنيا اليسار والواو فى قوله:" والإفلاس" إما أن تجعل بمعنى المعية، وإما أن يكون الإفلاس مفعولا معه، ويدل على إرادة المعية قوله فيما قبله: إذا اجتمعا، وإما تقابل أربعة كقوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى فقد قابل أربعة بأربعة، فإن" أعطى" يقابل" بخل" و" اتقى" يقابل" استغنى" و" صدق" يقابل كذب واليسرى يقابل العسرى والمراد
стр. 850
وزاد السكاكى: وإذا شرط هنا أمر، شرط ثمّة ضدّه؛ كهاتين الآيتين؛ فإنه لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق، جعل ضدّه مشتركا بين أضدادها.
ــ
باستغنى لم يتق، أى: زهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتق أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة واعلم أن هذا ليس من الطباق كما زعم المصنف بل من الملحق به فإن استغنى ليس بمضاد لاتقى بل الغنى سبب لعدم الاتقاء المضاد لاتقى كما تقدم فى قوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (١) هذا ما ذكر المصنف هنا، وزاد فى الإيضاح أنه قد يكون مقابلة خمسة بخمسة، كقول المتنبى:
أزورهم وسواد اللّيل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصّبح يغرى بى (٢)
قال المصنف: وفيه نظر؛ لأن الباء واللام فيهما صلتا الفعلين فهما من تمامهما، وهذا بخلاف اللام وعلى فى قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٣) وزاد السكاكى فى التقابل شرطا، وهو أنه إذا شرط هنا أمر شرط، ثم ضده، كقوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى (٤) الآيتين (٥) فإنه تعالى لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء، والاتقاء، والتصديق جعل ضده مشتركا بين أضدادها، وفى هذا الكلام نظر؛ لأن التيسير ليس شرطا جعل فى أحدهما، فجعل فى الآخر ضده، بل هو مشروط للأمور الأولية فجعل مشروطا للأمور الثانية، ثم قوله:" لما جعل التيسير مشتركا بين هذه الأمور جعل ضده مشتركا بين أضدادها" يقتضى أنه جعل ضد التيسير فى الآية الثانية، وليس كذلك بل التيسير فيهما مذكور مطلوب جعل كليا صادقا على الطرفين، ليس فى أحدهما هذا الأخير غير أن متعلق التيسير الأول وهو الميسر له ضد متعلق الثانى.
стр. 851
مراعاة النظير
ومنه: مراعاة النظير، ويسمّى التناسب والتوفيق، وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد؛ نحو: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (١)، وقوله [من الخفيف]:
كالقسىّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار
ومنها (٢): ما يسمّيه بعضهم: تشابه الأطراف؛ وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه فى المعنى؛ نحو: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (٣)، ويلحق بها نحو: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٤)، ويسمّى إيهام التناسب.
ــ
مراعاة النظير: ص: (ومنه مراعاة النظير).
(ش): أى هو من التحسين المعنوى قال: (ويسمى التناسب والتوفيق أيضا) ويسمى الائتلاف، وكان الأحسن تسميته" التأليف" لموافقة التوفيق، وهو جمع المتكلم أمرا مع ما يناسبه لا بالتضاد، أى تكون المناسبة بغير المضادة كقوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ فإنهما متناسبان، غير متضادين ومنه قوله - وهو البحترى - يصف الإبل الأنضاء المهازيل، وقيل: الرماح:
كالقسىّ المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار (٥)
وكقول ابن رشيق:
أصحّ وأقوى ما سمعناه فى النّدى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السّيول عن الحيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم (٦)
قوله: (ومنها) أى: من مراعاة النظير (ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف، وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
стр. 852
الإرصاد
ومنه: الإرصاد، ويسمّيه بعضهم: التّسهيم؛ وهو أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو من البيت ما يدل عليه إذا عرف الروىّ،
ــ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *) فإن اللطيف يناسب لا تدركه الأبصار، والخبير يناسب وهو يدرك الأبصار، هكذا قالوه، وقد
يقال: اللطيف المناسب لعدم الإدراك، هو من اللطافة بمعنى صغر الحجم، وليس المراد هنا، إنما المراد اللطيف من اللطف الذى هو الرحمة، فينبغى أن يسمى هذا من باب إيهام التناسب الذى سيأتى، لا من التناسب، ومنه قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١) فنبه بالغنى على أن ما له ليس لحاجة، وبالحميد على أنه يجود فيحمد، وقد يقال: الختم فى الآيتين وقع بما يناسب وسط الكلام، لا ابتداءه، إلا أن المصنف جعل الختم بمجموع الجملة، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)؛ لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب، إلا من ليس فوقه أحد يرد حكمه، فهو الغالب، والعزيز هو الغالب الحكيم من يضع الشئ فى محله (ويلحق بها) أى: بمراعاة النظير قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وسمى إيهام التناسب؛ لأنه لما ذكر لفظ الشمس والقمر ذكر النجم، والمراد به على أحد القولين" النبات"، فذكر النجم بعد ذكر الشمس والقمر يوهم التناسب؛ لأن النجم أكثر ما يطلق على نجم السماء المناسب للشمس والقمر، بكونه فى السماء، فهو كما تقدم فى إيهام التضاد؛ لكونه مراعاة النظير فى اللفظ لا المعنى.
الإرصاد: ص: (ومنه الإرصاد إلخ).
(ش): من أنواع البديع ما يسمى: الإرصاد لأن السامع يرصد ذهنه للقافية، بما يدل عليها فيما قبلها، ويسمى التسهيم، من البرد المسهم، أى: المخطط الذى لا يختلف ولا يتفاوت، فإن الكلام يكون به كالبرد المسهم المستوى الخطوط كذا قال الخطيبى، والذى فى الصحاح أن المسهم المخطط، ولم يشترط استواء خطوطه، وقيل: يسمى تسهيما؛ لأن المتكلم يصوب ما قبل عجز الكلام إلى عجزه، والتسهيم تصويب السهم إلى الغرض. (وهو أن يؤتى قبل العجز من الفقرة أو البيت بما يدل عليه إذا عرف الروى) قال صاحب
стр. 853
نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١)، وقوله [الوافر]:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ــ
بديع القرآن:" هو أن يكون ما تقدم من الكلام دليلا على ما تأخر أو بالعكس" ومثل المصنف للتسهيم بقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فإنه لو وقف القارئ على أنفسهم؛ لفهم أن بعده يظلمون، وكذلك قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع (٢)
وفى اشتراط العلم بحرف الروى نظر، فإن ذلك قد يعلم من حشو البيت الواحد، أو صدره، وإن لم يعلم الروى، ألا ترى أنك لو وقفت فى هذا البيت على قوله: و" جاوزه إلى ما" لعلم أن تكميله (تستطيع) وكذلك ذكره ابن منقذ، وغيره، ولم يشترطوا فيه ذلك، ولذلك جعل منه الطيبى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ (٣) وقال: إنه يدل على العنكبوت، ومن شرف الإرصاد، قول ابن نباتة الخطيب:
خذها إذا نشدت فى القوم من طرب ... صدورها عرفت فيها قوافيها (٤)
وروى أنه لما بلغت قراءة النبى ﷺ ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ (٥) قال عبد الله بن أبى سرح: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (٦) فقال النبى ﷺ " كذلك أنزلت" (٧) فكان ذلك سبب ردّة المذكور.
стр. 854
المشاكلة
ومنه: المشاكلة؛ وهى ذكر الشئ بلفظ غيره؛ لوقوعه فى صحبته، تحقيقا أو تقديرا:
فالأول: نحو قوله [من الكامل]:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لى جبّة وقميصا
ونحو: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ (١).
ــ
المشاكلة: ص: (ومنه المشاكلة إلخ).
(ش): المشاكلة ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبة ذلك الغير تحقيقا، أو تقديرا، فالتحقيق، كقوله:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لى جبّة وقميصا (٢)
كأنه قال: خيطوا لى، فذكر الخياطة بلفظ ليس لها، بل بلفظ الطبخ، لوقوعه فى قوله: (نجد لك طبخه) واستعمال اطبخوا هنا للمقابلة، وقوله:" نجد" الظاهر أنها بضم النون من أجاد، لكن قال بعض شراح هذا الكتاب: إنها بالفتح من الوجدان، والذى يظهر فى قوله:" اطبخوا" أنه ليس من مجاز المقابلة، بل من الاستعارة؛ لمشابهة الطبخ للخياطة، والإطعام للكسوة فى النفع، وأن هذا القسم من الضرب الثانى من أحد قسمى القول بالموجب، كما سيجئ - إن شاء الله تعالى - وهو بعينه الأسلوب الحكيم المذكور فى علم المعانى، ثم نقول: مجاز المقابلة بالاستقراء يكون اللفظ المقابل والمقابل كلاهما فى متكلم، وهنا" اطبخوا" فى كلام شخص و" طبخه" فى كلام آخر، قلت: وهذا يقتضى أن هذا من مجاز المقابلة، وقد قدم المصنف فى المجاز المرسل أن هذه الآية من مجاز إطلاق السبب على المسبب، وكذلك أن مجاز المقابلة، ربما يقدم على مقابله مثل" فإن الله لا يملّ حتى تملّوا" (٣) ومنه قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ فذكر" نفسك"، والمراد" الذات" ولكنها ذكرت
стр. 855
والثانى: نحو: صِبْغَةَ اللَّهِ (١)، وهو مصدر مؤكّد ل آمَنَّا بِاللَّهِ (٢) أى: تطهير الله؛ لأنّ الإيمان يطهّر النفوس، والأصل فيه: أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر يسمّونه: (المعموديّة)، ويقولون: إنّه تطهير لهم؛ فعبّر عن الإيمان بالله ب صبغة الله للمشاكلة بهذه القرينة.
ــ
بلفظ النفس؛ لتقدم" تعلم ما فى نفسى" واعترض بجواز أن يكون المراد بنفسك" الذات" فتكون حقيقة من غير ملاحظة المشاكلة. قلت: وعبارة الزمخشرى:" المعنى تعلم معلومى، ولا أعلم معلومك" ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة، والذى فهمته من هذا الكلام، أنه لا يريد أن النفس هنا غير الذات، بل ذكر الجملة التى لأجلها عبر عن المعلوم بما فى النفس، فلا يكون إرادة الذات والحقيقة منافيا للمشاكلة، ويمكن أن يقال: النفس وإن أطلقت على الذات فى حق غير الله - تعالى - فلا تطلق فى حقه، لما فيه من إيهام معناها الذى لا يليق بغير المخلوق، فلذلك احتيج إلى المشاكلة. وقيل: لا بد من الإقرار بالمشاكلة؛ لأن ما فى النفس إن أريد به المضمرات، فلا مطابقة من
جهة الله - تعالى - فوجب المشاكلة، وإن أريد ما فى الحقيقة والذات فالمشاكلة من حيث إدخاله فى الظرفية، ومنه قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (٣) على أحد القولين السابقين، وجعل منه فى الإيضاح قول أبى تمام:
من مبلغ أفناء يعرب كلّها ... أنّى بنيت الجار قبل المنزل (٤)
وفيه نظر؛ لأن البناء المذكور لم يذكر نظيره فى المنزل تحقيقا، بل تقديرا، فإن تقديره قبل بناء المنزل، فهو من القسم الثانى، لا الأول، بل هو أجدر باسم البعدية من الثانى؛ لأن هذا التقدير لفظى، والتقدير فى القسم الثانى معنوى، قوله: (والثانى) أشار إلى ما إذا كان وقوع ذلك الاسم فى صحبة غيره تقديرا (نحو قوله تعالى صِبْغَةَ اللَّهِ) فإنه مصدر مؤكد انتصب بقوله تعالى: آمَنَّا بِاللَّهِ ومقابل الصبغة مقدر تقديره صبغة الله لا صبغتكم، والمعنى تطهير الله (لأن الإيمان يطهر النفوس، وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر، يسمونه المعمودية) قال المطرزى: وهى لغة غريبة لم تسمع إلا فى التفسير (ويقولون: هو تطهير لهم، فعبر عن الإيمان بالله
стр. 856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بصبغة الله للمشاكلة) وإن لم يتقدم لفظ الصبغ لدلالة القرينة، وغمس النصارى أولادهم عليه، كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرام، وهذا الكلام كله من الكشاف، ونقل عن الزّجّاج أن (صبغة الله) يجوز أن يراد به خلقة الله الخلق، أى ابتداء الله الخلق على الإسلام كقوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها (١) وقول الناس: صبغ الثواب إنما هو تغيير لونه وخلقته، وقال القاضى: صبغنا الله صبغة، وهى فطرته كأنها حلية صبغ الثوب إنما هو تغيير لونه وخلقته وقال القاضى: صبغنا الله صبغة وهى فطرته كأنها حلية الإنسان إذ هدانا بهدايته، وطهر قلوبنا بطهره، وسماه صبغة؛ لأنه ظهر أثره عليه ظهور الصبغ. قال الطيبى: فعلى هذا القول، لا تكون مشاكلة بل استعارة مصرحة تحقيقية (قلت): وفيما قاله نظر؛ لأن كل مشاكلة فهى استعارة، فكونها استعارة لا ينافى المشاكلة، وقولهم:
إن (صبغة الله) مصدر مؤكد، هو أحد الأقوال، وقيل: منصوب على الإغراء أى الزموا ويبعده نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ إلا أن يقدر هناك قول، وفيه تكلف، والزمخشرى ذكر هذا، إلا أنه قدر الإغراء بالمجرور، أى عليكم، ورد عليه: بأن الإغراء إذا كان بظرف، أو مجرور لم يجز حذفه، ويحتمل أن يكون تقديره عليكم تفسير معنى، وقيل: بدل من قوله: مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، * ونقل عن الأخفش، وهو بعيد، لطول الفصل. وقال أبو البقاء:
انتصابه بفعل محذوف، أى اتبعوا، ولعله يريد الإغراء قال فى الإيضاح بعد هذا النوع:
ومنه الاستطراد، وهو الانتقال من معنى لمعنى آخر متصل به لم يقصد بذكر الأول التوصل لذكر الثانى، وقال بدر الدين بن مالك: إن الاستطراد قليل فى القرآن الكريم، وأكثر ما يكون فى الشعر، وأكثره فى الهجاء، ولم أظفر به إلا فى قوله تعالى: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٢) وقول الحماسى:
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول (٣)
أراد مدح نفسه، فاستطرد لذم قبيلتين، وعليه قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
стр. 857
المزاوجة
ومنه: المزاوجة؛ وهى أن يزاوج بين معنيين فى الشرط والجزاء؛ كقوله [من الطويل]:
إذا ما نهى النّاهى فلجّ بى الهوى ... أصاخت إلى الواشى فلجّ بها الهجر
العكس
ومنه: العكس؛ وهو أن يقدّم جزء فى الكلام على جزء، ثم يؤخّر، ويقع على وجوه:
منها: أن يقع بين أحد طرفى جملة وما أضيف إليه؛
ــ
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١) قال الزمخشرى: وأورده على سبيل الاستطراد، عقيب ذكر خصف الأوراق، وما معه إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس، وقد يكون الثانى هو المقصود، فيذكر الأول قبله ليتوصل به إليه، كقول أبى إسحق
الصابى:
إن كنت خنتك فى المودّة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا
وزعمت أنّ له شريكا فى العلى ... وجحدته فى فضله التّوحيدا
قسما لو انّى حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا (٢)
المزاوجة: ص: (ومنه المزاوجة إلخ).
(ش): وهو أن يزاوج بين معنيين فى الشرط والجزاء، كقول البحترى:
إذا ما نهى النّاهى فلجّ بى الهوى ... أصاخت إلى الواشى فلجّ بها الهجر (٣)
ويروى" أصاخ" إلى الواشى فلج به الهجر، فقد زاوج بين معنيين هما لجاج الهوى، ولجاج الهجر فى الشرط والجزاء، فإن أحدهما معطوف على الشرط، والآخر على الجزاء، وقد جعل الخطيبى جميع ما تقدم إلى اللفظ معا قوله.
(ومنه) أى من المعنوى (العكس) وسماه فى الإيضاح العكس والتبديل (وهو أن يقدم أول الكلام جزء ثم يؤخر) أى يؤخر الجزء المقدم ويقدم الجزء المؤخر لنكتة، أى يكون مقصودا لمعنى بديع، لا غلطا، (ويقع على وجوه منها أن يقع بين أحد طرفى جملة، وما أضيف إليه)
стр. 858
نحو: عادات السادات سادات العادات.
ومنها: أن يقع بين متعلقى فعلين فى جملتين؛ نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (١).
ومنها: أن يقع بين لفظين فى طرفى جملة نحو: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (٢).
ــ
هذه عبارة المصنف، ولا يخفى أن قوله:" يقع" على وجوه منها: أن يقع فاسد الوضع، فإنه جعل الوقوع وجها يقع عليه الشئ، (ووقوع الشئ لا يكون وجها يقع عليه الشيء، كقول بعضهم: عادات السادات سادات العادات) وإنما قال:" بين أحد طرفى الجملة" لأنه وقع بين المبتدأ، وما أضيف إليه، ويصح أن يقال: بين طرفى جملة وما أضيف
إليهما، ومثله قولهم: كلام الإمام إمام الكلام. (ومنها أن يقع بين متعلقى فعلين فى جملتين كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ. قوله:
" متعلقى فعلين"، فيه نظر؛ لأنه يخرج مخرج الحى من الميت، ومخرج الميت من الحى، ولا معنى لإخراجه، فالصواب أن يقال: متعلقى عاملين، ومنه قول الحماسى وهو عبد الله بن الزبير الأسدى:
فردّ شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا (٣)
(ومنها أن يقع بين لفظين فى طرفى جملتين، كقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لا يقال: فيه نظر؛ لأنه ليس عكسا تامّا لأن فى إحداهما حل بالاسم وفى الأخرى يحلون بالفعل، لأنا نقول: المراد العكس بين هن وهم فقط، فاللفظان هما" هن وهم" وطرفا الجملتين هما المبتدأ ومنه قوله تعالى: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ (٤) ولقائل أن يقول: هذا القسم كله من رد العجز على الصدر وسيأتى.
стр. 859
الرجوع
ومنه: الرجوع؛ وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة؛ كقوله [من البسيط]:
قف بالدّيار الّتى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والدّيم (١)
ــ
(ومنه) أى من المعنوى (الرجوع وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض لنكتة كقول زهير:
قف بالدّيار التى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والدّيم) (٢)
قيل: لما وقف بالديار حصلت له كآبة أذهلته، فأخبر بما لم يتحقق، فقال: لم يعفها، ثم رجع إليه عقله فتدارك كلامه، فقال: بلى وغيرها الأرواح والديم، كذا قالوه، وليس مرادهم ما هو ظاهر العبارة من أنه غلط، ثم استدرك؛ لأن
ذلك يكون غلطا لا بديع فيه؛ بل المراد أنه توهم الغلط، وإن كان قاله عن عمد، إشارة إلى تأكيد الإخبار بالثانى، لأن الشئ المرجوع إليه يكون تحققه أشد، ونحوه:
فأفّ لهذا الدّهر لا بل لأهله (٣)
وقول الحماسى:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك؟! وكلا ليس منك قليل (٤)
كذا ذكره فى الإيضاح، وفيه نظر؛ لأن القليل الأول المثبت، هو باعتبار القلة الحقيقية، والقليل الثانى المنفى باعتبار الغنى والسرف، فلم يتواردا على معنى واحد، فلا رجوع.
стр. 860
التورية
ومنه: التورية، وتسمّى الإيهام أيضا؛ وهى أن يطلق لفظ له معنيان، قريب وبعيد، ويراد البعيد؛ وهى ضربان:
مجرّدة: وهى التى لا تجامع شيئا مما يلائم القريب؛ نحو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١).
ومرشّحة؛ نحو: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (٢)
ــ
التورية: ص: (ومنه التورية إلخ).
(ش): أى من المعنوى التورية، وهى مصدر وريت الخبر، إذا سترته وأظهرت غيره، كأنه مأخوذ من وراء الإنسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر، ويسمى أيضا الإيهام، وهو أن يطلق لفظ له معنيان: قريب، وبعيد، ويراد البعيد، والمراد بقولنا:
قريب، وبعيد، قريب الفهم وبعيده، فإن المعنى نفسه لا يوصف ببعد ولا قرب والمراد بالمعنيين أكثر من معنى، واعلم أن قولهم: لفظ له معنيان يراد البعيد، يتأتى بأن يكون اللفظ له حقيقة ومجاز، فيراد مجازه، وإن كان غير راجح، أو حقيقته المرجوحة إن كان مجازه راجحا، أو يكون مشتركا، ويغلب استعماله فى أحدهما، بحيث يصير الذهن يتبادر إليه دون الآخر، ثم قسم المصنف التورية إلى قسمين: مجردة، ومرشحة، فالمجردة هى التى لا تجامع شيئا مما يلائم القريب المورى به، ومثله بقوله تعالى:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فإن معناه القريب المورى به ما يقتضيه ظاهر لفظ" استوى" ومعناه البعيد المراد المورى عنه القدرة والملك. كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن لفظ" على" يلائم المعنى القريب المورى به عن المراد، فإن على حقيقتها الاستعلاء الحسى الذى ليس بمراد، والمرشحة هى التى قرنت بما يلائم المورى به، إما قبله أو بعده، ومثله بقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أى بقوة. كذا قال المصنف، وشرحوه على أن المراد أن بأيد تورية مرشحة بما يلائمها، وهو البناء، والظاهر أن المراد أن بأيد جمع يد بمعنى القوة، فيكون أريد بالأيدى" القوى"، وهو معناها المراد البعيد، ومعناها القريب غير المراد" الجارحة" قلت: وفيه نظر، لأن قوله تعالى: بِأَيْدٍ له معنيان:" القوة" فيكون مفردا وجمع" يد" وهما معنيان مستويان، ليس أحدهما قريبا والآخر بعيدا، وكل
стр. 861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منهما صالح لأن يراد، فإن البناء يكون بالأيد الذى هو" القوة" وبالأيدى التى هى جمع" يد" ثم لو كان أحدهما قريبا، فهذه ليست كلمة واحدة لها معنيان، بل كلمتان، فإن الأيد كلمة غير الأيدى، فتقرر أن التورية ليست باعتبار الأيد والأيدى بل باعتبار إطلاق الأيدى وإرادة القوى، فإن أراد المصنف بذكره" القوة" أن" الأيد" فى الآية مفردة فلا مجاز فيه، لأن القوة مرادة الحقيقة فى الآية، ولا تورية لعدم قرب أحد المعنيين من جهة وضع اللفظ، وإن أراد جمع" يد" بمعنى القوة، كما فهموه عنه، صح أنها تورية مرشحة واستعارة مرشحة، لكن لا نسلم أن المراد بقوله تعالى: بِأَيْدٍ ذلك، بل المراد" القوة" وإذا كان الأيد القوة، فما الضرورة إلى تأويل بأيد على الأيدى المتجوز بها عن القوة، وقد جزم الزمخشرى، وغيره: بأن المراد فى الآية" الأيد المفرد" وهو" القوة"؟
واعلم أن التورية المرشحة، هى نوع من الاستعارة المرشحة فى الأصل، والتورية المجردة يدخل فيها
الاستعارتان: المجردة والمطلقة، والفرق بين الاستعارة المرشحة والتورية المرشحة، هو أن مع الاستعارة قرينة تصرف اللفظ لها وتجعل المعنى البعيد قريبا، والتورية ليست كذلك، والغالب عليها الترشيح بما يبعد إرادة المجاز، ولذلك سميت تورية وإيهاما.
قال المصنف: وقد يكون الترشيح بعد التورية، كقول القاضى عياض:
كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدى والحمل (١)
وكأنه نظر إلى لفظ الغزالة، وجعل ترشيحه الجدى، وهو بعده. وابن مالك نظر إلى لفظ الجدى والحمل، وجعله تورية مرشحة بما قبلها وهو الغزالة، وقال: إن لفظ الغزالة تورية مجردة وإنه ليس قبله ولا بعده شئ من لوازم المورى به، وقال ابن النحوية: هما توريتان مجردتان ليست إحداهما ترشيحا للأخرى؛ لأن شرط المرشح به بأن يكون صريحا، وكل من الغزالة والجدى والحمل مشتركان، ثم قال المصنف: التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كقوله:
حملناهما طرّا على الدهم بعد ما ... جعلنا عليهم بالطّعان ملابسا (٢)
стр. 862
الاستخدام
ومنه: الاستخدام؛ وهو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما، ثمّ بالآخر الآخر، أو يراد بأحد ضميرين أحدهما، ثم بالآخر الآخر:
فالأوّل: كقوله [من الوافر]:
إذا نزل السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
والثانى: كقوله [من الكامل]:
فسقى الغضى والسّاكنيه وإن هم ... شبّوه بين جوانحى وضلوعى
ــ
وضرب لا يبلغ ذلك، كقول ابن الربيع:
لولا التّطيّر بالخلاف وأنّهم ... قالوا مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحبى فى فنائك خدمة ... لأكون مندوبا قضى مفروضا (١)
وقال السكاكى: أكثر متشابهات القرآن تورية.
قوله: (منه) أى ومن المعنوى (الاستخدام) قال: سمى استخداما؛ لأن الكلمة خدمت لمعنيين، وقال الخطيبى: يسمى الاستحدام بالحاء المهملة، وهو قسمان: الأول أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما سواء أكانا متساويين أم لا، ثم يؤتى بعده بضمير يعود فى اللفظ عليه، وفى المعنى على معناه الآخر، مثاله قول معاوية بن مالك:
إذا نزل السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا (٢)
فإنه أراد بالسماء المطر، وأراد بالضمير فى رعيناه النبات والنبات أحد معنيى السماء؛ لأنه مجاز عنه باعتبار أن المطر سببه، وسوغ عود الضمير على النبات - وإن لم يتقدم له ذكر - ذكر سببه، وهو السماء التى أريد بها المطر. الثانى: أن يراد بأحد ضميرى اللفظ معنى، وبضميره الآخر آخر كقول البحترى:
فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانحى وضلوعى (٣)
стр. 863
اللف والنشر
ومنه: اللف والنشر؛ وهو ذكر متعدّد على التفصيل أو الإجمال، ثم ما لكلّ واحد من غير تعيين؛ ثقة بأن السامع يردّه إليه.
فالأول: ضربان؛ لأن النشر إمّا على ترتيب اللف؛ نحو: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (١).
ــ
فإنه أراد بضمير الغضا فى قوله:" والساكنيه" المكان، وفى قوله:" شبوه" الشجر، والشجر هو أحد معنيى الغضا؛ لأنه معناه الأصلى، أى: أوقدوه، ولك أن تقول: الاستخدام هنا إنما كان بعود ضمير" شبوه" على غير
المراد بالغضا، وتوسط ذكر الساكنيه لا أثر له، فالضربان بالحقيقة ضرب واحد لا يختلفان فيما يتعلق بالاستخدام، ولك أن تقول - أيضا -:
الضمير الثانى لا يعود على الشجر الذى ادعيتم أنه أحد معنيى الغضا، مرادا به الحقيقة، بل يعود على الغضا مرادا به معناه المجازى، وهو نار الشوق، لأنه لا يقال: إن الشوق أحد معنيى الغضا، فليتأمل. وقيل: الاستخدام أن تقع الكلمة المحتملة لمعنيين متوسطة بين لفظين: أحدهما، لمعناها الواحد، والآخر لمعناها الآخر كقوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (٢) فإن كتاب يحتمل الأمد المحتوم ويحتمل المكتوب، و" أجل" استخدام للمعنى الأول، ويمحو استخدام للثانى.
اللف والنشر: ص: (ومنه اللف والنشر إلخ).
(ش): اللف والنشر، عبارة عن ذكر متعدد، سواء كان اثنين أو أكثر، إما مفصلا أو مجملا بأن يشمل ذلك التعدد لفظ عام بالاستغراق، أو الصلاحية، وهذا هو اللف، ثم يذكر ما لكل، أى: ما يختص به كل واحد من ذلك المتعدد، من غير تعيين واحد منها لآخر، وثوقا بأن السامع يرده إليه بقرينة حالية، واشتراط عدم التعيين يشكل عليه ما سيأتى، واشتراط تأخر النشر عن اللف يشكل عليه ما سيأتى - أيضا - فالأول، أى ما كان المتعدد فيه مفصلا قسمان: لأن النشر إما أن يذكر على ترتيب اللف، بأن يجعل الأول للأول، والثانى للثانى على هذا الترتيب، أو لا، مثال الأول، ويسمى اللف والنشر على السنن، وهو أحسن القسمين، كما صرح به التنوخى وغيره قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فإن
стр. 864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعود على الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعود على النهار، وقد يقال:
إن كلا منهما يعود إلى الليل والنهار، كما ذكره الزمخشرى احتمالا فى قوله تعالى:
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (١) سنذكره فى آخر الكلام، واعلم أن المصنف مثل لهذا القسم بقول ابن الرومى:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدّجى والأخريات رجوم (٢)
وفيه نظر من وجوه، منها أنه اشترط - فيما سبق - أن لا يكون فى النشر تعيين فرد منها الفرد من أفراد اللف، وهذا فيه تعيين الأخير للأخير بقوله: والأخريات رجوم فيكون من التقسيم الذى سيأتى، لا من اللف والنشر فإن الظاهر أن قوله: والأخريات جمع أخرى تأنيث آخر بالكسر لا تأنيث آخر بالفتح، ومنها: أنا لا نسلم أن هذا من اللف والنشر، لأن المظروف إذا كان فى أحد أشياء فيها مناسبة ما يصدق أن يقال:
هو فيها، كما جعل الحج واقعا فى أشهر معلومات، وإنما يقع فى بعضها، وإذا ثبت هذا، فلا يتعين أن لكل واحد من المعالم والمصابيح، والرجوم ظرفا من الآراء، والوجوه، والسيوف، لأنه إذا كانت المعالم - مثلا - فى الآراء صدق أن المعالم فى الآراء والوجوه والسيوف؛ لأنه بين الثلاثة تناسبا يصوغ جعل الواقع فى أحدها واقعا فى الجميع، وهو أنها موصلة إلى المقصود، ألا ترى إلى الشاعر، كيف جعلها كلها نجوما فى البيت الأول؟ ومنها أنا وإن قلنا: إنه لا يصح ذلك، فما المانع من أن يراد تحقيق المعنى ويدعى أن فى الآراء وحدها معالم للهدى ومصابيح للدجى ورجوما للعدى؟ وكذلك فى الوجوه والسيوف، فلا يكون من اللف والنشر فى شئ، ومنها سلمنا أن هذا لف ونشر، فليس هذا من القسم الأول، الذى ذكر فيه اللف مفصلا، كما زعم المصنف، بل من القسم الثانى الذى وقع اللف فيه مجملا؛ لأن الضمير فيها هو اللف، فهو كقولك: الزيدان قائم وقاعد، وكقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ
стр. 865
وإما على غير ترتيبه؛ كقوله (١) [من الخفيف]:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا
ــ
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (٢) وإنما التبس ذلك عليه، لأنه نظر إلى التفصيل فى البيت الأول، وليس كذلك، فإن النشر إنما وقع للضمير فى قوله: فيها لا يقال: قوله: نجوم يعود إلى الآراء، وقوله: فيها معالم صفة نجوم، وقوله:
ومصابح معطوف عليه؛ لأن قوله: والأخريات رجوم لا يمكن أن يكون بقية الخبر؛ لأنه يصير تقديره: وسيوفكم الأخريات رجوم؛ لأن الأخريات رجوم، لا يصح أن يكون خبر وسيوفكم ومثال الثانى، وهو النشر
الملفوف بالتفصيل على غير ترتيب، بأن يكون أول النشر لآخر اللف، وعلى هذا الترتيب قوله، أى ابن حيوس:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدّا وردفا؟!
لحظا يعود إلى غزال، وقدا يعود إلى غصن، وردفا يعود إلى حقف، وقول المصنف:
على غير ترتيبه، يقتضى بظاهره أن من اللف عود بعض إلى بعض مطلقا، فيدخل فيه أن يكون أول النشر لأوسط اللف، أو للأول، ثم الثانى للثالث، ونحو ذلك، وتقدم الكلام على ذلك فى شرح خطبة هذا الكتاب، وظاهر كلام غير المصنف تقييد غير الترتيب بأن يكون على عكس اللف وبه صرح فى المصباح، وعدّ فى البرهان من اللف والنشر: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٣) قال: معناه: يقول الذين آمنوا: متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب.
(تنبيه): ربما يحذف أحد أجزاء اللّف لدلالة النشر عليه، كقولك فى جواب من قال: من الإنسان والفرس ناطق وصاهل، وقد يحذف أحدهما دون الآخر ومثل بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً (٤) على أحد التخاريج فيه.
стр. 866
والثانى: كقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (١) أى:
قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى؛ فلفّ لعدم الالتباس؛ للعلم بتضليل كل فريق صاحبه.
ــ
قوله: (والثانى) يشير إلى ما كان اللف فيه بذكر متعدد على جهة الإجمال، ويسمى المشوش كقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى فالضمير فى قالوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فتقديره: وقالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة، إلا من كان هودا أو نصارى، أى قالت اليهود: لن يدخل إلا من كان هودا، والنصارى: لن يدخل إلا من كان نصارى. قال الزمخشرى: فلف بين القولين لعدم الالتباس. قوله: (للعلم) بدل من قوله: لعدم الالتباس فإن العلم حاصل بتضليل كل فريق لصاحبه، ونحوه قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ
نَصارى (٢) واعلم أن ما ذكروه فى هذه الآية الكريمة، لا يخلو عن إشكال فإن أو فى قوله تعالى: أَوْ نَصارى إما أن يقدر بعدها قول أو لا، فإن قدر بأن يكون تقديره أو قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، لم يصح، لأن ذلك حينئذ موضع الواو خ خ، لا أو خ خ، ثم إنا ولو جعلنا أو بمعنى الواو، وقدرنا قولا محذوفا، يخرج عن اللف، فإنه يصير الضمير الأول لليهود فقط، وهذا ليس مرادهم قطعا، ألا ترى لقول الزمخشرى: فلف بين القولين، وإن لم نقدر قولا بعد، أو فكيف ينسب إلى أهل الكتاب على الإطلاق هذا القول، وهو بجملته غير صادر من أحد منهم، بل مخالف لقول كل من الفريقين؟ والذى يظهر لى فى الآية الكريمة أنها ليست من اللف والنشر فى شئ، وإنما المراد نسبة هذا القول بجملته إلى كل من اليهود والنصارى، غير أنه إجمال وتفصيل، بأن يكون جرد من قول الفريقين قول كلى تضمنه مقالتهما، فإن قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، يتضمن أن غير اليهود لا يدخل الجنة، وكذلك قول النصارى، فنسب إلى كل من الفريقين قوله: لا يدخل الجنة أحد ليس يهوديا ولا نصرانيا، ثم إن قلنا: الاستثناء من النفى ليس إثباتا، فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ذلك، وإن قلنا: إنه إثبات، فوجهه أنهم لما كان مقصودهم الأعظم نفى دخول المسلمين الجنة، وكان كل من فريقى النصارى، واليهود أحقر عند الآخر من الانتصاب لمعارضته، كان قول اليهود مثلا لن يدخل الجنة إلا يهودى يتضمن نفيه عن غير اليهودى والنصرانى، كما أشير إليه بالنفى ويتضمن إثبات دخولها لأحد فريقى اليهود والنصارى لأن إثبات دخولها لأحد الفريقين
стр. 867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عينا وهم اليهود إثبات لدخول أحد الفريقين مطلقا، لأن الأخص يستلزم الأعم، فقولهم: لن يدخل الجنة إلا يهودى، يصدق أنه ينسب به إليهم أنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى؛ لأن من أثبت قيام زيد دون عمرو، يصدق عليه أنه أثبت قيام أحد الرجلين، لا يقال: فيلزم أن يحكى عنهم أنهم قالوا: لن يدخل إلا يهودى أو نصرانى أو مسلم، لأنا نقول:
لما كان مقصودهم الأصلى هو نفى دخول المسلمين صرح بنفيه ولم يذكر الأعم الشامل له، ولما لم يكن قول كل منهم: لن يدخل الجنة إلا يهودى أكثر قبحا من قوله: لن يدخل الجنة إلا يهودى، أو نصرانى حكى من كلامهم الثانى الذى هو موجود فى ضمن قولهم الأول، بل هو أبلغ فى الشناعة عليهم؛ لأنه بين به انصباب غرضهم فى اختصاص
المسلمين بالإبعاد عن الجنة، فليتأمل ما ذكرناه فإنه حسن دقيق. قيل: ويجوز أن يكون فى الآية حذف، والتقدير:
وقالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، فيكون لفا ونشرا بالتفصيل لا الإجمال، وفيه نظر؛ لأن المذكور هو الضمير الشامل للفريقين، فكيف يكون الحذف؟
(تنبيه): بقى من اللف والنشر قسم ثالث لم يذكره، أشار إليه الزمخشرى فى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ (١) قال: وهذا من باب اللف، وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين الفريقين الأولين بالقرينين الآخرين، لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشئ واحد مع إعانة اللف على الاتحاد. ويجوز أن يراد: منامكم فى الزمانين وابتغاؤكم فيهما، والظاهر الأول؛ لتكرره فى القرآن. قلت: نعم بقى الكلام فى صحة ما قاله الزمخشرى من جهة الصناعة، وهو فى غاية الإشكال؛ لأنه إذا كان المعنى ما ذكره، يكون النهار معمول ابتغاؤكم خ خ، وقد تقدم عليه وهو مصدر، وذلك لا يجوز، ثم يلزم إما عطف على معمولى عاملين، أو تركيب لا يسوغ، ثم هذه الواو فى" وابتغاؤكم" كيف موقعها؟ فليتأمل. وهذا يعكر على ما تقدم من حد اللف والنشر، فإنه يشعر أنه لا بد من تقدم اللف بجملته، ثم يأتى النشر بعده، وهذا الموضع وقع فيه بعض النشر، قبل تكميل اللف، والعجب أن الطيبى عثر بهذا الموضع، ومع ذلك حد اللف والنشر كما ذكره غيره، ولم يتنبه لإصلاحه بما يدخل هذا النوع، وكان يمكن أن يجعل من اللف والنشر قسم رابع، وهو عكس الثانى، بأن تقول:
قالت اليهود والنصارى: لا يدخلون الجنة، كما فى أحد نوعى الجمع، والتقسيم الذى سيأتى.
стр. 868
الجمع
ومنه: الجمع؛ وهو أن يجمع بين متعدّد فى حكم واحد؛ كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا (١)، ونحو [من الرجز]:
إنّ الشّباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أى مفسده
التفريق
ومنه: التفريق؛ وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع، فى المدح أو غيره، كقوله [من الخفيف]:
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء
ــ
الجمع: ص: (ومنه الجمع إلخ).
(ش): الجمع اصطلاحا: عبارة عن جمع متعدد فى حكم، إما اثنين كقوله تعالى:
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، أو أكثر كقول الشاعر:
إنّ الشّباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أىّ مفسده (٢)
ولو أن المصنف أنشد عليه فى الإيضاح قول محمد بن وهيب:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحق والقمر (٣)
لكنت أقول: إن بداعة هذا يشترط فيها الإخبار عن المتعدد بمفرد يصدق على الجميع لكونه مصدرا، أو نحوه؛ فإن زينة ومفسدة، كذلك، وإلا فمجرد الجمع بين متعدد بعطف، أو تثنية، أو جمع من غير أن يكونا من نوعين متباعدين، غير متناسبين، أى بديع فيه؟
قوله فى البيت: (أى مفسده) على تأويل المفسدة بالمفسد، ولولا ذلك لأنث، وقال: أية مفسدة (ومنه التفريق، وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع واحد، إما فى المدح أو غيره) والمراد بالنوع الواحد، ما اتحد فيه، إما بالحقيقة، أو الادعاء، كقوله، وينسب للوطواط الشاعر:
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ... ونوال الغمام قطرة ماء (٤)
стр. 869
التقسيم
ومنه: التقسيم؛ وهو ذكر متعدّد، ثم إضافة ما لكلّ إليه على التّعيين؛ كقوله [من البسيط]:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلّا الأذلّان عير الحى والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثى له أحد
ــ
كان ينبغى أن يفسرها هذا بإيقاع عدم التشابه بين المتشابهين، لا بإيقاع التباين، وعليه قوله:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف فى الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين (١)
ويمكن أن يكون منه قوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ (٢) الآية (ومنه التقسيم وهو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل) من أفراده (إليه على التعيين) والمراد بالإضافة:
نسبته إليه، ويحترز بقوله على التعيين من اللف والنشر، ومثاله:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلّا الأذلان عير الحى والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد (٣)
وقال السكاكى وهو أن تذكر شيئا ذا جزأين أو أكثر، ثم تضيف لكل من أجزائه ما هو له عندك كقوله:
أديبان فى بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد
فهذا طويل كظلّ القناة ... وهذا قصير كظلّ الوتد (٤)
стр. 870
الجمع مع التفريق
ومنه: الجمع مع التفريق؛ وهو أن يدخل شيئان فى معنى، ويفرق بين جهتى الإدخال؛ كقوله [من المتقارب]:
فوجهك كالنّار فى ضوئها ... وقلبى كالنّار فى حرّها
الجمع مع التقسيم
ومنه: الجمع مع التقسيم؛ وهو جمع بين متعدّد تحت حكم، ثم تقسيمه، أو العكس:
فالأول: كقوله [من البسيط]:
حتّى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الرّوم والصّلبان والبيع
للسّبى ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنّهب ما جمعوا، والنّار ما زرعوا
ــ
وهذا يقتضى أن يكون التقسيم أعم من اللف والنشر، كذا قال المصنف. قلت: لم يظهر فرق بين ما أنشده السكاكى، وما أنشده المصنف، ولم يظهر لى فى شئ من المثالين إضافة ما لكل إليه على التعيين، لأنه إن كان المراد التعيين من خارج فكل لف ونشر كذلك، وإن كان من اللفظ، فليس فى اللفظ غير اسم الإشارة فى كل منهما، وهو صالح لكل منهما، وهذا وذا سواء فى قرب المشار إليه (ومنه الجمع مع التفريق، وهو أن يدخل شيئان فى معنى واحد، ويفرّق بين جهتى الإدخال كقوله:
فوجهك كالنّار فى ضوئها ... وقلبى كالنّار فى حرّها) (١)
شبه وجه الحبيب وقلبه بالنار، وفرق بين وجهى التشبيه، ومنه قوله تعالى:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً (٢) وهذا فى الحقيقة ليس نوعا زائد، بل نوعا جمع وتفريق، إلا أن يخص اسم الجمع بأن يذكر المتعدد أولا، ثم يحكم عليه (ومنه الجمع مع التقسيم، وهو جمع متعدد تحت حكم، ثم تقسيمه، أو تقسيمه ثم جمعه) فالأول، كقوله أى المتنبى:
حتّى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الرّوم والصّلبان والبيع
للسّبى ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنّهب ما جمعوا والنّار ما زرعوا (٣)
стр. 871
والثانى: كقوله [من البسيط]:
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا
سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق - فاعلم - شرّها البدع
الجمع مع التفريق والتقسيم
ومنه: الجمع مع التفريق والتقسيم؛ كقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١)،
ــ
فأتى بالجمع فى الأول فى قوله: تشقى به الروم، ثم قسم ذلك بالبيت الثانى، والثانى كقوله، أى حسان:
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النّفع فى أشياعهم نفعوا (٢)
سجيّة تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع
قسم أولا صفة الممدوحين، ثم جمعها فى الثانى، وقد يقال - أيضا -: ليس هذا نوعا زائدا، بل نوعان مجتمعان، لا يقال: هلا جعل هذا النوع من اللف والنشر؟ بأن يبدأ بالنشر، ثم يأتى باللف كما بدأ بالتقسيم، ثم أتى بالجمع، إذ لا مانع أن تقول: اسكنوا وابتغوا من فضل الله بالليل والنهار، لأنا نقول: لم يتقدم هنا أيضا إلا اللف نعم يمكن أن يقال: هلا جعل القسم الثانى من اللف كذلك؟ كقولنا: دخول اليهود الجنة، ودخول النصارى الجنة قاله الكفار، وقد يقال هذا.
(ومنه الجمع مع التقسيم والتفريق كقوله تعالى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) فالجمع فى قوله تعالى: لا تكلم نفس، لأن النفس عامة، لأنها نكرة فى سياق النفى
стр. 872
وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين:
أحدهما: أن تذكر أحوال الشئ مضافا إلى كلّ ما يليق به؛ كقوله [من الطويل]:
سأطلب حقّى بالقنا ومشايخ ... كأنّهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا
والثانى: استيفاء أقسام الشئ؛ كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً (١).
ــ
والتفريق فى قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ والتقسيم فى قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا الآية ثم قال المصنف: (وقد يطلق التقسيم على أمرين آخرين أن تذكر أحوال الشئ مضافا إلى كل ما يليق به، كقوله) أى أبى الطيب:
سأطلب حقّى بالقنا ومشايخ ... كأنّهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا (٢)
والثانى استيفاء أقسام الشئ كقوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً وقد احتج بهذه الآية على انتفاء الخنثى المشكل، والحق وجوده، وقد اختلف فيه أصحابنا أهو قسم ثالث غير الذكر، والأنثى أو لا؟ والصحيح أنه لا يخرج عنهما، وهذه الآية لا تدل عليه، إذا كان المراد استيعاب الأقسام، إلا أن يقال: ترك الخنثى، لأنه نادر، والآية سيقت فى معرض الامتنان، فاقتصر فيها على الغالب، وقد جعل الطيبى من التقسيم الحاصر قوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (٣) وأنكره شارح البزدوى نظرا إلى أنه ليس معه حصر، وادعى الطيبى التقسيم الحاصر فى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (٤) الآية وفيه نظر، لما سبق بخلاف: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٥) الآية فإنها اقتضت وقوع أحد هذه الأمور، فلو كان (٦)، ثم قسم آخر لوقع فثبت الحصر، وأنشد البغدادى للتقسيم الحاصر قول الثقفى:
стр. 873
التجريد
ومنه: التجريد؛ وهو أن ينتزع من أمر ذى صفة آخر مثله فيها؛ مبالغة لكمالها فيه، وهو أقسام:
منها: نحو قولهم: لى من فلان صديق حميم، أى: بلغ فلان من الصداقة حدّا صحّ معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها.
ومنها: نحو قولهم: لئن سألت فلانا، لتسألنّ به البحر.
ومنها: نحو قوله [من الطويل]:
وشوهاء تعدو بى إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحّل
ــ
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرّا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا (١)
التجريد: ص: (ومنه التجريد إلخ).
(ش): من أنواع البديع التجريد، وهو عبارة عن أن ينتزع من أمر ذى صفة أمر آخر مثله فى تلك الصفة على سبيل المبالغة فى كمال الصفة فيه، حتى إنه ليتجرد منه مثله فيها، وهو أقسام منها: أن لا يقصد تشبيه الشئ بغيره، ويكون التجريد" بمن" نحو قولهم:" لى من فلان صديق حميم" أى: بلغ فى الصداقة حدا يصح معه أن يستخلص منه آخر مثله فى الصداقة، وتسمى من هذه تجريدية، ومنها: أن يقصد تشبيه الشئ بغيره، ويكون بالباء كقولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر وسنذكر كيفية التجريد، ومنها: أن لا يقصد تشبيه الشئ بغيره، ويكون بالباء نحو قوله:
وشوهاء تعدو بى إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحّل (٢)
الشوهاء: صفة محمودة فى الفرس، ويقال: يراد بها سعة أشداقها. والفنيق: الفحل الذى لا يؤذى ولا يركب لكرامته على أهله. والمرحل: المرسل السائر، فقوله: تعدو
стр. 874
ومنها: نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) أى: فى جهنم، وهى دار الخلد.
ومنها: نحو قوله [من الكامل]:
ولئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوى الغنائم أو يموت كريم
وقيل: تقديره: أو يموت منى كريم. وفيه نظر.
ــ
بى، أى تسير بى بمستلئم، أى لابس لأمة فجرد من نفسه لابس لأمة مثله. وفيه نظر، لجواز أن يكون بمستلئم بدلا من قوله: بى فلا يكون فيه تجريد، فإن ذلك جائز عند الكوفيين والأخفش قياسا، وعند غيرهم لا يجوز إلا قليلا، فيجوز أن يكون هذا من ذلك القليل، ومنها أن يكون بفى ولا يقصد تشبيه الشئ بغيره نحو قوله تعالى:
لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً (٢) فإن جهنم أعاذنا الله منها هى دار الخلد لكنه انتزع منها مثلها وجعل دار الخلد معدة للكفار تهويلا. ومنها أن يكون بغير حرف، ولا يقصد تشبيه شئ بغيره، نحو قول الحماسى:
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوى الغنائم أو يموت كريم (٣)
وكذلك قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٤) على قراءة الرفع، أى فحصلت وردة، وقيل: تقديره، أى البيت: أو يموت منى كريم أى يموت من قبيلى رجل غيرى كريم، وقيل: أو يموت منى كريم يريد نفسه، والفرق بينه وبين الأول، أن الأول تجريد بغير حرف وهذا تجريد بحرف محذوف. قال المصنف: وفيه نظر، يريد فى كون هذا البيت من التجريد نظر. قال الخطيبى: إن مراده بالنظر أنه من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، لأن مراد الشاعر من قوله: كريم نفسه، ورد بأن الالتفات لا ينافى التجريد، بل هو واقع بأن يجرد المتكلم نفسه من ذاته، فيجعلها شخصا آخر ثم يخاطبه، أو يفرضه غائبا إما لتوبيخ (٥)، أو نصح، أو غير ذلك. قلت: قد سبق لنا عند الكلام على الالتفات من المعانى، كيفية اجتماع التجريد والالتفات بما يغنى عن إعادته، فيطلب من موضعه، غير أن قول المصنف: وقيل:
стр. 875
ومنها: نحو قوله [من المنسرح]:
يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا
ومنها: مخاطبة الإنسان نفسه؛ كقوله [من البسيط]:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم يسعد الحال
ــ
تقديره: أو يموت منى كريم يقتضى أن التقدير الذى ذكره إنما يكون على القول الثانى، وليس كذلك، لأنه سواء كان تجريدا أو لا، فتقدير منى لا بد منه، وبهذا تعلم أن قوله: فيه نظر، لا يعود على القول الثانى، وقيل: إن وجه النظر هو أن الأصل عدم التقدير اللفظى، لأنا إذا قدرنا: يموت منى كريم وجعلناه تجريدا بحرف، كان فيه حذف لفظى، الأصل عدمه ومنها نحو قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا (١)
فإنه جرد من كفه كف غير بخيل، والإشارة بهذا النوع إلى تجريد ما لم يقصد به التشبيه، وهو بغير حرف، وهو كالذى قبله، إلا أن أو يموت كريم تجريد بمنطوق، وهذا تجريد بمفهوم، لأن قوله: بكف من بخلا ليس فيه تجريد، بل مفهومه أنه يشربها بكف من لم يبخل، فكأنه جرد من نفسه غير بخيل، وأثبت بالمفهوم أنه يشربها بكفه. وقد أنكر الطيبى أن يكون هذا تجريدا؛ لأن التجريد يكون من منطوق، لا من مفهوم. وقيل: إن قوله: بكف من بخلا كناية، وفيه نظر، لأن الكناية لا تنافى التجريد، ومنها أن يكون بغير حرف، ولا يقصد التشبيه، وهذا هو الذى قبله، إلا أن هذا اختص بنوع، وهو مخاطبة الإنسان نفسه، كقوله أى المتنبى:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم يسعد الحال (٢)
قلت: وقد يكون ذلك بغير المخاطبة، فإن قيل: أين المبالغة فى التجريد بخطاب الإنسان لنفسه؟ قلت: كأنه يجعل نفسه لكمال الإدراك، كأن فيها نفسا أخرى، ومن
стр. 876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحسنه قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها (١) صيرها لشدة جدالها كأنها تجادل عن غيرها. وبقى من أنواع التجريد أن يقصد التشبيه ويكون بمن أو فى نحو: رأيت من فلان أو فيه البحر أو لا يقصد التشبيه ويكون بالباء أو فى نحو: لى به أو فيه صديق حميم فكون المصنف جعل القسم الأول يكون بالباء فقط، والثانى بمن لا يظهر لى وجهه، واعلم أن فى انطباق بعض هذه الأقسام (على حد التجريد السابق) نظرا لأنك فى نحو: لا خيل عندك لم تجرد شيئا مثل نفسك فى صفة، بل جردت ذاتا من ذات لا باعتبار صفة إلا بأن نؤول على الصفة، واعلم أيضا أن حد التجريد يقتضى أن يكون المذكور هو المجرد، والذى يظهر فى نحو: رأيت منك صديقا ذلك، فيكون الصديق مجردا، والمخاطب مجردا منه، وفى نحو: رأيت بفلان البحر، أنك جردت من البحر حقيقة أخرى، وجعلتها الإنسان، إن كانت الباء للسببية، أى بسبب رؤية فلان، وإن كانت ظرفية فتكون جردت من البحر بحرا آخر جعلته فى الإنسان، ويحتمل أنك جردت الأوصاف الجسمية عن الإنسان، فإذا قلت:" سألت بفلان البحر" كأنك جردت عنه أوصافا جسمية وغيرها، فيكون البحر مجردا عنه لا مجردا، كأن البحر كان فى ضمنه، فلما أزيلت أوصاف الإنسان غير كونه بحرا لم يبق إلا البحر، فكان هو المسئول.
(تنبيه): يؤخذ من كلامهم أن فى" الباء" التجريدية قولين: أحدهما، أنها سببية، وأشار إليه فى الكشاف حيث قال فى قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٢) أى: فاسأله بسؤاله خبيرا، كقولك: رأيت به أسدا، أى: برؤيته انتهى، ونقل مثله عن أبى البقاء. والثانى: أنها ظرفية، واقتضى كلام الطيبى على الكشاف نقله، وأن قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ لا حاجة فيه إلى تقدير سؤاله، بل هى تجريدية من غير هذا التقدير، وأما من التجريدية، فكلام الزمخشرى يقتضى أنها بيانية حيث قال فى قوله تعالى: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ. (٣) يحتمل أن تكون بيانية، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين ثم بين القرة بقوله: مِنْ أَزْواجِنا وهو من قولهم: رأيت منك أسدا أى أنت أسدا انتهى، وفيه نظر، لأن من البيانية عند المثبت لها شرطها، أن يتقدم عليها المبين، والظاهر أن من التجريدية ابتدائية، أو ظرفية.
стр. 877
المبالغة
ومنه: المبالغة المقبولة، والمبالغة: أن يدّعى لوصف بلوغه فى الشدّة أو الضعف حدّا مستحيلا أو مستبعدا؛ لئلا يظنّ أنه غير متناه فيه (١).
وتنحصر فى: التبليغ، والإغراق، والغلوّ؛ لأن المدّعى: إن كان ممكنا عقلا وعادة:
فتبليغ؛ كقوله [من الطويل]:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل
ــ
المبالغة: ص: (ومنه المبالغة المقبولة إلخ).
(ش): اختلفوا فى المبالغة، فمنهم من لا يرى لها فضلا محتجان (٢) بأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق، وكان على نهج الصدق، ولأنها لا تكون إلا من ضعيف عجز عن الاختراع، والتوكيد يعمد إليها لسد خلله، ومنهم من يقصر الفضل عليها وينسب المحاسن كلها إليها، محتجا بأن أحسن الشعر أكذبه. حكاهما فى المصباح، ومقتضى تعليله أن المبالغة كذب. وليس كذلك، ولو كانت كذبا لما وردت فى القرآن، ولا السنة، وقسم فى المصباح المبالغة إلى ما كان باستعمال فى غير موضوع كالاستعارة، وما كان بتكرار مثل: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ (٣) أو تقسيم مثل: ونكرم جارنا البيت الآتى، وأما المصنف فقد جعل من البديع المعنوى المبالغة المقبولة وقدم المصنف عليها المبالغة مطلقا، وهو أن يدعى لوصف بلوغه فى الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا، لئلا يظن أنه غير متناه فى ذلك الوصف، والضمير فى قوله: فيه مفرد، لأنه عائد لأحد المتعاطفين بأو وتنحصر المبالغة فى التبليغ والإغراق والغلو، ووجه الحصر أن المدعى للوصف من الشدة أو الضعف، إما أن يكون ممكنا عقلا وعادة، أو لا، فإن كان فيسمى تبليغا كقوله أى: امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل (٤)
стр. 878
وإن كان ممكنا عقلا لا عادة: فإغراق؛ كقوله [من الوافر]:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
وهما مقبولان؛ وإلا (١) فغلوّ؛ كقوله [من الكامل]:
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق
والمقبول منه أصناف؛ منها: ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة؛ نحو: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (٢).
ــ
وصف الفرس بأنه أدرك ثورا وبقرة وحشيين فى مضمار واحد ولم يعرق والعداء (بالكسر) الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما فى أثر الآخر وفيه نظر، لأن هذا إخبار بالواقع بغير مبالغة، وإن كان ممكنا عقلا لا عادة سمى إغراقا كقوله:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا (٣)
فإن كون جاره لا يميل إلى جهة إلا تبعته كرامته مستحيل عادة ممكن عقلا، كذا قيل.
وفيه نظر لإمكان حمل ذلك على تزويده بما يصاحبه فى كل جهة يميل إليها، كما هى عادة الكرام، وهذا البيت أنشده عبد اللطيف البغدادى: ونكرم ضيفنا، وعزاه إلى عمرو بن الأيهم، وهما أى التبليغ والإغراق، مقبولان قوله (وإلا) أى وإن لم يكن القدر المدعى من شدة الوصف أو ضعفه ممكنا عقلا، فالمبالغة تسمى غلوا كقول أبى نواس:
وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق (٤)
ثم أخذ المصنف فى بيان المقبول من هذه الأقسام، فالقسمان الأولان وهما: التبليغ، والإغراق، مقبولان لأنهما من البديع (و) الثالث وهو الغلو المقبول منه أصناف، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظ: يكاد فى قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ولك أن تقول المستحيل كيف يقرب من الصحة بكاد أو غيرها، وكقول الشاعر، وقيل: هو ابن حميد الصقلى:
ويكاد يخرج سرعة عن ظلّه ... لو كان يرغب فى فراق رفيق (٥)
стр. 879
ومنها: ما تضمّن نوعا حسنا من التخييل؛ كقوله [من الكامل]:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
وقد اجتمعا فى قوله [من الطويل]:
يخيّل لى أن سمّر الشّهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى
ومنها: ما خرّج مخرج الهزل والخلاعة؛ كقوله [من المنسرح]:
أسكر بالأمس إن عزمت على الش ... شرب غدا إنّ ذا من العجب
ــ
ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، كقوله يعنى: أبا الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا (١)
وفى جميع هذه الأمثلة وكونها من المستحيل عقلا، نظر، إذ العقل لا يمنع أن يضئ الزيت، وأن يخرج الفرس عن ظله، وأن تعقد حوافر الخيل غبارا ويتكاثف حتى يمكن السير عليه، ولا استحالة فى انعقاد الغبار، وقد اجتمعا فى قوله، أى قول الأرّجانى يصف الليل بالطول:
يخيّل لى أن سمر الشهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدابى إليهنّ أجفانى (٢)
فإن لفظة يخيل لى تقربه إلى الصحة؛ وفيه نظر، لأنها تجعله صحيحا لأن قوله: يخيل لى ممكن بأن يكون خيالا فاسدا، وفيه تخييل بليغ، وهو تسمير الشهب فى الدجى، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة، كقوله:
أسكر بالأمس إن عزمت على الش ... شرب غدا إن ذا من العجب (٣)
عنه إنه كثير الرحمة لم تبالغ، وكما أنك إذا قلت: عندى ألف ليس فيه مبالغة بالنسبة إلى من قال: عندى واحد، ولا بد فى المبالغة من تجوز، نعم تحسن المبالغة إذا قلت: زيد رحيم خ خ، ولم يكن كثير الرحمة، بل أردت أن تبالغ فى الرحمة اليسيرة الواقعة منه لغرض من الأغراض، فهذه حينئذ مبالغة، وكذلك إذا قلت: عندى ألف رجل وأردت مائة تعظيما لهم فقد تبين بذلك أن هذه الألفاظ ليست موضوعة للمبالغة البديعية، وأن من يطلق عليه المبالغة، فذلك بحسب اصطلاح النحاة واللغويين،
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نظرا إلى ما دل عليه بالنسبة إلى ما دل عليه مطلق اسم الفاعل، فليتأمل. ثم قال الرمانى:
من المبالغة التعبير بالصفة العامة فى موضع الخاصة، كقوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (١) قال: وكقول القائل: أتانى الناس ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة، فاستكثرهم وبالغ فى العبارة عنهم. قلت: هذا صحيح، إلا أن التقييد بالخمسة لا أدرى مستنده فيه، وقد أطلق الناس على واحد، كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ (٢) وأريد نعيم بن مسعود على ما ذكره جماعة على أن الشافعى رضى الله عنه نص على أن اسم الناس يقع على ثلاثة فما فوقها، وأن المراد بالناس فى قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ «٢» أربعة ثم جعل الرمانى من المبالغة إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم للمبالغة كقوله تعالى:
وَجاءَ رَبُّكَ (٣)، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ (٤) وإن كان المراد جاء أمره، وجعل من المبالغة إخراج الممكن إلى الممتنع مثل قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (٥) وجعل من المبالغة إخراج الكلام مخرج الشك، ومثله بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦) ونحو قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ (٧) وجعل منه حذف الأجوبة للمبالغة نحو: وَلَوْ تَرى (٨) وهذا كله عرف مما سبق من علم المعانى والبيان. قال عبد اللطيف البغدادى: ومتى وقعت المبالغة فى قافية سميت إيغالا وهو أن يأتى البيت تاما من دون القافية، ثم تأتى القافية لحاجة البيت إلى الوزن فيزداد المعنى جودة وأنشد:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب (٩)
وقد تقدم هذا فى باب الإيجاز والإطناب.
(تنبيه): سمعت بعض المشايخ يقول: إن صفات الله - تعالى - التى هى على صيغة المبالغة كغفار، ورحيم وغفور، ومنان، كلها مجازات، وهى موضوعة للمبالغة ولا مبالغة